قلنا بلسان المؤلف رحمه الله، قلنا: الأصلُ أنَّ إقامةَ المسافرِ في أيِّ مكانٍ
تقطع السفر، هذا الأصلُ عندهم؛ لأن المعروف أن المسافر يسير ولا ينزل إلا ضَحْوةً
أو عَشِيَّةً، أمَّا أن ينزل أكثر من ذلك فإنَّ هذا خلافُ الأصلِ، فإذا كان الأصلُ
أنَّ المسافر إذا أقام في البلد أو في المكان غيرِ البلدِ الأصلُ أن إقامتَه تقطع
السفر؛ فنقول: سُومِح في الأيام الأربعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقامها ولم
ينقطع السفرُ في حقِّه، وقَصَر، فيبقى ما زادَ عليها على القاعدة؛ وهي أنَّ الأصلَ
أنَّ المسافرَ إذا وَصَلَ إلى بلدٍ، الأصل فيه أنه ينقطع سَفَرُه.
فإذا كان هو
الأصلَ نقول: خولِفَ فيما كان أربعةَ أيامٍ بفِعْل الرسول عليه الصلاةُ والسلامُ،
فيبقى ما عداه على الأصل؛ وهو المنعُ من الترخُّص، ووجوبُ الإتمامِ، وامتناعُ
المسحِ على الخفَّينِ أكثر من يومٍ وليلةٍ، ومنعُ الإفطار في رمضان، المهم جميعُ
أحكامِ السفرِ تنقطع إلَّا حكمًا واحدًا فإنه يبقى، وهو صلاة الجمعة؛ فإن صلاة
الجمعة تَلْزم هذا الرجل، ولا يصحُّ أن يكون إمامًا فيها، ولا أن يكون خطيبًا فيها،
ولا أن يَتِمَّ به العدد على القول باشتراط العدد، فصار هنا مسافرًا من وجْهٍ،
مقيمًا من وجْهٍ؛ ففي الجمعة ليس من المقيمين؛ لأنها لا تنعقد به الجمعة، ولا يصحُّ
أن يكون إمامًا فيها ولا أن يكون خطيبًا فيها، ولا تسقطُ عنه، بلْ تجب عليه، فيما
عدا ذلك حُكْمه حُكْم المقيم، لكنْ في الجمعة لا، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
وهذه
المسألةُ من مسائل الخلاف التي كثرتْ فيها الأقوالُ؛ فقد زادت الأقوالُ فيها على
عشرين قولًا لأهل العلم رحمهم الله، وسببُ ذلك أنه ليس فيها دليلٌ فاصلٌ ينقطع به
النزاع، فلهذا اضطربت فيها أقوال أهل العلم، فأقوال المذاهب المتبوعة هي:
أولًا:
مذهب الحنابلة رحمهم الله؛ المشهور عندهم أنه إذا نَوَى إقامة أكثر من أربعةِ أيامٍ
انقطعَ حُكم السفر في حقِّه ولَزِمه الإتمامُ، لكنْ لا ينقطع بالنسبة للجمعة؛ لأن
الجمعة يُشترط فيها الاستيطانُ، وهذا غيرُ مستوطِن. وبناءً على هذا القول ينقسم
الناس إلى: مسافرٍ، ومستوطِنٍ، ومقيمٍ غيرِ مستوطِنٍ.
المسافرُ أحكامُ السفرِ في
حقِّهِ ثابتةٌ.
والمستوطِنُ أحكامُ الاستيطان في حقِّه ثابتةٌ، ولا يُستثنى من
هذا شيءٌ.
والمقيمُ غيرُ المستوطِن تثبتُ في حقِّه أحكامُ السفر من وجْهٍ وتنتفي
من وجْهٍ آخر.
لكن هذا التقسيم يقول شيخ الإسلام: إنه ليس عليه دليلٌ لا من
الكتابِ ولا من السُّنةِ ولا من الإجماعِ. تقسيمُ الناسِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
مسافرٍ، ومستوطِنٍ، ومقيمٍ غيرِ مستوطِنٍ، هذا لا دليل عليه.
القول الثاني من
أقوال المذاهب المتبوعة، يقول: إذا نَوَى إقامة أربعة أيامٍ فأكثر فإنه يَلْزمه
الإتمام، لكنْ لا يُحسَب منها يومُ الدخول ويومُ الخروج، وعلى هذا تكون
الأيام؟
طلبة: ستة.
الشيخ:
ستة؛ يومُ الدخولِ، ويومُ الخروجِ، وأربعةٌ بينهما. وهذا هو المشهور من مذهب
الشافعي.
القول الثالث: إذا نَوَى إقامة أكثر من خمسةَ عشَرَ يومًا أتَمَّ، وإنْ
نَوَى دونها قَصَرَ. وهذا مذهبُ أبي حنيفة رحمه الله.
فيه أيضًا مذاهب أُخرى لا
حاجةَ لنا بها؛ لأنها مذاهبُ فرديَّةٌ؛ مثل ما ذَهَبَ إليه ابنُ عباس رضي الله
عنهما بأنه إذا نَوَى إقامةَ تسعةَ عشَرَ يومًا قَصَرَ، وما زادَ فإنه لا يَقصُر
.
ولكنْ إذا
رجعنا إلى ما يقتضيه ظاهرُ الكتابِ والسُّنةِ وجدْنا أن القول الذي اختاره شيخ الإسلام رحمه الله هو القول
الصحيح؛ وهو أن المسافرَ مسافرٌ، سواء نَوَى إقامةَ أكثر من أربعةِ أيامٍ أو
دونها؛ وذلك لعموم الأدلَّة الدالَّة على ثبوتِ رُخَصِ السفرِ للمسافر بدون
تحديدٍ؛ لم يحدِّد النبي عليه الصلاة والسلام، بلْ لم يحدِّد اللهُ في كتابه
ولا رسولُه صلى الله عليه وسلم المدةَ التي ينقطع بها حُكم السفر؛ ففي القرآن:
وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ [النساء: ١٠١]، إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِوهذا عامٌّ يشمل كلَّ ضاربٍ، ومن المعلوم أن
الضربَ في الأرض أحيانًا يحتاج إلى مدَّةٍ؛ قال الله تعالى: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل: ٢٠]، فالذين يضربون في الأرض للتجارة -مَثَلًا- هل التاجر
يكفيه أن يُقيم أربعةَ أيامٍ فأقلَّ في البلد؟
ربما يكفيه وربما لا يكفيه، قد
يكفيه يومٌ واحدٌ يُصفِّي ويمشى، وقد تكون السلعة ثقيلة المشي يتأخر أربعة أيامٍ،
خمسةَ أيامٍ، عشرةَ أيامٍ، وقد يكون هو يطلبُ سلعةً لا تَحْصل في أربعة أيام يجمعها
من هنا وهناك، فعلى كلِّ حالٍ الآيةُ عامَّة؛ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ.
والنبي صلى الله عليه وسلم أقام مُدَدًا مختلفة يَقْصُر
فيها؛ فأقام في تبوكَ عشرين يومًا يقصُر الصلاة، وأقام في مكة عامَ الفتح تسعةَ
عشَرَ يومًا يقصُر الصلاة، وأقام في مكة عام حجَّة الوداع عشرة أيامٍ يقصُر الصلاة؛
لأن أَنَسًا سُئِل رضي الله عنه: كمْ أقمتم في مكة؟
-يعني في حجَّة الوداع- قال: أقَمْنا بها عشرًا .
لأنه أضاف أيامَ الحجِّ إلى الأيام المتقدمة؛ يعني إلى الأيام الأربعة، ومن المعلوم
أن النبي عليه الصلاة والسلام قدم مكة في يوم الأحد الرابع من ذي الحجة، وخرج في
اليوم الرابع عشر من ذي الحجة، فتكون الإقامة عشرة أيام.
فإن قال قائل: ما
تقولون في دليل من يَرَى أنه إذا أقام أكثر من أربعة أيامٍ لَزِمه الإتمام، وهو
الاحتجاج بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أقام أربعة أيامٍ قبل أن يخرج إلى
مِنى؟
فالجواب على هذا أن نقول: إن هذا دليلٌ عليهم وليس دليلًا لهم، هو في
الحقيقة دليلٌ عليهم لِمَنْ تأمَّله وليس دليلًا لهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم
قَدِم مكةَ في اليوم الرابع كما قلنا اتفاقًا، ولا أحد يشكُّ في هذا، وهل عندنا
دليلٌ على أنه لو قَدِم في اليوم الثالث أتَمَّ؟ ما فيه دليل، بلْ نعلم أن النبي
صلى الله عليه وسلم يعلم بأن الناس يقدمون للحج قبل اليوم الرابع؛ يعني ليس كل
الحجاج لا يقدمون إلا من الرابع فأقل؛ يقدمون قبل الرابع، يقدمون في أول ذي الحجة،
في ذي القعدة، في شوال؛ لأن أشهر الحج تبتدئ من شوال، ولم يقُل للأمَّة: من قَدِم
مكةَ قبل اليوم الرابع فلْيُتِمَّ. ومن المعلوم لو كانت شريعة الله أن مَن قَدِم
قبل اليوم الرابع من ذي الحجة إلى مكة لَزِمه أن يُتِمَّ، لو كانت هذه شريعةَ الله
لَوَجَبَ على النبي صلى الله عليه وسلم أن يُبيِّنها لدُعاء الحاجة للبلاغ
والتبيين، فلما لم يبيِّن ولم يقلْ للناس: مَنْ قدم قبل اليوم الرابع فإنه يلزمه
الإتمام، عُلِم أنه لا يَلْزمه، فيكون هذا الحديث دليلًا على أنه لا يَلْزم
الإتمامُ مَن نوى إقامةَ أكثر من أربعة أيام.
ثم نقول: سبحان الله! أربعة أيامٍ
كمْ مِن ساعة؟
طالب: ستٌّ وتسعون.
الشيخ: ستٌّ وتسعون ساعة. نقول: مَن نوى إقامةَ ستٍّ وتسعين
ساعةً فله أن يقصُر، ومَن نوى إقامة ستٍّ وتسعين ساعةً وعشر دقائق فليس له أن
يقصُر؛ لأن الأولَ مسافرٌ والثانِيَ غيرُ مسافرٍ؛ مقيمٌ، أين هذا التحديد في الكتاب
والسُّنة حتى نقول بأنه واجب؟
والصلاةُ -كما نعلم- أعظمُ أركانِ الإسلامِ بعد
الشهادتين، فكيف نقول للأمَّة: هذا الرجل الذي نوى إقامةَ ستٍّ وتسعين ساعةً وعشر
دقائق لو قَصَر قُلنا: صلاتك باطلة؟! مسألةٌ عظيمةٌ ما هي هيِّنة، ومِثْل هذا لا
يمكن أن يُترك بلا بيان، وتَرْك البيان بيانٌ في الحقيقة؛ تَرْك البيان في موضعٍ
يحتاج إلى البيان يُعتبر بيانًا؛ إذ لو كان خلافَ الواقعِ والواجبِ لبُيِّن، وعلى
هذا فنقول: إن القول الراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن
تيمية رحمه الله من أن المسافرَ مسافرٌ ما لم ينوِ واحدًا من أمرينِ: الإقامة
المطْلقة، أو الاستيطان.
والفرق بينهما أن (الاستيطان) ينوي أن يتَّخذ هذا
البلدَ وطنًا، انتهى، طلَّق جميع البلدان سِوَاه بالثلاث واتَّخذ هذا البلدَ
وطنًا.
(الإقامة المطْلقة) أنه يأتي لهذا البلد ويرى أن الحركةَ فيه
كبيرةٌ أو طلب العلمِ فيه قويٌّ، فينوي الإقامة مطْلقًا بدون أن يقيِّدها بزمنٍ أو
بعملٍ، لكن نيَّته أنه مقيمٌ؛ لأن البلد أجاز له إمَّا بكثرة العلم، أو بقوَّة
التجارة، أو إنسان موظَّف للحكومة ووضعته هنا كالسُّفراء مثلًا، الأصل عَدَم السفر
في هذا ولَّا السفر؟ عَدَم السفر؛ لأنه نوى الإقامة، فنقول: هذا ينقطع حُكم السفر
في حقِّه. أمَّا من قيَّد الإقامةَ بعملٍ ينتهي أو بزمنٍ ينتهي فهذا مسافرٌ ولا
تتخلَّف أحكام السفر عنه.
ثم إننا إذا تأمَّلنا القولَ بأنه تنقطع أحكامُ السفر
إذا نوى إقامةَ أكثر من أربعة أيامٍ وجدْنا هذا القول متناقضًا، وجْهُ التناقض
ذكرناه قبل قليلٍ؛ أنه في الجمعة في حُكم المسافرين، وفي غير الجمعة في حُكم
المقيمين، أين هذا التفصيل؟! فمِثْل هذه الأمور تحتاج إلى دليلٍ وتوقيفٍ، ولهذا ما
أَحْسنَ قولَ صاحبِ المغني رحمه الله لَمَّا ذكر أن تحديد السفر بالمسافة
مرجوحٌ؛ قال: إن التحديد توقيفٌ، حدٌّ من حدود الله يحتاج إلى دليلٍ، فأيُّ إنسانٍ
يحدِّد شيئًا أطْلقه الشارعُ فعليه الدليل، أيُّ إنسانٍ يخصِّص شيئًا عمَّمَه
الشارعُ فعليه الدليل. لماذا يا إخوان؟ لأن التقييد زيادةُ شرطٍ، والتخصيص أيضًا
إخراجُ شيءٍ من نصوص الشارع، ولا يحلُّ لأحدٍ أن يُضيف إلى ما أطْلقه الشارع شرطًا،
ولهذا قلنا في المسح على الخفَّينِ: الصحيح أنه لا يُشترط فيه ما اشترطه الفقهاء من
كونه ساترًا لمحلِّ الفرض بحيثُ لا يتبيَّن فيه ولا موضع الخَرْز، وقُلنا: إن ما
سُمِّي خُفًّا فهو خُفٌّ، سواءٌ كان مُخرَّقًا أو كان رقيقًا أو ثخينًا أو سليمًا؛
لأن الشرع إذا أَطْلق شيئًا فلا يحلُّ لنا أن نقيِّده، كما أنه إذا عمَّمَ شيئًا لا
يحل لنا أن نُخرِج بعضَ أفراده بتخصيصٍِ إلا بدليل، ولنا في هذه المسألة رسالةٌ
كتبناها أظن في عامِ ألْفٍ وأربعِ مئةٍ وخمسةٍ تقريبًا، ربما -إن شاء الله- نقرؤها
في الدرس القادم لأنها مفيدةٌ جدًّا، وتُبيِّن مَن اختارَ هذا القولَ من العلماء؛
اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب،
شيخنا عبد الرحمن بن سعدي، الشيخ محمد رشيد رضا، وبعضُ الإخوان المتخرِّجين من
الجامعة الإسلامية كتبوا في هذا مُؤَلَّفًا، وعلى كلِّ حالٍ نحن لا نعرف الحقَّ
بكثرة الرجال، إنما نعرف الحقَّ بموافقة الكتاب والسُّنة.
طالب: يُجيز الفقهاء خمسةَ عشَرَ يومًا، وأربعةَ أيامٍ، وهم
يقولون: مَن (...) إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين يومًا، والجواب عن هذا
هم يقولون: كلُّ مَن نَوَى خمسةَ عشَرَ يومًا ولَّا أربعةَ أيامٍ نَوَى يُتِمُّ
الصلاةَ، ومَن لم يَنْوِ ولو كان سكن في مَحَلٍّ واحدٍ سَنَةً كاملةً؛ يعني يقول:
بُكرة وبَعده، ومضى عليه سنة..
الشيخ: هذه إن شاء الله
ستأتينا في كلام المؤلف
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:هذه إحدى المسائلِ الأربعةِ التي كتبها أبو البراء غسَّانُ بن يوسفَ البرقاوي في القصر.
(المسألة الرابعة: مقدار المدة التي يَقصُر فيها المسافر سائرًا كان أمْ لبِثَ لقضاء حاجةٍ ولم يستوطِن المكانَ).
قال: (يَقصُر المسافرُ الصلاةَ ما دام غائبًا عن بلده الذي اتخذه موطنًا وفي نيَّته الرجوعُ إليه ولو بعد حينٍ، سواءٌ أكان شاخصًا سائرًا، أو أقام في بلدٍ آخر مدَّةً معلومة لَدَيْهِ عددُ أيامها ولو لبِثَ سنين ما لم يتخذْه موطنًا، أو لم يكنْ يعلم المدَّةَ وفي نفْسِه يقول: اليوم أَخرُجُ، غدًا أَخرُجُ).
الشيخ: المسألةُ الآن معلومةٌ أظنُّ.
الطالب:
(الأدلَّة على ذلك:
أولًا: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خرجْنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فصلَّى ركعتينِ ركعتينِ حتى رَجَعَ. قلتُ: كم أقام بمكة؟ قال: عَشْرًا .
ثانيًا: عن ابن عباسٍ رضي الله عنه قال: سافرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام تسعَ عشرةَ يصلِّي ركعتينِ ركعتينِ. قال ابن عباس: فنحن إذا سافرنا فأقمْنا تسعَ عشرةَ صلَّينا ركعتينِ ركعتينِ، فإذا أقمْنا أكثرَ مِن ذلك صلَّينا أربعًا .
ثالثًا: عن أبي فروة الهمْدانيِّ، قال سمعتُ عونًا الأزديَّ قال: كان عُمر بن عبيد الله بن مَعْمرٍ أميرًا على فارسٍ، فكتب إلى ابن عمر يسأله عن الصلاة، فكتب ابنُ عمر: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من أهله صلَّى ركعتينِ حتى يرجعَ إليهم .
رابعًا: عن ثُمامةَ بنِ شراحيلَ قال: خرجتُ إلى ابن عمر فقلْنا: ما صلاةُ المسافر؟ فقال: ركعتينِ ركعتينِ، إلَّا صلاةَ المغربِ ثلاثًا. قلتُ: أرأيتَ إنْ كُنَّا بذي المجاز. قال: وما ذو المجاز؟ قلت: مكانٌ نجتمعُ فيه ونبيعُ فيه، ونَمْكثُ عشرين ليلةً أو خَمسَ عشرةَ ليلةً. قال: يا أيها الرجل، كنتُ بأذربيجانَ -لا أدري قال: أربعةَ أشهرٍ، أو: شهرينِ- فرأيتهم يصلُّونها ركعتينِ ركعتينِ، ورأيتُ نبِيَّ الله صلى الله عليه وسلم نُصْبَ عيني يصلِّيهما ركعتينِ ركعتينِ. ثم نزع هذه الآية: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌحتى فرغ من الآية .
خامسًا: عن بِشْر بن حربٍ قال: سألتُ ابن عمر: كيف صلاةُ المسافرِ يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: إمَّا أنتم تتَّبعون سُنَّةَ نبيِّكم صلى الله عليه وسلم أخبرتُكم، وإمَّا أنتم لا تتَّبعون سُنَّةَ نبيِّكم لم أُخبِرْكم. قال: قلنا: فخيرُ السُّنن سُنَّةُ نبيِّنا صلى الله عليه وسلم يا أبا عبد الرحمن. فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خَرَجَ من هذه المدينةِ لم يَزِدْ على ركعتينِ حتى يرجع إليها .
سياقُ أقوال جماعةٍ من العلماء ذهبوا إلى ما ذكرْنا:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأمَّا من تبيَّنتْ له السُّنةُ وعَلِم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع للمسافر أن يصلِّي إلا ركعتين، ولم يَحُدَّ السفرَ بزمانٍ أو بمكانٍ، ولا حدَّ الإقامةَ أيضًا بزمنٍ محدودٍ؛ لا ثلاثة، ولا أربعة، ولا اثنا عَشَرَ، ولا خمسةَ عَشَرَ؛ فإنه يَقصُر كما كان غيرُ واحدٍ من السلف يفعل، حتى كان مسروقٌ قد ولَّوْه ولايةً لم يكنْ يختارها، فأقام سنين يقصُر الصلاةَ ، وقد أقامَ المسلمون بنهاوندَ ستَّةَ أشهرٍ يقصُرون الصلاةَ، وكانوا يقصُرون الصلاةَ مع علمهم أنَّ حاجتهم لا تنقضي في أربعة أيامٍ ولا أكثر، كما أقامَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه بعد فتْحِ مكةَ قريبًا من عشرين يومًا يقصُرون الصلاةَ ، وأقاموا بمكة عشرة أيامٍ يُفطرون في رمضان ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا فَتَحَ مكةَ يعلم أنه يحتاج أن يُقيم بها أكثر من أربعة أيامٍ، وإذا كان التحديدُ لا أصل له فما دام المسافرُ مسافرًا يقصُر الصلاةَ ولو أقام في مكانٍ شهورًا، والله أعلم.
انتهى، مجموع فتاوى شيخ الإسلام.
وقال العلَّامة الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله بعد حديث ثُمامة: وهذا الحديثُ يدلُّ على أن السفر لا ينقطعُ بإقامةِ مدَّةٍ معيَّنةٍ في جِهَةٍ واحدةٍ أيًّا كانت المدَّةُ؛ طالتْ أو قصُرتْ، وتوجيهُ الاستدلال دقيقٌ جدًّا وقد يخفى على بعض الناظرينَ، ولذلك حَذَفَ المجدُ آخرَه المرفوعَ حين ذَكَره في المنتقى مكتفيًا بالأثر عن ابن عمر، والموقوفُ ليس حجَّةً وحدَه، والمرفوعُ الذي حَذَفَه ليس نصًّا في الموضوع.
ووجْهُ الاستدلال أن ابن عمر أجاب سائله إذْ سأله عن طُولِ مُكْثِ المسافرِ في مكانٍ بعينه؛ لأنه هو والصحابةُ الذين كانوا بأذربيجانَ أقاموا مدَّةً أطولَ من هذه شهرينِ أو أربعةَ أشهرٍ في هذه الرواية، فكانوا يقصرون، ثم وكَّد الاستدلالَ بأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقصُر في السفر، فكأنه يقول للسائل: ثَبَتَ مِن فِعْل رسولِ الله صلى الله عليه وسلم القصرُ في السفر، ولم يثبتْ لديهم أنه جَعَلَ لذلك حدًّا معيَّنًا فيما إذا أطال المسافرُ الْمُكْثَ في مكانٍ ما، وأنَّه هو ومَنْ معه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذوا هذا على إطلاقه فأطالوا المكثَ وقَصَرُوا، وأنه لو كان عند واحدٍ منهم سُنَّةٌ في تحديد وقتٍ معيَّنٍ للمُكْثِ لَمَا سَكَتَ على ذلك ولَأَبانَهُ لهم حتى لا يُصَلُّوا صلاةَ المسافرين، وهذا قويٌّ دقيقٌ فيما أرى. انتهى من تحقيق أحمد شاكر على المسند.
وقد أفتى بذلك من التابعينَ أبو العاليةِ الرِّياحيُّ، واسمُه: رُفَيْعُ بن مِهرانَ البصريُّ؛ قال عثمانُ الطويلُ عن أبي العالية الرِّياحيِّ قال: خطبنا أبو بكر فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لِلْمُقِيمِ أَرْبَعٌ، وَلِلظَّاعِنِ رَكْعَتَانِ، مَوْلِدِي بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرِي بِالْمَدِينَةِ، فَإِذَا خَرَجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ فَصَاعِدًا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهَا» فقلتُ لرُفَيْعٍ: إني آتي البلدَ فأُقيمُ به شهرينِ أفأقصُر الصلاةَ. قال: نعم، وإنْ أقمتَ به خمسين سَنَةً حتى ترجع إلى قارِّكَ .
قال الشيخ السيِّد سابق حفظه الله: المسافر يقصُر الصلاةَ ما دام مسافرًا، فإنْ أقامَ لحاجةٍ ينتظر قضاءها قَصَرَ الصلاةَ كذلك لأنه يُعتبر مسافرًا، وإنْ أقام سنين فإنْ نَوَى الإقامةَ مدَّةً معيَّنةً فالذي اختاره ابن القيم أن الإقامةَ لا تخرج عن حُكم السفر سواءٌ طالتْ أمْ قصُرتْ ما لم يستوطن المكانَ الذي أقامَ فيه، وللعلماء في ذلك آراء كثيرة لَخَّصها ابنُ القيم. انتهى من كتاب فقه السُّنة.
ردُّ شُبَهِ المخالفين:
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: أنَّه صلى الله عليه وسلم أقامَ بتبوكَ عشرين يومًا يقصُر الصلاةَ ، ولم يقُل للأمَّة: لا يقصُر الرجُلُ الصلاةَ إذا أقام أكثر من ذلك. ولكن اتَّفقتْ إقامتُه هذه المدَّة، وهذه الإقامةُ في حالِ السفرِ لا تخرج عن حُكم السفر سواءٌ طالتْ أو قصُرتْ إذا كان غير مستوطِنٍ ولا عازمٍ على الإقامة بذلك الموضع.
وقد اختلفَ السلفُ والخلَفُ في ذلك اختلافًا كثيرًا؛ ففي صحيح البخاري عن ابن عباسٍ رضي الله عنه قال: أقامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره تسْعَ عشرةَ يُصلِّي ركعتينِ، فنحن إذا أقَمْنا تسعَ عشرةَ نُصلِّي ركعتينِ، وإذا زِدْنا على ذلك أتْمَمْنا.
وظاهر كلام أحمد أن ابن عباسٍ أراد مدَّةَ مُقامه بمكة زمنَ الفتح؛ فإنه قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثمانَ عشرةَ زمنَ الفتحِ; لأنه أراد حُنَيْنًا ولم يكنْ، ثُمَّ أجْمَعَ الْمُقام، وهذه إقامته التي رواها ابن عباس.
وقال غيره: بلْ أرادَ ابنُ عباسٍ مُقامَه بتبوكَ؛ كما قال جابر بن عبد الله: أقامَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بتبوكَ عشرين يومًا يقصُر الصلاةَ. رواه الإمام أحمد .
وقال عبد الرحمن بنُ الْمِسْورِ بن مخرمة: أقمْنا مع سعدٍ ببعض قُرَى الشام أربعين ليلةً يقصُرها سعدٌ ونُتِمُّها .
وقال نافعٌ: أقامَ ابنُ عمر بأذربيجانَ ستَّةَ أشهرٍ يُصلِّي ركعتينِ، وقد حَالَ الثلْجُ بينه وبين الدخول.
وقال حفص بن عبيد الله: أقامَ أنسُ بن مالكٍ بالشام سنتينِ يُصلِّي صلاة المسافر .
وقال أنس: أقامَ أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم برَامَهُرْمُزَ سبعةَ أشهرٍ يقصُرون الصلاة .
وقال الحسن: أقمتُ مع عبد الرحمن بن سَمُرَةَ بكابُلَ سنتينِ يقصُر الصلاةَ ولا يجمع .
وقال إبراهيم: كانوا يُقيمون بالرَّيِّ السَّنَةَ وأكثرَ مِن ذلك، وسجستانَ السنتينِ.
فهذا هَدْيُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابِه كما ترى، وهو الصواب.
وأمَّا مذاهبُ الناسِ فقال الإمام أحمد: إذا نَوَى إقامة أربعة أيامٍ أتَمَّ، وإنْ نَوَى دونها قَصَرَ. وحَمَلَ هذه الآثارَ على أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابَه لم يُجمِعوا الإقامةَ البتَّةَ، بلْ كانوا يقولون: اليومَ نخرج، غدًا نخرج. وفي هذا نَظَرٌ لا يخفى؛ فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فَتَحَ مكةَ، وهي ما هي! وأقامَ فيها يؤسِّس قواعدَ الإسلام، ويهدم قواعدَ الشِّرك، ويمهِّد أمْرَ ما حولها من العرب، ومعلومٌ قطْعًا أن هذا يحتاج إلى إقامة أيامٍ، لا يتأتَّى في يومٍ واحدٍ ولا يومينِ، وكذلك إقامته بتبوكَ؛ فإنه أقامَ ينتظر العدوَّ، ومن المعلوم قطْعًا أنه كان بينه وبينهم عِدَّةُ مراحلَ يحتاج قطْعها إلى أيامٍ، وهو يعلم أنهم لا يوافون في أربعة أيام.
وكذلك إقامةُ ابنِ عمر بأذربيجانَ ستَّةَ أشهرٍ يقصُر الصلاةَ من أجْل الثلْج، ومن المعلوم أن مِثْل هذا الثلْج لا يتحلَّل ويذوب في أربعةِ أيامٍ بحيثُ تنفتح الطُّرُق.
وكذلك إقامةُ أنسٍ بالشام سنتينِ يقصُر الصلاةَ، وإقامةُ الصحابةِ برَامَهُرْمُزَ سبعةَ أشهرٍ يقصُرون، ومن المعلوم أنَّ مِثْل هذا الحصار والجهاد يُعلم أنه لا ينقضي في أربعةِ أيامٍ.
وقد قال أصحابُ أحمد: إنه لو أقامَ لجهادِ عدوٍّ أو حبسِ سُلطانٍ أو مَرَضٍ قَصَرَ، سواءٌ غَلَبَ على ظنِّه انقضاءُ الحاجةِ في مدَّةٍ يسيرةٍ أو طويلةٍ. وهذا هو الصواب، لكنْ شَرَطوا فيه شرطًا لا دليل عليه مِن كتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا إجماعٍ ولا عملِ الصحابة؛ فقالوا: شَرْطُ ذلك احتمالُ انقضاءِ حاجتِهِ في المدَّة التي لا تقطع حُكمَ السفر، وهي ما دون الأربعةِ الأيامِ.
فيُقال: مِن أين لكم هذا الشرطُ؟! والنبيُّ لَمَّا أقامَ زيادةً على أربعة أيامٍ يقصُر الصلاةَ بمكة وتبوك ولم يقُل لهم شيئًا، ولم يبيِّن لهم أنه لم يَعْزِم على إقامة أكثر من أربعةِ أيامٍ، وهو يعلم أنهم يقتدونَ به في صلاته ويتأسَّوْنَ به في قَصْرِها في مدَّةِ إقامته، فلمْ يقُل لهم حرفًا واحدًا: لا تقصُروا فوق إقامةِ أربع ليالٍ. وبيانُ هذا من أهمِّ المهمَّات، وكذلك اقتداء الصحابة به بَعْده ولم يقولوا لِمَنْ صلَّى معهم شيئًا من ذلك.
ثم ساق -رحمه الله- مذاهبَ جماعةٍ آخرينَ من أهل العلم، وما سبق يتضمَّن الردَّ عليهم. انتهى من زاد المعاد.
فوائد ومهمات:
الأولى: قال ابن القيم رحمه الله: والأئمَّة الأربعة متَّفقون على أنه إذا أقامَ لحاجةٍ ينتظر قضاءها يقول: اليومَ أخرجُ، غدًا أخرجُ، فإنه يقصُر أبدًا، إلَّا الشافعيَّ في أحد قولَيْهِ فإنه يقصُر عنده إلى سبعةَ عشَرَ أو ثمانيةَ عشَرَ يومًا ولا يقصُر بعدها، وقد قال ابنُ المنذر في إشرافه: أجمعَ أهلُ العلم أن للمسافر أن يقصُر ما لم يُجمِع إقامةً وإنْ أتى عليه سنون. انتهى من زاد المعاد.
الثانية: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: والمدَّة التي في حديث أنسٍ يُستدَلُّ بها على من نوى الإقامةَ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم في أيام الحجِّ كان جازمًا بالإقامة تلك المدة. انتهى من فتح الباري.
الثالثة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والعلماء متنازِعون في المسافر؛ هلْ فرضُه الركعتانِ ولا يحتاج قَصْره إلى نِيَّةٍ أمْ لا يقصُر إلا بنِيَّةٍ، على قولَينِ؛ والأولُ قولُ أكثرِهم كأبي حنيفة ومالكٍ، وهو أحد القولينِ في مذهب أحمد؛ اختاره أبو بكرٍ وغيرُه، والثاني قولُ الشافعيِّ، وهو القولُ الآخَر في مذهب أحمد؛ اختاره الخرقي وغيرُه.
والأولُ هو الصحيحُ الذي تدلُّ عليه سُنَّةُ النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان يقصُر بأصحابه ولا يُعلِمهم قبل الدخول في الصلاة أنه يقصُر، ولا يأمرهم بنيَّة القصر؛ ولهذا لَمَّا سلَّم من ركعتينِ ناسيًا قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أمْ نسيتَ؟ فقال: «لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرْ». قال: بلى، قد نسيتَ . وفي رواية: «لَوْ كَانَ شَيْءٌ لَأَخْبَرْتُكُمْ بِهِ» . ولم يقُلْ: لو قُصِرتْ لأَمَرتُكم أن تنوُوا القصْر. وكذلك لما جَمَعَ بهم لم يُعلِمهم أنه جَمْعٌ قبل الدخول، بلْ لم يكونوا يعلمون أنه يجمع حتى يقضي الصلاةَ الأولى، فعُلِمَ أيضًا أن الجمع لا يفتقر إلى أن ينوي حين الشروع في الأُولى كقول الجمهور، والمنصوصُ عن أحمد يوافق ذلك. انتهى من الفتاوى الكبرى.
الشيخ: مرَّ علينا أن الصحيح أن المسافر لا يحتاج إلى نيَّةِ القصْرِ لأنَّ الأصلَ أن صلاته ركعتانِ، وكذلك الجمعُ أيضًا إذا وُجِدَ سببُه فلا يحتاج إلى نيَّةِ الجمعِ، حتى لو كان لا يريد أن يجمع ثم لما سلم من الأولى هم بالجمع فيجمع ولا حرج.
***
الطالب:الرابعة: حديثانِ ضعيفانِ أذكرهما للتنبيه:
الأول: حديث ابن عباسٍ مرفوعًا: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ، لَا تَقْصُرُوا فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ». هذا حديثٌ ضعيفٌ رواه الدارقطني ، وعنه البيهقي والطبراني ، وقد ضعَّفه غيرُ واحدٍ؛ منهم البيهقيُّ، وابنُ الجوزيِّ، والحافظُ في الفتح، والصحيح أنه موقوفٌ على ابن عباسٍ كما رواه ابن أبي شيبة بلفظ: لا تقصُر إلى عرفةَ وبطنِ نَخْلةَ، واقصُر إلى عُسفانَ والطائفِ وجُدَّةَ، فإذا قدمتَ على أهلٍ أو ماشيةٍ فأتِمَّ. وسَنَدُهُ صحيحٌ، وانظر تفصيلَ الكلام على الحديث في إرواء الغليل للشيخ الألباني حفظه الله.
الثاني: حديث أبي سعيدٍ مرفوعًا: كان -يعني النبيَّ صلى الله عليه وسلم- كان إذا سافرَ فرسخًا قَصَرَ الصلاةَ وأفطرَ. حديثٌ ضعيفٌ جدًّا، رواه ابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وسعيد بن منصور ، من طريق أبي هارون العبدي عن أبي سعيد به، وأبو هارون اسمه عمارة بن جُوَين، وهو متروكٌ، ومنهم من كذَّبه كما في التقريب، ولم يُصِب الحافظ في سكوته عن الحديث في التلخيص، وانظر للكلام على الحديث إرواء الغليل.
الخامسة: مع قولنا بوجوب القصْرِ في السفر فإنَّ المسافر إذا ائْتَمَّ بمقيمٍ أتَمَّ، ومن الأدلة على ذلك ما رواه قتادةُ قال: سمعتُ موسى -وهو ابنُ سلمة- قال: قلتُ لابن عباسٍ: كيف أصلِّي بمكة إذا لم أُصَلِّ في جماعة؟ قال: ركعتينِ، سُنَّةُ أبي القاسم صلى الله عليه وسلم .
وعن الشعبي أن ابن عمر كان إذا كان بمكةَ يصلِّي ركعتينِ ركعتينِ، إلَّا أن يجمعه إمامٌ فيصلِّي بصلاته، فإن جَمَعَهُ الإمامُ يصلِّي بصلاته .
السادسة: اقتداء المقيم بالمسافر؛ عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أنَّ عمر بن الخطاب كان إذا قَدِم مكةَ صلَّى بهم ركعتينِ ثم يقول: يا أهل مكة، أتِمُّوا صلاتكم؛ فإنَّا قومٌ سَفْرٌ .
خاتمة:
إذا كنتُ قد وُفِّقتُ فإنما هو فضْلُ اللهِ وله الحمدُ والمنَّةُ، وإنْ كان غير ذلك فأستغفرُ اللهَ العليَّ العظيمَ وأتوبُ إليه، وقولي قولُ الإمامِ الشافعيِّ رحمه الله: إذا صحَّ الحديثُ فهو مذهبي.
أمَّا أنتم إخواني -وخاصَّة مَنْ أقمتم للدراسة في بلادٍ غيرِ بلادِكم لم تتَّخِذوها وطنًا- فهذا البحثُ إنما كُتِبَ نُزولًا على رغبةِ بعضِكم، فاعملوا به مهما طالتْ إقامتُكم ما لم يَرِدْ نصٌّ من كتابٍ أو سُنَّةٍ صحيحةٍ، واعلموا أنه لا حَرَجَ في دينِ اللهِ، ولا يقبل عبادةً نعبدُهُ بها إلا ما شرع، وهذا هو تشريعه في السفر كما أن ذاك تشريعه في الحضَر كما تعلمون، عضُّوا عليها بالنواجذ، ولا تأبَهُوا بنَعْقِ المقلِّدين، ولا تأخذْكم في الله لومةُ لائمٍ ما دام همُّكم رضوانَ ربِّكم عنكم، واعلموا أننا في العصر الذي تحدَّث عنه ابن مسعودٍ رضي الله عنه يقول: كيف أنتم إذا لبِستْكم فتنةٌ يَهْرَمُ فيها الكبيرُ، ويربو فيها الصغيرُ، ويتَّخِذُها الناسُ سُنَّةً، فإذا غُيِّرتْ يومًا قالوا: غُيِّرت السُّنَّةُ. قالوا: ومتى ذاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثُرتْ قُرَّاؤكم، وقَلَّتْ فقهاؤكم، وكثُرتْ أُمَراؤكم، وقَلَّتْ أُمَناؤكم، والتُمِسَت الدنيا بعمل الآخرة ، وهذا الخبر حُكمه الرفعُ، واعلموا أنه مَن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومَن ضلَّ فإنما يضِلُّ عليها، ولا عُذْرَ لكم عند الله في أن تعبدوه بغير دليلٍ مِن كتابٍ أو سُنَّةٍ صحيحةٍ، ومَن قلَّدتموه دِينَكم لنْ يُغْنوا عنكم من الله شيئًا، واللهُ كافٍ عبدَهُ، فما علِمْتموه حقًّا فقولوا: هذا الحقُّ من ربِّنا، فمَنْ شاء فلْيُؤمِنْ ومَن شاء فلْيكفرْ. وحَسْبُنا اللهُ ونِعْم الوكيلُ، سبحانك اللهمَّ وبحمدك، أشهدُ أن لا إلهَ إلا أنت، أستغفرك وأتوبُ إليك.
كَتَبَهُ على عُجالةٍ العبدُ الفقيرُ إلى الله، راجي عَفْوِ ربِّه الكبيرِ المتعالِ أبو البراء غسَّان بن يوسف البرقاوي، وكان الفراغُ منه قُبَيْلَ عصرِ يوم الإثنينِ بقليلٍ في اثنين وعشرين من ذي القعدة سنة ١٤٠١ للهجرة.
***
طالب: ذكرْنا يا شيخ الآن الحكم يدور مع العِلَّة وجودًا وعدمًا، كيف نقول لشخصٍ يريد الإقامة مثلًا عشْرَ سنواتٍ نقول له: اقصُر، ونستدلُّ بفِعْل النبي صلى الله عليه وسلَّم أنه أقام عشرين يومًا، مع أنه ما قال: إذا أقمتُ فوق العشرين يومًا فاقصُر، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم ما دام ما قال هذا، دعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك.الشيخ: الإنسان -مثلما قال الأخ- الإنسان اللِّي ما تطمئنُّ نفْسه لهذا القول لا حَرَجَ عليه أن يتبع هذا.
الطالب: لكن كيف يا شيخ نقول لشخص (...) سنة في أيِّ مكان، ولا زالت العلة، أقول: زالت العِلَّة؛ ما عنده مشقَّة ولا عنده تَعَب (...)؟
الشيخ: المشقَّة ما هي بشرط باركَ الله فيك، الإنسان إذا سافر حلَّ له جميعُ رُخَصِ السفر ولو كان في آمَنِ ما يكون وفي أَرْيح ما يكون.
الطالب: لكنْ فيه سَفَر يا شيخ دون سَفَر؛ فيه سَفَر مثلًا فيه مشقَّة وفيه تَعَب..
الشيخ: ما هو بشرطٍ يا أخي، لم يشترط الله إلَّا إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء: ١٠١]، والحمدُ لله ألغاها الله.
الطالب: ويش يكون نحن أفقه من ابن عباس وأحمد بن حنبل؟!
الشيخ: على كلِّ حالٍ ما إحنا نبغي أفقه منهم، ولكننا نتبع على الأقل؛ نقلِّد رجُلًا عالِمًا فاضلًا معروفًا بالعلم، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
طالب: لعلَّ مِن أقوى الأدلَّة اللِّي استُدِلَّ بها للقصْر فِعْل النبي صلى الله عليه وسلم في أوقاتٍ متعدِّدةٍ ومُدَدٍ متعدِّدةٍ، وكان يقصُر، فوجَّهه مَنْ قال الرأي الثاني بأن النبي صلى الله عليه وسلم ينتظر الوحي، ما يأتيه في أيِّ يوم، فما دام ينتظر الوحيَ ما يعرف كم مدته.
الشيخ: وهلْ جاءه وحيٌ يقول له: امش؟
طالب: إي، هم يقولون: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يسير إلا بوحيٍ.
الشيخ: ما هو بصحيح.
الطالب: لأنه كان ينتظر.
الشيخ: لا، ذي دعوى، صعبة ذي صعبة، يعني الآن لو قيل لواحد: تشهد أن الرسول ما بَقِي إلَّا لأجْل أن ينتظر الوحي؟ ما يقدر يشهد.
الطالب: ما هو بصحيح هذا؟
الشيخ: ما هو بصحيح؛ لأنه يحتاج إلى أنك تشهد أن الرسول ما بَقِي إلَّا ينتظر الوحي، ثم ما هو الوحي الذي رخَّص له أن يسافر؛ يعني أنه يمشي؟!
الطالب: كلُّ أفعالِ الرسول صلى الله عليه وسلم كلُّها بوحيٍ من الله عز وجل.
الشيخ: إمَّا أن يكون الوحيُ إقراريًّا إذا أقرَّه الله عُلِم أنه شَرْعُ اللهِ، أحيانًا قد لا يكون بوحيٍ مباشرٍ، قد يكون بالإقرار.
طالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا، على القول هذا إذا خافَ الإنسانُ -مَثَلًا- وهو يؤمُّ بعامَّةٍ، خافَ من البَلْبَلةِ وخافَ من القِيلِ والقالِ، هلْ يُتِمُّ درءًا للمَفْسدة؟
الشيخ: واللهِ أحيانًا أقول: نَعَمْ، يُتِمُّ درءًا للمَفْسدة، وأحيانًا أقول: إذا كان الرجلُ قُدوةًَ -يعني ما يُمْكن يتسلَّط عليه أحدٌ يقول مثلًا: إنه قاصرُ عِلْمٍ، أو ما أشْبَهَ ذلك- فلْيفعل السُّنة اللِّي يرى أنه سُنَّة، وإنْ تَرَكَهُ وأتَمَّ ما فيه مانع؛ هذا الذي يقول: إنه يجوز أن يقصُر، ليس يقول: إنه يجب، إلَّا عاد على رأي الأخ هذا يرى وجوبَ القَصْر، لكنْ إحنا نقول: ما هو بواجب، أصْل القَصْر ما هو بواجب.
ثم هذه المسألة أيضًا متى كان في نفْسك شكٌّ فدَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك، أمَّا إذا تبيَّنتْ لك السُّنة مثلما قال شيخ الإسلام: إذا تبيَّنتْ للإنسان السُّنة فلا وجْهَ للاحتياط، إنما الاحتياط في اتِّباع السُّنة.
طالب: شيخ، بالنسبة لعَمَلِ الرسول صلى الله عليه وسلم وما يتعلق بالنية؛ بالنسبة يعني أقام عشرين يومًا، يعني ما دامَ يكون الرجلُ هذا نِيَّتُهُ نِيَّةُ السفرِ ما احتاج أن الرسول صلى الله عليه وسلم يشرح؛ لأنه جَلَسَ الرسول صلى الله عليه وسلم عشرين يومًا، وهذا الرجُل الجالسُ عشرين يومًا أو أكثر مِن عشرين يومًا نِيَّته نِيَّة السفرِ، ما احتاج يكون كلام الأخ يقول: الرسول يشرح، أو يقول: كان -مَثَلًا- زِدتَ مِن عشرين أو زِدتَ مِن..
الشيخ: هو على كلِّ حالٍ دليلُ هؤلاء يقولون: إن الرسول أقامَ إقاماتٍ مختلفةً؛ عشرين، تسعةَ عشَرَ، وأربعةَ أيامٍ، ومع ذلك ما قال للناس: مَن زاد على ذلك فلْيُتِمَّ، والعِلَّة هي وجودُ السفر.
طالب: بعضُ العلماء يا شيخ اختارَ أنه يُمْكن أن يكون للمسلم مَحَلَّانِ للإقامة، وبهذا القول نرتاح من مسألة اللِّي بيجلسوا سنين للدراسة أو للعمل، هل فيه اللِّي يدفع هذا القول؟
الشيخ: إي فيه؛ لأن الذين نووا الإقامةَ ما نووا الإقامةَ المطْلقةَ ولا نووا أن يتَّخذوا هذا البلدَ بلدًا لهم، الذي له مَحَلَّانِ مَثَلًا لو فرضْنا واحدًا له سَكَنٌ في الطائف في أيام الصيفِ، وسَكَنٌ في البلد الآخر في أيام الشتاء، هذا له وَطَنانِ مستقِرٌّ فيهما دائمًا، أمَّا الذي ذهب للدراسة فهو يقول: لو أُعطَى شهادتي اليومَ مَشَيْتُ. بينهما فرقٌ.
ولهذا قُلنا: إنَّ مسألة السُّفَراء ما ينطبق عليها هذا الحكْم؛ لأن السُّفَراء بَقُوا على أصْلِ الإقامة ما لم يُنقَلوا؛ يعني ما حُدِّد بقاؤهم، الأصلُ أنهم باقونَ حتى يُنقَلوا، ولهذا في كلام ابن القيم رحمه الله وكلام شيخ الإسلام قالا: ما لم يستوطِن أو يعزِم إقامةً. ومرادهم بالإقامة يعني الإقامة المطْلقة التي لا تحدَّد، فما حُدِّدَ بزمنٍ أو حُدِّدَ بعملٍ فإنه لا فَرْقَ بينهما، فكما أنهم يقولون: لو أقامَ من أجْلِ العلاجِ وهو يعرف أن علاجه هذا سيبقى سنواتٍ قالوا: إنه يقصُر أبدًا، حتى لو بَقِيَ أربعين سَنَةً ومات فهو يقصُر. فنحن نقول: كلُّ مَن قيَّدَ إقامتَه بعَمَلٍ أو مُدَّةٍ فإنه مسافرٌ.
طالب: شيخ، أحسنَ الله إليك، بعض العلماء الذين قالوا: إنْ كان له زوجتانِ في بلدتينِ فإنه في كلِّ بلدةٍ يُتِمُّ. القول هذا يا شيخ ما رأيك؟
الشيخ: يعني يسكن في هذه وهذه؟
الطالب: لا، ما يسكن، بس يقولون: إذا كان له زوجتانِ -مثلًا- يأتي إلى هذه فترةً وإلى هذه..
الشيخ: هذا معناه أنَّ له وطَنَينِ.
الطالب: بس ما يُقيم في هذه إلا قليلًا.
الشيخ: ما يخالف، لكنْ نسأله نقول: هل أنت اتَّخذْتَ هذا وطنًا؟ إذا قال: لا، إنه بس جاي يزور -مثلًا- زوجته ويرجع لبلده الأصلي صار مسافرًا.
الطالب: هذا عادةٌ عنده يا شيخ، عنده عادةٌ أن يأتي إلى هذه.
الشيخ: على كلِّ حالٍ هذا النيَّة نيَّتُه؛ إذا قال: واللهِ أنا أعتبر أن بيتي هنا هو كبيتي هنا، لكنني أُطِيل المقام في البيت الثاني لأن فيه أولادًا وفيه مدارس وما أشْبَهَ ذلك؛ صار له وطنانِ.
طالب: بالنسبة يا شيخ لإمامِ المسلمينَ؛ أَلَا تكون البلاد كلُّها التي تحت يده موطنًا له أو وطنًا له؟
الشيخ: نعم، صح.
الطالب: فكيف النبيُّ صلى الله عليه وسلم..
الشيخ: ولذلك نحن نُورِد عليك؛ إمامُ الإئمَّةِ رسول الله عليه الصلاة والسلام كان إذا خرج من المدينة يقصُر حتى يرجع إليها.
طالب: وهذا اللي أسأل يا شيخ، هذا سؤالي.
الشيخ: قول بعض العلماء..؛ لأن بعض العلماء اعتذرَ عن عثمان رضي الله عنه أنه أتَمَّ في مِنًى لأنه كان خليفةً على المسلمين، وإمامُ المسلمين كلُّ اللي تحت إمْرتِهِ هو بَلَدٌ له، هذا غير صحيحٍ، نقول: هذا النبي عليه الصلاة والسلام أقوى منه إمامةً، ومع ذلك كان يترخَّص.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، بقية أحكام السفر كالفِطْرِ والمسْحِ على الخفَّينِ، يُسمَح له ولَّا؟
الشيخ: إي له كلُّها، لكن مسألة الصوم الذي أرى أنه لا يؤخِّرها إلى رمضان الثاني؛ لأن الصوم كما تعرفون ليس الإفطارُ فيه كالقَصْر، وأيضًا لو أخَّر شهرًا أو شهرينِ تراكمتْ عليه، ربما يعجز أو يتهاون فيضيع عليه الفرض.
طالب: ما دامت العِلَّة موجودة فيجوز أن يُفطر.
الشيخ: يجوز، لكنْ إذا كان يُخشى.. هو الأصْل أنه يجوز أنه يُفطر إلى أن يرجع إلى أهله، لكن نحن نقول: نخشى أنه إذا بَقِي خمسَ سنواتٍ صار عنده خمسة أشهر، فربما يصعب عليه ذلك ويتهاون، فدَرْءًا لهذه الْمَفْسَدة أنا أرى أنه لا يؤخِّره إلى رمضان الثاني، ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يصوم في السفر ويقصُر، فدلَّ هذا على أن تأكُّد الفِطْر ليس كتأكُّد القصر.
طالب: ما الفرق بين السُّفَراء والطلاب (...)؟
الشيخ: الفرق بينهما: السفيرُ إذا عُيِّنَ في البلدِ فالأصلُ أنه مقيمٌ دائمًا؛ يعني ليس مِن عادة الحكومة أن تُعَيِّنَ السفيرَ لمدَّة أربع سنوات أو خمس سنوات ثم تنقله، لكن المقيم للدراسة يعرف أنه ما أقامَ إلَّا إلى حدِّ الدراسةِ فقط، هذا سواء جاء في أربع سنين أو في ثلاث سنين أو في أكثر.
طالب: بس السفير يا شيخ (...) فيه احتمال أن (...).
الشيخ: فيه احتمال، لكنْ ويش الأصل؟ الاستقرار.
طالب: شيخ، أحسنَ الله إليكم، بعضُ الناس ما يحدِّد إقامةً، لكنْ يقول مَثَلًا: إذا تعلَّمتُ أرجعُ إلى أهلي، مَثَلًا، فهل هذا يُعتبر؟
الشيخ: ما يستديم، هذا يُعتبر -الظاهر- أنه مستوطِن؛ لأن كلمة: إذا تعلَّمْتُ، ما بيحدِّد العلم.
طالب: العُمَّال -يا شيخ- يَسرِي عليهم ما سَرَى على الطُّلَّاب أو ما سَرَى على السُّفَراء؟
الشيخ: واللهِ الظاهر أنَّ العامل يُعطي فلوسًا لأجْل يجلس، والطالب يُعطي فلوسًا لأجْل يروح إن حصل له، فالعُمَّال الآن يحاولون -حَسَب الظروف الحالية- أنهم يبقون، فأنا أتوقَّف في هذه المسألة، أنا أرى أنَّ العُمَّال يجب عليهم أنهم يُتِمُّون؛ لأنهم لو حصل لهم.. وها هُمْ يحاولون أيضًا تمديدَ المدَّة.
طالب: ونحن الطلاب -على قول شيخ الإسلام- من كان مسافرًا فهو مسافر (...) نحن الطلاب جميعًا مسافرون إلا إخواني الذين (...)، هل نحن نقصُر؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: (...)؟
الشيخ: (...) الإنسان لازم يحاول يُصلِّي مع الجماعة، هذه واحدة، لكنْ لو فاتتْه يُصَلِّي ركعتينِ.
طالب: والسُّنن؟
الشيخ: والسُّنن يتسنَّن، إحنا قلنا: ما فيه إلا سُنَّة المغرب والعِشاء والظُّهر، والباقي على الأصل.
طالب: ويُصلُّون بالناس؛ بأهل عنيزة مثلًا العوام (...) يصلِّي إمامًا.
الشيخ: إي، كنْ إمامًا، ما فيه مانع.
طالب: بس يقصُر يا شيخ؟
الشيخ: يعني قصْده يقصُر، هذه ترجع إلى قضية الأخ اللِّي سأل؛ يعني إذا كان يشوِّش على أحدٍ؛ إنْ خشيتَ أنك تشوِّش (...) ما فيه مانع.
طالب: لو كان الإمام راتبًا يا شيخ؟
طالب آخر: الآن اللِّي يسافر من دولة إلى دولة أخرى يا شيخ بموجب تأشيرة، ما نقول: إذا كانت التأشيرةُ إقامةً فيُتِمُّ، وإذا كانت الزيارة لمدَّة فيقصُر فيعتبر مسافرًا؟
الشيخ: طيِّب الإقامة هذه.. ما أعرفُ الفرقَ بينهما، الإقامة مدَّة محدَّدة الظاهر، الإقامة محدَّدة.
الطالب: الإقامة قابلة للتجديد، أمَّا الزيارة قابلة لمدَّة معيَّنة.
الشيخ: الظاهر أنَّ الإقامة محدَّدة أيضًا.
الطالب: محدَّدة لسَنَةٍ أو سنتينِ..
الشيخ: لكنْ أنا أقول: العُمَّال -مثلما قال الأخ- إنَّ العُمَّال يحاولون تمديدَ الإقامةِ، فهم يرغبون الإقامةَ المطْلقةَ لو حصل..
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، ما يخالف.
طالب: بعضهم يأتون حتى يؤسِّس نفْسَه في بلده..
الشيخ: أحسنتَ، إذَن يقصُر (...) حتى يمكن أنْ يتنزَّل على المذهب؛ الذي يقول: أنا سأُقيم لحاجةٍ متى انتهتْ رجعْتُ. وهادولا يقولون: نحن نُقيم إلى أن نجمع ما تقوم به حاجتُنا. يمكن يجمع بسهولة، يمكن يجمعها بشهر يمكن يجمعها بسنة، هذا حتى على المذهب يقصُرون.
طالب: إذَنْ يقصُرون يا شيخ؟
الشيخ: هذا على القواعد.
طالب: يا شيخ، لي رأي؛ هلْ هذه المسألة من المسائل المهمَّة جدًّا واللِّي الحقيقة يعني الواحد احتارَ فيها، أنا أقترح أنه يجمع أقوال -بالنسبة لنا كطلبةِ عِلْمٍ- يجمع أقوال الطرفينِ وأدلَّتَها، ونعرضها على الكتاب والسُّنة، ونشوف مَن أقوى أدلَّةً عسى تطمئنُّ قلوبنا.
الشيخ: هذا الواجب، لكن الأدلة -الحمد لله- محصورةٌ الآن.
الطالب: يعني نأخذ دليلَ مَنْ قال كذا، والدليل الثاني.
الشيخ: إي، طبعًا.
الطالب: ونشوف ويش الأدلَّة؛ اللِّي أَوْرد حديثًا -مثلًا- أقوى.
الشيخ: هو الآن ما فيه في السُّنةِ حديثٌ يحدِّد إطْلاقًا، أبدًا.
الطالب: طيِّب، نرى الأدلَّة.
الشيخ: زين، طيِّب، ما يخالف، الله يعينك، أنت أَوْلَى بها.
طالب: ما يخالف.
طالب آخر: لا (...) ننسى الأدلة يا شيخ.
الشيخ: أنا واللهِ -في الحقيقة- تعرفون، هذه المسألة ما هي واردة زمانِها، ما هي من الآن، يعني لنا أكثر من عشرين سَنَة.
الطالب: بس إنها عرضتْ لنا الآن.
الشيخ: أكثر من عشرين سَنَة ونحن نُفْتي بها، وراجعْنا كلام العلماء من قديمٍ وحديثٍ، وما تبيَّنَ لي إلا أن هذا هو السُّنة؛ أنه إذا لم يَنْوِ الإقامةَ المطْلَقةَ أو الاستيطانَ فإنه مسافرٌ.
الطالب: يقصد -سلَّمك الله- أنه ما نطلع مِن ها المسألة إلا قلوبنا اطمأنتْ.
الشيخ: طيب، هذه من الممكن نقرأ الرسالة اللِّي إحنا كتبناها، أو الجواب اللِّي كتبناه، يمكن يتبيَّن.
طالب: شيخ، بالنسبة لسؤال الأخ؛ يأتي يقول: متى تعلَّمتُ رجعتُ. ما هي لحاجةٍ متى انتهتْ حاجتُه يرجع، فيقصُر؟
الشيخ: لا، بس العِلْم معروف أنه ما بيتعلَّم بيوم وليلة.
الطالب: قد يطول لسنتينِ.
الشيخ: إي، لكنْ بس ما هو مِثْل أن يقول: حاجتي. ربما حاجته يقضيها بيومٍ ويرجع، أمَّا العِلْم ما هو بيتعلَّم بيوم وليلة.
طالب: جزاكم الله خيرًا، إنْ كان موظَّف يعمل في شركة، وطلبَ النقلَ إلى مدينة أُخرى، وما جاء الجواب، هل يقصُر إلى أن يأتي جواب النقل؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وإنْ طالت الفترة يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنه يقول: متى ما جاء مشيت.
الطالب: بس ما يتوقع مثلًا أنه يأتي..
الشيخ: إي، ما يدري، يبقى حتى يأتي الخبر.
طالب: كثير مِن المسائل اللِّي تمرُّ علينا أحيانًا نقول: عامِل الناسَ بالتربية فيها. المسألة هذه ما تدخل فيها؛ يعني سد الذرائع وغيرها؟
الشيخ: ويش الذريعة؟! أخطرُ ما فيها مسألةُ الصيام، ومسألة الصيام إذا حدَّدْنا هذه وقُلنا: إنَّ الإنسان لا يمكن يتأخر إلى ما بعد رمضان، انتهى الموضوع، زالَ الإشكال.
الطالب: بس ما هو على سبيل الإلزام يا شيخ، الواقع الآن في الخارج يقولون: الشيخ ما يقول على سبيل الإلزام.
الشيخ: أيُّ إلزام؟
الطالب: الصيام أنه إلى رمضان الثاني وأنَّا ممكن نتركه.
الشيخ: إحنا نقول: هذه -الحقيقة- ما نُرخِّص فيها؛ لأنه مثلما قلتُ لك: نخشى أنه إذا تكرَّرتْ عليه الشهور تعاجز وتكاسل وخلَّاه، لكنْ ينقله من أيام القيظ إلى أيام الشتاء ما فيه مانع.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا، أمَّا بعدُ:قال المؤلف رحمه الله تعالى: (أو نَوَى إقامةَ أكثرَ مِنْ أربعةِ أيامٍ، أو ملَّاحًا معه أهلُه لا ينوي الإقامة ببلدٍ، لَزِمَهُ أن يُتِمَّ.
وإنْ كان له طريقانِ فسَلَكَ أبْعدَهما أو ذَكَرَ صلاةَ سفرٍ في آخرَ قَصَرَ.
وإنْ حُبِسَ ولم يَنْوِ إقامةً أو أقامَ لقضاءِ حاجةٍ بلا نيَّةِ إقامةٍ قَصَرَ أبدًا).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أنَّ المشروع للمسافر أن يصلِّي ركعتينِ وأنَّ ذلك قد دلَّ عليه الكتاب والسُّنة والإجماع؛ في الكتاب قولُ الله تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [النساء: ١٠١]، ونَفْيُ الْجُناحِ سبق أنه لا يمنع الطلبَ كما في قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة: ١٥٨]، وسبق لنا أيضًا أن الذي يتبيَّن من الأدلة أن القصْر ليس بواجبٍ وإنما هو سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ، ويُكره الإتمام إذا لم يوجد له سببٌ، وسبق أن المؤلف رحمه الله ذَكَر مسائل يجب فيها الإتمامُ؛ منها ما ذَكَره الآن في قوله: (أو نَوَى إقامةَ أكثر من أربعةِ أيامٍ)؛ يعني: إذا نَوَى المسافر أن يُقيم في مكانٍ سواء في بلدٍ أو في أثناءِ سَفَره؛ كما لو وَجَدَ مَرْبعًا خصبًا ترعى فيه الإبلُ ونَوَى أن يُقيم في هذا المكان أكثر من أربعة أيامٍ، فإنه يَلْزمه أن يُتِمَّ؛ لأنه قال: (نَوَى إقامةَ أكثر مِنْ أربعةِ أيامٍ)، ولم يقُل: في البلد، فيتناول ما إذا نوى هذه الإقامةَ في بلدٍ أو نواها في نفْس البَرِّ أثناء سفره فإنه يَلْزمه أن يُتِمَّ، مع أنه في الحقيقة على سَفَرٍ بعد الأربعة الأيام، لكنهم يقولون: إن الأصل في الإقامة منع القصْر، هذا هو الأصل، وأجزْناه في الأربعة الأيام لأن النبي صلى الله عليه وسلم فَعَل ذلك حين قَدِم إلى مكةَ في اليوم الرابع من ذي الحجة وأقامَ فيها إلى اليوم الثامن ثم خَرَجَ إلى مِنى. قالوا: فقد أقامَ الرسول عليه الصلاة والسلام أربعةَ أيامٍ يقصُر الصلاةَ، فنحن إذا أقمْنا هذه المدَّة نقصُر، وإنْ زِدْنا نُتِمُّ؛ لأن الأصل أن المسافر إذا أقامَ في مكانٍ فقد انقطع سفره.
ولكن هذا الأصل ليس متَّفَقًا عليه بين العلماء؛ فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن هذا الأصل ليس عليه دليلٌ لا من الكتاب ولا من السُّنة ولا من العُرف، وإذا لم يكن عليه دليلٌ فإن الحكْم يُعلَّق بالمعنى الذي من أجْلِهِ شُرِعَ القصْر، وهو السفر. فما دامَ الإنسانُ مسافرًا مُفارِقًا لمحلِّ إقامتِهِ فهو مسافرٌ؛ لأنه لا فرق بين شخصٍ ينوي أن يُقيم أربعة أيامٍ لشُغلٍ أو أن يُقيم خمسة أيامٍ، كلٌّ منهما يعتقد أنه مسافرٌ وأنه في انتظار انتهاء شُغله، فمتى انتهى رَجَعَ إلى وطنه.
وأيُّ شيءٍ يحدَّد من مدَّةٍ تزيد على أربعة أيامٍ فإنه يُقال للمحدِّد: أين الدليل؟ وهذا هو الذي جَعَلَنا نميل إلى قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة، وأنَّ الإنسان إذا كان عازمًا على الرجوع إلى بلده وأنه لم يحبسْه في هذا المكان إلا الشغل فإنه مسافرٌ ولو طالت المدة؛ لأننا مهما قدَّرْنا من تقدير سواء كان شهرًا أو شهرينِ أو أسبوعًا أو أسبوعينِ أو أربعةَ أيامٍ أو عشرةَ أيامٍ فإننا سوف نطالب بالدليل على التحديد، وهذا يحتاج إلى توقيفٍ من الشرع، فإذا لم يوجَد رَجَعْنا إلى الأصل الذي من أجْله شُرِع القصْر؛ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ [النساء: ١٠١]، هذا عامٌّ ما دُمْنا ضاربينَ في الأرض، وقد قال الله تعالى: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل: ٢٠]، وقد عُلِم أن التجار لا تنقضي إقامتهم في البلد في خلال أربعة أيامٍ لا تزيد، بلْ ربما يبقون يومًا واحدًا إذا كان السوقُ نشيطًا والسلعُ قليلةً، وربما يبقون شهرًا إذا كانت السلعُ كثيرةً وكان السوقُ ضعيفًا، ولم يحدِّد الله عز وجل للذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وقتًا معيَّنًا، فالذي نميل إليه هو ما اختاره شيخ الإسلام، وهو مطْلَق السفر.
وعلى هذا فنقول: إنَّ فِعْل النبي عليه الصلاة والسلام ليس دليلًا على التحديد؛ وجْهُ ذلك أنه وَقَعَ مصادفةً لا تشريعًا، والذي يقع مصادفةً لا تشريعًا لا يُعتبر تشريعًا، هذه القاعدة. ولهذا لو قال لنا قائلٌ مثلًا: إذا دفعْتَ من عرفة إلى مزدلفة يُسَنُّ لك أن تنزل عند المأْزِمَينِ ثم تبول وتتوضأ وُضوءًا خفيفًا. هل هذا مشروع؟ لا؛ لأنه وقع من الرسول صلى الله عليه وسلم على سبيل المصادفة والاتفاق، لا على سبيل القَصْد حتى نقول: يُسَنُّ أن تفعل هذا الوضوءَ الخفيفَ في أثناء الطريق.
ونعلم أيضًا أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يَعْلم أنَّ مِن الناس مَنْ يأتي للحجِّ في اليوم الثالث مَثَلًا أو اليوم الثاني أو الأول، فمَنْ جاء في اليوم الأول سوف يبقى ثمانية أيامٍ قبل الطلوع إلى مِنى، ومَنْ جاء في ذي القعدة سيكون أطْول، فلمَّا لم يَقُل النبي عليه الصلاة والسلام للناس: مَنْ قَدِم مكة قبل اليوم الرابع فعليه أن يُتِمَّ، عُلِمَ أنَّه لا فَرْق بين من قَدِم في اليوم الرابع وقَدِم في اليوم الأول، هذا هو الحقيقة، لكن مَنْ أرادَ أن يحتاط وقال: أنا أريدُ أنْ أُتِمَّ إذا أنهيتُ أقصى مدَّةٍ قال بها مَن يحدِّد، فإنَّنا لا نقول: هذا حرامٌ عليك، لا سِيَّما إذا لم يكن الدليل في نفْسه قويًّا، أمَّا مَنْ كان الدليلُ في نفْسه قويًّا واطْمأنَّ إليه فليأخذْ به ولا حرج عليه؛ لأن الله لا يكلِّف نفسًا إلا وُسْعَها.
(أو نَوَى إقامةَ أكثر مِن أربعة أيامٍ)، وقد عَلِمتم كما مرَّ عليكم في المذكِّرة أنَّ من العلماء مَن قال: أربعة أيامٍ ليس منها يوم الدخول والخروج، وهم الشافعية، ومنهم مَن قال: تسعةَ عَشَرَ يومًا، كابن عباسٍ، ومنهم مَن قال: خمسةَ عَشَرَ يومًا، كأبي حنيفة، وهكذا اختلف العلماء؛ لأن المسألة ليس فيها نصٌّ يجب المصير إليه، فمِنْ ثَمَّ تجد الأقوال فيها أكثر من عشرين قولًا في مسألةٍ واحدةٍ.
يقول: (أو نَوَى أكثر من أربعة أيامٍ، أو مَلَّاحًا معه أهلُه لا ينوي الإقامةَ ببلدٍ؛ لَزِمه أن يُتِمَّ).
(مَلَّاحًا) الملَّاح: قائد السفينة، وقوله: (معه أهلُه) أي: مصاحبون له، والجملة في محلِّ نصبٍ على الحال؛ يعني ملاحًا والحالُ أنه أهلُه معه، ويجوز أن تكون في موضع نصبٍ على أنها صفةٌ لـ(ملَّاحًا).
لكنه قال: (لا ينوي الإقامة ببلدٍ) يعني: لا ببلدِ المغادَرةِ، ولا ببلدِ الوصولِ، فهذا يجب عليه أنْ يُتِمَّ؛ لأن بَلَده سفينتُه، هي بَلَده؛ أهلُه معه وليس له بَلَدٌ، إذَنْ أين يكون بَلَده؟ السفينة.
وعُلِم من قول المؤلف: (معه أهلُه) أنه لو كان أهلُه في مكانٍ في بلدٍ فإنه مسافرٌ ولو طالتْ مدَّتُه في السفر.
وكذلك عُلِم منه أنه لو كان له نيَّةُ الإقامة في بلدٍ فإنه يقصُر لأنه مسافرٌ؛ لأن المؤلف اشترط لوجوب الإتمام على الملَّاح شرطَينِ: أنْ يكون معه أهله، وألَّا ينوي الإقامةَ ببلدٍ.
فمثلًا إذا كان ملَّاحًا في سفينةٍ وأهلُه في جدَّة مثلًا، لكنْ يروح يجوب البحار؛ البحر المحيط والهادي، ويأتي بعد شهرٍ أو شهرينِ إلى جدَّة، ماذا نقول لهذا؟ مسافرٌ. لماذا؟ لأنه ليس معه أهلُه، له بلدٌ يأوي إليه.
وكذلك أيضًا لو فُرِض أن الرجل ينوي الإقامة ببلدٍ، هو ليس له أهلٌ، هو ينوي الإقامة ببلدٍ؛ يعني بمعنى أنه جعل مأواه ومثواه البلد الفلاني الذي على الساحل، فهذا نقول له: إنك مسافر؛ لأن لك بلدًا معيَّنًا عيَّنْتَه بالنيَّة.
مثلُ ذلك أهلُ التكاسي الآن الذين دائمًا في البر نقول: إنْ كان أهلهم معهم ولا ينوون الإقامة ببلدٍ فهم غيرُ مسافرين لا يقصُرون ولا يُفطرون في رمضان، وإنْ كان لهم أهلٌ في بلدٍ فإنهم إذا غادروا بلدَ أهلهم فهم مسافرون يُفطرون ويقصُرون، وكذلك لو لم يكن لهم أهلٌ لكنهم ينوون الإقامة ببلدٍ يعتبرونها مثواهم ومأواهم فهم مسافرون حتى يرجعوا إلى البلد التي نووا أنها مأواهم.
فإذا قال قائل: هؤلاء الملَّاحون أو السائقون لسيَّارات الأُجرة دائمًا في سَفَرٍ، فإذا قلنا: أنتم مسافرون لكم الفطر، فمتى يصومون؟
نقول: هم يمكن أنْ يصوموا في أيام الشتاء فنعطيهم رخصة؛ نقول: صوموا في أيام الشتاء لأنها أيامٌ قصيرةٌ وأيامٌ باردةٌ، والصوم فيها لا يشُقُّ، كذلك لو فُرِضَ أنهم قدموا إلى بلدهم في رمضان فإنهم يَلْزمهم الصومُ ما داموا في بلدهم.
فإنْ قَدِموا في أثناء اليوم إلى بلدهم ففي لزوم الإمساك عليهم قولانِ لأهل العلم، هما روايتانِ عن الإمام أحمد رحمه الله، والصحيح أنَّه لا يَلْزمهم الإمساكُ؛ لأنهم لا يستفيدون بهذا الإمساك شيئًا، وليس هذا اليوم في حقِّهم يومًا محترمًا لأنهم يأكلون ويشربون في أوله وهم مباحون في ذلك، فهُمْ لم ينتهكوا حُرمة اليوم، بخلاف من أفطر أول النهار لغير عُذرٍ فإنه يَلْزمه الإمساكُ ولا يقول: أنا أفطرتُ وأفسدتُ صومي فآكلُ وأشربُ. نقول: لا أنت انتهكْتَ حُرمةَ اليوم.
ومثلُ ذلك أيضًا -هذه جملة معترِضة- لو أنَّ الحائض طهُرتْ في أثناء اليوم في رمضان فإنه لا يَلْزمها على القول الراجح أن تُمسِك؛ لأن هذه المرأة يُباح لها الفطر أول النهار إباحةً مطْلقةً، فاليوم في حقها ليس يومًا محترمًا، ولا تستفيد من إلزامها بالإمساك إلا العَنَتَ، فالقول الراجح في مسألة المسافرِ إذا قَدِمَ والحائضِ إذا طهُرتْ والمريضِ إذا بَرِئ أنه لا يَلْزمهم الإمساك.
ما تقولون فيمن أفطر لإنقاذ معصومٍ، هل يَلْزمه الإمساك بقيَّة اليوم؟
طلبة: لا يَلْزمه.
الشيخ: أفطر لإنقاذ معصومٍ؛ يعني مثلًا رأى شخصًا غَرِق في الماء، ولا يستطيع أن ينجيه من الغرق إلا إذا أفطر، فأفطر ثم أنقذه وأنجاه؟
طلبة: لا يَلْزمه.
الشيخ: لا يَلْزمه على القول الراجح؛ لأنه أفطر بسببٍ مباحٍ، بخلاف الرجل الذي بَلَغ في أثناء اليوم فإنه يَلْزمه الإمساك، والفرقُ بين هذا والمسائل التي قَبْله أنَّ المسائل التي قَبْله زالَ فيها المانعُ، وهذا وُجِد سببُ الوجوب، فإذا وُجِد سببُ الوجوب في أثناء النهار لَزِمه الإمساكُ؛ كالصغيرِ يبلغ، والمجنونِ يَعقِل، والكافرِ يُسْلم، وفي المسألة خلاف، لكن الصحيح وجوب الإمساك.
طالب: يقضي اليوم؟
الشيخ: لا، ما يقضي.
***
يقول المؤلف رحمه الله: (وإنْ كان له طريقانِ فسَلَكَ أبعدَهما).(له طريقانِ) يعني: رجُل في بلدٍ يريد أنْ يسافر إلى بلدٍ آخَر، وللبلد هذا طريقانِ أحدُهما بعيدٌ والثاني قريبٌ -يعني أنَّ أحدَهما يبلغُ المسافةَ والآخَر لا يبلغُها- فسَلَكَ أبعدَهما فإنه يقصُر؛ لأنه يصدق عليه أنه مسافرٌ سَفَرَ قصْرٍ، ولكنْ لو فُرِضَ أنه تعمَّد أن يسلك الطريقَ الأبعدَ في رمضان من أجْل أن يُفطر فهنا نقول له: لا يجوز لك الفطر؛ لأنه يمكنك أن تسلك طريقًا قصيرًا بدون فطر. هذا هو الظاهر، ومع ذلك ففي النفْس من هذا شيء.
يقول: (فسَلَكَ أبعدَهما، أو ذَكَرَ صلاةَ سَفَرٍ في آخَر؛ قَصَر)
(آخَر) هذه صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، والتقدير: في سَفَرٍِ آخَر قَصَرَ.
مثاله: سافرَ إلى العمرة وصلَّى بغير وُضوءٍ ناسيًا، ولَمَّا رجعَ من العمرة سافرَ إلى المدينة، وفي أثناء سفرِهِ إلى المدينة ذَكَر أنه صلَّى في سفرِهِ للعمرة صلاةً بغير وُضوءٍ، ماذا نقول؟ يصلِّيها قصْرًا؛ لأن الصلاةَ وجبتْ في السفر أداءً وقضاءً، وكذلك لو نَسِيها في سفرِ العمرة ثم ذَكَرها في سفرِ زيارة المدينة فإنه يقصُر؛ لأن هذه الصلاة سَفَريَّةٌ أداءً وقضاءً.
طيب، وإنْ ذَكَر صلاةَ سفرٍ في حَضَرٍ؟
طالب:لم يقصُر.
الشيخ: يُتِمُّ.
وإنْ ذَكَر صلاةَ حَضَرٍ في سَفَرٍ؟
الطلبة: (...).
الشيخ: يُتِمُّ. إذا ذَكَر صلاةَ سفرٍ في حضَرٍ فإنه يُتِمُّ على المذهب، والصحيح أنه يقصُر إذا ذَكَر صلاةَ سفرٍ في حَضَرٍ؛ لأن هذه صلاةٌ مقْضِيَّةٌ، وقد وجبتْ عليه كمْ؟ ركعتينِ، فلا يَلْزمه أكثر مما وجب عليه، هذا تعليلٌ.
أمَّا الدليل الأثريُّ فهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» ، «فَلْيُصَلِّهَا» يعني: يصلِّي نفْسَ الصلاة، والصلاةُ التي نسيتُها في السفر وذكرتُها في الحضر ركعتانِ، إذَنْ يصلِّي ركعتينِ.
أمَّا إذا ذَكَر صلاةَ حَضَرٍ في سَفَرٍ فالواجب أن يصلِّي أربعًا؛ لأنها وجبتْ عليه أربعًا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، وهذا يعني أن أُصلِّيها أربعًا.
طيب، وإنْ ذَكَر صلاةَ حَضَرٍ في حَضَرٍ؟
طالب: (...).
الشيخ: يصلِّي أربعًا، قُلْنا هذا لتَتِمَّ القِسْمة.
ذَكَر صلاةَ سفرٍ في سفرٍ؟
الطلبة: يقصُر.
الشيخ: صلاة حضرٍ في حضرٍ؟
الطلبة: يُتِمُّ.
الشيخ: يُتِمُّ.
صلاة سفرٍ في حضرٍ؟
الطلبة: يقصُر.
الشيخ: يقصُر على الصحيح.
صلاة حضرٍ في سفرٍ؟
الطلبة: يُتِمُّ.
الشيخ: يُتِمُّ.
***
يقول المؤلف رحمه الله: (وَإنْ حُبِسَ ولم يَنْوِ إقامةً).(إنْ حُبِسَ) أي: مُنِع من السفر، (ولم يَنْوِ إقامةً) فإنه يقصُر ولو طالت المدَّة.
وقول المؤلف: (حُبِس) لم يبيِّن نوعَ الحبس، فيشمل مَن حُبِس ظُلْمًا، ومَن حُبِس بحقٍّ، ومَن حُبِس بعدوٍّ، ومَن حُبِس بمرضٍ، ومَن حُبِس بتغيُّراتٍ جوِّيَّةٍ، ومَن حُبِس بخوفٍ على نفْسه، المهم مَن مُنِعَ السفر بأيِّ سببٍ يكون فإنه يقصُر.
ودليل ذلك أنَّ ابنَ عمر رضي الله عنهما حَبَسَهُ الثَّلْجُ بأذْربيجانَ لمدَّة ستَّةِ أشهرٍ وهو يقصُر الصلاةَ ، وابن عمر صحابِيٌّ، والقولُ الراجحُ أنَّ فِعْل الصحابِيِّ وقول الصحابِيِّ حجَّةٌ بشرطينِ وهما: ألَّا يخالف نصًّا، وألَّا يعارضه قول صحابِيٍّ آخَر، فإنْ خالفَ نصًّا أُخِذَ بالنصِّ مهما كان الصحابِيُّ، وإنْ عارضه صحابِيٌّ آخَر طُلِبَ المرجِّحُ واتُّبِعَ ما ترجَّحَ من القولينِ.
ثم نقول: إنَّ فِعْل ابن عمر هذا -رضي الله عنه- مؤيَّدٌ بعموماتِ الكتابِ والسُّنَّةِ الدالَّةِ على أنَّ المسافر يقصُر، حتى لو بَقِي باختياره على القول الراجح لمدَّة ستَّةِ أشهرٍ أو أربعةٍ أو سَنَةٍ ولكنه لعَمَلٍ ينتظر انتهاءه؛ فإنَّ القول الراجح أنه يقصُر كما سبق.
قال: (وإنْ حُبِسَ ولم يَنْوِ إقامةً) هذا الشرط لا بدَّ منه؛ فإنْ نوى إقامةً مطْلَقةً لا إقامةً ينتظر بها زوالَ المانعِ؛ فإنه إذا نوى أكثر مِن أربعةِ أيامٍ يُتِمُّ على المذهب، وما دون الأربعة يقصُر.
إذَنْ لا بدَّ من شرطٍ على كلام المؤلف: ألَّا ينوي إقامةً تقطع حُكم السفر، فإنْ نوى إقامةً تقطع حُكم السفر فإنه يُتِمُّ.
يقول: (أو أقامَ لقضاء حاجةٍ بلا نيَّةِ إقامةٍ قَصَرَ أبدًا). إذا أقامَ لقضاء حاجةٍ ولم يَنْوِ إقامةً؛ يعني: لَمْ يَنْوِ إقامةً مطْلَقةً، وإلَّا الإقامة لا بدَّ منها، قد نوى إقامةً لقضاءِ حاجةٍ، ولكنْ لا يدري متى تنقضي، ولم يَنْوِ إقامةً مطْلَقةً، فإنه يقصُر أبدًا.
ما معنى (أبدًا)؟ يعني: لو بَقِي طولَ عمرِهِ فإنه يقصُر؛ لأنه إنما نوى الإقامةَ من أجْل هذه الحاجةِ ولم يَنْوِ إقامةً مطْلَقةً، وهناك فرقٌ بين شخصٍ ينوي الإقامةَ المطْلَقةَ وشخصٍ آخَر ينوي الإقامةَ المقيَّدةَ؛ فالذي ينوي الإقامةَ المقيَّدةَ لا يُعَدُّ مستوطِنًا، والذي ينوي الإقامةَ المطْلَقةَ يُعَدُّ مستوطِنًا.
الإقامة المطْلقةُ معروفة: أنَّ الإنسان ينوي أنه مقيمٌ ما لم يوجَد سببٌ يقتضي مغادرتَه، ومِن ذلك السُّفَراءُ؛ سُفَراءُ الدول، لا شكَّ أنَّ الأصل أنَّ إقامتهم مطْلقةٌ لا يرتحلون إلَّا إذا أُمِروا بذلك، وإلَّا فالأصلُ أنَّ إقامتهم مطْلقةٌ، وعلى هذا فيَلْزمهم الإتمام، ويَلْزمهم الصوم في رمضان، ولا يزيدون عن يومٍ وليلةٍ في مسْحِ الخفَّينِ؛ لأن إقامتهم مطْلقةٌ.
وكذلك أيضًا الذين يسافرون إلى بلدٍ يرتزقون فيها هؤلاء إقامتهم مطْلَقةٌ؛ لأنهم يقولون: سنبقى، ما دام رِزْقُنا موجودًا سنبقى.
الإقامة المقيَّدة تارةً تُقيَّدُ بزمنٍ، وتارةً تُقيَّدُ بعَمَلٍ.
المقيَّدة بزمنٍ سبق لنا أنَّ المشهور من المذهب أنه إذا نوى أكثرَ مِن أربعةِ أيامٍ يُتِمُّ، ودونها يقصُر، والخلاف معروف لكم.
المقيَّدة بعَمَلٍ يقصُر أبدًا ولو طالت المدَّة، ومن ذلك لو أنَّه سافر للعلاج ولا يدري متى ينتهي فإنه يقصُر أبدًا، حتى لو غَلَبَ على ظنِّه أنه سيطول فإنه يقصُر؛ لأنه ينتظر هذه الحاجة، وهذا هو عُمدة مَن قال: إنه لا حدَّ للإقامة؛ لأنهم يقولون: ما دام الحاملُ له على الإقامة هو الحاجة فلا فَرْق في الحقيقة بين أنْ يحدِّد أو لا يحدِّد، فهو مُقيمٌ لشيءٍ ينتظره متى انتهى منه رجع إلى بلده.
وقوله: (قَصَرَ أبدًا) هذا هو المشهور من المذهب كما عرفتم.
وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا أقامَ وانتهت المدة المحدَّدة لحكم السفر فإنه يجب عليه الإتمام، وعليه فإذا أقامَ لحاجةٍ لا يدري متى تنقضي وانتهتْ أربعةُ أيامٍ يَلْزمه الإتمام.
لكن قول الجمهور -حتى إنَّ ابن المنذر حكى الإجماعَ عليه- أنه لا يَلْزمه الإتمامُ ما دام ينتظر انتهاء الحاجة. يقول: (قَصَرَ أبدًا).
***
بقينا في مسألة: هل تجب نِيَّة القصر أو لا؟طلبة: سَبَقَ.
الشيخ: إي، من أجْل أنه سَبَقَ سألتُكم.
طالب: الصحيح: لا يجب.
الشيخ: الصحيح أنه لا تَلْزم نِيَّة القصْر؛ لأن صلاة السفر مقصورة، فلا حاجة إلى نِيَّتِهِ كما أنَّ المقيم لا حاجة أنْ ينوي الإتمام؛ يعني لو أنَّا الآن نصلي العِشاء هلْ يَلْزمنا أنْ ننوي الإتمام؟ لا؛ لأنه هو الأصل، كذلك المسافر لا يَلْزمه أنْ ينوي القصْر؛ لو أنه كبَّر لصلاة العِشاء وهو مسافرٌ ولم يَنْوِ القصْر بناءً على أنه يصلِّي العِشاء فقط، ثم في أثناء الصلاة قال في نفْسه: ما نويتُ القصْر. على المشهور من المذهب يَلْزمه الإتمامُ، والصحيح أنَّه لا يَلْزمه؛ لأن الأصلَ في صلاةِ السفرِ القصْرُ.
طالب: شيخ، أحسنَ الله إليك، يُقيِّد الإقامةَ بالزمنِ والعملِ، هل يُحسَب على المذهب؟
الشيخ: لا، ما دام زادت المدَّة على أربعةِ أيامٍ امتنعَ القصْر ولو لعملٍ.
طالب: ولو لعملٍ؟
الشيخ: نعم.
الطالب: إذا كان مقرونًا بالزمن؟
الشيخ: نعم.
طالب: أحسن الله إليك، إذا كان الإنسانُ مقيمًا في بلدٍ وصارتْ هذه البلدُ له بلدَ سَفَرٍ، لكن لسَّه ما انتقل منها يا شيخ، فهل يستمرُّ..؟
الشيخ: ويش لون هذا؟ كيف؟
الطالب: يعني نَوَى..
الشيخ: نَوَى الإقامة المطْلَقة.
الطالب: أولًا نَوَى الإقامة المطْلقة؛ يعني: كان مُقيمًا في البلد، كان من أهل البلد.
الشيخ: إي نعم، ثم بعد ذلك؟
الطالب: نوى الانتقال.
الشيخ: نوى أن ينتقل، نقول: لا تقصُر حتى تخرج.
الطالب: يعني الحكْم يستمر؟
الشيخ: يكون كالمستوطِن تمامًا، إي نعم.
الطالب: ثم إذا انتقلَ يا شيخ يصير بلدَ سفرٍ له.
الشيخ: يعني إذا اتَّخذَ وطنًا غير الأُولى؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فإنه إذا رجع إلى الأُولى مسافرًا فهي محلُّ سَفَرٍ؛ كما فَعَل النبي عليه الصلاة والسلام في مكة؛ فإنه كان يقصُر في مكة مع أنها بلده الأول.
طالب: شيخ، حتى في صلاة الجمعة بالنسبة لنيَّةِ القصْر لا يَلْزم أنْ ينوي، حتى في نِيَّةِ صلاة الجمعة؛ لأنه إذا ما نوى، يعني شرط نِيَّته؛ نِيَّة الجمعة.
الشيخ: كيف يعني؟ وهو مُقيم؟
الطالب: لا، هو مسافرٌ، فأدركته صلاةُ الجمعة، فهل..
الشيخ: هو سينويها جمعة.
الطالب: على مَن يصحِّح حديث ابن عمر: «لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ» ؟
الشيخ: لا، «لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ» يعني اللِّي في حال السفر، وأمَّا مَن كان في نفْس البلد وسمع النداء فإنه يجيب.
الطالب: يجيب ويصلِّيها على أنها جمعة.
الشيخ: إي، على أنها جمعة، بعض الناس -انتبهوا لهذه الحيلة الفقهية..





