كتاب الصلاة - 22
عدد الزيارات 1043

مالك:

وَمَا مِنَ الْمَنْعُوتِ وَالنَّعْتِ عُقِلْ يَجُوزُ حَذْفُهُ وَفِي النَّعْتِ يَقِلْ

يقول: الثانية كالأولى، (ما عدا التحريمة).
(كذلك) أي: كالأُولى، يصلِّيها كالأُولى؛ يعني: في القيام والرُّكوعِ والسُّجودِ والجلوسِ، وما يقال فيها.
ثم استثنى المؤلف فقال: (ما عدا التحريمة) أي: تكبيرة الإحرام، لماذا؟ لأن التحريمة تُفتتح بها الصَّلاةُ، وقد افْتتِحَتْ، بل لو أنه كَبَّرَ ناويًا التَّحريمة بطلت صلاتُه؛ لأن لازم ذلك أن يكون قد قطع الركعة الأُولى، وابتدأ الثانية مِن جديد، وهذا يُبطل الصَّلاةَ.
وقوله: (ما عدا التحريمة) بالنصب ولّا بالجر؟
طلبة: بالنصب.
الشيخ: وجوبًا ولّا جوازًا؟
طلبة: وجوبًا.
طلبة آخرون: جوازًا.
الشيخ: إي، هذه يجب فيها النصب؛ لأنها مسبوقة بـ(بما)، أما لو خلت من (ما) جاز الوجهان.

***

قال: (ما عدا التحريمة والاستفتاح)، أيضًا الاستفتاح لا يُسَنُّ في الركعة الثانية؛ لأن الاستفتاح تُفتتح به الصَّلاةُ بعد التحريمة، فلا يُعاد مرة أخرى.
فإن قال أحد مِن النَّاس: أستفتحُ في الركعة الأُولى بنوعٍ من الاستفتاحات، وأستفتحُ في الركعة الثانية بنوعٍ آخر. قلنا: هذا بدعة؛ لأن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم كان يستفتح مرَّة واحدة في أوَّل الصَّلاةِ.
قال: (والتعوذ) يعني: وما عدا التعوُّذَ؛ يعني: قوله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإنه يُشرع في الأُولى ولا يُشرع في الثانية؛ لماذا؟ لأن قراءة الصَّلاة واحدة، فإنَّ الصَّلاةَ عبادةٌ واحدةٌ من أوَّلها إلى آخرها، فإذا تعوَّذَت لأوَّل مرَّة كفى؛ لأن القراءة واحدة، ولهذا بناء على ذلك قالوا: لو قرأ في الرَّكعة الأُولى سورةً، ثم قرأ في الركعة الثانية ما قبلها؛ لكان ذلك مكروهًا؛ لمخالفة التَّرتيب، ولو كان في الركعة الثانية؛ لأن قراءة الصَّلاةِ واحدة.
وقال بعض أهل العلم: بل يتعوَّذ في كل ركعة، وذلك لأنه حال بين القراءتين أذكار وأفعال، فيستعيذ بالله عند القراءة في كل ركعة، والأمر في هذا سهل، لو قيل: إنه يخير لتكافؤ الأدلة، لكان له وجه، فنقول: إن استعذت بالله من الشيطان الرجيم فحسن، وإن لم تستعذ اكتفاءً بالأول أجزأ أيضًا.
ثم قال: (والتعوذ وتجديد النية)، كيف تجديد النية؟ يعني أنَّه لا يأتي بنيَّةٍ جديدة، بخلاف الرَّكعةِ الأُولى، فإن الرَّكعةَ الأُولى يدخُلُ في الصَّلاةِ بنيَّةٍ جديدة، فلو نوى الدخول بنيَّةٍ جديدةٍ في الرَّكعة الثانية بطلت الأُولى؛ لأنَّ لازمَ تجديد النيَّة في الركعة الثانية قَطْعُ النيّة في الركعة الأُولى.
عندي في الشرح يقول: إلا إذا لم يتعوَّذ في الأُولى فيتعوَّذُ في الثانية، وهذا استثناء جيد، إذا لم يتعوَّذ في الأُولى فيتعوَّذُ في الثانية، مثل أن يدركَ الإمامَ راكعًا، فإنه إذا أدرك الإمام راكعًا سوف يُكبِّر تكبيرة الإحرام، ثم يُكبِّر للرُّكوع ويركع، وتكون القراءة متى؟ في الرَّكعةِ الثانيةِ، وحينئذٍ يتعوَّذ.
وهذا الذي قاله في الشرح هو مرادهم فيما يظهر، لماذا؟ لأن تعليلهم يدلُّ عليه، حيث قالوا: إنه تعوَّذ في القراءةِ الأُولى، وقراءةُ الصَّلاةِ قراءةٌ واحدة.
وظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أنَّ الرَّكعة الثانية كالأُولى حتى في مقدار القراءة؛ لأنه لم يستثنِ إلا هذه المسائل الأربع، وهي أيش؟ التحريمة، الاستفتاح، والتعوذ، وتجديد النية.
فظاهره: أنَّ القراءة في الرَّكعة الثانية كالقراءة في الرَّكعة الأُولى، ولكن الصواب خِلافُ ذلك، فإنَّ القراءةَ في الركعةِ الثانيةِ دون القراءة في الركعة الأُولى، كما هو صريح حديث أبي قتادة ، لكن في حديث أبي سعيد ما يدلُّ على أن الركعة الثانية كالأُولى، إلا أنه -أي: حديث أبي سعيد- يدلُّ على أن القراءة مشروعة في الركعات الأربع؛ أي: قراءة ما عدا الفاتحة، فإن حديث أبي سعيد الخدري يدلُّ على أنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان يقرأ مع الفاتحة في كلِّ ركعة، لكن في الركعتين الأوليين يقرأ قراءة سواء، في الركعتين الأخريين سواء، لكنها دون الأولى على النِّصْفِ مِن الأولى.
يقول: (ثم يجلس مفترشًا) ثم أيش بعد؟ بعد أن يُصلِّي الثانيةَ بركوعها وسجودها وقيامها وقعودها يجلس، وهذا الجلوس للتشهُّدِ؛ إمَّا الأول، وإمَّا الأخير، إن كانت الصَّلاةُ رباعية أو ثلاثية فهذا أوَّل، وإن كانت سوى ذلك فهذا أخير.
يقول: (ثم يجلس مفترشًا ويداه على فخذيه) قوله: (مفترشًا) سَبَقَ لنا تفسيرُها، وأنَّ معنى الافتراش أن يجعلَ رِجْلَهُ اليسرى تحت مقعدته كأنها فراش، ويُخرج اليُمنى مِن الجانب الأيمن ناصبًا لها، هذا الافتراش.
قال المؤلف: (ويداه على فخذيه) الجملةُ يحتملُ أن تكون في مَوضعِ نَصْبٍ على الحال مِن فاعل (يجلس) يعني: يجلس والحالُ أن يديه على فخذيه، ويحتملُ أنها جملةٌ استئنافية، وعلى كُلِّ تقديرٍ؛ فإنَّ معنى العبارة: أنه في هذا الجلوس يَجعلُ يديه على فخذيه.
وظاهر كلامه أنه لا يقدمهما حتى تكونا على الرُّكبة؛ لأن الفخذَ حَدُّهُ الرُّكبة، الرُّكبة ليست مِن الفخذِ، فكلام المؤلف يدل على أنك تجعل اليد اليمنى واليد اليسرى لا تصل إلى حِذاء الرُّكبة، بل على حَدِّها؛ لأنها لو وصلت إلى حِذاء الرُّكبة خرجت عن الفخذ، وعلى هذا؛ فلا يُلْقِم اليُسرى ركبته، ولا يضع اليُمنى على حرف الفخذِ، وهذا ما ذهب إليه المؤلِّفُ، ولكن سبق لنا أن السُّنَّة دَلَّت على مشروعية الأمرين؛ أي: أن تضعَ اليدين على الفخذين، وأن تُلْقِمَ اليُسرى الرُّكبةَ وتَجعلَ اليُمنى على حَرْفِ الفخذِ؛ يعني: على طَرَفِهِ، فكلاهما صفتان.
وعلى هذا نقول: إن اليدين لهما صفتان في الرَّفْعِ والسُّجود والجلوس، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: صفتان في الرَّفْعِ؛ حذو المنكبين أو فروع الأذنين.
في السجود حذو المنكبين أو أن يسجد بينهما، هذا في السجود.
في الجلوس: إمَّا أن يجعلَهما على الفخذين، أو على الرُّكبتين، لكنها في اليُسرى تُلْقَم.
قال: (ويقبض خنصر اليمنى وبنصرها، ويحلق إبهامها مع الوسطى) الخنصر أين هو؟
طالب: الصغرى.
الشيخ: الصغرى، البنصر: هو الذي يليه، والوسطى: هي التي تلي البنصر.
يقول المؤلف: (يقبض الخنصر والبنصر، ويحلق الإبهام مع الوسطى) هكذا كالحلقة، وتبقى السَّبَّابةُ مفتوحةً لا يضمُّها، وهذه صفة أيضًا، واقتصار المصنِّف رحمه الله عليها لا يسلتزم نفي ما عداها، وهناك صفة أخرى؛ بأن نضمَّ الخنصرَ والبنصرَ والوسطى، ويضمَّ إليها الإبهامَ وتبقى السَّبَّابةُ مفتوحةً، فهاتان أيضًا صفتان في كيفية أصابع اليد اليُمنى، ففيها صفتان، أما اليسرى فهي على الفخذ مبسوطة مضمومة الأصابع ممدودة على الفخذ.
قال المؤلف رحمه الله : (ويشير بسبابتها في تشهده) السَّبَّابة: ما بين الإبهام والوسطى، وسُمِّيت سَبَّابة؛ لأن الإنسان يُشيرُ بها عند السَّبِّ، يقول: شوف هذا الرجل الفاجر، يشير بها، وتُسَمَّى أيضًا سَبَّاحة، سبحان الله، هذا من باب الأضداد، سَبَّابة بسَّبِّ بها الناس، سباحة يُسَبَّح بها اللَّهُ عزّ وجل؛ لأنه يُشيرُ بها عند تسبيح الله.
على كل يقول: (يشير بها في تشهده): و(في) للظَّرفية، والظَّرفُ أوسعُ مِن المظروف، فهل المراد: يُشيرُ بها في تشهُّدِه مِن حين ما يبدأ إلى أن ينتهي، أو المراد: يُشيرُ بها في تشهُّدِه في موضع الإشارة؟
فيه احتمال كلامُ المؤلِّف، لكن غيره بَيَّنَ أنه يُشيرُ بها عند وجودِ سبب الإشارة، وما هو سبب الإشارة؟
ذِكْرُ الله، واختلف الفقهاءُ المتأخرون في معنى كلمة: ذِكْر الله، هل المعنى عند ذِكْرِ الجلالة، وعلى هذا؛ فإذا قلت: (التحيات لله) تُشِيرُ، (السَّلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله) تُشِيرُ، (السَّلام علينا وعلى عباد الله) تُشِيرُ، (أشهد أنْ لا إله إلا الله) تُشِيرُ، هذه أربع مرَّات في التشهُّدِ الأول، (اللَّهم صَلِّ) خَمْس؛ (اللهم) أصلُها (الله)، (اللَّهُمَّ بارك) سِتٌّ، (أعوذ بالله مِن عذاب جهنم) سبع.
وقيل: المراد بذِكْرِ الله: الذِّكْر الخاصُّ، وهو (لا إله إلا الله)، وعلى هذا؛ فلا تشيرُ إلا مَرَّةً واحدةً، وذلك عندما تقول: أشهد أنْ لا إله إلا الله.
هذا اختلاف الفقهاء، ولكن السُّنَّة دَلَّت على أنه يُشير بها عند الدعاء؛ لأن لفظ الحديث: يُحرِّكُها يدعو بها ، وقد وَرَدَ في الحديث نَفْيُ التَّحريك وإثباتُ التحريك، نفي التحريك لا يحركها، إثباته يحركها، والجمعُ بينهما سهل؛ أن نفيُ التَّحريك يُراد به التَّحريكُ الدَّائم، وإثباتُ التَّحريك يُراد به التَّحريكُ عند الدُّعاء، فكلما دعوت تحرِّكْ؛ إشارة إلى علوِّ المدعو سبحانه وتعالى، وعلى هذا فنقول: (التحيات لله) ما فيها إشارة أو لا؟
(السلام عليك أيُّها النبيِّ) فيه إشارة؛ لأن السَّلامَ خَبَرٌ بمعنى الدُّعاءِ، (السَّلامُ علينا) فيه إشارة؛ لأن السَّلامَ خَبَرٌ بمعنى الدُّعاءِ، (اللهم صَلِّ على محمَّد) فيه إشارة، (اللهم بارك على محمَّد) فيه إشارة، (أعوذ بالله من عذاب جهنَّم) فيه إشارة، (ومِن عذاب القبر) إشارة، (ومِن فتنة المحيا والممات) إشارة، (ومِن فتنة المسيح الدَّجَّال) إشارة، وكُلَّما دعوت تُؤشّر إشارةً إلى عُلُوِّ مَنْ تدعوه سبحانه وتعالى، وهذا أقربُ إلى السُّنَّة، وهو اللفظ الذي ذكرته لكم يحركها يدعو بها.
يقول المؤلف رحمه الله: (ويبسط اليسرى) يعني: أصابعها على أيش على الفخذِ الأيسر؛ لأنه قال بالأول: (ويداه على فخذيه).
(ويقول: التحيات لله وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ) إلى آخره، يقول بقلبه أو بلسانه؟
طلبة: بلسانه.
طالب: بالاثنين.
الشيخ: نعم، يقول بلسانه متدبِّرًا لذلك بقلبه.
وهل يُشترطُ أن يُسمعَ نفسَه؟ فيه خِلافٌ، أمَّا المذهبُ فيُشترط أن يُسمعَ نفسَه في الفاتحة، وفي كُلِّ ذِكْرٍ واجبٍ.
قوله: (التحيات لله) ما معنى التحيات؟ التحيات: جمع تحيَّة، والتحيَّة هي: التَّعظيم، كلُّ لَفْظٍ يدلُّ على التَّعظيم فهو تحيَّة، وهنا يقول: (التحيات)، (أل) المفيدة للعموم، وجُمعها لاختلاف أنواعها، أما أفرادها فلا حدَّ لها؛ يعني: كل تحية، بل كُلَّ نوع من أنواع التَّحيَّات فهو لله، واللام هنا للاستحقاق والاختصاص؛ فلا يستحقُّ التَّحيَّات على الإطلاق إلا الله عزّ وجل، ولا أحد يُحَيَّا على الإطلاق إلا الله، وأمَّا إذا حَيَّا إنسان على سبيل الخصوص فلا بأس به.
لو قلت مثلًا: لك تحيَّاتي، لك تحيَّاتُنَا، مع التحيَّة، فلا بأس بذلك، قال الله تعالى: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء: ٨٦]، لكن التَّحيَّات على سبيل العموم والكمال لا تكون إلا لله عزّ وجل.
فإذا قال قائل: هل اللَّهُ بحاجة إلى أن تحييه؟
فالجواب: كلاَّ؛ ليس بحاجة، لكنه أهْلٌ للتعظيم، فأعظِّمه لحاجتي لذلك، لا لحاجته لذلك، والمصلحة لمن؟
طلبة: للعبد.
الشيخ: للعبد، إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: ٧].
(التحيات لله وَالصَّلَوَاتُ)، الصلوات ما هي الصلوات؟
طالب: جمع صلاة.
الشيخ: الخمس مع النوافل، الجمعة، الأدعية، الجواب كلِّ ما يُطلق عليه اسم صلاة شرعًا أو لُغةً فهو شامل، فالصَّلوات كلُّها لله حقًّا واستحقاقًا، لا أحد يستحقُّها؛ وليست حقًّا لأحد سوى الله عزّ وجل، الدُّعاءُ أيضا حقًّا واستحقاقًا لمن؟ لله عزّ وجل وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر: ٦٠]، كلُّ الصلوات فرضُها ونفلُها، ليليها ونهاريها، كلها لله، كُلُّ الأدعية لله.
طالب: (...) الصلاة، يصلي إمامًا، البعض يقول: (...).
الشيخ: والله هذه يمكن أن يخرج عنها بأن يجلس ثم عند التكبير يقوم، إلا إذا كانوا من أصحابه اللي يعرفونه فيكبر عند النهوض من السجود ويجلس ويجلسون معه.
الطالب: عامة؟
الشيخ: لا، عامة الناس أنا أرى إذا كان الإمام يراها ألا يكبر حتى ينهض منها.

طالب: وينهض من السجود بلا تكبير يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن كل هذا من السجود إلى انتهاء القيام كله محل التكبير.

طالب: فتح الله عليك يا شيخ، ذكرت أن المسبوق يستعيذ في الركعة الثانية، هل يستفتح يا شيخ؟
الشيخ: لا، الاستفتاح نقول: سنة فات محلها.

طالب: بالنسبة يا شيخ التطويل في الجلوس بين السجدتين.
الشيخ: على كل حال، التطويل في الجلسة بين السجدتين كالتطويل في القيام بعد الركوع، أي أنه مشروع؛ لأنه مشروع الركوع والرفع منه والسجود والرفع منه أن تكون قريبًا من السواء، وهذا الأفضل.
طالب: مقدار جلسة الاستراحة يقولون: إنها سنة، وكثير من الناس..
الشيخ: الذين يقولون: إنها سنة، يرون أنها خفيفة جدًّا، ولهذا أجابوا عن القائلين بأنها لو كانت مشروعة لشرع فيها ذكر، أجابوا عنه، قالوا بأنها جلسة خفيفة ما تحتاج إلى ذكر، مع أن ظاهر حديث مالك بن حويرث: حتى يستوي ، يدل على أنها ليست كما يتصورون، إنها جلسة فيها شيء من الاستقرار.

***

الطالب: (...) وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى:
ويقول: التحيات لله والصلوات الطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، هذا التشهد الأول.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أنه يصلي الركعة الثانية كالركعة الأولى إلا فيما استُثْنِي، ومنه؟
طالب: النية والاستفتاح.
الشيخ: النية، ويش معنى النية؟
طالب: تغيير النية.
الشيخ: تجديد.
طالب: نعم، تجديد النية.
الشيخ: وأما استمرار النية؟
الطالب: هذا لا (...)، لا بد من استمرار النية.
الشيخ: فلا بد من استمرارها.
لماذا يستثنى تجديد النية؟
طالب: لأنه إذا جدد النية قطع الصلاة.
الشيخ: إذا جدد النية معناه أنه أبطل الركعة الأولى.
الثاني؟
طالب: الثاني الاستفتاح.
الشيخ: الاستفتاح، فلا يستفتح في الأولى؟
طالب: يستفتح في الأولى، ولا يستفتح في الثانية.
الشيخ: ولا يستفتح في الثانية، هل يستثنى من ذلك شيء؟
طالب: إذا لم يستفتح في الأولى..
الشيخ: كيف يستفتح في الأولى؟ ويش لون يعني؟
طالب: يعني جاء والإمام راكع فركع معه.
الشيخ: أو هذا في التعوذ، نحن نتكلم عن الاستفتاح.
طالب: (...).
الشيخ: سنة فات محلها.
الثالث؟
طالب: التعوذ.
الشيخ: التعوذ، فلا يتعوذ في الثانية، إلا؟
طالب: إلا إذا أتى والإمام راكع.
الشيخ: إلا إذا لم يتعوذ في الأولى، مثل أن يأتي والإمام راكع ولا يتعوذ ولا يقرأ الفاتحة.
وهل هذا متفق عليه؟
طالب: لا ليس متفقًا عليه، بل قال أهل العلم: في كل ركعة.
الشيخ: يتعوذ في كل ركعة.
مبنى الخلاف هنا على أي شيء؟
طالب: هل التعوذ يعني..
طالب آخر: هل يعد ما حصل بين الركعة الأولى والثانية فاصلًا؟
الشيخ: هل قراءة الصلاة قراءة واحدة أو لكل ركعة قراءة مستقلة؟ فإن قلنا بالأول..
طالب: فيكفيه الاستفتاح الأول (...) أن القراءة واحدة، ويكفي الاستعاذة في أول قراءة.
الشيخ: فإن قلنا: قراءة الصلاة واحدة كفى التعوذ الأول، وإن قلنا: لكل ركعة قراءة؟
طالب: فيستعيذ لكل قراءة.
الشيخ: يستعيذ في كل قراءة.
بقي الرابع.
طالب: تكبيرة الإحرام.
الشيخ: تكبيرة الإحرام؟
طالب: نعم، لا يعيد تكبيرة الإحرام في الثانية.
الشيخ: لا يعيدها في الركعة الثانية، لماذا؟
طالب: خوف النية؛ لأنه لو أعادها كأنه أبطل الأولى وشَرَع من جديد.
الشيخ: أحسنت، لو كبر للإحرام في الثانية كأنه قطع الأولى وشَرَع من جديد.
قال بعد ذلك: يقول: (يجلس مفترشًا) كما سبق، ويقول؟
طالب: التحيات لله.
الشيخ: ما معنى التحيات؟
طالب: أي التعظيمات لله عز وجل.
الشيخ: يعني الكلمات الدالة على التعظيم.
بالقول ولا بالفعل؟
الطالب: بكليهما.
الشيخ: نعم، التحيات يعني كل ما يدل على التعظيم بالقول أو بالفعل فهو لله.
استحقاقًا واختصاصًا ولّا استحقاقًا فقط؟
طالب: استحقاقًا واختصاصًا.
الشيخ: استحقاقًا واختصاصًا، إذ لا أحد يستحق التعظيم المطلق إلا الله عز وجل.
(الصلوات)؟
طالب: هي كل الصلوات من أقوال..
الشيخ: الصلاة الشرعية ولّا اللغوية؟ ولّا هذه وهذه؟
الطالب: كل الصلوات الشرعية بأقوالها وأفعالها.
الشيخ: واللغوية؟
الطالب: واللغوية أيضًا.
الشيخ: ما الفرق بين الشرعية واللغوية؟
الطالب: الشرعية ما شُرِع مثل هذه الصلاة المفروضة، واللغوية هي الدعاء.
الشيخ: إذن الدعاء والصلوات المعروفة الخمس والنوافل والجمعة كلها.
الطالب: لله سبحانه وتعالى.
الشيخ: لله، استحقاقًا واختصاصًا؟ ولّا استحقاقًا فقط؟
الطالب: استحقاقًا واختصاصًا.
الشيخ: قال: (والطيبات لله) الطيبات يشمل الأعمال القولية والفعلية، ويشمل الأوصاف أيضًا، فالله سبحانه وتعالى له من الأوصاف أطيبها، قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ» ، فكل أنواع الطيب ثابتة لله عز وجل من كل وجه، وله أيضًا ما طاب من الأقوال والأفعال الصادرة من الخلق لقوله: «لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا».
فالطيبات إذن لها معنيان: المعنى الأول: ما يتعلَّق بالله، والمعنى الثاني: ما يتعلَّق بأفعال العباد، فما يتعلَّق بالله فله مِن الأوصاف أطيبها، ومِن الأفعال أطيبها، ومن الأقوال أطيبها؛ يعني: لا يقول إلا الطيب، ولا يَفعلُ إلا الطَّيب، ولا يتَّصفُ إلا بالطيب، فهو طيب في كُلِّ شيء؛ في ذاته وصفاته وأفعالِه.
وله أيضًا مِن الأعمال -أعمال العباد القولية والفعلية- له أيش؟ الطَّيبُ، لا يَقبلُ إلا طيبًا، فإن الطَّيبَ لا يليقُ به إلا الطَّيب، ولا يقدم له إلا الطيب، وقد قال الله تعالى: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور: ٢٦]، فهذه سُنَّةُ الله عزّ وجل.
فهل أنت أيُّها المصلِّي تستحضر وأنت تقول: (الطيبات لله) تستحضر هذه المعاني، أو تقولها على أنها ذِكْرٌ وثناء؟
أغلبُ النَّاسِ على الثاني، ما يستحضر عندما يقول: (الطيبات) أن الله طيِّب في ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه وأقوالِه، وأنه لا يليقُ به إلا الطَّيب مِن الأقوال والأفعال الصَّادرة مِن الخَلْقِ، معلوم هذا؟
ضدُّ الطَّيِّب شيئان: الخبيث، وما ليس بطيب ولا خبيث؛ لأن الله تعالى له الأوصاف العُليا، وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى [الروم: ٢٧]، فلا يُمكنُ أن يكون في أوصافه أو أفعاله ما ليس بطيب ولا خبيث، بل كُلُّ أفعالِه وأقوالِه وصفاتِه كلُّها طيبة.
أما ما يصدرُ مِن الخَلْق؛ فنعم منه ما هو طيِّبٌ، ومنه ما هو خبيثٌ، ومنه ما ليس كذلك، لكن ما الذي يَصعد إلى الله ويُرفع إلى الله؟
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: ١٠]، وما ليس بطيِّبٍ فهو إلى الأرض، ما يصعدُ إلى السَّماءِ.
ثم قال: (السلام عليك أيها النبي) (السَّلام) قيل: إنَّ المراد بالسَّلامِ: اسمُ الله عزّ وجل؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إنَّ اللَّهَ هو السَّلامُ» ، كما قال عزّ وجل في كتابه: الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ [الحشر: ٢٣]، وبناءً على هذا القول ما معنى كون السلام على الرسول؟ ما معناه؟ أي: بالحِفظ والكَلاءة والعناية وغير ذلك، فكأننا نقول: اللَّهُ عليك، أي: رقيب حافظ مُعْتَنٍ بك، وما أشبه ذلك.
وقيل: السلام: اسم مصدر سَلَّمَ، بمعنى أيش؟ إذا قلنا: السلام: اسم مصدر سَلَّمَ، بمعنى أيش؟
طالب: (...).
الشيخ: بمعنى التَّسليم يا أخي، إذا قلت: كلام اسم مصدر من كَلَّمَ، ويش يصير معنى كلام؟
طلبة: تكليم.
الشيخ: تكليم.
سلام اسم مصدر سَلَّم إذن بمعنى تسليم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: ٥٦]، فما معنى التسليم على الرسول صلّى الله عليه وسلّم؟ معناه: أننا ندعو له بالسَّلامة مِن كُلِّ آفة.
إذا قال قائل: قد يكون هذا الدُّعاء في حياته عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ واضحًا، لكن بعد مماته كيف ندعو له بالسَّلامةِ وقد مات صلّى الله عليه وسلّم؟
الجواب أن نقول: ليس الموت تكون به السلامة، الموت لا تكون به السلامة، هناك أهوال يوم القيامة، ولهذا كان دعاء الرُّسل إذا عَبَرَ النَّاسُ على الصِّراط يقولون: اللَّهُمَّ سَلِّمْ؛ اللهم سَلِّمْ ، فلا ينتهي المرءُ مِن المخاوف والآفات بمجرد موته، هذه واحدة.
إذن ندعو للرَّسول صلّى الله عليه وسلّم بالسَّلامةِ من هول الموقف ومن خوفه.
ونقول أيضًا: قد يكون بمعنًى أعم، السَّلامَ على شرعِه وسُنَّتِهِ؛ كما قال العلماءُ: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: ٥٩]، قالوا: إليه في حياته، وإلى سُنَّتِهِ بعد وفاته، فيكون دعاؤك بالسلام على محمد صلى الله عليه وسلم بعد موته دعاءً بسلامة شرعة وسنته من أن تنالها أيدي العابثين.
ثم قوله: (السَّلامُ عَلَيْك أيُّهَا النَّبيُّ) هل هو خَبَرٌ أو دعاءٌ؟ يعني: هل أنت تخبر بأن الرسولَ مُسَلَّمٌ، ولا تدعو بأن الله يُسلِّمُه؟
تدعو بأنَّ الله يُسلِّمُه، إذن هو خَبَرٌ بمعنى الطلب فكأنه من صفاتك اللازمة أو من الأمر المستقر أن تدعو للرسول صلى الله عليه وسلم بالسلامة من كل آفة، وعلى الوجه الثاني ولسنته وشريعته أيضًا بالسلامة من كل آفة.
ثم هنا يقول: (السَّلامُ عَلَيْك) فهل هذا خطاب للرَّسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كخطابِ النَّاسِ بعضهم بعضًا؟
الجواب: لا، لو كان كذلك لبطلت الصَّلاة به؛ لأن هذه الصلاة لا يصحُّ فيها شيء من كلام الآدميين، ولكن كما قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم: لقوَّة استحضارك للرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلام حين السَّلامِ عليه، كأنه أمامك تخاطبه، ولهذا كان الصَّحابةُ يقولون: السلام عليك، وهو لا يسمعهم، ويقولون: السلام عليك، وهم في بلد وهو في بلد، ونحن نقول: السلام عليك، ونحن في بلد غير الذي توفي فيه وهو أيضًا قد توفي، فليس هذا من باب الخطاب المعتاد بين الناس، ولذلك نقول: إنه يقول السلام عليك أيها النبي في حياته وبعد وفاته.
وأما ما وَرَدَ في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنهم كانوا يقولون بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وسلّم: السَّلامُ على النَّبيِّ ورحمة الله وبركاته فهذا مِن اجتهاداتِه رضي الله عنه التي خالَفه فيها مَنْ هو أعلمُ منه؛ عُمرُ بن الخطَّاب رضي الله عنه، فإنه خَطَبَ النَّاسَ على مِنبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال في التشهُّدِ: السَّلامُ عليك أيُّها النبيُّ ورحمة الله كما رواه مالك في الموطأ بسَنَدٍ من أصحِّ الأسانيد، قاله عُمرُ بمحضر الصَّحابة رضي الله عنهم، وأقرُّوه على ذلك.
ثم إن الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ علَّم أمَّته، علمها، حتى إنه كان يُعَلِّم ابنَ مسعود وكَفُّه بين كفَّيه، من أجل أن يستحضر هذا اللَّفظَ، وكان يُعلِّمُهم إيَّاه كما يُعلِّمُهم السُّورة من القرآن، وهو يعلم أنه سيموت؛ لأن الله قال له: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: ٣٠]، ولم يقلْ: بعد موتي قولوا: السَّلامُ على النَّبيِّ، بل عَلَّمَهم التشهُّدَ بهذا اللفظ كما يُعلِّمُهم السُّورةَ من القرآن بلفظها، وعلى هذا فيكون ما جاء عن ابن مسعود اجتهادًا منه خالفه فيه من هو أعلم منه من الصحابة رضي الله عنهم، فلا يُعَوَّلُ عليه، بل يُقال: (السَّلامُ عليك أيُّها النبيُّ).
وقوله: (أيُّها النبيُّ) هذه مُنادى حُذفت منه ياء النداء، والأصل: يا أيها النبيُّ، وحُذفت ياء النداء لكثرة الاستعمال والتخفيف، والبداءة بالإشارة أو بالكناية لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله: (أيُّها النبيُّ) يُقال: النَّبيءُ، ويقال: النَّبيُّ، أمّا إذا قيل: النبيء فهو فعيل مِن النبأ بمعنى الخَبَر، لكنه فعيل بمعنى فاعل أو مفعول؟
بمعناهما جميعا؛ فهو منبِئ ومنبَأ، أليس كذلك؟ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ [المدثر: ١، ٢]، فهو منبِئ منبَأ، هذا إذا كانت بالهمز.
وإن كانت بالتخفيف أو بالتسهيل: النَّبيُّ، فإما أن تكون أصلها مهموزًا وحُذفت الهمزة تخفيفًا، وإمَّا أن تكون من (النَّبْوَة) وهي الارتفاع، وسُمِّيَ بذلك لارتفاع رُتبته صلّى الله عليه وسلّم.
ألا يمكن أن نقول: إنها (النَّبيّ) بالياء، من الأمرين جميعًا؟ من النَّبْوَة وهو الارتفاع، ولّا من النبأ وهو الخبر؟ يمكن ولّا ما يمكن؟
يمكن، وقد مر علينا مثل هذه المعاني، وذكرنا قاعدة مفيدة، وهي أن اللفظ إذا احتمل معنيين لا يتنافيان حُمل عليهما جميعًا، ولا شَكَّ أن الرسولَ صلّى الله عليه وسلّم مقامُه أرفع المقامات، وأنه مُنَبَّأ ومُنْبِئ.
(أيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) (رحمة) معطوفة على (السَّلام)؛ يعني: ورحمة الله عليك، إذن الخبر محذوف، ويجوز أن يكون مِن باب عطف المفرد على المفرد.
الرحمة إذا قُرنت بالمغفرة أو بالسَّلامِ صار لها معنًى، وإن أُفردت صار لها معنى آخر، إذا قُرنت بالمغفرة أو بالسلام صار المراد بها: ما يحصُل به المطلوب، والمغفرة والسلام: ما يزول به المرهوب، وإن أُفردت شملت الأمرين جميعًا، فأنت بعد أن دعوت لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالسَّلام دعوت له بالرَّحمة؛ ليحصُل له المطلوبُ ويزول عنه المرهوب.
فإن قال قائل: لماذا بدأ بالسَّلام قبل الرحمة؟
فالجواب: أنَّ التَّخلية قبل التحلية، التحلية أيش؟ ما هي تحلية الماء، التَّحلية: ذِكْرُ الأوصاف الكاملة، والتخلية: السَّلامة من النقائص، فنبدأ بطلب السلامة أولًا، ثم بطلب الرحمة.
(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) بركاته: جمع بَرَكَة، وهي الخير الكثير الثَّابت؛ لأن أصلها من الْبِرْكة، والْبِرْكة ماؤها كثير، أو الإناء أكثر منها؟
طالب: البركة.
الشيخ: ماؤها كثير، ثابت ولّا متحرك؟
طالب: ثابت.
الشيخ: ثابت، هذا الأصل؛ لأن البركة وعاء كبير للماء، فما معنى البركات؟ البركات هي: النَّمَاءُ والزِّيادة، في أيش؟ في كلِّ شيء من الخير، فما هي البركات التي تعود على الرَّسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بعد موته؟ ففي حياته معروف ممكن يُبارك له في طعامه، في شرابه، في كسوته، في أهله.
بعد موته البركة بكثرة أتباعه، وما يُتَّبع فيه، كثرة أتباعه إذا قَدَّرنا أن شخصًا أتباعه مليون رَجُل، وصار أتباعه مليونين هذه بَرَكَة ولّا لا؟ زيادة.
إذا قَدَّرْنا أن الأتباع يتطوَّعون بعشر ركعات، وبعضهم بعشرين ركعة، صار في الثاني زيادة، إذن فأنا أدعو للرسول عليه الصلاة والسلّام بالبَرَكَة وهذا يستلزم دعائي بكَثْرَة أتباعه، وكَثْرَة عمل أتباعه؛ لأنّ كلَّ عمل صالح يفعلهُ أتباع الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فله مثل أجورهم إلى يوم القيامة.
وأقول استطرادًا: إن هذا أحد الأوجه التي يُرَدُّ بها على من يهدون ثواب القُرَب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن بعض المحبِّين للرَّسُول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يهدون إليه القُرَب؛ يقول: أهدي للرسول ختمة، أهدي للرسول الفاتحة، الفاتحة على روح محمَّد، وما أشبه ذلك، نقول: هذا من البدع ومن الضلال، أسألك أيُّها المُهْدي للرسول عبادة، هل أنت أشدُّ حُبًّا للرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من أبي بكر للرسول؟
إن قال: نعم، قلنا: كذبت، ثم كذبت، ثم كذبت. وإن قال: لا، قلنا: (...) أبو بكر، أنت الآن تنقصت أبا بكر، لماذا لم يُهْدِ أبو بكر رضي الله عنه للرسول عليه الصلاة والسلام ختمة ولّا فاتحة ولّا غيرها؟ فهذا بدعة، ثم هو من السفه، عملك الآن وإن لم تُهْدِ ثوابه سيكون للرَّسول صلّى الله عليه وسلّم مثله، فإذا أهديت الثَّوابَ، فمعناه أنك حرمت نفسك من الثواب فقط، وإلاَّ فللرسول مثل عملك، أهديت أم لم تُهْدِ.
إذن يدخل في البركات ما تتضمنه البركة من كثرة أتباعه ومن كثرة العمل الصالح من أتباعه ولّا لا؟
(السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) نقول في السلام كما قلنا في الأول، وأما (علينا) من نحن؟ ويش تستحضر أنت إذا قلت: السلام علينا؟
طالب: المؤمنين.
الشيخ: نحن صلينا المغرب اليوم وصلينا راتبة المغرب، ما الذي استحضرتم حينما قلتم: السلام علينا؟ اصدقوني بارك الله فيكم.
طلبة: ما استحضرنا.
الشيخ: ما تستحضرون من شيء إلا أنه تشهد يقال، مفروضٌ.
(علينا) (نا) لا شَكَّ أنها لا يُراد بها الشخص نفسه فقط، وإنما يُراد بها الشَّخص ومَن معه، فمن الذي معه؟
قيل: المصلُّون، وقيل: الملائكة، وقيل: المراد جميع الأُمَّة المحمَّدية، علينا معشر الأمة، وهذا القول الأخير أصحُّ، علينا نحن معشر هذه الأمة، فكما دعونا لنبينا محمَّد عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بالسَّلامِ ندعو أيضًا لأنفسنا بالسَّلام؛ لأننا أتباعه، وهذا هو الأصح، وبعضهم قال: (علينا) أي: على المصلين، وعلى الملائكة، لكن هذا ينتقض بما إذا صلى الإنسان وحده مفردًا، فإنه ليس معه مصلٍّ، أما الملائكة فنعم، هم مع الإنسان على كل حال.
(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) هذا تعميم بعد تخصيص؛ صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: عباد الله الصالحين من هم؟
طلبة: كلهم.
الشيخ: كُلُّ عبدٍ صالح في السماء والأرض؛ حيّ ولّا ميِّت، من الآدميين والملائكة والجِنِّ، كل عبد صالح، إذن تعميم بعد تخصيص ولّا تخصيص بعد تعميم؟
طلبة: تعميم بعد تخصيص.
الشيخ: تعميم بعد تخصيص، والدعاء ينبغي فيه البسط.
عباد الله الصالحون هم الذين تعبَّدوا لله؛ أي: تذلَّلوا له بالطاعة امتثالًا للأمر واجتنابًا للنهي، وأفضل وَصْفٍ يتَّصف به الإنسان أن يكون عبدًا لله، ولهذا ذَكَرَ اللهُ وَصْفَ رسوله صلى الله عليه وسلم بالعبودية في أعلى مقاماته سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء: ١]، الإسراء والمعراج مِن أفضل ما يكون من المقامات للرسول صلّى الله عليه وسلّم، قال في سورة النجم: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم: ١٠]، الإسراء سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ، المعراج فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ.
وقال ذلك في مقام الدِّفاع عنه: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: ٢٣]، وقال بذلك في مقام التنزيل عليه: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان: ١] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ [الكهف: ١].
فالحاصل: أن أشرف وصف للإنسان أن يكون عبدًا لله، أسأل الله أن يحقِّق ذلك لي ولكم، أن يكون عبدًا لله حقيقة لا عبدًا لهواه، يقول إذا سَمِعَ أَمْرَ رَبِّه: سمعنا وأطعنا، إذا سَمِعَ نهيه: سمعنا وَتَجَنَّبْنَا، هذا أشرف ما يكون للإنسان.
عباد الله الصالحون هم الذين صَلحتْ سرائرُهم وظواهرُهم، صَلحتْ السرائر والظواهر، السرائر: بإخلاص العبادة لله، والظَّواهر: بمتابعة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
هؤلاء هم الصَّالحون، ضِدُّ ذلك عباد الله الفاسدون، إما بالسَّرائر، وإما بالظَّواهر، فالمشركُ فاسدُ السَّريرة، والمبتدعُ فاسدُ الظَّاهر؛ لأنَّ بعض المبتدعة يريد الخيرَ، لكنه فاسدُ الظَّاهر، ما مشى على الطَّريق الذي رَسَمَهُ الرسولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والمشركُ فاسدُ الباطن، ولو عَمِلَ عملًا ظاهرُه الصِّحة والصَّلاح فهو فاسدُ الباطن، مثل المرائي، عباد الله الصالحون إذن الذين صَلُحتْ أيش؟ سرائرُهم، بماذا؟
طالب: بالإخلاص.
الشيخ: بالإخلاص لله، وظواهرُهم بمتابعة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
قلت: ضد ذلك العباد الفاسدون، هل هناك عباد فاسدون لله؟
إي نعم؛ كُلُّ مَنْ في السماوات والأرض فهو عبد لله: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣]، ومن ذلك الكفار، الكُفَّار عبيد لله، لكن عبيد بالعبودية الكونية القدرية، لا بالعبودية الشرعية.
(أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) (أشهد) الشهادة هذه أبلغ مِن قول: أُخْبِر؛ لأن الخبر قد يكون عن سماع، والشهادة تكون عن قَطْعٍ، كأنما يشاهد الإنسانُ بعينيه.
(أَشْهَدُ أَنْ لاَ إلهَ إلاَّ اللَّهُ) جملة معترضة: يقول بعض الناس: أشهد أنَّ لا إله إلا الله، (أنَّ)، أسمعها كثيرًا، أشهد أنَّ لا إله إلا الله، هذا خطأ من حيث اللغة العربية؛ لأن (أنَّ) لا تكون بمثل هذا التركيب، الذي يكون بمثل هذا التركيب ما هو؟ (أنْ) المخفَّفة مِن الثقيلة؛ لأن (أنْ) هنا مخفَّفة مِن الثقيلة ولا يمكن أن تكون هي الثقيلة، وجملة (لا إله إلا الله) في مَحلِّ رَفْعِ خبرها، واسمُها ضمير الشأن محذوف وجوبًا.
إذن النُّطقُ الصحيحُ: أشهد أنْ لا إله إلا الله، أما (أنَّ) فليس بصحيح.
وقوله: (لا إله إلا الله) هذه كلمةُ التوحيد التي بعثَ اللهُ بها جميعَ الرُّسلِ: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥]، وبها يكون تحقيق توحيد الألوهية، وإن شئت فقل: تحقيق توحيد العِبادة، وهما بمعنى واحد، لكن يُسمَّى توحيدُ الألوهية باعتبار إضافته إلى الله، توحيد العِبادة باعتبار إضافته إلى العبد، وإلا فالمعنى واحد.
(لا إله إلا الله) أي: لا معبود حقٌّ إلا الله، لماذا فَسَّرْناها بهذا التفسير؛ لأن (إله) فِعَال بمعنى مفعول، والمألوه: هو المعبود حُبًّا وتعظيمًا، وخبر (لا) محذوف تقديره: حق، لا إله حَقٌّ إلا الله، (الله) بدل مِن الخبر المحذوف، ومعنى هذه الجملة العظيمة أنه لا معبود حقٌّ سوى الله عزّ وجل.
أما المعبود وليس بحقٍّ فقد يعبد غير الله، بل قد عُبِد غير الله، عبدت الأشجار والأحجار والحيوان والشمس والقمر والنجوم والآدميون والفروج، واحد يعبد الفرج، فرج المرأة، نسأل الله العافية، وعُبِدَت البقر، البقر تُعبد، والإنسان إذا أريد أن يضرب به المثل في البلاهة ويش قال له: يا بقرة، ومع ذلك تعبد هذه البقرة، اللهم لك الحمد على كل حال، كل ما عبد من دون الله فهو باطل، وإنْ سُمِّيَ إلهًا، ولهذا قال الله عزّ وجل: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ [لقمان: ٣٠]، وفي الآية الأخرى: وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ [الحج: ٦٢]، ولا بطلان أعظم مِن بطلانه، وقال الله تعالى يخاطب الذين يَعْبُدون مِن دون الله: إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [النجم: ٢٣]، أين ذكرت هذه؟
طلبة: في النجم.
الشيخ: في سورة النجم، أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [النجم: ١٩ - ٢٣]، وليست حقائق، بل هي مجرَّد أسماء، وأما (الله) فهي علم على الرب عز وجل.
(أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) أن محمدًا هو ابن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، بَعَثَهُ اللَّهُ عزّ وجل بمكَّة أمِّ القرى، وأحبّ البلاد إلى الله، وهاجر إلى المدينة، وتُوفِّي فيها صلّى الله عليه وسلّم.
(أشهد أن محمدًا عبده) لا شريكه في ملكه، فليس لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم شَرِكَة في مِلْكِ الله أبدًا، وهو بَشَرٌ مثلُنا تميَّز عنا بالوحي، وبما جَبَلَه الله عليه مِن العبادة والأخلاق، قال النَّبيُّ عليه الصلاة والسلام: «إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ» ، وقال الله له: قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام: ٥٠]، ويش وظيفته؟ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ [الأنعام: ٥٠]، وقال له في آية آخرى: قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ رَشَدًا [الجن: ٢١]، زد على ذلك: قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الجن: ٢٢]، لو أرَادَ اللَّهُ به سوءًا ما مَنَعَه أحدٌ، فهو عَبْدٌ ، وهو صلّى الله عليه وسلّم أحق الناس عبودية وأشدُّهم تعبدا لله، حتى إنه كان يقوم لله عزّ وجل حتى تتورَّمَ قدماه، فيُقال له: لقد غَفَرَ الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر، فيقول: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» ، فكان عليه الصلاة والسلام أشد الناس عبادة لله.
يقول: (ورسولُهُ) رسوله أرسله الله عزّ وجل وجعله واسطة بينه وبين الخَلْق في تبليغ شرعه فقط، فهو الواسطة بيننا وبين ربنا سبحانه وتعالى في العلم بشرع الله، إذْ لولا رسول الله ما عرفنا كيف نعبد الله عزّ وجل، فكان عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ رسولًا مِن الله إلى الخَلْقِ، ونِعْمَ الرسول، ونِعْمَ المرسِل، ونعم المرسَل به، فالنبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ هو رسولٌ مرسلٌ مِنَ الله، وهو أفضل الرُّسل، وخاتم الرُّسل، وإمام الرُّسل صلّى الله عليه وسلّم، ولهذا لما جُمِعُوا له ليلة المعراج تقدَّمهم إمامًا مع أنه آخرهم عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
نأخذ من هذين الوصفين لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ضلالُ طائفتين ضَلَّتا فيهما، طائفة ظَنَّتْ أنَّ له حقًّا في الرُّبوبية، فصارت تدعو الرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وصار تعظيمُ الرسول صلّى الله عليه وسلّم في قلوبها أشدَّ مِن تعظيم الله، نعوذ بالله، حتى إنه إذا ذُكِرَ الرَّسولُ اقشعرت جلودهم؛ ثم تلين كأنما ذكر الله، وإذا ذُكِرَ الله، وإذا هو كالماء البارد على جلودهم، لا يتحرَّكون، هؤلاء أشركوا بالرَّسولَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، بل جعلوه أعظم مِن الله عزّ وجل.
الطائفة الثانية عكس هذه الطائفة، كذبت الرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقالت: ليس برسول، إمَّا أنه كاذب في أصل الرِّسالة، كما قال الله تعالى: وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ [ص: ٢٤]، وإما أنه كاذب في تعميم الرسالة، كما يقول النَّصارى الذين يداهنون المسلمين، وانخدعَ بهم بعضُ العرب، قالوا: محمدٌ رسول لكن إلى العرب فقط هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ [الجمعة: ٢]، وهم يقولون: نحن لسنا بأميين، نحن مِن بني إسرائيل مِن أهل الكتاب، وما لنا وللأميين بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَعرفتم كيف التلبيس؟ فقالوا: نؤمن بأن محمدًا رسول لكن إليكم أيها الأميون، أما نحن لا.
النصارى يقولون: رسولنا عيسى، ويَغْلُون به حتى يجعلونه إلهًا مع الله، واليهود يقولون: عيسى كاذبٌ، ابن زانية -والعياذ بالله- مقتولٌ مصلوبٌ، ونبيهم موسى، وأئمة الكفر لهم أقوال شنيعة -والعياذ بالله- في الرسل.
على كُل حال نقول لمن ادعى خصوصية رسالة الرَّسول عليه الصَّلاةُ والسَّلام في العرب، نقول: هل تؤمن بأنه رسول؟ إذا قال: نعم، هل الرسول يكذب؟ إنْ قال: نعم، بطلت شهادتُه، الرَّسولُ ما يكذب، وإنْ قال: لا، قلنا: اقرأ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الأعراف: ١٥٨]، أما أن تُلبِّس وتأتي بآيات متشابهة فإنك أحقُّ مَنْ يدخلُ في قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران: ٧].
طالب: (...) السلام عليك يا أيها (...).
الشيخ: والله الجواز يجوز، لكن الاقتصار على الوارد أفضل بلا شك.
الطالب: ما ينكر على الإخوة..
الشيخ: لا، ينبهون.
طالب: (...).
الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر أنه بعد.
طالب: فيه رواية (...).
الشيخ: على كل حال إذا ثبتت فلا مانع.
طالب: (...) في قوله بدعاء الاستفتاح: لا معبود سواه (...).
الشيخ: لا، بعض الناس يقول في الاستفتاح: ولا إله غيره ولا معبود سواه، ما حاجة؛ لأن (لا إله غيره) هي (لا معبود سواه).
طالب: (...).
الشيخ: ويش تقولون يا جماعة؟ يقول: هل يجوز أن نسكن النون؟ يعني هل يجوز الإظهار في موضع الإدغام هذا المعنى، كذا؟
الطالب: نعم، أشهد أنْ لا إله إلا الله.
الشيخ: ما تقولون؟ نقول: يجوز ما فيه مانع؛ لأن كل علم التجويد تحسين، ما فيه شيء واجب، تحسين لفظ، وعلى هذا فيجوز أن نقول: أشهد أنْ لا إله إلا الله وأشهد ألَّا إله إلا الله، ولا نقول: أشهد أنَّ لا إله إلا الله، ترى هذا خطأ من حيث اللغة، أما العوام ما نقول: إنكم أخطأتم في التوحيد، لكن في اللغة ما يصح.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، أقول: يصح الأذان بقول المؤذن: أشهد أنَّ لا إله إلا الله؟
الشيخ: يصح؛ لأن هذا خطأ ما يتغير به المعنى.
طالب: جزاك الله خيرًا، بعض العامة يقولون: إنه إن دخل المسجد النبوي يحس بسكينة أكثر لو دخل المسجد الـ..
الشيخ: لأنه يسكن نفسه، هو يعتقد هذا، الآن ييجي يمك واحد ويسقيك ماء على العادة تشربه، وييجي يمك يقول: هذا ماء قرأ به شخص يرجى أن الله يستجيب دعاءه ويشفيك، وهو ما قربه أحد، ولا شربك (...) والله بحمد الله وجدت خفة، وهو ما قربه أحد، لكن النفس لها انفعال.

***

طالب: (...) رحمه الله تعالى: ويقول التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، هذا التشهد الأول، ثم يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، ويستعيذ من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال، ويدعو بما ورد، ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك.
وإن كان في ثلاثية أو رباعية نهض مكبرًا بعد التشهد الأول.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
هل هذا له مفهوم عباد الله الصالحين، أو أن الصالحين صفة كاشفة لا مفهوم لها؟
طالب: أنا أسمعها تبيانًا، وما أفهمها.
الشيخ: الصفة الكاشفة اللي ما لها مفهوم، التي تبين السبب والعلة وهي ليس لها مفهوم، والصفة التي لها مفهوم هي التي تقيد الموصوف.
طالب: مثل أيش؟
الشيخ: مثل (...)، عباد الله -هنا- الصالحين، هل هو مقيد للموصوف الذي هو (عباد)، ولّا مُبَيِّن وكاشف بأن كل عبد فهو صالح؟
طالب: مُقيِّد.
الشيخ: مُقيِّد.
الطالب: لأنه فيه عباد الله غير صالحين.
الشيخ: لأن العباد بالمعنى العام يشمل الصالح وغير الصالح، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم: ٩٣]، فإذن الصالحين صفة.
طالب: مُبيِّنة.
الشيخ: مبينة ولّا مقيِّدة؟
طلبة: مقيدة.
الشيخ: مقيدة، يخرج بها العباد الذين هم غير صالحين، كالكفار، هم عبيد لله لكنهم غير صالحين.
الصفة الكاشفة التي ليس لها مفهوم هي التي تكون كالتعليل والسبب، مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١]، اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْهل أحد يمكن أن يقول: هناك رب لم يخلقنا؟
طلبة: لا.
الشيخ: إذن الَّذِي خَلَقَكُمْصفة مبيِّنة كاشفة؛ يعني كالعلة لما سبق، اعبدوه؛ لأنه الذي خلقكم، ومثل قوله تعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء: ٢٣]، اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْهذه صفة كاشفة؛ يعني مبيِّنة للعلة؛ يعني كأن الربائب -لأنها في حجرك- كأنها ابنتك، ولكنه ليس لها مفهوم.
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: ١]؛ يعني: وأما ربك غير الأعلى فلا تسبحه؟ لا، هذه صفة كاشفة، وأمثلتها كثيرة موجودة.
فعلى هذا نقول: (الصالحين) هنا صفة مقيّدة، فإن قال قائل: ما الأصل، الصفة المقيدة ولّا الكاشفة؟ فالأصل المقيدة، الأصل أن الوصف قيد في الموصوف.
قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله) ما معنى لا إله إلا الله؟
طالب: أي لا معبود بحق إلا الله.
الشيخ: لا معبود حق إلا الله، أحسنت.
هل هناك أحد يعبد من دون الله؟ كثير.
طالب: الأحجار والأشجار وغيرها.
الشيخ: ويسمون آلهة؟
طالب: لأنهم معبودون؛ يعني يعبدون، فكل معبود فهو معبود.
الشيخ: فهو إله، ولكن يسمون آلهة وهي لا حقيقة لألوهيتها، ولهذا قالوا: أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ [الزخرف: ٥٨]، وقالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا [ص: ٥].
(أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) (أشهد أن محمدًا عبده ورسوله) تضمنت الرد على طائفتين منحرفتين.
طالب: الطائفة الأولى قدموا النبي صلى الله عليه وسلم في الرسالة، الطائفة الثانية تعميم الرسالة.
الشيخ: خطأ.
طالب: تقديس الرسول صلى الله عليه وسلم، ثانيًا تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: إي، هذا اللي قاله الأخ، إثبات الرسالة هي رد على من أنكروا رسالته.
طالب: الطائفة الأولى اعتقدت أن النبي صلى الله عليه وسلم له حق في الربوبية، الطائفة الثانية زعمت أن النبي صلى الله عليه وسلم (...).
الشيخ: إذن رد على طائفتين؛ طائفة أنكرت رسالته إما مطلقًا أو على سبيل العموم؛ يعني أنكروها نهائيًّا، ما هو رسول، أو أنكروا عموم رسالته، هذه مأخوذة من قوله: (ورسوله)، طائفة أخرى غالت في الرسول عليه الصلاة والسلام حتى جعلته في منزلة الربوبية، يُرَد عليهم بقوله: عبد.
هل أشرف أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون عبدًا لله؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما الدليل؟
طالب: قول الله سبحانه وتعالى في أثناء المدافعة عليه: وإن كنت..
الشيخ: لأن الله وصفه بالعبودية في أعلى مراتبه، اذكرها.
طالب: في سورة..
الشيخ: لا تجيب الآيات، بس اذكر المراتب اللي إحنا قلنا.
طالب: وصفه الله بمرتبة العبودية في أثناء المدافعة عليه..
الشيخ: المدافعة عنه.
طالب: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: ٢٣].
الشيخ: هذه واحدة.
طالب: وفي أثناء وصفه تفضل عليه بالكتاب: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ [الفرقان: ١].
الشيخ: الثالث؟
طالب: في سورة الـ..
الشيخ: في حال الإسراء والمعراج.
طالب: في حال الإسراء أيضًا.
الشيخ: والمعراج.
طالب: نعم، قول الله سبحانه وتعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الإسراء: ١].
الشيخ: المعراج؟
طالب: هو المعراج الإسراء.
الشيخ: لا، المعراج غير الإسراء.
طالب: في سورة النجم.
الشيخ: ماذا قال؟
طالب: (...).
الشيخ: في قوله: فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [النجم: ١٠].
وأيضًا هو الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا» ، ولذلك لا أحد في الخلق فيما نعلم قام بالعبودية، كما قام الرسول عليه الصلاة والسلام، وقال عن نفسه: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ» ؛ لأنه أعلمنا به سبحانه وتعالى.
قال المؤلف: (هذا التشهد الأول) (هذا) المشار إليه ما ذُكِرَ مِن قوله: (التحيات)، إلى قوله: (وأنَّ محمدًا عبدُه ورسوله)، واعْلَمْ أن الأحاديث وَرَدَتْ في التشهُّدِ على أكثر من وَجْهٍ، فما موقفنا مِن هذه الوجوه؟
الجواب على هذا أن نقول: إنَّ العلماء رحمهم الله اختلفوا في موقفنا من هذه الوجوه، هذا بعد أن نعلم أنه لا يمكن جَمْع الذِّكْرَين في آنٍ واحدٍ، أمَّا إذا كان يُمكن أن يجمعا في آنٍ واحدٍ فجمعُهما أولى، لكن إذا لم يمكن بأن يكون هناك قرينة تدلُّ على أن كلَّ واحد منهما يُقال بمفرده كما في دعاء الاستفتاح، وكما في التشهد، فالتشهُّدُ عَلَّمَه النبيُّ عليه الصلاة والسلام عبدَ الله بن عبَّاس، وعَلَّمَه عَبدَ الله بن مسعود، حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين، وحديثُ ابن عبَّاس في مسلم، وكلاهما صحيح، وليس بينهما إلا اختلاف يسير، مما يدلُّنا على أن كلَّ واحد منهما يُقال بمفرده، وأن هذا الاختلاف اليسير مما جاءت به السُّنَّةُ.
موقفنا في هذا أقول: إن العلماء اختلفوا، فمنهم من رَجَّح ومنهم من جمع، أما من رجح فقال: أرجح ما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم، فأختار تشهد ابن مسعود، وأما من جمع فقال: كلاهما صحيح، ولكني أقول هذا مرة وأقول هذا مرة، وهذه الطريق أحسن من الطريق الأولى، أعني الجمع بين ما يمكن جمعه، مرة هذا ومرة هذا، وهي طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وفي سلوكها فائدة بل أكثر، ففي سلوكها تحقيق اتباع السنة، حيث عملت بالوجهين، ولو رجحت لتركت العمل بوجه من وجوه السنة.
ثانيًا: في سلوك هذه الطريقة إحياء السنة؛ لأنك إذا لم تعمل بها نسيتها، فماتت، وهذا مشاهد، الآن اسأل كثيرًا من طلبة العلم كيف تشهد عبد الله بن عباس؟ لا يدري؛ لأنه لم يعمل به فكونك تعمل به يكون فيه إحياء السنة، هاتان فائدتان، الفائدة الثالثة أنه أدعى لحضور القلب، كيف ذلك؟ لأن الإنسان إذا راعى عند الذكر أن يختار هذا وهذا حضر قلبه، لكن إذا أمسك بوجه واحد من وجوه الذكر صار يقوله من دون شعور، كأنه عادة، وكما يقول أهل المكاين: أوتوماتيكيًّا.
ولذلك تجده يقرأ الفاتحة في الصلاة ما يدري (...)، يمكن بدون قصد، أليس كذلك؟ فإذا كان الإنسان يحس بأنه سيفعل هذا الوجه وهذا الوجه؛ صار ذلك أدعى لحضور قلبه، فصار في سلوك هذه الطريق ثلاث فوائد.
إذن الأفضل أن نقول: ما جاءت به السنة من التشهد، أحيانًا هذا وأحيانًا هذا، حتى نحفظ السنة.
يقول: (هذا التشهد الأول ثم يقول) (ثم يقول) في أي تشهد؟ في التشهد الأخير؛ لأن المؤلف لما فصل وقال: (ثم يقول) دلّ على أن ما يُقال بعد (ثم) لا يُقال في التشهد الأول، وعلى هذا فلا يُستحب أن تصلي على النبي في التشهُّد الأوَّل، لا يستحب، وهذا هو الذي مشى عليه المؤلِّف، وهو ظاهرُ السُّنَّة؛ لأنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يُعلِّم ابنَ مسعود وابنَ عباس إلا هذا التشهُّد فقط، وقال ابنُ مسعود: كُنَّا نقولُ قبلَ أن يُفرضَ علينا التشهُّد، وذكر التشهد الأول فقط، ولم يَذكرِ الصَّلاةَ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم.
وعلى هذا فلا يُسَنّ أن يصلي الإنسان على النبي صلّى الله عليه وسلّم في التشهد الأول؛ لأنه لو كان سُنَّةً لكان الرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يعلِّمهم إيَّاه في التشهُّدِ.
وأما قولهم: يا رسولَ الله، علِمْنَا كيف نسلم عليك، فكيف نُصَلِّي عليك إذا نحن صَلَّينا عليك في صلاتِنا؟ ، فهو سؤال عن الكيفيَّة وليس فيه ذِكْرُ الموضع، وفَرْقٌ بين أن يُعَيَّنَ الموضع أو تُبَيَّنَ الكيفيَّة، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد: كان من هدي النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم تخفيف هذا التشهد، ثم ذكر الحديث أنه كان كأنما يجلس على الرضف -يعني الحجارة المحماة- من شدة تعجيله .
وهذا الحديث وإن كان في سنده نظر، لكن هو ظاهر السنة؛ أي أنه لا يزيد على هذا، وأظنه في صحيح ابن خزيمة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتشهد في هذا الجلوس ولا يَدْعو ، وقوله: لا يَدْعُو يشمل الدعاء بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والدعاء بالتعوذ من عذاب جهنم وعذاب القبر.
ومع ذلك لو أن أحدًا مِن النَّاس صَلَّى على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في هذا الموضع ما أنكرنا عليه، لكن لو سألنا أيُّما أحسن؟ قلنا: الاقتصار على التشهُّدِ فقط، ولكن لو أنه صَلَّى فلا يؤمر بالإعادة أو ينْهَ عن هذا الشيء؛ لأنه زيادة خير، وفيه احتمال -وإن كان ضعيفًا- أنه يصلى عليه في هذا المكان.
ثم يقول: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد).
قال: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ) (اللهم) معناها: يا الله، لكن حُذفت منها ياء النداء، وعُوِّضَ عنها الميم، وجُعِلت الميم في الآخر تيمُّنًا بالبداءة باسم الله عزّ وجل، وكانت ميمًا ولم تكن جيمًا ولا حاءً ولا خاءً؛ لأن الميم أدلُّ على الجَمْعِ، ولهذا تجتمع الشفتان فيها، فكأن الدَّاعي جمع قَلْبَه على رَبِّه ودعا، فقال: اللَّهُمَّ.
وعليه فنعرب (اللهم) نقول: (الله) منادى مبني على الضم في محل نصب، ومعنى (الله): أي: ذو الألوهية، الذي يَأْلَهُهُ كل من تعبد له سبحانه وتعالى.
(صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) قوله: (صَلِّ على محمد)، قيل: إن الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدميين الدعاء.
فإذا قالوا: صلت عليه الملائكة؛ يعني: استغفرت له، وإذا قال: صلى عليه الخطيب؛ يعني: دعا له، وإذا قيل: صلى عليه الله؛ يعني: رحمه.
وهذا مشهور بين أهل العلم، لكن الصحيح خلاف ذلك، وأن الصلاة أخص من الرحمة، ولذا أجمع المسلمون على جواز الدعاء بالرحمة لكل مؤمن، واختلفوا: هل يصلى على غير الأنبياء؟ ولو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لم يكن بينهما فرق، لكان كما ندعو لفلان بالرحمة نصلي عليه.
وأيضًا فقد قال الله تعالى: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [البقرة: ١٥٧]، فعطف الرحمة على الصلوات، والعطف يقتضي المغايرة، فتبين بدلالة الآية الكريمة واستعمال العلماء رحمهم الله للصلاة في موضع والرحمة في موضع على أن الصلاة ليست هي الرحمة.
إذن فما هي؟ أحسن ما قيل فيها ما ذكره أبو العالية رحمه الله: أن صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، (اللهم صَلِّ عليه): أثنِ عليه في الملأ الأعلى.
فإذا قال قائل: هذا بعيد من اشتقاق اللفظ، الصلاة في اللغة الدعاء ليست الثناء.
فالجواب على هذا: أن الصلاة أيضًا من الصلة، ولا شك أن الثناء على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الملأ الأعلى من أعظم الصلات؛ لأن الثناء على الإنسان قد يكون أحيانًا أهم عند الإنسان من كل مال، فالذكرى الحسنة صلة عظيمة.
وعلى هذا؛ فالقول الراجح: أن الصلاة تعني: الثناء عليه في الملأ الأعلى، فأنت إذا قلت: اللهم صَلِّ على محمد؛ أي: أثن عليه في الملأ الأعلى، أي: عند الملائكة المقربين.
وقوله: (على محمد) قد يقول قائل: لماذا لم يقل: على النبي، أو: على نبيك محمد، وإنما ذكره باسمه العلم فقط، فكيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا [النور: ٦٣]؟
فالجواب: أن هذا من باب الخبر، والخبر أوسع من الدعاء؛ يعني أوسع من أن تدعوه باسمه، فجاز أن يكون بلفظ محمد.
(وعلى آل محمد) يعني: وصل على آل محمد، وآل محمد قيل: إنهم أتباعه على دينه؛ لأن آل الشخص كل من ينتمي إلى الشخص، كل من ينتمي إليك فهو من آلك، سواء انتمى إليك بنسب، أو انتمى إليك بحمية ومعاهدة وموالاة، أو انتمى إليك باتباع، كما قال الله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: ٤٦]، فيكون (آله) هم أتباعه على دينه.
وقيل: آل النبي صلى الله عليه وسلم القرابة، والقائل بذلك خَصَّ القرابة بالمؤمنين؛ يعني المؤمنين من قرابته صلى الله عليه وسلم، فخرج بذلك سائر الناس، وخرج بذلك كل من كان كافرًا من قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول هذا القائل: آله المؤمنون من قرابته، ولكن الصحيح الأول، وأن الآل هم الأتباع، نعم لو قُرِن (الآل) بغيره فقيل: على محمد وآله وأتباعه، صار المراد بالآل المؤمنين من قرابته.
(وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم) (كما صليت) الكاف هنا للتشبيه أو للتعليل، ولننظر فأكثر العلماء يقولون: إنها للتشبيه، وهؤلاء فتحوا على أنفسهم إيرادًا يحتاجون إلى الجواب عنه، وذلك لأن القاعدة أن المُشَبّه دون المُشَبّه به، وعلى هذا؛ فأنت سألت الله صلاة دون الصلاة على آل إبراهيم.