كتاب الصلاة - 9
عدد الزيارات 1543

طالب: وتُستحَب صلاته في ثوبين، ويكفي سَترُ عورته في النفل، ومع أحد عاتقيه في الفرض، وصلاتها في دِرْع وخِمار وملحفة، ويجزئ ستر عورتها.
ومن انكشف بعضُ عورته وفَحُشَ أو صلَّى في ثوبٍ مُحَرَّمٍ عليه أو نجس أعاد، لا مَنْ حُبِسَ في مَحلٍّ نَجِسٍ، ومن وَجَدَ كفايةَ عورتِه سَتَرَها وإلا فالفرجين فإن لم يكفهما فالدُّبُر، وَإِنْ أُعير سُتْرَةً لَزِمَهُ قَبولُها.
ويصلي العاري قاعدًا بالإيماء استحبابًا فيهما، ويكون إمامُهم وسطَهم، ويُصَلِّي كلُّ نوع وحده، فإن شَقَّ صلى الرجالُ واسْتَدْبَرَهُم النساء ثم عكسوا، فإنْ وَجَدَ سُتْرَةً قريبة في أثناء الصلاة سَتَر وبنى وإلا ابتدأ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، سبق لنا أن سَتْر العورة شرط لصحة الصلاة، وأن الأحسن من هذا التعبير أن نعبِّر..
طالب: نقول: فلا نعبِّر بـ(ستر العورة)، بل نقول: اللباس في الصلاة.
الشيخ: نعم.
طالب: أَخْذ الزينة.
الشيخ: أخذ الزينة، تبعًا؟
الطالب: لقوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٣١].
الشيخ: أحسنت، ما هو الدليل على أنها شرط لصحة الصلاة؟
طالب: الدليل على أنها شرط لصحة الصلاة القاعدة الشرعية التي تقول: إن كل أمر في العبادة فهو شرط في صحتها.
الشيخ: الدليل؟ ما هو بالتعليل.
الطالب: أمرَ الله سبحانه وتعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ..
الشيخ: الكتاب؟
الطالب: إي الكتاب.
الشيخ: ويش بعد؟
الطالب: والسُّنَّة.
الشيخ: والسُّنَّة.
الطالب: وإجماع العلماء.
الشيخ: والإجماع؛ الكتاب؟
الطالب: قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، وقد فسرها سبب النزول.
الشيخ: نعم، من السُّنة؟
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ» .
الشيخ: هذا منها، ومنها؟
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَلَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ» .
الشيخ: دليل ثالث؟
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنْ كَانَ ضَيِّقًا..».
الشيخ: في حديث جابر: «إِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ، وَإْنَ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ» .
طالب: الإجماع.
الشيخ: الإجماع؟
طالب: إجماع العلماء.
الشيخ: مَنْ نَقله مِنْ أهل العلم؟ لأن (...) بالإجماع (...) أجمعوا (...) أنهم أجمعوا على ذلك (...)؟
طالب: ابنُ عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية.
الشيخ: نعم، ابن عبد البر؛ لأنه سبق شيخ الإسلام.
المؤلف رحمه الله بَيَّن العورات بناءً على التعبير (ستر العورة) وذكر أنها ثلاثة أقسام، على كلام الفقهاء العورة ثلاثةُ أقسام؟
طالب: مغلظة، ومخففة، ومتوسطة.
الشيخ: أحسنت، ما هي المغلظة؟
الطالب: المغلظة عورة الحرة البالغة.
الشيخ: الحرة البالغة، اذكرها؟
الطالب: وهي كلها.
الشيخ: عورة المرأة الحرة البالغة، وهي كلها.
الطالب: إلا وجهها في الصلاة.
الشيخ: إلا وجهها، أحسنت، إذن يجوز أن تصلي المرأة في المساجد وهي كاشفة الوجه؟
طالب: إذا أمنت الفتنة جاز لها ذلك؛ يعني: يوجد فاصل بين النساء والرجال؛ لا يطلع الرجال على النساء ولا النساء على الرجال.
الشيخ: إي نعم، وإلَّا وجب ستره من أجل الصلاة ولَّا من أجل النظر؟
الطالب: من أجل النظر.
الشيخ: من أجل النظر، صح.
ما هي المخففة؟
طالب: العورة المخففة هي للغلام الصغير.
الشيخ: الغلام الصغير من إلى؟
الطالب: من سبع إلى عشر.
الشيخ: من سبع إلى عشر، قالوا: إن عورته هي؟
الطالب: مخففة.
الشيخ: إي، ويش؟
الطالب: عورته الفرجان.
الشيخ: الفرجان القبل والدبر.
المتوسطة؟
طالب: المتوسطة هي عورة الرجل البالغ.
الشيخ: ما عدا ذلك؟
الطالب: ما عدا ذلك.
الشيخ: أحسنت، ما عدا ذلك، على كل حال هذا كلام الفقهاء رحمهم الله، ونحن ذكرنا أن الصحيح أنه يجب أخذ الزينة كما قال الله عز وجل، فما أعده الناس زينة وجب أخذه.
لو قال قائل: ما حكم الصلاة محسور الرأس؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؟
طالب: أو حسب العرف.
الشيخ: محسور الرأس؟
الطالب: حسب العرف.
الشيخ: رجل صلى حاسرًا رأسه؟
الطالب: اختلاف الحكم باختلاف العرف.
الشيخ: إي نعم، لكن هل هو شرط ستره؟ على كل الأعراف شرط ولَّا غير شرط؟
الطالب: على العرف الذي لا يراه من الزينة يعتبر شرطًا.
الشيخ: الذين لا يرونه من الزينة يعتبرونه شرطًا؟!
الطالب: إي نعم.
الشيخ: والذين يرونه من الزينة؟ لعلك تريد العكس.
طالب: ليس شرطًا مطلقًا.
الشيخ: ليس شرطًا مطلقًا، صح، إي نعم، ليس شرطًا مطلقًا؛ ولهذا كل المُحرِمين يكشفون رؤوسهم، ولو كان شرطًا لكان مقدَّمًا على كشفه -كشف الرأس في الإحرام- (من انكشف بعضُ عورته وفَحُشَ).
هذه (مَنْ) شرطية، فعل الشرط (انكشف)، وجواب الشرط قوله: (أعاد)، فالجملة الشرطية هذه تشتمل على عدة مسائل:
المسألة الأولى قوله: (ومَنِ انكشف بعضُ عورته وفَحُشَ) وتقدَّم الكلام عليها، وذكرنا أن الفُحْشَ يختلف بحسب المنكشَف، فما قَرُب من السوأتين -وإن قلَّ- أفحشُ مما بَعُد عنهما.
ثانيًا: المسألة الثانية قال: (أو صلَّى في ثوب مُحَرَّمٍ عليه)، إذا صلى في ثوب محرَّم عليه أعاد؛ مثل أن يصلي الرجل في ثوب حرير أو المرأة في ثوب رجل، الأول لا تَصِحُّ صلاتُه لأن الحرير محرَّم على الرجال؛ لحديث على بن أبي طالب: «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» ، فإذا صلَّى الرجل في ثوب حرير فصلاته باطلة، تجب عليه الإعادة.
صلاة المرأة في ثوب الرجل حرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المتشبِّهات من النساء بالرجال ، والتي تلبس ثوبَ رجل متشبهةً بالرجل، فهذا الثوب حرام.
الأول حرام لجنسه، والثاني حرام لوصفه؛ الأول وهو الحرير حرام لجنسه؛ لأن جنس الحرير حرام على الرجال، والثاني حرام لوصفه أي: لكونه تشبُّهًا بالرجال.
لو صلَّى رجلٌ أو امرأةٌ بثوب فيه صوَر أيضًا لم تصحَّ الصلاة؛ لأن لباس الثوب المصوَّر الذي فيه الصور حرام، فإن الصور لا يحل اقتناؤها.
لو صلَّى رجل أو امرأة بثوب مغصوب فالصلاة أيضًا لا تصح، تجب عليه الإعادة؛ لأن الثوب المغصوب حرام لبسُه على الغاصب، سواء كان رجلًا أم امرأة.
لو صلَّى رجل أو امرأة في ثوب ثمنُه حرام فيه تفصيل؛ إن وقع العقد على عين الثمن فالصلاة فيه حرام وتبطل، وإن وقع العقد في الذمة ونقدَه من الثمن المحرَّم فالصلاة صحيحة؛ لأن لبس هذا الثوب غيرُ محرَّم، الفرق عندكم معلوم بين هذا وهذا؟
طلبة: (...).
الشيخ: غير معلوم، إن شاء الله يُعْلَم، إذا وقع العقد على عين الثمن مثل أن أقول: اشتريت منك هذا الثوب بهذه الدراهم، الآن العقد وقع على عين الدراهم؛ فهنا يكون لبس المشتري للثوب حرامًا، وإذا صلَّى فيه وجبت عليه الإعادة؛ لأن هذا الثوب حرام حيث كان عوضًا عن هذا الحرام.
مثال الثاني أن يشتري ثوبًا ثم ينقد ثمنه من مُحَرَّم؛ أن يشتري الثوب بعشرة ريالات ثم يذهب ويسرق عشرة ويعطيها البائع، الآن الثوب ثمنُه حرام؟
طلبة: نعم.
الشيخ: المعيَّن غير حرام؛ لأن الثمن غير معيَّن الآن، اشتريت منك ثوبًا بعشرة، ثبتت العشرة في ذمتي أنقدها من مالي، أنقدها من مال مسروق، من مال مغصوب، من أي مال.
قال العلماء: فهذا الثوب لباسه غير محرَّم فتصح الصلاة فيه لأن ثمنه غير معين في العقد، أفهمتم الآن ولَّا لا؟
فصار الثوب الذي ثمنه حرام إن عُيِّن الثمن في العقد حرُم استعمال الثوب؛ فإن استعمله وصلَّى فيه بطلت الصلاة، وإن لم يُعَيَّن بل اشتراه في ذمته ثم نقده من دراهم مُحَرَّمة فلبسُه حلال، والصلاة فيه صحيحة.
طالب: ما الضابط يا شيخنا؟
طالب آخر: في كلتا الحالتين الثمن المنقود من المشتري من مال حرام، فما الفرق إذن؟
الشيخ: الفرق إذا وقع العقد على عين الدراهم صار الآن بدلًا ببدل؛ ولهذا إذا وقع العقد على عين الدراهم لا يمكن للمشتري أن يبدِّلها؛ يعني لو قلت مثلًا لك: اشتريت منك هذا الثوب بهذه العشرة، ثم بدا لي أن أعطيك عشرة ورقة واحدة، هذه عشرة أوراق بعشرة أريل كل ورقة ريال، معلوم هذا ولَّا لا؟
اشتريت منك هذا الثوب بهذه العشرة؛ واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، عشرة، بهذه العشرة، ثم بدا لي؛ قلت: هات، لا، ما أعطيه عشرة، أعطيه عشرة ورقة واحدة من فئة عشرة؛ لأني أحتاج هادولي، (...) هل أملك التغيير الآن ولَّا لا؟ ما أملك التغيير؛ لأن البائع ملك العشرة الآن؛ حيث وقع العقد عليها بعينها.
لكن لو قلت: في جيبي الأيمن فئة عشرة وفي جيبي الأيسر فئة ريال، أنا بالخيار إن شئت أعطيتك من هذا وإن شئت أعطيتك من هذا، أفهمتم الفرق الآن؟ هذا هو الفرق.
يقولون: إن الثمن المعيَّن يكون العقد واقعًا عليه بعينه ويكون هذا المبيع عوضًا عن مُحَرَّمٍ، وعوض المحرم محرم، أما ما وقع في الذمة فهو في ذمة الإنسان، والذمة قابلة للتصرف؛ هكذا يُفَرِّق أهل العلم، وهو فرق دقيق في الواقع.
خلاصة الأمر، أو خلاصة القول أن مَن صلَّى في ثوب محرَّم عليه سواء كان لجنس الثوب أو لوصفه أو لكون ثمنه المعيَّن حرامًا فصلاته باطلة، ما الدليل؟
أقول: هذا مبني على أمر سبق، وهو أنه يُشترَط في الساتر أن يكون مباحًا؛ قالوا: لأن السِّتر عبادة، والعبادة إذا وقعت على وجه منهيٍّ عنه فقد وقعت على غير أمر الله ورسوله فتكون مردودة بدليل «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ، فأنت الآن سُتِرْتَ بثوب لا يُؤْذَن لك فيه شرعًا، أنت مأمور أن تخلعه، فكيف تتقرب إلى الله بلبسه، إذن تعبدت لله بماذا؟ بما نهاك عنه، وهذا تناقض، عملت عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون باطلًا مردودًا فتبطل الصلاة؛ لأن المحرم شرعًا كالمعدوم حسًّا، فلا يمكن أن تنتفع بهذا الثوب، أعرفتم الآن؟
وهذه المسألة خلافية وأظنني ذكرتها لكم، وقلت: إن بعض العلماء يقول: إن صلاته صحيحة.
والسِّتْر وصف في العبادة وليس هو العبادة، وهو حاصل بالثوب المحرَّم وغير المحرم، حاصل بهما جميعًا بالثوب المحرَّم وغير المحرم، والصلاة نفسها لم تقع على وجه محرَّم، وهي -أي الصلاة- هي موضع الحُكْم؛ حيث نقول: تصح أو لا تصح، وهي الآن واقعة على وجه محرَّم؛ يعني: لم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: لا تصلوا في ثوب مغصوب، لو قال: لا تصلوا في ثوب مغصوب، قلنا: مَنْ صلَّى في ثوب مغصوب بطلت صلاته؛ لأنه فَعَل العبادة على وجه منهي عنه محرم، لكن ما قال هكذا، بل أمر بستر العورة، وهذا رجل ستر عورته، لكنه آثم بالستر بمحرم، أما الصلاة ما لها دخل في الموضوع، الصلاة أُدِّيت على الوجه المطلوب، وعلى حسب ما أُمِرَ به، والستر حاصل، وأما كون الثوب مباحًا أو حرامًا فهذا يرجع إلى أمر آخر، والعبارة التي تقتضي أن تكون الصلاة باطلة لو كان الوارد في النصوص أيش؟ لا تصلوا في ثوب محرم، لو كان هكذا قلنا: نعم، إذا صلى في ثوب محرم بطلت صلاته؛ ولهذا من حيث الإفتاء نقول: إذا سألَنا سائل قد صَلَّى في ثوب محرم فلا يتوجه أمره بالإعادة.
وأما إذا سألَنا قبل أن يصلي فنقول: يجب عليك أن تخلعه لا من أجل الصلاة فحسب ولكن لأنه ثوب محرَّم لا يجوز لك استعماله، هذا إذا أردنا أن نفتي بهذه الفتوى، فيكون هناك فرق بين أن نمكن الإنسان من أن يستعمل المحرَّم فلا نمكنه، وبين أن يأتي إلينا يسألنا عن أمر مضى وانقضى لا يمكن أن نقول بالإعادة.
لكن على كلام المؤلف تجب الإعادة، لكن يُشترَط للإعادة في الثوب المحرَّم أن يكون عالمًا ذاكرًا، فإن كان جاهلًا فلا إعادة عليه، وإن كان ناسيًا فلا إعادة عليه، وهل يشترط أن يكون واجدًا غيره؟
طلبة: (...).
الشيخ: إنما يشترط؟ ننظر؛ نقول: إن حُرِّم لحق العباد اشترطنا ذلك؛ يعني بمعنى أنه إذا كان مُحرَّمًا لحق العباد فإنه لا يصلِّي فيه ولو كان لا يجد غيره، فإذا لم يكن عنده إلا ثوب مغصوب مثل رجل غصب ثوبًا وسافر وليس معه غيره، ثم هداه الله عز وجل وتاب وأراد أن يصلي، ماذا نقول له؟ نقول: اخلع الثوب، وصلِّ عُرْيَانًا، ولا يجوز أن تصلِّي بالثوب، لماذا؟ لأنه مُحَرَّم لحق الغير، إلا إذا كنت مضطرًا لدفع البرد فهنا صلِّ به؛ لأنه مباح، أما إذا كان ما في ضرورة (...) نقول: لا تُصَلِّ فيه، صَلِّ عُرْيانًا؛ لأن هذا محرم لحق من؟ لحق العباد، إن كان محرمًا لحق الله فيشترط أن يكون واجدا لغيره، فإن لم يجد غيره فلا حرج عليه أن يصلي به، كثوب الحرير للرجل، إذا لم يجد غيره فإنه يصلي فيه، لأن التحريم هنا لمن؟ لحقِّ الله عز وجل، ويسقط التحريم لحق الله عند الضرورة، وحينئذ يصلي ولا إعادة عليه، وكذلك لو كان ثوب فيه صور يصلي فيه إذا لم يجد غيره، فصار اشتراط الوجود فيما إذا كان التحريم لحق الله.
فنقول: إذا كان التحريم لحق الله فيشترط لوجوب الإعادة أن يجد غيره، فإن لم يجد غيره فلا إعادة عليه.
وقال بعض أهل العلم -في المسألة الأولى إذا كان محرَّمًا لحق الغير- إنه لا بأس أن يصلي فيه، قال: لأن هذا استعمال يسير جرت العادة والعرف بالتسامح فيه، ونحن يغلب على ظننا إن لم نعلم يقينا أن صاحب هذا الثوب إذا علم أنك استعملته لعدم وجود غيره فسوف أيش؟ سوف يسمح، هذا هو الغالب إن لم يكن المعلوم، وهذا القول ليس بعيدًا من الصواب، هذا القول ليس بعيدًا من الصواب ولا سيما إذا كنت تعرف أن الرجل الذي غصبته منه رجل كريم جيد، فهنا قد نقول: يتعين عليك أن تصلي فيه؛ لأن مثل هذا يُعلَم رضاه، هاتان المسألتان في فعل الشرط.
يقول المؤلف رحمه الله: (أو صلَّى في ثوب محرَّم عليه أو نَجس أعاد) إذا صلى في ثوب نجس أعاد، والمراد بالثوب النَّجس نجاسة لا يُعفى عنها، فإن كانت النجاسة يُعفى عنها فلا حرج عليه أن يصلي فيه، مثل الدم اليسير؛ فإن الدم اليسير النجس يُعفى عنه، إلا إذا كان خارجًا من السبيل على القول الراجح فلا يُعفى عنه كما سبق، المهم إذا صلَّى في ثوب نجس نجاسة لا يُعفى عنها فإنه يعيد، ما هو الدليل؟ الدليل نأخذه من اشتراط طهارة الثوب، وقد سبق لنا دليل اشتراط طهارة الثوب، أليس كذلك؟
طالب: من قوله تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر: ٤].
الشيخ: على أحد الأقوال، قوله تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْعلى أحد الأقوال؟
طالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى في نعاله، فأتى له جبريل وأخبره أن في نعاله نجاسة فخلعها .
الشيخ: ثلاثة؟
طالب: عندما بال الغلام على ثوبه أمر بماء فأَتْبعه إياه .
الشيخ: قد يقول: هذا لأجل إزالة الوسخ.
الطالب: بس إزالة نجاسة على الثوب.
الشيخ: إي، الوسخ، لو يصير مخاطًا أزاله الإنسان.
طالب: يصلي في المعلوم.
طالب آخر: حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في دم الحيض يصيب الثوب: «تَحُتُّهُ ثم تَقْرِضُه ثم تَنْضَحُه بالماء، ثم تصلي فيه» .
الشيخ: ثم تصلي فيه، صح، حديث ابن عباس: «أَمَّا أَحَدُهُما فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ الْبَوْلِ» لأنه قد يشمل عدم استنزاهه في ثوبه.
ودليل أيضًا: الأعرابي لما بال في المسجد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يراق على بوله ذنوبًا من ماء ، فإذا طهرت، أو إذا وجب تطهير مكان الصلاة -وهو منفصل عن المصلي- فوجوب تطهير المتَّصِل به من باب أولى.
هذه عدة أدلة، لكن إذا صلى في ثوب نَجِس، يقول المؤلف: (أعاد) مطلقًا، ست تفاصيل، سواء كان ذاكرًا أو؟
طلبة: ناسيًا.
الشيخ: أو ناسيًا، عالمًا؟
طلبة: أو جاهلًا.
الشيخ: واجدًا؟
طلبة: أو عادمًا.
الشيخ: أو عادمًا، صلى في ثوب نجس يَعلَم النجاسة، هذا لا تصح صلاته، لأنه خالف أمر الله ورسوله، فوجب عليه إعادة الصلاة.
صلى في ثوب نجس لكن ما علم إلا حين صلى، لما انتهى من الصلاة وجد النجاسة، نقول: أعد صلاتك.
المؤلف يقول: (أعاد) ولا فَصَّل. أعد صلاتك؛ لأنك أخللت بشرط في الصلاة، والإخلال بالشرط لا يُغْتَفر، إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قال للرجل الذي لم يطمئن قال: «إِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ، وقال: «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ» ، إذن عليك أن تعيد.
أصابته نجاسة وصلَّى وهو يذكر النجاسة، يعيد؟ أصابت ثوبه؛ يعني: يعيد ولَّا لا؟
طلبة: (...).
الشيخ: يعيد، أصابته نجاسة فنسي أنها أصابته، أو نسي أن يغسلها، ثم صلى، يعيد؟
طلبة: (...).
الشيخ: نعم يعيد، أصابت النجاسة ثوبه وليس عنده ما يغسلها به، وليس عنده غير هذا الثوب، وصلَّى به؟
طلبة: يعيد.
الشيخ: يعيد على كلام المؤلف، عنده غيره أو عنده ماء، لكن قال: اليوم برد ما (...) اغسل ثوبي، متى عاد ينشف، ما أبغى أغسله، أبغي أصلي فيه، يعيد ولَّا ما يعيد؟
طلبة: (...).
الشيخ: يعيد، أو عنده ثوب آخر طاهر، لكن قال: ما أنا بخالع ثوبي بهذا البرد، إذا تبين جلدي أصابتني القشعريرة، (...) وأصلي، وصلى وهو واجد غيره؟
طلبة: يعيد.
الشيخ: يعيد.
طالب: قولًا واحدًا؟
الشيخ: على كلام المؤلف؛ إحنا بنأخذ كلام المؤلف الآن، فصار الآن الصُّوَر: عالم، وجاهل، وذاكر، وناسٍ، وواجد، وعادم، كلها يعيد، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وتعليله كما أشرنا إليه من قبل.
وقال بعض أهل العلم: إنه إذا كان جاهلًا أو ناسيًا أو عادمًا فلا إعادة عليه، واستدلوا بقوله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦]، فقال الله تعالى: قد فعلت، وهذه الآية عامة، وتعتبر من أكبر وأعظم قواعد الإسلام؛ لأن الذي علَّمنا هذا الدعاء مَن؟ الله عز وجل، هو اللي علمنا هذا الدعاء، وأوجب على نفسه عز وجل أن يفعل، قال: قد فعلت، كما صحَّ ذلك فيما رواه مسلم ، إذن هذا الرجل الذي صلى في ثوب نجس وهو لا يدري بالنجاسة إلَّا بعد فراغه مخطئ ولَّا غير مخطئ؟
طلبة: مخطئ.
الشيخ: مخطئ، هو مخطئ لا خاطئ، يجب أن تعرفوا الفرق بين خاطئ ومخطئ، لو كان يعلم بالنجاسة قلنا: إنه؟
طلبة: خاطئ.
الشيخ: خاطئ، لكن هو الآن مخطئ، ما دري، نقول: هذا الرجل ليس عليه إعادة، بمقتضى هذه القاعدة العظيمة التي تعتبر أساسًا في الدين الإسلامي، كذا ولَّا لا؟
ونقول: هناك دليل خاص في الموضوع، وهو أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أخبره جبريل بأن في نعليه أذىً خلعهما واستمر في صلاته ، ولو كان الثوب النجس المجهول نجاسته تبطل به الصلاة لأعادها من أولها، فهذا دليل خاص.
النسيان قلنا: الراجح أنه إذا نسي -نسي أن يكون به نجاسة أو نسي أن يغسلها- فالصحيح أنه لا إعادة عليه، الدليل؟ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦].

ودليل آخر قياسي في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ»، والأكل والشرب في الصيام فعل محظور، والصلاة في ثوب نجس فعل محظور أيضًا، فلما سقط حكمه بالنسيان في باب الصوم نقيس عليه الحكم في النسيان في باب الصلاة، فإذن لا إعادة عليه.
فإن قال قائل: أوجِبوا عليه الإعادة لظهور الفرق بينه وبين الجاهل؛ لأن الجاهل لم يعلم أصلًا بالنجاسة فهو معذور، والناسي فرَّط فلم يُبادِر بالغسل فليس بمعذور، فألزِموه بالإعادة حتى بعد اليوم ينسى أن يغسله ولَّا لا؟ ما ينسى أن يغسله، فما هو الجواب إذا قال قائل هذا الكلام؟
قال: يجب عليكم أن تفرِّقوا في الحكم بين الجاهل والناسي؛ لأن الناسي عنده نوع من التفريط، وكان الذي ينبغي أن يبادر بالغسل؛ ولهذا كان من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام أن يُبادِر بإزالة النجاسة؛ الذي بال في المسجد قال: أيش؟ «أَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ» ، فأمر بالمبادرة، «أَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ»، والصبي الذي بال في حجره دعا بماء فأتبعه إياه ، والإنسان معرَّض للنسيان لا سيما إن كان الإنسان كثير النسيان، أيش (...) ، فما هو الجواب عن هذه العلة التي قد تمنع إلحاق الناسي بالجاهل؟
طالب: قول الله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦] جمع النسيان والخطأ سويًّا، وأكثر ما يَرِد النسيان والخطأ يأتيان سواء.
الشيخ: إي نعم.
طالب: نقول: الذي يظهر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ناسيًا؛ بدليل أنه عليه الصلاة والسلام أمر الصحابة إذا أراد أحدهم أن يصلي في نعليه أن ينظر هل فيهما قذر أو لا، ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لا يمر بشيء إلا إذا كان سيأتيه، قطعًا صلى الله عليه وسلم أنه يأتيه، فإذا نظر زال الجهل، لم يبق إلا النسيان.
الشيخ: لا، الذي يظهر من الحديث أنه كان جاهلًا عليه الصلاة والسلام بأن فيها أذىً؛ لأنه قال: أَخْبَرني ولم يقل: ذَكَّرني.
طالب آخر: يا شيخ، نقول: هو لما كان ناسيًا ونسي هذه النجاسة ونسي أن يغسلها صار جهلًا بحالها، والفرق بينه وبين الجهل الأول أن هذا جهل بالحكم وهذا بالحال.
الشيخ: لا يا أخي، ما هو بجهل بالحال.
الطالب: نسي النجاسة.
الشيخ: الجهل بحاله أنه ما يدري عن النجاسة، هذا جهل بالحال، والجهل بالحكم أنه ما يدري أن النجاسة يجب إزالتها.
الطالب: لما نسي يغسلها صار جهل الحال.
الشيخ: ما يصير جهل الحال هذا، لو يدرون عنك الفلاسفة هؤلاء يضربونك على الرأس، فرق بين الجهل والنسيان كبير، النسيان ذهول القلب عن؟
طلبة: معلوم.
الشيخ: ذهول القلب عن معلوم، كيف تقول: جهل؟
طالب آخر: قد يقال: هذا قياس في مقابلة النص، نجيب..
الشيخ: لا، ما هو بقياس هذا.
الطالب: أقول: هذا تعليل في مقابل نص.
الشيخ: هو يقول: لو كان النص على هذا بعينه ما قلت شيئًا.
الطالب: لكن رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا.
الشيخ: العمومات هذه يمكن تخصيصها، أنا يظهر لي -والله أعلم- في الجواب على هذا أن يقال: إنَّ فِعل الرسول صلى الله عليه وسلم هذا على سبيل الاستحباب، ما هو على سبيل الوجوب؛ لأن الله تعالى لم يوجب الوضوء -وهو أعظم من إزالة النجاسة- إلا عند القيام إلى الصلاة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: ٦]، فلو أحدث الإنسان قبل الصلاة بساعة لا يجب عليه الوضوء، مع أن فيه احتمال أن يقوم يصلي وينسى أنه أحدث، أو أنه توضأ من الحدث، فإذا كان كذلك زال الإشكال، فأقرب عندي في الدفع لهذا الإيراد القوي أن يقال: إن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم هذا على سبيل الاستحباب والندب للمبادرة لإزالة النجاسة، أما أنه على سبيل الوجوب فلا، ونقول: بدليل أن الله لم يوجب علينا الطهارة من الحدث -وهي أقوى وأوكد من طهارة النجاسة- إلا عند القيام إلى الصلاة.
(واجدًا) إذا كان عادمًا ليس عنده إلا هذا الثوب النجس فقد ذكرنا أن كلام المؤلف يدل على أنه؟
طلبة: يعيد.
الشيخ: يصلي به ويعيد.
وهذه المسألة فيها ثلاثة أقوال:
قول إنه يصلي به ويعيد.
والقول الثاني يصلي عريانًا.
والقول الثالث يصلِّي ولا إعادة.
أما الذين قالوا: إنه يصلي ويعيد؛ قالوا: يصلي ساترًا لعورته لوجوب الستر، ويعيد لأنه حامل للنجاسة بهذا الثوب، حامل للنجاسة الواقعة بهذا الثوب، فعليه أن يعيد وعليه الستر لأن هذا الثوب يستر العورة.
والذين قالوا: يصلي عريانًا ولا يعيد قالوا: لأن هذا الثوب لا يجوز لبسه في الصلاة، وكونه مضطرًا إلى ذلك لا يبرر له أن يحمله وهو نجس، فيجب عليه أن يخلعه ويصلي عريانًا.
وأما الذين قالوا بأنه يصلي فيه بلا إعادة فقالوا: إن الستر واجب، وإن حَمْلَه للنجس حينئذ للضرورة؛ لأنه ليس عنده ما يزيل به هذه النجاسة، وليس عنده ما يكون بدلًا عن هذا الثوب، فيكون مضطرًا إلى لبسه ومضطرًا إلى ملابسة النجاسة، وقد قال تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: ٧٨].
ومن المعلوم أنك لو نظرت في الرأي وقلت: هل نلزم هذا الرجل بأن يصلي في نجس ويتقرب إلى الله وثوبه ملطخ بالنجاسة، ثم نقول: هذه الصلاة غير مقبولة، لازم تعيدها؟
إذن، أوجبنا عليه صلاتين؛ صلاةً مردودة، وصلاةً مقبولة، ممكن تكون بعد عشر سنين، الله أعلم.
المهم أن هذا قول إذا تصوَّره الإنسان عرف أنه بعيد، أو نقول: مُرْه أن يخلع ثوبه ويصلي عريانًا، هذا أقبح، فإن صورة الرجل العريان بين يدي الله عز وجل أقبح من أن يكون حاملًا لثوبٍ نجس للضرورة، والله تعالى أحق أن يُسْتَحيا منه.
بقى عندنا الاحتمال الثالث؛ أن نقول: هذا الرجل ألزمناه بالثوب النجس من أجل ستر العورة، وأسقطنا عنه حكم الإعادة؛ لأن الله لا يوجب على عباده العبادة مرتين أبدًا، وهذا القول هو أرجح الأقوال، أنه إذا وجد ثوبًا نجسًا لا يجد غيره ولا يمكن غسله فإنه يصلي فيه، ولا إعادة عليه.
طالب: شيخ، مثلًا النجاسة على البقعة إذا فرش عليها فراشًا طاهرًا، هل يجوز أن يصلي؟
الشيخ: إي نعم، تجوز الصلاة.
الطالب: تبطل الصلاة.
الشيخ: لكن طاهر.
الطالب: (...).
الشيخ: ما مس النجاسة.

الطالب: يعني: ما تضر إذا صار الفراش أسفله نجسًا؟ الماء مباشر النجاسة.
الشيخ: إي، ولكن يابسةٌ النجاسة، ما تمضي فيه، إي ما يضر.


الطالب: إذا علم النجاسة بثوبه في وقت الصلاة، وهو داخل الصلاة علم أن ثوبه فيه نجاسة، هل يخلع ثوبه؟ أو يبطل صلاته؟
الشيخ: إذا علم بالنجاسة في أثناء الصلاة وجب عليه خلع الثوب النجس، إن كان عليه غيره مما يستره، إن كان ما عليه غيره فليستمر فيه.

طالب: لكن كون النهي يعود إلى شرط العبادة على وجه مختص به، القاعدة (...) على هذا.
الشيخ: نقول: ما عاد على الشرط يُنظر فيه في الواقع، إن كان هذا الشرط مما يصحح أو يفسد فهذا نعم؛ نقول: لا يصحُّ هذا الشرط فلا تصح العبادة، وإن كان مما لا يصحح ويفسد فليس كل شيء حرام يكون باطلًا، فهذا الظهار مثلًا محرم إذ ترتب عليه آثاره.
الطالب: لكن توضيح مثال (...)، مثلًا مما لا يفسد هذا الشرط..
الشيخ: يعني: مثلًا إذا كان هذا الشيء يقع على وجه صحيح أحيانًا وفاسد أحيانًا، هذا هو الذي يقال: إذا وقع على وجه مُحَرَّم صار فاسدًا؛ لأن له حالين، بخلاف الذي لا يقع على هذا الوجه، والستر لا يقع على هذا الوجه، الستر ستر بأي ثوب كان (...).

***

طالب: ومن وجد كفاية عورته سَتَرها، وإلا فالفرجين، فإن لم يكفهما فالدُّبُر، وإن أعير سُترةً لزمه قبولُها، ويصلي العاري قاعدًا بالإيماء استحبابًا فيهما، ويكون إمامهم وسطَهم، ويصلي كل نوع وحده، فإن شقَّ صلى الرجال واستدبرهم النساء ثم عكسوا، فإن وجد سترةً قريبةً في أثناء الصلاة ستر وبنى وإلا ابتدأ، ويكره في الصلاة السَّدْل، واشتمال الصماء.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول في رجل وجد ثوبًا محرمًا عليه، هل يصلي به أو لا يصلي؟
طالب: المذهب يصلي به ويعيد.
الشيخ: ثوبًا محرمًا عليه، وهو طاهر؟
الطالب: يصلي فيه ويعيد، وفي قول جمهور العلماء أنه ينظر هل الثوب هذا عندما اشتراه هل عقد عليه بثمن محرم، أم كان اشتراه في ذمته، ثم..
طالب آخر: لا يصلي فيه.
الشيخ: لا يصلي فيه، خطأ.
طالب: فيه تفصيل، إما يكون محرمًّا لحق الله أو لحق العباد، فإن كان محرمًا لحق العباد فالمذهب أنه لا يصلي فيه، وإن كان لحق الله فيصلي فيه ويعيد.
الشيخ: صح، نقول: إذا صلى في ثوب محرم عليه فإن كان لحق الله فلا إعادة عليه؛ لأنه في ضرورة كالحرير للرجل، والمُصوَّر للرجل والمرأة، وإن كان لحق الآدمي فالمذهب أنه لا يصلي فيه ويصلي عريانًا.
وفيه قول آخر أنه يصلي فيه؛ لأنه في حاجة إلى الصلاة في هذا الثوب فيصلي، وإذا سامحه صاحبه فذاك، وإن لم يسامحه أعطاه أجرة انتفاعه به في وقت الصلاة.
إذا صلى في ثوب نجس؟
طالب: إذا صلى في ثوب نجس وليس لديه غيره؛ حسب المذهب إن صلَّى فيه عليه إعادة، وإن لم يصلِّ فيصلي عاريًا.
الشيخ: يعني: يجوز أن يصلي عاريًا؟
الطالب: إي، يصلي عاريًا.
الشيخ: توافقونه؟
طالب: على المذهب -يا شيخ- يجب أن يصلي فيه ثم يعيد.
الشيخ: المذهب يجب أن يصلي فيه ثم يعيد، القول الثاني؟
طالب: أنه يصلي عريانًا، ما يصلي فيه.
الشيخ: القول الثالث؟
طالب: القول الثالث أنه يصلِّي فيه ولا يعيد.
الشيخ: أنه يصلي فيه ولا يعيد، وهذا أرجح الأقوال.
رجل اشترى ثوبًا وثمنه مغصوب؟
طالب: على تفصيل، إن اشتراه ونقده من عنده وكان بدلًا ببدل فهذا محرم؛ أي بعَيْنِه إن كان منصوصًا على عينه..
الشيخ: إن عيَّن الثمن المغصوب.
الطالب: فهذا محرم لا يجوز الصلاة فيه.
الشيخ: فالصلاة فيه لا تجوز؛ لأنه محرم.
الطالب: وإن اشتراه في الذمة ثم نقده من عنده، الصلاة فيه..
الشيخ: فلباسه حلال، والصلاة فيه صحيحة، كذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هناك قول في أصل المسألة؛ قول: إنه تصح الصلاة في ثوب مُحَرَّم، وأشرنا إليه، أليس كذلك؟
في قول: إن الصلاة في الثوب المحرم صحيحة؛ لأن الشارع لم يقل: لا تصلِّ في الثوب المحرم، وإنما قال: لا تلبس أو لا تستعمل الثوب المحرم، فالمنهي عنه اللباس، بخلاف ما لو قال: لا تصلِّ، ولهذا نقول: لو صلى في وقت النهي فصلاته باطلة؛ لأن الشارع قال له: لا تُصَلِّ، ولو صلى في بيت مغصوب فإنه على القول الراجح تصح صلاته مع الإثم.
قال المؤلف: (لا مَنْ حُبِسَ في محلٍّ نَجس)، (لا): هذه معطوفة على قوله: (أعاد)، يعني: لا يعيد مَنْ حبس في محل نجس؛ يعني: ولم يتمكن من الخروج إلى مكان طاهر؛ فإنه إذا حبس لا إعادة عليه؛ لأنه مكره على المكث في هذا المكان، والإكراه حكمه مرفوع عن هذه الأمة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ رَفَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» والفرق بينه وبين من صلى في ثوب نجس أن من صلى في ثوب نجس ليس مُكْرَهًا على الصلاة به، ولهذا لو أُكْرِه على الصلاة في الثوب النجس وقيل: صلِّ فيه وإلا فعلنا وفعلنا فإنه يصلي فيه ولا إعادة، بخلاف المكان الذي حُبِسَ فيه وهو نجس فإنه يصلي ولا إعادة عليه، والتعليل كما سمعتم، بل الدليل كما سمعتم؛ وهو المجاوزة عن المكره.
ولكن كيف يُصَلِّي في المحل النجس؟ إن كانت النجاسة يابسة صلَّى كالعادة، وإن كانت رطبة صلى بالإيماء، صلى قاعدًا على قدميه بالإيماء؛ لأنه إذا كانت رطبة يجب أن يتوقاها بقدر الإمكان، وأقل ما يمكن أن يباشر النجاسة أن يجلس على القدمين، ولا يركع، ولا يقعد أيضًا؛ لأنه لو قعد لتلوث ساقه وثوبه وركبته مثلًا، فيقلِّل النجاسة ما أمكنه، ويومئ بالركوع والسجود كذلك ما أمكنه.
قال: (لا مَنْ حُبِسَ في مَحل نجس، ومن وجد كفايةَ عورته سترها).
(ومَن وجد) (مَن): شرطية، فعل الشرط؟
طلبة: (وجد).
الشيخ: (وجد)، وجوابه؟
طالب: (سترها).
الشيخ: (سترها) يعني: وجوبًا، (من وجد كفاية) كفاية العورة وجب عليه سترها، والعورة -سبق أنها بالنسبة للمرأة الحرة البالغة- جميع البدن ما عدا الوجه، ولابن سبع إلى عشر أيش؟
طلبة: (...).
الشيخ: الفرجان، السوأتان، ولمن سواهما؟
طلبة: السرة والركبة.
الشيخ: ما بين السرة والركبة على المشهور من المذهب، فإذا وجد كفاية العورة وجب عليه أن يسترها؛ لما سبق من كونها من شروط؟
طلبة: الصلاة.
الشيخ: من شروط الصلاة.
(وإلا فالفرجين): (إلا) هذه مركبة من (إن) و(لا) النافية، لكنها أدغمت (إن) بـ (لا) لوجود شرط الإدغام، و(إن) شرطية، وفعل الشرط محذوف، التقدير؟ وإلا يجد.
(فالفرجين) أي: فليستر الفرجين، فإذا قُدِّرَ أن شخصًا تعرَّض له قطاع طريق وسلبوا رحله، وسلبوا وثيابه، ولم يبقوا معه إلا منديلًا فقط، المنديل لا يمكن أن يستر به عورته، نقول: استر الفرجين بهذا المنديل؛ يعني: القبل والدبر.
قال: (فإن لم يَكْفِهما فالدبُر) يستر الدبر؛ لأن القبل إذا انضم عليه ستره، والدبر إذا سجد انفرج وبان، فيكون ستر الدبر أولى من ستر القبل، والواجب أن يخفف الأمر بقدر الإمكان.
(فإن لم يكفهما فالدبر، وإن أُعير سترة لَزِمه قَبولُها) (إن) شرطية، وفعل الشرط (أُعِير)، و(لزم)؟
طلبة: جواب الشرط.
الشيخ: جواب الشرط، (إن أُعير) والعرية: إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائه، هذه العرية، إباحة نفع عين تبقى بعد الاستيفاء.
وقوله: (إن أعير)لم يذكر المؤلف الفاعل فيشمل أي إنسان يعيره، سواء كان هذا المعير من أقاربه أو من الأباعد، من المسلمين أو من الكفار، المهم متى أُعير سترةً لَزِمه قَبولُها.
إذا قال قائل: ما هو الدليل أو التعليل لوجوب القبول؟ أفلا يكون عليه بذلك مِنَّة؟
فالجواب أن نقول: التعليل في هذا أن هذا الرجل قَدَر على سَتْرِ عورته بلا ضرر ولا مِنَّة؛ لأن المنة في مثل هذا الأمر منة يسيرة، كل أحد يتحملها، كل الناس يستعير بعضهم من بعض، وكل الناس يعير بعضهم بعضًا، فالمنة يسيرة.
لكن لو فرض أن هذه العارية أو هذه الإعارة يريد المعير أن تكون ذريعة لنيل مأرب له باطل، فماذا نقول؟
هنا لا يلزمه القبول؛ لأن يخشى إذا لم أقم بما يريد أن يجعل ذلك سُلَّمًا للمنِّة عليَّ وإيذائي أمام الناس، أنا فعلت فيك وفعلت فيك وأعرتك وما أشبه ذلك، لكنَّ الكلام على إعارةٍ سالمًا من المحذور، يلزمه القبول لما ذكرنا آنفا في التعليل.
وظاهر كلام المؤلف أنه لو أعطيها هبة لم يلزم قَبولها؛ لأنه قال: (إن أعير)، وظاهر كلامه أيضًا أنه لا يلزمه الاستعارة، فهل هذا القول الذي يفهم من كلام المؤلف صحيح أو فيه نظر؟
ننظر؛ يقول: لا يلزمه أن يقبله هبة لأن في ذلك منة عظيمة؛ قد يكون الثوب يساوي مئة ريال مثلًا، فيكون بذلك منة لا يستطيع الإنسان أن يتحملها فلا يلزمه قَبول الهبة، هل يلزمه الاستعارة؟ ظاهر كلام المؤلف لا؟ ولا بلى؟
طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه؛ لأنه قال: (إن أُعِير)، ولم يقل: يلزمه الاستعارة؛ لماذا؟ قالوا: لأن في طلب العارية إذلالًا للشخص، وهذا عادم لما يكون به الواجب -وهو الستر- ولا واجب مع العجز، فلا يلزمه أن يستعير، مع أنهم ذكروا في باب التيمم أنه لو وُهِبَ لعادم الماء ماء لزمه قبوله، ولكنهم يفرقون بأن الماء لا تكون فيه مِنَّة كالمنة بالثياب، الماء المنة فيه قليلة بخلاف الثياب، ولكن يقال: قد يكون الماء في موضع العدم أغلى من الثياب فتكون المنة فيه كبيرة، ولكن نقول: حتى وإن كان في موضع العدم فإن الإنسان الذي يعطي الماء في موضع العدم يشعر بأنه هو الرابح لأنه أنقذ معصومًا، بخلاف الثياب.
على كل حال، القول الراجح في هذه المسألة -نحن الآن نحلل كلام المؤلف- لكن القول الراجح في هذه المسألة أنه يلزمه تحصيل السترة بكل وسيلة ليس عليه فيها ضرر ولا مِنَّة، كل وسيلة سواء ببيع أو باستعارة أو باستيهاب أو بقبول هبة أو ما أشبه ذلك؛ لقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، وهذا الإنسان مأمور بستر عورته فيجب عليه بقدر استطاعة أن يأتي بهذا الواجب.
والمسألة يختلف الناس فيها؛ قد يكون طلبك من شخص هبة لتستر عورتك قد يكون ذلك بمنزلة المنة عليه، لا منه، أليس هكذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، قد يفرح أن تأتي إليه، وتقول: أنا في حاجة إلى ستر عورتي في صلاتي أعطني، يفرح، هذا ليس في إعطائه مِنَّة، ولا في الاستيهاب منه منة.
وقد يقول بعض الناس: لو يعيرني لوجدت في ذلك غضاضة علي؛ لأني أعرف أنه من الناس المنَّانين، وحينئذ يكون في قبولي إياها عارية، فيه غضاضة علي.
فالصواب أن نأخذ قاعدة عامة؛ وهو أنه يجب عليه تحصيل السترة بكل طريق ليس فيها ضرر عليه ولا غضاضة، هذه القاعدة قد يخرج منها ما ذكره المؤلف، وقد يدخل فيها ما أخرجه المؤلف.
يقول رحمه الله: (ويصلي العاري قاعدًا بالإيماء استحبابًا فيهما).
(يصلي العاري قاعدًا) إذا كان هناك إنسان عارٍ، ما عنده ثوب، فإنه يصلي قاعدًا ولو كان قادرًا على القيام، لماذا؟ قال: لأنه أستر لعورته؛ لأن القاعد يمكن ينضم، ولأننا نأمره بأن يومي في الركوع والسجود وحينئذ لا تنكشف عورته، أليس كذلك؟
قال المؤلف: (استحبابًا فيهما)؛ يعني: أننا نستحب له ذلك استحبابًا، وهذا كالمصدر المؤكد للجملة التي قبله، ولهذا حذف عامله؛ يعني: يصلِّي على وجه الاستحباب لا على وجه الوجوب، وعلى هذا فلو صلى قائمًا وركع وسجد صحت صلاته.
وظاهر كلام المؤلف أن هذا الحكم ثابت، سواء كان حوله أحد أم لم يكن حوله أحد لإطلاق كلامه، فإن كان حوله أحد فما قاله المؤلف وجيه؛ أنه يصلي قاعدًا بالإيماء لأن الإنسان -نسأل الله لنا ولكم السلامة- يستحي أن يقوم أمام الناس تبدو عورته، وإذا سجد انفرج دبره، لكن إذا لم يكن عنده أحد يستحي ولَّا لا؟ لا يستحي، لكن هذا كلام المؤلف، يقول: لا فرق.
فيه قول آخر يقول: لا يجوز أن يصلي قاعدًا بل يجب أن يصلي قائمًا؛ لقوله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة: ٢٣٨] فأوجب الله القيام، والستر هنا ساقط عنه في قوله تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦].
فإذا كان الستر ساقطًا بالدليل الذي ذكرت والقيام واجبًا بالدليل الذي ذكرت، نقول: يقوم لوجود مقتضِي القيام، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ويصلِّي عاريًا لسقوط مقتضي الستر وهو العكس.
وقال بعض أهل العلم: في هذا تفصيل؛ إن كان حوله أحد صلى قاعدًا، وإن لم يكن حوله أحد أو كان في ظلمة أو ليس حوله إلا شخص لا يبصر فليصلي قائمًا؛ لأنه لا عذر له.
وهذا القول المفصَّل أقرب الأقوال الثلاثة إلى الحق؛ لأنه يجمع بين حق الله وحق النفس؛ بين حق الله إذا كان ما حوله أحد يراه أن يقوم بالواجب -يصلي قائمًا- لأنه قادر، وبين حق النفس إذا كان حوله أحد يخجل ولا يستطيع أن يقوم وعورته بادية أمام الناس، فنقول: حينئذ اجلس وصل بالإيماء؛ لأن ذلك أستر لك
.
على كلام المؤلف لو صلى قائمًا وركع وسجد فالصلاة صحيحة؛ لأن المسألة على سبيل الاستحباب.

قال المؤلف: (ويكون إمامهم وسطهم)، (يكون إمامهم) أي: إمام العراة (وسطهم) أي: بينهم؛ يعني: لا يتقدم، لماذا؟ لأنه أسترُ له من أن يتقدم.
وعلى هذا فإذا وُجِد عشرة كلهم عراة، تعرض لهم قطاع الطريق وأخذوا ثيابهم، وهذا موجود في الزمن الماضي، في بلادنا هذه كان الناس تؤخذ ثيابهم ما بين البلد وبين المرعى، فإذا أُخِذَت الثياب وحان وقت الصلاة، نقول: صلُّوا صفًّا واحدًا والإمام بينكم، إذا طال الصفُّ لو كانوا ألف نفر صلوا صفًّا واحدًا ويكون الإمام بينهم، ويصلون قعودًا؟
طلبة: فيه تفصيل.
الشيخ: على المذهب يصلون قعودًا.
طلبة: استحبابًا.
الشيخ: استحبابًا؛ ويومئون بالركوع والسجود استحبابًا أيضًا.
وقال بعض أهل العلم: بل يتقدم الإمام؛ لأن السُّنة أن يكون الإمام أمامهم، وتأخُّرُه لا يفيد شيئًا، غاية ما هنالك أنه هو نفسه يكون أستر، وأيضًا لو كان أستر بالنسبة له فإننا نقول: هو معذور، والإنسان إذا شاركه غيره في عيبه خف عليه، فهو إذا تقدم لا يرى في نفسه شيئًا من الغضاضة أو من الحياء أو من الخجل؛ لأن جميع مَنْ معه على هذا الوجه، ولا ينبغي أن نفوت موقف الإمام وانفراده في القبلة؛ لأن الإمام متبوع، فينبغي أن يتميز عن أتباعه الذين هم المأمومون، وهذا القول أقرب إلى الصواب.
ومع ذلك فيستثنى من كلام المؤلف ما إذا كانوا في ظلمة، أو كانوا لا يبصرون، فإن كانوا في ظلمة أو لا يبصرون فإن إمامهم يتقدم عليهم كالعادة؛ لأن المحذور زال.
يقول: (ويصلي كل نوع وحده)؛ يعني: لا يصلون جماعة، (يصلي كلُّ نوع وحده) نوع منين؟
طلبة: من الرجال والنساء.
الشيخ: ما الدليل؟ الدليل قوله فيما بعد: (فإن شَقَّ صلى الرجالُ واستدبرهم النساء)، نقول: إذا اجتمع رجال ونساء عراة فلا يصلون جميعًا، يصلي كل نوع وحده، لماذا؟ لأن النساء لا يمكن أن يقمن في صف الرجال، فلا بد لهن من صف مؤخر، وإذا صففن وراء الرجال صرن يرين عورات الرجال، لا نقول: تصلي النساء مع الرجال وتغمض، لا. نقول: لا تصلي، يصلي الرجال أولًا، ثم يصلي النساء، بمعنى أن نجعل النساء في مكان، والرجال في مكان، فيصلي الرجال وحدهم والنساء وحدهم، ولا يصلون جماعة، فإن شقَّ بحيث لا يمكن أن يصلي كل نوع وحده.
يقول: (صلى الرجال واستدبرهم النساء ثم عكسوا) نقول: إذا كان ما في مكان بحيث نقول للنساء صلوا يصلين هناك والرجال هنا يصلون في المكان هذا جميعًا، لكن يصلي الرجال وحدهم وتستدبرهم النساء، معنى تستدبرهم: تلقيهم ظهورهن، تكون ظهور النساء إلى أيش؟ إلى القبلة، لماذا؟ لئلا يَرَين الرجال، وهي إذا رأت الرجل ستنظر إلى عورته؛ لأن ما فوق الدبر إلى حذاء السرة كل هذا عورة، ستنظر إليه.
فنقول إذن يصلي الرجال، وأنتم أيتها النساء استدْبِرْن الرجال، ثم بعد ذلك يصلي النساء جماعة ولَّا غير جماعة؟
طلبة: جماعة.
الشيخ: جماعة استحبابًا، ما هو واجب، الجماعة للنساء غير واجبة، يصلي النساء ويستدبرهم الرجال، تكون ظهور الرجال نحو؟
طلبة: القبلة.
الشيخ: القبلة.
طالب: النساء.
الشيخ: تكون ظهور الرجال في المسألة الثانية، إذا صلى النساء وحدهم يكون ظهور الرجال نحو القبلة، هذا الحكم في المسألة، هل مثل ذلك لو كان المكان ضيقًا والرجال كثيرين، هل نقول: يصلون جماعتين؟ نحن ذكرنا قبل قليل يصلون صفًّا واحدًا وإمامهم بينهم، لكن إذا كان المكان لا يسعهم صفًّا واحدًا، فهل يَصُفُّون صفًّا آخر وراءهم؟
طالب: لا يصفون.
الشيخ: أو نقول: يستدبرونهم، فإذا فرغوا صلى هؤلاء، واستدبرهم هؤلاء.
طلبة: الأول.
الشيخ: فيها قولان لأهل العلم؛ فبعضهم قال: يفعل الصف الزائد الذي لا يتحمله المكان كما يفعل النساء.
ومنهم من قال: بل يصلون جماعة واحدة، لكن في هذه الحال إذا قلنا: يصلون جماعة واحدة أفلا نقول: إنه يندب لكم أيها المتأخرون أن تغمضوا أعينكم؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
طالب: التغميض (...).
الشيخ: نقول: يُنْظَر، إذا كان الإنسان يخشى على نفسه الانشغال برؤية هؤلاء فإنه يغمض، وإن كان لا يخشى وأنه لا يهتم إلا بصلاته، وسينظر إلى موضع سجوده، وإلى موضع إشارته في الجلوس فلا حاجة أن يغمض.
قال رحمه الله تعالى: (فإن وجد سُترة قريبة في أثناء الصلاة سَتَر وبنى وإلا ابتدأ)، إن وجد، مَن؟
طالب: العريان.
الشيخ: العريان الذي صلى عريانًا في أثناء الصلاة جاء الله له بسترة، إذا كانت قريبة يعني: لم يَطُل الفصل أخذها وستر وبنى على صلاته، وإن كانت بعيدة فإنه يقطع صلاته، ويبتدأ الصلاة من جديد، كيف بعيدة وقريبة؟
قريبة؛ مثل رجل جاء إليه وقال: خذ استر نفسك، وهو يصلي، نقول هنا: يأخذها وينستر، بعيدة؛ رأى ورقة يطير بها الهواء تستره، ولنفرض أنها كرتون اسمنت، يمكن.
طلبة: (...).
الشيخ: إي نعم، لكنها علقت بشجرة بعيدة عنه، وهو يصلي، تعلقت بشجرة بعيدة عنه، نقول له؟
طالب: اقطع صلاتك.
الشيخ: اقطع صلاتك؛ لأن هذا يؤدي إلى انقطاع بعضها عن بعض، اقطع صلاتك واذهب وخذ هذه السترة، واستتر بها وابتدئ الصلاة.
قال بعض العلماء في هذه المسألة كما قالوا في الماء: امرأة بطلت صلاتُها بكلام إنسان، قالوا ما هي؟ قالوا: هذه أمة تصلي وهي ساترة كل بدنها إلا رأسها وساقيها مثلًا، فقال لها سيدها: أنت حُرَّة لوجه الله، ويش صارت الآن؟
طلبة: صارت حرة.
الشيخ: صارت حرة، ويش يجب عليها؟
طلبة: (...).
الشيخ: أن تستر جميع بدنها إلا الوجه، دورت حول السترة ما عندها شيء؛ نقول: الآن تبتدئ الصلاة من جديد، فإن كان سيدها ذكيًّا وفقيها فجاء بالسترة معه، وقال: أنت حرة لوجه الله، ثم وضع على رأسها وعلى بقية المنكشف منها سترة.
طلبة: تبني.
الشيخ: تبني أو لا؟
طلبة: تبني.
الشيخ: تبني، لماذا؟
طلبة: لأنها قريبة.
الشيخ: لأنها سترت عن قرب.
والخلاصة الآن أن الإنسان العاري إذا وجد ما يستر عورته عن قرب وجب عليه أن يستر ويبني، كذا؟
طلبة: (...).
الشيخ: إي نعم، هي قريبة.
أقول: إذا وجد المصلي العاري سترة قريبة وجب عليه أن يستر ويبني.
طلبة: (...).
الشيخ: خطأ.
طالب: يستر صحيح، لكن يبني (...).
الشيخ: إذا وجب الستر وجب البناء.
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؟
طلبة: (...).
الشيخ: خطأ.
طالب: لا، شيخ (...).
الشيخ: إن كانت الصلاة فرضًا وجب عليه أن يستر ويبني، إن كانت نفلًا.
طلبة: (...).
الشيخ: فله أن يقطعها.
طالب: (...) أحيانًا؛ نستفصل فتقول: لا داعي للتفصيل.
الشيخ: المهم على كل حال، هذا التفصيل.
طالب: (...).
الشيخ: على كل حال يقول: إذا وجدها قريبة وجب عليه الستر والبناء إن كانت الصلاة فرضًا، فإن كانت بعيدة لزمه استئناف الصلاة، ولم يجز أن يستمر سواء كانت فرضًا أم نفلًا.
طالب: شيخ، إذا كان معهم سترة واحدة وهم جماعة، مَنْ يأخذها؟
الشيخ: هي لمن؟ لمن هي؟
الطالب: (...) فوجدوا سترة تكفي لشخص واحد.
الشيخ: مَنْ وجدها؟ كلهم راحوا عليها؟
طالب: مرت قدامهم.
الشيخ: على كل حال، إذا كانت إذا كانت السترة لواحد منهم وجب عليه أن يصلي بها وحده، وهل يجوز أن يؤثر بها غيره؟
طلبة: لا ما يجوز.
الشيخ: سبق لنا في قاعدة الإيثار، أن الإيثار بالواجب؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، إذن يستتر بها صاحبها، ثم بعد ذلك.
طلبة: (...).
الشيخ: لا، يستتر بها صاحبها -سواء كان الإمام أو المأموم- ثم يعطيها، إذا لم يكن يصلون جميعًا، يعطيها من شاء، فإن أعطاها لهم جميعًا أقرع بينهم، فمن قرع أخذها.
طالب: مثل الأشجار هذه، يعني: يقدر يستتر بالأشجار، يجب عليه؟
الشيخ: العلماء يقولون: ما يجب عليه الأشجار التي تؤذيه وتضره، ما يجب عليه، إذا كانت تضره ما يجب عليه، لو مثلًا ما حوله إلا أشجار (...) لا ما يمكن يستتر، لكن إذا كانت..
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، إذا كانت لا تضره كشجرة اليقطين، فإن الله قال عن آدم وحواء: وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [الأعراف: ٢٢].
طالب: يا شيخ، هل نستحب للعراة أن يخففوا الصلاة وأن لا يتلاصقوا؟
الشيخ: لا، أن يخففوا الصلاة، لا، لكن أن لا يتلاصقوا قد نقول هذا؛ لأنه قد يكون في ذلك فتنة.
طالب: شيخ، هل الجماعة تلزم العاري؟ مثل أُذِّن وهو في البيت، هل يخرج للمسجد يصلي جماعة، وهو عارٍ؟
الشيخ: إي، ما يلزمه؛ لأن هذا من أعظم ما يكون من الخجل.
الطالب: أليس هو معذورًا؟
الشيخ: معذور، ما يلزمه.
طالب: شيخ، يعني (...) الإمام بالوسط يا شيخ، (...) استفصال.
الشيخ: أيش؟
الطالب: يعني: فصلت يا شيخ القول (...) إذا كان يعني يصلي قاعدًا أو قائمًا إذا كان عريانًا، فقلت: إذا كان حوله أحد فإنه يصلي قاعدًا، وإذا كان لوحده فإنه يصلي قائمًا، هل هذا يعني على قولك استحبابًا ولَّا؟
الشيخ: وجوبًا، لا، وجوبًا.
الطالب: وجوبًا؟
الشيخ: نعم.
طالب: بالنسبة لتفصيل الفقهاء في العورة وتقسيمها إلى ثلاثة أقسام.
الشيخ: نعم.
الطالب: ينطبق قولهم حتى في الصلاة؟
الشيخ: هذا كلامهم في الصلاة.
الطالب: شيخ، لم لا نقول: إن الأصل الزينة عامة؟ يعني: الزينة التي تتعارف مثلًا لمن (...) العاشرة، والزينة التي تتعارف للعبيد وما إلى ذلك.
الشيخ: والله هذا..
الطالب: (...).
الشيخ: نعم أقول: هذا إذا قيل به فهو جيد، إذا قيل بأن أخذ الزينة كما قال الله عز وجل.
الطالب: الزينة المتعارف عليها..
الشيخ: إي، ما جرى به العرف، إلا إذا جرى العرف بأمر منكر ما يمكن أن آخذ به (...).

***

قال المؤلف رحمه الله: (ويكره في الصلاة السَّدل) (يكره) الكراهة عند الفقهاء هي ما نُهِي عنه، أو هي النهي عن الشيء من غير الإلزام بالترك، والمكروه ما نُهِيَ عنه من غير إلزام بتركه، هذا عند الفقهاء.
أما في لغة القرآن والسنة وغالب كلام السلف فالمكروه هو المحرَّم؛ ولهذا قال الله تعالى في سورة الإسراء قال: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء: ٣٨]، ومعلوم أن الله ذكر فيها الشرك، وذكر فيها أشياء كثيرة من الأمور المحرمة، وسماه الله تعالى مَكْرُوهًا؛ لأنه مُبغَض عند الله عز وجل؛ ولهذا قال أصحاب الإمام أحمد: إن الإمام أحمد إذا قال: (أكره كذا) يعني: أنه محرم.
أما في اصطلاح الفقهاء والأصوليين فيقولون: إن المكروه ما نُهِيَ عنه لا على سبيل الإلزام بالترك، وحكمه أنه يثاب تاركه امتثالًا، ولا يعاقب فاعله، وأيضًا يجوز عند الحاجة، كلما احتاج الإنسان إلى المكروه زالت الكراهة وإن لم يضطر إليه، أما المحرم فلا يجوز إلا عند الضرورة.

قال: (يكره في الصلاة السَّدْل)، والسدل أن يطرح الرداء على كتفيه، ولا يرد طرفه على الآخر، هذا السدل، يضع الرداء -معروف لكم- على كتفيه هكذا ولا يرد طرفيه على كتفيه، هذا هو السدل.
وقال بعضهم: السدل أن يضع الرداء على رأسه ولا يجعل أطرافه على يمينه وشماله، يعني: مثل هكذا، بالغترة، خليها هكذا ما هي على يمينه ولا يساره، هذا السدل.
وقال بعضهم: إن السدل أن يرسل ثوبه حتى يكون تحت الكعبين، وعلى هذا فيكون بمعنى الإسبال، والمعروف عند فقهائنا أن السَّدْل أن هو يطرح الثوب على الكتفين، ولا يرد طرفه على كتفيه، هذا هو السدل.
ولكن إذا كان هذا الثوب مما يلبس عادة هكذا فلا بأس به، ولهذا قال شيخ الإسلام: إن طرح القباء على الكتفين من غير إدخال الكمين لا يدخل في السدل.
القباء يعني مثل الزبون والكوت وما أشبهه، قال: إن هذا لا يدخل في السدل، إذا احتاج الإنسان إلى ذلك جاز ولَّا لا؟ جاز؛ لأن المكروه تزيله الحاجة.
كذلك يُكْرَه (اشتمال الصماء) هنا أضيف الشيء إلى نوعه؛ يعني: اشتمال اللبسة الصماء، يعني: أن يشتمل بالثوب على وجه يكون أصم، والأصم -في الأصل- هو الذي لا يسمع، فاشتمال الصماء أن يأتي بثوب ويلتحف بهذا الثوب كله ولا يجعل ليديه مخرجًا؛ قالوا: لأن هذا يمنعه من كمال الإتيان بمشروعات الصلاة، ولأنه لو قُدِّرَ أن شيئًا صال عليه فإنه لا يتمكن من المبادرة بردِّه، ولا سيما إذا كان هذا الثوب قميصًا، إذا كان هذا الثوب قميصًا، فهو أشد وأشد، يعني: بأن يلبس القميص، ما يدخل يديه في كميه، فهذا اشتمال أصم من الصماء؛ لأن الرداء يمكن مع الحركة القوية ينفتح، لكن هذا لا ينفتح.
وقال بعض العلماء: إن اشتمال الصماء أن يضطبع بثوب ليس عليه غيره، يعني يكون عليه ثوب واسع يكون إزارًا ورداءً ثم يضطبع فيه، والاضطباع أن الإنسان يخرج كتفه الأيمن، ويجعل طرفي الرداء على الكتف الأيسر، ووجه الكراهة هنا أن فيه عُرْضة لأن يسقط فتنكشف العورة، هذان وجهان في تفسير الصماء.
الوجه الثالث أن يجعل الرداء على جانب واحد من جوانبه على أحد شقيه، ويبقى الشق الآخر مفتوحًا، وهذا إن لم يكن عليه إلا ثوب واحد فإنه ليس مكروهًا فقط بل هو محرم؛ لأن عورته منكشفة، وإن كان عليه إزار فهو مكروه؛ لأنه يشبه المشي بنعل واحدة، حيث جعل اللباس على شق واحد دون الآخر، فهذه ثلاث صفات لاشتمال الصماء، وكل هذه الصفات إذا رأيتها أو إذا تأملتها وجدت أنها تخالف ظاهر قوله تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف: ٣١]، فإن الأخذ -أخذ الزينة- على هذا الوجه فيه شيء من التقصير، ما أخذتها كاملة؛ لأن أخذ الزينة كاملة أن يلبسها على ما يعتاد الناس لبسها عليه بحيث تكون ساترة، وتكون معهودة مألوفة، بخلاف الشيء الذي لا يكون معهودًا ولا مألوفًا.
قال: ويُكْره أيضًا (تغطية وجهه)، يُكْره أن يغطي الإنسان وجهه وهو يصلي؛ لأن هذا قد يؤدي إلى الغم، ولأنه إذا سجد سوف يجعل حائلًا بينه وبين سجوده، فلذلك كره هذا الفعل، لكن لو أنه احتاج إليه لسبب من الأسباب، ومنه العطاس مثلًا، لو أراد أن يعطس وهو يصلي واحتاج إلى أن يضع ثوبه هكذا على وجهه فإن المكروه تبيحه الحاجة.
ويستثنى من ذلك المرأة إذا كان حولها رجال ليسوا من محارمها، فإن تغطية وجهها حينئذ واجب ولا يجوز لها كشفه.
قال المؤلف: (واللِّثامُ على فمه وأنفه)، (اللثام على فمه) يعني: أن يَتَلَثَّم هكذا على فمه؛ يعني: يضع العمامة أو الغترة أو الشماغ على فمه، وكذلك على أنفه.