كتاب الصلاة - 68
عدد الزيارات 1444

عناصر المادة :
مدخلأكمل الشيخ -رحمه الله- في�هذا الملف الصوتي حديثه في كتاب الجنائز، وسوف يعاد مرة أخرى في�أول كتاب الجنائز، ولم نرد حذف هذه المادة إتماما للفائدة.

قال: (ويأمرهم أيضًا بالصدقة) (الصدقة) قد يقال: إنها مناسبة؛ لأن الصدقة إحسان إلى الغير، والإحسان سبب للرحمة؛ لقول الله تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦]، والغيث رحمة؛ لقول الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ [الشورى: ٢٨]، والصدقة هنا ليست الصدقة الواجبة، بل هي صدقة مستحبة، أما الصدقة الواجبة فإنَّ منعها سببٌ لمنع القطر من السماء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث المروي عنه: «وَمَا مَنَعَ قَوْمٌ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ» .
قال: (ويعدهم يومًا يخرجون فيه) (يعدهم) الضمير يعود على مَنْ؟ الفاعل؟ على الإمام، والضمير (هم) المفعول يعود على الناس؛ يعني يقول: سنخرج في اليوم الفلاني.
ويحسن أيضًا أن يعين الوقت -الزمن- من هذا اليوم، الساعة الفلانية ليتأهبوا على وجه ليس فيه ضرر عليهم؛ لأن الناس ربما لو خرجوا مبكرين وتأخر الإمام حصل عليهم أذية من البرد إن كانوا في زمن شتاء صارم.
يقول: (يعدهم يومًا يخرجون فيه، ويتنظف ولا يتطيب) (يتنظف) إذا قال العلماء (يتنظف)، فالمراد إزالة ما ينبغي إزالته شرعًا أو طبعًا، فإزالة ما ينبغي إزالته شرعًا مثل: الأظفار، العانة، الإبط، وما ينبغي إزالته طبعًا مثل: العرق، والروائح الكريهة، وإنما قالوا: إنه يستحب أن يتنظف؛ لأن هذا مكان اجتماع عام، وإذا كان الناس فيهم الرائحة المؤذية فإن هذا يؤذي بعض الحاضرين، فلهذا استحبوا أن يتنظف، ولكن (لا يتطيب)، وهذا يمكن أن تجعله لغزًا؛ تقول: ما هي الحال التي لا ينبغي للإنسان أن يتطيب فيها؟ أو ما هي الصلاة التي لا ينبغي للإنسان أن يتطيب لها؟ هذا أحسن. تقول: هي صلاة؟
الطلبة: الاستسقاء.
الشيخ: الاستسقاء؛ لأن صلاة الجمعة يُستحب لها الطيب، وغيرها لا يُؤمر به ولا يُنهى عنه، والاستستقاء قالوا: لا يتطيب، وعللوا هذا بأنه يوم استكانة وخضوع، والطيب يشرح النفس، ويجعلها تنبسط أكثر، والمطلوب في هذا اليوم الاستكانة والخضوع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج متخشعًا متذللًا متضرعًا.
وهذا أيضًا في النفس منه شيء، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الطِّيب، وكان يحب الطِّيب، ولا يمنع إذا تطيب الإنسان أن يكون متخشعًا مستكينًا لله عز وجل، ولهذا لو أراد إنسان أن يدعو الله بغير هذه الحال نقول: الأفضل ألا تتطيب من أجل أن تكون مستكينًا لله؟! لا نقول بهذا.
قال: (ويخرج متواضعًا متخشعًا متذللًا متضرعًا) هذه كلها أوصاف تدل على أن الإنسان لا يخرج في فرح وسرور؛ لأن المقام لا يقتضيه، يخرج متواضعًا بقلبه وهيئته وقوله، والتواضع معروف، حتى إنك ترى الرجل وتعرف أنه من المتواضعين، وترى الرجل وتعرف أنه من المتكبرين، متواضعًا لمن؟ للحق، وللخلق.
كذلك متخشعًا، الخشوع سكون الأطراف، وأن يكون على الإنسان وقار وهيبة متذللًا من الذل، وهو الهوان؛ بمعنى أن يضع من نفسه، وهو قريب من التواضع، لكنه أشد؛ لأن الإنسان يرى نفسه أنه ذليل أمام الله عز وجل.
متضرعًا، التضرع يعني الاستكانة أو شدة الإنابة إلى الله عز وجل: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [الأعراف: ٥٥]، يعني في شدة اللجوء إلى الله عز وجل.
ودليل هذه الأوصاف قول ابن عباس رضي الله عنهما: خرج النبي صلى الله عليه وسلم للاستسقاء متذللًا متواضعًا متخشعًا متضرعًا .
قال: (ومعه أهل الدين والصلاح والشيوخ والصبيان المميزون) معه أهل الدين والصلاح؛ لأن هؤلاء أقرب إلى إجابة الدعوة.
وقوله: (الدين والصلاح) من باب عطف المترادفين؛ لأن كل صاحب دين فهو صاحب صلاح.
وقوله: (الشيوخ) الكبار الذين أمضوا أعمارهم في الدين والصلاح؛ لأنهم أقرب إلى الإجابة، ومعه الصبيان المميزون، الصبيان المميزون الذين لم يبلغوا؛ لأنه لا ذنوب لهم، فيكونون أقرب إلى الإجابة ممن ملأت الذنوب صحائفهم.
وقوله: (المميزون) خرج به الصغار، الصغار الذين لم يميزوا؛ فإنهم لا يخرجون؛ لأنه ربما يحصل منهم من الأذية والصياح والبكاء أكثر مما يحصل من المنفعة.
وقول المؤلف: (معه)، ظاهر كلامه أنهم يصحبونه في الممشى، لأنه قال: (يخرج ومعه).
ويحتمل أنه أراد المعية في الصلاة، لا في كونهم يخرجون مصاحبين له في سيره إلى المسجد، وهذا هو الأقرب أن المراد بالمعية هنا المعية في الصلاة؛ لأنها هي المقصودة.
عندي يقول: (ويُباح التوسل بالصالحين)، وهذه عبارة على إطلاقها فيها نظر، ولكنهم يريدون بذلك -رحمهم الله- التوسل بدعائهم، بدعاء الصالحين؛ لأن دعاء الصالحين أقرب إلى الإجابة من دعاء غير الصالحين.
ودليل هذه المسألة -أعني التوسل بدعاء الصالحين- ما حصل من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين خرج يستسقي ذات يوم فقال: اللهم إنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا لنتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، ثم قال: قم يا عباس فادعُ الله، فقام فدعا فسقاهم الله .
وأما التوسل بالصالحين بذواتهم، فهذا لا يصح؛ وذلك لأن التوسل فعل ما يكون وسيلة للشيء، وذات الصالح ليست وسيلة للشيء ما هي العلاقة بين دعائي وبين ذات الرجل الصالح؟!
وأقبح من ذلك أن يتوسل بالقبور؛ فإن هذا قد يؤدي إلى الشرك الأكبر، ودعاء أهل القبور.
ثم قال المؤلف: (وإن خرج أهل الذمة منفردين عن المسلمين لا بيوم لم يُمنعوا) أهل الذمة هم الذين بقوا في بلادنا، وأعطيناهم العهد والميثاق على حمايتهم ونصرتهم بشرط أن يبذلوا الجزية، وقد كان هذا موجودًا حين كان الإسلام عزيزًا، أما اليوم فإنه متعذر إلا أن يشاء الله في المستقبل.
لكن على كل حال إذا طلب أهل الذمة أن يستسقوا بأنفسهم منفردين عن المسلمين بالمكان لا باليوم فإنه لا بأس فيه، مثل أن يقولوا: نحن نخرج للشمال -شمال البلد- وأنتم في جنوب البلد، فإننا نمنحهم ذلك، وإن كانت صلاتهم باطلة ودعاؤهم باطلًا، ولكن إذا دعا المضطر ربه عز وجل فإنه يجيب دعاءه، ولو كان مشركًا، ولو علم الله أنه سيشرك بعد النجاة كما قال الله تعالى: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت: ٦٥]، فينجيهم الله عز وجل؛ لأنه يجيب دعوة المضطر ولو كان كافرًا.
فنحن لا نمنعهم أن ينفردوا عنا بمكان، لا أن ينفردوا بيوم، لو قالوا: نحن نريد أن ننفرد باليوم أنتم يوم الأحد ونحن يوم الإثنين أو بالعكس، فإننا لا نوافقهم، لماذا؟ لأنه ربما ينزل المطر في اليوم الذي استسقوا فيه، فيكون في ذلك فتنة، ويقال: هم الذين على حق.
ومثل ذلك أهل البدع؛ لو أن أهل البدع طلبوا منا أن ينفردوا بمكان أذنَّا لهم، فإن طلبوا أن ينفردوا بزمان منعناهم؛ لأننا إذا منعنا أهل الذمة مع ظهور كفرهم، فمنعنا لأهل البدع من باب أولى، لو جاءنا قوم من الصوفية وقالوا: نحن نريد أن نستسقي في يوم الإثنين وأنتم يوم الأحد قلنا: لا، أو من الرافضة قالوا: نحن نريد أن نستسقي يوم الإثنين وأنتم يوم الأحد. قلنا: لا؛ لأنه لو صادف أن ينزل المطر في يوم استسقائهم حصل بذلك مفسدة كبيرة.
فإن قال قائل: هل هذا أمر ممكن أو أمر فرضي؛ أي: أن ينزل المطر في يوم يستسقي فيه أهل الذمة أو أهل البدع، هل هو أمر فرضي أو أمر قد يقع؟
فالجواب: أنه أمر قد يقع.
فإن قال قائل: كيف يقع وفيه فتنة وإغراء بهذا المذهب الباطل، أو هذا الدين الباطل؟ فالجواب: أن ذلك من الفتن التي يفتن الله بها عباده، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الفتن، قد يفتن الله العباد بشيء يكون سببًا في ضلالهم من حيث لا يشعرون، فإن طلب أهل الذمة أن يخرجوا معنا، قالوا: نحن لا نريد الانفراد لا بالمكان، ولا بالزمان
فإننا لا نمكنهم لقول الله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: ٢٥].
أهل الذمة، هل هم كل كافر عقدنا معه الذمة؟ أو يختص بجنس معين من الكفار؟ المذهب يختص بجنس معين من الكفار، وهم ثلاثة: اليهود، والنصارى، والمجوس. والصحيح أنه عام لكل كافر، كل كافر أبى الإسلام ورضخ للجزية، فإننا نعقد معه الذمة؛ لأن حديث بريدة بن الحصيب الذي ثبت في صحيح مسلم ذكر النبي عليه الصلاة والسلام له من جملة ما ذكر أنه إذا نزل على أهل حصن وأبوا الإسلام فإنه يطلب منهم الجزية .
قال المؤلف رحمه الله: (فيصلي بهم ركعتين) (يصلي) الفاعل الإمام، (ثم يخطب واحدة).
قال: يصلي ثم يخطب. فأفادنا أن الخطبة تكون بعد الصلاة كالعيد، ولكن قد ثبتت السنة أن الخطبة تكون قبل الصلاة، كما جاءت السنة بأنها تكون بعد الصلاة.
وعلى هذا فتكون خطبة الاستسقاء قبل الصلاة وبعدها، ولكن إذا خطب قبل الصلاة لا يخطب بعدها، يعني لا يجمع بين الأمرين؛ إما أن يخطب قبل، وإما أن يخطب بعد.
(ثم يخطب خطبة واحدة يفتتحها بالتكبير) ومن هنا خالف العيد، خالفت صلاة الاستسقاء صلاة العيد؛ لأن العيد على المذهب يَخطب لها خطبتن.
قال: (يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد) وقد سبق أن خطبة العيد يفتتحها بالتكبير على المشهور من المذهب، وأن في المسألة خلافًا، وأن من العلماء من قال: يفتتحها بالحمد كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل في جميع خطبه، وهكذا نقول في خطبة الاستسقاء، بل لو قال قائل: إن خطبة الاستسقاء تُبدأ بالحمد بخلاف خطبة العيد لكان متوجهًا؛ لأن خطبة العيد تأتي في الوقت الذي أُمرنا فيه بكثرة التكبير.
قال: (ويُكثر فيها الاستغفار)، وهو طلب المغفرة، فيقول: اللهم اغفر لنا، اللهم إنا نستغفرك، وما أشبه ذلك، والمغفرة هي ستر الذنب والعفو عنه؛ يعني أن يستر الله الذنب ويعفو عنه فلا يؤاخذك به، مأخوذة من (المِغْفر)، وهو الذي يضعه المقاتل على رأسه اتقاء السهام، لئلا تصيبه السهام، ومعلوم أن المغفر يحصل به أمران: الستر والوقاية.
(وقراءة الآيات التي فيها الأمر به)، مثل قوله تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا [نوح: ١٠]، وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [هود: ٣]، فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [هود: ٦١] إلى ما يحصل للإنسان من الآيات التي يستحضرها في تلك الساعة.
(ويرفع يديه فيدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم) يرفع الإمام يديه، وكذلك المستمعون يرفعون أيديهم؛ لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رفع يديه حين استسقى في خطبة الجمعة رفع الناس أيديهم .
(يرفع يديه فيدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم)، وينبغي في هذا الرفع أن يبالغ فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبالغ فيه حتى يُرى بياض إبطيه ، ولا يرى البياض إلا مع الرفع الشديد، حتى إنه جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ظهورهما نحو السماء .
واختلف العلماء في تأويله، فمنهم من قال: إنه قال هكذا، ومنهم من قال: بل رفعهما رفعًا شديدًا، حتى كان الرائي يرى أن ظهورهما نحو السماء، لأنه إذا رفع شديدًا هكذا، صار ظهورهما نحو السماء، وهذا هو الأقرب، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
؛ وذلك لأن الرافع يديه عند الدعاء يستجدي ويطلب، ومعلوم أن الطلب إنما يكون بباطن الكف لا بظاهره.
قال: (ومنه: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا مَرِيئًا» ) إلى آخره.
(«اللَّهُمَّ اسْقِنَا»): بهمزة الوصل من (سَقَى، يَسْقِي)، وبهمزة القطع من (أَسْقَى، يُسقي)، وكلاهما صحيح، قال الله تعالى: وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا [المرسلات: ٢٧]، وقال تعالى: وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا [الإنسان: ٢١]، الآية الثانية من (سَقَى) الثلاثي، والأولى من (أسقى) الرباعي.
(«اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا»)، الغيث هو المطر، قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا [الشورى: ٢٨]، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ [لقمان: ٣٤].
وقوله: («مُغِيثًا») أي: مزيلًا للشدة، وذلك لأن المطر قد ينزل ولا يزيل الشدة، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «لَيْسَتِ السَّنَةُ ألَّا تُمْطَرُوا، بَلِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا» . وهذا يقع أحيانًا؛ تحصل أمطار كثيرة ولا تنبت الأرض، وأحيانًا تأتي أمطار خفيفة ويكون الربيع كثيرًا، المهم أنك تسأل الله أن يكون «غَيْثًا مُغِيثًا».
يقول (إلى آخره) أي: آخر الدعاء.
وذكره في الشرح فقال: («هَنِيئًا مَرِيئًا، غَدَقًا مُجَلِّلًا، سَحًّا عَامًّا، طَبَقًا دَائِمًا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ» ).
(«هَنِيئًا مَرِيئًا»): الهنيء: ما لا مشقة فيه، وما يمتن الناس به، ويستريحون له.
والمريء: المري، ذو العاقبة الحسنى.
والغدق: الكثير وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا [الجن: ١٦].
والسَّح: يعني الذي ليس فيه العواصف؛ لأن العواصف مع الأمطار تؤذي وتُؤلم، وربما تفسد الجدران، وتهدم البيوت.
(«عَامًّا»): أي: شاملًا.
(«طَبَقًا»): يعني واسعًا.
(«دَائِمًا»): أي مستمرًّا، ولكن هذا الدوام مشروط بألا يكون فيه ضرر.
(«اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ» ).
طالب: «مُجَلِّلًا».
الشيخ: ما هي عندي، إي نعم («مُجَلِّلًا»)، المجلِّل: المغطي للأرض، ومنه جِلال الناقة الذي يُغطى به ظهرها.
(«اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ») («اسْقِنَا الْغَيْثَ»): يعني المطر الذي يكون مُغيثًا.
(وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ») القانط: هو المستبعد لرحمة الله، وهذه حال تعتري الإنسان، يستبعد رحمة الله عز وجل؛ لأنه يرى ذنوبه كثيرة، ويرى الفساد المنتشر، فيقول: بعيد أن الله يرحمنا، وهذا غلط قال الله تعالى: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: ٥٦] الضائع، فمن عرف حلم الله عز وجل ورحمته فإنه لا يمكن أن يقنط، حتى لو كانت منه ذنوب كثيرة ومعاصي كبيرة فإن عفو الله أوسع.
(«اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ، لَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا بَلَاءٍ، وَلَا هَدْمٍ، وَلَا غَرَقٍ» ) إلى آخره، ذكر دعاءً طويلًا.
طالب: بالنسبة إلى رفع اليدين ما يكون بظاهر اليدين (...) يتحول (...).
الشيخ: لا، لو كان هذه المناسبة، لقلنا: يدعو أولًا بالبطون، ثم بالظهور؛ لأن ما قاله شيخ الإسلام هو أقرب إلى الصواب.
طالب: وإن خرج أهل الذمة يا شيخ، ما هو الدليل على ذلك؟
الشيخ: على أيش؟
الطالب: وإن خرج أهل الذمة منفردين عن المسلمين.
الشيخ: ما هو الدليل على أيش؟
الطالب: يعني الدليل على..
الشيخ: على تمكينهم من الخروج؟
الطالب: نعم.
الشيخ: الدليل أن هذا الغيث يضرهم فقده، وينفعهم وجوده، فهم مضطرون، كالمشركين إذا ركبوا في الفلك.
طالب: (...) النبي صلى الله عليه وسلم (...) اليهود والنصارى.
الشيخ: بس هم قلة، ولا طلبوا يُحمل على أنهم قلة، ولم يطلبوا.
طالب: أحسن الله إليك، التوسل بالصالحين (...)؟
الشيخ: ممكن، إذا لم يُخشَ أن يفتتن الذي تُوسل به؛ لأنه بالوقت الحاضر لو يقوم فيدعو ربما يفتتن هو ويفتتن الناس به، فإذا خِيف من ذلك تُرك.
طالب: بشرط يكون في الملأ؟
الشيخ: في الملأ، إي نعم، حتى لو كان وحده وقلت: يا فلان، ادعُ الله لي، لمن ترجو منه الصلاح، فهذا لا بأس به، لكن بشرط إذا كان الدعاء لأمر عام، يا فلان، ادعُ الله أن يغيثنا، ادعُ الله أن ينقذنا من الشدة، أما الدعاء للشخص نفسه خاص، فقد ذكر شيخ الإسلام أنه إذا لم يقصد نفع أخيه فإنه من المسألة المذمومة.
طالب: ألا ترى أن يغلب جانب الترهيب في خطبة الاستسقاء؟
الشيخ: والله ينبغي أن يُغلَّب هذا وهذا.
أولًا: أرى أنه ينبغي أن يُغلب جانب الترغيب قبل الدعاء؛ لأنك لو ذكرت الترهيب قبل الدعاء أوجب أن يقنطوا من الرحمة، لكن اذكر الترغيب أولًا، ثم بعد ذلك إذا دعوا وانتهى الدعاء اذكر الترهيب وحذَّرهم؛ لأجل أن يَرِد الدعاء على قلوبٍ منفتحة راجية، هذا هو الذي أرى أحسن؟
طالب: أحسن الله إليك، يشرع (...) هيئة اللباس (...)؟
الشيخ: لا، الأحسن يكون لباسًا عاديًّا.
الطالب: (...).
الشيخ: والله ما أحفظ سنة أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما أراد الخروج خرج بثياب بذلة، لكن يخرج متخشعًا، حتى الإنسان بلباسه العادي يختلف، لكن متخشع عنده وقار سكون.
طالب: (...) الضلال يذهبون لشخص من الأشخاص، يبذلون له مالًا، فيكتب لهم أشياء (...)، هذا يُشرع (...) للصلاة (...)، يُصلون (...).
الشيخ: تزول الفتنة يعني؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: لتزول الفتنة؟
الطالب: غالبًا ما (...).
الشيخ: لا بأس، أقول: لا بأس، هذا طيب، من أجل ألا ينسب نزول المطر إلى هؤلاء المبتدعة.
طالب: حديث ابن عباس يا شيخ، يقول الرسول لابن عباس لم يذكر خطبتكم هذه ، كيفية الخطبة يعني أو (...).
الشيخ: الظاهر -والله أعلم- أنه في عهد ابن عباس كان هناك خطب مطولة كثيرة، فأنكرها رضي الله عنه، وذكر ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم من خطبة موجزة جامعة نافعة.
طالب: (...) الإمام أحمد (...) يتوسل بجاه النبي؟
الشيخ: إي نعم، أولًا: هذه لا بد أن نطالب بصحة النقل عن أحمد.
وثانيًا: لو قاله أحمد فإن هذه الرواية ضعيفة من حيث الدليل؛ وذلك لأن التوسل بالجاه لا ينفع، إذا قدرنا هذا الرجل له جاه عند الله، ويش ينفعك؟ لو أن الإنسان قال: أسأله بجاه الرسول؛ بمعنى أني أسألك بأني أؤمن بأن للنبي صلى الله عليه وسلم جاهًا، فهذا يكون من باب الإيمان، من باب التوسل بالإيمان، فإذا صح عن أحمد، وأمكن أنه يحمل على هذا حمل.
إني أسألك بجاهه، أي: بأني أؤمن بأن له جاهًا عندك كما قال تعالى عن موسى: وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [الأحزاب: ٦٩]، وقال عن عيسى: وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [آل عمران: ٤٥].
طالب: قول أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء .
الشيخ: نعم.
الطالب: على أي شيء يحمل؟
الشيخ: على الخطبة.
الطالب: جميع الخطب؟
الشيخ: نعم، الخطب فقط.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم؟
الطالب: (...).
الشيخ: المعروف من المذهب أنه يكون في أثناء الخطبة، يقلب رداءه ويستقبل القبلة ويدعو، وقال بعض العلماء: إنما يكون القلب بعد الدعاء؛ تفاؤلًا بأن الله أجاب الدعاء، وأن الله سيقلب الحال من الشدة إلى الرخاء.
طالب: شيخ، هل الإسلام يشترط لها إذن السلطان؟
الشيخ: المذهب لا يشترط (...).
الطالب: بالنسبة (...) قوم (...).
الشيخ: إي نعم، المذهب لا يشترط، ولكن لو قيل: نظرًا لأن الأهواء كثرت، لو قيل: بأنه لا يُخرج إلا بإذن الإمام كان حسنًا، كما هو المتبع عندنا الآن، لكن إذا قدرنا أننا في بلد لا يهتم الإمام بهذا الشيء، وأردنا أن نتواعد في مكان في البيت أو غير البيت هذا لا بأس به.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- أقول: لو كان الاستسقاء يوم الخميس، ألا يكون أحسن من يوم الإثنين لا سيما أن الناس الخميس في أيام إجازة، الخروج من المصلى لا شك (...)؟
الشيخ: يقولون: يوم الخميس نخشى أن يناموا.
طالب: هذه عِلَّتهم.
الشيخ: هذا تعليلهم، إي نعم.

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: وإن سقوا قبل خروجهم شكروا الله، وسألوه المزيد من فضله، وينادي: الصلاة جامعة، وليس من شرطها إذن الإمام، ويسن أن يقف في أول المطر، وإخراج رحله وثيابه ليصيبهما المطر، وإذا زادت المياه، وخِيف منها سن أن يقول: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ وَالآكَامِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ» . رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِالآية.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما الفرق بين خطبة العيد وخطبة الاستسقاء؟
طالب: أن خطبة العيد خطبتان، والاستسقاء واحدة.
الشيخ: نعم، والموضوع؟
طالب: (...).
طالب آخر: حتى الخطبة في فرق (...) أنه في صلاة الاستسقاء يجوز قبل وبعد، أما في صلاة العيد بعد، الاستسقاء يجوز قبل وبعد.
الشيخ: فقد ورد؟
الطالب: في السُّنة.
الشيخ: قبل وبعد، أيضًا الموضوع؟
طالب: صلاة العيد السنة التكبير.
الشيخ: ويبين أحكام ما يتعلق بالعيدين، وفي الاستسقاء يكثر من الاستغفار والدعاء بطلب الغيث. هل يجوز تمكين أهل الذمة من صلاة الاستسقاء؟
طالب: إذا كان في اليوم الذي يصلي فيه المسلمون يجوز، (...) المكان الذي يصلي فيه المسلمون.
الشيخ: يعني إذا كانوا بمكان منفردين، وفي نفس اليوم، فإنه جائز لو كانوا في نفس اليوم، لكن يصلون قبل المسلمين؟
الطالب: لا.
الشيخ: يمنعون.
الطالب: في الوقت الذي يصلي فيه المسلمون.
الشيخ: أو بعده.
الطالب: أو بعده.
الشيخ: يقول المؤلف: إنه يجوز التوسل بالصالحين؟
طالب: بدعاء الصالحين.
الشيخ: بدعاء الصالحين، هل لهذا من دليل؟
طالب: نعم، عمر رضي الله عنه كان الاستسقاء في عهده، فدعا الله عز وجل وقال: اللَّهُمَّ إنا كُنَّا نسْتَسْقِي إليكَ بِنَبيِّنا فاسْقنا، وإنا نستسقي إليك بِعَمِّ نبينا فاسْقِنا، ثم قال: قُمْ يا عباس فادْعُ لنا، فقام العباسُ رضي الله عنهما فدعا الله عز وجل فَسُقُوا .
الشيخ: هل نتوسل بجاه الصالحين عند الله؟
طالب: (...).
الشيخ: أليس لهم جاه عند الله؟
طالب: نعم يا شيخ، لكن لا يتوسل بجاههم (...).
الشيخ: ولأنه لا ينفع؛ لأن الجاه إنما ينفع صاحبه، أما نحن فلا ينفعنا. هل يرفع يديه إذا دعا؟
طالب: نعم، يرفعها.
الشيخ: يرفع يديه.
الطالب: يرفع يديه، وكذلك المصلون.
الشيخ: ولو في الخطبة؟
الطالب: ولو في الخطبة.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: الدليل فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: فعل النبي.
الطالب: ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه، ورفع المصلون أيديهم.
الشيخ: رفع يديه حتى بدا بياض إبطه .
قال: («غَيْثًا مغيثًا»)، ما هو الغيث؟
طالب: (...) في اللغة.
الشيخ: ومغيث؟
الطالب: (...).
الشيخ: ويش معنى مغيث؟
الطالب: مزيلًا.
الشيخ: مزيل لأيش؟
الطالب: (...) أو يسقط المطر.
الشيخ: ويش معنى مزيل؟ مزيل أيش؟
الطالب: مزيلًا للشدة.
الشيخ: مزيلًا للشدة نعم.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وإنْ سقوا قبل خروجهم شكروا الله وسألوه المزيد من فضله)
(إن سقوا) الضمير يعود على الناس، يعني إن سقاهم الله وأنزل المطر قبل أن يخرجوا فلا حاجة للخروج، لو خرجوا في هذه الحال لكانوا مبتدعين؛ لأن صلاة الاستسقاء إنما تشرع لطلب السقيا، فإذا سقوا فلا حاجة، يكون عليهم وظيفة أخرى، وهي وظيفة الشكر، فيشكرون الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة، يشكرون الله تعالى بقلوبهم وبألسنتهم وبجوارحهم؛ لأن الشكر يتعلق بهذه الأشياء الثلاثة: القلب، واللسان، والجوارح؛ أما القلب فأن يوقن الإنسان بأن هذه النعمة من الله عز وجل، تفضل بها، وأما باللسان فأن يثني بها على الله، فيقول: الحمد الله الذي سقانا، وما أشبه ذلك من الكلمات، وأما الجوارح فأن يقوم بطاعة الله سبحانه وتعالى، بفعل أوامره وترك نواهيه. هذا هو الشكر.
الشكر إذن يتعلق بالقلب واللسان والجوارح.
ولهذا قال الشاعر:
أَفَــــادَتْــــكُمُ النَّعْــــــمَاءُ مِنِّي ثَــــــلَاثَةً يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا

وقول المؤلف: (وسألوه المزيد من فضله) أي: سألوا الله أن يزيدهم من فضله، ومن ذلك أن يقولوا: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ صَيْبًا نَافِعًا» ، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوله.
قال: (وينادي: الصلاة جامعة) (ينادي) يعني بصلاة الاستسقاء، إذا حان وقتها ينادي لها: الصلاة جامعةٌ، أو جامعةً؟
طلبة: يجوز (...).
الشيخ: يجوز الصلاةُ جامعةً، والصلاةَ جامعةً، والصلاةُ جامعةٌ.
ثلاثة أوجه:
أما (الصلاةُ جامعةٌ) فهي مبتدأ وخبر.
وأما (الصَّلاةَ جامعةً) فالصلاةَ: مفعول لفعل محذوف، وجامعةً: حال من الصلاة، أي: احضروا الصلاة حال كونها جامعة.
وأما (الصلاةُ جامعةً) فالصلاةُ: خبر مبتدأ محذوف التقدير: هذه الصلاةُ، وجامعةً: حال من الصلاة، لكن هذا الوجه هو أضعفها، أضعف الوجوه الثلاثة.
يعني أنه إذا جاء وقت صلاة الاستسقاء، ارتفعت الشمس قيد رمح ينادى، ينادي المنادي: (الصلاة جامعة) ليحضر الناس، قياسًا على صلاة الكسوف، والمذهب؛ يعني أصحاب المذهب يرون أنه ينادى للكسوف والعيد والاستسقاء، ولكن ما ذكره المؤلف، بل ما ذكره الأصحاب في المناداة للعيد والاستسقاء ضعيف جدًّا.
أولًا: لأنه خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فالعيد وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن ينادى لها، وصلاة الاستسقاء كذلك لم يكن ينادى لها.
وقد ذكرنا قاعدة فيما سبق: أن كل شيء وُجد سببُه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يَشرع له شيئًا من العبادات، فشرع شيء من العبادات من أجله يكون بدعة؛ لأننا نحن يلزمنا الوقوف عند الشرع، عند أسبابه وعند جنسه وهيئته، إلى آخر ما عرفتم فيما سبق.
فإذن نقول: هذا لا يصح؛ لأنه خلاف السنة فيكون بدعة، ولأن إلحاق ذلك بصلاة الكسوف غير صحيح أيضًا، أي أنه يمتنع القياس؛ لأن صلاة الكسوف تأتي على غير تأهُّب وباغتة، وصلاة العيد معلومة من قبل، والناس يتأهبون لها، وكذلك الاستسقاء، وقد سبق في كلام المؤلف أنه قال: إن الإمام يعدهم يومًا يخرجون فيه، فالصلاة معلومة، لكن صلاة الكسوف تأتي على غير تأهب واستعداد، تأتي بغتة كما هو معروف.
حتى لو قال قائل: إننا اليوم نعلم بالكسوف متى يحصل ابتداءً وانتهاءً، وفي أي وقت من نهار أو ليل. نقول: حتى في هذه الحال ينادي: الصلاة جامعة؛ لأن الحسابين قد يخطئون، ونحن قد علقت الصلاة منا بوجود الكسوف، لا بالعلم به، بل بوجوده، «إِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوا» .
إذن هذا القول بأنه ينادى لصلاة الاستسقاء وصلاة العيد: لا يصح أثرًا ولا نظرًا، لا يصح أثرًا؛ لعدم وروده، مع وجود سبب في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا نظرًا؛ لوجود الفرق بين الأصل والفرع.
قال: (وليس من شرطها إذن الإمام) يعني ليس من شرط إقامتها أن يأذن الإمام بذلك، بل إذا قحط المطر وأجدبت الأرض خرج الناس وصلوا، ولو صلى كل بلد وحده لم يخرجوا عن السنة، فليس من شرطها إذن الإمام، بل لو وجد السبب وقال الإمام: لا تصلوا، فإن في منعه إياهم نظرًا؛ لأنه وجد السبب، فلا ينبغي أن يمنعهم، ولكن حسب العرف عندنا: لا تُقام صلاة الاستسقاء إلا بإذن الإمام، اللهم إلا أن يكون قوم من البادية بعيدين عن المدن ولا يتقيدون، فهنا ربما يقيمونها وإن كان البلد لم يقيموها.
قال: (ويسن أن يقف في أول المطر وإخراج رحله وثيابه ليصيبها) (يسن أن يقف) السنة في اصطلاح الفقهاء هي ما يُثاب فاعله امتثالًا، ولا يُعاقب تاركه.
وقوله: (أن يقف) يعني أن يقف قائمًا.
(في أول المطر) يعني أول ما ينزل المطر، ويخرج رحله؛ أي: متاعه الذي في بيته أو في خيمته إن كان في البر، وكذلك ثيابه يخرجها؛ لأن هذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما.
والثابت من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا نزل المطر حسر ثوبه -حسره: يعني رفعه- حتى يصيب المطر بدنه، ويقول: «إِنَّهُ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِرَبِّهِ» ، وهذه السنة ثابتة في الصحيح.
وعليه فيقوم الإنسان، ويُخرج شيئًا من بدنه، إما من ساقه، أو من ذراعه، أو من رأسه، حتى يصيبه المطر اتباعًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: «إِنَّهُ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِرَبِّهِ»؛ لأن الله خلقه الآن، فهو حديث عهد بخلق الله.
ولكن هل يقال: إن هذا التعليل يتعدى لغيره مما يحدثه الله عز وجل؟ أو نقول: إن هذا تعليل بعِلَّة قاصرة على معلولها؟
الجواب: الثاني، أن هذه العِلَّة قاصرة على معلولها؛ ولهذا لا يمكن نقول للإنسان: إنه ينبغي أن يصيب من بدنه ما ولد من حيوان أو نحوه مما هو حديث عهد بالله.
ويستفاد من الحديث: «إِنَّهُ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِرَبِّهِ» ثبوت الأفعال الاختيارية لله عز وجل التي تقع بمشيئته خلافًا لمن أنكر ذلك، فإن إنكاره عن جهل عن عقله وهو في الحقيقة جهل، وليس بعقل، فالرب عز وجل تقوم به الأفعال الاختيارية، ويفعل ما يشاء في أي وقت شاء.
قال: (وإذا زادت المياه وخيف منها سُن أن يقول: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا لَا عَلَيْنَا») إلى آخره.
(إذا زادت المياه) يريد بذلك مياه السماء؛ يعني الأمطار، ومثل ذلك أيضًا لو زادت مياه الأنهار على وجه يخشى منه، فإنه يسن أن يقول هذا الذكر يقول: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا».
ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله، هلكَ المالُ وتهدم البِناء فادعُ اللهَ يمسكها عَنَّا. فلم يدعُ الله بإمساكها، ولكنه دعا الله بإبقائها على وجه لا يضر فقال: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا» إلى آخره.
وقوله: («اللَّهُمَّ»): هذه منادى حُذفت منها ياء النداء، وعُوِّض عنها الميم، ولم تُجعل الميم في أول الكلمة تيمنًا بالبداءة باسم الله، وجعلت في آخرها ميمًا؛ لأن الميم تدل على الجمع، فكأن الداعي جمع قلبه على الله عز وجل.
وقوله: («حَوَالَيْنَا»): أي: أنزله حوالينا، أي حوالي المدينة، وحوالي هنا ملحق بالمثنى؛ لأنه نصب بالياء بدلًا عن الفتحة؛ لأنه ملحق بالمثنى؛ حيث إنه لا يدل على اثنين بل على واحد، أي: حولنا.
(«وَلَا عَلَيْنَا») يعني ولا على المدينة التي خِيف أن تتهدم من كثرة الأمطار.
(«اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ وَالْآكَامِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ» ).
قوله: («عَلَى الظِّرَابِ»): هي الروابي الصغار؛ يعني الأماكن المرتفعة من الأرض، لكن ليس ارتفاعًا شاهقًا، وذلك لأن المرتفع من الأرض يكون فيه النبات أسرع نموًّا وأحسن طروًّا؛ لأنه مرتفع قد تبين للشمس والهواء فيكون أحسن.
(الآكام) يقول: إنها الجبال الصغيرة، ولهذا يقال: أكمة للجبل الصغير.
(وبطون الأودية) أي داخل الأودية، أي الشعاب؛ لأن بطون الأودية إذا أمطرت سالت وحصل فيها أشجار كبيرة نافعة.
(ومنابت الشجر) هذا عام يعم كل أرض تكون منبتًا للشجر.
فإذا قال قائل: هذه الدعوات شملت الأرض كلها.
فالجواب: لا، لم تشمل الأرض كلها، خرج منها رؤوس الجبال العالية؛ لأنها ليست آكامًا ولا ظرابًا، وخرج منها الأرض القاحلة السبخة التي لا تنبت؛ لأنها ليست من منابت الشجر ولا من بطون الأودية، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا الله عز وجل أن يكون نزول المطر على أراضٍ نافعة وهي هذه الأنواع الأربعة: الظراب، الآكام، بطون الأودية، منابت الشجر.
قال المؤلف: (ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به) هذه لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكنها مناسبة، فإذا قالها الإنسان لا على سبيل أنها سنة فلا بأس، أما إذا قالها على أنها سنة فلا.
وهنا في الكتاب: ربنا لا تحملنا، وهي في الآية: رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا [البقرة: ٢٨٦]، وإنما حذفها المؤلف؛ لأنها في الآية حرف عطف على ما سبق، وهنا لم يسبقها شيء تُعطف عليه، فلهذا حذف الواو فقال: (ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به)، الآية.
يعني إلى آخر الآية، أكمل الآية، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَاأربع دعوات:
رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِوهذا من باب التخلية.
وَاعْفُ عَنَّاكذلك، من باب التخلية، وَاغْفِرْ لَنَاكذلك، وَارْحَمْنَامن باب التحلية، يعني من باب إيجاد الشيء، فهذه الدعوات كلها دعوات مفيدة مناسبة، لكن بشرط ألا يتخذها الإنسان على أنها سُنة.
ذكر الشرح مسألة مفيدة، قال: (يحرم أن يقول: مُطرِنا بنوء كذا، ويُباح في نَوْء كذا، وإضافة المطر إلى النوء دون الله كفر إجماعًا، قاله في المبدع).
يقول: (يحرم أن يقول: مُطرنا بنوء كذا) والنَّوْء: هو النجم؛ يعني مطرنا مثلًا بالنجم الفلاني، بنجم الشولة، بنجم النعائم، بنجم سعد الذابح، بنجم سعد البلع، سعد السعود، وما أشبه ذلك، يحرم أن يقول هذا.
ودليله ما رواه، ما ثبت في الصحيح من حديث زيد بن خالد الجهني، أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية على إثر سماء كانت من الليل -يعني مطر نزل في الليل- فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة الصبح قال لهم: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ»، كم قسمًا صاروا؟
طالب: قسمين.
الشيخ: قسمين؛ «مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ».
«فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَهُوَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» . وهذا نص صريح في أن من قال: مُطرنا بنوء كذا فهو كافر، ولهذا حكى في المبدع إجماع أهل العلم على ذلك.
إذن قول الإنسان: مُطرنا بنوء كذا مُحرَّم، بل هو من كبائر الذنوب، وهل يكون كفرًا أكبر مخرجًا عن الملة؟
هو بحسب عقيدة القائل: إن كان يعتقد أن النوء هو الذي خلق هذا المطر فهو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة؛ لأنه ادعى أن مع الله خالقًا.
وإن كان يعتقد أن النوء سبب فإنه كافر كفرًا دون كفر، وإنما كان كافرًا فيما إذا اعتقد أنه سبب؛ لأنه أثبت سببية لم يثبتها الله عز وجل، فإن النجوم ليس لها أثر، وإنما هي أوقات فقط، أما أن يكون
لها أثر في إنزال المطر أو عدم إنزاله فلا، وإنما هي أوقات. لو قال: مطرنا في نوء كذا؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: فهذا جائز؛ لأن (في) للظرفية، ومن ذلك استعمال العامة عندنا (الباء) هنا وهم يريدون الظرفية، يقول مثلًا: مطرنا بالمربعانية، مُطرنا بالشط، مُطرنا بالعقارب؛ العقارب هي السعود الثلاثة: سعد الذابح، وبلع، والسعود.
تسمى عندنا في العامية العقارب إذا قال: مُطرنا بسعد السعود وهو يقصد: (في سعد السعود) كما هي اللغة العامية عندنا، فهنا لا يكون كافرًا.
والباء قد تأتي بمعنى (في) مثل قوله تعالى: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] يعني في الليل.
إذن القائل: (مُطرنا بنوء كذا) له ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون كافرًا كفرًا مخرجًا عن الملة، متى؟ إذا اعتقد أن للنوء تأثيرًا في خلق المطر.
ثانيًا: يعتقد أنه سبب، أن يريد بذلك السببية، فهذا؟
الطلبة: كفر أصغر.
الشيخ: كفر أصغر.
الثالث: أن يريد الظرفية؛ أي أننا مطرنا في هذا الوقت، فهذا جائز، هذا جائز، وهو الذي يريده العامة عندنا، العامة عندنا يقولون: مطرنا بكذا؛ يعني بالنجم الفلاني، يريدون بذلك الظرفية.

***

مدخلأكمل الشيخ -رحمه الله- في هذا الملف الصوتي حديثه في كتاب الجنائز، وسوف يعاد مرة أخرى في أول كتاب الجنائز، ولم نرد حذف هذه المادة إتماما للفائدة.
01:01:32

ثم قال المؤلف رحمه الله: (كتاب الجنائز).
طالب: (...).
الشيخ: تكلمنا عليه فيما سبق.
(الجنائز) جمع جنازة، وهي بفتح الجيم وكسرها بمعنى واحد، وقيل: بالفتح اسم للميِّت، وبالكسر: اسم لما يُحمل عليه الميت، فإذا قيل: جَنازة أي مَيِّت. وإذا قيل: جِنازة أي نعش.
وهذا تفريق دقيق؛ لأن الفتح يناسب الأعلى، والميت فوق النعش، والكسر يناسب الأسفل، والنعش تحت الميت، وينبغي للإنسان أن يتذكر حاله ونهايته في هذه الدنيا، وليست هذه النهاية نهاية، بل وراءها غاية أعظم منها وهي الآخرة، فينبغي للإنسان أن يتذكر دائمًا الموت، ولكن يتذكر الموت لا على أساس الفراق للأحباب والمألوف؛ لأن هذه نظرة قاصرة.
ولكن على أساس فراق العمل والحرث للآخرة، فإنه إذا نظر هذه النظرة استعد وزاد في عمل الآخرة، وإذا نظر النظرة الأولى حزن وساءه الأمر، وصار على حد قول الشاعر:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً لَـــــــذَّاتُهُ بِادِّكَـــــــــارِ الْـــــمَوْتِ وَالْهَـــــــــــرَمِ

فيكون ذكره على هذا الوجه لا يزداد به إلا تحسرًا وتنغيصًا، أما إذا ذكره على الوجه الأول وهو أن يتذكر الموت ليستعد له ويعمل للآخرة، فهذا لا يزيده حزنًا، وإنما يزيده إقبالًا إلى الله عز وجل، وإذا أقبل الإنسان على ربه فإنه يزداد صدره انشراحًا، وقلبه اطمئنانًا، فينبغي أن يستعد.
وفي هذا المجال يحسن البحث في أمور:
أولًا: هل المريض إذا مرض، هل يعاد أو لا يعاد؟ الجواب: بل يعاد.
وعيادة المريض من حقوق المسلم على أخيه، وفي العيادة من جلب المودة والإلف، والمحبة شيء لا يعرفه إلا من أُصيب ثم عيد، فإنك إذا عُدت أخاك في مرضه يجد لهذا قيمة كبيرة عظيمة، لا يزال يتذكرها، فالعيادة -أعني عيادة المريض- من السنن المؤكدة، وفيها ثواب عظيم.
وقال بعض أهل العلم: بل هي فرْض على الكفاية، كتجهيز الميت، وأنه يجب على المسلمين أن يعودوا مرضاهم، فمن علم أن شخصًا ما مريض، ولكنه لا يُعاد وجب عليه أن يعوده، وجب عليه أن يعوده، وهذا القول أصح، أي أن عيادة المرضى من فروض الكفاية، وأن الناس إذا علموا بمريض ولم يعودوه أثموا، وإن قام به البعض سقط عن الباقين؛ لأنه ليس من الإسلام والإيمان في شيء أن يكون أخونا المسلم تتلفه الأمراض وتتقاذفه ونحن لا نعوده، أين الأخوة الإيمانية؟ فلا بد من عيادة المريض، ثم إذا عيد المريض، هل الأولى أن نبسط الكلام معه، وأن نذكر الماضي والحاضر، أو أن نقتصر على السلام والدعاء، ثم ننصرف؟
في هذا خلاف بين العلماء، والصحيح أن الخلاف قريب من اللفظي، وأن المسألة تعود إلى ما تقتضيه الحال، فقد يكون المريض يرغب أن هذا الشخص يبقى عنده ويحدثه، وهو يفرح به ويأنس به، فهذا نقول: الأفضل في حقك الإطالة، الإطالة حتى يظهر على صاحبك الملل
.
وهناك شخص آخر مفارقته عيد ومقاربته نار، مثل هذا لا ينبغي أن يجلس عند المريض ولا لحظة، ولولا أننا نحب أن يكتسب الأجر لقلنا.
طالب: لا تعد.
الشيخ: لا تعد المريض، هو في غنى عنك، وهذا التفصيل هو الصحيح، أن الإنسان ينظر إلى ما تقتضيه الحال، ثم إن المريض أيضًا أحيانًا يكون متسع الصدر منشرحًا، يحب الأنس، ويحب الكلام، فهنا نطيل معه، أحيانًا يكون ضيق الصدر، يتململ من أمراضه، ويظهر على وجهه أنه يحب الانفراد، أو يحب أن يكون عنده أهله، أو ما أشبه ذلك فهنا نقول: نقتصر على أقل شيء، إذن القول الراجح في المكث عند المريض أنه يختلف.
الطلبة: حسب (...).
الشيخ: باختلاف الأحوال، حسب ما تقتضيه الحال
.
ثالثًا: إذا عُدنا المريض، فهل نذكره بالتوبة، والوصية إن كان يريد الوصية، والخروج من المظالم، وما أشبه ذلك؟ أو ماذا؟
نقول أيضًا: ينبغي للإنسان أن ينظر حال المريض، إذا كان يعرف من حال المريض أنه متهاون بمظالم الناس، متهاون بما أوجب الله عليه، فينبغي أن يذكره، ولكن على وجه لا يزعجه؛ لأن المريض قد ضعفت نفسه، كل شيء يفكر فيه، فلو قال له: يا فلان، أوصِ، ما تدري متى يأتيك الموت، ماذا يقول المريض؟ ينزعج جدًّا.
وهذا كامرأة أذكرها عادت مريضًا، فقالت: الله يعافيه، والله وليدي أصابه مثلك هذا، ولا قعد إلا يومين.
أيش هذا؟ إي نعم، هل هذا زين؟ يمكن يموت قبل يومين، علشان هذا الكلام، فلا ينبغي للإنسان أن يزعج المريض بأي شيء، لكن إذا كان يعرف أن المريض عنده تفريط، عنده مظالم للخلق، فإنه يذكره بوجه لطيف يحصل به المقصود، مثلًا إذا علمنا أنه مَدِين مطلوب للناس يحسن أن نقول: إن كتابة الديون والإشهاد عليها حسن، والأمور بيد الله، والآجال عند الله، وما أشبه ذلك من الكلام الذي لا يزعجه.
رابعًا: هل يسأل المريض كيف يصلي وكيف يتطهر؟ أو نقول: إن هذا من باب التدخل فيما لا يعنيه؟
طالب: (...).
الشيخ: الذي نرى أنه إن كان المريض من ذوي العلم الذين يعرفون فلا حاجة أن تذكره؛ لأنه سيحمل تذكيرك إياه على إساءة الظن به، وأما إذا كان من العامة الجهال، فهنا يحسن أن نبين له.
وأذكر لكم قصة وقعت عليَّ، أنا عدت مريضًا، فسألته عن حاله، فقال: الحمد لله على كل حال، أنا لي نصف شهر أجمع وأقصر، أجمع وأقصر.
هذا يحتاج إلى تنبيه؛ لأنه يظن أن القصر مع الجمع، وأن من جمع قصر، مثل هذا يعلمنا أنه رجل عامي، لا بد نعلمه نذكره، ومن ذلك أيضًا أنه اشتهر عند العامة أن من لا يستطيع الإيماء بالركوع والسجود فإنه يومي بأصبعه، هذا مشهور عند العامة، فينبغي أن نسأل حتى لا يقع في الخطأ.
البحث الخامس: التداوي، هل يؤمر المرضى بالتداوي، أو يؤمرون بعدم التداوي أم في ذلك تفصيل؟
من العلماء من قال: ترك التداوي أفضل، ولا ينبغي أن يتداوى الإنسان، واستدلوا لذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مرض ولدوه، أمر بأن يلد جميع من كان حاضرًا إلا العباس بن عبد المطلب، قالوا: وهذا دليل على أنه كره ما فعلوه.
واللدود: ما يُلد به المريض، وهو نوع من الدواء. واستدلوا أيضًا بأن أبا بكر رضي الله عنه لما مرض، وقيل له: ألا ندعو لك الطبيب؟ قال: إن الطبيب قد رآني، فقال: إني أفعل ما أريد ، وأبو بكر هو خير الأمة بعد نبيها وهو قدوة وإمام.
ومن العلماء من قال: بل يسن التداوي لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ولأنه من الأسباب النافعة، ولأن الإنسان ولا سيما المؤمن المغتنم للأوقات كل ساعة تمر عليه تنفعه، ولأن المريض يكون ضيق النفس، لا يقوم بما ينبغي أن يقوم به من الطاعات، وإذا عافاه الله انشرح صدره، وانبسطت نفسه، وقام بما ينبغي أن يقوم به من العبادات، فيكون الدواء إذن مرادًا؟
طالب: لغيره.
الشيخ: لغيره، فيسن.
وفصل بعض العلماء، فقال: إذا كان الدواء مما علم أو غلب على الظن نفعه بحسب التجارب، فهو أفضل، وإن كان من باب المخاطرة فتركه أفضل؛ لأنه إذا كان من باب المخاطرة فقد يحدث فيه رد فعل، فيكون الإنسان هو الذي تسبب لنفسه بما يضره، ولا سيما الأدوية الحاضرة العقاقير التي قد تفعل فعلًا مباشرًا شديدًا على الإنسان، بغلطة وصفة طبيب.
ومن العلماء من قال: إنه يجب التداوي إذا ظن نفعه، والصحيح أنه يجب إذا كان في تركه هلاك، مثل: سرطان موضعي، السرطان الموضعي -بإذن الله- إذا قطع الموضع الذي فيه السرطان فإنه ينجو منه، لكن إذا ترك انتشر في البدن وكانت النتيجة هي الهلاك، فهذا يكون دواءً معلوم النفع؛ لأنه موضعي، يُقطع ويَزول، وقد خرب الخضر السفينة بخرقها لإنجاء جميعها، لتنجو.
فكذلك البدن إذا قطع بعضه من أجل نجاة باقيه كان ذلك سائغًا بل واجبًا، وهذا القول أقرب الأقوال؛ أن ما علم نفعه، أو غلب على الظن مع احتمال الهلاك بعدمه فهو واجب، وأما ما غلب على الظن نفعه، ولكن ليس هناك هلاك محقق لتركه فهو أفضل، وما تساوى فيه الأمران فتركه أفضل، لئلا يلقي الإنسان بنفسه إلى التهلكة من حيث لا يشعر.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بالنسبة لعدد مرات النداء، كم مرة ينادي؟
الشيخ: ينادي بحسب ما يحصل به الإبلاغ، ولكن -كما قلنا لكم- أن الصحيح أنه ليس بسُنَّة.
طالب: (...) يا شيخ (...) الصواعق (...).
الشيخ: ليس فيه حديث صحيح في هذه المسألة.
لكن في آثار مثل: إذا رأى البرق قال: سبحان الله وبحمده فإنه يروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: من قال حين يرى البرق: سبحان الله وبحمده لم تصبه صاعقة .
ومثل: إذا سمع الرعد قال: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك، فإنه يؤثر عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه .
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- إذا علم المريض أن زيارتي له تؤذيه.
الشيخ: ما هو بالمريض؟ أنت كنت تقول: إذا علم المريض؟
الطالب: إذا علم المعاد؟
الشيخ: نعم، العائد؟
الطالب: الْمُعاد؟ يعني أنا كنت أريد أزور صديقًا (...) جارًا لي يعلم هذا الجار أو هذا المريض المُعاد، أنني إذا زرته سيتأذى بي.
الشيخ: سيتأذى المريض يعني؟
الطالب: إي نعم، يتأذى، هل يجوز له الزيارة؟
الشيخ: لا، إذا كنت تعلم أنه يتأذى لا تزُره.