في الحج منها اثنتان، عدَّها في الشرح، قال: في الأعراف: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [الأعراف: ٢٠٦]، ووجه كون ذلك محل
سجدة أن الله امتدح هؤلاء الذين عنده بكونهم لا يستكبرون عن عبادة الله ويسبحونه
ويسجدون له، وما امتدح الله فاعله فهو محبوب إليه؛ إذن فلنسجد.
الرعد: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال [الرعد: ١٥].
النحل:
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل: ٤٩، ٥٠].
في الإسراء: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ [مريم: ٥٨].
طلبة: آيَاتُ الرَّحْمَنِ.
الشيخ: لا، في الإسراء.
طالب: قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا.
الشيخ: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].
مريم: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم: ٥٨].
في الحج منها اثنتان: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [الحج: ١٨].
في الحج منها
اثنتان الثانية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون [الحج: ٧٧].
في الفرقان: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا [الفرقان:٦٠].
في النمل: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم [النمل: ٢٥،٢٦].
في (الم (١) تَنْزِيلُ) السجدة؟
طلبة: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا.
الشيخ: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [السجدة: ١٥].
في (حم) السجدة: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ [فصلت: ٣٧، ٣٨].
والنجم: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا [النجم:٦٢].
الانشقاق: فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ [الانشقاق: ٢٠ -٢٢].
(اقرأ باسم ربك): كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) [العلق: ١٩].
طالب: في (ص).
الشيخ:
لا، (ص) سجدة شكر، إذن هذه أربع عشرة سجدة: الأعراف، والرعد، والنحل، والإسراء،
ومريم، والحج، والفرقان، والنمل، و(الم تنزيل) السجدة، و(حم) السجدة، والنجم،
والانشقاق.
طلبة: (...).
الشيخ: كم دول؟
طلبة: أربعة
عشر.
الشيخ: نعدها: الأعراف، والرعد، والنحل، والإسراء،
ومريم، والحج اثنتان، والفرقان، والنمل، و(الم تنزيل)، و(حم) السجدة، والنجم،
والانشقاق.
طلبة: و(اقرأ باسم ربك).
الشيخ: و(اقرأ باسم ربك) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) [العلق: ١٩]، أما سجدة (ص) فإنها سجدة شكر، ولكن صحّ عن ابن عباس رضي الله
عنهما، أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يسجد فيها
،
والصحيح أنها سجدة تلاوة، وعلى هذا فتكون السجدات؟
طلبة: خمس عشرة.
الشيخ: خمس عشرة
سجدة، وأنه يُسجد في (ص) في الصلاة وخارج الصلاة.
فإن قال قائل: في القرآن آيات
فيها سجود، ولم تكن آية سجدة، مثل قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) [الحجر: ٩٧، ٩٨]. قال: كُنْ مِنَ السَّاجِدِينَوليس فيها سجدة، لماذا؟
إن قال قائل بأن هذا أُمِر
به النبي عليه الصلاة والسلام في حالة خاصة وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [الحجر: ٩٧، ٩٨] فأُمر بالسجود في حال معينة، وهذا لا يقتضي السجود
عند الإطلاق، فيه شيء؟
طالب: الدليل على أنه يسجد في
الآية أنه أمر بالسجود.
الشيخ: هذه معلومة؛ يعني لو قال
قائل بهذا التعليل وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر: ٩٧ - ٩٩]، فأمر
الله تعالى رسوله أن يسبح بحمد ربه ويكون من الساجدين في حال معينة؛ وذلك إذا ضاق
صدره وآذاه المشركون، وهذا لا يقتضي السجود على الإطلاق، والسجود الذي يسجد للتلاوة
على الإطلاق فهل يمكن أن يُردّ هذا التعليل لسجدة (اقرأ)؟ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق: ١٧ - ١٩]؛ لأن هذه في الحقيقة أمر
بالسجود.
قد يقول قائل: إنه أمر بالسجود في حال معينة، وهو إذا قام ذلك الرجل
يتكلم على الرسول عليه الصلاة والسلام، وينهاه عن الصلاة أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى [العلق: ٩ - ١٤] ويش بعده؟
طلبة: كَلَّا [العلق: ١٩].
الشيخ: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق: ١٥ - ١٩].
طالب: النبي عليه الصلاة والسلام لما قرأ:
كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْلما تلاها
سجد، لكن وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ [الحجر: ٩٨] لما
تلاها ما سجد.
الشيخ: إذن كما قال الأخ؛ يعني إذن لنا
المرجع السنة، فالحقيقة أنه كان يبدو لي التعليل الأول، وأن قوله: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَإنما
هو في حال معينة لا على الإطلاق، لكن قد يرد هذا الإيراد الذي ذكرته في سورة
(اقرأ)، وحينئذٍ يكون المرجع الأصلي هو التوقيف، السُّنة، فنقول: وردت السنة
بالسجود في آيات السجود، ولم ترد هنا، فنتوقف على ما جاءت به السُّنَّة.
ثم
قال المؤلف: (ويكبر إذا سجد)؛ لأنها صلاة، والصلاة لا بد له من تحريمة،
وتحريمها التكبير. وأما عند من يقول: إنها ليست بصلاة فإنه يقول لا يُكبِّر؛ لأنه
سجود مجرد، والأحاديث التي رُويت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السجود ليس
فيها أنه كان يكبر وليس فيها أيضًا أنه كان يقوم، ثم يخر، بل يسجد عن قعود، إذن فلا
قيام، ولا تكبير؛ لأن القيام تعبدًا لله يحتاج إلى دليل، والتكبير ذِكر يحتاج أيضًا
إلى دليل، أما على رأي المؤلف -رحمه الله- فيقول: إن سجود التلاوة صلاة، والصلاة لا
بد فيها من تكبير؛ ولهذا قال: (يكبر إذا سجد).
(ويكبر إذا رفع)؛
لأن سجود الصلاة يكبر إذا سجد وإذا رفع، وهي صلاة سجود التلاوة، فيكبر إذا سجد،
ويكبر إذا رفع.
قال المؤلف: (ويجلس) يجلس وجوبًا جلوسًا، لكنه جلوس لا
ذِكر فيه إلا شيئًا واحدًا؛ ولهذا قال: (ويُسلِّم ولا يتشَهَّد) فصار -على
كلام المؤلف- السجود فيه تكبير قبل، تكبير بعد، تسليم، جلوس، تسليم. أربع، وليس فيه
تشهُّد؛ لأن التشهد إنما ورد في الصلاة، ولكن ظاهر السنة أنه ليس فيها تكبير، وليس
فيها سلام، بل يسجد، ويذكر الله بأذكار السجود، ويقوم وينصرف.
إلا إذا كان في
صلاة فإنه يجب أن يكبر إذا سجد، ويكبر إذا رفع وجوبًا؛ لأنها إذا كانت في الصلاة
ثبت لها حكم الصلاة قولًا واحدًا، انتبه، حتى الذين يقولون: يمكن أن يسجد إلى غير
القبلة، إذا كان في الصلاة لا يقولون بذلك، لا يقولون: يجوز عند سجود التلاوة أن
تنصرف وتسجد إلى غير القبلة، فهي إذا كانت في الصلاة كان لها حكم سجود الصلاة؛ يعني
يُكبِّر إذا سجد، ويُكبِّر إذا رفع، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يسجد في صلاته، كما صح ذلك عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن
الرسول سجد في (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) في صلاة العشاء ،
وثبت عنه أنه كان يكبر في كل رفع وخفض، كلما رفع وخفض كبَّر فيدخل في هذا العموم
سجود التلاوة.
وأما ما يفعله بعض الأئمة من التكبير إذا سجد دون ما إذا رفع فهو
مبني على فهم خاطئ، ليس على علم، ولا على فهم صحيح، لكنه لما رأى أن بعض أهل العلم
اختار في سجود التلاوة أن يكبر إذا سجد دونما إذا رفع ظن أن هذا في الصلاة وغيرها،
وليس كذلك؛ لأن سجود التلاوة في خارج الصلاة كما سمعتم، المذهب يرون أنه يُكبِّر
إذا سجد وإذا رفع، فيه قول ثانٍ: يُكبِّر إذا سجد لا إذا رفع، وفيه قول ثالث أنه لا
يُكبِّر عند السجود ولا عند الرفع، لكن هذا كله فيما إذا سجد خارج الصلاة، أما إذا
سجد داخل الصلاة؛ فإن له حكم سجود الصلاة بلا إشكال.
لم يذكر المؤلف -رحمه
الله- ماذا يقول في هذا السجود، فيقول: يقول في هذا السجود: سبحان ربي الأعلى؛ لأن
النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى: ١] قال: «اجْعَلُوهَا فِي
سُجُودِكُمْ» ،
وهذا يشمل أيش؟
طالب: السجود.
الشيخ: أي السجود؟
طالب: السجود في
العام.
الشيخ: عام؛ سجود التلاوة وسجود الصلاة. إذن
يقول: سبحان ربي الأعلى، يقول أيضًا: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي؛
لدليلين:
الدليل الأول: قوله تعالى: إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [السجدة: ١٥]، وهذه آية سجدة.
وحديث عائشة رضي الله
عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه
وسجوده «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»
،
فإذن يقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ،
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي».
فيه أيضًا حديث أخرجه بعض أهل السنن: يقول
«اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ
تَوَكَّلْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ
سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ
الْخَالِقِينَ، اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا أَجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا
وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا
تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ» ، فإن قال هذا فحسن وإن قال
غيره فلا بأس.
قال المؤلف رحمه الله: (ويُكره للإمام قراءة سجدة في صلاة سر
وسجوده فيها) قال: (يكره للإمام) الكراهة عند المتأخرين تُطلق على مرتبة بين
الإباحة والتحريم، تُطلق على ما يُثاب تاركه امتثالًا، ولا يُعاقب فاعله، وتطلق في
عُرف المتقدمين تطلق على التحريم، فإذا رأيت في كلام الصحابة والتابعين (أكره)، أو
في كلام النبي عليه الصلاة والسلام (أكره) فهو للتحريم، حتى في القرآن الكريم إذا
وجدت (مكروه) فهو حرام قال الله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء: ٢٣]،
ثم ذكر أشياء كثيرة منهيات ومأمورات، ثم قال: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء: ٣٨] مكروهًا
أيش؟
طلبة: محرم.
الشيخ:
حرام، كل ذلك كان حرامًا، لكن اصطلاح المتأخرين الذين قسَّموا الأحكام إلى خمسة
أقسام واجب، وضده؟
طلبة: محرم.
الشيخ: مستحب وضده؟
طلبة:
مكروه.
الشيخ: الخامس؟
طلبة: مباح.
الشيخ: مباح، هؤلاء هم
الذين قالوا: إن المكروه في مرتبة بين المباح وبين الحرام، المؤلف
-رحمه الله- يرى أنه يُكره للإمام أن يقرأ آية سجدة في صلاة السر، الكراهة حُكم
شرعي يحتاج إلى دليل من السمع أو إلى تعليل من النظر مبني على قواعد الشرع؛ الدليل
من السمع واضح آية أو حديث، من النظر تعليل، طريقه العقل، هذا التعليل يكون مبنيًّا
على أيش؟
طلبة: قواعد الشريعة.
الشيخ: قواعد الشريعة، هم يقولون: إنه يكره للإمام قراءة آية في
صلاة السر؛ لأنه بين أمرين: إما أن يقرأ الآية ولا يسجد، وإما أن يقرأها ويسجد
فيشوِّش على من خلفه، ولكن كلا التعليلين عليل؛ أما الأول فقولهم: لأنه إما أن
يقرأها ويترك السجود لا يسجد، نقول: حتى لو ترك السجود، فإن ذلك لا يقتضي الكراهة؛
لأن ترك المسنون ليس مكروهًا، وإلا لقلنا: إن صلاتنا في غير النعال؟
طلبة: مكروهة.
الشيخ: مكروهة.
ولقلنا: إن الإنسان إذا لم يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، فقد فعل مكروهًا، ولقلنا:
إن الإنسان إذا لم يجهر في الجهرية فقد فعل مكروهًا، وما أشبه ذلك، وهذا ليس
بصحيح.
إذن فنقول: لو قرأها ولم يسجد، فكيف نقول: إنه فعل مكروهًا؟ أليس لو
قرأها ولم يسجد خارج الصلاة -هذا شيء مستحب- هل نقول: فعلت مكروهًا؟ لا، إذن نقول
هذا التعليل عليل ما يُقبل، تعليل عليل مريض؛ معناه ما هو مقبول.
التعليل
الثاني؟
طالب: التشويش.
الشيخ: أو يسجد، ويشوش على المأموم، فنقول: نعم، هذا قد يكون،
إذا سجد من قيام قبل أن يركع سيُشوِّش؛ ولهذا لو سجد قال الناس كلهم: سبحان الله،
فشوَّش عليهم، وربما إذا أبى واستمر ساجدًا تركوه، قالوا: هذا ترك ركنًا مُتعمدًا،
ما نتابعه، لكن هذا يمكن أن يزول بأن يرفع صوته قليلًا عند آية السجدة، فإذا رفع
صوته قليلًا عند آية السجدة سجد الناس.
لكن هذا ربما يُقال: يسجد من يعرف أن هذه
الآية آية سجدة، لكن من لا يعرف لا يسجد، ولهذا أذكر أننا مرة قرأنا في سورة
الجمعة، قرأنا آخر سورة الحج: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: ٧٧]، فسجدتُ فركع أكثر الناس، أكثر الناس اللي ما رأوني
ركعوا في يوم الجمعة؛ لأنه ليس من عادة الأئمة أن يقرؤوا يوم الجمعة آية سجدة؛
ولهذا قال بعض الناس: ما عمرنا سمعنا بهذا، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، ما
فيه واحد من الناس قرأ آية سجدة في صلاة الجمعة؛ فلذلك لما قرأت آية السجدة وسجدت
ركعنا، هذا ربما نقول: إنه إذا حصل تشويش ربما نقول: لا تقرأ، أو اقرأ ولا تسجد،
فنأخذ بالاحتمال الأول، ما هو الاحتمال الأول؟
الاحتمال الأول: أن يقرأ ولا
يسجد؛ لأنه إذا قرأ ولم يسجد لم يأتِ مكروهًا، لكن قد ورد في السنن بسند فيه
نظر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة الظهر (ألم
تنزيل) السجدة، وسجد فيها ، فلو صح
هذا الحديث لكان فاصلًا للنزاع، وقلنا: إنه يجوز أن يقرأ آية سجدة في صلاة السر،
ويسجد فيها كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
طالب: شيخ، إذا كان الإنسان
يستمع لشريط مسجل، ثم مر بآية سجدة هل يسجد، ربما أن القارئ إذا سجد والتسجيل
مقطوع؟
الشيخ:
يسأل ويقول: إذا سمع آية السجدة من الشريط فهل يسجد؟ الجواب: يا جماعة استمعوا، إن
سجد الشريط فليسجد، هذا الجواب، وإن لم يسجد إحنا ما قلنا: إذا سجد القارئ سجدنا،
وإن لم يسجد؟
الطالب: يمكن مقطوع يا شيخ،
القارئ يقول: الله أكبر، ثم سجد؟
الشيخ: لا، يمكن يرى
رأي من لا يُكبِّر عند السجود.
الطالب: لا، أحيانًا يا
شيخ تكون مقطوعة مثل قراءة التراويح، يقطعون السجدة حتى يصلون الآية بالآية؟
الشيخ: يعني لو نقلوا صلاة التراويح.
الطالب: لكن يقولون..
الشيخ: إذن
الحمد لله ما سمعته ساجدًا فلا أسجد.
الطالب: يا شيخ، ما جاء في
أسانيد سجدة (ألم تنزيل) السجدة، يقول الحافظ: لم أرَ في شيء من الطرق التصريح بأنه
سجد، ثم ذكر في كتاب الشريعة، وذكر وقال: في إسناده من ينظر في حاله. وللطبراني في
الصغير من حديث علي، فذكره مرفوعًا وقال: ولكن في إسناده
ضعف.
الشيخ: إي نعم،
هذا هو.
الطالب: ما جاء في إسناده.
الشيخ: لا، فيه تصريح الثاني، لكن بس
أنها أسانيدها ضعيفة.
طالب: بعض الناس لا يسجد،
ولكن يُسبِّح الله سبحانه وتعالى، ويُكبِّر، ويُهَلِّل.
الشيخ: لا، ما هو مشروع؛ يعني بعض
الناس إذا كان وقت نهي لا يسجد ويُسبِّح كما قال الأخ، نقول: هذا ليس
بصحيح.
طالب: إنسان يقود السيارة
وهو يقرأ القرآن، ومر بآية سجدة، هل يومئ إيماء؟
الشيخ: يعني يقرأ وهو يقود السيارة.
الطالب: فمر بآية سجدة.
الشيخ: أنا
أرى أنه ما يسجد؛ لأن سجوده في هذه الحال خطير، تعرف السيارة سريعة، وربما إذا قال
هكذا ما يشوف الطريق.
الطالب: إذا أمن؟
الشيخ: ما هو آمن، هل يمكن يأمن يا جماعة؟
طلبة: (...).
الشيخ: إيه (...) لازم
(...).
طلبة: (...).
الشيخ: لا، الأحسن ما يسجد.
طالب:
(...) المشروع قصدي.
الشيخ: مشروع أيش؟
الطالب: أن يومئ؟
الشيخ: هو لا بأس أن يومئ، لكن الإيماء ينحني بقدر ما يمكنه، ما هو
بيومئ بس.
الطالب: لا، واقف عند
الإشارة.
الشيخ: أي، لا بأس حينئذٍ يمكن، لكن إذا ولعت
الخطر، ثم ذهب (...) كالبوري، مشكلة!
طالب: (...) يستمع الإنسان للأخبار غالبًا يستمع للموسيقى أو
غناء، وهو محتاج إلى السماع؟
الشيخ: الآية؟
الطالب: لا، أقصد الآن،
بناء على قول المؤلف: السامع والمستمع، أحيانًا يسمع موسيقى أو غناء أو شيء محرم
(...) الأخبار وهو مضطر إلى سماعها؟
الشيخ:
هذه، نعم أحيانًا تكون مثلًا إذاعة مختلطة بإذاعة أخرى،
الإذاعة الأخرى يُصادف أنها تغني، نقول: أيهما أغلب وأرفع صوتًا؟ الأرفع صوتًا هي
المعتمدة.
طالب: لكن يفهم الأخبار ويفهم
الغناء أحيانًا يفهم.
الشيخ: إي، لكن أي أخفى، إي،
يقدم الريشة شوي ولا يؤخرها.
الطالب: يسمع، يجوز له.
الشيخ: إي، بس مثلما أقول لك: أيهما أغلب
(...).
***
على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.سبق لنا أن سجود التلاوة سنة، وأن عدد آيات السجود في القرآن أربع عشرة سجدة، وأن الإنسان يُكبِّر إذا سجد، ولا يُكبِّر على القول الراجح إذا رفع ولا يُسَلِّم.
وسبق لنا أيضًا أنه يُكره للإمام قراءة آية فيها سجدة في صلاة السر، وبينا أن علة ذلك أنه إما أن يسجد فيشوِّش على المأمومين، أو لا يسجد فيترك سُنَّة، وبينَّا أن هذا التعليل عليل؛ وذلك لأنه إذا لم يسجد فإن أعلى أحواله أن يكون تَرَك سُنَّة، وترْك السنة لا يستلزم الكراهة، وأما التشويش فإنه يزول بأن يرفع صوته عند آية السجدة حتى يتبين للناس، هذا إذا كان الناس لا يشاهدونه، أما إذا شاهدوه فالأمر أهون، وأيضًا ذكرنا أنه قد روى أصحاب السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى ذات يوم صلاة الظهر فسجد ، ففهم الصحابة أنه قرأ سورة (ألم تنزيل) السجدة.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ويلزم المأمومَ متابعتُه في غيرها) يلزم المأموم إذا سجد إمامه أن يتابعه (في غيرها) أي: في غير صلاة السر؛ وهي صلاة الجهر.
وعُلم من كلامه -رحمه الله- أنه لا يلزمه متابعة الإمام في صلاة السر؛ يعني لو قرأ الإمام آية سجدة في صلاة السر كالظهر والعصر، ثم سجد فإن المأموم لا يلزمه أن يتابعه، وعلَّلوا ذلك بأن الإمام فعل مكروهًا فلا يُتابَع.
ولكن الصحيح أنه يلزم المأمومَ متابعتُه حتى في صلاة السر؛ وذلك لأن الإمام إذا سجد فإن عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» ، يتناول هذه السجدة، وهذه السجدة لا تبطل صلاة الإمام؛ لأن أعلى ما يقال فيها أنها مكروهة على كلام الفقهاء، والصحيح أنها ليست بمكروهة، وأنه يسجد، وفي هذه الحال يلزم المأموم متابعته؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا».
إذن القول الراجح أن المأموم يلزمه متابعة الإمام في سجود التلاوة؛ في الصلاة السرية وفي الصلاة الجهرية.
ثم انتقل المؤلف إلى نوع آخر من السجود فقال: (ويستحب سجود الشكر عند تجدد النعم واندفاع النقم)
إذا قال العلماء: (يُستْحب) أو (يُسنّ)، فإن حكم ذلك أن يُثاب فاعله امتثالًا، ولا يُعاقَب تاركه؛ إذن فسجود الشكر إن فعلته أُثبت وإن تركته لم تأثم.
وسجود الشكر الإضافة فيه من باب إضافة الشيء إلى نوعه، كما تقول: خاتم من حديد؛ لأن هذا السجود نوع من الشكر، والشكر في الأصل هو الاعتراف بالنعم باللسان والإقرار بها بالقلب، والقيام بطاعة الْمُنعِم في الجوارح، وعلى هذا قال الشاعر:
| أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً | يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا |
يدي (الجوارح)، لساني (اللسان)، الضمير المحجب هو (القلب)، فتعترف بقلبك أن النعمة من الله، وتنطق بذلك بلسانك وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى: ١١]، وتشكر الله بجوارحك، تقوم بطاعته، ولهذا فسَّر بعض العلماء الشكر بأنه طاعة الْمُنعِم.
هناك نوع خاص من أنواع الشكر، وهو هذا السجود، لكن هذا السجود كما قال المؤلف: (يُستحب عند تجدد النعم واندفاع النقم).
وقوله: (عند تجدد النعم) يعني عند النعمة الجديدة احترازًا من النعمة المستمرة، النعمة المستمرة لو قلنا للإنسان: إنه يستحب أن تسجد لها لكان الإنسان دائمًا في سجود؛ لأن الله يقول: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤]، والنعمة المستمرة دائمًا مع الإنسان، سلامة السمع، وسلامة البصر، وسلامة النطق، وسلامة الجسم، كل هذا من النعم، التنفس من النعم، ومن الذي يُحصي التنفس؟
لهذا نقول: عند تجدد النعم الجديدة الطارئة، مثال ذلك: إنسان نجح في الاختبار وهو مشفق ألا ينجح، نقول هذه أيش؟ تجدد نعمة، يسجد لها، إنسان سمع انتصارًا للمسلمين في أي مكان، هذا تجدد نعمة، يسجد لله شكرًا، إنسان بُشِّر بولد، هذه تجدد نعمة يسجد لها، وعلى هذا فَقِس. وليس هذا على سبيل الوجوب، بل هو على سبيل الاستحباب، اندفاع النِّقم، رجل حصل له حادث في السيارة، وهو يسير وانقلبت السيارة، وخرج سالِمًا هنا يسجد أو لا؟
يسجد؛ لأن هذه النقمة وُجِد سببها وهو الانقلاب، لكنه سلِم، فنقول: الآن اندفعت عنك نقمة وُجِد سببها فاسجد للشكر.
إنسان شب في بيته حريق فيسَّر الله القضاء عليه وأطفأها، هذا أيضًا اندفاع نقمة، يسجد لله تعالى شكرًا، كذلك أيضًا إنسان سقط في بئر، فخرج سالمًا، هذا اندفاع نقمة، يسجد للشكر.
المهم أن المراد بذلك اندفاع النقم أيش المستمر ولَّا المتجدد؟
المتجدد، الشيء الطارئ، أما المستمر فلا يمكن إحصاؤه، ولو أننا قلنا لإنسان: يستحب لك أن تسجد لكان دائمًا في سجود.
دليل ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جاءه أمر يُسرُّ به سجد لله شكرًا ، وكذلك عمل الصحابة، فإن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما قاتل الخوارج وقيل له: إن في قتلاهم ذا الثُّدية الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكون فيهم؛ سجد لله شكرًا ؛ لأنه إذا كان ذو الثدية مع مقاتليه صار هو على الحق وهم على الباطل، فسجد لله شكرًا.
وكذلك كعب بن مالك رضي الله عنه لما جاءه البشير، أو سمع صوت البشير بتوبة الله عليه سجد لله شكرًا ، وهذا ثابت في الصحيحين. إذن كلما تجددت النعم واندفعت النقم سُنَّ لك أن تسجد للشكر. كعب بن مالك هل هو من باب اندفاع النقم أو من باب تجدد النعم؟
طلبة: باب النعم.
طلبة آخرون: اجتماع الأمرين.
الشيخ: الأمرين، فهو من باب تجدد النعم حيث جدد الله له التوبة تاب الله عليه، واندفاع النقم حيث اندفع هجران المسلمين إياه، وصاروا يتكلمون معه ويعاملونه معاملة عادية.
قال: (وتبطل به) المؤلف -رحمه الله- لم يبين كيف سجود الشكر، لكن الكتب المطولة بيَّنت أن سجود الشكر كسجود التلاوة، وبناء عليه تكون صفته على ما مشى عليه المؤلف أن يُكبِّر إذا سجد، وإذا رفع، ويجلس ويُسلِّم، ولكن الصحيح أنه يكبر إذا سجد فقط، ولا يكبر إذا رفع، ولا يُسلِّم على أن في التكبير عند السجود فيه شيء من النظر، لكن ورد فيه حديث في السنن صدَّر به ابن القيم -رحمه الله- الكلام على سجود التلاوة في كتاب زاد المعاد.
يقول: (وتبطل به صلاة غير جاهل وناس) (تبطل به) يعني بسجود الشكر (صلاة غير جاهل وناس) يعني صلاة من سجد عالِمًا بالحكم ذاكرًا له فإن صلاته تبطل.
مثال ذلك: رجل وهو يصلي سمع انتصار المسلمين في معركة من المعارك فسجد، نقول لهذا الساجد: إن كنت تعلم أن سجود الشكر في الصلاة يبطل الصلاة فصلاتك باطلة؛ لأنك زدت فيها شيئًا متعمدًا؛ يعني تعمدت الزيادة التي من جنس الصلاة فبطلت صلاتك، فإن كان لا يدري أن سجود الشكر في الصلاة مبطل لها فصلاته صحيحة؛ لقول الله تعالى: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة: ٢٨٦].
وكذلك لو نسي حينما بُشِّر بالخبر السار وهو يصلي سجد ناسيًا أنه لا يجوز سجود الشكر في الصلاة أو ناسيًا أنه في صلاة، فإن صلاته لا تبطل للآية التي ذكرت رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، فإن كان عالِمًا ذاكرًا بطلت صلاته، لكن لاحظوا أن هذا لا يمكن أن يقع؛ يعني لا يمكن لشخص يعلم بأن سجود الشكر أثناء الصلاة مبطل لها، ويذكر ذلك، ثم يسجد؛ لأن معنى هذا أنه تعمد إبطال صلاته.
وما ذكره المؤلف صحيح؛ أي أن الصلاة تبطل بسجود الشكر؛ لأن هذا لا علاقة له بالصلاة بخلاف سجود التلاوة؛ لأن سجود التلاوة كان لأمر يتعلق بالصلاة وهو القراءة، أما الشكر ما له دخل في الصلاة، فإذا سجد للشكر أثناء الصلاة بطلت صلاته.
يبقى النظر ماذا نقول في سجدة (ص)؟
الفقهاء -رحمهم الله- يقولون: إن سجدة (ص) سجدة شكر، وعلى هذا فلو سجد الإنسان إذا مر بآية سجدة (ص)، وهو يصلي لبطلت صلاته؛ لأنها سجدة شكر، ولكن القول الصحيح في هذه المسألة أن السجدة في (ص) سجدة تلاوة؛ لأن سبب سجودي لها أنني تلوت القرآن لم يحصل لي نعمة، ولم يندفع عني نقمة، فإذا كان السبب هو تلاوتي لهذه الآية صارت من سجود التلاوة، وهذا القول هو القول الراجح كما سبق.
ثم قال المؤلف: (وأوقات النهي خمسة) أوقات النهي أيش النهي؟ يعني الأوقات التي نهى الشارع عن الصلاة فيها، عن أي صلاة؟ عن صلاة التطوع؛ ولهذا ذكر المؤلف هذه الأوقات في باب صلاة التطوع؛ يعني أوقات النهي عن صلاة التطوع خمسة، وذلك أن الأصل أن صلاة التطوع مشروعة دائمًا؛ لعموم قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: ٧٧]، وعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قضى له حاجة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «سَلْ» -يعني اسأل شيئًا أكافئك به- قال: أسألك مرافقتك في الجنة -ما قال أسألك دراهم أو متاعًا، أسألك مرافقتك في الجنة- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟» -يعني أو تسألني غير ذلك- قال: هو ذاك -يعني لا أسألك غيره- قال: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» .
وعلى هذا فالأصل في صلاة التطوع أنها مشروعة كل وقت للحاضر والمسافر، هذا هو الأصل، لكن هناك أوقاتًا نهى الشارع عن الصلاة فيها، هذه الأوقات خمسة بالبسط، وثلاثة بالاختصار، يُفهم هذا من كلامه.
قال المؤلف رحمه الله: (أوقات النهي خمسة من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس) هذا واحد، فقول المؤلف: (من طلوع الفجر الثاني)، الفجر الثاني هو الفجر المعترض في الأفق، والفجر الأول مقدمة للفجر الثاني، لكنه لا يكون معترضًا في الأفق، يكون مستطيلًا في الأفق، وأظنكم تعرفون الفرق بين المستطيل وبين المعترض، ولهذا جاء في الحديث في وصف الفجر الثاني أنه المستطير بالراء، والأول المستطيل؛ المستطير يعني كالطير يمد جناحيه هكذا، فيكون النور عرضًا يعترض في الأفق من الشمال إلى الجنوب، الفجر الأول بالعكس يمتد طولًا من الشرق إلى الغرب هكذا، هذا الفجر الأول، الفجر الأول يبدو قبل الفجر الثاني بنحو نصف ساعة، ثم يضمحل ويرجع الجو مظلمًا، ثم يخرج الفجر الثاني.
قال أهل العلم: والفروق بينهما ثلاثة:
الأول: أن الفجر الثاني مستطير؛ يعني معترضًا، والأول مستطيل؛ يعني ممتدًا نحو وسط السماء.
الفرق الثاني: أن الفجر الثاني لا ظلمة بعده، والأول يظلم يزول.
الفرق الثالث: أن الفجر الثاني متصل بالأفق، والفجر الأول غير متصل؛ بمعنى أن الفجر الثاني تجده على وجه الأرض متصلًا، الفجر الأول لا، بينه وبين أسفل السماء سواد، ثم هذا البياض. فهذه ثلاثة فروق بين الفجر الأول والفجر الثاني.
المؤلف يقول: (من طلوع الفجر الثاني). احترازًا من أيش؟ من الفجر الأول.
(إلى طلوع الشمس) إلى أن تطلع الشمس؛ يعني يتبين قرصها، هذا واحد.
وقول المؤلف رحمه الله: (من طلوع الفجر الثاني) استدل لذلك بحديث ضعيف: «إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ» ، ولا نافية، والأصل في النفي نفي الوجود، ثم نفي الصحة، ثم نفي الكمال. يعني إذا جاءت النصوص لا صلاة، لا وضوء، لا حج، لا صوم، فالأصل نفي الوجود، فإن كان الشيء موجودًا بحيث لا يمكن نفيه صُرِف إلى نفي الصحة، وصار هذا النفي نفيًا للصحة؛ لأن ما لا يصح شرعًا يكون معدومًا شرعًا، لو صلى الإنسان صلاة بغير وضوء، وأتى فيها بكل شيء فهي غير موجودة في الواقع؛ لأنها لا تصح شرعًا، فإن لم يمكن ذلك بحيث تكون العبادة صحيحة مع وجود هذا الشيء صار النفي لأيش؟ صار النفي للكمال، فمثلًا إذا قلنا: لا خالق إلا الله أيش هذا؟ نفي للوجود، يعني لا يوجد خالق إلا الله عز وجل.
إذا قلت: لا صلاة بغير طهور، نفي الصحة، لماذا؟ لأن الإنسان ربما يصلي بغير طهور، ربما يصلي يقوم يستقبل القبلة، ويكبر، ويقرأ الفاتحة وكل شيء وهو غير متطهر، هذا لا يمكن أن تنفي الصلاة ذاتها، لماذا؟ لأنها موجودة، إذن النفي للصحة، لو كانت الصلاة صحيحة؛ يعني دل الدليل على أنها تصح صار النفي للكمال مثل: «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ» ؛ أي لا إيمان كامل. «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» . أي لا إيمان كامل، وعلى هذا فقِسْ.
«لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ»؛ يعني لا توجد الصلاة، ولَّا لا تصح؟ لا تصح.
ولكن القول الصحيح أن النهي يتعلق بصلاة الفجر؛ بالصلاة نفسها؛ وذلك لأنه ثبت في صحيح مسلم وغيره تعليق الحكم بنفس الصلاة: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» ؛ ولأن النهي في العصر يتعلق بماذا؟ بالصلاة لا بالوقت، فكان الفجر مِثله يتعلق فيه النهي بنفس الصلاة، فإذا كان هذا هو القول الصحيح، فما الجواب عن الحديث الذي استدل به المؤلف؟
الجواب على ذلك من وجهين:
أحدهما: أن الحديث ضعيف، تكلم فيه أهل العلم وضعَّفوه.
الثاني: على تقدير أن الحديث ليس بضعيف، وأنه حسن حجة يحمل قوله: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ» على نفي المشروعية؛ يعني لا يُشرع للإنسان أن يتطوع بنافلة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر.
وهذا حق؛ فإنه لا ينبغي للإنسان بعد طلوع الفجر أن يتطوع بغير ركعتي الفجر؛ يعني لو دخلت المسجد، وصليت ركعتي الفجر، ولم يحِن وقت الصلاة، وقلت: سأستغل هذا الوقت بالتطوع نافلة، قلنا لك: لا تفعل؛ لأن هذا غير مشروع، لكن لو فعلت لم تأثم، وإنما قلنا: إنه غير مشروع؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين خفيفتين؛ يعني حتى تطويل الركعتين ليس بمشروع.
إذن القول الراجح أن ابتداء وقت النهي بعد صلاة الفجر، حتى تطلع الشمس هذا واحد.
الثاني: قال: (ومن طلوعها حتى ترتفع قيد رمح) يعني برأي العين. (قِيد) بمعنى قدر، إذا طلعت الشمس فانظر إليها، إذا ارتفعت قدر رمح والرمح متر تقريبًا، إذا ارتفعت في سيرها في الأفق أو في سيرها حسب رأْي العين؟ حسب رأي العين؛ لأن هذا الذي مقداره رمح مسافات طويلة لا يعلمها إلا الله، لكن إذا ارتفعت قيد رمح في رأي العين خرج وقت النهي، يُقدَّر بالنسبة للساعات، يقدر باثنتي عشرة دقيقة إلى عشر دقائق؛ يعني ليس بطويل، لكن الاحتياط أن يزيد إلى ربع ساعة فنقول: بعد طلوع الشمس بربع ساعة ينتهي وقت النهي.
الثالث: قال: (وعند قيامها حتى تزول) (عند قيامها) أي: الشمس حتى تزول، وقيامها يعني منتهى ارتفاعها في الأفق؛ لأن الشمس ترتفع في الأفق، فإذا انتهت بدأت بالانخفاض، فعند قيامها حتى تزول هذا أيضًا وقت نهي، دليل ذلك حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ نَهَانَا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا؛ حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تَضَيَّف الشمس للغروب حتى تغرب ، فالشاهد من هذا قوله: أن نصلي فيهن.
وأما ما بين الفجر إلى طلوع الشمس، ومن صلاة العصر إلى الغروب فقد ثبت عن عدة من الصحابة، عن ابن عباس وعمر وغيرهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الفجر -أي بعد الصلاة على القول الراجح- حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب .
يقول: (الرابع من صلاة العصر إلى غروبها) لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد، أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس.
بقي إذا شرعت فيه حتى يتم. إذا شرعت فيه أي في الغروب حتى يتم، قرص الشمس إذا دنا من الغروب يبدو ظاهرًا بينًا كبيرًا واسعًا، فإذا بدأ أوله يغيب، ثم انتهى بالغيبوبة، فهذا هو وقت النهي إذا شرعت فيه حتى يتم، على أي شيء نستند على قوله في حديث عقبة: وحين تضيَّفُ الشمس للغروب حتى تغرب .
هكذا قرر المؤلف -رحمه الله- الاستدلال، وجعل معنى تضيَّف للغروب يعني تشرع في الغروب، ولكن الظاهر خلاف ما قرره المؤلف من الاستدلال بهذا الحديث، وأن معنى تضيَّف يعني تميل للغروب، وينبغي أن يُجعل هذا الميل بمقدارها عند طلوعها؛ يعني قدر رمح، فإذا بقي على غروبها قدر رمح دخل الوقت النهي الذي في حديث عقبة، لكن مع ذلك ثبت في صحيح البخاري عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة إذا غاب القرص ؛ يعني حتى يغيب، ولو استدل به المؤلف لكان الاستدلال أظهر وأبين، فهذه خمسة أوقات، قلها؟
طالب: من طلوع الفجر الثاني، ومن بعد صلاة العصر.
الشيخ: إلى وين؟
الطالب: من طلوع الفجر الثاني إلى الصلاة.
الشيخ: كيف إلى الصلاة؟
الطالب: من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس.
الشيخ: هذا واحد، الثاني؟
الطالب: من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس.
الشيخ: هذا اثنين، حين يقوم قائم الظهيرة، هذه ثلاثة.
الطالب: (...).
الشيخ: من بعد الفجر سواء الصلاة، ولا طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، هذا واحد.
الطالب: بعد طلوع الشمس.
الشيخ: بعد طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح.
الطالب: وحين يقوم قائم الظهيرة.
الشيخ: وحين يقوم قائم الظهيرة، هذه ثلاث.
الطالب: (...) حتى تغيب الشمس.
الشيخ: حتى تشرع في الغروب، وإذا شرعت فيه حتى يتم، هذه خمسة، هذا بالتبسيط أو بالبسط، بالاختصار يمكن أن نجعلها ثلاثة، فنقول: من الفجر إلى أن ترتفع الشمس قيد رمح، حين يقوم قائم الظهيرة، ومن صلاة العصر حتى يتم غروب الشمس، نختصرها فنجعلها ثلاثة أوقات.
طالب: بالتفصيل يا شيخ صارت ستة.
الشيخ: لا خمسة.
الطالب: بداية بياض القرص إلى أن يختفي، هذا وقت يعتبر سادسًا.
الشيخ: لا، هذا اختلاف التفسير معنى تضيف، فإذا قلنا: (تضيَّف)؛ يعني تميل إذا بقي مقدار رمح اعتُبر شيئًا واحدًا مع الذي تشرع فيه (...) أن نجعله سادسًا، لكن ما رأيت أحدًا قال بذلك. هذه إذن خمسة، وبالاختصار ثلاثة، والأدلة سمعتموها، لكن ما الحكمة في النهي عن الصلاة في هذه الأوقات؟
أولًا: يجب أن نعلم أن ما أمر الله به ورسوله فهو الحكمة، فعلينا أن نُسلِّم ونقول: إذا سألنا أي واحد يسألنا عن الحكمة في أمر من الأمور، الحكمة أمر الله ورسوله في المأمورات، الحكمة نهي الله ورسوله في المنهيات.
ودليل ذلك من القرآن: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب: ٣٦]، ما نختار إلا أمر الله ورسوله.
وسُئلت عائشة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: كان يصيبنا ذلك فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة . فاستدلت بماذا؟ بالسُّنَّة، ولم تذكر العلة، وهذا هو حقيقة التسليم والعبادة أن تكون مُسلِّمًا لأمر الله ورسوله سواء عرفت حكمته أم لم تعرف، ولو كان الإنسان لا يؤمن بالشيء حتى يعرف حكمته لقلنا: إنك ممن اتبع هواه، فلا تمتثل إلا حيث ظهر لك أن الامتثال خير، هذا جواب انتبهوا له.
الحكمة الثانية: أن هذه الأوقات يعبد المشركون فيها الشمس، فلو قمت تصلي لكان في ذلك مشابهة للمشركين لكنه يرد علينا أن هذا التعليل ينطبق على ما كان من طلوع الشمس إلى أن ترتفع قِيد رمح، وعلى ما كان حين تضيف الشمس للغروب إلى الغروب، لكن كيف ينطبق على ما كان من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، أو من بعد صلاة العصر إلى أن تتضيَّف الشمس للغروب؟ وكيف ينطبق على النهي في انتصاف النهار حين يقوم قائم الظهيرة؟ فهمت السؤال؟
ماذا قلنا في العلة؟ لأن الصلاة في هذه الأوقات فيها مشابهة للمشركين الذين يسجدون للشمس عند طلوعها وعند غروبها كما علَّل بذلك الرسول عليه الصلاة والسلام، قلنا: يرد على هذا ما كان من النهي بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تتضيف للغروب، وكذلك حين يقوم قائم الظهيرة، كيف عبادة المشركين؟
فنقول: لما كان الشرك أمره خطير، وشره مستطير سدَّ الشارع كل طريق يوصل إليه ولو من بُعْد، فلو أُذِن للإنسان أن يصلي بعد صلاة الصبح لاستمرت به الحال إلى أن تطلع الشمس، ولا سيما من عندهم رغبة في الخير، وكذلك لو أُذِن له أن يصلي بعد صلاة العصر لاستمرت به الحال إلى أن تغيب الشمس، فلما كان الشرك أمره خطير سُدَّت كل ذريعة توصل إليه ولو من بُعد، أما عند قيامها -يعني فيما عند الزوال- فقد علله النبي صلى الله عليه وسلم بأن جهنم تُسجَّر في هذا الوقت يعني توقد، يُزاد في وقودها، فناسب أن يبتعد الناس عن الصلاة في هذا الوقت؛ لأنه وقت تسجير النار، فهذه عِلَّة، فصار لو سئلنا: ما هي العلة؟
الجواب الأول: أن هذا مقتضى الشرع، وكون الشيء مقتضى الشرع كافٍ في كونه علة، واستدللنا لذلك بآية من القرآن وأثر عن مَنْ؟ عن عائشة رضي الله عنها.
الثاني: أنه لا بأس أن نلتمس علة لهذا النهي، جاءت بها السنة، وهو أن المشركين إذا طلعت الشمس أو غابت سجدوا لها، فنُهِي المؤمن أن يصلي في هذه الأوقات لئلا يقع في مشابهة المشركين، والواجب على المسلم أن يكون مباينًا للمشركين في كل شيء؛ لأنه مسلم حتى إن عمر رضي الله عنه لما كان الناس في عزة الإسلام كان لا يُمَكِّن أهل الذمة أن يركبوا الخيل؛ لأن بها عز الإسلام، وهي آلة الحرب، فلو ركب الذمي الخيل لحصل في نفسه عزة وأنفة، والمطلوب من المسلم أن يذل الكافر، هذا هو المطلوب يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِين وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التوبة: ٧٣]، وكان يمنعهم من أن يركبوا كما يركب المسلمون، بل يركبون عرضًا غير الخيل، يركبونها عرضًا، كيف يركبون عرضًا؟
أنت إذا ركبت جعلت الرجل اليمنى من اليمين واليسرى من اليسار، أما هم قال لهم عمر: لا تركبوا هكذا؛ لأنكم لو ركبتم هكذا ورآكم الناس قالوا: هؤلاء مسلمون، لكن لازم تميزوا عن المسلمين، كيف يركبون؟ يركبون على جانب واحد، اجعل رجليك من الجانب الأيمن كلها أو من الجانب الأيسر لئلا تشبه بالمسلمين، فكذلك نحن مثلًا في الصلاة خطيرة المسألة، إذا صلى الإنسان عند طلوع الشمس أو غروبها تشبه بالمشركين بأي شيء؟ بالعبادة، أهم من التشبه باللباس أو بالركوب أو ما أشبه ذلك.
الطالب: شيخ، قبر الموتى، وأن نقبر فيهن موتانا، ما العلة؟
الشيخ: لا، هذه الله أعلم، ما نعرف يعني النهي عن القبر في هذه الأوقات الله أعلم.
طالب: شيخ، الزمن يا شيخ بين قائم الظهيرة وزوالها؟
الشيخ: الزمن حوالي عشر دقائق فأقل، من العشر فأقل.
طالب: شيخ، هل يشترط يا شيخ في سجود الشكر استقبال القبلة؟
الشيخ: ذكرنا أنه كسجود التلاوة، وذكرنا في سجود التلاوة خلافًا.
طالب: شيخ، رجل يصلي من الليل، وكان يقرأ ونسي آية، فأخذ يكرر في تذكرها فتذكرها، فهذه نعمة من الله عز وجل فهل يشكر (...)؟
الشيخ: لا، هذا ما يظهر، هذه نعمة في الحقيقة عادية ما هي إلى ذاك؛ ولهذا ما كان الرسول إذا ذُكِّر بآية سجد.
طالب: شيخ، بالنسبة للعلة، هذه (...) صلاة ذات السبب ما؟
الشيخ: إي، ما بعد وصلناها، وإلا كما قلت: التي لها سبب تزول هذه العلة فيها، ولهذا كان القول الراجح أن ذوات الأسباب تُفعل حتى في وقت النهي.
طالب: شيخ، سجود الشكر مثلًا من بعدما وضعت (...) تسجد (...)؟
الشيخ: إي وأيش تقولون؟ الأخ يبغيها تسجد وهي نفساء!!
إذا قلنا باشتراط الطهارة كيف تسجد؟!
طالب: (...).
الشيخ: إذا قلت: إنها لا يشترط. إذا كان هناك طلق صعب يعني خافت منه الموت فتسجد؛ لأن هذا خلاف العادة، أما إذا كان على العادة فهو عادة، الإنسان مثلًا إذا بال أو تغوط، ما هي من نعمة الله أنه خرج هذا البول والغائط، ولَّا لا؟
هل يسجد للشكر؟ ما يسجد. لكن لو انحبس بوله أو غائطه ووجد من ذلك مشقة، ثم أخرجه الله يسجد ولَّا لا؟ يسجد، ليش؟ لأن هذا خارج عن المعتاد؛ تجدُّد نعمة أو اندفاع نقمة.
طالب: بعض الناس إذا قرأ آية التلاوة يقوم فيسجد فيخر ساجدًا وهو قائم؟
الشيخ: ذكرنا في هذا خلافًا، وأن ظاهر السنة ألا يقوم الإنسان.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- سجود الشكر، هل هو على الفورية أو على التراخي، ركب السيارة وحدث شيء من مستلزمات الشكر، هل على التراخي أو إذا نزل من السيارة؟
الشيخ: كل عبادة ذات سبب فهي مرتبطة بسببها على الفور، ويستطيع أن يسجد في السيارة بالإيماء؛ لأن هذه نافلة.
الطالب: إذا كان الفاصل يسيرًا؟
الشيخ: لا، الفاصل يسير ما يضر يعني مثلًا بس بيوقف السيارة وينزل، ما فيه شيء.
طالب: شيخ (...).
الشيخ: لا يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، هؤلاء صلوا مع الجماعة تبعًا.
طالب: شيخ، (...) حديث يقول: إنه في الصحيحين عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَا تُصَلَّى إِلَّا رَكْعَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ»
الشيخ: لا، ما هو بصحيح، ما هو في الصحيحين. (...)
***
طالب: قضاء الفرائض فيها، وفي الأوقات الثلاثة فعل ركعتي الطواف، وإعادة جماعة، ويحرم تطوع بغيرها في شيء من الأوقات الخمسة حتى ما له سببالشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن أوقات النهي خمسة، فعُدَّها علينا؟
الطالب: الأول: من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، والثاني: من طلوع الشمس إلى الارتفاع قيد رمح. والثالث: عند قائم الظهيرة إلى أن تزول.
الشيخ: عند قيامها حتى تزول.
الطالب: والرابع من صلاة العصر حتى تغرب.
والخامس: من الغروب حتى تغيب.
الشيخ: من الغروب حتى تغيب؟!
الطالب: لا، الخامس من بعد صلاة العصر.
الشيخ: الرابع من صلاة العصر إلى؟
الطالب: إلى الغروب.
الشيخ: والخامس؟
الطالب: حتى تغيب.
الشيخ: كيف؟
الطالب: الأول: من طلوع الفجر.
الشيخ: انتهينا الأول، والثاني، والثالث، والرابع!
الطالب: من بعد صلاة العصر إلى الغروب.
الشيخ: والخامس؟
الطالب: بداية الغروب حتى تغيب الشمس.
الشيخ: إي؛ يعني إذا شرعت في الغروب حتى يتم غروبها. هذا ما يراه المؤلف والقول الخامس.
طالب: اللي هو قبل أن تغيب برمح.
الشيخ: نعم، قبل أن تغيب برمح؛ يعني إذا كانت من الغروب نظير ما كانت عليه بعد الشروق دخل الوقت المضيّق. هذه خمسة أوقات يمكن أن نختصرها ولَّا لا؟ إلى كم نختصرها؟
الطالب: ثلاثة؛ من طلوع الفجر الثاني إلى ارتفاع الشمس قيد رمح، عند قيامها حتى تزول، ومن صلاة العصر حتى تغيب.
الشيخ: وسبق لنا أن القول الراجح أن ابتداء وقت النهي في الفجر من؟
الطالب: من بعد صلاة الفجر حتى طلوع الشمس.
الشيخ: من بعد صلاة الفجر، وليس من طلوع الفجر؛ لأن هذا هو الثابت في صحيح مسلم وغيره أنه من صلاة الفجر.
هذه الأوقات الخمسة يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (يجوز قضاء الفرائض فيها) يعني هذه الأوقات الخمسة تحرم فيها الصلاة (إلا ما استثني منها) أي: مما استثني ما ذكره في قوله: (يجوز قضاء الفرائض فيها) أي في هذه الأوقات، مثل أن ينسى الإنسان الصلاة؛ صلاة فريضة، نسي صلاة الظهر وصلى العصر على أنه قد صلى الظهر، وبعد أن صلى العصر ذكر أنه لم يصلِّ الظهر، ففي هذه الحال يقضيها ولو بعد صلاة العصر، الدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» ، وهذا عام يشمل جميع الأوقات؛ ولأن الفرائض دين واجب فوجب أداؤه على الفور من حين أن يعلم به، هذا تعليل.
مثال آخر: رجل لما صلى العصر وجد على ثوبه أثر جنابة من قيلولة قالها، أو لا يصح هذا المثال، لا يصح هذا المثال؛ وذلك لأنه إذا كان عليه جنابة من قيلولة قالها قبل الظهر فصلاة الظهر لم تصح وصلاة العصر لم تصح، وحينئذٍ لا يدخل وقت النهي، لكن لو فُرض أنه وجد عليه نجاسة أصابته في ثوب له خلعه، وكانت هذه النجاسة مما لا يُعفى عنه على المشهور من المذهب، ففي هذه الحال يلزمه أن يعيد صلاة الظهر ولو بعد صلاة العصر. المهم أن قضاء الفرائض يجوز في أوقات النهي، والدليل ما سمعتم، والتعليل أيضًا ما سمعتم، هذه واحدة.
قال: (وفي الأوقات الثلاثة فعل ركعتي طواف) يعني بها القصيرة التي ذُكرت في حديث عقبة بن عامر، وهي من طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمح، وعند قيامها حتى تزول، وإذا تضيفت للغروب حتى تغرب لقول عقبة بن عامر: ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا ، وذكر هذه الأوقات الثلاثة.
فيجوز فعل ركعتي طواف؛ يعني إذا طاف الإنسان بعد طلوع الشمس وقبل ارتفاعها قِيد رمح؛ فإنه يُصلِّي ركعتي الطواف.
إذا طاف عند قيام الشمس؛ يعني عند الظهر فإنه يصلي ركعتي الطواف.
إذا طاف حين تتضيف الشمس للغروب فإنه يصلي ركعتي الطواف، فما الدليل؟ قول النبي عليه الصلاة والسلام: «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى فِيهِ أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» .
وهذا صريح في أنه لا يجوز لهم أن يمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت في أي ساعة كانت؛ لا في العصر، ولا في الصبح، ولا في أي وقت، ولكن قد يُنازَع في الاستدلال بهذا الحديث، فيقال: إن هذا الحديث مُوجَّه إلى من تولى البيت فإنه لا يجوز له أن يمنع أحدًا من الطواف، ولكن الشرع له حُكم بالمنع في أوقات النهي؛ لأننا لو أخذنا بعموم الحديث لكان دالًّا على أنه لا نهي عن الصلاة في المسجد الحرام سواء كانت ركعتي الطواف أم لم تكن؛ لأنه قال «طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى فِيهِ»، طاف وصلى، فلو أخذنا بظاهره لكان دالًّا على أنه لا نهي عن الصلاة في المسجد الحرام، ولو في أوقات النهي، ولكن نقول: إن هذا الحديث موجه إلى أين؟ إلى من تولى البيت، فليس له الحق في أن يمنع أحدًا من الصلاة فيه، ثم هل يصلي أو لا يصلي، هذا يتوقف على إذن الشارع إن أذن له أن يصلي صلَّى، وإن لم يأذن فلا يصلي، ولذلك ربما ينازِع منازِع في الاستدلال بهذا الحديث؛ من وجهين:
الوجه الأول: أن ظاهره أنه لا بأس بالصلاة ولا بالطواف في كل وقت، وأنتم تخصون الصلاة بماذا؟ بركعتي الطواف.
ثانيًا: أنه -أي الحديث- مُوجَّه إلى الولاية؛ يعني إلى ولاة الأمر في المسجد الحرام؛ أنه لا يحل لهم أن يمنعوا أحدًا من الصلاة فيه، ثم هل تجوز الصلاة أو لا تجوز، هذا موكول إلى الشرع، والشرع بيَّن أنه لا صلاة في هذه الأوقات المنهي عنها.
على كل حال سيأتينا -إن شاء الله- أن ركعتي الطواف جائزة لا لهذا الحديث، ولكن لأن لها سببًا، وذوات الأسباب يجوز فعلها في وقت النهي.
الثالث مما يستثنى: قول المؤلف: (في الأوقات الثلاثة)، مفهومه أن الوقتين الآخرين لا يجوز فيهما فعل ركعتي الطواف، ولكن هذا ليس بصحيح؛ إذ إن المفهوم هنا مفهوم.
أولوية، لا مفهوم مخالفة؛ لأنه إذا جازت الصلاة في الأوقات الثلاثة القصيرة، وهي أغلظ تحريمًا من أوقات العامة، ففي الأوقات الأخرى من باب أولى.
وليت المؤلف لم يقل في الأوقات الثلاثة، لكنه قال؛ لأن بعض العلماء قال: إن الأوقات الثلاثة القصيرة لا يجوز فيها فعل ركعتي الطواف، وإنما تجوز في الأوقات الطويلة. ما هما الوقتان الطويلان؟
طلبة: (...).
الشيخ: من صلاة العصر إلى أن تتضيَّف الشمس للغروب، ومن طلوع الفجر إلى أن تطلع الشمس. هذه الأوقات الطويلة.
عندنا الآن نقول: يجوز في الأوقات الثلاثة، وفيما سواها من باب أولى فعل ركعتي طواف.
الثاني: وإعادة جماعة؛ يعني أنه يجوز في هذه الأوقات -أوقات النهي- أن يعيد الإنسان الجماعة، إذا أتى مسجد جماعة ووجدهم يصلون وقد صلى فإنه يصلي معهم، ولو كان وقت نهي.
مثال ذلك: رجل صلى العصر في مسجده، ثم أتى إلى مسجد آخر ليحضر الدرس أو لغرض ما فوجدهم يصلون فإنه يصلي معهم؛ ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ذات يوم صلاة الفجر في منى، فلما انصرف إذا برجلين قد اعتزلا لم يُصلِّيا مع الناس، فدعا بهما فجِيء بها ترعد فرائصهما -خوفًا وهيبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يعني اتنفضوا كما نقول- فقال: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا؟». قالا: يا رسول الله، صلَّينا في رحالنا. فقال لهما: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ؛ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ» «إِنَّهَا» أي: الصلاة الثانية «لَكُمَا نَافِلَةٌ» تطوع، وهذا صريح في جواز النفل في وقت النهي من أجل موافقة الجماعة.
انتبه هذا الحديث يدل على أنه تجوز إعادة الجماعة في وقت النهي، وهو صريح في هذا؛ لأنه جيء بهما بعد صلاة الفجر؛ يعني قد دخل وقت النهي.
وفي هذا الحديث دليل على أنه يُنكر على من جلس والناس يصلون؛ لأن ذلك شذوذ وخروج عن الجماعة، ومن هذا ما يفعله بعض الناس في قيام رمضان، إذا صلوا مع إمام يصلي ثلاثًا وعشرين ركعة، قالوا: نحن لا نزيد على عشر ركعات، ثم جلسوا، إما يتحدثون فيُشوِّشون على من حولهم، وإما يقرؤون فيما بينهم قرآنًا؛ يعني كل واحد يقرأ مع نفسه، وهذا لا شك أنه حرمان، وشذوذ عن الأمة، والشرع يريد من الأمة أن تكون مُتَّفِقة لا مختلفة، فهؤلاء أصابوا من وجه وأخطؤوا من وجه، وخطؤهم أعظم من صوابهم، صحيح أن الأفضل أن يقتصر الإنسان على إحدى عشرة ركعة، لكن ليس هناك نهي عن الزيادة.
على كل حال فيه دليل على أنه ينبغي للإنسان ألا يتخلف عن الجماعة، بل يصلي معهم حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ» وفي لفظ: «إِلَّا الَّتِي أُقِيمَتْ» . يعني حتى لو عليك فريضة تبغي تؤديها والإمام يصلي وتصلي وحدك لتؤدي الفريضة السابقة فأنت منهي عن ذلك «لَا صَلَاةَ إِلَّا الَّتِي أُقِيمَتْ».
واستدل بعض الناس بهذا الحديث على جواز إقامة الجماعة في الرحل دون المسجد؛ يعني أنه لا يجب على الإنسان أن يصلي مع الجماعة في المسجد، بل يجوز أن يصلي جماعة في رحله، وعلى هذا فإذا كنا جماعة في بيت، وأذَّن المؤذن فإنه يجوز لنا أن نصلي في بيتنا، ولا نذهب إلى المسجد؛ لقولهما: صلينا في رحالنا. فقال: «إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ» ، ولم يقل: لا تُصلِّيا في رحالكما، بل صَلِّيا في الجماعة في المسجد، وهذا لا شك أنه فيه شيء من الشبهة، وهنا فيه فِعْل الصحابيين، وفيه إقرار، أما مجرد فعلهما فليس فيه دليل بلا شك.





