قَرابته صلى الله عليه وسلم، فخرج بذلك سائرُ الناس، وخرج بذلك كلُّ مَن كان
كافرًا من قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول هذا القائل: آلُهُ: المؤمنون من
قرابته. ولكن الصحيح الأوَّل وأنَّ الآلَ هم الأتباع، نعم لو قُرن الآلُ بغيره
فقيل: على محمدٍ وآلِهِ وأتباعِه، صار المراد بالآلِ المؤمنين من
قرابته.
(وعلى آلِ محمدٍ كما صلَّيتَ على آلِ إبراهيم).
(كما
صلَّيْتَ) الكاف هنا للتشبيه أو للتعليل؟ ولننظر، فأكثر العلماء يقولون: إنها
للتشبيه، وهؤلاء فتحوا على أنفسهم إيرادًا يحتاجون إلى الجواب عنه، وذلك لأن
القاعدة أنَّ المشبَّه دون المشبَّه به، وعلى هذا فأنت سألتَ اللهَ صلاةً على محمدٍ
وآله دون الصلاة على آل إبراهيم، ومعلومٌ أنَّ محمدًا وآلَه أفضلُ من إبراهيم
وآلِه، فلذلك حَصَل الإشكالُ؛ لأن هذا يُعارِض القاعدةَ المتَّفقَ عليها وهي أنَّ
المشبَّه أدنى من المشبَّه به.
وأجابوا عن ذلك بأجوبة منها: أن آل إبراهيم يدخل
فيهم محمَّدٌ عليه الصلاة والسلام لأنه من آلِه؛ فإبراهيم أبوه، فكأنه سُئل للرسول
عليه الصلاة والسلام الصلاةُ مرَّتين: مرَّةً باعتبار الخصوص (اللهم صَلِّ على
محمَّد)، ومرَّة باعتبار العموم (كما صَلَّيتَ على آل إبراهيم)، ولكن هذا جوابٌ فيه
شيءٌ، وليس بواضح.
والقول الثاني: أنَّ الكاف للتعليل، وأنَّ هذا من باب
التوسُّل بفِعْل الله السابق إلى فِعْل اللاحِقِ؛ يعني: كما أنك سبحانك سَبَقَ
الفضلُ منك على آل إبراهيم فأَلْحِق الفضل منك على محمدٍ وآلِه. وهذا لا يلزم أن
يكون هناك مشبَّهٌ ومشبَّهٌ به.
فإنْ قال قائل: وهلْ تأتي الكافُ
للتعليل؟
قلنا: نعم، تأتي للتعليل، استمعْ إليها من كلام العلماء واستمعْ إلى
مثالها؛ قال ابن مالك:
| شَبِّهْ بِكَافٍ وَبِهَا التَّعْلِيلُ قَدْ | يُــعْنَى وَزَائِـــــــــدًا لِتَـــــوْكِــــيدٍ وَرَدْ |
فأفاد بقوله: (وبها التعليلُ قد يُعنَى) أنه قد يُقصَد بها التعليل.
وأمَّا المثالُ فكقوله تعالى: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ [البقرة: ١٥١]؛ فإن الكاف هنا للتعليل، معلِّلةٌ لِمَا سَبَقَ.
مثالٌ آخر: قوله تعالى: وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ [البقرة: ١٩٨] أي: لهدايتكم. وإنْ كان يجوز فيها التشبيهُ؛ يعني: واذكروه الذِّكْرَ الذي هداكم إليه.
فهذا الوجه -أعني أنَّ الكاف في قوله: (كما صَلَّيْتَ) للتعليل- من باب التوسل بالفعل السابق إلى تحقيق الفعل اللاحق، هذا هو الوجْه الأصحُّ الذي لا يَرِدُ عليه إشكال.
طالب: في التشهد الأول إذا أطالَ الإمام؟
الشيخ: إذا أطالَ الإمام في التشهد الأول فلا بأس أن تستمرَّ.
الطالب: يُعيد ولَّا يستمِرُّ؟
الشيخ: لا، يستمِرُّ، وبعض العلماء يقول: يُعيد. ولكنْ إذا استمرَّ فلا حرج.
الطالب: ولا يسكت؟
الشيخ: لا، ما يسكت.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، والذين قالوا: إنه نصلي على النبي بعد التشهد. أقول: بِمَ استدلُّوا، أحسن الله إليك؟
الشيخ: استدلُّوا بقولهم: يا رسول الله، علِمْنا كيف نُسَلِّم عليك، فكيف نُصَلِّي عليك إذا صَلَّينا عليك في صلاتِنا؟ قال: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ...» .
طالب: ما استدلُّوا بإتيان الصلاة تابعةً للشهادة، فكأنك إذا شهدتَ له بالرسالة كأنك تصلِّي عليه؟
الشيخ: لا، هذا ما هو مطَّرد.
طالب: (...) اللهم صلِّ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم (...).
الشيخ: كما صلَّيتَ على إبراهيم.
الطالب: وعلى آل إبراهيم.
الشيخ: إي، قلنا: نبغي نبحث إن شاء الله.
طالب: ويُستثنى منه يا شيخ (...) حديث التشهد ابن مسعود قال: «ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الْكَلَامِ مَا شَاءَ» .
الشيخ: من الدعاء، هذا في الأخير.
***
(...) نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.يقول المؤلف: إنه يسجد على سبعة أعضاء، فما هي هذه الأعضاء؟
طالب: اليدان ثم الركبتان ثم (...).
الشيخ: يداه أولًا، ثم ركبتاه..
طالب: رِجلاه ثم ركبتاه؛ أربعة، ثم يداه، ثم الجبهة معهم.
الشيخ: كيف يقول: يسجد على رِجليه، وهو لا يزال قائمًا على رِجليه؟
الطالب: يعني في حال سجوده قد يرفعهما، قال المؤلف توكيدًا على أنه يضعهما على الأرض.
الشيخ: طيب، وأيضًا السجود على القدمين ليس كالوقوف عليهما؛ الوقوفُ على بطونهما، والسجودُ على أطراف القدمينِ.
ما هو الدليل على وجوب السجود على هذه الأعضاء السبعة؟
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» .
الشيخ: كمِّل.
الطالب: الرِّجْلينِ؟
الشيخ: لا.
الطالب: الأنف؟
الشيخ: لا، لفظ الحديث.
طالب: الجبهة مع الأنف؟
الشيخ: لا.
الطالب: الكفَّينِ، والركبتينِ، والجبهة مع الأنف، وأطراف القدمينِ.
الشيخ: لا، ما هو هذا لفظ الحديث، هذا معناه، لكنْ نودُّه باللفظ أحسن.
طالب: الجبهة -وأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنفه- والكفَّينِ، والركبتينِ، وأطراف القدمينِ.
الشيخ: لماذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنْفه ولم يَعُدَّه عضوًا مستقلًّا؟
طالب: لأن الأنف تابعٌ للجبهةِ؛ فأشار إليه باعتبار أنه عَظْمٌ واحد.
الشيخ: فأشار إليه لئلَّا يظُنَّ الظانُّ أن المراد الجبهة فقط، ولم يعدَّه عضوًا مستقِلًّا لأنه تابعٌ للجبهة.
ما الحكمة في أن الإنسان يقول في السجود: سبحان ربي الأعلى؟
طالب: لأن السجود أذلُّ هيئةٍ يفعلها الإنسان بين يديْ ربِّه عز وجل في عبادته.
الشيخ: وهو تطامُنٌ؛ لأنه وَضَعَ أعالي البَدَن..
الطالب: أسْبَقَ ما في بدنه على الأرض، (...) يقول: سبحان ربي الأعلى.
الشيخ: نعم، هل لهذا نظيرٌ من السُّنة؛ وهو أنَّ الإنسان إذا كان في سُفولٍ فإنه يسبِّح الله.
طالب: نعم، كان الصحابة رضي الله عنهم إذا هَبَطوا واديًا كانوا يسبِّحون الله سبحانه وتعالى، وإذا صعدوا الجبلَ يُكبِّرون.
الشيخ: طيب، (التسبيح) ما معناه أولًا؟ وعن ماذا يكون؟
طالب: التسبيح هو تنزيهُ اللهِ سبحانه وتعالى عن النقائص، فيكون في (...) عن مماثلة المخلوقين، وعن النقص التامِّ، وعن النقص في صفاته.
الشيخ: صح، النقص في كماله.
لو قال قائلٌ: للهِ وجْهٌ كوجهِ أحسن المخلوقات.
طالب: هذا ليس صحيحًا.
الشيخ: حرام؟
الطالب: هذا قولٌ باطلٌ؛ لأنه اقتضى من قوله هذا التشبيهَ.
الشيخ: يعني هلْ مَن قال هذا يُعتبر مسبِّحًا لله؟
الطالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأنه مَثَّله بالناقص، وتمثيل الكامل بالناقص يجعله ناقصًا.
لو قال: إن الله سبحانه وتعالى خَلَق السماواتِ والأرضَ في ستَّةِ أيامٍ ثم استراحَ، هل يكون مسبِّحًا لله؟
طالب: لا يكون مسبِّحًا لله.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه أوَّلًا: كذَّبَ النصَّ الواردَ في هذا في قوله تعالى: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨]؛ نفى اللهُ عز وجل عن نفْسِه التعبَ. ثانيًا: أنه قال: إنَّ الله عز وجل ناقصٌ في هذه الصفة. فأثبتَ النقصَ لله في هذه الصفة.
الشيخ: هذا نقص في كماله.
الطالب: في كماله، نعم.
الشيخ: لو قال قائلٌ: إن الله -سبحانه وتعالى- يمكن أن يموت؟
طالب: لا يجوز ذلك.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأن الله سبحانه وتعالى..
الشيخ: حيٌّ لا يموت.
الطالب: حيٌّ لا يموت، (...).
الشيخ: لا، والموت نقص ولَّا لا؟
الطالب: طبعًا نقص؛ لأنه من صفات المخلوقين أولًا.
الشيخ: نعم، هو نقص، ما فيه شك.
الطالب: (...) محدود للإنس والجن.
الشيخ: نعم، صحيح، إذَنْ هذا القسم الثالث: تنزيهه عن النقص، والثاني: نقصٌ في الكمال، والأول: نقصٌ في مماثلة المخلوقين.
لو قال لنا قائل: هل الله خَلَق نفسَه؟
طالب: يُقال: هذه أمورٌ غيبيَّة نسكت عنها، أمورٌ غيبيَّة ندركها ولا تمنع (...).
الشيخ: كفى، كفى، لا.
الطالب: (...).
الشيخ: ما يصير هذا.
الطالب: (...) أن الله خلق نفسه لا شك أنه ليس (...).
طالب: ننفي هذا يا شيخ؛ لأن هذا نقْصٌ.
الشيخ: نقْص، ما فيه شك.
طالب: نقول: استعِذْ بالله من الشيطان الرجيم، نأمره بالاستعاذة، هذا من الشيطان.
الشيخ: نقول: هذا من الشيطان، ولا يمكن أن يَرِدَ هذا؛ هو الأول الذي ليس قَبْله شيءٌ، كيف يكون خَلَق نفْسَه؟!
طالب: (...).
الشيخ: هو خَلَقَ كلَّ شيءٍ، وهو الأول الذي ليس قبله شيءٌ، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُوا: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟» ، وعند ذلك يجب على الإنسان أنْ يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأنْ يعلم أن الله هو الأوَّلُ الذي ليس قبله شيءٌ، والآخرُ الذي ليس بعده شيء.
ما تقول في رجُلٍ سَجَدَ على يَدِهِ، هل يصحُّ سجوده؟
طالب: ما يصحُّ؛ لأنه فيه استثناء؛ قال: (ليس من أعضاء السجود)، واليد من أعضاء السجود.
الشيخ: تقول: لا يصح.
الطالب: (...) لم يسجدْ (...) السابع (...) «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» (...) على يديه فلا يُعتبر صحيحًا.
الشيخ: لأن ظاهر الحديث سبعة أعضاء، لا بد كلّ عضو وحدَه، والمؤلف استثنى هذا.
ماذا يقول بين السجدتينِ؟
طالب: اللهم اغفرْ لي، وارحمني، واهدني، واجبرني، وارحمني. خمس.
الشيخ: أعِدْ، ربِّ اغفرْ لي.
الطالب: ربِّ اغفرْ لي، وارحمني، واهدني، واجبُرني.
الشيخ: ما معنى المغفرة؟
الطالب: المغفرة لنا أنه يغفر الذنوبَ اللهُ سبحانه وتعالى.
الشيخ: إي، ويش معنى (يغفر الذنوب)؟ أنت تقولها في كلِّ صلاة الآن.
الطالب: ربنا اغفرْ لي، يا ربِّ اغفرْ لي، يا رب.
الشيخ: إي، لكنْ ويش معنى (اغفر لي)؟ أنت تسألُ اللهَ شيئًا لا تدري ويش معناه؟
الطالب: اغفرْ لي الذنوب.
الشيخ: إي، ويش معنى (اغفر لي)؟
الطالب: يعني: امسح الذنوب.
الشيخ: واللهِ غريب، هل يُعقل واحد يدعو الله بشيءٍ لا يدري ويش معناه؟!
الطالب: يمسح ذنوبي، ربنا يغفر لك ذنوبك.
الشيخ: معناه؟
طالب: المغفرة هي ستر الذنب (...).
الشيخ: إي نعم، وهذه دائمًا تمرُّ علينا؛ أنَّ المغفرةَ سترُ الذنبِ عن الخَلْقِ والتجاوزُ عن العقاب، ومرَّ علينا وجْهُ مناسبةِ هذا المعنى لِلَّفْظِ؛ لأنه مأخوذٌ من المِغْفَر الذي يوضع على رأسِ الإنسانِ عند الحرب ليستتر به من السهام ويَقِيه.
***
يقول: (وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ).(بَارِكْ) فِعْل دعاءٍ كما هو معروفٌ؛ لأنه موجَّهٌ من المخلوق إلى الخالق، وما وردَ بصيغة الأمر موجَّهًا من المخلوق إلى الخالق فهو دعاء؛ لأن المخلوق لا يأمر الخالق.
ومعنى (بارِكْ على محمَّدٍ) أي: أَنْزِل البَرَكة عليه، ولهذا جاءتْ متعدِّيةً بـ(على) دون اللام، (عليه)؛ أي: أَنْزِل عليه البَرَكة.
والبَرَكة: مأخوذة من البِرْكة، وهي مجتمَع الماء، ولا يكون إلَّا على وَجْهِ الكثرةِ والقرارِ والثُّبوتِ، وعليه فالبَرَكة كثرةُ الخيراتِ ودوامُها واستمرارُها، ويشمَلُ البَرَكةَ في العمل والبَرَكةَ في الأَثَر؛ أمَّا البَرَكة في العمل فأنْ يُوفِّق اللهُ الإنسانَ لعملٍ لا يُوفَّق له مَن نُزِعَتْ منه البَرَكة، وأمَّا الأَثَر بأنْ يكون لعملِه آثارٌ جليلةٌ نافعةٌ ينتفع بها الناس.
ولا شكَّ أنَّ بَرَكة النبيِّ عليه الصلاة والسلام أنه لا نظيرَ لها، وذلك لأنَّ أمَّته أكثرُ الأُمَم، ولأنَّ اجتهادهم في الخير أكثرُ من اجتهادِ غيرهم، فبُورِكَ له عليه الصلاة والسلام فيمن اتَّبعَه، وبُورِكَ له في عَمَلِ من اتَّبعَه.
وقوله: (وعلى آلِ محمَّدٍ) سَبَقَ لنا أنَّ الآل إذا أُفرِدتْ تشمَلُ جميعَ الأتباعِ، فالمرادُ بآله أتباعُه، وسَبَقَ لنا الشَّاهدُ من كون الآل بمعنى الأتباع، وهو قوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: ٤٦] آلَ فِرْعَوْنَيعني أتباعه.
أمَّا إذا قُرِنَت الآلُ بالأصحابِ والأتباعِ صار المرادُ بها المؤمنين من قرابتِه، ولا عَجَبَ أن يكون لِلَّفْظِ معنًى عند الانفراد ومعنًى عند الاقتران؛ فالمسكينُ -مَثَلًا- والفقيرُ بمعنى واحدٍ عند الانفراد، ولكُلِّ واحدٍ منهما معنًى عند الاقترانِ والاجتماعِ، البِرُّ والتقوى كذلك؛ لكُلِّ واحدةٍ منهما معنًى عند الاقتران ويتَّفق معناهما عند الافتراق.
الآن (الآلُ) إذا اقترنتْ بالأصحابِ والأتباعِ صار المرادُ بها المؤمنين من قَرابةِ النبي صلى الله عليه وسلم، وهُم بنو هاشمٍ ومَن تفرَّع منهم؛ لأن (الآل) يشمَلُ إلى الجَدِّ الرابع، وأمَّا إذا أُفردَتْ فهي كما قلنا هنا: إن المراد بها أتباعه على دينه.
(كما باركتَ على آلِ إبراهيم) الكاف هنا -على القول الذي رجَّحْناه فيما مضى في قوله: (كما صَلَّيتَ)- للتَّعليل، وعلى هذا فيكون ذِكْرُها من باب التوسُّلِ بفِعْلِ الله السَّابق إلى فِعْله اللاحق؛ كأنك تقول: كما أنَّك يا ربِّ قد تفضَّلتَ على آلِ إبراهيم وباركْتَ عليهم فبارِكْ على آلِ محمَّد.
وقوله: (إنك حميدٌ مجيدٌ) الجملة هذه استئنافية تفيد التعليل؛ يعني: دعوناك يا ربِّ بهذا الدعاء لأنك حميدٌ مجيدٌ.
(الحميد) فَعِيلٌ بمعنى فاعِلٍ وبمعنى مفعولٍ، فهو حامدٌ ومحمودٌ، حامد لِمَنْ؟ حامدٌ لعباده وأوليائه الذين قاموا بأمره، ومحمودٌ يُحْمَدُ عز وجل على ما له من صفاتِ الكمال وجزيلِ الإنعام، يُحمد على الأمْرينِ، فهو لكماله يُحمد ولإنعامه يُحمد أيضًا.
وأمَّا (المجيد) فهي فَعِيلٌ بمعنى فاعِلٍ؛ أي: ذو المجد، والمجدُ هو العظمةُ والقُوَّة، ويُقال: في كُلِّ شَجَرٍ نَارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفَارُ. هذا مَثَلٌ مشهورٌ عند العرب، المَرْخُ والعَفَارُ نوعانِ من الشَّجرِ في الحجاز معروفان، يعني أنها أسرعُ الشَّجَرِ انقداحًا إذا ضُرِبتْ بالزَّنْدِ، وإلَّا ففي كُلِّ الأشجار نارٌ كما قال تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا [يس: ٨٠] المهمُّ أن المجيد معناه ذو المجد، وهي العَظَمةُ وكمالُ السلْطان.
***
ثم قال: (ويستعيذُ بالله من عذابِ جهنَّمَ ومن عذابِ القبرِ) إلى آخره.قال: (ويستعيذ)، فيقول: أعوذُ بالله من عذابِ جهنَّم، والعِياذُ هو الالتجاءُ مِن مكروهٍ أو الاعتصامُ مِن مكروهٍ؛ يعني: أن تعتصم بالله من المكروه. واللِّياذ: أن تلجأ إليه لحصول المطلوب، كما قال الشاعرُ:
| يَـــــــا مَـــنْ أَلُـــــــــوذُ بِـــــــهِ فِيمَـــا أُؤَمِّلُــــهُ | وَمَـــــنْ أَعُــــــــوذُ بِــــــهِ مِمَّــا أُحَــــــاذِرُهُ |
| لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُ | وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ |
فجعلَ اللِّياذَ فيما يُؤمَّل، والعِياذَ فيما يُحذَرُ؛ أي مِن الأشياء المكروهة.
وقوله: (من عذاب جهنم) أي: العذاب الحاصل منها، فالإضافة هنا على تقدير (مِنْ)، فهي جنسيَّة؛ كما تقول: خاتمُ حديدٍ؛ أي: خاتمٌ مِن حديدٍ. ويحتمل أن تكون الإضافة على تقدير (في) أي: عذاب في جهنَّم؛ كما قال تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ [سبأ: ٣٣] أي: مكرٌ في الليل، والإضافة -كما تعرفون- تأتي على تقدير (مِن)، وعلى تقدير (في)، وعلى تقدير (اللام) وهي الأكثر.
(من عذاب جهنم). (جهنَّم) عَلَمٌ على النَّارِ التي أعدَّها الله عز وجل للكافرين؛ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [آل عمران: ١٣١]، وهذه النَّار وَرَدَ من صفاتِها وصفاتِ العذاب فيها في الكتاب والسُّنَّة ما تقْشَعِرُّ منه الجلودُ، والبحث فيها من عِدَّة وجوهٍ:
الوجه الأول: هل هي موجودةٌ الآن أو ليستْ بموجودة؟
الجواب: موجودةٌ؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم عُرِضتْ عليه النَّارُ في صلاة الكسوف وهو يُصلِّي بالنَّاسِ، وكذلك في المعراج رأى النَّارَ أيضًا، والقرآن يدلُّ على ذلك أيضًا كما قال تعالى: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة: ٢٤] والإعداد بمعنى التهيئة، والفعل كما تعرفونه ماضٍ، فيقتضي أن الإعداد حاصلٌ الآن.
البحث الثاني: هلْ هي مؤبَّدةٌ أو مؤمَّدةٌ؛ يعني: هلْ تفنى أو هي دائمة أبدَ الآبدينَ؟
الثاني هو المتعيِّن قطعًا أنها مؤبَّدة، ولا يكاد يُعرف عند السَّلفِ سوى هذا القول، ولهذا جَعَله العلماء من عقائدهم؛ من العقيدة أن تؤمِنَ وتعتقد بأن النار مؤبَّدة أبدَ الآبدينَ، وهذا أمرٌ مقطوعٌ به لا شكَّ فيه؛ لأن الله تعالى ذَكَرَ التأبيد في ثلاثة مواضع من القرآن: في سورة النساء في قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٩) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [النساء: ١٦٨، ١٦٩]، والثاني في سورة الأحزاب: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٥) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الأحزاب: ٦٤، ٦٥]، والثالث في سورة الجن: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: ٢٣]، ولو ذَكَرَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ التأبيد في موضعٍ واحدٍ من القرآن لكفى، فكيف وهو قد ذَكَرَه في ثلاثة مواضع.
ومن العجب أن فِئةً قليلةً من العلماء ذهبوا إلى أنها تفنى بناءً على عِلَلٍ عليلةٍ لمخالفتها لمقتضى الكتاب والسُّنَّة، وحَرَّفوا من أجْلها الكتابَ والسُّنَّةَ فقالوا: إن خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًاأي: ما دامتْ موجودةً. كيف هذا! إذا كانوا خالدين فيها أبدًا لَزِمَ أن تكون هي مؤبَّدةٌ؛ فِيهَافهي كائنةٌ، هم كائنون فيها، وإذا كان الإنسانُ خالدًا مؤبَّدًا تخليدُهُ لَزِمَ أنْ يكون مكانُ الخُلود مؤبَّدًا؛ لأنه لو فَنِيَ مكانُ الخلود ما صَحَّ تأبيدُ الخُلود.
والآيةُ واضحةٌ جدًّا، والتعليلاتُ الباردةُ المخالفةُ للنصِّ مردودةٌ على صاحبها، ولهذا الخلافُ الذي ذُكِرَ عن فِئةٍ قليلةٍ من أهل العلم خلافٌ مُطَّرَحٌ؛ لأنه مخالفٌ للنصِّ الصَّريح الذي يجب على كُلِّ مؤمنٍ أن يعتقده، ومَنْ خالَفه لشُبْهةٍ قامت عنده فيُعْذَر عند الله، لكن مَن تأمَّل نصوصَ الكتابِ والسُّنَّةِ عَرَفَ أنها مؤبَّدةٌ، والحكمة تقتضي ذلك؛ لأن هذا الكافر أفنى عُمرَه في محاربةِ الله عزَّ وجلَّ ومعصيةِ الله والكفرِ به وتكذيبِ رُسُله، كلَّ عُمرِه، مع أنه جاءه النذيرُ، وأُعْذِرَ، وبُيِّنَ له الحقُّ، ودُعِيَ إليه، وقُوتِلَ عليه، وأصرَّ على الكفر والباطل، كيف نقول: إنَّ هذا لا يؤبَّد عذابُه! والآيات في هذا صريحةٌ، فالحكمة تقتضي هذا لأن عُمرَه كلَّه الذي أُجرِيَ فيه في الدنيا أمضاه في الكفر والتكذيب والاستكبار.
البحث الثالث: هلْ عذابها حقيقيٌّ يُؤلِم، أو أنَّ أهلَها يكونون فيها كأنهم حِجارةٌ لا يتألَّمون لأنهم يأخذون مناعةً كما يُقال؟
يتعيَّنُ الأول أيضًا، ومَنْ قال خِلافَ ذلك فقد أخطأ وأَبْعَدَ النَّجْعَة، فهُم يُعَذَّبون ويألمون ألَمًا عظيمًا شديدًا كما قال تعالى في عِدَّة آيات: لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، حتى إنهم يتمنَّون الموتَ، والذي يتمنَّى الموت هل يُقال: إنه يتألَّم، أو: إنه تأقْلَمَ؟ لو تأقْلَمَ ما تألَّمَ ولا دعا اللهَ أنْ يقضيَ عليه؛ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف: ٧٧].
إذَنْ هم يتألَّمون بلا شَكٍّ، والحرارةُ الناريةُ تؤثِّر عليهم، تؤثِّر على أبدانهم ظاهرِها وباطنِها؛ قال الله تعالى في كتابه العزيز: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: ٥٦]، وهذا واضحٌ أنَّ ظاهر أبدانهم يتألَّم وينضج، يمور، وقال تعالى: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ [الكهف: ٢٩]، والشيُّ معروف، شَيُّ الوجهِ واللَّحم وما أشْبَهَ ذلك معروفٌ، فهُم إذا استغاثوا يُغاثوا بماءٍ كالْمُهلِ بعد مُدَّةٍ طويلة، هذا الماء إذا أقْبَلَ على وجوههم شواها وتساقطتْ والعياذُ بالله، فإذا شَرِبوه قَطَّعَ أمعاءَهم؛ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [محمد: ١٥]، وهذا عذابُ الباطن ولَّا الظاهر؟ هذا عذابُ الباطنِ، يُقطِّع الأمعاءَ من الداخل، وقال النبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في أهونِ أهلِ النَّارِ عذابًا: «إِنَّهُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ، وَعَلَيْهِ نَعْلَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ» . أعوذ بالله، الدِّماغ يَغْلي، فما بالك بما دونه مما هو أقرب إلى النَّعْلَينِ، وهذا دليلٌ واضحٌ على أنَّهم يتألَّمون وأنَّ هذه النارَ تؤثِّر فيهم، وكذلك قال تعالى: وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج: ٢٢] الْمُحرِق، والآياتُ في هذا والأحاديثُ كثيرة.
البحث الرابع: هل هناك نارانِ: نارٌ لأهل الكُفر، ونارٌ لأهل التوحيد الذين يُعذَّبون فيها ثم يخرجون؟
زَعَمَ بعضُ العلماء ذلك وقال: إنَّ النَّارَ نارانِ: نارٌ لأهل الكُفر، ونارٌ لأهل المعاصي من المؤمنين، وبينهما فَرْقٌ. ولكن هذا لا أعلمُ له دليلًا لا من القرآنِ ولا من السُّنَّةِ، والذي أعلمُه أنَّ النَّار واحدةٌ لا تختلف، لكن عذابها يختلفُ؛ لا شَكَّ أنَّها على عُصاةِ المؤمنينَ ليستْ هي على الكافرين؛ بلا شكٍّ أنها تختلف.
وكوننا نقول بالتقسيم بناءً على استبعادِ عقولنا أن تكون نارٌ واحدةٌ تؤثِّر تأثيرَيْنِ مختلفَيْنِ، هذا الاستبعادُ لا وَجْهَ له:
أولًا: أنَّ الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ، والله تعالى قادرٌ على أن يجعل النَّارَ الواحدة لشخصٍ سلامًا ولآخرَ عذابًا.
وثانيًا: أن أحوال الآخرة لا تُقاس بأحوال الدنيا أبدًا لظهور الفَرْقِ العظيم بينهما، فلا يجوز أن تقيس أحوال الآخرةِ بأحوال الدُّنيا لتنفي ما لا يتَّسعُ له عقلُك، بلْ عليك بالنسبة لأحوال الآخرة أن تُسَلِّم وتقْبل وتُصدِّق.
أليستْ هذه الشمسُ تدنو من الخلائق قَدْرَ ميلٍ يوم القيامة، ولو كانت أحوالُ النَّاسِ يوم القيامة كأحوالهم في الدنيا لأحرقتْهم؛ لأنَّ هذه الشمسَ الآن في أوْجِهَا لو أنها نزلتْ ولو يسيرًا أحرقتِ الأرضَ، مَحَتْهَا عن آخرها، ونحن نحسُّ بحرارتها الآن وبيننا وبينها مسافاتٌ عظيمةٌ، ونحسُّ بحرارتها لا سيَّما في أيام الصيف حين تكون عمودية، ومع ذلك تدنو من الخلائق يوم القيامة بمقدار ميلٍ ولا يحترقون بها.
كذلك أيضًا في يوم القيامة؛ الناسُ في مقامٍ واحدٍ، المؤمنون لهم نورٌ يسعى بين أيديهم وبأيمانهمْ والكُفَّارُ في ظُلْمَةٍ، لكنْ في الدنيا لو كان جانبك واحدٌ على يمينه نورٌ وبين يديه نورٌ تنتفع ولَّا ما تنتفع؟ تنتفع، في الآخرة لا.
في الآخرة أيضًا يكون العَرَق؛ يَعرقُ النَّاسُ، فيختلف العَرَقُ اختلافًا عظيمًا بينهم وهُمْ في مكانٍ واحدٍ، مِن النَّاسِ مَن يَصِلُ العَرَقُ إلى كعبيه، ومنهم مَن يَصِلُ إلى ركبتيه، ومنهم مَن يَصِلُ إلى حَقْوَيْهِ، ومنهم مَنْ يُلْجِمُهُ العَرَقُ، وهُم في مكانٍ واحدٍ.
فالمهمُّ أنه لا يجوز أن نقيسَ أحوالَ الآخرة بأحوال الدُّنيا، ثم نذهبَ ونُحدِثَ أشياء لم تأتِ في الكتاب والسُّنَّة كتقسيم النَّارِ إلى نارَيْنِ: نارٍ للعُصَاةِ، ونارٍ للكافرين. فالذي بَلَغَنا ووصل إليه عِلْمُنا أنها نارٌ واحدةٌ لكنها تختلف.
البحث الخامس: أين النارُ الآن؟ إحنا أثبتْنا أنها موجودةٌ، فأين هي؛ أفي السماء أمْ في الأرض؟
نقول: هي في الأرض، ولكنْ قال بعضُ أهل العِلْم: إنَّها هي البحار هذه. وقال آخرون: بل هي في باطن الأرض. والذي يظهر أنَّها في الأرض، ولكنْ ما ندري أين هي مِن الأرض، نؤمنُ بأنها في الأرض ليستْ في السماء، ولكنْ لا نعلم في أيِّ مكانٍ هي على وَجْهِ التعيين.
البحث السادس: هل النارُ (جهنَّم) لها أسماء متعدِّدةٌ أو اسمٌ واحد؟
الجواب: لها أسماء متعدِّدة، وهذا التعدُّد في الأسماء لاختلاف صفاتها؛ فتُسمَّى الجحيم، وتُسمَّى جهنَّم، وتُسمَّى لَظَى، وتُسمَّى السَّعير، بحسب اختلاف الصفات، والْمُسمَّى واحدٌ، فكلُّ ما صحَّ في كتابِ الله أو سُنَّةِ الرسول صلى الله عليه وسلم من أسمائها فإنه يجب على المؤمن أن يصدِّق به ويُثْبِتَه.
قول المصلي: (أعوذ بالله من عذاب جهنَّم) هل المراد أنه يتعوَّذ بالله من فِعْلِ المعاصي المؤدِّيةِ إلى جهنَّم، أو يتعوَّذ بالله من جهنَّم وإنْ عَصَى فهو يطلب المغفرةَ من الله، أو يشمَلُ الأمرينِ؟
يشمَلُ الأمرين؛ فهو يستعيذُ بالله من عذاب جهنَّم؛ أي: من فِعْلِ الأسبابِ المؤدِّية إلى عذاب جهنَّم، ومن عذاب جهنَّم؛ أي: من عقوبة جهنَّم إذا فَعَلَ الأسبابَ التي توجِبُ ذلك؛ لأن الإنسان بين أمرينِ: إمَّا عصمةٌ من الذُّنوب فهُنا أعاذه اللهُ من فِعْلِ السببِ، وإمَّا عفوٌ عن الذُّنوبِ وهُنا أعاذه اللهُ من فِعْل السببِ ولَّا من أَثَرِ السبب؟ مِن أَثَر السبب.
وقولُنا قبل قليل: العِصْمة من الذُّنوبِ. هذا ليس معناه العصمة المطْلَقة؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» . وقال: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» .
ومنْ (عذابِ القَبْرِ).
ما هو القبر؟ أصل القبر مدفنُ الميِّت؛ قال الله تعالى: ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس: ٢١]؛ قال ابنُ عباسٍ فيها: أيْ: أَكْرَمَهُ بدفْنِهِ. فأصلُ القبرِ مدفنُ الميِّتِ.
وقد يُراد به البرزخُ الذي بين موتِ الإنسان وقيامِ الساعة وإنْ لم يُدفَنْ؛ كما قال تعالى: وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون: ١٠٠] يعني: مِن وراءِ الذين ماتوا، وأوَّل الآيةِ يدلُّ على هذا؛ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون: ١٠٠].
فهل الدَّاعي إذا دَعَا: أعوذُ باللهِ من عذابِ القبر. يريد من مدفن الموتى، أو من عذاب البرزخ الذي بين موته وبين قيام الساعة؟
الثاني؛ لأنَّ الإنسانَ في الحقيقة لا يدري هل يموتُ ويُدفَنُ، أو يموتُ وتأكلُهُ السِّباعُ، أو يَحترقُ ويكون رمادًا، ما يدري؛ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان: ٣٤]، فاستحضِرْ أنك إذا قلتَ: من عذاب القبر؛ أي: مِن العذاب الذي يكون للإنسان بعد موته إلى قيام الساعة.
والبحثُ في عذابِ القبرِ من عِدَّةِ أوجُهٍ:
أولًا: هل عذابُ القبرِ ثابتٌ أو غيرُ ثابتٍ؟
الجواب: ثابتٌ بصريحِ السُّنَّةِ وظاهرِ القرآنِ وإجماعِ المسلمين؛ ثلاثة أدلَّة.
أمَّا صريحُ السُّنَّةِ فهذا الحديثُ وأمثالُه؛ قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» .
وأمَّا إجماعُ المسلمين فلأنَّ جميع المسلمين يقولون في صلاتهم: أعوذُ باللهِ من عذابِ جهنَّمَ، ومن عذابِ القبر. حتى العامَّة الذين ليسوا من أهل الإجماع ولا من العلماء.
وأمَّا ظاهرُ القرآنِ فمثلُ قول الله تعالى في آلِ فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: ٤٦]؛ قال: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا، ثم قال: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ، ولا شكَّ أن عَرْضهم على النارِ ليس من أجْلِ أن يتفرَّجوا عليها، بلْ من أجْلِ أن يُصيبهم من عذابها. هذه آية.
وقال تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ [الأنعام: ٩٣] الله أكبر! إنهم لَشَحيحونَ بأنفسهم ما يريدونَ أن تخرج؛ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمْ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَفقال: الْيَوْمَ، أيش اليوم؟ متى؟ (أل) هنا للعهدِ الحضوريِّ، الْيَوْمَيعني اليوم الحاضر اللِّي هو يوم وفاتِهم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام: ٩٣].
إذَنْ فعذابُ القبرِ ثابتٌ بماذا؟
طالب: بصريحِ السُّنةِ وظاهرِ القرآنِ وإجماعِ المسلمين.
الشيخ: نعم، طيب، هذا الظَّاهرُ من القرآنِ يكاد يكون كالصَّريح؛ لأن الآيتينِ اللتينِ ذكرناهما كالصَّريح في ذلك.
البحثُ الثاني في عذابِ القبر: هلْ هو على البدنِ، أو على الرُّوح، أو عليهما؟
الجواب: الأصلُ أنه على الرُّوح؛ لأنَّ الحكْم بعد الموت للرُّوح، والبدنُ جُثَّةٌ هامدةٌ، ولهذا لا يحتاج البدنُ إلى إمدادٍ لبقائه؛ فلا يأكلُ ولا يشربُ، بلْ تأكله الهوامُّ، والأصلُ أنَّه على الرُّوح.
لكنْ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنَّ الرُّوحَ قد تتَّصلُ بالبَدَنِ فتُعذَّب. واعتمدوا في ذلك على أنَّ هذا قد رُئِيَ حِسًّا في القبر؛ فقد فُتِحَتْ بعضُ القبور ورُئِيَ أثرُ العذابِ على الجسم، وفُتِحتْ بعضُ القبور ورُئِيَ أثرُ النَّعيمِ على الجسم.
وقد حدثني بعضُ النَّاسِ أنَّهم في هذا البلد هنا في عُنَيزة كانوا يَحفِرون للسورِ؛ سورِ البلدِ الخارجي، فمَرُّوا على قبرٍ فانفتح اللَّحْدُ، فوجدوا فيه ميتًا قد أكلتْ كَفَنَه الأرضُ وبقي جسمُه يابسًا؛ لكنْ لم تأكلْ منه شيئًا، حتى إنهم قالوا: إنهم رأوا لِحْيتَهُ وفيها الحنَّاءُ، وفاحَ عليهم رائحةٌ أطيبُ ما يكون من المسك، فتوقَّفوا، وجاؤوا إلى الشيخ -وكان ذلك الوقتَ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين- وسألوه فقال: دَعُوه على ما هو عليه وجنِّبوا عنه؛ احفِروا إمَّا يمين ولَّا يسار.
فبناءً على ذلك قال العلماء: إنَّ الرُّوح قد تتَّصل بالبدنِ فيكون العذابُ على هذا وهذا، وربما يُستأنسُ لذلك بالحديث الذي قال فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْقَبْرَ لَيُضَيَّقُ عَلَى الْكَافِرِ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ» ، فهذا يدلُّ على أن العذابَ يكون على الجسم، على البَدَن؛ لأن الأضلاع في الجسم.
***
(...) بس ثلاثة؟طلبة: (...).
الشيخ: اثنين؟
طالب: اثنان.
الشيخ: أظن فيه وجه ثالث.
فيه وجه ثالث؟
طالب: أوَّل شيءٍ قلنا: عذاب القبر ما هو، وقلنا: (...) الميت، قال تعالى..
الشيخ: ذَكَرْنا القبرَ ما هو، ذكرنا المراد بالقبر.
الطالب: وقلنا: (...) الميت، قال تعالى..
الشيخ: هذا ما يدخل في وجوب عذاب القبر، ما يدخل، لكنه نَعَمْ ينبغي أنْ نعرفه أنَّ القبر في الأصل هو مدفنُ الموتى، ويُطْلَق على البرزخ الذي بين موتِ الإنسان وقيامِ الساعة؛ لقوله تعالى: وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون: ١٠٠]، وهذا له فائدةٌ عظيمةٌ؛ فائدتُه لو أنَّ الإنسان احترق وذَرَتْه الرِّياحُ هلْ يَلْحقه من عذاب القبر شيءٌ أو لا؟ ونجعل هذا هو الثالث من وجوه البحث في عذاب القبر.
ذَكَرْنا أنه هلْ هو على الرُّوح أو على الجسم، وقُلْنا: إنَّ الأصل أنه على الروح؛ لأنه كما جاء في حديث المحتضَر إذا نزلتْ ملائكةُ العذابِ لقَبْضِ رُوحه تولَّتْه ملائكةُ العذاب فأخذوه وحنَّطوه بِحَنوطٍ معهم نزل من السماء -والعياذ بالله- حَنوطٌ من النار وكَفَنٌ من النار -نسألُ اللهَ العافيةَ- ومعلومٌ أنَّ الذي تُكفِّنه الملائكة ليس هو الجسم بلْ هو الروح، وهذا يدلُّ على أن الأصل أن العذابَ على الروحِ، لكنْ فيه ما يدلُّ من السُّنةِ على أن الجسم يناله من هذا العذاب؛ فإن الميت الكافر يُضَيَّقُ عليه القبر حتى تختلفَ أضلاعُه كما صحَّتْ بذلك السُّنةُ، وهذا يدلُّ على أن الجسم يناله من هذا العذاب.
الوجه الثالث: إذا لم يُدفن الميِّت؛ أكلتْهُ السِّباعُ، أو ذَرَتْهُ الرِّياحُ، أو سقط في اليَمِّ فأكلتْهُ الحيتانُ، فهلْ يكون عليه عذاب؟
الجواب: نعم، ويكون العذابُ على الروح؛ لأن الجسد قد زالَ وتَلِفَ وفَنِيَ، وإنْ كان هذا أمْرًا غيبيًّا أيضًا، لا أستطيعُ أنْ أجزِمَ بأنَّ البَدَن لا يناله من هذا العذاب ولو كان قد فَنِيَ واحترقَ؛ لأن الأمْر الأُخرويَّ لا يستطيع الإنسانُ أن يقيسه على الْمُشاهَدِ في الدُّنيا.
البحث الرابع: هلْ عذابُ القبرِ دائمٌ أو منقطعٌ؟
نقول: أمَّا إنْ كان الإنسانُ كافرًا -والعياذ بالله- فإنه لا طريقَ إلى وصولِ النعيمِ إليه أبدًا، ويكون عذابُهُ مستمِرًّا، وأمَّا إنْ كان عاصيًا وهو مؤمنٌ فإنه إذا عُذِّبَ في قَبْرِهِ يُعذَّبُ بقَدْرِ ذُنوبه، وربَّما يكون عذابُ ذنوبه أقلَّ من البرزخ الذي بين موته وقيام الساعة، وحينئذٍ يكون منقطعًا.
وهلْ يُخَفَّفُ بالنسبة للمؤمن العاصي؟
الجواب: نعم، قد يُخفَّفُ؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بقَبْرينِ فقال: «إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، بَلَى إِنَّهُ كَبِيرٌ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ -أو قال: لَا يَسْتَنْزِهُ- مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ». ثم أخَذَ جريدةً رطْبةً فشقَّها نصفينِ، فغَرَزَ في كُلِّ قبرٍ واحدةً وقال: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» . وهذا دليلٌ على أنه قد يُخفَّف العذابُ.
ولكنْ ما مناسبةُ هاتينِ الجريدتَيْنِ لتخفيفِ العذابِ عن هذينِ المعذَّبَيْنِ؟
قيل: لأنَّهما -أي الجريدتينِ- تُسَبِّحانِ ما لم تَيْبسا، والتسبيحُ يُخفِّف من العذاب على الميِّت، وفرَّعوا على هذه العِلَّةِ المستنبَطةِ التي قد تكونُ مُستبْعَدَةً، فرَّعوا عليها أنه يُسَنُّ للإنسانِ أن يذهب إلى القبورِ ويُسَبِّحَ عندها مِن أجْل أن يخفَّف عنها.
وقال بعضُ العلماء: هذا التعليلُ ضعيفٌ؛ لأنَّ الجريدتينِ تُسَبِّحانِ، سواءٌ كانَتَا رطْبتينِ أم يابستينِ؛ لقول الله تعالى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤]، إِنْ مِنْ شَيْءٍ. وسُمِعَ تسبيحُ الحصى بين يَدَيِ الرَّسولِ عليه الصلاة والسلام مع أنَّ الحصى يابسٌ.
إذَنْ ما العِلَّة؟
العِلَّة أنَّ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم تَرَجَّى مِن الله عز وجل أن يُخفِّف عنهما مِن العذاب ما دامت هاتانِ الجريدتانِ رطْبتينِ؛ يعني أن المدَّة ليست طويلة، الذي رجاه الرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك من أجْلِ التحذير عن فِعْلِهما؛ لأن فِعْلَهما كبيرٌ كما جاء في الرواية: «بَلَى إِنَّهُ كَبِيرٌ».
أحدُهما لا يَسْتبرِئُ من البول، وإذا لم يَسْتبرِئْ مِن البول صَلَّى بطهارة ولَّا بغير طهارة؟
الطلبة: بغير طهارة.
الشيخ: طيب، والثاني يمشي بالنميمة فيُفسِد عبادَ اللهِ -والعياذُ بالله- ويُلقِي بينهم العداوةَ والبغضاءَ، فالأمْرُ كبيرٌ، وهذا هو الأقربُ؛ الأقربُ أنها شفاعةٌ مُوَقَّتةٌ تحذيرًا للأُمَّةِ لا بُخْلًا مِن الرسول صلى الله عليه وسلم بالشفاعةِ الدائمةِ، ولكنْ تحذيرًا للأُمَّة.
نقول استطرادًا: بعض العلماء -عفا الله عنهم- قالوا: يُسَنُّ أن يضع الإنسانُ جريدةً رطْبَةً أو شجرةً أو نحوَها على القبرِ ليُخَفَّفَ عنه. لكن هذا الاستنباط بعيدٌ جدًّا ولا يجوز:
أولًا: أنَّنا لم يُكْشَف لنا أنَّ هذا الرَّجُل يُعَذَّب، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: بخلافِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام.
ثانيًا: أنَّنا إذا فَعَلْنا ذلك فقد أسأْنا إلى الميِّت؛ لأننا ظَنَنَّا به ظَنَّ سوءٍ أنه يُعذَّب، وما يُدرينا فلَعلَّهُ يُنَعَّمُ، لعلَّ هذا الميِّت مِمَّنْ مَنَّ اللهُ عليه بالمغفرةِ قبلَ موتِه لوجود سببٍ من أسباب المغفرة الكثيرة، فمات وقد عفا رَبُّ العبادِ عنه، وحينئذٍ لا يستحقُّ عذابًا.
ثالثًا: أنَّ هذا الاستنباط مخالفٌ لما كان عليه السلف الصالح الذين هم أعلمُ النَّاسِ مِنَّا بشريعة الله، من هم؟ الصحابة؛ ما فَعَلَ هذا أحدٌ من الصحابة رضي الله عنهم، فما بالُنا نحن نفعله؟!
رابعًا: أنَّ الله تعالى قد فتح لنا ما هو خير منه؛ فكان النبيُّ عليه الصلاة والسلام إذا فَرَغَ من دفن الميِّت وَقَفَ عليه وقال: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» .
البحث الخامس أو المبحث الخامس: هلْ عذابُ القبرِ من أُمُورِ الغيبِ أمْ من أمورِ الشَّهادة؟
الجواب أنَّه من أمور الغيب، وكمْ مِن إنسانٍ في هذه المقابر يُعذَّب ونحن لا نَشعُرُ به، وكمْ جارٍ له مُنَعَّمٌ مفتوحٌ له بابٌ إلى الجنةِ ونحن لا نَشْعُرُ به، ما تحتَ القبورِ لا يعلمه إلا علَّامُ الغيوب، فشأنُ عذاب القبر من أمور الغيب، ولولا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبَرَنا ما عَلِمْنا، ولهذا لمَّا دَخَلَت امرأةٌ يهوديَّةٌ إلى عائشةَ وأخبرتْها أنَّ الميِّتَ يُعذَّب في قبرِهِ فَزِعَتْ، حتى جاء النبيُّ عليه الصلاة والسلام وأخبَرَتْهُ، وأَقَرَّ ذلك عليه الصلاة والسلام .
ولكنْ قد يُطْلِع اللهُ تعالى عليه مَنْ شاء مِن عباده مِثْلما أطْلَعَ نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم على الرَّجُلينِ اللذينِ يُعذَّبانِ؛ أحدُهما يمشي بالنميمة، والآخرُ لا يستنزِهُ من البول.
والحكمةُ من جَعْلِهِ من أمورِ الغيبِ هي أنَّ الله سبحانه وتعالى أرحمُ الراحمينَ؛ لو كُنَّا نَطَّلِعُ على عذابِ القبورِ لَمِتْنا؛ لأنَّ الإنسان إذا اطَّلعَ على أنَّ أباهُ أو أخاهُ أو ابنهُ أو زوجهُ أو قريبهُ يُعذَّب في القبرِ ولا يستطيعُ فِكَاكَه، هلْ يَقْلق ولَّا يَنْعَم؟ يَقْلَقُ، ما فيه شَكٌّ، ولا يستريح، وهذه مِن نعمة الله سبحانه وتعالى أنَّ الله سَتَرَ علينا عذابَ القبور.
ثانيًا: أنَّه سَتَرَ على الميِّتِ أيضًا؛ لو كان هذا الميِّتُ في الدنيا قد سَتَرَ اللهُ عليه ولم نعلمْ عن ذنوبه بينه وبين ربِّه، واللهُ عزَّ وجلَّ يتولَّاهُ، ثم ماتَ وأطْلَعَنا اللهُ على عذابِهِ؛ صارَ في ذلك فضيحةٌ عظيمةٌ له، وصارَ كلُّ إنسانٍ يخافُ، وكلُّ إنسانٍ يمكن أن يُعَيَّر؛ يقال: أنت الآن في المسجد وغدًا في القبر مُعذَّب، شوف، فُلان في المسجد والآن يُعذَّب في قبره. ففيه ستْر مِن الله عز وجل رَحْمة بِمَن؟ بالميِّت.
ثالثًا: مِن الحكمة في ذلك أنَّه قد يَصعُب على الإنسان دَفْنُ ميِّته؛ كما يُروى عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام: «لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُرِيَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ» أو كلامٌ هذا معناه، ففيه أنَّ الدَّفْنَ ربما يَصعُب ويشقُّ ولا ينقادُ الناسُ لذلك، وإنْ كان الإنسانُ إذا كان له عذابُ قبرٍ عُذِّبَ ولو على سطح الأرض.
الرابع: أنَّه لو كان يُعلَم لم يكنْ للإيمانِ فيه مَزِيَّةٌ، لماذا؟ لأنه يكون مُشاهَدًا، وهو من أمور الغيب التي يُثْنَى على مَن آمنَ بها، ثم إنَّه قد يحمِلُ النَّاسَ على أنْ يؤمنوا كلهم؛ لقوله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [غافر: ٨٤]، فإذا رأى النَّاسُ هؤلاء المدفونينَ يسمعونهم يتصارخونَ آمنوا، ما كَفَرَ أحدٌ؛ لأنه الآنَ أيْقَنَ بالعذاب، فكأنَّه رآهُ رأْيَ العينِ كأنه نَزَلَ به، فلم يكنْ للإيمان فائدة.
وحِكَمُ الله سبحانه وتعالى عظيمةٌ، والإنسانُ المؤمنُ حقيقةً هو الذي يجزمُ بخبر الله أكثرَ مما يجزمُ بما شاهَدَهُ بعينه؛ لأنَّ خَبَرَ اللهِ عزَّ وجلَّ لا يتطرَّقُ إليه احتمالُ الوهم ولا الكذب، وما تراه بعينك يُمْكن أن تتوهَّمه؛ كمْ مِن إنسانٍ شَهِدَ أنَّه رأى الهلالَ وإذا هي نجمةٌ، كمْ مِن إنسانٍ شَهِدَ أنه رأى الهلالَ وإذا هي شعرةٌ بيضاءُ على حاجبه، هذا وَهْمٌ ولَّا حقيقة؟
الطلبة: وهم.
الشيخ: كم مِن إنسانٍ يرى شَبَحًا فيقول: هذا إنسانٌ مُقبِلٌ، يَلَّه يا جماعة، السلاحَ السلاحَ، أقْبَلَ العدوُّ. وإذا هو جِذْع نخلةٍ، ما فيه عدوٌّ ولا أقْبَلَ عليه أحدٌ، هذا واقع ولَّا غير واقع؟
الطلبة: واقع.
الشيخ: نعم، وكمْ من إنسانٍ يرى السَّاكنَ متحرِّكًا والمتحرِّكَ ساكنًا، لكنَّ خبَرَ اللهِ ما يتطرَّق إليه الاحتمالُ أبدًا، ولهذا -نسألُ الله أن يمنَّ علينا وعليكم بالثبات- المؤمنُ يرى خَبَرَ اللهِ أشدَّ مما يراه بعينه مِن قَبولِهِ والإيمانِ به، نسألُ اللهَ أن يُثبِّتَنا جميعًا، فخَبَرُ اللهِ بهذه الأمور نحن نقول: أشدُّ من المشاهَدةِ، مع ما في الستر من هذه المصالحِ العظيمةِ، فلذلك صارَ عذابُ القبرِ مستورًا -ولله الحمد- من أجْل هذه المصالحِ العظيمةِ للخَلْق.
قال: ومِن (فتنةِ المحيا والمماتِ) انتبهوا لهذا، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ على رسول الله، ما أنصَحَهُ للأُمَّةِ! يستعيذُ بالله من فتنةِ المحيا والممات.
فتنةُ المحيا والمماتِ تعني اختبار المرْءِ في دينه في حياتِهِ وفي مماتِهِ، وسيأتي -إنْ شاء الله- الاختبارُ في المماتِ هلْ هو سؤالُ الملَكينِ الميتَ أو فتنةٌ أُخرى في الحياة لكنها عند الموت.
فتنةُ الحياة يا إخواني عظيمةٌ وشديدةٌ، وقلَّ من يتخلَّص منها إلا مَنْ شاء الله خلاصَهُ، أسألُ اللهَ أن يجعلني وإيَّاكم مِمَّن يتخلَّص منها.
فتنةُ المحيا تدور على شيئينِ: شُبُهات، وشَهَوات؛ إما شُبُهات تَعرِض للإنسان فيلتبس عليه الحقُّ بالباطلِ فيَرى الباطلَ حقًّا والحقَّ باطلًا، وإذا رأى الحقَّ باطلًا تجنَّبه، وإذا رأى الباطلَ حقًّا فَعَلَهُ، وهذه فتنةٌ عظيمةٌ؛ ما أكثرَ الذين يَرَوْنَ الرِّبا حقًّا فينتهكون! ما أكثرَ الذين يَرَونَ غِشَّ النَّاسِ شطارةً وجَودةً في البيع والشراء فيغشُّون! هذه فتنة، ما أكثرَ الذي يرى النَّظَرَ إلى النساءِ تلذُّذًا وتمتُّعًا وحريَّةً فيُطْلق نفْسَه في النظر إلى النساء! بلْ ما أكثرَ الذي يشربُ الخمرَ ويراه لذَّةً وطربًا! وما أكثرَ الذين يَرَوْنَ آلات اللَّهو والمعازفَ فنًّا يُدرَسُ ويُعطى عليه شهادات ومراتب، كلُّ هذا من فتنةِ المحيا؛ إمَّا شُبْهةٌ تَعرِض للإنسان ولا يعرفُ الحقَّ من الباطلِ، وإمَّا شهوةٌ -والعياذُ بالله- وهي أشَدُّ، شهوة؛ يعرفُ الحقَّ ولكنْ لا يتَّبعه، ويعرفُ الباطلَ ولكنْ ينتهكُه ولا يُبالي به، هذه فتنةٌ عظيمةٌ ما أكثرَ مَن فُتِنَ بها، ولهذا يُشرَع للإنسانِ أنْ يستعيذ بالله من فتنةِ المحيا.
وأمَّا فتنةُ المماتِ فاختلفَ فيها العلماءُ على قولينِ:
منهم مَن قال: إنَّ فتنةَ المماتِ سؤالُ الملَكَينِ الميِّتَ في قَبْرِه عن ربِّهِ ودينِهِ، ونبيِّهِ؛ لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أو قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» ، يؤتَى الميِّتُ ويُسألُ: مَن ربُّكَ؟ ما دينُكَ؟ من نبيُّكَ؟ أمَّا مَنْ كان إيمانُهُ في الدنيا خالصًا -أسألُ اللهَ أنْ يجعلني وإيَّاكُمْ منهم- فهذا يَسْهل عليه الجواب؛ فإذا سألوا: مَنْ ربُّك؟ قال: ربِّي الله. مَنْ نبيُّك؟ قال: نبيِّي محمَّد. ما دينُك؟ قال: ديني الإسلام. بكلِّ صراحةٍ وبكلِّ سُهولة، وأمَّا غيره -والعياذُ بالله- فإذا سُئلَ قال: هاهْ هاهْ، لا أدري، سمعتُ الناسَ يقولون شيئًا فقُلْتُه . نعوذ بالله، ما دَخَلَ الإيمانُ قلْبَه.
وتأمَّلْ قولَه: هاهْ، هاهْ. كأنَّه كان يعلمُ شيئًا فنَسِيَهُ، وما أشَدَّ الحسرةَ في شيءٍ عَلِمْتَه ثم نسيتَه؛ لأن الجاهلَ لم يكسبْ شيئًا، لكن النَّاسي كَسَبَ الشيءَ فخَسِرَهُ، أمَّا الجاهل لم يكسبْ شيئًا، يهونُ عليه الأمْر، لكن هذا يقول: هاهْ، هاهْ. كأنَّه تفطَّنَ، فيُحال بينه وبين الجوابِ الصحيحِ والعياذُ بالله، والنهاية والنتيجة يقول: لا أدري مَنْ ربِّي، ما ديني، مَنْ نبيِّي، سمعتُ الناسَ يقولون شيئًا فقلتُه. لكن ما هناك إيمان، هذه فتنةٌ عظيمةٌ أسألُ اللهَ أنْ يُنَجِّيني وإيَّاكم منها، هذه الفتنة تدور في الحقيقةِ على ما في القلْب؛ إذا كان القلْبُ مؤمنًا حقيقةً يرى أمورَ الغيبِ رأْيَ العينِ فهذا يُجيب بكلِّ سُهولة، وإنْ كان الأمرُ بالعكسِ فالأمْر بالعكسِ، فهذه فتنةٌ عظيمةٌ قال بعضُ العلماءِ: إنها هي المرادةُ بقوله: مِن فتنةِ الممات.
وقيل: المراد بفتنة المماتِ ما يكون عند الموتِ في آخِرِ الحياةِ، ونصَّ عليها وإنْ كانتْ مِن فتنة الحياة لعِظَمِها وأهمِّيتها، كما نصَّ على فتنة الدجَّال مع أنها من فتنة المحيا، فهي فتنةُ مماتٍ؛ لأنها قُرْبُهُ، وخُصَّتْ بالذِّكْر لأنها أشَدُّ ما يكون وأعظمُ ما يكون؛ وذلك أنَّ الإنسانَ عند موتِهِ هي -كما يقال- ساعةُ الصِّفْر، ساعةُ الوداع، وداع حقولِ العمل، انتهى كلُّ شيءٍ الآنَ، في هذه اللحظة تصفيةٌ؛ إِمَّا سعادةٌ وإمَّا شقاوةٌ؛ «إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ» ، فالفتنةُ عظيمةٌ، وأشَدُّ ما يكونُ الشيطانُ حرصًا على إغواءِ بني آدمَ في تلك اللحظةِ، والمعصومُ مَنْ عَصَمَهُ اللهُ، يأتي إلى الإنسان في هذه الحالِ الحرِجَةِ التي لا يتصوَّرها إلا من وقع فيها، ما يتصورها الإنسانُ لشِدَّتها؛ كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [القيامة: ٢٦ - ٣٠]، حالةٌ حَرِجةٌ عظيمةٌ، الإنسانُ فيها ضعيفُ النَّفْسِ، ضعيفُ الإرادةِ، ضعيفُ القوَّةِ، ضيِّقُ الصَّدرِ، يأتيه الشيطانُ يغويه لأنَّ هذا وقتُ المغنم للشيطان، حتى إنَّه -كما قال أهل العلم- قد يَعرِضُ للإنسانِ الأديانَ اليهوديَّةَ والنصرانيَّةَ والإسلاميَّةَ بصورةِ أبَوَيْهِ يعرضانِ عليه الإسلامَ واليهوديَّةَ والنصرانيَّةَ، ويُشيرانِ عليه باليهوديَّةِ أو بالنصرانيَّةِ، أبواه يُمثِّلُهما الشيطانُ له، والشيطانُ يمكن يمثِّل أيَّ واحدٍ إلَّا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، ويش تَرَوْنَ في هذه الحالِ؟ فتنة ولَّا لا؟ فتنةٌ، أعظمُ الفِتَنِ؛ أمُّه وأبوه اللِّي هو يرى أنهما أنصح الناس له يقولان: صِرْ يهوديًّا ولَّا نصرانيًّا، ينسى الإسلامَ لأنه في ضيقٍ، في حَرَجٍ، لكن هذا -والحمد لله- لا يكون لكلِّ أحدٍ.
حتى لو كان الإنسانُ لا يتمكَّن الشيطانُ من أن يَصِلَ إلى هذه الدرجة معه، لكنْ مع ذلك يُخشى عليه منه؛ يقال: إنَّ الإمام أحمد وهو في سَكَراتِ الموتِ يُسمَع يقول: بَعد، بَعد، فلمَّا أفاق قيل له في ذلك فقال: إنَّ الشيطانَ كان يعضُّ أنامِلَهُ يقول: فُتَّني يا أحمد. الله أكبر! يعضُّ أناملَه ندمًا وحسْرةً؛ كيف ما أغوى الإمام أحمد! فيقول له: بَعد، بعدُ. ويش معنى: بَعد، بَعد؟ إلى الآن ما خرجت الرُّوح، ما دامت الرُّوح في البدن كلُّ شيءٍ واردٌ، كلُّ شيءٍ محتمَلٌ، ربَّنا لا تُزِغْ قلوبَنا بعد إذْ هَدَيْتَنا، ففي هذه الحال فتنةٌ عظيمةٌ جدًّا، ولهذا نصَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليها؛ قال: «مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» ؛ لأنها فتنةٌ عظيمةٌ، وعليها مدارُ السعادة والشقاوة.
***
الطالب: (...) (وعنْ يسارِهِ كذلك).الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سَبَقَ لنا أنَّ الإنسان في آخر التشهُّدِ الأخيرِ خاصَّةً يستعيذُ بالله من أربعٍ: من عذابِ جهنَّم، ومن عذابِ القبرِ، ومن فتنةِ المحيا والمماتِ، ومن فتنةِ المسيحِ الدجَّالِ، وآخر ما تكلَّمْنا عليه فتنة المحيا والممات، وذَكَرْنا أن فتنةَ المحيا تدور على شيئينِ: الشُّبهة والشهوة:
فالشُّبهةُ أن يلتبسَ الحقُّ على المرْءِ حتى لا يميز بين الحقِّ والباطلِ، وهذا دَوَاؤُهُ العلمُ.
والشهوةُ أن يكون الإنسانُ له إرادةٌ خلاف مرادِ الله سبحانه وتعالى، سواءٌ كانتْ في المالِ، أو في المساكنِ، أو في الثيابِ، أو المراكبِ، أو في النساءِ، أو في غير ذلك، المهمُّ أنها شهوةٌ؛ يعني أنْ يريدَ خلافَ ما يرضاه الله عز وجل، ودواءُ هذه خشيةُ اللهِ عزَّ وجلَّ وتقواه والإنابةُ إليه. فإذا وُقِيَ الإنسانُ الفِتْنتَينِ: فتنة الشهوة وفتنة الشُّبهة، حصلتْ له النجاةُ.
وذَكَرْنا فتنةَ المماتِ وأنَّ فيها تفسيرينِ: التفسيرُ الأوَّلُ: الفتنةُ التي تكون عند الموت، والثاني: التي تكون بعد الموت، وهي سؤال الملَكَينِ الإنسانَ عن ربِّهِ ودينِهِ ونبيِّهِ، ولا مانعَ من أن نقول بأنَّها تشملُ الأمْرينِ جميعًا، ويكونُ دخولُ الفتنةِ التي قبلَ الموتِ وعند الموتِ نُصَّ عليها؛ لأنَّها أعظمُ فتنةٍ تَرِدُ على الإنسان، وذَكَرْنا ما يُخشى منها من سوءِ الخاتمةِ -والعياذُ بالله- إذا لم يُجِرِ اللَّهُ العبدَ من هذه الفتنة.
أمَّا الملَكَانِ ففتنتُهما نبحثُ فيها من وُجوهٍ:
الوجه الأول: هلْ هذه الفتنةُ حقيقيَّةٌ؛ يعني هذا الاختبار حقيقيٌّ بمعنى أنَّ الإنسان يُجْلَسُ في قبرِهِ ويُناقَش، أو أنه خياليٌّ؟
نقول: هو حقيقيٌّ بلا شَكٍّ وأنَّ الإنسانَ في قبرِهِ يُجْلَسُ ويُناقَشُ ويُسأل.
فإنْ قال قائلٌ: إنَّ القبرَ محدودٌ ضيِّقٌ، كيف يُجلَس؟
فالجواب على هذا أنَّ الواجبَ على المؤمنِ في الأُمورِ الغيبيَّةِ أنْ يَقْبلَ ويُصدِّقَ ولا يَسألَ عمَّا وراءَ ذلك، بلْ يقول: سَمِعْنا وآمنَّا وصدَّقْنا وقَبِلْنَا، ولا يسأل: كيفَ؟ ولِمَ؟؛ لأنه لا يسألُ عن كيفَ ولِمَ إلَّا مَنْ شَكَّ، وأمَّا مَنْ آمنَ وانشرحَ صدرُهُ لأخبارِ الله ورسوله فيُسَلِّمُ على طول ويقول: اللهُ أعلمُ بكيفيَّةِ ذلك.
ثانيًا نقول: تَعَلُّقُ الرُّوحِ بالبَدَن بعد الموت ليس كتعلُّقِها به في حال الحياة، بلْ إنَّ تَعَلُّقَ الرُّوحِ بالبَدَنِ في حالِ النومِ ليس كتَعَلُّقِها به في حالِ اليقظة؛ فللرُّوحِ مع البَدَن شؤونٌ عظيمةٌ ما يُدْرِكُها الإنسانُ، تَعَلُّقُها بالبَدَنِ بعد الموتِ لا يُمْكن أنْ يُقاس بتَعَلُّقها به في حال الحياة، وها هو الإنسانُ في منامِهِ يرى أنه ذَهَبَ وجاءَ وسافرَ وكَلَّمَ أُناسًا والْتَقَى بأُناسٍ أحياءٍ وأمواتٍ، ويرى أنَّ له بُسْتانًا جميلًا أوْ دارًا مُوحِشةً مُظْلِمةً، ويرى أنه راكبٌ على سيَّارةٍ مُريحةٍ، ويرى مرَّةً أنه صَدَمَ ومرَّةً أنه صُدِم، كلُّ هذا يمكن مع أنَّ الإنسانَ على فِراشِهِ ما تَغيَّرَ، حتى الغطاء الذي عليه لم يتغيَّرْ، وهو رايح وجاي ويركب ويُكلِّم، ومع ذلك هو في مكانه، وهذا أمْرٌ يكون حقًّا إذا كانتْ رؤيا صالحةً، حتى إنَّه حدثني بعضُ الناسِ أنَّه إذا رأى الرُّؤيا جاءتْ في اليقظةِ تمامًا، ما هي ضَرْب مَثَل، تأتي كما رأى، ولذلك يقول: أنا أتوحَّش دائمًا مما أرى، وأُحِبُّ ألَّا أرى شيئًا أو أنْ يُنسيني اللهُ إيَّاهُ؛ لأنَّه يقول: يجيء كما شاهَدَ في المنام، ومع ذلك فإننا نحسُّ بهذا إحساسًا ظاهرًا.
فتَعَلُّقُ الرُّوحِ بالبَدَنِ بعد الموتِ يُخالِف تَعَلُّقَها به في اليقظةِ أو في المنامِ، ولها شأنٌ آخرُ ما نُدرِكُه نحن، فالإنسانُ يُمْكن أنْ يُجْلَسَ في قَبْرِهِ ويُساءل ولو كان القَبْرُ محدودًا ضيِّقًا، إذَن الفتنةُ حقيقةٌ؛ يُسأَلُ المرْءُ عن ثلاثة أشياء: عن ربِّه، ودينه، ونبيِّه.
وسَبَقَ لنا ذِكْرُ كيفيَّةِ الجوابِ مِن المسؤولِ وأنَّ المؤمنَ يقول: ربِّي اللهُ، وديني الإسلامُ، ونبيِّي محمَّدٌ. وأمَّا الكافرُ أو المرتابُ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، سمعتُ النَّاسَ يقولون شيئًا فقلتُه.
***
أمَّا الرابعةُ قال: ومِنْ (فِتْنةِ المسيحِ الدجَّالِ).(المسيح) فَعِيلٌ بمعنى مفعولٍ مِن المسْحِ؛ لأنه كان يمسحُ الأرضَ لسُرعةِ سيرِهِ فيها، أو لأنه كان ممسوحَ العينِ؛ لأنه أعورُ العينِ اليُمنى، كأنَّ عينَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ أو عِنَبَةٌ طَافِئَةٌ، إمَّا (طافيةٌ) أو (طافئةٌ)، إن كانت (طافئة) فهي خابِيةٌ؛ يعني: كأنها غائرةٌ، وإن كانت هي (طافية) بالياء فهي كالعِنَبةِ الطافيةِ فوق الماءِ؛ أي إنها ناتئة.
على كُلِّ حالٍ هذا المسيحُ الدجَّال فِتنتُه مِنْ فتنةِ الدُّنيا؛ لأنه لا يَفتِنُ إلَّا الأحياءَ، الأمواتُ قد سَلِموا منه.
فإنْ قال إنسانٌ: إذا كان مِنْ فتنةِ الدُّنيا أو مِن فتنةِ المحيا، فلماذا ذُكِرَ وحده؟
والجوابُ على هذا سهلٌ؛ لأنَّ أعظمَ فتنةٍ على وَجْهِ الأرضِ منذُ خُلِقَ آدمُ إلى قيامِ الساعةِ فتنةُ الدجَّال كما قال ذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ولهذا ما مِنْ نبيٍّ مِنْ نوحٍ إلى محمَّدٍ -صلواتُ الله عليهم وسلامُه- إلَّا أنذره قومَه تنويهًا بشأنِهِ وتعظيمًا له وتحذيرًا منه، وإلَّا فإنَّ الله يعلم أنه لنْ يخرجَ إلَّا في آخِرِ الزمانِ، لكنْ أُمِرَ الرسلُ أن يُنذِروا قومَهم إيَّاهُ من أجْلِ أنْ يتبيَّن عِظَمُه وفداحتُه، وقد صحَّ ذلك عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام وقال: «إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ» صلواتُ الله وسلامُه عليه، يعني: أكفيكم إيَّاهُ. «وَإِلَّا فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» ، نِعْمَ الخليفةُ.
فهذا الدجَّالُ شأنُهُ عظيمٌ مِن أعظمِ بلْ هو أعظمُ فتنةٍ كما جاء في الحديث منذُ خُلِقَ آدمُ إلى أن تقومَ الساعةُ، فكانَ حَرِيًّا بأنْ يُخَصَّ مِن بينِ فِتَنِ المحيا.
ومِنْ (فتنةِ المسيحِ الدجَّالِ).
وأمَّا (الدجَّالُ) فالدجالُ مأخوذٌ من الدَّجَل، وهو التمويهُ؛ لأنَّ هذا مُمَوِّهٌ وأعظمُ مُمَوِّهٍ وأشدُّ الناسِ دَجَلًا كما سيأتي -إن شاء الله- من البحث فيه.
البحث فيه من أمور:
أولًا: هذا المسيحُ الدجَّالُ هو من علاماتِ الساعةِ، هذا باعتبارِ زمنِهِ، ولكنَّه غيرُ مُحدَّدٍ، لا نَعْلمه؛ لأنَّه لا يَعلمُ متى تكون الساعةُ إلَّا الله، فكذلك أشراطُها ما نَعْلم منها إلَّا ما ظَهَرَ، فوقْتُ خروجِهِ غيرُ معلومٍ لنا، لكنَّنا نعلمُ أنه مِن أشراطِ الساعة.
أمَّا مكانُهُ فإنَّه يخرجُ من المشرقِ جِهَة الفِتَنِ والشَّرِّ كما قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «الْفِتْنَةُ هَاهُنَا. وَأَشَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ» ، فالمشرقُ مَنْبعُ الشَّرِّ والفِتَنِ، يخرجُ من المشرقِ من خُراسانَ مارًّا بأصفهانَ، داخلًا للجزيرةِ من بينِ الشامِ والعراقِ، ليس له هَمٌّ إلَّا المدينة، أكبرُ هَمِّهِ المدينةُ؛ لأنَّ فيها البشيرُ النذيرُ عليه الصلاة والسلام، فيُحِبُّ أنْ يقضي على أهل المدينةِ، ولكنَّها ممنوعةٌ منه مُحرَّمةٌ عليه كما ثَبَتَ عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام؛ على كلِّ بابٍ منها ملائكةٌ يحفظونها ، هذا الرجُل يَخْرجُ خَلَّةً بين الشامِ والعراقِ، ويَتْبعُهُ من يهودِ أصفهانَ سبعونَ ألفًا؛ يهود أصفهان اللِّي في إيران الآن، سبعونَ ألفًا يتْبعونه لأنهم جنودُه، هم اليهودُ مِن أخبثِ عباد الله، وهو أضلُّ عباد الله، فيَتْبعونه ويُؤْوُونه وينصرونه، ويكونونَ مَسَالِحَ له -أي: جنودًا مُجَنَّدينَ- هُمْ وغيرُهم مِمَّن يتبعه، قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «يَا عِبَادَ اللَّهِ فَاثْبُتُوا، يَا عِبَادَ اللَّهِ فَاثْبُتُوا» . يُثَبِّتُنا عليه الصلاة والسلام لأنَّ الأمْرَ خطيرٌ.
وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ» فَلْيبعدْ «فَإِنَّ الرَّجُلَ يَأْتِيهِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يَتَّبِعَهُ بِمَا يُلْقِي مِنَ الشُّبُهَاتِ» ؛ يأتيهِ الإنسانُ يقول: أنا أبَدًا هذا لَنْ يُضِلَّني ولنْ أتأثَّر به، ولكنْ لا يزالُ يُلْقِي فيه مِن الشُّبُهاتِ حتى يتَّبعهُ والعياذُ بالله.
فإذَن البحثُ فيه من وجوهٍ: أولًا: زمنُ خروجهِ لا يُعلَم، لكنه من أشراطِ الساعة، أمَّا مكانُه فمِن المشْرقِ، وأمَّا اتجاهُهُ فإلى المدينةِ، أكبرُ هَمٍّ له أنْ يصِلَ إلى المدينة ولكنَّ الله يحميها منه ولله الحمد، وأمَّا دَعْوته فقدْ ذُكِر أنه أولَ ما يخرجُ يدعو إلى الإسلام ويقول: إنه مسلمٌ، ويُنافِحُ عن الإسلام، ثم بعد ذلك يَدَّعي النُّبُوَّةَ وأنه نبيٌّ، ثم بعد ذلك يَدَّعي أنه إِلَهٌ، أعوذُ بالله، فهذه دَعْواه، نهايتُها بدايةُ فرعون؛ وهي ادِّعاءُ الربوبيَّةِ وأنه الربُّ.
ولكنْ مِن حِكْمة الله عز وجل أنَّ الله سبحانه وتعالى يُعطيه آياتٍ فيها الفِتَنُ العظيمةُ؛ فإنه يأتي إلى القومِ يدْعوهم فيتَّبعونه، فيُصبحونَ وقد نَبَتَتْ أراضيهم وشبعتْ مواشيهم، فتعودُ إليهم أَوْفَرَ ما تكونُ لبنًا وأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا؛ يعني أنهم يعيشون برَغَدٍ لأنهم اتَّبعوه، ويأتي القومَ فيدْعوهم فلا يتَّبعونه، فيُصبحونَ مُمْحِلينَ ما في أراضيهم شيءٌ، وهذه فتنةٌ عظيمةٌ لا سِيَّمَا في الأعراب، الأعرابيُّ يفتتنُ بهذا افتتانًا عظيمًا.
ويَمُرُّ بالخربةِ فيقول: أخْرِجِي كُنُوزَكِ. أمْرٌ؛ أخْرِجِي كُنُوزَكِ. فتَخرجُ كُنُوزُها تَتْبَعُهُ كيعاسيبِ النَّحلِ، تَتْبعُهُ مِنْ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وغيرِها بدونِ آلاتٍ وبدونِ شيءٍ، فتنةٌ مِن الله عز وجل، فالفتنةُ عظيمةٌ جدًّا، هذه معاملتُه لأهلِ الدنيا، اللِّي يتمتَّع بالدنيا أو يَبأس فيها.
أمَّا المآلُ فإنَّ الله تعالى جعلَ معه جنةً ونارًا بحسبِ رُؤْيا العينِ، لكنْ جَنَّتُهُ نارٌ، ونارُهُ جنَّةٌ، مَنْ أطاعهُ أدخله هذه الجنَّةَ فيما يرى الناسُ ولكنَّها نارٌ مُحرِقةٌ والعياذُ بالله، ومَنْ عصاهُ أدخله النارَ فيما يراه الناسُ ولكنَّها جنَّةٌ وماءٌ عَذْبٌ طَيِّبٌ.
إذَنْ يحتاج الأمرُ إلى تثبيتٍ من الله عز وجل، إنْ لم يُثَبِّتِ اللهُ المرءَ هَلَكَ وضَلَّ، فيحتاج إلى أنْ يُثَبِّتَ اللهُ المرْءَ على دِينِهِ ثباتًا قويًّا تامًّا.
يَخرُجُ إليه رجُلٌ من الناسِ شابٌّ فيقول له: أنتَ الدجَّالُ الذي ذَكَرَ لنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. يقول ذلك، فيدْعوهُ فيأْبَى أنْ يَتَّبعه.





