كتاب الصلاة - 42
عدد الزيارات 1558

إنما هذه ثلاثة أقوال، ولكن إذا عرفنا الحكمة من النهي أمكننا أن نحدد المراد بالإقامة، الحكمة من النهي هو ألا يتشاغل الإنسان بنافلة يُقِيمها وحدَه إلى جنب فريضة تُقِيمها الجماعة؛ لأنه يكون حينئذ مخالفًا للأمة من وجهين:
الوجه الأول: أنه في نافلة والناس في فريضة.
والثاني: أنه يصلي وحده والناس يُصلُّون جماعةً، فإذا عرفنا الحكمة من النهي أمكننا أن نحدِّد المعنى في قوله: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ» .
فنقول: من المعلوم أن الإنسان لو شَرَع في النافلة بعد أن يبدأ الْمُقِيم في الإقامة، فإنه لن ينتهي منها غالبًا إلا وقد شرع الناس في صلاة الجماعة، وحينئذ لا يجوز أن يبتدئ صلاة نافلة بعد شروع الْمُقِيم في الإقامة؛ لأن العلَّة -أعني علة النهي- موجودة في هذه الصورة، ومن باب أولى ألَّا يشرع في النافلة إذا انتهت الإقامة، أو إذا شرع الإمام في الصلاة.
إذن إذا حَمَلْنَا قوله صلى الله عليه وسلم: «فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» ، أي: فلا صلاة تُبْتَدَأُ إلا المكتوبة، قلنا: إنه يتعين أن يكون المراد بالإقامة؟ أجيبوا..
طلبة: الشروع..
الشيخ: الشروع في الإقامة؛ لأن الإنسان إذا ابتدأ النافلة في هذا الوقت سوف يتأخر عن صلاة الجماعة، ولكن قوله صلى الله عليه وسلم: «فَلَا صَلَاةَ»، هل يشمل الابتداء أو حتى الإتمام؟ في ذلك قولان لأهل العلم:
منهم من قال: إنه يشمل الابتداء والإتمام، أي: فلا صلاة ابتداءً، لا يبتدئ صلاة، ولا يُتِمُّ صلاةً هو فيها، حتى إن بعضهم بالَغ فقال: لو لم يَبْقَ عليه إلا التسليمة الثانية وأقام الْمُقِيم فإنها تبطل صلاته؛ لأن التسليمتين ركن من أركان الصلاة، أو واجب، أو سنة، المهم أنها من الصلاة، فإذا أقام -أي إن شرع في الإقامة قبل أن يُسَلِّم- فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا صَلَاةَ»، فتبطل، لكن هذه مبالغة عظيمة.
بضدها –أي بضد هذه المبالغة- من قال: إنه يُتِم النافلة ولو فاتته الجماعة، سبحان الله!! بينهما تباعُد عظيم؛ هذا يقول: إذا أقيمت الصلاة ولو لم يبق عليك إلا التسليمة الثانية، بطلت صلاتك، ولا خيار لك فيها، وهذا يقول: ما دمت شرعت في صلاة فأَتِمَّها ولو فاتتك الجماعة.
لكن كل هذه أقوال في الحقيقة لا شك أنها أقوال شادة، إنما قلتها لأجل أن تعلموا كيف يتفرَّق العلماء -رحمهم الله- في المسائل العلمية هذا التفرق العظيم.
لكن نقول: إن قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ»، لا شك أن المراد ابتداؤها، وأنه يحرُم على الإنسان أن يبتدئ نافلةً بعد إقامة الصلاة، بعد انتهائها أو الشروع فيها؟ الشروع فيها؛ لأنه لا يمكن أن يأتي بالصلاة قبل أن يُكَبِّر الإمام وقد شرع المقيم في الإقامة.
فنقول: إذا أُقِيمَت الصلاة حرُم أن يبتدئ نافلة؛ لأن الصلاة لما أُقِيمت صار الوقت لهذه الفريضة، فلا يجوز أن يبتدئ نافلة.
أما إذا كان قد شرع في نافلة فإن المؤلف يقول: (فإن كان في نافلة أتمها إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها).
(إن كان في نافلة) يعني: حين إقامة الصلاة، (أتمها)، ولكن يتمها خفيفةً من أجل المبادرة إلى الدخول في الفريضة.
(إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها)، الفاء هنا للاستئناف، أي: فإنه يقطعها، وبماذا تفوت الجماعة؟
تفوت الجماعة -على كلام المؤلف- بالتسليم قبل أن يُكَبِّر تكبيرة الإحرام، إذا سَلَّم الإمام قبل أن تُكَبِّر تكبيرة الإحرام فاتتك الجماعة، فإن كَبَّرت للإحرام قبل أن يُسَلِّم التسليمة الأولى فقد أدركت الجماعة.
وبناءً على ذلك نقول لهذا الذي شرع في النافلة قبل إقامة الصلاة: استَمِرّ إلا إن خشيت أن يُسَلِّم الإمام قبل أن تُتِمَّ، فحينئذ اقطعها؛ لأنك إذا خشيت أن يُسَلِّم الإمام قبل أن تُتِمّ لزم من ذلك تعارض نفل مع فرض؛ لأن صلاة الجماعة فرض، والنافلة نفل، والفرض مُقَدَّم على النفل، حينئذ اقطعها.
وهذه المسألة قد تكون نادرة إلا في صلاة الصبح مثلًا، إذا كان الإمام يسرع، فهذه وأنت قد شرعت في النافلة قبل أن تُقام الصلاة بجزء يسير، هذه يمكن أن تخشى فوات الجماعة، لكن في الرباعية والثلاثية الغالب أنك ما تخشى فوات الجماعة، وعلى كلام المؤلف نقول: أتم النافلة حتى لو لم تدرك إلا تكبيرة الإحرام قبل التسليمة الأولى.
والذي نرى في هذه المسألة: أنك إن كنت في الركعة الثانية فأَتِمَّها خفيفةً، وإن كنت في الركعة الأولى فاقطعها
.
ومستندنا في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» ، وهذا الرجل الذي صلى ركعةً قبل أن تُقام الصلاة يكون أدرك الصلاة، صلاته الآن سالمة من المعارِض الذي هو إقامة الصلاة.
فنقول: هذا الرجل أدرك الصلاة الآن، فليتمها خفيفةً، أما إذا كان في الركعة الأولى، ولو في السجدة الثانية من الركعة الأولى، فإنه يقطعها؛ لأنه لم تتم له هذه الصلاة، ولم تخلص له؛ حيث لم يدرك منها ركعة قبل النهي عن الصلاة النافلة، هذا عندي أنه هو الذي تجتمع فيه الأدلة.
يقول المؤلف: (فلا صلاة إلا المكتوبة)، ظاهر كلامه: أنه لا فرق بين أن تقام الصلاة وأنت في المسجد أو في بيتك، وعلى هذا فلو سمعت الإقامة في بيتك، وقلت: سأصلي سنة الفجر؛ لأن الفجر تُطَوَّل فيها القراءة، أصلِّي السنة، وبيتي قريب من المسجد، ويمكنني أن أدرك الركعة الأولى، فإن ذلك لا يجوز؛ لعموم الحديث: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ» ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ» ، «فَامْشُوا» أَمْر.
وبناءً على ذلك نقول: لا فرق بين أن تقام الصلاة وأنت في المسجد، أو وأنت في بيتك، متى سمعت الإقامة وأنت في الركعة الأولى على ما اخترناه من الأقوال فاقطعها واذهب، إن كنت في الثانية فأتِمَّها خفيفةً، هذا أيضًا ما لم تَخْشَ فوات الجماعة؛ لأنك إذا كنت خارج المسجد ربما تخشى فوات الجماعة ولو أنت في الركعة الثانية، فحينئذ اقطعها؛ لأن صلاة الجماعة واجبة، والنافلة نفل.
وقول المؤلف: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، هذا إذا كنت تريد أن تصلي مع هذا الإمام، أما إذا كنت لا تريد أن تصلي معه فلا حرج عليك أن تتنفل، فلو كان بجوارك مسجدان وسمعت إقامة أحدهما، وأردت أن تأتي بالراتبة لتصلي في المسجد الثاني، فلا حرج عليك.
نخلص من هذا إلى مسألة مهمة، وهي أن الإنسان إذا مر بمسجد جامع يخطب يوم الجمعة، وهو لا يريد الصلاة معه، فهل له أن يتكلم والإمام يخطب، أو ليس له أن يتكلم؟
نقول: له أن يتكلم؛ لأنه لا يريد الائتمام بهذا الإمام، كذلك لو أذَّن الأذان الثاني في هذا المسجد يوم الجمعة، والمسجد الذي تريد أن تصلي فيه لم يؤذِّن، وحصل منك بيع أو شراء بعد نداء الجمعة في المسجد الذي لا تريد أن تصلي فيه، فالبيع والشراء صحيح وحلال.

طالب: بالنسبة للسنة في الفجر إذا الإمام يقرأ سورة يعني لما جيت بدأ الفاتحة وممكن أُسَلِّم الراتبة؟
الشيخ: أبدًا، إذا لم تكن في الركعة الثانية فاقطع؛ في سنة الفجر ولَّا غير سنة الفجر.
طالب: الدليل يا شيخ على تقدير إذا ترى الصلاة مبتدأة.
الشيخ: الدليل هو الذين قالوا: سقطت (...) قالوا: لأن الإقامة إعلام بالقيام للصلاة، فلما كانت إعلامًا بالقيام للصلاة صار هذا الْمُتَنَفِّل كأنه جعل بدل الفريضة تلك النافلة التي أُقِيمت، فكأنه لما كان من المعتاد أن الناس يقومون عند إقامة الصلاة، فهذا قام وأراد أن يصلي نافلة، نقول: ما هذا بوقت النافلة، أُقِيمَت صلاة الفريضة.
أما من كان شارعًا في صلاة النافلة فإنه لم يجعل هذه الإقامة سببًا لصلاته، مع أن ما ذكرنا في التفصيل الذي ذكرنا يزول فيه الإشكال.

طالب: نُقَدِّر: فلا صلاة شرعية، ما لم نقدر: فلا صلاة كاملة.
الشيخ: لا، ما نُقَدِّر، يقال: فلا صلاة شرعية، هذا الصحيح.
طالب: هل له يا شيخ، أن يقول: اللهم صل على محمد، ثم يُسَلِّم ويلحق الإمام في التحيات، يكتفي بأن يقول: اللهم صَلِّ على محمد.
الشيخ: علشان؟
الطالب: ثم يلحق بالإمام.
الشيخ: هو ما قلنا: إذا كان في الركعة الأولى يُبْطِلُها؟ يُبْطِلُها.

الطالب: نعم يا شيخ، لكن إذا كان في الركعة الثانية يقول: اللهم صَلِّ على محمد، ثم يلحق بالإمام قبل أن يَشْرَع بالحمد.
الشيخ: إي، يعني قصدك أنه..
الطالب: يقول اللهم صل على محمد ولا..
الشيخ: ما فيه بأس، لكن الأحسن أنه يُكَمِّل التعوذ؛ لأن القول بوجوب التعَوُّذ قول قوي.

طالب: (...) يكبِّر تكبيرة الإحرام، هل تدرك الجماعة بركعة؟
الشيخ: لا، بيجينا إن شاء الله التفصيل في هذا، ما كَمَّلْنا، الصحيح ما تُدْرَك إلا بركعة.


طالب: شيخ، أحس الله إليك، إذا كان في البيت والإمام يخطب، تأخَّر مثلًا، يُحْرَم عليه أن يتكلم في البيت، أو كان في الطريق إلى المسجد؟
الشيخ: إي نعم، الذي نرى أن الإنسان الْمُتَّجِه إلى مسجد ويسمع الخطيب يخطب أنه يجب عليه الإنصات.
الطالب: وإن كان في البيت؟
الشيخ: ولو كان في البيت، ما دام أنه يريد أن يصلي في هذا المسجد.

طالب: لو دخل قبل الإقامة بفترة وجيزة، أفضل له الشروع في الصلاة ولَّا (...).
الشيخ: إذا كان يرى الإمام مثلًا مُتَهَيِّئ ليقوم..
طالب: يعني مثلًا (...) هل يصلي ولَّا..؟
الشيخ: إي، بس أخشى أن الإمام مثلًا من عادته أنه يصلي مثلًا ركعتين إذا دخل المسجد، لكن إذا علمت أنه متهيئ يقينًا بيصلي.
طالب: يعني إذا تيَقَّن.
الشيخ: إي فالأفضل ألَّا تدخل؛ لأن كونك ما تدخل أحسن من كونك تدخل وتقطعها.

طالب: شيخ، أحسن الله إليك، معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ويتخذ إعادة جماعة راتبة في قومه.
الشيخ: إي، لكن ما هو بمسجد واحد.
الطالب: لكن اتخذها عادة.
الشيخ: إي، ما يخالف، يعني لا بأس أنك تروح مسجدًا ثانيًا تصلي بهم، لكن الكلام إعادة الجماعة في مسجد واحد.

طالب: أحسن الله إليك، قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي تنفل لصلاة الفجر، قولنا: الصبح أربع، والفجر أربع، ما يتعارض مع ما اخترناه من أنه إذا كان في الركعة؟
الشيخ: لا، ما يتعارض؛ لأنه إذا كان قد انتهى من الركعة الأولى صار ثلاث، صار ما صلى بعد الإقامة إلا ثلاثًا، ثم الحديث الذي ذكرت فيه روايتان؛ رواية أن الرجل كَبَّر بعد أن أُقِيمَت الصلاة، أخرجها مسلم، والرواية الثانية أنه كان يصلي.

طالب: قوله صلى الله عليه وسلم (...) مسجد الجماعة، هذا يخص الجماعة؛ لأننا في مسجد (...) ثم يقيم فرضًا حتى لو في مصلانا؟
الشيخ: ما فهمت، مسجد الجماعة هو المسجد الْمُعَدّ للجماعة.
الطالب: لو فيه جماعة في غير مسجد في مصلى، هل تُشْرَع؟
الشيخ: إي نعم، تُشْرَع؟
الطالب: النبي صلى الله عليه وسلم ما خصها في مسجد الجماعة؟
الشيخ: لا، مسجد الجماعة يمكن اللي بيقال هذا على الغالب أو العموم أيضًا؛ لأن مسجد الجماعة الذي تقام فيه الجماعة ولو كان غير راتب.

طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» ، الاستثناء يا شيخ يعود على الصلاة المقامة أم على (...)؟
الشيخ: إي نعم، يعود على الْمُقامة؛ لأنها هي التي أُقِيمَت لها الصلاة، كما جاء في رواية أحمد.


طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا رأيت رجلًا شرع في الصلاة مع الإقامة، هل أمنعه من الصلاة؟
الشيخ: لا، انصحه، تمسك يده وتقول: لا تُصَلِّ، ويش لون؟ قل: ترى هذا ما يجوز ولا صلاة لك.


طالب: شيخ، القول بالقطع بالوجوب، يعني مثلًا هو في نهاية الركعة الثانية، وإذا أتمها ستفوته تكبيرة الإحرام، وهو يحب أن يدرك..
الشيخ: في الركعة الثانية هو؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، يُتِمُّها خفيفة، ما يقطعها.
طالب: وإن أحب أن يدرك تكبيرة الإحرام؟
الشيخ: لا، هذا أفضل، إتمامها أفضل من إدراك تكبيرة الإحرام؛ لأنه لو قطعها فَاتَهُ أجر السنة، وتكبيرة الإحرام ما هي بمثل ترك سنة كاملة تروح، على أن بعض العلماء يقول: إن النفل إذا شَرَع فيه وجب، وكلام (...) اللي تكلمنا عليه الآن كله على القول بأن إتمام النفل ليس بواجب، أما إذا قلنا: واجب، فالأمر واضح.
طالب: شيخ، هل تنعقد النافلة هذه؟
الشيخ: لا، يعني بعد الإقامة؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما تنعقد.

الطالب: تكفي عن سنة الفجر يعني؟
الشيخ: أبدًا، ولا تكفي، ما تنعقد، باطلة.

طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بعض الناس إذا أراد أن يقطع النافلة أُقِيمت الصلاة المكتوبة يُسَلِّم، فهل يُشْرَع السلام؟
الشيخ: لا، لا يُشْرَع السلام، السلام إنما يكون ختام الصلاة، ختامها التسليم.

طالب: جزاك الله خيرًا، الهنود الأحناف هل لهم دليل في سنة الفجر يُصَلُّون حتى لو أُقِيمَت الصلاة؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن بعض الصحابة يفعلون هذا، مثل ابن مسعود رضي الله عنه، كان يصلي سنة الفجر ولو بعد الإقامة، لكن أنت تعلم أنه لا حجة لأحد، ولا بقول أحد، مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

***

طالب: (...) أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومَن كَبَّر قبل سلام إمامه لحق الجماعة، وإن لحقه راكعًا دخل معه في الركعة، وأجزأته التحريمة.
ولا قراءة على مأموم، ويُسْتَحَبُّ في إسرار إمامه وسكوته، وإذا لم يسمعه لبعد لا لطرش، ويستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه إمامه.
ومَن رَكَع أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرفع ليأتي به..
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ما هو رأي المؤلف فيمن أُقِيمَت الصلاة وهو في نافلة؟
طالب: أنه إذا أُقِيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة.
الشيخ: لا، ما رأي المؤلف فيما إذا أُقيمت الصلاة والإنسان في نافلة.
الطالب: يتمها خفيفة.
الشيخ: ما فيه استثناء؟
الطالب: إلا إن خشي فوات الجماعة.
الشيخ: إلا أن يخشى فوات الجماعة، ومتى تفوت الجماعة؟
الطالب: بفوات ركعة.
الشيخ: بفوات ركعة على رأي المؤلف؟
الطالب: لا، بفوات السلام، إذا سَلَّم.
الشيخ: إي نعم، تفوت إذا سَلَّم قبل أن يُكَبِّر للإحرام، فإن كَبَّر للإحرام قبل السلام فهي لم تَفُتْه، إذن له أن يبقى في صلاة النافلة هذه..
الطالب: إلى قبل أن يُسَلِّم.
الشيخ: إلى أن يدرك تكبيرة الإحرام قبل أن يُسَلِّم إمامُه.
القول الراجح في هذه المسألة؟
طالب: أنه إذا كان في الركعة الثانية يتمها خفيفة، وإن كان في الركعة الأولى وإن كان في السجود يقطعها.
الشيخ: إي، وإن كان في الأولى قطعها، تمام، هذا أحسن الأقوال في هذه المسألة. إذا خاف فَوْت الجماعة على هذا القول هل يقطعها أو لا؟
طالب: أي قول؟ الراجح ولَّا المرجوح؟
الشيخ: الراجح، إذا خاف فوت الجماعة؟
الطالب: نعم يقطعها.
الشيخ: يقطعها
؛ لأن صلاة الجماعة واجبة، وإتمام النفل ليس بواجب.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وَمَنْ كَبَّرَ قبل سلام إمامه لحق الجماعة)، (من كبر) يعني: المسبوق أو المأموم إذا كَبَّر قبل سلام إمامه التسليمة الأولى فإنه يلحق الجماعة، يعني أنه يدرك الجماعة إدراكًا تامًّا.
ووجه ذلك: أنه أدرك جزءًا من الصلاة، فكان له حكم مُدْرِك الصلاة، كمن أدرك ركعةً، فإنَّ مَن أدرك ركعة فإنه يدرك الصلاة، بمقتضى الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» ، فيقولون: هذا أدرك جزءًا منها، فصار كمن أدرك الركعة، ومن أدرك الركعة أدرك الصلاة.
وقول المؤلف: (قبل سلام إمامه)، قلنا: إن المراد التسليمة الأولى دون التسليمة الثانية، ولهذا لو جئت والإمام قد سَلَّم التسليمة الأولى فلا تدخل معه، حتى إن الفقهاء -رحمهم الله- صَرَّحوا بأنه لو دخل معه بعد التسليمة الأولى فإن صلاته لا تنعقد، حتى لو كمَّل صلاته وجب عليه الإعادة؛ لأنه -أي: الإمام- لما سَلَّم التسليمة الأولى شرع في التحلُّل من الصلاة، فلا يصح أن تنوي الائتمام به وهو قد شرع في التحلُّل من الصلاة.
إذن يتعين أن يكون المراد بقوله: (قبل سلام إمامه)، أي: التسليمة الأولى.
هذا ما ذهب إليه المؤلف في أن الإنسان إذا أدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام قبل التسليمة الأولى فقد أدرك الجماعة.
والقول الثاني: أنه لا يُدْرِك الجماعة إلا بإدراك ركعة كاملة. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ودليله قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ»، فإن منطوق الحديث أن مَن أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة، ومفهومه: مَن أدرك دون ذلك فإنه لم يدرك الصلاة.
ولا يصح قياس إدراك ما دون الركعة على إدراك الركعة؛ لأن إدراك الركعة أكبر من إدراك ما دون الركعة، والأَدْوَن لا يُقاس على الأعلى والأكبر، فلهذا نقول: إنه لا يدرك الجماعة على القول الراجح إلا بإدراك ركعة، ودليله هذا الحديث.
أما دليله من حيث القياس فنقول: إنكم تقولون: لو أدرك في الجمعة دون الركعة لزمه أن يُتِمَّها ظهرًا، حتى لو دخل في الجمعة قبل أن يُسَلِّم الإمام التسليمة الأولى فإنه لم يدرك الجمعة، وعليه أن يصلِّيها ظهرًا، فأي فرق بين الإدراكين؟ لا فرق في الواقع.
وعلى هذا فنقول: مَن لم يدرك ركعة مع الإمام فإنه لم يدرك الجماعة.
ينبني على هذا: لو أتيت إلى مسجد والإمام قد رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة، وأنت تعلم أنك ستدرك مسجدًا آخر من أول الصلاة، أو ستدرك ركعةً من المسجد الثاني، فإننا نقول لك: لا تدخل مع هذا الإمام؛ لأنك سوف تدرك جماعةً إدراكًا تامًّا في مسجد آخر.
أما على كلام المؤلف فنقول: ادخل مع الإمام؛ لأنك سوف تدرك الجماعة ما دُمْتَ أدركت تكبيرة الإحرام قبل سلام الإمام.
قال المؤلف: (وإن لحقه راكعًا دخل معه في الركعة وأجزأته التحريمة)، (إن لحقه) أي: لحق المأمومُ الإمامَ، (راكعًا) حال منين؟ من الضمير (الهاء) في قوله: (لحقه)، يعني: إن لحق الإمام راكعًا، حال كونه راكعًا، دخل معه في الركعة، ويكون قد أدرك الركعة؟ الجواب: نعم.
قال المؤلف: (وأجزأته التحريمة)، أي: تكبيرة الإحرام، عن أي شيء أجزأته؟ أجزأته عن تكبيرة الركوع، فيُكَبِّر مرةً واحدة وهو قائم، ثم يركع بدون تكبير، تجزئه تكبيرة الإحرام.
وذلك لأنهما عبادتان من جنس واحد اجتمعتا في آن واحد، فاكتُفِيَ بإحداهما عن الأخرى، هذا تعليل.
تعليل آخر: لأنه لو اشتغل بالتكبير للركوع فربما فاته الركوع، والمحافظة على الركوع أولى؛ لأن التكبير واجب للركوع، والركوع هو الأصل؛ لأنه ركن، فلهذا قالوا: إنه لا يجب عليه أن يُكَبِّر للركوع في هذه الحال.
ولكن مع ذلك نقول: إنه سنة وأفضل وأكمل؛ لأن المقام مقام احتياط؛ إذ إنه يمكن أن يقول قائل: ما دليلكم على سقوط تكبير الركوع؟ وقولكم: إنهما عبادتان من جنس اجتمعتا في آنٍ واحد، فيه نظر؛ لماذا؟ لأن تكبيرة الإحرام تكون حال القيام، وتكبيرة الركوع حال الْهوِيّ للركوع، فالمكان ليس واحدًا.
ولهذا كان القول الثاني في المسألة: أنه يجب أن يُكَبِّرَ للركوع، يجب وجوبًا، أما على المشهور فإن التكبير للركوع في هذه الحال يكون سنة.
ولكن هاهنا أمر يجب أن يُتَفَطَّن له، وهو أنه لا بد أن يُكَبِّر للإحرام قائمًا منتصبًا قبل أن يُهْوِي؛ لأنه لو أهوى في حال التكبير لكان قد أتى بالتكبيرة غير قائم، وتكبيرة الإحرام لا بد أن يكون فيها قائمًا.
وقول المؤلف: (وأجزأته التكبيرة)، لم يتكلم عن قراءة الفاتحة، وذلك لأن المؤلف -رحمه الله- يرى أنه لا قراءة على المأموم؛ ولهذا لو تعمد ترك قراءة الفاتحة فصلاته صحيحة، كما سيأتي في كلامه رحمه الله.
أما على القول الراجح من أنه يجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة في كل ركعة، فإن الفاتحة هنا تسقط عنه بمقتضى الدليل والتعليل، الفاتحة هنا إذا أدرك الإمامَ راكعًا تسقط عنه بمقتضى الدليل والتعليل.
أما الدليل فهو ما رواه البخاري من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أنه دخل مع النبي صلى الله عليه وسلم راكعًا، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء تلك الركعة، فإنه جاء مسرعًا، وكَبَّرَ قبل أن يدخل في الصف وركع، ولما سَلَّم النبي صلى الله عليه وسلم سأل: مَن الفاعل؟ فقال أبو بكرة: أنا، فقال له: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ» .
وقد رُوِيَ هذا الحديث من طريق في غير الصحيحين، قال: خشيت أن تفوتني الركعة.
ولا شك أنه لم يستعجل إلا خوفًا من أن تفوته الركعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا، وَلَا تَعُدْ»، ولو كان لم يدرك الركعة في هذه الحال لأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي الركعة، فلما لم يأمره عُلِم أنها صحيحة، وأنها مُعْتَدٌّ بها؛ هذا من جهة الدليل
من جهة التعليل: أن قراءة الفاتحة إنما تجب في حال القيام، والقيام هنا سقط ضرورةَ متابعة الإمام؛ لأنه لو قام يقرأ الفاتحة فاتت متابعة الإمام، فسقط عنه القيام، فلما سقط عنه القيام سقط عنه الذِّكْر الواجب في القيام، وهو قراءة الفاتحة.
وعلى هذ فنقول: في هذه الحال يجزئه إدراك الركوع، ويكون مُدْرِكًا للركعة.
قال المؤلف رحمه الله: (ولا قراءة على مأموم)، لا قراءة واجبة ولَّا مستحبة؟ واجبة، يعني: لا يجب على المأموم أن يقرأ مع الإمام، لا في صلاة السِّرّ، ولا في صلاة الجهر.
وعلى هذا فلو كَبَّر المأموم مع الإمام في أول ركعة، وسكت، حتى ركع الإمام، ثم تابع الإمام وقام للركعة الثانية، وسكت، حتى ركع الإمام، ثم في الثالثة والرابعة، قلنا له: إن صلاتك صحيحة؛ لأنه ليس على المأموم قراءة، لا فاتحة، ولا غير فاتحة.
ما الدليل؟ الدليل: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» ، وهذا عام يشمل الصلاة السرية والصلاة الجهرية، وهو نص في أن قراءة الإمام قراءة له؛ لأنه قال: «فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ».
ولكن هذا الحديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال ابن كثير في تفسيره -رحمه الله-، قال: رُوِيَ هذا الحديث من طرق لا يصح فيها شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: إنه ضعيف باتفاق الْحُفَّاظ، وإذا كان ضعيفًا سقط الاستدلال به؛ لأن من شرط صحة الاستدلال بالحديث، بل له شرطان، ما هو من شرط.
الشرط الأول: صحة الحديث إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، والشرط الثاني: صحة الدلالة على الحكم، فإن لم يصح عن الرسول عليه الصلاة والسلام فهو مرفوض، وإن صح ولم تصح الدلالة فهو كذلك مرفوض، هذا الحديث لا يصح.
ثم على تقدير صحته لا يدل على أن المأموم لا قراءة عليه في السرية والجهرية، إنما يدل على أنه لا قراءة عليه في الصلاة الجهرية؛ لأن قوله: «قِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» يدل على أن المأموم استمع إليها، فاكتفى بها عن قراءته، ولكن الحديث ضعيف، ولا يحل لنا أن نُثْبِت حُكْمًا في شريعة الله بدليل ضعيف؛ لأن هذا من القول على الله بما نعلم أنه لا يصح عن الله، ليس بلا علم، أشد من بلا علم، إذا أثبتنا حكمًا في حديث ضعيف فهذا أشد من القول على الله بلا علم؛ لأننا أثبتنا ما نعلم أنه لا يصح.
إذا كان كذلك ما هو القول الراجح في هذه المسألة؟
القول الراجح في هذه المسألة أن المأموم عليه قراءة الفاتحة ولا بد، وذلك لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» ، و(من): اسم موصول، واسم الموصول يفيد العموم، «لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ»، أي إنسان لم يقرأ، سواء كان مأمومًا، أو إمامًا، أو منفردًا، «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
ولا يصح أن يُحْمَل هذا النفي على نفي الكمال، بدليل ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ صَلَاةٍ لَا يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ -أَوْ قَالَ: بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ- فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ، فَهِيَ خِدَاجٌ» ، والخداج هو الشيء الفاسد، وهذا يدل دلالة واضحة على أن المراد بالنفي نفي الصحة، وهو كذلك.
فإن قال قائل: هذا الحديث عام، ولدينا حديث عام أيضًا يعارضه، بل آية في القرآن تعارضه عامة، وهي قوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا [الأعراف: ٢٠٤]، وقول النبي عليه الصلاة والسلام في الإمام: «إِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» ، وهذا عام، «إِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» يدل على عموم الإنصات، سواء عن الفاتحة أو غيرها؟
نقول: نعم، هذا صحيح، أنه عام في الفاتحة وغيرها؛ أن المأموم إذا قرأ الإمام فإنه يُنْصِت، ولكن هذا العموم مُقَيَّد بعموم: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»، حيث قاله النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن انفتل من صلاة الفجر، حينما قرأ في صلاة الفجر وثَقُلَت عليه القراءة، فلما انصرف قال: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟»، قالوا: إي والله، قال: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» ، وهذا نص صريح في الصلاة الجهرية؛ لأن صلاة الفجر صلاة جهرية.
وعلى هذا فتكون قراءة الفاتحة مُسْتَثْنَاة من قوله: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا؛ لأن هذا عام، والعام يدخله التخصيص، وكذلك من قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا»، وهذا هو مشهور مذهب الإمام الشافعي رحمه الله.
قال ابن مُفْلِح تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية: وهو أظهر، يعني: هذا القول -وجوب قراءة الفاتحة على المأموم حتى في الصلاة الجهرية- هو أظهر، وصدق؛ فإنه أظهر من القول بعدم وجوب القراءة على المأموم مطلقًا، أو في الصلاة الجهرية، لأن هذه المسألة فيها ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا قراءة على المأموم مطلقًا، وأن المأموم لو يقف ساكتًا في كل الركعات فصلاته صحيحة، وهذا قول ضعيف جدًّا.
القول الثاني: وجوبها على المأموم في كل الصلوات السرية والجهرية، وهذا مقابل للقول الأول.
القول الثالث: أنها تجب على المأموم في الصلاة السرية دون الجهرية؛ لأن الجهرية إذا قرأ الإمام فقراءة الإمام قراءة لك، والدليل على أن قراءته قراءة لك أنك تُؤَمِّن على قراءته، إذا قال: وَلَا الضَّالِّينَ [الفاتحة: ٧]، قلت: آمين.
ولولا أنها قراءة لك وأنت مُنْصِت لها ما صح أن تُؤَمِّن؛ ولأن الْمُؤَمِّن على الدعاء كفاعل الدعاء، بدليل أن موسى عليه الصلاة والسلام لما قال: وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا [يونس: ٨٨، ٨٩]، والداعي موسى بنص الآية، فكيف جاءت التثنية؟
قال العلماء: لأن موسى يدعو وهارون يُؤَمِّن، فنسب الله الدعوة إليهما، مع أن الداعي واحد، لكن لما كان الثاني مُنْصِتًا له مُؤَمِّنًا عليه صارت الدعوة دعوةً له.
وحينئذ نقول: إذا قرأ الإمام الفاتحة وأنت مُنْصِت له وأَمَّنْتَ عليه فكأنك قارئ لها، وحينئذ لا تجب القراءة على المأموم في الصلاة الجهرية إذا سمع قراءة الإمام للفاتحة.
وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، واستدل بعموم حديث أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف ذات يوم من صلاته، فقال: «مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ؟ إِنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِي الْقِرَاءَةَ» ، ثم قال: «لَا تَقْرَؤُوا فِيمَا جَهَرْتُ فِيهِ» ، فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وهذا عام.
وقال أيضًا: إن المعنى يقتضي ذلك؛ إذ كيف نقول للمأموم: اقرأ، وإمامه يقرأ؟ يكون جهر الإمام في هذه الحال عبثًا لا فائدة منه؛ لأن الفائدة من جهر الإمام هو أن يستمع المأموم إليه ويتابعه، وتتحقق المتابعة التامة، ولا شك أن هذا القول له وجهة نظر قوية، ولكن إذا جاء نهر الله بطل نهر مَعْقِل -كما يقول المثل- إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام انصرف من صلاة الفجر، وهي صلاة جهرية، ونهاهم أن يقرؤوا خلف الإمام إلا بأم القرآن، فلا قول لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإلَّا لا شك أن القول الذي فيه التفصيل له وجهة نظر قوية من حيث الدليل النظري، لكن لا يستطيع الإنسان أن يقول بخلاف ما دل عليه الحديث -حديث عبادة بن الصامت- ويتهم الإنسان رأيه في التصرف في الأدلة.
وعلى هذا فالقول الراجح في هذه المسألة: وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة السرية والجهرية، ولا تسقط إلا إذا أدرك الإمامَ راكعًا، أو أدركه قائمًا، ولم يدرك أن يُكَمِّل الفاتحة حتى ركع الإمام، ففي هذه الحال تسقط عنه.
يقول: (ولا قراءة على مأموم إلا تبعًا لإمامه).
هنا مسألة ما ذكرها الْمَاتِن، وهي أنه إذا أدرك الإمام راكعًا فإن الْمَاتِن صرَّح بأنه يُكَبِّر للإحرام، وتجزئه عن تكبيرة الركوع، وأنه لو كَبَّر للركوع لكان أفضل، لكن إذا أدركه في غير الركوع، مثل أن يدرك الإمام وهو جالس، أو يدركه بعد الرفع من الركوع، أو يدركه وهو ساجد، فهنا يُكَبِّر للإحرام لا إشكال، ولَّا لا؟ لكن هل يُكَبِّر مرةً ثانية إذا أدرك الإمام جالسًا وانحط معه أو لا يكبر؟ فاهمين الصورة إزاي ولَّا لا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: جئت والإمام جالس بين السجدتين أو للتشهد، فكبَّرت للإحرام قائمًا، فهل تنحط بتكبير أو بدون تكبير؟
طلبة: بتكبير.
طلبة آخرون: بدون تكبير.
الشيخ: هذا موضع خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إنك تنحط بلا تكبير، ومنهم من قال: إنك تنحط بتكبير.
فالذين قالوا: إنك تنحط بتكبير، قالوا: إن هذا كما لو أدركت الركوع، ألستَ إذا أدركت الركوع تُكَبِّر مرةً للإحرام ومرةً للركوع؟ إذن إذا أدركته جالسًا فكَبِّر للإحرام، ثم كَبِّر للجلوس. هذا قول.
القول الثاني يقول: لا تُكَبِّر، اجلس بلا تكبير، وحينئذ يحتاج إلى بيان الفرق بين هذا، وبين مَن أدرك الركوع.
يقول: الفرق لأن انتقالك من القيام إلى الركوع انتقال في موضعه؛ لأن الإنسان ينتقل من الركوع متى؟ من القيام، فالآن أنت قائم، ثم إذا أردت تركع تبغي تُكَبِّر، لكن دخولك مع الإمام وهو جالس إذا كبَّرت للإحرام، هل انتقالك من هذا القيام إلى الجلوس انتقال إلى ركن يليه أو إلى ركن لا يليه؟
الطلبة: لا يليه؟
الشيخ: إلى ركن لا يليه، معلوم، قال: لما كان هذا انتقالًا إلى ركن لا يليه فلا تكبير هنا؛ لأن التكبير إنما يكون بالانتقال من ركن إلى الركن الذي يليه، وهنا الركن لا يليه، فلا يكبِّر، وهذا هو المشهور عند الفقهاء رحمهم الله؛ أنه ينحط بلا تكبير؛ لأن هذا الركن الذي انحط إليه لا يَلِي الركن الذي انتقل منه، فلا يُشْرَع التكبير حينئذ.
ولكن مع هذا نقول: لو كَبَّر الإنسان فلا حرج، وإن ترك فلا حرج، ونجعل الخيار للإنسان؛ لأنه ليس هناك دليل واضح للتفريق بين الركوع وغيره؛ إذ من الجائز أن يقول قائل: نعم، القعود لا يلي القيام، لكن الذي جعلني أقعد اتباعًا للإمام، فأنا الآن انتقلت إلى ركن مأمور بالانتقال إليه، ولكن تبعًا للإمام، لا باعتبار الأصل، وهذا لا شك أنه يؤيِّد القول بأنه يُكَبِّر.
فالذي نرى في هذه المسألة أنه إن انحط بتكبير فإنه لا يلام، وإن لم يكبِّر فلا حرج
.
قال المؤلف رحمه الله: (ويُسْتَحَبُّ في إسرار إمامه وسكوته)، (يستحب) أيش اللِّي يُسْتَحَب؟ القراءة؛ قراءة الفاتحة وغيرها، (في إسرار إمامه)؛ وهذا في الصلاة السرية، (وفي سكوته)؛ وهذا في الصلاة الجهرية.
وما هي السكتات؟ السكتات: قبل الفاتحة في الركعة الأولى، وبينها وبين قراءة السورة في الركعة الأولى والثانية، وقبل الركوع قليلًا في الركعة الأولى والثانية، فإذا سكت الإمام في هذه المواضع فإنه يقرأ استحبابًا لا وجوبًا، وإذا قرأ لعارض، مثل: أن يُصَاب بسعال أو عطاس، هل يقرأ؟ نعم يقرأ؛ لأن الإمام الآن ليس يقرأ.
لكن إنما قال: في إسرار إمامه وسكوته، بناءً على الغالب، وقد يقال: إن قوله: (وسكوته) يشمل ما إذا سكت اختيارًا أو اضطرارًا لعارض.
قال: (وإذا لم يسمعه لبعد لا لطرش)، (وإذا لم يسمعه)، يعني: ويستحب أيضًا أن يقرأ إذا لم يسمع الإمامَ لبعد، مثل أن يكون المسجد كبيرًا، وليس هناك مُكَبِّر صوت، فيقرأ المأموم إذا لم يسمع قراءة الإمام، حتى غير الفاتحة؟ نعم، حتى غير الفاتحة، ولا يسكت؛ لأنه ليس في الصلاة سكوت.
قال: (لا لطرش)، الطرش: الصمم، يعني: لا إن كان لا يسمع الإمام لصمم؛ لأنه إذا قرأ لصمم أَشْغَلَ الذي حوله عن استماعه لقراءة إمامه، أما إذا كان لبُعد فإن جميع المصلِّين سوف يقرؤون، ولا يحصل به التشويش.
ثم إن الغالب أن الذي لا يسمعه لطرش أنه يرفع صوته؛ لأن المعروف أن الأصم يرفع صوته، فإذا قرأ في هذه الحال ورفع صوته شَوَّشَ على المصلين.
إذا لم يسمعه لضجَّة، كما لو كان حول المسجد وُرَش تشتغل، فهل يقرأ أو لا يقرأ؟ يقرأ؛ لأن هذا المانع من السماع عام، ليس خاصًّا به، فهو كما لو كان المانع البُعْد.
إذن إذا لم يسمعه لبعد يقرأ؛ لأن كل المصلين سيقرؤون، إذالم يسمعه لسبب عام كضجَّة ونحوها، فكذلك يقرأ؛ لأن هذا العذر عام للجميع.
إذا لم يسمع الإمام لمانع خاص فيه، وهو الصمم، فإنه لا يقرأ، اللهم إلا لو قُدِّر ولا حول ولا قوة إلا بالله أن كل المأمومين طُرْش، فحينئذ يقرأ ولَّا لا؟ يقرأ؛ لأنه في هذه الحال لن يُشَوِّش على أحد.
قال: (ويَسْتَفْتِح ويتَعَوَّذ فيما يجهر فيه إمامه).
طالب: ويستعيذ.
الشيخ: عندي (ويتعوَّذ)، المعنى واحد.
(يستفتح ويتعوَّذ فيما يجهر فيه إمامه)، يعني أن المأموم يقرأ الاستفتاح، ويقرأ التعوُّذ فيما يجهر فيه الإمام، وظاهر كلامه -رحمه الله- أنه يفعل ذلك وإن كان يسمع قراءة الإمام، وهذا اختيار بعض أهل العلم؛ أن المأموم يستفتح ويتعوَّذ ولو كان الإمام يجهر في قراءته، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن القراءة فيما يجهر فيه إلا بأم القرآن، والاستفتاح ليس بقراءة، والتعوذ ليس بقراءة، وحينئذ يَسْتَفْتِح ويتعوَّذ فيما يجهر فيه الإمام.
ولكن هذا القول فيه نظر ظاهر؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام إنما قال: «إِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» ، وهذا عام، ولأنه إذا أُمِرَ بالإنصات لقراءة الإمام حتى عن قراءة القرآن، فالذِّكر الذي ليس بقرآن من باب أولى؛ لأننا نعلم أن الشارع إنما نهى عن القراءة في حال قراءة الإمام من أجل الإنصات، كما قال الله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا، فإذا كان من أجل الإنصات فكيف نقول لهذا -على كلام المؤلف-: لا تقرأ الفاتحة، واقرأ الاستفتاح والتعوُّذ؟! هذا بعيد.
، ولهذا عندي بالشرح،فالصواب في هذه المسألة: أنه لا يستفتح ولا يستعيذ فيما يجهر فيه الإمام، ولهذا عندي بالشرح، قال: (في الشرح وغيره: ما لم يسمع قراءة إمامه)، فإذا سمع قراءة إمامه فإنه يسكت، لا يستفتح.
وعلى هذا فإذا دخلت مع الإمام وقد انتهى من قراءة الفاتحة، هل تستفتح وهو يقرأ الآن يقرأ السورة التي بعد الفاتحة؟ الآن يسقط عنك الاستفتاح، ولكن هل تقرأ الفاتحة؟ نعم، على القول الراجح تقرأ، هل تتعوذ؟ نعم؛ لأن التعوُّذ تابع للقراءة.
طالب: كيف يا شيخ نوجِّه حجة شيخ الإسلام في دليله على عدم وجوب قراءة الفاتحة، ولو استدل بأدلة، كيف نوجهها؟
الشيخ: والله كما قلت لك، ما دام فيه حديث صحيح -حديث عبادة- أنه انفتل من صلاة الفجر وقال: «لَا تَقْرَؤُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ» ، هذا نص صريح.
طالب: ما فيه توجيه؟
الشيخ: أبدًا، ما فيه توجيه، هو لو كان في غير صلاة الفجر أمكن، لكن في صلاة الفجر..
طالب: أقصد دليل الشيخ، كيف نوجهه؟
الشيخ: كيف نرد عليه؟
طالب: كيف نرد عليه؟
الشيخ: نعم نرد عليه بالحديث، نقول: لا قياس مع النص.


طالب: بعض الناس يا شيخ في صلاة التراويح إذا صلى ركعة جلس، حتى إذا انتهى الإمام من القراءة قام وركع، فيُفَوِّت على نفسه قراءة الفاتحة وتكبيرة الركوع.
الشيخ: كيف، لا ما يُفَوِّت.
الطالب: يُفَوِّتها إذا كان الإمام..
الشيخ: يعني قصدك جلس وما دخل في الصلاة يعني؟
الطالب: لا، داخل في الصلاة، انتهى من ركعة، والركعة الثانية تأخَّر حتى قارب الإمام الركوع فقام..
الشيخ: هو في هذه الحال ما دام نفلًا سيُكَبِّر إذا قام من السجود، وينوي بهذا الجلوس أنه في محل القيام.
الطالب: لكن أسقطنا الفاتحة من معذور، هذا غير معذور.
الشيخ: يقرأ الفاتحة وهو جالس.

طالب: شيخ، الرسول صلى الله عليه وسلم عندما انصرف من صلاة الفجر فقال: «لَا تَقْرَؤُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» ، فلا نقول يا شيخ: إن الأمر بعد النهي للاستحباب؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: «لَا تَقْرَؤُوا».
الشيخ: لا، كونه يستثنيه من النهي يدل على الوجوب؛ لأنه لا يُسْتَبَاح المحرَّم إلا بواجب.

***

الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن ركع أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرفع ليأتي به بعده..
الشيخ: ليأتِيَ، لماذا نصبناه هنا؟
الطالب: لأنه جواب الطلب.
الشيخ: كيف جواب الطلب؟ وين الطلب؟
الطالب: جواب الشرط.
الشيخ: وين جواب الشرط؟
الطالب: (ومَن).
الشيخ: جواب الشرط (فعليه).
الطالب: مجزوم باللام بـ(أن) مُضْمَرَة جوازًا.
الشيخ: منصوب بلام (كي).
الطالب: بـ(كي).
الشيخ: لكي، نعم.
الطالب: فإن لم يفعل عمدًا بطلت، وإن ركع ورفع قبل ركوع إمامه عالِمًا عمدًا بطلت، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا بطلت الركعة فقط، وإن ركع ورفع قبل ركوعه ثم سجد قبل رفعه بطلت، إلا الجاهل والناسي، ويصلي تلك الركعةَ قضاءً.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
رجل أدرك الإمام راكعًا، ثم كبَّر للإحرام، فهل تلزمه تكبيرة الركوع أو لا؟
طالب: لا تلزمه.
الشيخ: لا تلزمه، ولكن؟
الطالب: تجزئ عنه.
الشيخ: تجزئ، ولكن هل يُسْتَحَبُّ أن يكبِّر أو لا يستحب؟
الطالب: يُسَنُّ له أن يكبِّر.
الشيخ: يُسَنُّ له أن يكبِّر، لماذا لا تلزمه تكبيرة الركوع مع أن تكبيرات الانتقالات من الواجبات؟
طالب: لا تلزمه؛ لأن أولًا تكفي عنها تكبير الإحرام؛ لأن تكبيرة الركوع داخلة في تكبيرة الإحرام إلى أن ينتقل منها، الثاني إذا خشي فوات الإمام فلا يكبِّر.
الشيخ: ما هو بواضح.
طالب: أنهما عبادتان من جنس واحد فتداخلتا.
الشيخ: اجتمعتا؟
الطالب: في وقت واحد.
الشيخ: فتداخلتا. ما تقول في هذا التعليل، صحيح ولَّا غير صحيح؟
طالب: من وجه صحيح، ولكن قد يَرِد عليه مورد؛ لأن هذا واجب، والثاني ركن.
طالب آخر: نُجِيب على هذا التعليل بشيئين قيل: أن تكبيرة الإحرام يكون حالة قيامه، بينما تكبيرة الركوع تكون حال أن يهوي إلى الركوع.
الشيخ: فلم يجتمعا في وقت، هذا واحد، وعلى هذا فنقول: لا بد من تكبيرة الركوع، وهذا قول لبعض العلماء، لكن الذين قالوا بالأول يقولون: إن هذا أيضًا من باب التخفيف؛ لأن الإنسان ربما يكون حريصًا على إدراك الركوع، فلو تشاغل بالتكبير فَاتَهُ الركوع.
هل على المأموم قراءة الفاتحة؟
طالب: على قول المؤلف: لا قراءة على المأموم.
الشيخ: نعم، ما الدليل؟
الطالب: الدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم صلَّى الفجر بأصحابه..
الشيخ: لا، ما الدليل على أنه لا قراءة على مأموم؟
طالب: حديث ابن عمر، وقال: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا» .
الشيخ: لا يا أخي.
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ..».
الشيخ: يعني ما يُرْوَى عن النبي.
الطالب: يُرْوَى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» .
الشيخ: تمام، هذا هو الدليل. فيه قول آخر؟
طالب: أنه يجب عليه قراءة الفاتحة.
الشيخ: أن الفاتحة واجبة على المأموم كالإمام، ما الدليل؟
الطالب: الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى ذات مرة الفجر، ثم قال بعده: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ مَعِي» ..
الشيخ: والله ما خَلِّيت الدليل مرتب، الدليل: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ»..
طلبة: «بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
الشيخ: هذا الدليل، وهذا عام. لو قال قائل: هذا يُحْمَل على غير المأموم؟
طالب: إي نعم، نقول: إن هذا القول معارَض بالحديث الصحيح الذي ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه جعل على المأموم في الجهرية قراءة، فقال: لا تفعلوا إلا بأم الكتاب.
الشيخ: هو قال: إن هذا عام مخصوص بالمأموم، نقول: هات الْمُخَصِّص أولًا، ونبقى على دليلنا هذا؛ على العموم، فإذا قال: الْمُخَصِّص: «وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» ، وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ، ماذا نقول؟
الطالب: نقول: هذا لا يستقيم أن يكون مُخَصَّصًا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بَيَّن أن قول الرسول: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» على عمومه (...) من جهة المأموم؛ لأنه في الجهرية التي هي تختص بقول الله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواأَمَرَ كذلك بأن يقرأ المأموم خلف إمامه بالفاتحة.
الشيخ: حديث عبادة بن الصامت أنه صلى بهم الفجر، وقال: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ»، فقال: «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» .
الحديث الذي استَدَلَّ به: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» ، بماذا تجيب؟
الطالب: نقول: إن هذا الحديث ضعيف، وقد حكى صاحب الفتح أن الحُفَّاظ..
الشيخ: الحافظ ابن حجر.
الطالب: أن الحفاظ قد أجمعوا على تضعيفه، وذكر ابن كثير أيضًا في تفسيره أنه ضعيف..
الشيخ: أنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم من جميع طرقه. ثم على تقدير صحته؟
الطالب: نقول: هذا مخصوص بالجهرية، عندما يقرأ الإمام تكون قراءة الإمام قراءة للمأموم.
الشيخ: ومخصوص بقراءة الفاتحة، نقول: فقراءة الإمام له قراءة، هذه عامة، لكن تُحْمَل على غير الفاتحة؛ لأنه قد ثبت أن الفاتحة لا بد منها.
الطالب: ويرد عليهم يا شيخ: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» ؟
الشيخ: لا، هذه من جنس العموم الذي لو صح التخصيص لَخُصِّص، لكن على كل حال هذا هو القول الراجح، مع أننا نقول: إن تعليل قول من قال: إنها تجب على المأموم في السرية دون الجهرية، هذا التعليل قوي لا شك فيه، لكني أقول: لا عذر للإنسان إذا صح الحديث في عدم الأخذ به، ولَّا ما فيه شك أن القياس يقتضي أن الجهرية ليس فيها قراءة، لكن ما دام المسألة ورد فيها حديث فلا قياس مع النص.
المؤلف يقول: إذا لم يسمع الإمام هل يقرأ أو لا؟
طالب: إذا لم يسمع الإمام (...) يكون لطرش أو يكون لبُعد، فإذا كان لبعد فإنه يُسْتَحَبُّ له أن يقرأ -على قول المؤلف- وليس بواجب، وإذا كان لطرش فلا يُسْتَحَبُّ له أن يقرأ؛ لأنه سيشوش على المأمومين.
الشيخ: المأموين الذين يستمعون لقراءة الإمام، تمام. إذا لم يسمعه لأصوات حول المسجد؟
طالب: كذلك يقرأ؛ لأن هذه عامة.
الشيخ: عامة لجميع..؟
الطالب: عامة لجميع المصلين.
الشيخ: فكأنهم بعيدون.

***

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومَن ركع أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرفع –يقول: أي يرجع- ليأتي به بعده).
(مَن) يعني: أي مأموم ركع أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرفع، يعني أن يرجع، من ركوعه إن كان ركوعًا، أو سجوده إن كان سجودًا، لماذا؟ ليأتي به بعده.
وقوله: (فعليه)، (على) تفيد الوجوب، أي: يجب عليه أن يرجع ليأتي به بعده، وإنما وجب عليه الرجوع من أجل المتابعة؛ لأنه إذا رجع أتى به بعد إمامه، وهذا الركوع أو السجود الحاصل قبل ركوع الإمام أو سجوده غير مُعْتَدٍّ به شرعًا؛ لأنه في غير محله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، إِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» ، فإذا ركعت قبله، أو سجدت بعده، فقد أتيت به في غير موضعه، فيكون لاغيًا، ولهذا أوجبنا عليه الرجوع ليأتي به بعد الإمام.
وعُلِمَ من كلام المؤلِّف من فحواه أن هذا العمل مُحَرَّم، يعني أن يركع المأموم قبل الإمام، أو أن يسجد قبل الإمام، وهو كذلك مُحَرَّم.
ودليل هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، لَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ» ، والأصل في النهي التحريم.
بل لو قال قائل: إنه من كبائر الذنوب لم يبعد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ، أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ» ، وهذا وعيد، والوعيد من علامات كون الذنب من كبائر الذنوب.
وعلى هذا فنقول: إن هذا الرجل فعل كبيرةً من كبائر الذنوب الْمُتَوَعَّد عليها، بأن الله يُحَوِّل رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار، وسواء كان هذا شَكًّا من الراوي، أو تنويعًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأن العقوبة إما أن يُحَوَّل الرأس رأس حمار، أو تُجْعَل الصورة صورة حمار.
إذن نفهم من هذين الحديثين النهي عن الركوع والسجود قبل الإمام، والوعيد على من فعل أنَّ سَبْقَ الإمام حرام.
إذا كان حرامًا فكلام المؤلف كما ترى لا يدل على أن الصلاة لا تبطل به، ولكن عليه أن يرجع ليأتي به بعده، فإذا فعل -رجع وأتى به بعده- فالصلاة صحيحة، عرفتم يا جماعة هذا؟
القول الثاني في المسألة: أنه إذا ركع أو رفع قبل إمامه عامدًا فصلاته باطلة؛ لأنه فعل محظورًا في الصلاة، والقاعدة: أن فعل المحظور في العبادة يوجِب إبطالها.
وهذا القول هو الصحيح؛ أنه بمجرد السبق عمدًا تبطل الصلاة؛ لأنه فعل مُحَرَّمًا، والقاعدة العامة أن فعل المحرَّم في العبادة يوجِب بطلانها، وهذا هو الذي يقتضيه كلام الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في رسالة الصلاة، وقال: إنه كيف نقول: صلاته صحيحة وهو آثم؟!
وعلى هذا نقول: إن هذا الرجل بمجرد السبق إلى الركوع أو إلى السجود تبطل صلاته ولا تصح، ولو رجع وأتى به بعد الإمام فإن صلاته لا تصح.
فماذا يصنع إذن؟ نقول: يستأنف الصلاة، يُلْغِي ما سبق ويبدأ الصلاة من جديد، يدخل في الصلاة من جديد، فإن أتم الصلاة وجب عليه إعادة الصلاة كاملة؛ لأن الصلاة هذه وقعت باطلة فلا تصح.
هذا السبق يسميه العلماء السبق إلى الركن؛ لأنه سيأتينا إن شاء الله سبق إلى الركن، وسبق بالركن، وسبق بركنين.
فإذن فهمنا الآن إذا ركع أو رفع أو سجد قبل إمامه عامدًا عالِمًا فصلاته باطلة، أما المذهب فصلاته لا تبطل، لكن عليه أن يرجع ليأتي به بعد الإمام.
مَن رفع من السجود أو من الركوع قبل إمامه؟ الحكم واحد، إذا رفع قبل رفع إمامه من الركوع عالِمًا عمدًا فصلاته باطلة، وإذا رفع من السجود فكذلك صلاته باطلة، على القول الصحيح.
أما على كلام المؤلف فإنه لا تبطل الصلاة، لكن يجب عليه أن يرجع ليأتي بذلك بعد الإمام.
يقول المؤلف رحمه الله: (فإن لم يفعل عمدًا بطلت): إن لم يفعل، أيش يفعل؟ يعني: إن لم يرجع، لو ركع قبل الإمام ولم يرجع حتى لحقه الإمام فإن صلاته تبطل؛ ولهذا قال المؤلف: (فإن لم يفعل عمدًا بطلت).
فصار إذا سبقه إلى الركن، ماذا نقول؟ على القول الراجح بطلت صلاته إذا كان عالمًا متعمِّدًا، على كلام المؤلف نقول: ارجع لتأتي به بعد إمامك، فإن لم يفعل بطلت صلاته
.
قوله: (فإن لم يفعل عمدًا)، إذا لم يفعل سهوًا أو جهلًا فصلاته صحيحة، يعني: رجل ركع قبل الإمام وهو لا يعرف أن هذا حرام، ولا يعرف أنه يجب عليه الرجوع، حتى لحقه الإمام، فصلاته صحيحة.
قال: (وإن ركع ورفع قبل ركوع إمامه عالمًا عمدًا بطلت)، (إن ركع ورفع قبل الركوع)، هنا سبق الإمام..
طالب: بركنين.
الشيخ: لا، بركن واحد، وهو الركوع؛ لأنه لا يُعَدُّ سابقًا بالركن حتى يتخلص منه، لو ركع ولحقه الإمام في الركوع ما نقول: إنه سبق الإمام بركن، نقول: إنه سبق الإمام إلى الركن، الركن الذي يدركك فيه الإمامُ لم تسبقه أنت، ما تعدَّيْتَه حتى نقول: إنك سبقت به، لكن نقول: سبقت إليه.
أما المثال الثاني الذي جاء به المؤلف، يقول: (إن ركع ورفع قبل ركوع إمامه)، حينئذ سبقه بركن وهو الركوع.
يقول المؤلف: (عالِمًا عمدًا بطلت، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا بطلت الركعة فقط)، هذا أيضًا السبق بالركن؛ بركن الركوع، إذا سبقه بركن الركوع ولكنه ركع ورفع، هذا السبق بالركن فله حالان؛ الحالة الأولى: ألَّا يكون معذورًا بجهل أو نسيان، فما جكم صلاته؟ تبطل صلاته.
الحال الثانية: أن يكون معذورًا بجهل أو نسيان فتبطل ركعته فقط، يعني ويلغي الركعة هذه.
إذا سَلَّم الإمام وقد دخل مع الإمام في أول ركعة يأتي بركعة؛ لأن الركعة التي حصل فيها السبق بطلت.

أعيد مرة ثانية.
السبق إلى الركن لا يُبْطِل الصلاة إلَّا إذا لحقه الإمام فيه، أما لو رجع ثم تابع الإمام فصلاته صحيحة -نمشي على كلام المؤلف.
وإن شئتم قلنا: إذا سبق إلى الركن فإنه يجب عليه أن يرجع ليأتي به بعده، فإذا فعل فصلاته صحيحة، إذا لم يفعل حتى لحقه الإمام فإن كان جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة، وإلا فصلاته باطلة.
إذن له حالان في الواقع؛ إما أن يكون عالِمًا ذاكرًا فصلاته باطلة، إلَّا أن يرجع ويأتي به بعده.
وإن كان جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة.
خذوا هذه: إذا سبقه بالركن بأن ركع ورفع قبل أن يركع الإمام، فإن كان عمدًا بطلت صلاته، وإن كان جهلًا أو نسيانًا بطلت الركعة فقط.
إذن السبق إلى الركن ما فيه بطلان ركعة؛ إما بطلان الصلاة، وإلَّا صحة الصلاة، هذا أيضًا فيه حالان ولَّا لا؟ فيه حالان.
قال المؤلف: (وإن ركع ورفع قبل ركوعه، ثم سجد قبل رفعه بطلت، إلا الجاهل والناسي، ويصلي تلك الركعة قضاء).
(إن ركع ورفع قبل ركوعه، ثم سجد قبل رفعه -قبل رفع الإمام- بطلت صلاته)، التمثيل بالركوع في الواقع فيه شيء من النظر، وذلك لأن هذه المسألة هي القسم الثالث؛ أن يسبقه بركنين اثنين، إذا سبقه بركنين غير الركوع فإنه إن كان عالِمًا متعمِّدًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا بطلت ركعته، ولهذا قال: بطلت صلاته، إلا الجاهل والناسي، ويصلِّي تلك الركعة قضاءً.
وهذا القسم الثالث -السبق بالركنين- إنما يكون في غير الركوع، نقول أيضًا: له حالان؛ إن كان عالِمًا ذاكِرًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا بطلت ركعته ويصلِّيها قضاءً.
ولنرجع الآن لنكرر من جديد لو أتعبنا أفكاركم، لكن لأن المقام يقتضي ذلك.
أولًا: السبق إلى الركن، السبق بركن الركوع، السبق بركن غير الركوع، السبق بركنين غير الركوع.
السبق إلى الركن له حالان؛ إما أن يكون عالِمًا ذاكِرًا فهذا يلزمه الرجوع حتى يأتي به بعد الإمام، فإن لم يفعل بطلت صلاته، ما فيه بطلان ركعة، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة، ما عليه شيء.
السبق بركن الركوع؛ إن كان عالِمًا ذاكِرًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا بطلت ركعته.
السبق بركن واحد غير الركوع، مثل أن يسجد ويرفع قبل أن يسجد الإمام، يقولون: إن السبق بركن واحد غير الركوع كالسبق إليه، يلزمه أن يرجع ليأتي به بعد الإمام، فإن لم يفعل فإن كان عالِمًا ذاكِرًا بطلت صلاته، وإلَّا صحت صلاته، يعني أن السبق بركن غير الركوع كالسبق إلى الركن؛ ما فيه بطلان ركعة، فيه إما بطلان الصلاة، وإما عدم البطلان.
الرابع: السبق بركنين غير الركوع، حكمه كالسبق بركن الركوع؛ إن كان عالِمًا ذاكِرًا بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا أو ناسيًا بطلت ركعته.
إذن صار السبق -سبق الإمام- ينقسم إلى أربعة أقسام:
السبق إلى الركن.
السبق بركن الركوع.
بركن غير الركوع.
بركنين غير الركوع.
ما هما القسمان اللذان يتَّفِقان؟ السبق بركن الركوع وبركنين غير الركوع.
أما السبق إلى الركن فكل الأركان تتفق؛ إن كان جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة، وإن كان عالِمًا وجب أن يرجع ليأتي به بعد الإمام، وتصح صلاته، فإن لم يفعل بطلت صلاته.
القول الصحيح في هذه المسألة لا يحتاج إلى تعب، نقول: إن كان عالِمًا ذاكِرًا بطلت صلاته؛ سواء سبق إلى الركوع، أو بركن الركوع، أو بركنين من غيره، أو بركن غير الركوع، المهم إذا كان عالِمًا ذاكِرًا بطلت صلاته، وعرفتم الدليل.
إن كان جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة، إلا أنه إن ذَكَر أو عَلِم وتَمَكَّن من الرجوع ليأتي به بعد الإمام فهو واجب عليه، وإن لحقه الإمام قبل أن يتذكر أو يعلم فصلاته صحيحة
.
فالقول الصحيح الحقيقة مع أنه هو الموافق للأدلة هو سهل التصور، ماذا نقول على القول الصحيح؟ إن كان عالِمًا ذاكِرًا بطلت صلاته، ولا حاجة للتفصيل؛ ركوع، سجود، ركن، ركنين، بمجرد السبق تبطل الصلاة، إن كان جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة. لكن إن ذكر -مثلًا نسي وركع قبل الإمام- إن ذكر وجب عليه الرجوع، إذا كان الإمام ما بعدُ ما وصل إليه، فإن وصل إليه الإمام فصلاته صحيحة.
كذلك إذا كان جاهلًا، مثل لو أن المأموم سمع إمامه يقرأ، ووصل إلى آية سجدة، مثل: كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق: ١٩]، فركع الإمام، وظن المأموم أنه ساجد، ويش بيصنع المأموم؟ سيسجد، الآن سجد قبل إمامه، لكن لَمَّا قال: سمع الله لمن حمده، عرف أنه راكع ولم يسجد، ماذا يصنع هذا الرجل؟ نقول: قم الآن واركع، والحق إمامك، وصلاته صحيحة؛ لأنه سبق الإمام جاهلًا.
وعلى هذا فنقول: على القول الراجح المسألة لا تحتاج إلى تفصيل، ولا إلى تقسيم، المسألة إما أن يكون عالِمًا ذاكِرًا فتبطل الصلاة، وإما أن يكون جاهلًا أو ناسيًا فصلاته صحيحة، لكن إن زال عذره وتَمَكَّن من الرجوع ليأتي به بعد الإمام كان ذلك واجبًا عليه، فإن لم يفعل في هذه الحال بطلت صلاته
.
طالب: صار عالِمًا.
الشيخ: هو الآن جاهل ناسٍ، لكن ذَكَر قبل أن يصل الإمام إلى مكانه، أو عَلِمَ قبل أن يصل إلى مكانه، ولكن تعمد أن يبقى، فحينئذ تبطل؛ لأنه ترك الواجب عليه؛ لأن الواجب عليه لَمَّا زال عذره أن يرجع من أجل أن يتابع الإمام، فإذا فعل وأَصَرَّ على أن يبقى وهو عالِم ذاكِر بطلت صلاته.
التفصيل على ما مشى عليه المؤلف، وهو المذهب، ينقسم إلى أربعة أقسام:
سبق إلى..