أنه يقنت كلما أوتر؛ لأنه جعل القنوت من صفة الوتر اللازمة.
قال: (يقنت
فيها بعد الركوع).
ولكن من تدبر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل
التي شهدها جماعة من الصحابة، تبين له أنه كان لا يقنت؛ لأنهم لا يذكرون القنوت مع
أن الحاجة داعية إلى ذكره، وذكروا ما هو أدنى منه، فدل هذا على أن الرسول صلى الله
عليه وسلم لم يكن يقنت في الوتر، ولهذا لم يصح عنه أنه قنت في الوتر، لكن روي
أحاديث قد تصل إلى درجة الحسن، وقد تنقص عنه، إلا أنه أخرج أهل السنن من حديث الحسن
بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه دعاء يدعو به في قنوت الوتر ،
وهذا يقتضي أن للوتر قنوتًا، ولكن ليس بالسنة الدائمة التي يحافظ عليها كلما قنت؛
لأن السنة الدائمة لا يمكن أن يدعها الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنها من السنن
التي تفعل، وإذا فعلها الإنسان فإنه يدعو بالدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه
وسلم الحسن.
أيضًا قال المؤلف: (بعد الركوع) فهل هذا المكان هو المتعين
أو يجوز أن يقنت قبل ذلك؟ ظاهر كلام المؤلف أنه لا يشرع القنوت قبل الركوع، ولكن
المشهور من المذهب أنه يجوز القنوت قبل الركوع وبعد القراءة؛ فإذا انتهى من قراءته
قنت، ثم ركع؛ لأنه ورد ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام .
وعليه:
فيكون موضع القنوت من السنن المتنوعة؛ التي يفعلها أحيانًا هكذا، وأحيانًا
هكذا.
وقول المؤلف: (اللهم اهدني فيمن هديت) سبقت الإشارة إليه، وقلنا:
إنه يقول هذا إذا كان منفردًا، أما الإمام فيقول: اللهم اهدنا؛ لأنه يدعو لنفسه
ولغيره.
وسبق لنا أن قوله: (اللهم اهدني فيمن هديت) يعني: في جملتهم،
وهذا نوع من التوسل، كأنه يقول: كما هديت غيري فاهدني فيهم.
(وعافني فيمن
عافيت) كذلك نقول فيها ما قلنا في (اللهم اهدني فيمن هديت).
وسبق لنا
أن المعافاة تكون من أمراض القلوب وأمراض الأبدان، وقال بعضهم: المعافاة أن يعافيك
الله من الناس ويعافي الناس منك، وهذا معنى طريف أن يعافيك الله من الناس ويعافي
الناس منك، يعافيك الله من الناس فيكفّ ألسنتهم عن الخوض فيك، ويعافي الناس منك يكف
لسانك عن الخوض فيهم، وهذا لا شك أنه من العافية، إذا عافاك الله من الناس وعافى
الناس منك فلا شك أنه من العافية، لكنه يعود على ما شرحنا بالأمس، عافية البدن أو
عافية القلب؟ عافية القلب هذا في معافاة الناس منك، معافاة من الناس أقرب ما لها أن
تكون للبدن.
قال: (وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت) هل هي من
الولاية أو من الوِلَى؛ يعني: أن يليك، أو منهما جميعًا؟
منهما جميعًا؛ يعني:
تولني فيمن توليت اجعلني قريبًا منك، كما يقال: ولي فلان فلانًا، وقال النبي عليه
الصلاة والسلام: «لِيَلِيَنِي مِنْكُمْ أَولُو الْأَحْلَامِ
وَالنُّهَى» ؛ يعني: من
الولاية، وهي القرب.
أو (تولني فيمن توليت) يعني: اعتن بي، وكن لي
وليًّا، ناصرًا لي، معينًا لي في أموري، أيهما؟ نقول: يشمل الأمرين، وإن كان
المتبادر إلى الذهن أنه من الموالاة وهي النصرة.
ونقول: فيها اجعلني لك وليًّا،
وليًّا بالولاية العامة أو الخاصة؟ بالولاية الخاصة؛ لأن الولاية العامة شاملة لكل
أحد مؤمن وكافر، بر وفاجر، كل أحد فالله تعالى مولاه، قال الله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام: ٦١، ٦٢]،
فقال: رُدُّوا إِلَى اللَّهِيشمل كل من مات من مؤمن
وكافر، وبر وفاجر، وهذه ولايته العامة؛ لأن الله يتولى شؤون جميع الخلق.
أما
الولاية الخاصة فهي المذكورة في قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ٢٥٧]، وفي قوله: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس: ٦٢، ٦٣]، والسائل الذي قال:
(تولني فيمن توليت) يريد الولاية الخاصة.
(وبارك لي فيما أعطيت)
أي: أنزل البركة لي فيما أعطيت، من المال من العلم من الجاه، من الولد، من كل ما
أعطيتني وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣]، إذن: بارك لي في جميع ما أنعمت به عليَّ، وإذا أنزل الله البركة لشخص
فيما أعطاه صار القليل منه كثيرًا، وإذا نُزعت البركة صار الكثير قليلًا، كم من
إنسان يجعل الله على يديه من الخير في أيام قليلة ما لا يجعل على يد غيره في أيام
كثيرة؟ وكم من إنسان يكون المال عنده قليلًا لكنه متنعم في بيته، قد بارك الله له
في ماله، ولا تكون البركة عند شخص آخر أكثر منه مالًا؟ أحيانًا تحس بأن الله بارك
لك في هذا الشيء بحيث يبقى ويبطئ عندك، حتى تقول: كيف ما قضى إلى الحين؟ ربما تمل
تقول: عسى الله يخلصه، من بركته.
ومن أسباب البركة في الطعام: ألا تقتر وتكيل؛
لأن الرسول قال: «لَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ
عَلَيْكَ» ،
فإذا قترت وكلت نُزعت البركة، ولهذا تقول عائشة أم المؤمنين: كان عندها شيء من الشعير قد بارك الله لها فيه، تأخذ منه، وكأنه لا
ينقص، تقول: فكلته ذات يوم -أشوف أيش اللي بقى منه- ففني بسرعة .
إذن
(بارك لي فيما أعطيت) يشمل البركة في المال، البركة في العلم، البركة في
الجاه، البركة في الأولاد، كل شيء حتى في الزوجات وغيرها، إذا أنزل الله البركة
للإنسان فهذا من نعمة الله عليه.
(وقني شر ما قضيت) (ما) اسم موصول ولّا
مصدرية؟
طالب: اسم موصول.
الشيخ: اسم موصول؛ يعني: قني شر الذي قضيت؛ لأن الذي يقيه الله
منه ما هو خير ومنه ما هو شر، فالمرض من قضاء الله، شر ولّا خير؟
طلبة: شر.
الشيخ: شر بذاته، لكن قد
يكون يوصل إلى خير، إذا وفق الإنسان وصبر على هذا المرض صار خيرًا له، لكن هو في حد
ذاته شر.
المصائب التي تصيب الإنسان في بدنه، في ماله، في أهله، كلها شر، لكن قد
تكون خيرًا باعتبارٍ آخر، إنما هي من قضاء الله ولّا من غير قضاء الله؟ من قضاء
الله، نفسك من الله، ولها شر ولّا ما لها شر؟ لها شر، اللَّهُمَّ قِنِي شَرَّ
نَفْسِي.
إذن: (قنا شر ما قضيت) أي: شر الذي قضيته.
لو قال قائل:
(شر ما قضيت) أجعل (ما) مصدرية، وأقول: شر قضائك. قلنا: هذا لا يصح إلا إذا
أردت بالقضاء المقضي، أما أن يكون قضاء الله نفسه؛ فإن قضاء الله ليس بشر، لقول
النبي صلى الله عليه وسلم: «وَالشَّرُّ لَيْسَ
إِلَيْكَ»، قال: «الْخَيْرُ بِيَدَيْكَ وَالشَّرُّ
لَيْسَ إِلَيْكَ» .
ولهذا لا
يجوز أن تقول: بيدك الخير والشر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عدل عن قوله بيدك
الخير والشر، إلى قوله: «وَالشَّرُّ لَيْسَ
إِلَيْكَ».
فإن قال قائل: ألستم تقولون: إن من الإيمانِ الإيمانَ بالقدر
خيره وشره؟
نقول: نعم، نقول: هذا ولا بد، ولكن لنا على هذا جوابان: الجواب
الأول: أن المراد بالقدر المقدور، والمقدور فيه الشر ولَّا لا؟ فيه الشر، فالشر
باعتبار المفعول لا باعتبار الفعل.
الوجه الثاني أن نقول: إنه شر باعتبار الفعل،
لكن هذا الشر يترتب عليه خير كثير، هو شر من قضاء الله، لكن فيه خير كثير، مراد به
خير كثير، الفساد في البر والبحر شر، لكن خير لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: ٤١]، ألست أنت
تأتي بولدك الذي هو أحب الناس إليك، ولدك ريحانة، أحب الناس إليك، وهو مريض، وتأتي
بالحديدة تحميها على النار حتى تتلهب وتكويه بها حتى يصرخ ويتألم، هذا شر ولّا ما
هو بشر؟ شر لكن ثمرته خير، كذلك أفعال الله عز وجل هي شر باعتبار ذاتها، أما
باعتبار ما أراد الله بها من الخير فهي خير.
فالشر إذن أمر نسبي، أما حقيقة فعل
الله فإنه ليس بشر إطلاقًا، حتى لو وقع من الله عز وجل ما يسمى شرًّا فهو خير
باعتبار آثاره الحميدة.
وقوله: (ما قضيت) أي شرعًا أو قدرًا؟
طلبة: قدرًا.
طلبة آخرون:
شرعًا.
الشيخ: لا قدرًا، شرع؟ مال الشرع، كل ما قضاه
الله شرعًا فهو خير سواء كان أمرًا أم نهيًا، إذن المراد بالقضاء هناك القضاء
القدري دون الشرعي؛ لأن الشرع كله خير.
القضاء القدري موجود في القرآن مثل قوله
تعالى: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ [الإسراء: ٤] هذا قضاء قدري ولّا
شرعي؟
طلبة: قدري.
الشيخ:
لماذا؟ لأن الله لا يقضي شرعًا بالفساد بل لا يحب الفساد.
القضاء الشرعي مثل
قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء: ٢٣]، هذا قضاء شرعي؛ لأنه لو كان
قضاء كونيًّا للزم أن يعبد الناس كلهم الله؛ لأن القضاء الكوني لا يتخلف
أبدًا.
إذن فالقضاء في قوله تعالى: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّقضاء كوني قدري.
وفي قوله:
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُقضاء شرعي.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، لو قلنا إنه قد
يكون بالفعل، قوله: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»؛
يعني: الشر المحض.
الشيخ: الشر المحض، نعم.
***
(...) لنا قول المؤلف رحمه الله تعالى في الوتر: (ويقنت فيها بعد الركوع) يقنت في الركعة الثالثة بعد الركوع هذا هو الأكثر، وإن قنت قبله فلا بأس، إذا أتم القراءة قنت ثم كبر وركع، فهذا جائز أيضًا.وقول المؤلف: (يقنت فيها) أفادنا -رحمه الله- أن القنوت سنة في الوتر، وإلى هذا ذهب أصحاب الإمام أحمد، وقالوا: إنه يسن أن يقنت في الوتر في كل ليلة، وقال بعض أهل العلم: لا يقنت إلا في رمضان، وقال آخرون: يقنت في رمضان في آخره.
ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث صحيح في القنوت في الوتر، لكن فيه حديث أخرجه ابن ماجه بسند ضعيف، ولكن حسنه بعضهم لشواهده؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الوتر .
أما الإمام أحمد فقال: إنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت في الوتر قبل الركوع ولا بعده شيء، لكن صح عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقنت من السنة إلى السنة .
والمتأمل لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الليل يرى أنه لا يقنت في الوتر، إنما يصلي ركعة يوتر بها ما صلى وينتهي ، وهذا هو الأحسن؛ ألّا تداوم على قنوت الوتر؛ لأن ذلك لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه عَلَّم الحسن بن علي رضي الله عنه دعاء يدعو به في قنوت الوتر ، وهذا يدل على أنه سنة، لكن ليس من فعله، بل من قوله.
على أن بعض أهل العلم أعل حديث الحسن بعلة، وهي: أن الحسن حين مات الرسول صلى الله عليه وسلم كان له ثماني سنوات، ولكن هذه العلة ليست بقادحة؛ لأن من له ثماني سنوات يمكن أن يُعلم ويتلقن ويحفظ، فها هو عمرو بن سلمه الجرمي رضي الله عنه كان يؤم قومه، وله سبع أو ست سنين ؛ يؤم قبيلة وله ست أو سبع سنين يكون إمامًا لهم؛ لأنه كان أقرأهم.
قال المؤلف: (فيقول: اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت) وسبق الكلام عليهم.
(وتولني فيمن توليت) يعني: أسبغ عليَّ ولايتك فيمن توليت.
والولاية: هنا يراد بها الولاية الخاصة؛ دون الولاية العامة؛ لأن ولاية الله للخلق تنقسم إلى قسمين: ولاية عامة، وولاية خاصة.
فالعامة: هي ولاية الملك والتدبير، وهذه شاملة لجميع الخلق، كل الخلق، فوليهم الذي يدبرهم من؟
طالب: الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: الله، كما قال تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام: ٦٢].
أما الولاية الخاصة: فهي ولاية تقتضي العناية، وهي الولاية التي استحقها من قال الله فيهم: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس: ٦٢، ٦٣]، هؤلاء هم أهل الولاية الخاصة الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، فجمعوا بين الولاية والتقوى، ولهذا نقول: من كان مؤمنًا تقيا كان لله وليًّا.
والمراد بقوله: (تولني فيمن توليت) المراد بذلك أي الولايتين؟
طلبة: الخاصة.
الشيخ: الخاصة؛ لأن الأولى ثابتة سواء طلبتها أم لم تطلب، وليك الله شئت أم أبيت، لكن الولاية الخاصة هي التي تطلب.
وقوله: (فيمن توليت) أي: في جملتهم، في جملة من توليت، وهذه كما أسلفنا يقصد بها التوسل إلى الله عز وجل بولايته لغيرك أن يتولاك، كما أن فيها الثناء على الله من جهة أخرى أنه قد مَّن على كثيرٍ من عباده بالولاية.
قال: (وقنا شر ما قضيت) هذا وقفنا عليه وقلنا إن ما قضاه الله عز وجل قد يكون خيرًا وقد يكون شرًا فما هو الخير وما هو الشر؟ ما كان يلائم الإنسان وفطرته فإن ذلك خير، وما كان لا يلائمه فذلك شر، فالصحة والقوة والعلم والمال والولد الصالح وما أشبه ذلك هذا خير، والمرض والجهل والضعف والولد الطالح وما أشبه ذلك هذا شر؛ لأنه لا يلائم الإنسان، فما لاءم الإنسان وطبيعته فهو خير، وما نافر الإنسان وطبيعته فهو شر.
وقوله: (قني شر ما قضيت) (ما) هنا بمعنى الذي، أي: الذي قضيته، ويجوز أن تكون مصدرية؛ أي: شر قضائك.
والمراد: قضاؤه الذي هو مَقْضِيُّه؛ لأن قضاء الله الذي هو فعله، وإن كان شرًّا لكنه في الحقيقة خير؛ لأنه لا يراد إلا لحكمة عظيمة، فالمرض مثلًا قد لا يعرف الإنسان قدر نعمة الله عليه بالصحة إلا إذا مرض، وقد يُحدث له المرض توبة ورجوعًا إلى الله، ومعرفة لقدر نفسه، وأنه ضعيف، وأنه محتاج إلى الله عز وجل، بخلاف ما لو بقي الإنسان صحيحًا معافى، فإنه قد ينسى قدر هذه النعمة، ويفتخر كما قال الله تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ [هود: ٩، ١٠]؛ يعني: إذا أصابته النعمة فرح وفخر بها والعكس بالعكس، فالحاصل: أن قضاء الله عز وجل وإن كان يكون فيه شر فإنه خير من وجه آخر.
يقول: (قني شر ما قضيت)، فإن قال قائل: كيف نجمع بين قوله: (قني شر ما قضيت) وقوله صلى الله عليه وسلم: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» ؟
فالجواب عن ذلك: أن نقول: إن الشر لا ينسب إليه؛ لأن ما قضاه وإن كان شرًا فهو خير، بخلاف غيره، فإن غير الله ربما يقضي بالشر لشر محض، ربما يعتدي عليك إنسان، على مالك، على بدنك، على أهلك، لقصد الشر والإضرار بك، لا لقصد مصلحتك، وحينئذٍ يكون فعله شرًا محضًا.
وفي قوله: (ما قضيت) إثبات القضاء لله، وقد بينا أن قضاء الله: شرعي، وقدري.
فالشرعي: مثل قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣]، والقدري: مثل قوله تعالى: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا.
فالأول: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُشرعي، والثاني: قدري، والفرق بينهما من وجهين:
الوجه الأول: أن القضاء الكوني لا بد من وقوعه، وأما القضاء الشرعي فقد يقع من المقضي عليه وقد لا يقع.
والثاني: أن القضاء الشرعي لا يكون إلا فيما أحب، سواء أحب فعله أو أحب تركه، وأما القضاء الكوني فيكون فيما أحب وفيما لم يحب.
قال: (إنك تقضي ولا يقضى عليك)، نعم الله تعالى يقضي بما أراد، ولا يُقضى عليه، لا أحد يقضي على الله ويحكم عليه، قال الله تعالى: وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ [غافر: ٢٠] أبدًا لا حق ولا غير حق؛ لأنها جمادات، إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [غافر: ٢٠].
فإن قال قائل: (ولا يقضى عليك) أليس الله تعالى قد كتب على نفسه الرحمة؟
طلبة: بلى.
الشيخ: بلى، ولكن كتابته على نفسه الرحمة ليست قضاء عليه، بل هو الذي قضى بها على نفسه، إذن: فهو قاضٍ، هو القاضي ليس العباد هم الذين قضوا بها على الله، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله:
| مَـــا لِلْعِبَـــادِ عَلَـيْهِ حَــــــقٌّ وَاجِبٌ | هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيم الشَّانِ |
| كَـــــلَّا وَلَا عَـــمَلٌ لَـــدَيْهِ ضَـائِـــعٌ | إِنْ كَانَ بِالْإِخْــلَاصِ وَالْإِحْـسَانِ |
(إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت)، (إنه لا يذل من واليت) أي ولاية خاصة، (ولا يعز من عاديت) أي: لا يغلب من عاديته، هذا هو الوقع؛ لأن من والاه الله فهو منصور، كما قال الله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١]، وقال الله تعالى: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [الحج: ٤٠، ٤١]، وأما من عاداه الله فهو ذليل؛ لأن الله إذا نصر أولياءه فعلى من؟ على أعدائه.
إذن فالعز للأولياء، والذل للأعداء.
فإن قال قائل: هل هذا على عمومه؛ لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت؟
نقول: ليس على عمومه، فإن الذل قد يعرض لبعض المؤمنين، والعز قد يعرض لبعض المشركين، ولكنه ليس على سبيل الإدالة المطلقة الدائمة المستمرة، فالذي وقع في أُحُد للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا شك أن فيه اعتزاز المشركين، ولهذا افتخروا به، فقالوا: يوم بيوم بدر، والحرب سجال ، افتخروا، ولا شك أنه أصاب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الجراح والضعف ما لم يسبق من قبل، ولكن هذا شيء عارض ليس عزًّا دائمًا مطردًا للمشركين، وليس ذلًّا للمؤمنين على وجه الدوام والاستمرار، وإنما هو عارض، ومع هذا ففيه مصالح عظيمة كثيرة ذكرها الله تعالى في سورة آل عمران، واستوعب الكلام عليها ابن القيم -رحمه الله- في زاد المعاد في فقه هذه الغزوة، ذكر فوائد عظيمة من هذا الأمر الذي حصل للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
إذن، فلنا أن نقول: نعم، هذا ليس على عمومه، ويُخص بالأحوال العارضة، ولنا أن نقول: إنه عامٌّ؛ باقٍ على عمومه، لا يخصص منه شيء، لكنه عام أريد به الخصوص؛ يعني: أن المراد: لا يذل ذلًّا دائمًا، ولا يعز عزًّا دائمًا، وعلى هذا فلا يحتاج أن نقول: إنه عام دخله التخصيص، بل نقول: إنه من الأصل، لم يقصد به العموم، وإنما قصد به العز المعين والذل المعين، فالذل على سبيل الإطلاق هذا منفي عن أولياء الله، والعز لأعداء الله على سبيل الإطلاق هذا أيضًا منفي.
(تباركت ربنا وتعاليت) في هذا إشكال، (تباركت ربَّنا) كيف قال: (ربَّنا)، والمعروف أن الفاعل مرفوع؟
طالب: هذا منادى (...)، والـ(يا) محذوفة؛ يعني: يا ربنا.
الشيخ: إي، وأين الفاعل؟ (تباركت) اعتبارًا.
الطالب: والجملة منادى كلها.
الشيخ: إي، لكن فاعل تبارك.
الطالب: التاء.
الشيخ: التاء.
(تباركت ربَّنا) التقدير: تباركت يا ربنا، ومعنى التبارك في الله عز وجل: أنه سبحانه وتعالى منزل البركة، وأن بذكره يحصل البركة، وباسمه يحصل البركة، ولذلك نجد أن الرجل لو قال على الذبيحة: باسم الله صارت حلالًا، ولو لم يقل: باسم الله صارت حرامًا، ولو قال: باسم الله على وضوئه صار صحيحًا، ولو لم يقل: باسم الله صار غير صحيح عند كثير من أهل العلم.
وإن كان الصحيح أنه لا يشترط ولا تجب التسمية في الوضوء، لكن على القول بأنها واجبة إذا تركها عمدًا لم يصح وضوؤه.
وقوله: (ربنا)، أي: يا ربنا، وحذفت ياء النداء لسببين: لكثرة الاستعمال، وللتبرك بالبداءة باسم الله عز وجل.
وقوله: (ربنا) اسم من أسماء الله، يأتي مضافًا أحيانًا كما هنا، وكما في: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الرعد: ١٦] رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة: ١٢٩]، ويأتي غير مضاف محلى بـ(ال)؛ مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ» ، وقوله صلى الله عليه وسلم: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» .
وقوله: (تعاليت) من التعالي، وهو العلو، وزيدت التاء للمبالغة في علوه، (تعاليت) ولم يقل: علوت، فزيدت التاء والألف من أجل المبالغة في العلو.
وعلو الله سبحانه وتعالى ينقسم إلى قسمين: علو الذات، وعلو المعنى.
فأما علو الذات فمعناه: أن الله فوق كل شيء، وأما علو المعنى فمعناه: أن الله تعالى موصوف بكل صفات عليا.
أما الأول: فقد أنكره حلولية الجهمية الذين قالوا: إن الله في كل مكان، كل مكان فالله فيه، وأنكره أيضًا المغالون في التعطيل، حيث قالوا: إن الله ليس فوق العالم ولا تحت العالم، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا متصل ولا منفصل، وين؟
طلبة: عدم.
الشيخ: عدم، ولهذا أنكر محمود بن سبكتكين -رحمه الله- على من وصف الله بهذه الصفة، وقال: هذا هو العدم. وصدق، هذا هو العدم.
فأنكر ذلك طائفتان؛ طائفة غلوا في الإثبات، وطائفة غلوا في النفي، طائفة قالوا: ما يمكن نقول الله في جهة إطلاقًا، وطائفة قالوا: بل نقول في كل مكان.
أما أهل السنة والجماعة، فقالوا: إن الله سبحانه وتعالى فوق كل شيء بذاته.
واستدلوا لذلك بأدلة خمسة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، خمسة أدلة، كل ما يمكن من أجناس الأدلة فهي موجودة في ثبوت علو الله.
الكتاب مملوء بذلك، تارة بلفظ العلو مثل: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: ١]، وتارة بلفظ الفوقية مثل: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام: ١٨].
وتارة بذكر عروج الأشياء إليه وصعودها إليه مثل: تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج: ٤]، إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: ١٠].
وتارة بنزول الأشياء منه: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ [السجدة: ٥].
وأما السنة: فكذلك اجتمع فيها أنواع السنة الثلاثة: القول، والفعل، والإقرار.
أما القول: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في سجوده: «سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى» .
وأما الفعل: فإنه لما خطب الناس يوم عرفة، فقال: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟»، قالوا: نعم، قال: «اللَّهُمَّ فَاشْهَدْ» ، يرفع إصبعه إلى السماء وينكتها إلى الناس، وهذا إثبات للعلو بالفعل.
وأما إقراره: فإقراره للجارية حين سألها: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قالت: في السماء ، جارية مملوكة ما تعرف، ما درست، قال: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قالت: في السماء.
وأما الإجماع: فإن السلف مجمعون على ذلك، الصحابة والتابعون والأئمة، كلهم مجمعون على هذا، ما طريق إجماعهم؟ أنهم لم يرد عنهم صرف للكلام عن ظاهره فيما ذكر من أدلة العلو، وقد مر علينا أن هذا طريق جيد، وهو أنه إذا قال لك قائل: من الذي يقول: إنهم أجمعوا؟ من قال: إن أبا بكر ذكر أن الله في العلو في ذاته؟ من قال: إن عمر قال هذا؟ من قال: إن عثمان قال هذا؟ من قال: علي قال هذا؟ ويش نقول؟ لَمَّا لم يرد عنهم ما يخالف النصوص عُلِم أنهم أثبتوها على ظاهرها.
العقل: فلأننا نقول: إن العلو صفة كمال، وهو من تمام السلطان، من تمام سلطان الله يكون فوق كل شيء، ولهذا نجد في الدنيا الملوك يوضع لهم منصة يجلسون عليها.
إذن، العقل دل على أن الله تعالى فوق كل شيء؛ لأن العلو صفة كمال، وضده صفة نقص، والله منزه عن النقص.
الفطرة: حدث ولا حرج، العجوز التي لا تعرف القرآن قراءة تامة، ولا تعرف السنة، ولا راجعت فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ولا غيره من كتب السلف، تعرف أن الله في السماء، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: كل المسلمين إذا دعوا الله يرفعون أيديهم إلى أين؟ إلى السماء، ما فيه واحد من الناس يقول: اللهم اغفر لي، ويحط أيديه إلى الأرض أبدًا كل الناس يرفعون أيديهم إلى السماء.
ولهذا احتج بهذه الفطرة الضرورية، احتج الهمذاني على أبي المعالي الجويني، كان أبو المعالي الجويني يقول: كان الله ولم يكن شيء غيره، وهو الآن على ما كان عليه، يريد بذلك أن ينكر استواء الله على العرش.
فقال له أبو العلاء الهمذاني -رحمه الله-: يا شيخ، دعنا من ذكر العرش -لأن استواء الله على العرش دليله سمعي، لولا أن الله أخبرنا بذلك ما أثبتناه- فما تقول في هذه الضرورة؛ ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو؟ صح؟ كل واحد يقول: يا الله، وين يروح قلبه؟ (...) قلبه إلى السماء، فجعل يضرب على رأسه يقول: حيرني، حيرني. ما لقي جوابا على هذا؛ لأن هذا دليل فطري.
حتى إن الحيوان مفطور على ذلك؛ كما يروى في قصة سليمان عليه الصلاة والسلام حين خرج يستسقي، فلما خرج وإذا بنملة مستلقية على ظهرها؛ رافعة قوائمها نحو السماء، تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن رزقك، فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم ، وسقوا بدعوة هذه النملة.
هذه النملة ما الذي أعلمها أن الله في السماء؟ درست؟ ما درست، لكن فطرتها التي فطر الله عليها الخلق دلتها على أن الله في السماء.
والعجب أنه مع ظهور هذه الأدلة قد أعمى الله عنها بصائر قوم؛ فأنكروا علو الله، وقالوا: لا يمكن أي إنسان يقول: إن الله بذاته فوق، فهو كافر، ليش؟ قال: لأنه حدد الله.
والذي يقول: إن الله فوق، هل هو محدد لله؟ أبدًا؛ إحنا نقول: لا، فوق، ولم يحط به شيء، الذي يحدد الله ويعدد الله هو الذي يقول: إن الله في كل مكان، إن كنت في المسجد فالله في المسجد، في السوق الله في السوق، طيب أنا في مسجد الجامع الله معي وواحد في مسجد الضليعة الله هناك كم صار؟ اثنين، وهلم جرا.
أو يتجزأ بعضه هنا وبعضه هناك، فهذا هو القول المنكر، أما قوم يقولون: إن الله في السماء لا يحيط به شيء من مخلوقاته، فهذا غاية التنزيه.
أما علو الصفة فدليله قوله تعالى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل: ٦٠]؛ يعني: الوصف الأكمل، هذا دليل سمعي، أما العقلي؛ فلأن العقل يهتدي إلى أن الرب لا بد أن يكون كامل الصفات.
قال: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك، لا نحصي ثناء عليك) هذا من التداوي من الشيء بضده.
(اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك)، (أعوذ برضاك) هذا من باب التوسل برضا الله، أن يعيذك من سخطه، فأنت الآن استجرت من الشيء بضده، جعلت الرضا وسيلة، تتخلص به من السخط.
ثانيًا: (وبعفوك) والحديث: «وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ» .
المعافاة هي أن الله تعالى يعافيك من كل بَلِيّة، في الدين أو في الدنيا، ما ضد المعافاة؟ ضد المعافاة العقوبة، والعقوبة لا تكون إلا بذنب، وإذا استعذت بمعافاة الله من عقوبته، فإنك تستعيذ من ذنوبك حتى يعفو الله عنك، إما بمجرد فضله، وإما بالهداية إلى أسباب التوبة.
وقال: (وأعوذ بك منك) أعوذ بك منك! نعم، لا يمكن أن تستعيذ من الله إلا بالله، إذ لا أحد يعيذك من الله «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ» ، فلا أحد يعيذك من الله.
إذن بمن تستعيذ من الله؟ تستعيذ من الله بالله، فهو الذي يعيذني مما أراد بي من سوء، ومعلوم أن الله تعالى قد يريد بك سوءًا، ولكن إذا استعذت به منه أعاذك، وفي هذا غاية اللجوء إلى الله، وأن الإنسان يقر بقلبه ولسانه أنه لا مرجع له إلا ربه سبحانه وتعالى.
ثم قال: (لا نحصي ثناء عليك) يعني: لا ندركه، ولا نبلغه، ولا نصل إليه.
والثناء هو: تكرار الوصف بالكمال، ودليل ذلك: قوله تعالى في الحديث القدسي: «إِذَا قَالَ الْإِنْسَانُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَقَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِقَالَ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي» ، فلا يمكن أن تحصي الثناء على الله أبدًا، ولو تبقى أبد الآبدين ما أحصيت ثناء على الله، وذلك؛ لأن أفعال الله غير محصورة، وكل فعل من أفعاله فهو كمال، وأقواله غير محصورة، وكل قول من أقواله فهو كمال، وما يدافع عن عباده أيضًا غير محصور فالثناء على الله به لا يمكن؛ يعني: لا يمكن أن يصل الإنسان مهما بلغ من الثناء على الله غاية ما يجب لله من الثناء.
وغاية الإنسان أن يعترف بالنقص والتقصير، فيقول: (لا أُحصي ثناء عليك؛ أنت كما أثنيت على نفسك) يعني: أنت يا ربنا كما أثنيت على نفسك، أما نحن فلا نستطيع أن نحصي الثناء عليك، وفي هذا من الإقرار بكمال صفات الله ما هو ظاهر معلوم.
ثم قال: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) يعني: يختم الدعاء بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن ذلك من أسباب الإجابة؛ كما يروى ذلك في حديث فيه مقال: إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك .
وظاهر كلام المؤلف: الاقتصار على هذا الدعاء، ولكن لو أن الإنسان زاد فلا بأس؛ لأن المقام مقام دعاء، وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقنت بلعن الكافرين، فيقول: اللهم العن الكفرة ، وهذا ليس في هذا الدعاء، مما يدل على أن الأمر في ذلك واسع.
وأيضًا لو فرض أن الإنسان لا يستطيع أن يدعو بهذا الدعاء؛ فله أن يدعو بما شاء مما يحضره.
ثم قال: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد) الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ يعني: الثناء عليه في الملأ الأعلى؛ يعني: أن الله تعالى يبين صفاته الكاملة عند الملائكة.
(وعلى آله) آله من هم: آله أتباعه على دينه؛ لقوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: ٤٦]؛ يعني: أتباعه على دينه، ما لم يذكر الأتباع.
فإن قيل: وعلى آله وأتباعه، صار المراد بالآل المؤمنين من أهل بيته، وقد قال الشاعر مبينًا أن المراد بالآل الأتباع:
| آلُ النَّبِيِّ هُـــــــــــمُ أَتْبَـــــــــــاعُ مِـــــلَّتِـــــهِ | مِـــنَ الْأَعَــــــاجِـمِ وَالسُّـــــــودَانِ وَالْـــــــعَرَبِ |
| لَــــــوْ لَــمْ يَكُـــــــــنْ آلُهُ إِلَّا قَـــــرَابَـــــتَهُ | صَلَّى الْمُصَلِّي عَلَى الطَّاغِي أَبِي لَهَبِ |
وهذا الإيراد ليس بوارد، لماذا؟ لأن الذين يقولون: إن المراد بآله قرابته، يقيدون ذلك بالمؤمنين منهم، وأما غير المؤمنين فليسوا من آله.
قال: (ويمسح وجهه بيديه) ظاهر كلام المؤلف: أنه سنة، يسن المسح باليد بعد الدعاء سواء في القنوت أو في غيره.
ودليل ذلك: حديث أخرجه أبو داود وغيره عن عمر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع يديه لا يردهما حتى يمسح بهما وجهه ، لكن هذا الحديث ضعيف، والشواهد له ضعيفة؛ ولهذا رد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا القول، وقال: إنه لا يمسح الداعي وجهه بيديه؛ لأن المسح باليدين عبادة تحتاج إلى دليل صحيح، يكون حجة للإنسان عند الله إذا عمل به، أما حديث ضعيف فإنه لا تثبت به حجة، لكن ابن حجر في بلوغ المرام قال: إن مجموع الأحاديث الشاهدة لهذا يقضي بأنه حديث حسن.
فمن حسَّنه كان العمل بذلك سنة عنده، ومن لم يحسِّنه بل بقي ضعيفًا عنده كان العمل بذلك بدعة؛ ولهذا كانت الأقوال في هذه المسألة ثلاثة: قول بأنه سنة، وقول بأنه بدعة، وقول بأنه ليس سنة ولا بدعة؛ يعني: أنه مباح، إنْ فعل لم نبدعه، وإن ترك لم ننقص عمله.
والأقرب أنه ليس بسنة؛ لأن الأحاديث الواردة في هذا ضعيفة، ولا يمكن أن نثبت سنة بحديث ضعيف، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية.
طالب: شيخ كيف يكون الإنسان (...) من الله، هذا ليس فيه سوء أدب؟
الشيخ: لا، يفرون من الله من سوء قضائه إلى الله؛ يعني -مثلًا- لو قضى الله عليك بسوء إلى من تفر؟ إلى الله، قال الله تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات: ٥٠]، ففروا إلى الله من أين؟ منه، الآن مثلًا -ولله المثل الأعلى- لو أن شخصًا أراد أن يبطش بشخص، ثم جاء يركض يتخمخم، ويتوسل إليه، ويش صار؟ فر منه إليه، وهذا معروف حتى عند الصغار، إذا أراد أبوه جاء يركل، يخمخم، ويقول: دخيلك، دخيلك. يعني: أستعيذ بك منك، هذا هو المعنى.
طالب: شيخ، القائلون يا شيخ بالإباحة المطلقة (...) وجه قولهم يا شيخ؟
الشيخ: وجه قولهم -رحمهم الله: كأنه لما تعارضت عندهم الأدلة بالصحة أو الضعف، قالوا: لا نأمره ولا ننهاه.
الطالب: يعتبر يا شيخ ليس عليه دليل، دليل ضعيف.
الشيخ: لا هم يقولون: فيه احتمال أنه صحيح، أنه حسن يعني، ولأجل هذا الاحتمال لا نكرهه.
طالب: شيخ، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ» ، هل بها يا شيخ التوسل بصفات الله سبحانه وتعالى؟
الشيخ: بلى، التوسل بصفات الله جائز.
الطالب: ذكرنا يا شيخ أنه لا يجوز.
الشيخ: لا، ما يجوز دعاء صفات الله، دعاء الصفة هو الذي لا يجوز، أما التوسل بها فهو جائز.
طالب: شيخ، الزيادة بالأدعية المسجوعة؟
الشيخ: الزيادة بالأدعية المسجوعة؛ إن كانت هذه الأدعية ليس لها معنى أو ربما يكون معناها مشكلا، مثل: أنخنا مطايانا ببابك فلا تبعدنا عن جنابك فإن أبعدتنا فلا حول ولا قوة إلا بك، فهذا لا شك أنه أقل أحواله الكراهة.
وإذا كان سجعًا لي فيه شيء ليس بمحذور، فإن أطال على الناس حتى شق عليهم فهو منهي عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم غضب على معاذ بن جبل حين أطال على الناس ، إلا أن يكون عدد الناس محصورًا، وقالوا: يا فلان أطل من الدعاء لنا. فإذا كان العدد محصورًا مثل أن كان أهل المزرعة في مسجد محصورون، وقالوا لإمامهم: أطل بنا في الدعاء. فهذا لا بأس.
طالب: شيخ جزاك الله خيرا، سمعت واحدا في رمضان يدعو في الوتر يقول: سبحان من لا تراه العيون ولا تخالطه الظنون، صحيح هذا؟
الشيخ: هذا؛ لأنه أشعري.
طالب: ويش معنى: ولا تخالطه الظنون؟
الشيخ: لا، ويش معنى لا تراه العيون؟ والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» .
طلبة: يقصد في الدنيا.
الشيخ: ما قال في الدنيا.
طالب: لكن لو قصد في الدنيا كان صحيحًا؟
الشيخ: وحتى أيضًا لو قصد في الدنيا مشكل؛ لأن الرسول اختلف العلماء: هل رأى ربه أم لا؟
أما الثاني: ولا تخالطه الظنون، فالمعنى: أن الإنسان لا يدرك الله تعالى بظنه أو وهمه، هذا معناه، وعلى كلٍّ هذا من السجع المذموم الذي يحمل معنى منكرًا من وجه ومعنى مبهمًا من وجه آخر.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، (...) عند البخاري عن ابن عباس، أنه قال: نُهينا أن نسجع في الدعاء .
الشيخ: هذا مراده السجع الذي يختلف به المعنى أو السجع المتكلف، وأما السجع الذي لا يتكلف فالرسول سجع بالدعاء: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا» ، سجع، نوع من السجع، وله أمثلة كثيرة.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، دعاء: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ» ما ورد يا شيخ أنه قاله في السجود؟
الشيخ: إيه المشكلة، قاله في السجود، ولا مانع أن يقول في السجود، وفي دعاء الاستفتاح أيضًا، ورد أدعية في الاستفتاح تقال في السجود.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، جملة (...).
طالب آخر: (كما أثنيت على نفسك) موقعها مما قبلها في المعنى؟
الشيخ: الظاهر أنها كالتعليل لما قبلها، لما قال: (لا نحصي ثناء عليك) لأنك (كما أثنيت على نفسك).
الطالب: يعني الله سبحانه وتعالى أحسنَ صفات الثناء على نفسه؟
الشيخ: معلوم، الله عز وجل يحسن كل شيء.
طالب: شيخ بالنسبة للدعاء في السجود، كون الواحد يدعي في السجود، هل يجوز أن يختم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟
الشيخ: ويش تقولون في سؤاله؟ يقول: هل يختم إذا دعا في السجود بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: لا؛ لأن الصلاة لها ختام بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير، نصلي على النبي صلى الله عليه وسلم.
الطالب: يكون الحديث للعموم، كون الواحد يدعو وما صلى على الرسول صلى الله عليه وسلم يكون معلقًا بين السماء..
الشيخ: إي نعم؛ لأن الصلاة عبادة واحدة آخرها تبع لأولها.
طالب: شيخ، سمع من بعض الأئمة يدعون في رمضان: اللهم امكر لنا ولا تمكر علينا.
الشيخ: إي، ويش تقولون في هذا؟ الأحسن أن يقال: اللهم كِد لنا ولا تكد علينا، ويجوز أن تقول: اللهم امكر لنا ولا تمكر علينا؛ لأن الله قال: كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ [يوسف: ٧٦]، كدنا له، وقال في الكافرين: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق: ١٥، ١٦] ما هو أكيد لهم، أكيد عليهم.
الطالب: لكن في المقابل يا شيخ (...).
الشيخ: لا ما فيها شيء، لكن لو إن كان هذا واردا في الحديث فلا بأس، وإن كان ما ورد فهو بمعنى: أكيد؛ كِد لنا ولا تكد علينا.
طالب: زيادة قول النبي صلى الله عليه وسلم (...) الحسن يعلمه الدعاء (...) يعني من دعائه.
الشيخ: هو حديث الحسن ما يدل على انحسار الدعاء بهذا؛ لأنه طلب قال: علمني دعاء أدعو به في قنوت الوتر ، ما قال: أجعله قنوتَ الوتر، فدل على أن هناك دعاء آخر غير هذا الدعاء المعلم.
طالب: فيه زيادة (...).
الشيخ: ما أدري عنها.
طالب: (...) يدعون بأبيات شعرية ويؤمن بها المصلون.
الشيخ: من؟
الطالب: الخطباء الجدد، والمصلون يؤمِّنون خلفهم، فما رأيكم؟
الشيخ: يؤمنون خلفه، الرسول دعا بشعر:
| فَــــأَنْزِلَــــنْ سَـكِـــينَةً عَــــلَيْنَا | وَثَبِّتِ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا |
فإذا دعا الخطيب وأمن المستمعون فلا بأس.
***
(...) والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.(يمسح وجهه بيديه) يعني: بعد أن ينتهي من القنوت من الدعاء يمسح وجهه بيديه؛ لأنه جاءت في هذا أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دعا لا يرد يديه حتى يمسح بهما وجهه ، ولكن هذه الأحاديث قال شيخ الإسلام رحمه الله: إنها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة، وذكر ابن حجر في بلوغ المرام أن مجموعها يقضي بأن الحديث حسن يعني: حسنًا لغيره لا حسنًا لذاته.
والأقرب ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن فيه أحاديث كثيرة في الصحيحين، وغيرهما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو ويرفع يديه ولا يمسح بهما وجهه، ومثل هذه السنة التي ترد كثيرًا؛ وتتوافر الدواعي على نقلها إذا لم تكن معلومة في مثل هذه المؤلفات المعتبرة كالصحيحين وغيرهما، فإنها تدل على أنه لا أصل لها.
وعلى هذا؛ فالأفضل ألا يمسح، ولكن لا ننكر على من مسح اعتمادًا على تحسين الأحاديث الواردة في ذلك؛ لأن هذا مما يختلف فيه الناس.
يقول المؤلف رحمه الله: (ويمسح وجهه بيديه، ويكره قنوته في غير الوتر) (يكره قنوته) أي: قنوت المصلي (في غير الوتر).
ويريد بـ(قنوته): قنوته بهذا الدعاء: (اللهم اهدني فيمن هديت) إلى آخره فإنه يكره (في غير الوتر) فيشمل القنوت في الفرائض، ويشمل القنوت في الرواتب، ويشمل القنوت في النوافل الأخرى، فكلها لا يقنت فيها مهما كان الأمر، وذلك لأن القنوت دعاء خاص في مكان خاص في عبادة خاصة، وهذه الخصوصيات الثلاث تحتاج إلى دليل؛ يعني: أنها لا تدخل في عموم استحباب الدعاء مثلًا.
يعني لو قال قائل: أليس القنوت دعاء فليكن مستحبًّا؟
نقول: هو دعاء خاص في مكان خاص في عبادة خاصة، ومثل هذا يحتاج إلى دليل، فإن الشيء الذي يستحب على سبيل الإطلاق لا يمكن أن نجعله مستحبًّا على سبيل التخصيص والتقييد إلا بدليل؛ ولهذا لو قال لنا قائل: سأفعل في ليلة مولد الرسول صلى الله عليه وسلم صلوات على الرسول صلى الله عليه وسلم واردة جاءت بها السنة، أصليها؟
قلنا: لا تفعل؛ لأنك قيدت العام بزمن خاص، وهذا يحتاج إلى دليل، فليس كل ما شرع على سبيل العموم يمكن أن نجعله مشروعًا على سبيل الخصوص.
فما هو الذي قلنا في القنوت يا أخ؟
طالب: نقول: لا نثبت القنوت إلا ما يثبت بالدليل، وما كان خارجًا عن ذلك فيحتاج إلى دليل.
الشيخ: طيب، علّل؟
الطالب: لأن هذه عبادة، والعبادة لا نثبتها إلا بدليل.
الشيخ: ذكرنا ثلاثة أوجه، قلها لنا؟
الوساوس في قلوب الإنسان عند الصلاة وعند طلب العلم حتى يصده عن ذكر الله وعن الصلاة، قل؟
طالب: (...).
الشيخ: عام، لو كان دعاء عامًّا قلنا: بعد التشهد قل ما شئت، أيضًا في مكان خاص، وهو ما بعد الركوع أو ما قبله، والثالث في عبادة خاصة، فيحتاج إثباته إلى دليل.
ومن ثم قلنا: إن دعاء ختم القرآن في الصلاة لا شك أنه غير مشروع؛ لأنه حتى وإن ورد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان يجمع أهله عند ختم القرآن ويدعو ، فهذا خارج الصلاة، وفرق بين ما يكون خارج الصلاة وداخلها، فلهذا يمكن أن نقول: إن هذا الدعاء عند ختم القرآن في الصلاة لا أصل له، ولا ينبغي فعله، حتى يقوم دليل من الشرع على أن هذا مشروع في الصلاة.
القنوت في غير الوتر أطلق المؤلف أنه يكره، مع أن بعض الصحابة رضي الله عنهم أثبتوا أنه بدعة، وإذا كان بدعة فأقل أحواله الكراهة، وكأن المؤلف -رحمه الله- لم يرفعه إلى حد التحريم لوجود خلاف بين العلماء فيه.
قال المؤلف: (إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة غير الطاعون فيقنت الإمام في الفرائض)، بالمسلمين، أما إن نزلت بالكفار نازلة فذلك مما يشكر الله عليه، وليس مما يدعى برفعه، لكن إذا نزلت بالمسلمين نازلة.
والنازلة: هي الشديدة من شدائد الدهر، إذا نزل بهم شدة من شدائد الدهر بالمسلمين، يقول المؤلف: (غير الطاعون).
الطاعون: وباء معروف فتاك معدٍ، إذا نزل بأرض فإنه لا يجوز الذهاب إليها، وإذا وقع في أرض فإنه لا يجوز الخروج منها فرارًا منه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ فِي أَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهَا، وَإِنْ وَقَعَ وَأَنْتُمْ فِيهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا مِنْهُ» .
وهذا الطاعون -نسأل الله العافية- إذا نزل أهلك أمما كثيرة، كما في طاعون عمواس الذي وقع في الشام في عهد عمر رضي الله عنه حتى قيل: إنه يموت في اليوم الواحد نحو ألف نفر، مع أن العدد في ذلك الوقت ليسوا بمثل هذا العدد الحاضر.
هذا النوع من الوباء إذا نزل بالمسلمين فقد اختلف العلماء -رحمهم الله- هل يدعى برفعه أو لا؟
فقال بعض العلماء: إنه يدعى برفعه؛ لأنه نازلة من نوازل الدهر، وأي شيء أعظم من أن يفني هذا الوباء أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا ملجأ للناس إلا الله عز وجل، فيدعون الله ويسألونه رفعه.
ومنهم من قال: لا، لا يدعى. وعلل ذلك: بأنه شهادة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأن المطعون شهيد ، قالوا: ولا ينبغي أن نقنت من أجل رفع شيء يكون سببًا لنا في الشهادة، بل نسلم الأمر إلى الله، وإذا شاء الله واقتضت حكمته أن يرفعه رفعه، وإلا يبقى، ومن فني بهذا المرض فإنه يفنى على الشهادة كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
فصار للعلماء قولان: هل يقنت لرفع الطاعون أو لا يقنت؟ فمنهم من قال: إنه يقنت؛ لأنه نازلة عظيمة تؤدي إلى فناء المسلمين، ومنهم من قال: إنه لا يقنت له؛ أي لرفعه؛ لأنه شهادة.
قال: (فيقنت الإمام في الفرائض)، (فيقنت) نقرؤها بالرفع ولا بالنصب؟
طالب: بالنصب.
الشيخ: لا، بالرفع استئنافًا؛ يعني: إلا أن تنزل فحينئذٍ يقنت الإمام؛ لأنك لو قلت: إنها معطوفة (تنزل)، وقلت: إلا أن تنزلَ فيقنتَ ما بينت الحكم هل يقنت أم لا؟
المهم: إذا نزل بالمسلمين نازلة قال: (فيقنت الإمام في الفرائض)، يقنت، ولم يبين المؤلف حكم هذا القنوت، لكنه استثناه من الكراهة، (يكره قنوته في غير الوتر إلا أن تنزل فيقنت) فحينئذٍ يستثنى من الكراهة، وإذا استثني من الكراهة وثبت فعله في الصلاة فإنه يكون مستحبًّا؛ لأنه إذا ثبت فعله في الصلاة بموجب الاستثناء لزم أن يكون من أذكار الصلاة وحينئذٍ يكون مستحبًّا.
وعلى هذا؛ فقول المؤلف: (فيقنت الإمام) يعني: استحبابًا، وقد أجمع العلماء: على أن هذا القنوت ليس بواجب؛ يعني: لو تركه الناس لم يأثموا لكن الأفضل أن يقنت الإمام.
وقول المؤلف: (الإمام) من يعني بالإمام؟ إذا أطلق الفقهاء (الإمام) فالمراد به: القائد الأعلى في الدولة؛ يعني: الذي له السلطة العليا هو الإمام، فيكون القانت الإمام وحده، أما بقية الناس فلا يقنتون؛ يعني: لا يقنت إلا المسجد الذي يصلي فيه الإمام فقط، فيقنت الإمام، لماذا؟ قالوا: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قنت عند النوازل ولم يأمر أحدًا بالقنوت، ولم يقنت أحد من المساجد في عهده صلى الله عليه وسلم؛ ولأن هذا القنوت لأمر نزل بالمسلمين عامة، والذي له الولاية العامة على المسلمين هو الإمام، فيختص الحكم به، ولا يشرع لغيره، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
القول الثاني في المسألة: أنه يقنت كل إمام فتقنت المساجد، يقنت بها أئمتها.
والقول الثالث (...).
والأخير: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- واستدل بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ، وهذا العموم يشمل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله في صلاته على سبيل الاستمرار، وما يفعله في صلاته على سبيل الحوادث النازلة، فيكون القنوت عند النوازل مشروعًا لكل أحد.
ولكن، على كل حال، الذي أرى في هذه المسألة: أن يُقتصر على أمر ولي الأمر، فإن أمر بالقنوت قنتنا، وإن سكت سكتنا، ولنا -ولله الحمد- مكان آخر في الصلاة ندعو به، أو ندعو فيه، وهو السجود، وفي التشهد، وهذا فيه خير وبركة، أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ.
وقول المؤلف: (يقنت الإمام في الفرائض) ليس المراد أن يدعو بدعاء القنوت الذي علمه الرسول صلى الله عليه وسلم الحسن، بل يقنت بدعاء مناسب للنازلة التي نزلت، ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو في هذا القنوت بما يناسب النازلة، ليس يدعو فيقول: اللهم اهدني فيمن هديت كما يفعله بعض العامة، هذا لم يرد عن الرسول عليه الصلاة والسلام أبدًا -لا في حديث صحيح ولا ضعيف- أنه كان يقول: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ في الفرائض، إنما يدعو بالدعاء المناسب لتلك النازلة، فمرة دعا صلى الله عليه وسلم لقوم من المستضعفين أن ينجيهم الله عز وجل حتى قدموا .
وقد روي أنه دعا لهم من النصف من شهر رمضان إلى صبيحة يوم العيد، حيث قدموا في صبيحة يوم العيد ، فيكون قنوته لهم خمسة عشر يومًا.
وقنت على قوم دعا عليهم؛ على رعل وذكوان وعصية شهرًا كاملًا، فقيل: إنهم قدموا مسلمين تائبين فأمسك ، ودعا على قوم معينين دعا عليهم باللعن: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَالْعَنْ فُلَانًا»، حتى نزل قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْفأمسك ، فصار دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالقنوت دعاء مناسبًا، وعلى قدر الحاجة، لم يستمر.
يقول: (إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة غير الطاعون فيقنت الإمام في الفرائض) قال في الشرح: فيقنت الإمام الأعظم استحبابًا، الإمام الأعظم قلت لكم إنه من له السلطة العليا في البلد.
إذا قنت يقول: (في الفرائض) (ال) دخلت على جمع فتفيد العموم؛ يعني: في الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وليس خاصًّا بصلاة الفجر، بل في كل الصلوات، هكذا صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قنت في جميع الصلوات.
واستثنى بعض العلماء الجمعة، وقال: إنه لا يُقنت فيها؛ لأن الأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قنت في الصلوات الخمس؛ الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، ولم تذكر الجمعة، والجمعة صلاة مستقلة لا تدخل في مسمى الظهر عند الإطلاق؛ ولهذا لا تجمع العصر إليها فيما لو كان الإنسان مسافرًا وصلى الجمعة، وهو يريد أن يمشي، وأراد أن يجمع العصر إلى الجمعة، نقول: لا يجوز هذا؛ لأنها صلاة من جنس آخر مستقلة.
وعلل بعضهم أيضًا ذلك: بأن الإمام يدعو في خطبة الجمعة يدعو دعاء عامًّا يؤمّن الناس عليه في خطبة الجمعة، فيدعو لرفع النازلة في خطبة الجمعة، ويكتفى بهذا الدعاء عن القنوت في صلاة الجمعة.
ويرى بعض أهل العلم أنه لا وجه للاستثناء، وإنما لم ينص عليها في الأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنها يوم واحد في الأسبوع فلهذا تركت، ويدل لهذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا علّم عن الصلاة المفروضة لا يذكر إلا الصلوات الخمس؛ لأنها هي الراتبة الموجودة التي ترد على الإنسان في كل يوم، بخلاف الجمعة.
فالظاهر أنه يقنت حتى في صلاة الجمعة.
وإذا قلنا بالقنوت في الصلوات الخمس، فإن كان في الجهرية فمن المعلوم أنه يجهر به، وإن كان في السرية فإنه يجهر به أيضًا؛ كما ثبتت به السنة أنه كان يقنت ويؤمن الناس وراءه ، ولا يمكن أن يؤمنوا عليه إلا إذا كان يجهر، وعلى هذا؛ فيسن أن يجهر ولو في الصلاة السرية.
القنوت هل يكون قبل الركوع أو بعد الركوع؟
أكثر الأحاديث، والذي عليه أكثر أهل العلم، أن القنوت بعد الركوع، وإن قنت قبل الركوع فلا حرج؛ يعني: كمل القراءة ثم دعا ثم ركع، فلا حرج، فهو الآن يخير بين أن يركع إذا كمل القراءة، ثم إذا رفع وقال: ربنا ولك الحمد، قنت، كما هو أكثر الروايات، وعليه أكثر أهل العلم، أو إذا أتم القراءة دعا ثم كبر وركع، كل هذا جاءت به السنة ولا حرج فيه.
قال: (فيقنت الإمام في الفرائض، والتراويح عشرون ركعة) (التراويح) مبتدأ، و(عشرون ركعة) خبر المبتدأ، والتراويح: سنة مؤكدة؛ لأنها من قيام رمضان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ، حكمها؟
طالب: أنها سنة مؤكدة.
الشيخ: الدليل؟
طالب: لأنها من قيام رمضان، وقال صلى الله عليه وسلم في قيام رمضان: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
الشيخ: نعم، وسميت تراويح؛ لأن من عادتهم أنهم إذا صلوا أربع ركعات جلسوا قليلًا ليستريحوا؛ بناء على حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا ، ووجه ذلك أنها قالت: (يصلي أربعًا ثم)، و(ثم) تدل على الترتيب بمهلة، وأنه هناك فاصل بين الأربع الأولى والأربع الثانية والثلاث الأخيرة، وهذه الأربع يسلم من كل ركعتين، كما جاء ذلك مصرحًا به في حديث عائشة؛ أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة يسلم من كل ركعتين .
خلافًا لمن توهم من بعض طلبة العلم أن الأربع تجمع الأولى، والأربع الثانية تجمع، فإن ذلك وهم، سببه عدم تتبع طرق الحديث من وجه، وعدم النظر إلى الحديث العام؛ حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صلاة الليل فقال: «هِيَ مَثْنَى مَثْنَى» .
وعلى هذا؛ فكل حديث مطلق في عدد الركعات في الليل يجب أن يحمل على هذا الحديث المقيد، وهو أنها مثنى مثنى.
أما ما صُرِّح فيه بعدم ذلك كالوتر بخمس أو سبع أو تسع، فهذا يكون مخصصًا لعموم هذا الحديث.
إذن لماذا قالت عائشة: يصلي أربعًا، ثم يصلي أربعًا؟
نقول: لأنه جمع الأربع الأولى في آن واحد، فصلى ركعتين، ثم وصلهما فورًا بالركعتين الأخريين، ثم جلس وأمهل، ثم استأنف وصلى ركعتين، ثم أتبعهما بركعتين، ثم جلس فأمهل، ثم صلى ثلاثًا.
أخذ السلف من هذا أن يصلوا أربع ركعات بتسليمتين، ثم يستريحوا، ثم يصلوا أربعًا، ثم يستريحوا، ثم يصلوا ثلاثًا إذا قاموا بإحدى عشرة ركعة.
والمؤلف يقول رحمه الله: (التراويح عشرون ركعة) إذا أضفنا إليها أدنى الكمال في الوتر تكون؟
طالب: واحدا وعشرين.
الشيخ: لا، تكون ثلاثًا وعشرين، فيصلي التراويح عشرين ركعة، ثم يصلي الوتر ثلاث ركعات، ويكون الجميع ثلاثًا وعشرين ركعة، هذا قيام رمضان.
فما هو الدليل؟ الدليل يقول: لما روى أبو بكر عبد العزيز في الشافي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في شهر رمضان عشرين ركعة ، ولكن هذا الحديث ضعيف لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، والذي صح عنه، من أعلم الناس به في الليل عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أنه كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة فقد سئلت: كيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على (...) ركعة . وهذا نص صريح من عائشة، وهي من أعلم الناس به فيما يفعله ليلًا، تقول: إنه كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة.
فإن قال قائل: قد ذكر عن عمر أنه كان أمر أُبَيّ بن كعب أن يصلي بالناس بثلاث وعشرين ركعة ؟
قلنا: هذا أيضًا ليس بصحيح، وإنما روى يزيد بن رومان قال: كان الناس يصلون في عهد عمر في رمضان ثلاثًا وعشرين ركعة ، انتبهوا، يزيد بن رومان لم يدرك عهد عمر، فيكون في الحديث انقطاع.
ثم الحديث ليس فيه نص أن عمر اطلع على ذلك، وما فعل في عهد عمر فإنه لا يكون حجة بخلاف ما فعل في عهد الرسول ولم ينكره، فإنه يكون حجة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم إن كان علمه فقد أقره، وإن لم يكن علمه فقد أقره الوحي، لكن في عهد عمر ما فيه الوحي، فلم ينسب إلى عمر من إقراره حتى يكون صريحًا بنسبته إلى عمر.
ولكن روى مالك في الموطأ بإسناد من أصح الأسانيد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر تميمًا الداري وأبي بن كعب أن يقوما في الناس بإحدى عشرة ركعة ، وهذا نص صريح، أمر من عمر رضي الله عنه، وهو اللائق به رضي الله عنه؛ لأنه من أشد الناس تمسكًا بالسنة، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يزد على إحدى عشرة ركعة، فإننا نعتقد بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سوف يتمسك بهذا العدد.
وعلى هذا؛ فيكون الصحيح في هذه المسألة: أن السنة في التراويح أن تكون إحدى عشرة ركعة، يصلي عشرًا شفعًا، وواحدة وترًا ، والوتر كما قال ابن القيم: هو الواحدة، ليس الركعات التي قبله من صلاة الليل، والوتر هو الواحدة، وإن أوتر بثلاث بعد العشر وجعلها ثلاث عشرة ركعة فلا بأس؛ لأن هذا أيضًا صح من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ثلاث عشرة ركعة .
فهذا هو السنة، ومع ذلك: لو أن أحدًا من الناس صلى بثلاث وعشرين، أو بأكثر من ذلك، فإنه لا ينكر عليه؛ ولكن لو طالب أهل المسجد بألَّا يتجاوز عدد السنة كانوا أحق منه بالموافقة؛ لأن الدليل معهم، إنما لو سكتوا ورضوا؛ فهو لو صلى بهم تسعًا وتسعين ركعة ما فيه مانع.
ولا فرق في هذا العدد حتى على المذهب بين أول الشهر وآخره، لا فرق..





