الإمكان الشرعي أو الإمكان الحسي؟
ظاهر كلامهم؛ أن المراد الإمكان الحسي،
وأنه إذا أمكن المشاهدة حِسًّا وجب عليك إصابة العين، وإن كان لا يمكنك شرعًا، وعلى
هذا؛ فمن كان في صحن المسجد، في صحن المطاف، فاستقبال عين الكعبة عليه فرض، وسهل
ولَّا صعب؟
طلبة: سهل.
الشيخ: سهل، ومن كان في المصباح في الرواقات، فهذا قد يكون
سهلًا، وقد يكون صعبًا، إذا كانت الصفوف قاطبة وأمامه عمود من العمد الضخام، فهنا
قد لا يستطيع رؤيتها، ولا يستطيع أن يتحول عن مكانه؛ لأن الصفوف قاطبة، التعذر هنا
حسي ولَّا شرعي؟
طلبة: حسي.
الشيخ: يا إخواني!
طلبة: شرعي.
الشيخ: شرعي، أما حسي يقدر يروح، ويتخطى حتى يصل إلى
صحن المطاف، لكنه شرعي، فظاهر كلامهم أن هذا لا تصح صلاته حتى يكون مصيبًا للعين،
مصيبًا لعينها، وإذا أخذنا بهذا الرأي فإن كثيرًا من الذين يُصلّون في المسجد
الحرام لا تصح صلاتهم؛ لماذا؟
لأن كثيرًا منهم نشاهدهم بأعيننا لا يُصيبون عين
الكعبة، يتجهون إلى جهتها، صح، لكن ما يصيبون عينها، تجد الصف مستطيلًا، وبعضهم
يتجه عن يمين الكعبة، وبعضهم عن يسار الكعبة، وبعضهم يتجه إلى الكعبة
تمامًا.
وكذلك الذين في السطح فوق سواء السطح المسقف أو سقف المسقف، إذا كانوا
بعيدين عن الجدار المطل على صحن المطاف، فإن مشاهدتهم للكعبة متعذرة حسًّا ولَّا
لا؟
طلبة: شرعًا.
الشيخ:
شرعًا إذا كانت الصفوف قاطبة، أما حِسًّا يمكنهم يروحون، ويقفون على حد الجدار.
وهذه المسألة مشكلة علينا، الحقيقة أنها مشكلة باعتبار أن الإنسان إذا كان في
آخر الصفوف لا يتمكن من مشاهدة الكعبة قطعًا، ولا يقول: إنه أصاب عينها، ما يستطيع
أنه يجزم بهذا إطلاقًا، وإنما يستقبل الجهة أحيانًا، يشوف الظلمة والسواد، ويقول:
هذا عين الكعبة، ثُمَّ يصلي، وإذا سلَّم ولا الكعبة عن يمينه، ولا عن يساره، وهذا
كثيرًا، وأنا أعدت الصلاة مرة من المرات بعدما صليت معهم صلاة العصر أظن، ويوم
سلَّمنا ولا الكعبة على يمينّا، وإحنا فوق، لازم إني أعيد الصلاة، وهذه الحقيقة
مشكلة.
ولكني ما رأيت أحدًا من أهل العلم قال بأن من كان داخل المسجد فإن فرضه
استقبال الجهة إلا قولًا في سبل السلام شرح بلوغ المرام ما عزاه لأحد، لكنه
قاله تفقُّهًا من عنده، وإذا لم يكن أحد قال به قبله فهو غير مُسلَّم؛ لأن المعروف
من كلام أهل العلم قاطبة أن من كان يُمكنه مشاهدتها ففرضه إصابة العين.
طالب: أخذ السُّترة يا شيخ، سُترة من العمد الكبيرة، بعضهم
يحرصون على السترة يا شيخ، يجعلون بينهم وبين الكعبة سترة كبيرة.
الشيخ: إي، هو إذا كان الإنسان ما في الصف، يقدر واحد يتحرك من
هنا ومن هنا حتى يضبط الاتجاه، لكن إذا صار صف يشكل؛ حتى بعض الأحيان إذا صار الصف
ما استقام على عين الكعبة، إذا استقمت أنت على الكعبة (...) على كتف إنسان، ولا
مشكلة؛ لأنهم يقولون: كذا، وأنت بتقول: كذا، المهم -على كل حال- يقدر يشوفه إذا ركع
الناس أو إذا سجدوا ممكن.
طالب: إعادة الصلاة، يعني
نفهم (...) وجوب الإعادة.
الشيخ: إي نعم، معلوم؛ إذا
قلنا: إن فرض إصابة العين وأنا ما أصبت العين؛ معناه ما صحت صلاتي.
طالب: (...) ما تعم به البلوى كل الناس.
الشيخ: هذا اللي نقوله، أنا أقول: إذا لم يكن في المسألة إجماع،
لو كان فيها خلاف من العلماء المعتبرين، إحنا نؤيد هذا؛ لأن المسألة ضرورية الآن،
الناس ما يمكن وسط الأعمدة هذه وسط البعد، ولا يمكن مشاهدتها أبدًا. (...)
***
أما في صحن المسجد صحن المطاف موجود نفس البلاط، كل بلاطة مشغولة كأنها مكان رجل.طالب: (...).
الشيخ: لا، يأتي، لا بد، يأتي.
طالب: من كلام الشيخ الآن أنه فرض أنه داخل المسجد، ولا يرى الكعبة.
الشيخ: ظاهر كلامه أنه ما يلزمه.
الطالب: الجِهة فقط ليس (...).
الشيخ: ظاهر كلامه أنه ما يلزمه، لكن ما هو بيقول عن شيء: إنه ثابت؛ بحيث الإنسان يجزم بأن هذا اختيار شيخ الإسلام.
الطالب: أقول: ما هو بواضح؟
الشيخ: ما هو بواضح.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال ابن القيم في الجزء الرابع صفحة اثنين وخمسين.
الشيخ: من، من منين أي كتاب؟
الطالب: بدائع الفوائد، يتكلم عن مسألة التراب، ثم قال: إذا قلنا..
الشيخ: يتكلم عن أيش؟
الطالب: عن مسألة التراب.
الشيخ: التراب؟!!!
الطالب: وعن الصابون الأشنان (...)، مسائل ابن الزاغوني وابن عقيل.
الشيخ: (...)!!
الطالب: مسائل ابن الزاغوني وابن عقيل.
الشيخ: إي، منقول هذا؟
الطالب: يقول: إذا قلنا: الواجب التوجُّه إلى عين القبلة، وكان الصف طويلًا يزيد على سمت الكعبة؟ اختلف كلام أحمد في ذلك على روايتين:
إحداهما: أن طول الصف مع البُعد الكثير لا يؤثر ذلك مِيلًا عن الكعبة إلا قدرًا يخفى أمره، ويعسر اعتباره لا سيما فيما هو مأخوذ بالاجتهاد، فعفِي عنه.
والرواية الثانية: أنه إذا طال الصف من جانبي الإمام انحرف الطرفان إلى ما يلي الإمام انحرافًا يسيرًا، يجمع به توجيه الجميع إلى العين، ولا يشبه هذا خلاف المجتهدين؛ لأن كل واحد من المجتهِدَيْن يعتقد خطأ صاحبِه في اجتهاده، وفي مسألتنا قد اتفقا في الاجتهاد.
قلت: الصواب أنه مع كثرة البُعد يكثر المحاذي للعين، فإن قيل: هذا إنما يكون مع التقوُّس كالدائرة حول نقطة. قلنا: نعم، ولكن الدائرة إذا عظمت واتسعت جدًّا فإن التقوُّس لا يظهر في جانب محيطها إلا خفيفًا فيكون الخط الطويل متقوّسًا نحو شعرة، وهذا لا يظهر للحس.
الشيخ: بس، ما استفدنا.
طالب: (...).
الشيخ: ويش يقول؟
طالب: أقرأ؟
الشيخ: اقرأ.
الطالب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:
قال الزبيدي في شرح الإحياء، المجلد السادس صفحة أربع مئة وثلاثة وأربعين، بعد قول الغزالي: وأشكل معناه على قوم إذ قالوا: إن قلنا: إن المطلوب العين، فمتى يتصور هذا مع بُعد الديار؟ وإن قلنا: المطلوب الجهة؛ فالواقف في المسجد إن استقبل جِهة الكعبة وهو خارج ببدنه عن موازاة الكعبة لا خلاف في أنه لا تصح صلاته.
ثم قال الزبيدي: اعلم أنه في اشتراط استقبال المصلَّى على الأرض له أحوال:
ثم ذكر الرابع فقال: أن يصلي بمكة خارج المسجد، وإن عاين الكعبة، كمن يُصلِّي على أبي قُبيس، صلَّى إليها، ولو بنى محرابه على العيان صلَّى إليه أبدًا، ولا يحتاج في كل صلاة إلى المعاينة، وفي معنى المعايِن: من نَشأ بمكة وتيقَّن أن إصابة الكعبة وإن لم يشاهدها حال الصلاة، فإن لم يُعاين، ولا تيقَّن الإصابة فله اعتماد الأدلة والعمل بالاجتهاد إن حال بينه وبين الكعبة حائل أصلي كالجبل، وكذا إن كان الحائل طارئًا كالبناء على الأصحّ، للمشقة في تكليف المعاينة.
الشيخ: هذا واضح إذا كان خارج المسجد؛ يعني مثل البيوت المجاورة للمسجد، الاستقبال للعين قد يكون صعبًا، لا سيما إذا كانت العمارة هابطة أمامها عمارات رفيعة ما يقدر الواحد..
الطالب: ثم قال السادس من الأحوال إذا كان بموضع لا يقين فيه، اعلم أن القادر على يقين القِبلة، لا يجوز له الاجتهاد، وفيمن استقبل حِجْر الكعبة مع تمكُّنه منها، وجهان:
الأصح بالمنع؛ لأن كونه من البيت غير مقطوع به، بل هو مظنون.
ثم اليقين، قد يحصل بالمعاينة، وبغيرها، كالناشئ بمكة، العارف يقينًا بأمارات، وكما لا يجوز الاجتهاد مع القدرة على اليقين، لا يجوز اعتماد قول غيره.
وأما غير القادر على اليقين، فإن وجد من يخبره بالقبلة اعتمد، ولم يجتهد، ثم قد يكون الخبر صريحًا لفظه، وقد يكون دلالة كالمحراب المعتمد، وإذا لم يجد العاجز من يخبره فتارة يقدر على الاجتهاد وتارة لا يقدر، فإن قدر لزمه واستقبل ما ظنه القبلة.
ثم قال الغزالي: فإذا فهم معنى العين والجهة فأقول: الذى يصح عندنا في الفتوى أن المطلوب بالاجتهاد العين إن كانت الكعبة مما يمكن رؤيتها.
قال الزبيدي: وهو أظهر القولين، واتفق العراقيون على تصحيحه كما تقدم.
قال الغزالي: وإن كان يحتاج إلى الاستدلال عليها بالأدلة لتعذُّر رؤيتها.
ثم قال الزبيدي: بأن حالَ بينه وبينها حائل أصلي كالجبل أو طارئ كالبناء فيكفي استقبال الجهة، وأما طلب العين عند المشاهدة فمُجمع عليه.
قال الزبيدي: وبه قال أصحابنا الحنفية: ففي التجنيس للمرغيناني: من كان بمعاينة الكعبة فالشرط إصابة عينها، ومن لم يكن بمعاينتها فالشرط إصابة جهتها؛ وهو المختار.
والمراد باستقبال الجهة عندنا: أن يبقى شيء من سطح الوجه مسامتًا للكعبة ولو لهوائها؛ لأن المقابلة إن وقعت في مسافة بعيدة لا تزول بما تزول به من الانحراف لو كانت في مسافة قريبة، ويتفاوت ذلك بحسب تفاوت البُعد، وتبقى المسامتة مع انتقال مناسب لذلك البعد، فلو فُرِض خطّ من تلقاء وجه المستقبل للكعبة على التحقيق في بعض البلاد، وخط آخر يقطعه على زاويتين قائمتين من جانب يمين المستقبِل أو شماله لا تزول تلك المقابلة والتوجُّه بالانتقال إلى الشمال على ذلك الخط بفراسخ كثيرة.
ثم قال الغزالي: وأما الاكتفاء بالجهة عند تعذُّر المعاينة، فيدل عليه الكتاب والسُّنة، وفِعل الصحابة رضي الله عنهم، والقياس، أما الكتاب فقوله تعالى: ..
طالب: الأبنية الحادثة ما تعتبر الأعمدة أيضًا كثيرة؟
الشيخ: العارضة هذه، البناء العارض؟ أقول: البناء العارض.
الطالب: الأعمدة (...).
طالب آخر: هو بناء طارئ.
الشيخ: إي، هو بناء طارئ لا شك، لكن المهم اللي يشكل على الإنسان أنه في المسجد الحرام يقدر بدل ما يصلي بهذا يتقدم، ويصلي ويشاهِد الكعبة، ما هو مثل اللي يصلي في بيته.
طالب: (...) ما يقدر يا شيخ.
طالب آخر: في المواسِم يا شيخ، في الظروف العادية كل المصلين تُصلي في صحن المسجد بسهولة يعني، ولا يمكن يترك الصفوف منقطعة، ويصلي خلف الأعمدة.
طالب آخر: في الأيام العادية ممكن (...) زحمة.
الشيخ: ما يتمكن.
طالب: حتى لو حاول يا شيخ ما يمكن، كيف يتخطى الناس؟! يتخطاهم إلى أن تنتهي الصلاة ولا يصل للكعبة.
الشيخ: لا، ويؤذي أيضًا.
الطالب: ويؤذي.
الشيخ: ويؤذي الناس.
طالب: شيخ، أقول أيضًا قياسًا على من كان خارج الحرم، وهو لا يشاهد الكعبة كمن في بيته فهذا مثله (...) في ذهنه وهو خارج الحرم.
طالب آخر: النووي يا شيخ في المجموع ذكر كلام بسط المسألة، قال فيه: ولو وقف الإمام بقرب الكعبة والمأمومون خلفه مستديرين بالكعبة جاز، ولو وقفوا في آخر المسجد، وامتد صف طويل جاز، وإن وقف بقربه، وامتد الصف فصلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة باطلة.
الشيخ: نعم، وعلى كل حال، اتفاق الآن، من أمكنه المشاهدة.
طلبة: تعيَّن عليه.
الشيخ: تعيَّن عليه بالاتفاق، ومن لم تمكنه وهو خارج المسجد لم تجب عليه بالاتفاق، كذا ولَّا لا؟ وهذا واضح، المشكلة الآن من كان في المسجد، ويمكنه أن ينتقل من مكانه ليُشاهِد الكعبة، هل يجب عليه؟ هذا محل الإشكال.
طالب: كلام النووي يا شيخ الأخير، ولو وقفوا في آخر المسجد..
الشيخ: لا، كلام النووي الأخير معناه أنه ما هو بصف مستطيل وخارج عن مسامتة الكعبة، ما يريد هذا.
الطالب: يريد هذا يا شيخ.
الشيخ: ما يريد هكذا.
الطالب: وامتدّ صف طويل جاز، وإن وقف بقربه، وامتد الصف فصلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة باطلة..
الشيخ: صحيح، الآن لو امتد الصف طرف المسجد امتد مثلًا، وليكن عشرين مترًا صحَّت صلاتهم؛ لأنهم كلهم يمكنهم اتجاههم للكعبة، لكن عشرين مترًا وهما قريبون ما يمكن.
طالب: طيب يا شيخ اللي عند الحجر يا شيخ ما يشوف.
الشيخ: طيب، نقرأ.
طالب: أليس العزم على من رأى الكعبة يا شيخ؟
الشيخ: إي، ما فيه شك إلى الآن أنا ما أجزم بشيء، أجزم بأن لم يمكنه وهو خارج المسجد واضح، ومن أمكنه ولو خارج المسجد وجب استقبال العين.
طالب: يعني يتخطى الرقاب يا شيخ؟
الشيخ: وبقينا في مسألة من كان داخل المسجد.
طالب: ويستطيع..
الشيخ: ويستطيع، لكن استطاعة أيش؟ حسية.
طالب: ومن لم يستطع؟
الشيخ: اللي ما يستطيع مثلًا، لو كان إنسان ما يقدر يمشي؟
طالب: (...) الزحام يا شيخ (...).
الشيخ: على كل حال خلُّوا المسألة تكون مبنية عِلى علم.
***
بسم الله الرحمن الرحيمقال المؤلف رحمه الله تعالى: (وفرض من قرُب من القبلة إصابة عينها).
أولًا: يقول: (من قرُب) ولم يحدّد القرب، وقد سبق لنا في الدرس الماضي أن المراد به مَنْ أمكنه معاينة الكعبة، هذا يجب أن يُصيب عين الكعبة بكل بدنه ولَّا ببعض بدنه؟
يقولون: بكل بدنه، فلو فُرِض أن جانب وجهه الأيمن مساويًا للكعبة؛ والجانب الأيسر خارج عن الكعبة؛ ما صح، لا بد أن يكون اتجاهه كله إلى عين الكعبة، وذلك لأنه أمكن الاتجاه عن يقين، فوجب عليه؛ ولأن الأصل وجوب الاستقبال إلى البيت الذي هو البناء، هذا هو الأصل، وليس إلى المسجد كله، وإلا لصح أن نقول: لو كان للمسجد كله لصح أن نقول: إن الذي يُصلي في الجانب الجنوبي منه مثلًا له أن يَستقبل الجانب الشمالي منه، ولو كانت الكعبة على يمينه أو على يساره، ولا أحد يقول بهذا، فالمقصود الأول هو عيْن الكعبة، فإذا أمكن وجب.
(وفرض من بعُد)؛ يعني من بعُد من الكعبة بحيث لا يمكنه المشاهدة، (إصابة الجِهة)، فما هي الجهة؟ الجهة حدَّدها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ، وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» . لما قال: «شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا». يريد بذلك ضد القبلة، وعلى هذا فيكون ما بين المشرق والمغرب بالنسبة لأهل المدينة كله قبلة، واضح؟
طالب: (...)؟
الشيخ: ما بين المشرق والمغرب كله قبلة.
طالب: أهل المدينة.
الشيخ: أهل المدينة ما بين المشرق والمغرب، كله قبلة؛ فالجنوب كله قِبلة لهم، أعرفتم؟ ليس قبلتهم ما ساوى الكعبة فقط، لو كان ما ساوى الكعبة كم يجي؟ خلوه عشرين مترًا، لكن نحن نقول: ما بين المشرق والمغرب، الآن هذا المسجد؛ المشرق هنا، والمغرب هنا، والجنوب هنا، كل هذا، كذا، ولَّا كذا، ولَّا كذا، كله قِبلة؛ يعني سواء اتجهت إلى وسط الجنوب تمامًا أو إلى يمينه أو يساره، المهم ألا تخرج عن كونك مستقبلًا للجنوب، هذا هو استقبال الجهة، وبهذا نعرف أن الأمر واسع.
فلو رأينا شخصًا يُصلِّي منحرفًا يسيرًا عن مسامتة القبلة التي ندعي أنها هي القِبلة، فإن ذلك لا يضر؛ لأنه لم يزل متجهًا إلى القبلة، إلى الجهة؛ جهة القبلة لمن كانوا شمالًا عن الكعبة ما بين الشرق والغرب، جهة القبلة لمن كانوا شرقًا عن الكعبة ما بين الشمال والجنوب، وكذلك من كانوا غربًا ما بين الشمال والجنوب، ومن كانوا جنوبًا عن الكعبة ما بين الشرق والغرب.
فالجهات إذن أربع، هذا مقتضى الحديث، الجهات أربع، استقبل الجهة اللي فيها الكعبة، ولك كل الأفق؛ لأنه يخرج عنك ما كان اليمين والشمال، وإلا فكل الأفق لك، وهذا واسِع، والأمر فيه غير مُشكل، الْمُشكل هو من كان في نفس المسجد، ويمكنه إصابة العين، هذا هو الْمُشكل، ولَّا الباقي ما هو مشكل، فصار إصابة الجهة لمن كان بعيدًا.
طيب لو فرضنا أن واحدًا في جانب مكة، في شمال مكة، لكنه في جانب منها الجهة ولَّا لا؟
نعم، الجهة، لكن اعلموا أنه كلما قربت من الكعبة صغُرت الجهة، وهذا واضح، فإذا وصلت إلى أن تكون تحت جِدار الكعبة تكون الجهة بقَدْر بدنِك فقط؛ يعني لو تنحرف أقل انحراف صارت الكعبة إما عن يسارك أو عن يمينك، وكلما أبعدت اتسعت الجهة، وهذا أمر مُشاهَد؛ لأن النقطة الآن لو ضربتَ نُقطة وحطيت عليها دوائر تجد أنه كلما بعدت الدوائر عنها اتسعت.
ثم قال: (فإن أخبره ثقة بيقين عمل بقوله) نقف على هذا؛ لأنه يحتاج إلى بحث.
طالب: مثال: ناس اجتهدوا في القِبلة، صلَّى بعضهم إلى جهة، ثم قيل: لو انحرفت شمالًا أو يمينًا ما ينحرف؟
الشيخ: ينحرف؛ لأن الأكمل أفضل ما فيه شك.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، التعبُّد بالنظر إلى الكعبة في الصلاة.
الشيخ: ما هو بصحيح، النظر إلى الكعبة ليس عبادة لا في الصلاة ولا خارج الصلاة.
طالب: (...) ينظرون؟
الشيخ: إي كغيرها، إلى موضع سجوده على قول أكثر العلماء، أو تلقاء وجهه كما هو اختيار الإمام مالك أن الإنسان ينظر تلقاء وجهه؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه في صلاة الكسوف (...).
***
طالب: قال في المحرر: وإصابة عين الكعبة فرض من قرب منها. ولم يُفرِّق بين أن يكون، ثم حائل أم لا، والذي قطع به غير واحد أنه إن كان، ثم حائل فإن كان أصليًّا كجبل، ففرضه الاجتهاد إلى عينها، وعنه إلى جهتها إن تعذَّر اليقين، وإن كان غير أصلي كالدور فلا بد من اليقين، فإن تعذَّر اجتهد.ونقل ابن الزاغوني، وجماعة في رواية أن فرضه الاجتهاد، وهذا معنى قول بعضهم: إن كان غائبًا عن الكعبة بحيث يقدر على رؤيتها، لكنه مستتِر عنها بالمنازل والجدار، فهل فرضه يقين القبلة أو التوجُّه إليها بالاجتهاد؟ فيه روايتان؛ فإن قلنا: اليقين فأخطأ أعاد وإلَّا فلا.
قال الشيخ وجيه الدين: إن كان ممنوعًا بحائل من جبل أو أكَمة، فإنه يستخبر من على ذلك الحائل من المشاهدين، هذا إن كان الحائل من الأبنية المحدثة والجدران المستجدة؛ لأنه لو كُلِّف حكم المشاهدة لأدَّى إلى تكليفه بشيء يشق عليه.
ولأصحاب الشافعي وجهان:
أحدهما: كمذهبنا، فلا فرق بين الحائل المحدث والأصلي، وهو ظاهر كلام الشافعي.
والثاني: تجب عليه المعاينة، وذلك اليقين في الحائل المحدث؛ لأن ذلك فرضه قبل حدوث الحائل، وحدوث الحائل لا يُغيِّر حكم الموضع، والخبر يكون عن مشاهدَة أو عن علم. انتهى كلامه.
وقال القاضي في الجامع: أما من فرضه المعاينة كأن يكون في المسجد يُشاهِد الكعبة ويُعاينُها، وأما من فرضه الإحاطة واليقين وإن لم يُعاين، فهو كمن كان بمكة من أهلها، أو مِنْ غيرهم، لكن كثُر مقامه فيها، ولكنه من دون حائِل عن الكعبة لأمر أصلي الخلقة كالمنازل والتلول؛ لأنه يتمكن من التوجُّه إلى عينها قطعًا، وإن كان من غير حائل، وهكذا من كان بالمدينة ففرضُه الإحاطة واليقين؛ لأنه يتوجَّه إلى محراب النبي صلى الله عليه وسلم فيُقطع على أنه متوجِّه إلى الكعبة.
وأما من فرضه الخبر فمن خفي عليه التوجه، وهناك من يُخبر عن الكعبة عن علم ويقين، وأما من فرضه التقليد، فمن خفِيت عليه الدلائل ولم يتوصل إلى القبلة بالدليل، وأما من فرضه الاجتهاد، فمن كان من مكة على مسافة لا يتوصل إلى المعاينة، ولا يتمكن من الإحاطة واليقين، ولا ممن يخبره عن إحاطة ويقين.
وأما من كان بمكة أو بالقرب منها من دون حائل عن الكعبة، فإن كان الحائل كالجبال والتلول ففرضه الاجتهاد أيضًا، وإن كان لا من أصل خلقة كالمنازل؛ ففرضه الإحاطة واليقين.
وكل من قلنا: فرضه الإحاطة أو اليقين أو الخبر عمل عليه، وكل من قلنا: فرضه الاجتهاد، فهل عليه الاجتهاد في طلب العين أو الجهة؟ على روايتين.
وذكر القاضي أن المشهور والصحيح عن الإمام أحمد أن عليه الاجتهاد في طلب الجهة، وأن علي بن سعيد قال: إنه مذهب الإمام أحمد، وكذا عند غيره من الأصحاب.
وذكر القاضي وغيره الفائدة التي ذكرها في المحرر على الروايتين، وأنه لو اختلف اجتهاد رجلين في الجهة الواحدة، لكن أحدهما يميل يمينًا، والآخر يميل شمالًا، فهل لأحدهما أن يأتمَّ بالآخر؟ ينبني على ذلك.
قوله: أو من مسجد الرسول..
الشيخ: أحسنت، فيه عمومات، ما هي بصريحة؛ إنه إذا صار حائل سواء أصلي ولَّا طارئ؛ فإن فرضه الاجتهاد، وأنه إذا اجتهد، وبان الخطأ فلا إعادة عليه، وهذا عام يشمل من كان في المسجد، ومن كان خارج المسجد.
ولكن ما ذكرتم البارحة إذا كان هناك زحام، ولا يتمكن فيجتهد ويتحرى، هذا هو الظاهر إنه يجتهد ويتحرى، وإذا أخطأ فلا إعادة عليه؛ لأن الله يقول: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦].
طالب: إذا شاهدنا واحدًا في الصحن يُصلِّي إلى غير جهة الكعبة إلى غير العين، هل نقول: صلاتك باطلة وتعيد؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: نوجب عليه إعادة.
الشيخ: إي، نوجب عليه إعادة؛ لأنه شاهدها.
طالب: بالنسبة (...) يا شيخ للآن ما ذكرنا الدليل على وجوب النظر إلى الكعبة.
الشيخ: ما فيه وجوب، النظر إلى الكعبة لا يجب بل ولا (...).
***
طالب: .. المسجد الحرام.الشيخ: حين صلَّى؟
الطالب: داخل المسجد الحرام.
أولًا: المذهب الحنفي:
تناقل فقهاء الشافعية -رحمهم الله- قولًا لأبي حنيفة بجواز التوجُّه إلى جهة الكعبة دون عينها لمن صلَّى داخل المسجد الحرام، قال الرافعي في فتح العزيز، المجلد الثالث صفحة ثنتين وعشرين بعد المئتين ما نصه:
الثانية: أن الإمام يقف خلف المقام، والقوم يقفون مستديرين بالبيت، فلو استطال الصف خلفه، ولم يستديروا فصلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة باطلة؛ لأنهم لا يسمون مُستقبلين، وذكر صاحب التهذيب وغيره من أصحابنا أن أبا حنيفة يُصحِّح صلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة؛ لأن الجهة كافية عنده.
ثم قال: لكن أبا الحسن الكرخي وغيره من أصحاب أبي حنيفة فصَّلوا، وقالوا: الفرض على المصلِّي استقبال القبلة وإصابة عينها إذا قدِر عليها، أو الجهة إذا لم يقدر على عينها، وهذا يدل على أنه إنما يكتفي بالجهة في حق البعيد الذي لا يقدر على إصابة العين لا مطلقًا. انتهى.
ولم أقف على رأي أبي حنيفة هذا مع البحث في كثير من كتب الحنفية، بل جاء في الفتاوى الهندية تبعًا لفتاوى قاضي خان: اتفقوا -أي الحنفية- على أن القبلة في حق من كان بمكة عينُ الكعبة فيلزمه التوجه إليها.
وفي الدراية كما في البناية: من كان بمكة وبينه وبين الكعبة حائل يمنع المشاهدة كالأبنية، فالأصح أن حكمه حكم الغائب، ولو كان الحائل أصليًّا كالجبل، فله أن يجتهد، والأولى أن يصعد على الجبل حتى تكون صلاته إلى الكعبة يقينًا.
وفي معنى ما تقدم ورد في شروح الهداية كفتح القدير لابن الهمام، والعناية للبابرتي، والبناية للزيلعي، وفي بدائع الصنائع وأحكام القرآن للجصاص، وحاشية ابن عابدين وغيرها من كتبهم.
ثانيًا: مذهب المالكية:
قال القرطبي -رحمه الله- في الجامع لأحكام القرآن، المجلد الثاني صفحة ستين بعد المئة: لا خلاف بين العلماء أن الكعبة قِبلة في كل أفق، وأجمعوا على أن من شاهدها وعاينها فرض عليه استقبالها، وأنه إن ترك استقبالها وهو معاين لها، وعالم بجهتها فلا صلاة له، وعليه إعادة كل ما صلى. ذكره أبو عمر.
وقال القرافي: من قرب من الكعبة ففرضه استقبال السمت قولًا واحدًا، فإذا صَفَّ صَفٌّ مع حائط الكعبة فصلاة الخارج عنها ببدنه أو بعضه باطلة.
وقال في منح الجليل: استقبال عين الكعبة وما في حكمها مما يمكن فيه استقبال عينها يقينًا كالجبال المحيطة بها والأودية والطرق القريبة منها، فلا يكفيهم استقبال جهتها، ولا الاجتهاد في استقبال عينها.
وفي معنى ما تقدم ورد في شروح مختصر الخليل كمواهب الجليل، والتاج والإكليل، والشرح الكبير، والشرح الصغير، وكذا في شروح رسالة ابن أبي زيد القيرواني.
ثالثًا: المذهب الشافعي:
قال الرافعي في فتح العزيز: أما الحاضر في المسجد الحرام فيجب عليه استقبال عين الكعبة؛ لأنه قادر عليه.
وفي تحفة الحبيب على شرح الخطيب: ولو امتد صَفٌّ طويل بقرب الكعبة -أي ولو بأخريات المسجد- وخرج بعضهم عن المحاذاة بطلت صلاته.
وقال المحلي في شرح المنهاج: ومن أمكنه عِلم القبلة ولا حائل بينه وبينها كأن كان في المسجد أو على جبل أبي قبيس، أو سطح، وشك فيها لظلمة أو غيرها حرُم عليه التقليد؛ أي الأخذ بقول المجتهد بأن يعمل به فيها، (والاجتهاد)؛ أي العمل به فيها لسهولة علمها في ذلك، وكذلك ورد معنى ما تقدم في روضة الطالبين.
رابعًا: المذهب الحنبلي:
قال الموفق -رحمه الله تعالى- في المغني: قال بعض أصحابنا: الناس في استقبالها على أربعة أضرُب: منهم من يلزمه اليقين، وهو من كان معاينًا للكعبة، أو كان بمكة من أهلها، أو ناشئًا بها من وراء حائل محدث كالحيطان، ففرضه التوجه إلى عين الكعبة يقينًا.
وقال المرداوي في الإنصاف والفرض في القبلة: إصابة العين لمن قرب منها بلا نِزاع.
ثم قال: المراد بقوله: لمن قرب منها: المشاهد لها، ومن كان يمكنه من أهلها، أو نشأ بها من وراء حائل محدث، كالجدران ونحوها، فلو تعذَّر إصابة العين لقريب، كمن هو خلف جبل ونحوه، فالصحيح من المذهب: أنه يجتهد إلى عينها، وعنه إلى جهتها.
وذكر جماعة من الأصحاب: إن تعذر إصابة العين للقريب فحُكمه حُكم البعيد، وقال في الواضح: إن قدر على الرؤية، إلا أنه مستتر بمنزل أو غيره، فهو كمشاهِد، وفي رواية: كبعيد.
وقال الشيخ عثمان بن قائد في دقائقه وحواشيه على المنتهى وبخطه على قوله: إلا إن تعذر. كالمصلِّي خلف أبي قبيس بخلاف من صلَّى داخل المسجد الحرام أو على سطحه أو خارجه، وأمكنه ذلك بنظره أو علمه، أو خبر عالم، إلى آخره.
وفي معنى ما تقدم ورد في شرح العمدة لشيخ الإسلام ابن تيمية، وشرح المنتهى لابن النجار والفروع، وكشاف القناع وغيرها، والله أعلم.
الشيخ: خلاص، ما راجعت ابن حزم.
الطالب: ما تعرض لها.
الشيخ: ما تعرَّض لها، وهذا كلهم اتفقوا على أنه إذا كان يمكنه مشاهدة الكعبة؛ فالواجب أن يتجه إلى عين الكعبة إلا ما نُقل عن الحنفية، والغريب أن ما نُقل عن الحنفية نُقل عن كتبهم خلاف ذلك.
طالب: في كتب الشافعية.
الشيخ: غريب، إي، أحسنت على كل حال.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.قال المؤلف رحمه الله تعالى: فإن أخبره ثقة بيقين، أو وجد محاريب إسلامية عَمِل بها، ويُستدل عليها في السفر بالقطب والشمس والقمر ومنازلهما، وإن اجتهد مجتهدان فاختلفا في جهة لم يتبع أحدهما الآخر، ويتبع المقلد أوثقهما عنده، ومن صلَّى بغير اجتهاد ولا تقليد قضى إن وجد من يقلده.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، سبق لنا أن من شروط الصلاة استقبال القبلة، فما هو دليله؟
طالب: قوله تعالى: وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ.
الشيخ: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ.
الطالب: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ [البقرة: ١٤٤].
الشيخ: يُستثنى من ذلك مسائل؟
طالب: العاجز، والمتنفل الرَّاكب في سفر، الراكب ليس بشرط، لكن في سفر؛ سائر، ومنها أيضًا الماشي على قول.
الشيخ: ويش بعد؟
الطالب: ومنها: في شدة الخوف.
الشيخ: وشدة الخوف، كم هذه؟
طالب: أربع.
الشيخ: أربعة ولا ثلاثة؟
الطالب: أربعة باعتبار..
الشيخ: أعِدْها.
الطالب: العاجز.
الشيخ: العاجز، والخائف، والمتنفِّل في سفر وهو سائر بشروطه، أو المتنفل في سفر بشروطه، ما هو الدليل على استنثناء العاجز؟
طالب: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا [البقرة: ٢٨٦].
الشيخ: لا.
طالب: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.
الشيخ: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦]، فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]
طيب، الدليل على استثناء الخائف؟
طالب: قوله تعالى في صلاة الخوف.
الشيخ: فَإِنْ خِفْتُمْ.
الطالب: فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٢٣٩].
الشيخ: طيب الدليل على استثناء المتنفِّل في السفر؟
طالب: فعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان يتنفَّل حيثما توجَّهت به راحلته .
الشيخ: نعم، أحسنت. إذا كان الإنسان يمكنه أن يشاهد الكعبة، فما فرضه؟
طالب: إصابة عينها.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: الدليل: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٤٤].
الشيخ: شَطْرَ الْمَسْجِدِطيب الْمَسْجِدِغير الكعبة؟
طالب: يمكن يُقال: إجماع العلماء.
الشيخ: نعم.
طالب: النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من الكعبة قال: «هَذِهِ قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» .
الشيخ: قال عن الكعبة هي: «قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا»، ثم قوله أيضًا يمكن أن نستنبط من قوله: شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِأن المراد جهة المسجد، وهي الكعبة في المسجد، فمن ولَّى وجهه الكعبة فقد ولَّى وجهه شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
قال المؤلف: (فإن أخبره ثقة بيقين أو وجد محاريب إسلامية عمِل بها)؛ يعني بماذا يستدل على القبلة؟ يستدل على القبلة بمشاهدتها إذا شاهدها، وهذا واضح، ثانيًا: بخبر ثقة، لكن عن يقين (أخبره ثقة بيقين) بأن قال إنسان ثقة رجل أو امرأة: هذه هي القبلة.
أفادنا المؤلف رحمه الله: أن إخبار الثقة لا بد فيه من أن يكون المخبِر ثقة، والثقة تستلزم العدالة والخبرة، فإن لم يكن عدلًا فليس بثقة لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات: ٦]، فأوجب الله سبحانه وتعالى أن نتبين، وأن نتثبت في خبر الفاسق، ولم يُوجب رده مطلقًا ولا قبوله مطلقًا.
إذن إذا قال لنا إنسان فاسق: القبلة هنا، وإن كان ذا خبرة؛ فإننا لا نعمل بقوله؛ لأنه ليس بعدل، كذلك إذا قال لنا إنسان عدل -نعرفه أنه عدل ظاهرًا وباطنًا، صاحب عبادة وزهد وورع- قال: هذه هي القبلة، لكنه ليس ذا خبرة؛ فإنه ليس بثقة، إذن لا بد في الثقة من العدالة والخبرة، لا بد أن يكون عدلًا، وأن يكون ذا خبرة.
وأفادنا المؤلف أن (أخبره ثقة) أنه لا يشترط التعدد؛ يعني لا يُشترط أن يُخبره ثقتان، وهذا بخلاف الشهادة؛ لأن هذا خبر ديني فاكتُفِي فيه بقول الواحد، كما نعمل بقول المؤذن في دخول الوقت بدون أن يتعدد المؤذنون.
وأفادنا أيضًا قوله: (ثِقة) أنه لو كان المخبِر امرأة يُوثق بقولها لكونها عدلة وذات خبرة فإننا نأخذ بقولها، والعلة في ذلك أن هذا خبر ديني، فيُقبل فيه قول الواحد كالرواية كما أننا نقبل رواية المرأة إذا كانت عدلًا حافظة كذلك نقبل قولها هنا؛ لأن هذا من باب الأخبار الدينية التي يبعد فيها الكذب إذا كان المخبِر بها ثقة.
وقول المؤلف: (بيقين) يعني بأن أخبره عن مشاهدة، أفادنا أنه لو أخبره الثقة عن اجتهاد؛ فإنه لا يعمل بقوله مثل: لو كان جماعة في سفر، كلهم لا يعرفون القِبلة، ولا يستطيعون الاجتهاد إلى جِهتها، لكن فيه واحد منهم يعرف ذلك عن اجتهاد، فظاهر كلام المؤلف أننا لا نأخذ بقوله، ولكن هذا فيه نظر.
والصواب: أنه إذا أخبره ثقة -سواء أخبره عن يقين أو عن اجتهاد- فإنه يعمل بقوله كما أننا نعمل بقول الثقة بالاجتهاد في مسائل الدين الحلال والحرام والواجب، فكيف لا نعمل به في إخباره بالقبلة؟
فالصواب أنه إذا أخبره الثقة -سواء كان إخباره صادرًا عن يقين أو صادرًا عن اجتهاد- فإنه يجب عليه العمل بقوله.
الثاني مما يُستدل به على القبلة قال: (أو وجد محاريب إسلامية) فإنه يعمل بها؛ يعني هو لا يعرف القبلة لا عن يقين، ولا عن اجتهاد، لكن وجد المحاريب الإسلامية في المساجد متجهة إلى جهة ما؛ فإنه يستدل بالمحاريب الإسلامية على جهة القبلة، وهذا أمر معلوم.
وقوله: (محاريب إسلامية) يُفهم منه أن المسلمين ما زالوا يستعملون المحاريب، وأن لهم محاريب خاصة تتميز عن محاريب النصارى وغيرهم وهو كذلك.
وقد اختلف العلماء -رحمهم الله- في اتخاذ المحراب؛ هل هو سُنَّة، أو مستحب، أو مُباح، والصحيح أنه مُستحب؛ يعني لم ترد به السنة، لكن النصوص الشرعية تدل على استحبابه لما فيه من المصالح الكثيرة، ومنها تعليم الجاهل بماذا؟ بالقبلة.
وأما ما رُوي عن النبي عليه الصلاة والسلام من النهي عن مذابح كمذابح النصارى ؛ يعني المحاريب، فهذا النهي واضح؛ أنه وارد على ما إذا اتخذت محاريب كمحاريب النصارى، أما إذا اتخذت محاريب متميزة للمسلمين، فإن هذا لا نهي عنه.
قال: (أو وجد محاريب إسلامية عمل بها) عُلِم من كلامه أنه لو وجد محاريب غير إسلامية لم يعمل بها، لماذا؟ لأنه لا يوثق ببنائهم كما لا يُوثق بقولهم في مسائل الدين، وإلا لكان يُمكن أن يُقال: إن المعروف عند غير المسلمين من أهل الكتاب أنهم يتجهون إلى بيت أيش؟ بيت المقدس، فإذا وجدنا محاريب لهم متجهة إلى بيت المقدس، ونحن مثلًا في جهة بين بيت المقدس وبين الكعبة عرفنا أن القبلة خلاف محاريبهم، لكننا لا نثق بمحاريبهم؛ لأننا نخشى أن يكونوا قد بدَّلوا أو غيَّروا؛ فلهذا قيد المؤلف هذا بقوله: (أو وجد محاريب إسلامية). قال الشارح: (لأن اتفاقهم عليها مع تكرار الأعصار إجماع عليها، فلا تجوز مخالفتها؛ حيث علمها للمسلمين).
الثالث: مما يُستدل به على القبلة، قال: (ويُستدل عليها بالقطب)، هذا دليل آفاقي؛ أي: دليل في الأفق.
القطب، فما هو القطب؟
القطب: هو الشيء الذي تدور عليه الأشياء، وهو أصل الشيء، والقطب هذا نَجْم خفي من جهة الشمال الشرقي بالنسبة لنا هنا في القصيم خفي جدًّا، قال العلماء: لا يراه إلا حديد البصر في غير ليالي القمر، إذا كانت السماء صافية، لكن له جار بيِّن واضح يُستدل به عليه وهو (الْجَدْي)، فإن (الْجَدْي) قريب منه؛ ولهذا يظن بعض الناس أن (الجَدْي) ثابت لا يتغيّر، وليس كذلك، بل (الجَدْي) يتحرَّك يسيرًا، لكن لِقُربه من القطب لا تتبيَّن حركته، أما القطب نفسه فإنه لا يتحرك ولا يتغيَّر، كقطب الرَّحا، وأنتم تعلمون الآن الرحا إذا دارت ما كان حول قطبها؛ فإن دورانه يسير خفيًّا جدًّا، وكلما قرب كان أخفى، والبعيد تكون دورته واسعة بيِّنة، هكذا النجوم على القطب، ما كان قريبًا منه فدورته يسيرة جدًّا؛ حتى إن بعض الناس يظن أنه لا يدور، وما كان بعيدًا فإنه يدور دورانًا كبيرًا.
وأضرب لكم مثلًا ببنات نعش الكبرى والصغرى، هي سبع نجوم كبيرة، وسبع نجوم صغيرة؛ بنات نعش الصغرى في أحد طرفيها (الجَدْي)، وفي الآخر (الفَرْقَدان) الذي قال فيهما الشاعر:
| ........................... | وَفَرْقَدَا السَّمَاءِ لَنْ يَفْتَرِقَا |
هذه سبعة نجوم، طرفها (الجدي)، وطرفها الثاني (الفرقدان)، هذه لا تغيب أبدًا، لا تغيب عنَّا، نشاهدها وهي تدور، أحيانًا تكون (الفرقدان) في الجنوب، و(الجَدْي) في الشمال، وأحيانًا يكون (الجَدْي) في الجنوب، و(الفرقدان) في الشمال لا تغيب، أما بنات نعْش الكبرى فإنها تغيب؛ لكن لا تكاد تمضي ساعة أو ساعة ونصف إلا وقد طلع أولها من الشرق بعد أن يغيب آخرها من الغرب؛ لأن المسافة ما هي بعيدة.
على كل حال يُستدل على القبلة بالقطب، سواء كنت في البر أو في البلد، ولكن يحتاج إلى معرفة القطب ما هو، أنا أخشى أن بعض الناس يظن أن القطب سهيل، وسهيل هو في؟
طالب: الجنوب.
الشيخ: في الجنوب، لكن القطب في الشمال؛ وهو نجم خفي -كما قال صاحب الإقناع وغيره- لا يراه إلا حديد البصر في غير ليالي القمر في الليالي الصافية.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على الاستدلال على القبلة بالقطب؟
قيل: الدليل قوله تعالى: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل: ١٦]، فإن الله سبحانه وتعالى أطلق الاهتداء بالنجم؛ فالنجم يُهتدى به على الجهات لكل غرض.
الشمس والقمر أيضًا يُستدل بهما على القِبلة؛ لأن الشمس والقمر كلاهما يخرج من المشرق ويغرب في المغرب، فإذا كنت عن الكعبة غربًا فالقبلة شرقًا، وإذا كنت عن الكعبة شرقًا، فالقبلة غربًا، وإذا كنت عن الكعبة شمالًا فالقبلة جنوبًا، وإذا كنت عن الكعبة جنوبًا فالقبلة شمالًا، «وَمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك لأهل المدينة ومن ضاهاهم.
(بالشمس والقمر ومنازلهما) منازل الشمس والقمر هي منازل النجوم الصيفية والشتوية، وهي ثمان وعشرون منزلة ينزلها القمر، كل ليلة له منزلة منها، وليلتان أو ليلة واحدة يكون محاقًا أو مستترًا لا يُرى؛ ولهذا تُسمى ليلة التاسع والعشرين والثلاثين، أو الثماني والعشرين والتاسع والعشرين تسمى ليالي الاستسرار؛ يعني أن القمر يَستتر فيها ولا يُرى.
الثماني والعشرون منزلة، هذه تنزلها الشمس على مدى سنة كاملة، أما القمر فيطوف بها في خلال شهر، يطوف بها في السنة اثنتي عشرة مرة، أما الشمس فتطوف بها في السنة مرة واحدة.
كيف نستدل بمنازلهما؟
ننظر مثلًا إلى النجوم الشمالية التي تقسم المشرق نصفين والمغرب نصفين، والنجوم الجنوبية التي تقسم المشرق نصفين والمغرب نصفين؛ فالجنوبية من جهة الجنوب، والشمالية من جهة الشمال، لكن هذه لا يعرفها إلا من تمرَّس وصار في البر، وليس حوله أنوار من الكهرباء بحيث يعرف هذه النجوم، والذين يعرفونها يستطيعون أن يحكموا على الليل والنهار بالساعات، بل بأقل من الساعات، يقولون مثلًا: الآن راح من الليل نصفه، راح ربعه، راح ثمنه، راح عُشْره؛ يستدلون على ذلك بهذه المنازل.
قال: (بالشمس والقمر ومنازلهما)، فصار الذي يُستدل به على القِبلة: المشاهَدة، وخبر الثقة بيقين، والثالث: القطب، والمحاريب الإسلامية، والشمس والقمر ومنازلهما.
بعض العلماء قال: يُستدل أيضًا بالجبال الكبار، وبعضهم قال: يُستدل أيضًا بالأنهار الكبار ومصابها،
وبعضهم قال: يُستدل بالرياح.
لكن هذه الثلاثة دلالتها خفية، ولهذا أغفلها المؤلف -رحمه الله- ولم يذكرها؛ فإن من الناس من يكون عنده قوة إحساس؛ بحيث يقول لك: الهواء جنوب، لو كان أعمى، الهواء شمال، الهواء شرق، الهواء غرب، ويستدل بالرياح على الجهات.
في زمننا هذا جاء الله سبحانه وتعالى بالآلات الدقيقة التي يُستدل بها على جهة القبلة، بل إنني سمعت أنه يُوجد آلات يُستدل بها على عين القبلة؛ لأنهم يقولون: إن الكعبة هي مركز الكرة الأرضية، وأنهم الآن توصَّلوا إلى آلات دقيقة يكون اتجاهها دائمًا إلى مركز الأرض وهو وسطها، وهذا هو الكعبة، لكنني ما عثرت عليها حق اليقين، إنما هذا مشتهر.
قال: (وإن اجتهد مجتهدان فاختلفا جهة).
قوله: (إن اجتهد مجتهدان)، أفادنا المؤلف بأن القبلة يكون فيها مجتهد، فمن المجتهد في جهة القبلة؟
المجتهد في جهة القبلة هو الذي يعرف أدلتها، كما أن المجتهد في أبواب العلم هو الذي يعرف أدلة العلم، الناس بالنسبة للقِبْلة؛ إما مجتهد، يعرف كيف يستدل بأدلتها، وإما مُقلِّد لا يعرف ولا يدري،
المقلّد ما فرضه؟
طالب: التقليد.
الشيخ: التقليد، لكن سبق أنه لا بد أن يكون المقلد يُخبر عن يقين على المذهب، والصحيح: أنه يُقلَّد؛ سواء كان يخبر عن يقين أو عن اجتهاد، المجتهد هو الذي يمكنه معرفة القبلة بأدلتها.
(اجتهد مجتهدان) مثال ذلك: رجلان في البر حان وقت الصلاة فاجتهدا، فقال أحدهما: القِبلة هنا من اليمين، وقال الثاني: القبلة هنا من اليسار، أيهما أصوب؟ كِلاهما مجتهد إذا اختلفا (جهة لم يتبع أحدهما الآخر).
إن اختلفا (جهة)؛ لأن اختلاف المجتهدين إما أن يكون في جهة واحدة، وإما أن يكون في جهتين؛ مثاله في الجهتين أن يقول أحدهما: القبلة هنا؛ ويشير إلى الشمال، والثاني قال: القِبلة هنا؛ ويشير إلى الجنوب، هذان اختلفا جهة، ولا يمكن أن يتبع أحدهما الآخر.
إذا اختلفا في غير الجهة؛ بمعنى أن الجهة واحدة، فهنا لا بأس أن يتبع أحدهما الآخر، لماذا؟ لأن الانحراف في الجهة لا يضر، ولا يُخلّ بالصلاة، فصار المجتهِدان إذا اختلفا في الجهة؛ بمعنى أن كل واحد منهما قال: إن القِبلة في جهة غير جهة الآخر، فإن أحدهما لا يتبع الآخر؛ لأن كل واحد منهما يعتقد خطأ الآخر، وإلا فقد اتفقا على أن القِبلة شرط ولا بد.
أما إذا اختلفا في غير الجهة بأن اختلفا في الانحراف في جهة واحدة، فهنا لا بأس أن يتبع أحدهما الآخر مثل أن يتجها إلى الجنوب، لكن أحدهما يميل إلى الغرب، والثاني يميل إلى الشرق؛ فالجهة هنا واحدة.
نقول: لا بأس للذي يميل إلى الغرب أن يتبع الذي يميل إلى الشرق، ويميل معه إلى الشرق، أو نقول للذي يميل إلى الشرق: مِلْ إلى الغرب، واتبع الذي يميل إلى الغرب؛ لأنك إذا فعلت ذلك لم تبطل صلاتك بخلاف ما إذا اختلفا جهة، أحدهما يقول: هنا يعني المشرق، والثاني يقول: هنا يعني المغرب، فهنا لا يتبع أحدهما الآخر.
يقول: (لم يتبع أحدهما الآخر)، ما المراد بالاتباع هنا؟ يعني في القِبلة، لا يجوز أن يتبع أحدهما الآخر؛ حتى لو كان أعلمَ منه وأعرفَ، ما دام قد نازَعه وخالفه، فإن كان الإنسان حين اجتهد واجتهد الآخر الذي هو أعلم منه صار عنده تردُّد في اجتهاده، وغلبة ظن في اجتهاد صاحبه. فعلى المذهب لا يتبعه؛ لماذا؟ لأنهم يقولون: لا بد أن يكون خبر ثقة عن يقين.
ولكن الصحيح: أنه يتبعه؛ لأنه لما تردد في اجتهاده بطل اجتهاده، ولما غلب على ظنه صحة اجتهاد صاحبه وجب عليه أن يتبع ما هو أحْرى، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن مسعود: «فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، ثُمَّ لْيَبْنِ عَلَيْهِ» ، وهذا دليل على أن من كان عنده غلبة ظن في أمر من أمور العبادة فإنه يتبع غلبة الظن.
وهذا أيضًا له أصل في الكتاب، قال الله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، وهذا استطاعته.
ثانيًا: (لم يتبع أحدهما الآخر) أي: في متابعة الائتمام، فلا يأتمّ به؛ لماذا؟ لأن كل واحد منهما يعتقد أن هذا أخطأ القِبلة، وللتضادّ، كيف التضاد؟ إذا كان الإمام يرى أن القبلة جنوب، والمأموم يرى أن القبلة شمال، أين يتجه الإمام؟
طلبة: إلى الجنوب.
الشيخ: إلى الجنوب، والمأموم؟
طلبة: إلى الشمال.
الشيخ: إلى الشمال، صار المأموم قد استدبر الإمام؛ هذا تضاد، إذا ركع الإمام إلى الجنوب ركع ذاك إلى الشمال، هذه مخالفة تضاد، والمقصود من الجماعة هي الائتلاف.
وقال بعض أهل العلم: بل يجوز أن يتبعه، وإذا كانت الصلاة صلاة جماعة واجبة وجب أن يتبعه، ويأتم به؛ لأن كل واحد منهما يعتقد خطأ الآخر بالنسبة لاجتهاده، وصوابه بالنسبة لاجتهاد نفسه، واضح؟
أنا أعتقد أن الإمام مخطئ لما اتجه إلى الجنوب باعتقادي أنا، لكن باجتهاده هو أعتقد أنه مُصيب، وأنه لو تابعني لبطلت صلاته.
قالوا: ونظير ذلك لو أن رجلين أكلَا من لحم إبل؛ أحدهما: يعتقد أن لحم الإبل ناقِض، والثاني: يعتقد أن لحم الإبل غير ناقض، فائتم أحدهما بالآخر، فهنا أحدهما يعتقد بُطلان صلاة الآخر، ومع ذلك يجوز أن يأتم أحدهما بالآخر، يجوز، قالوا: فهذا مثل هذا، واعتقاد الخطأ في الحكم كاعتقاد الخطأ في الحال، الذي خالفني في القِبلة قد اتفقت معه على الحكم؛ وأن استقبال القبلة شرط، لكن اختلفنا في أيش؟ في الحال، أنا أعتقد أن هذه هي القبلة، وهو يعتقد أن القبلة مخالفة لذلك، فلا فرق بين أن أعتقد أن هذا اللحم ناقِض الوضوء، وهو يعتقد أنه ليس بناقض.
وهذا القول أقرب، وهو جواز اتباع أحدهما الآخر مع اختلافهما في جهة الكعبة أو القبلة.
بقي عندنا إذا كان هناك ثالث ليس بمجتهد؛ يعني لدينا رجلان اجتهدا في القبلة، فقال أحدهما: القِبلة هنا، وأشار إلى ناحية، وقال الثاني: القبلة هنا، وأشار إلى ناحية مخالفة، وعندهما رجل ثالث، فمن يتبع؟
قال المؤلف: (ويتبع المقلّد أوثقَهُما عنده) إذا قال: والله اختلف فلان وفلان، من أتبع؟ قلنا: مَن الأوثق عندك؟ قال: فلان. نقول: اتبعه، فإن اتبع غير الأوثق مع وجود الأوثق فصلاته باطلة؛ لأنه يعتقد بطلانها ويكون كالمتلاعِب في صلاته (...).
***
طالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فمن صلى بغير اجتهاد ولا تقليد قضى إن وَجَد من يُقَلِّده، ويجتهد العارف بأدلة القِبلة لكل صلاة، ويُصلِّي بالثاني، ولا يقضي ما صَلَّى بالأول.ومنها: النية، فيجب أن ينوي عين صلاة معينة، ولا يُشترط في الفرض والأداء والقضاء والنَّفل والإعادة نيتهن، وينوي مع التحريمة وله..).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
بماذا يستدل على القِبلة؟
طالب: إن أخبره الثقة، والثاني: (...) المحاريب الإسلامية.
الشيخ: والمحاريب الإسلامية.
الطالب: وبالقطب.
الشيخ: القطب، ويش بعد؟
الطالب: وبالرياح.
الشيخ: لا؛ لأن الرياح والجبال ضعيفة، لكن غيره؟
طالب: الوسائل الجديدة.
الشيخ: لا، خلِّ هذه.
طالب: الشمس والقمر ومنازلهما.
الشيخ: الشمس والقمر ومنازلهما، فيه شيء؟
طالب: المشاهَدة.
الشيخ: لا، المشاهدة فرضها استقبال العين.
الطالب: (...).
الشيخ: اختلف رَجلان في جهة القبلة؛ أحدهما يقول: يمينًا، والثاني يقول: شمالًا؟
طالب: لا يتبع أحدهما الثاني.
الشيخ: ولو كان أعلم منه؟
الطالب: ولو كان أعلم منه؛ لأنه يرى خطأ الآخر.
الشيخ: هل يقتدي أحدهما بالآخر؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، ما يكون إمامًا له؟
الطالب: لا يقتدي واحد بالآخر؛ لأن كل واحد يظن بالآخر بالخطأ، فكيف يقتدي؟
الشيخ: لكن لو قال: صلِّ أنت وأنا أصلي، أنت إمامي وأنا مأموم، يصلح؟
الطالب: يعني واحد بمقلد؟
الشيخ: لا.
الطالب: كلاهما مجتهدان.
الشيخ: كلاهما مجتهدان؛ أحدهما قال: القبلة هنا، والثاني قال: القبلة هناك؟
الطالب: لا يقتدِي بالآخر.
الشيخ: لا يكون إمامًا له؟
الطالب: لا.
الشيخ: ويش تقولون؟
طلبة: (...).
الشيخ: صحيح، نعم.
طالب: أنه إذا كان رجل قبلته الشمال، ورجل قبلته الجنوب ليس لأحدهما (...) خلف الآخر (...).
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن إنما جعلت الإمامة للمتابعة في حركات الصلاة، فإذا اختلفا واحد واثنان، وتعارضت القبلتان اختلت الحكمة من الائتمام في الصلاة.
طالب: (...).
الشيخ: ما فهمت؛ يعني يجوز أن يكون إمامًا له؛ أحدهما يتجه إلى الجنوب، والثاني للشمال؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لا يجوز؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» ، وهذا الحديث عام (...).
الشيخ: يعني؟
طالب: (...).
الشيخ: طيب.
طالب: وأيضًا للتضاد.
الشيخ: إي، للتضاد في الواقع، كيف تتحقق المتابعة واحد يروح شمال، وواحد يروح جنوب؟!
لو أن أحد رَجُلين مسَّ أحدُهما ذَكَره والآخر أكَل لحم إبل، وكان الذي مسَّ ذَكَره يرى أن لحم الإبل ناقض دون مس الذكر، وكان الذي أكل اللحم يرى أن مَسَّ الذَّكَر ناقض دون أكل اللحم، هل يقتدي أحدهما بالآخر يكون إمامًا له؟
طالب: نعم، يا شيخ؛ لأنه باعتقاده هو أنه مخطئ.
الشيخ: أليس كل واحد منهما يعتقد أن صلاة الآخر باطلة؟
الطالب: في اعتقاده هو أنه صلاته باطلة، لكن الأوْلى أنه يتبعه.
الشيخ: لكن باعتقاد صاحبه صلاته؟
الطالب: صلاته صحيحة.
الشيخ: صحيحة، ولهذا ذهب الموفق إلى أنه في مسألة القبلة يجوز أن يقتدي أحدهما بالآخر قال: لأن كل واحد منهما يعتقد أن صلاة الآخر باطلة باعتقاده هو لا باعتقاد صاحبه، وما قاله الموفَّق جيد، لكنه يُشكل عليه مسألة التضاد، «وَإِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» ، وهذا في الحقيقة مضاد له على الخط؛ الشكل والهيئة؛ الهيئة ربما يوافقه، لكن الشكل إذا قال هذا: الله أكبر، وانحنى نحو الشمال قال الثاني: الله أكبر، وانحنى نحو الجنوب، كأنما يبعد عنه، فالمذهب كأنه -والله أعلم- أقرب إلى الصواب في هذا.
إذا كان هناك مقلِّد من يتبع؟ اختلف اجتهاد الرجلين عنده، فمن يتبع؟
طالب: من يثق به؛ بأحدهما.
الشيخ: أيهما؟
الطالب: أقول: اللي يثق به (...).
الشيخ: كلهم يثق بهم، نعم؟
طالب: (...).
الشيخ: الأوثق، فإن كانا سواء عنده؟
الطالب: يرجّح.
الشيخ: ما عنده ترجيح.
طالب: يخير بينهما.
الشيخ: يخير بينهما، صح، كالعامي إذا أفتاه رجلان، ورأى أنهما في العِلم سواء، وفي الأمانة سواء فإنه يُخيَّر.
***
قال المؤلف رحمه الله: (ومن صلَّى بغير اجتهاد ولا تقليد قضى إن وجد من يقلده).(من صلَّى بغير اجتهاد) إن كان يحسنه، (ولا تقليد) إن كان لا يحسنه فإنه يقضي؛ لأنه لم يأتِ بما يجب عليه، فكان بذلك مُفرِّطًا؛ فوجب عليه القضاء؛ مثال ذلك: رجل يُحسن الاجتهاد، ويعرف دلائل القبلة بالقطب، أو الشمس، أو القمر، ولكنه متهاون، قام وصلَّى بغير اجتهاد؛ فإنه يجب عليه القضاء.
وظاهر كلام المؤلف أنه يقضي ولو أصاب؛ وذلك لأنه لم يقُم بالواجب عليه من الاجتهاد، وإصابته وقعت على سبيل الصدفة لا على سبيل الركون إلى هذه الجهة؛ لأنه لم يجتهد، أعرفتم؟
ولهذا قال المؤلف: (قضى) كذلك لو كان الرجل ليس من أهل الاجتهاد، ففرضه التقليد، ولكنه لم يقلد، ما سأل أحدًا، لم يسأل أحدًا من الناس، وصلَّى هكذا، فإنه يقضي ولو أصاب، لماذا؟
لأنه ترك ما يجب عليه؛ إذ الواجب عليه أن يعرف أن هذه هي القبلة، إما باجتهاد إن كان يحسنه أو بتقليد إذا كان لا يحسنه، أما أن يقوم ويصلِّي هكذا؛ فهذا لا يجزئه، وهذه الأخيرة تقع كثيرًا، يأتي رجل إلى شخص ضيفًا عنده، ثم يقوم يصلي، ولا يسأل صاحب البيت أين القبلة؟ فيصلي هكذا، ليس أمامه شيء يجتهد فيه، بل وليس هو من أهل الاجتهاد الذين يعرفون القبلة بالشمس والقمر، فقام وصلَّى هكذا، فنقول له: يجب عليك أن تعيد الصلاة ولو أصبت؛ لأنك لم تأتِ بالواجب؛ فأنت لم تجتهد؛ يعني ما خرجت من الحجرة لتنظر أين الشمس، أين القمر، أين القطب؟ ولم تسأل صاحب البيت، فلم تأتِ بما يجب عليك من الاجتهاد ولا من التقليد؛ فيجب عليه أن يقضي ولو أصاب.
إذن ما الواجب على هذا الضيف إذا أراد أن يصلي؟ أن يسأل صاحب البيت؛ لأن صاحب البيت عنده علم بالقبلة.
وقال بعض العلماء: إنه إذا أصاب أجزأ؛ لأنه مهما كان سواء كان عنده اجتهاد أو تقليد؛ فإنه لن يُصلِّي إلا إلى جهة تطمئن إليها نفسه، فإذا أصاب، فلماذا نُلزمه بالقضاء؟
وهذا القول أصح؛ لأنه حتى وإن كان لم يجتهد، ولم يَسأل لا يمكن أن يُصلي إلا إلى جهة تطمئن إليها نفسه، فيقول: والله أنا ظننت أن هذه القبلة، نقول: إن أخطأ وجَبَت عليه الإعادة؛ لأنه لم يأتِ بما يجب عليه من السؤال ولا من الاجتهاد، وإن أصاب فقد أصاب، وليس عليه إعادة، وهذا القول هو الأرجح، وهو المتعيّن، أما إذا أخطأ فالأمر ظاهر؟
هل الْحَضَر محل للاجتهاد أو لا؟
الجواب: أما المذهب فليس محلًّا للاجتهاد، وأظنه مر علينا في كلام المؤلف قال: (يُستدل عليها في السفر بالقطب)، فعند الأصحاب -رحمهم الله- أن الحضر ليس محلًّا للاجتهاد، ولا ريب أن هذا القول ضعيف.
والصواب: أن الحضر والسفر كلاهما مَحَلّ للاجتهاد، فإن الإنسان في الحضر قد يصعد إلى السطح في الليل، وينظر إلى القطب، ويستدل به، وفي النهار ينظر إلى الشمس تشرق من المشرق وتغرب في المغرب، والعلامات التي في السفر هي علامات في الحضر.
وأما قولهم: إنه لا اجتهاد في الحضر؛ لأنه يستدل على ذلك بخبر أهل البلد وبالمحاريب الإسلامية، فنقول: إذا كان من أهل الاجتهاد فلا مانع.
فالصواب أنه إذا اجتهد في الحضر؛ فإنه تصح صلاته، إن أصاب فالأمر ظاهر، وإن لم يُصِب فإنه اجتهد وأخطأ وله أجر.
الخلاصة: المذهب في هذه المسألة يُشدِّدون جدًّا يقول: (من صلَّى بغير اجتهاد ولا تقليد قضى ولو أصاب)، والصحيح أنه إن أصاب لا يقضي؛ لأنه لا بد أن تركن نفسه إلى الجهة التي اتجه إليها، فإن أخطأ وجبت عليه الإعادة، أما إذا اجتهد وأخطأ فإنه لا إعادة عليه؛ يعني إذا اجتهد لا إعادة عليه مطلقًا؛ سواء أصاب أم لم يُصِب؛ لأن هذا الرجل فعل ما يجب عليه، ومن فعل ما يجب عليه فقد اتقى الله ما استطاع، ومن اتقى الله ما استطاع فليس عليه أن يُصلِّي مرتين؛ لأن الله لم يُوجِب على عباده أن يُصلوا مرتين، هذا صلَّى حسب ما أُمِر فصحَّت صلاته.
إذا كان من غير أهل الاجتهاد في الحضر، واستند إلى قول صاحب البيت، وتبيَّن أن قول صاحب البيت خطأ، فهل يعيد؟
طلبة: لا يعيد.
الشيخ: المذهب أنه يُعيد؛ لأنه سبق أنه لا بد أن يستند إلى قول: (ثِقة بيقين).
والصحيح: أنه لا يُعيد؛ لأن هذا الإنسان اعتمد على خبر ثقة، ففعل ما يجب عليه، وكما قلنا قبل قليل: من فعل ما يجب عليه فإنه لا إعادة عليه، ولا يمكن أن نلزمه بأن يفعل الصلاة مرتين.
وخلاصة البحث في هذا أن نقول:
أولًا: من صلَّى باجتهاد فصلاته صحيحة؛ سواء أخطأ أو أصاب، وسواء في الحضر أو في السفر، هذا القول الراجح، وإذا صلى بغير اجتهاد ولا تقليد، فإن أخطأ.
طلبة: أعاد.
الشيخ: أعاد، وإن أصاب لم يُعد.
أما كونه يُعيد إذا أخطأ فالأمر ظاهر؛ لأنه لم يفعل ما أُمِر به من السؤال إن كان مُقلِّدًا والاجتهاد إن كان مجتهدًا.
وأما كونه لا يُعيد إذا أصاب؛ فلأنه لا يُمكن أن يتجه إلى جهة إلا وهو يميل إلى أنها القبلة، وهذا الميل يوجب غلبة ظن بهذا الاتجاه، والعبادات يُكتفى فيها بغلبة الظن؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم «فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ ثُمَّ لْيَبْنِ عَلَيْهِ» .
ثم قال المؤلف رحمه الله قال: (إن وجد من يُقلِّده)، فإن لم يجد من يقلده وتحرى؛ فإنه لا يلزمه الإعادة.
يقول: (ويجتهد العارف بأدلة القبلة لكل صلاة).
(العارف بأدلة القبلة) وهو الذي نسميه المجتهد؛ لأنه أهْل للاجتهاد؛ لمعرفته بأدلة القِبلة، يجب عليه أن يجتهد لكل صلاة، فإذا اجتهد مثلًا لصلاة الظهر؛ وتبين له أن القبلة هكذا أمَامَه؛ ووضع العلامة على القبلة؛ فصلَّى؛ فصلاته صحيحة، إذا جاء العصر، هل يَعتمد على الاجتهاد الأول أو لا؟
يقول المؤلف: يجتهد لكل صلاة، يجب أن يعيد الاجتهاد مرة ثانية، وينظر في الأدلة مرة ثانية، فلكل صلاة اجتهاد؛ ولكن هذا القول أيضًا ضعيف.
والصواب: أنه لا يلزمه أن يجتهد لكل صلاة، ما لم يكن هناك سبب، مثل أن يطرأ عليه شك في الاجتهاد الأول، فحينئذٍ يُعيد النظر، ونظير ذلك المجتهد في المسائل العلمية، إذا حقَّق مسألة من المسائل، واجتهد فيها، ورأى أن الحُكم فيها كذا وكذا؛ ثم حدثت مرة أخرى، فهل يلزمه أن يعيد البحث والمناقشة أو يكتفي بالأول؟ يكتفي بالأول، ما لم يتبيَّن له خطؤه، فيجب إعادة النظر.
وهكذا المجتهد بأدلة القِبلة؛ فالصحيح خلاف ما ذهب إليه المؤلف من وجوب تجديد الاجتهاد لكل صلاة.
نقول: اجتهادك الأول يكفي عما بعده إلا إذا وُجد سبب يقتضي إعادة النظر كالشك، فحينئذٍ يُعيد النظر، وسواء كان الشك بإثارة الغير أو بإثارةٍ من نفسه؛ يعني سواء كان الشك من عند نفسه تردد، أو جاءه إنسان قال: يا أخي، ما هذه القبلة، القبلة عن اليمين، عن الشمال، الخلف؛ فإنه يجب عليه إعادة النظر والاجتهاد.
قال: (ويصلي بالثاني، ولا يقضي ما صلى بالأول).
(يصلي) من؟ المجتهد (بالثاني)، أي: بالاجتهاد الثاني، (ولا يقضي ما صلَّى بالأول) إذا تبين له خطؤه؛ لأن الأول مَبنيّ على اجتهاد قد أتى الإنسان فيه بما يجب عليه، ومن أتى بما يجب لم يُلزَم بإعادة العبادة؛ لأننا لو قلنا بلزوم الإعادة لأوجبنا عليه العبادة مرتين، وحينئذٍ نقول: اجتهادك الثاني لا ينقض الاجتهاد الأول.
فإذا صلَّى الظُّهر إلى الشمال معتقِدًا بحسب اجتهاده أن هذه هي القبلة، وفي العصر تبيَّن له أن القبلة نحو الجنوب؟ يُعيد الظهر ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يعيدها؛ لأنه صلَّاها باجتهاد حسب ما أمر، والاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد.
ومثله: المسائل العلمية، لو كان الإنسان يرى رأيًا بناءً على أن هذا مُقتضى دلالة النصوص، ثم بعد هذا بعد البحث والمناقشة والاطلاع تبين له خلاف قوله الأول، فإنه لا يلزمه نقض الحكم إن كان حاكمًا به، ولا نقض الفتوى، ولا يلزمه أن يذهب إلى الذي أفتاه في الأول، ويقول: إني أفتيتك بكذا، وتبين لي أني أخطأت؛ لأن الأول صادِر عن اجتهاد، فلا يُنقض بالاجتهاد الثاني.
وإنما قلنا: لا يُنقض؛ لأنه كما كان الخطأ في ظنه في الأول يمكن أن يكون الخطأ أيضًا في الثاني، ما يُدرى، ربما أن الأول هو الصواب، وأنت ظننت أن الثاني هو الصواب؛ فلهذا قالوا: لا يُنقض الاجتهاد بالاجتهاد.
ورُوي عن عمر رضي الله عنه في مسألة (الحمارية) أنه قضى فيها بحرمان الإخوة الأشقاء، ثم حدثت مرة أخرى، وقضى فيها بالتشريك، فقيل له في ذلك، فقال: ذَاكَ على ما قَضَيْنا، وَهَذا عَلَى ما نَقْضِي ، ولم ينقض الحكم الأول.
ثم قال: (ومنها) -يعني من شروط الصلاة- (النية)، وهذا هو الشرط التاسع وهو الأخير؛ من شروط الصلاة النيَّة، أظنه التاسع؟
طالب: (...).
الشيخ: فيها الإسلام، والعقل، والتمييز، ودخول الوقت، وسَتْر العَوْرة، والطهارة من الحَدَث، واجتناب النجاسة، واستقبال القِبلة، هذه ثمانية.
طلبة: والنية.
الشيخ: والنِّية هي التاسعة.
طالب: المتن (...).
الشيخ: المتن ما جاء به.
طالب: هذه الخامسة.
الشيخ: لا، هذه السادسة.
طالب: (...).
الشيخ: ويش فصل؟ أول باب شروط الصلاة، أظن ويش يقول؟
طالب: (شروطها قبلها منها الوقت).
الشيخ: (شروطها قبلها منها الوقت) (منها)، (مِنْ) هذه للتبعيض؛ لأنه ما ذكر كل شيء؛ هو ذكر الوقت، وستر العورة، واجتناب النجاسة، واستقبال القِبلة والنية؛ خمسة، أسقط الطهارة من الحدث، والإسلام، والعقل، والتمييز.
طلبة: ذكر (...)..





