أفضل من إبراهيم عليه الصلاة والسلام وآله، النبي وآله أفضل من إبراهيم
وآله.
فقال بعض العلماء: إن قوله: كما
صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، مِن آل إبراهيم محمد عليه الصلاة والسلام، فيكون
هذا قد ذكر مرتين، مرة: صلِّ على محمد وآل محمد، ومرة: كما صليت على إبراهيم وعلى
آل إبراهيم.
لكن هذا الجواب فيه نظر؛ لأن الجملة الثانية ما هي دعاء، الثانية
خبر. وقال بعضهم: إنه لا يمنع أن يكون المشبه أقوى من المشبه به، وإن كان هذا
نادرًا، لكن هذا من النادر.
والقول الراجح في هذه المسألة أن الكاف هنا ليست
للتشبيه، وإنما هي للتعليل، فيكون المعني: على محمد وآل محمد؛ لأنك صليت على
إبراهيم، فيكون هذا من باب التوسل بفعل الله على نظيره، والتوسل بفعل
الله على نظيره مشروع.
فإذا قال قائل: وهل تأتي الكاف للتعليل؟
فالجواب:
نعم، واسمع كلام الإمام ابن مالك رحمه الله في الألفية يقول:
| شَبِّهْ بِكَافٍ ................. | .......................... |
| شَبِّهْ بِكَافٍ وَبِهَا التَّعْلِيلُ قَدْ | يُعْنَى وَزَائِدًا لِتَوْكِيدٍ وَرَدْ |
| شَبِّهْ بِكَافٍ وَبِهَا التَّعْلِيلُ قَدْ | يُعْنَى وَزَائِدًا لِتَوْكِيدٍ وَرَدْ |
| .......وَبِهَا التَّعْلِيلُ قَدْ | يُعْنَى .......................... |
***
طالب: وبارك على محمد.الشيخ: أنا عندي (كما صليت على آل إبراهيم) عندكم هكذا؟
طالب: على آله.
الشيخ: على آل إبراهيم.
طالب: وعلى محمد، وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، ويستعيذ من عذاب جهنم وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، ويدعو بما ورد، ثم يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
ذكر المؤلف بقية التشهد عند قوله: (اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم) وذكرنا الإشكال الذى أورده بعض العلماء على قوله: (كما صليت على إبراهيم).
وذكرنا فيه جوابين أصحهما أن الكاف؟
طلبة: للتعليل.
الشيخ: للتعليل، وإذا كانت للتعليل كانت من باب التوسل إلى الله تعالى بأفعاله السابقة إلى أفعاله اللاحقة المطلوبة؛ يعني كأنه يقول: إنه يا ربنا، أنت صاحب الكرم والجود، تكرمت على إبراهيم وآله، وصليت عليهم، وباركت عليهم، فصلِّ وبارك على محمدٍ وآله، وإبراهيم هو الخليل؛ خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام، تنازع فيه اليهود والنصارى والمسلمون، فلمن حكم الله؟
طلبة: للمسلمين.
الشيخ: حكم الله للمسلمين، فقال جل وعلا: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آل عمران: ٦٧].
(إنك حميد مجيد) (حميد) فعيل بمعنى (فاعل)، وبمعنى (مفعول)، بمعنى (فاعل)؛ لأنه عز وجل يحمد من يستحق الحمد من المؤمنين المتقين، وبمعنى (محمود)؛ لأنه سبحانه وتعالى محمود على إنعامه على كمال صفاته.
وكان النبى صلى الله عليه وسلم إذا أتاه ما يسره قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ»، وإذا أتاه خلاف ذلك قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» .
والعبارة المشهورة عند بعض الناس الحمد لله الذى لا يحمد على مكروه سواه، هذه مُنكَرة؛ لأن قائلها يُنبئ تمامًا على عدم رضاه بقضاء الله، وأنه كاره له، ولكن الله يحمده عليه، وخير الهدي هدي مَنْ؟
طلبة: محمد صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: هدْي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد كان يقول: إذا أتاه ما يسوؤه «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»، إذن حميد بمعنى حامد، وبمعنى محمود.
يقول حسان بن ثابت في مدح النبى صلى الله عليه وسلم:
| وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ | فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ |
أما مجيد فهي بمعنى اسم الفاعل؛ أى: ذو مجدٍ عظيم، والمجد صفات العظمة، اقرأ: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج: ١] تجد أن في آياتها ذكر المجد والعظمة لله عز وجل لإذلال من يكونون كالذين عذبوا أصحاب الأخدود.
(وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد)؛ يعني أنزل البركة فيهم، والبركة كثرة في الخيرات، وساعته وثباته ودوامه؛ لأنها مشتقة من (البِرْكة)، وهي حوض كبير يجتمع فيه الماء، فالمراد بالبركات كثرة الخيرات وثبوتها ودوامها.
(على محمد وعلى آل محمد) وسبق تفسيرها.
(كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)، وهذا التشهد ورد على روايات؛ منها ما ذكر المؤلف: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» .
رواية أخرى: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» و«كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» .
الرواية الثالثة: الجمع بينهما: «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»، «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» .
فهل نقول: إن هذا من باب زيادة الثقة أو نقول: من باب تنوع العبادات؟
يُنظر إلى مخرج الحديث؛ إذا كان مخرج الحديث واحدًا، فهذا من باب زيادة الثقة، أما إذا كان متعددًا فإن كل طريق يُعتبر نوعًا آخر.
وقد ذكر بعض الفضلاء أنه لم يصح الجمع بينهما، لكنه ثابت في صحيح البخارى (...) الإجماع.
(ويستعيذ بالله من عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال) هذه أربع، أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يستعيذ الإنسان منها في التشهد الأخير، كما جاء ذلك مصرحًا به في مسلم: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمُ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ» . فيه إشارة إلى أن التشهد الأول ليس محلًّا للدعاء، فلا ينبغي تطويله، وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- في زاد المعاد: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخففه حتى كأنما هو على الرضف وهي الحجارة الحامية.
(أعوذ بالله من عذاب جهنم) جهنم: اسم من أسماء النار، والاستعاذة معروفة لكم ما هي؟
طلبة: الاعتصام بالله.
الشيخ: الاعتصام، واللجوء إلى الله عز وجل (من عذاب جهنم)، وكان من دعاء عباد الرحمن: رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا [الفرقان: ٦٥].
(ومن عذاب القبر) عذاب القبر: ما يكون قبل يوم القيامة، والمراد بالقبر هنا ما هو أعم من الحفرة التى يُدفن فيها الإنسان؛ إذ إن المراد به البرزخ الذي بين موت الإنسان وقيام الساعة، كما قال عز وجل: وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون: ١٠٠].
وإذا قلنا بهذا فلا فرق بين أن يُدفن الإنسان في البر، أو يغوص في البحر، أو تأكله السباع، أو تذروه الرياح، فكل هذا يسمى قبرًا، ويُعذَّب فيه الإنسان.
عذاب القبر ثابت بالقرآن والسنة؛ أما القرآن، فقال الله تعالى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِيعني سكراته وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ [الأنعام: ٩٣] الله أكبر! إنهم لشاححون بها، لا يريدون أن تظهر؛ لأنهم بُشِّروا قبلها بالغضب، والعياذ بالله؛ غضب الله عليهم، فلا يريدون أن تخرج؛ ولهذا باسطو أيديهم هكذا أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ، وفي هذا دليل على أن الملائكة لهم أيدي كما لهم أجنحة. أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ، اليوم (أل) هنا للعهد؟
طلبة: الحضوري.
الشيخ: الحضوري الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ، وهذا صريح، ومن ذلك قوله تعالى في آل فرعون: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّاأعوذ بالله! وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر: ٤٦] إذن يُعرضون عليها غدوًا وعشيًّا متى؟ قبل الساعة ولَّا بعدها؟
الطلبة: قبل الساعة.
الشيخ: قبل الساعة، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ.
وقال الله تعالى في قوم نوح: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا [نوح: ٢٥]، والفاء تدل على الترتيب والتعقيب قد أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا.
أما السنة فإنها متواترة بذلك، لو لم يكن منها إلا هذا الحديث الذي يقرؤه المسلمون، كلهم في كل صلاة، يقرؤونه، يقولون: نعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» ، فأمر أن نتعوذ بالله من عذاب القبر في كل وقت، ويتأكد ذلك في الصلاة.
(ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال) (فتنة) اختبار، (المحيا) الحياة، (الممات) الموت، وهل للمحيا فتنة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، له فتنة، فتنة المحيا ترجع إلى شيئين: شُبهه وشهوة؛ شُبهة يضل بها الإنسان، ولا يعرف الحق فيضيع، شهوة يعرف الحق، لكن لا يريده، وأيهما أشد؟
طلبة: الثانية.
الشيخ: الثانية أشد؛ لأن الأول الذي لا يعرف الحق ربما إذا عرفه استقام، فتعود فتنة المحيا إلى هذين الأمرين: الشبهات -نعوذ بالله- أو الشهوات.
(الممات) هل المراد الفتنة بعد الموت أو الفتنة عند الموت أو كلاهما؟
طلبة: كلاهما.
الشيخ: الصحيح أنه كلاهما، الفتنة بعد الموت؛ يفتن الإنسان في قبره، يُسأل عن ربه ودينه ونبيه، الفتنة عند الموت؛ أشد ما يكون، وأحرص ما يكون الشيطان على بني آدم عند موته؛ لأنها الساعة الحاسمة؛ إما إلى الجنة وإما إلى النار، أحسن الله لي ولكم الخاتمة.
فإذا قال قائل: الفتنة في هذا الوقت داخلة في فتنة المحيا.
فيقال: نص عليها؛ لأنها أخطر ما يكون، وقد ذُكر أن الإمام أحمد -رحمه الله- في سياق الموت تأتيه إغفاءة فيسمعونه يقول: بعد بعد، فإذا أفاق قالوا: يا أبا عبد الله، ما بعد بعد؟
قال: إن الشيطان يعض أنامله أمامي، يقول: فتني يا أحمد، فأقول: بعد بعد؛ لأن الإنسان ما دام لم تخرج روحه من بدنه فهو على خطرٍ عظيم.
إذن نص على فتنة الممات -أي: التي عند الموت- ليش؟ لخطرها وعظمها، كما نص على فتنة الدجال.
(فتنة المسيح الدجال) المسيح ولا المسيخ؟
طلبة: المسيح.
الشيخ: المسيح، خلافًا لمن قال: عيسى مسيح، والدجال مسيخ، نقول: الله أكبر، أنت أعلم من الرسول عليه الصلاة والسلام؟! الرسول قال: مسيح، سُمِّيَ مسيحًا؛ لأنه يمسح الأرض ويجوبها يمينًا وشمالًا وبسرعة، أما المسيح عيسى ابن مريم فلأنه لا يمسح ذا عاهة؟
طلبة: إلا برأ.
الشيخ: إلا برأ، المسيح الدجال فتنته عظيمة حتى إن جميع الأنبياء أنذروا به قومهم لأهميته وخطره، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما من فتنة منذ خُلق آدم إلى قيام الساعة أشد من فتنة الدجال ، ووالله إنها لعظيمة، يأتي ويأمر وينهى، فمن أطاعه أصبح مبسوطًا في الدنيا، ومن عصاه أصبح خاسرًا في الدنيا، حتى يأتي القبيلة يدعوهم وهم مُمحلون ما فيه مطر، ما فيه نبات، فيدعوهم فيجيبونه ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتُنبت، ما هذه الفتنة يا جماعة؟ فتنة عظيمة، ويأتي الآخرون على العكس من ذلك إذا لم يجيبوه أصبحوا ممحلين؛ فتنة عظيمة.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ» -اللهم اجزهِ عنا خيرًا- «وَإِلَّا فَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» ونعم الخليفة، فأمره عظيم. والدجال: كثير الدجل، وهو الكذب والتمويه.
وقوله: (ويدعو بما ورد) ليته عبر بما عبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، بماذا عبر؟
طلبة: بما أحب.
الشيخ: «بِمَا أَحَبَّ» . أما أن نقيد ونقول: بما ورد، غير صحيح؛ لأن الدليل يدل على أننا ندعو بما ورد بما أحببنا، صحيح أن الأدعية الواردة أفضل من غيرها وأبرك وأجمع، لكن قد يكون الإنسان له إرادات، أرأيت لو أن الإنسان في زمن الاختبار، ولما انتهى من التشهد قال: اللهم نجِّحني، واجعل درجاتي خمسة وتسعين في المئة، أما تكفيه؟ ما تكفي، تسعين في المئة، أستغفر الله! واجعل درجاتي مئة في المئة، يجوز هذا ولَّا لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز.
الطلبة: نعم، يجوز.
الشيخ: يجوز، يدعو بما أحب، لو قال مثلًا: اللهم ارزقني بيتًا واسعًا، يجوز؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، لو دعا في شيء من أمور الدنيا كاللهم اجعل مالي كمال فلان أنفقه في سبيلك، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: أتمتع به فيما أبحت لي.
الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، إذن نقول: الصواب أن يقال: يدعو بما أحب، هذا الصواب من خير الدنيا والآخرة، وأما قول بعض العلماء رحمهم الله: إذا دعا بشيء من أمور الدنيا بطلت صلاته، فلا وجه له، الإنسان يدعو ربه، وجاء في الحديث: «لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَتَّى شِرَاك نَعْلِهِ» ، يعني حتى الشيء الزهيد، اسأل الله.
(ويدعو بما ورد)، والصواب: ويدعو بما أحب.
(ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك)
(يسلم عن يمينه) يعني: كل السلام من حين ما يقول: السلام ينصرف يعني يصرف وجهه.
أما بعض الناس يقول: السلام عليكم ورحمة الله، يخلي السلام كله على القبلة، والانحراف على في (عليكم) فقط من أين هذا؟ لا وجه له، من حين ما تبدأ بالسلام التفت حتى تكون (عليكم) عند الالتفات الكامل للمأمومين، وفي اليسار؟
طلبة: كذلك.
الشيخ: كذلك في اليسار، وعلى هذا لا وقوف بين السلامين، السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، ويكون الانصراف عن يساره أكثر قليلًا، هذا هو المشروع.
هذا السلام فيه الخروج من الصلاة، وهو على القول الصحيح: ركن فيها، لا تصح الصلاة بدونها بدون السلام، وأما من قال: إنه إطلاق من محذور؛ لأنه خطاب آدمي، فكأنه تكلم لتبطل صلاته -فسبحان الله- قول ضعيف هذا؛ لأننا لو قلنا: إنه إطلاق من محذور، لكان الإنسان إذا فعل أي مبطل للصلاة خرج منها.
ولذلك يُذكر أن بعض العلماء كان يشير على أحد الخلفاء أن يدع مذهبًا معينًا، لكن الخليفة متمسك به، فقال: يا أمير المؤمنين، أتريد أن أصلي لك صلاة هذا المذهب؟ قال: نعم، صلِّ. قال: الله أجل، بدل الله أكبر؛ لأن المقصود التعظيم، الله أجل مُدْهَامَّتَانِ [الرحمن: ٦٤]، وركع، بلا تكبير ولا تسبيح، ويرفع كذلك، ولا طمأنينة، فلما انتهى عند آخر الصلاة فسا، ليش؟ لأنه فاعل محظور، وانتهت الصلاة، قال: هذا؟ قال: نعم، هذا تجزئ الصلاة عندهم، فعدل عنه، وهذا من ذكاء بعض العلماء.
ألم يمر علينا أن بعض الخلفاء كان يرى مذهب ابن عباس في جواز الاستثناء، ولو طال الفصل، وهذا لا شك أنه قول ضعيف، وإن كان ينجو به الإنسان من الإثم، لكنه قول ضعيف، فحمل هذا الخليفة على أحد العلماء الذي قال: إنه لا يجوز، قال: كيف تخالف ابن عباس؟ قال: يا أمير المؤمنين، لو أنا أخذنا بقول ابن عباس لكان الرجل يبايعك ويحلف لك، فإذا خرج قال: إن شاء الله انحلَّت البيعة، قال: هكذا؟ قال: الصواب ما قلت.
فالمهم أن هذه من ذكاء بعض العلماء أن يُلزم الخلفاء بما فيه المنفعة، والله الموفق، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي محمد، وإلى (...).
***
طالب: ثم يجلس في تشهده الأخير متوركًا والمرأة مثله، لكن تضم نفسها، وتسدل رجليها في جانب يمينها.الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، بقية صفة الصلاة.
تقدم لنا ما ساقه المؤلف -رحمه الله- إلى قوله: (ويدعو بما ورد) وقلنا: إن هذه عبارة فيها؟
طالب: قصور.
الشيخ: قصور، وفيها تحديد، وفيها تضييق لما وسع الله، والصواب: يدعو بما أحب من أمور الدين وأمور الدنيا؛ لأنه هكذا جاءت السنة.
(ثم يُسلِّم) أي المصلي (عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك)، وتكلمنا على هذا.
والسلام سيأتينا -إن شاء الله- في الأركان أنه ركن من أركان الصلاة، وهل يجب أن ينوي به الخروج من الصلاة أو لا؟ والمسألة لا تخلو من ثلاث حالات؛ إما أن ينوي به الخروج من الصلاة، وهذا أحسن شيء، وإما أن ينوي به السلام على من يمينه أو يساره، وفي إجزاء ذلك وجهان للعلماء، أو قولان للعلماء، منهم من قال: إنه إذا نوى السلام على يمينه، وعلى يساره بطلت صلاته.
ومنهم من قال: لا تبطل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ مِنْ عَلَى يَسَارِهِ» .
الحالة الثالثة: ألا ينوي شيئًا، سلَّم على أن هذا شيء مشروع في الصلاة واجب، أو ركن ولم ينوِ شيئًا، هذا يجزئه لا شك، وهذا في الغالب هو الذي عليه أيش؟ أكثر الناس، ما يشعر ذاك الساعة أنه يريد الخروج من الصلاة، ولا أنه يسلم على من يمينه وعن يساره.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يزيد: (وبركاته)، بل يقول: السلام عليكم ورحمة الله في اليمين والشمال، وهذا الذى عليه جمهور العلماء.
وقيل: إنه يزيد: (وبركاته) في السلام الثاني، أو في السلام الأول، أو فيهما، وهذا مبني على صحة الحديث؛ فإن صح الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعلى العين والرأس، ولكن نقول: ذلك أحيانًا لا داعي له، وإن لم يصح فقد كُفينا همه، وقد أشرنا إلى هذه القاعدة في باب المناظرة، وأن الإنسان إذا استدل عليك بحديث أو بقول مأثور عن الصحابة فطالبه أولًا؟
طلبة: بصحة النقل.
الشيخ: إي، بصحة النقل، فإذا لم يصح كُفيت همَّه، وإن صح فحينئذٍ يُنظر في أمره.
(وإن كان في ثلاثية كالمغرب، أو رباعية كالظهر والعصر والعشاء نهض مكبرًا بعد التشهد الأول) (نهض) أي: قام، وظاهر كلامه أنه لا يقوم معتمدًا على يديه؛ لأن كلمة (نهض) تعطي أنه ينهض بسرعة وبقوة ونشاط.
فينهض (مكبرًا) في حال النهوض؛ لأن جميع التكبيرات والتسمية والتحميد يكون في حال الانتقال إلا قول المنفرد والإمام: (ربنا ولك الحمد)، فيكون بعد تمام القيام.
يقول: (نهض مكبرًا) بدون أن يعتمد على الأرض، إلا أن يكون محتاجًا؛ لذلك كالكبير والمريض وما أشبه ذلك.
وقد أنكر النووي -رحمه الله- حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم ضامًّا كفيه كالعاجِن قال: هذا لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام.
وبعض العلماء قال: إنه صحيح، ولكن سواء قام عاجنًا أو قام باسطًا يديه على الأرض، الأمر في هذا واسع، إنما المهم ألا يفعل إلا عند الحاجة.
وقال: (بعد التشهد الأول)، التشهد الأول الذي أنهاه المؤلف -رحمه الله- عند قوله: (أن محمدًا عبده ورسوله) قال: (هذا التشهد الأول) وعلى هذا فإذا قال: (أن محمدًا عبده ورسوله) ينهض، ولا يزيد على هذا، إلا إذا كان مأمومًا واستمر الإمام فإنه لا يسكت، يكمل حتى لو كمل التشهد كله؛ لأنه تابع لإمامه، والصلاة ليس فيها سكوت.
وقال بعض أهل العلم: حتى المأموم لا يزيد، وإذا كان الإمام أطال الجلوس فإنه يكرر التشهد؛ لأن ذلك -أي: الزيادة- لم ترد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكن الأقرب عندي أنه لا يكرر، بل يستمر.
قال: (وصلِّ ما بقي كالثانية) (صلِّ ما بقي) ويش اللي يبقى؟
طالب: إن كانت ثلاثية فركعة؟
الشيخ: إن كانت ثلاثية فركعة، إن كانت رباعية فركعتان.
(كالثانية) أي: بدون استفتاح ولا تعوذ، ولكنه استثنى، قال: (بالحمد فقط)؛ يعني بالفاتحة فقط، ولا يزيد، وهذا القول هو الراجح؛ أنه لا زيادة في الركعتين على الفاتحة؛ لأن حديث أبي قتادة رضي الله عنه صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الأخريين بالفاتحة فقط ، وهو أولى من حديث أبي سعيد.
من وجهين؛ الوجه الأول: أولًا: حديث أبي سعيد، فإن فيه ما يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ بالأخريين بزيادة على الفاتحة، لكن الأخذ بحديث أبي قتادة أولى لوجهين؛ الأول: أنه صريح في التحديد قال: يقرأ بالأوليين بالفاتحة وسورة، وبالأخريين بالفاتحة فقط.
ثانياً: أن حديث أبي سعيد يقول: إنهم كانوا يحزرون الصلاة؛ يعني يخرصونها فليس صريحًا في التحديد، والإنسان قد يحزر الشيء بناءً على ظنه، ويكون خلاف ما ظن.
(ثم يجلس في تشهده الأخير متوركًا)، ثم يجلس في التشهد الأخير في الثالثة أو الرابعة؟ في الثلاثية في الثالثة، في الرباعية في الرابعة.
(متوركًا) التورك له ثلاث صفات:
الصفة الأولى: أن ينصب الرجل اليمنى، ويخرج اليسرى من تحت ساقيه، فتكون الرجلان كلتاهما عن يمينه ومقعدته على الأرض.
الصفة الثانية: أن يخرج الرجلين كلتيهما من اليمين مفروشتين ومقعدته على الأرض.
الصفة الثالثة: اختلفت فيها الروايتان: ففي صحيح مسلم أنه يفرش اليمنى، ويخرج اليسرى من بين الساق والفخذ، تصورتموها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وفي رواية أبي داود يُخرج الرجل اليسرى من تحت الساق.
على رواية أبي داود تكون هي الصفة الثانية في التورك، وعلى ما رواه مسلم تكون الصفة الثالثة، ولا شك أن الأخذ برواية مسلم أولى؛ لأن مسلم بالاتفاق أصح من أبي داود رحمه الله.
فعلى كل حال الصفات ثلاث، وقد ذكرها كلها ابن القيم في زاد المعاد. يقول: (والمرأة مثله، لكن تضم نفسها وتسدل رجليها في جانب يمينها) المرأة مثل من؟ (مثله) أي: مثل الرجل في الصلاة قولًا وفعلًا حتى في رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول، فإنها مثل الرجل ترفع يديها، لكن في الجلوس تختلف عن الرجل، تضم نفسها، ولا تتجافى أيضًا في السجود، ولا في الركوع تضم نفسها؛ لأن المطلوب منها الستر.
(وتسدل رجليها بجانب يمينها)، ولا تفترش بين السجدتين، ولا في التشهد الأول، ولا تتورك في الأخير، فتفارق الرجل الآن أن جميع ما تُشرع فيه المجافاة غير مشروع للمرأة.
والثاني في صفة الجلوس، لا تجلس مفترشة، ولا متورِّكة، وإنما تجلس سادلة رجليها إلى جانب يمينها، وهذا الاستثناء فيه نظر، بل نقول: ما ثبت في حق الرجل ثبت في حق المرأة إلا بدليل، فالدليل لا منازع معه، فإذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بذلك، فعلى العين والرأس، وإذا لم يثبت فالأصل، أتموا؟
الأصل تساوي الرجال والنساء في أحكام الله عز وجل؛ لأنهم كلهم مكلفون، نعم لو فُرض أن المرأة تصلي وحولها رجال، فهنا نقول: الأفضل أيش أن تضم نفسها لا شك، أفضل بكثير، وهذا لسبب عارض ليس دائمًا، لكن تصلي في بيتها أو ليس عندها إلا محارمها، أو نساء مثلها فإنها تكون كالرجل تمامًا، أفهمتم؟
يستثنى من ذلك مسألة الشَّعْر، إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى الرجل معقوص الشعر ، يعني: مربوط. وقال: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ وَلَا أَكُفُّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا» . المرأة لا بد أن تكف الشعر، السبب؛ لأنها سوف تغطي جميع رأسها، فلا بد أن تكفه، فهذا مما يُستثنى، فالمرأة لا نقول: دعي الشعر يسجد في الأرض لا، نقول: استُريه، أما الرجل فنعم، انتهى صفة الصلاة (...).
لأنها خارجة عن صفة الصلاة، لكن ينبغي أن يقال: لأنه من تكميل الصلاة.
فمثلًا مما يسن بعد الصلاة أن يستغفر الإنسان ثلاثًا، يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، وهذا الاستغفار ليس استغفارًا عامًّا عن جميع الذنوب، استغفار عمَّا يمكن أنه وقع في هذه الصلاة، فهو تابع لها، ولهذا قال الله عز وجل في الحج: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ [البقرة: ١٩٩].
فهذا بختام هذا العمل الجليل؛ لأنه ما منا إلا وعنده تقصير في الصلاة، ثم بعد ذلك يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام؛ أنت السلام يعني السالم من كل نقصٍ وعيب، ومنك السلام: التسليم من كل آفه.
تباركت يا ذا الجلال والإكرام: تباركت يعني أن البركة تحل بكل ما يتعلق بالله عز وجل، إن عبد الإنسان ربه حصل له البركة، إن سمَّع حصل له البركة، إن ذكر الله حصل له البركة، كل شيء.
يا ذا الجلال والإكرام؛ أي: يا صاحب الجلال؛ أي: العظمة.
والإكرام، أي: أنك أهل للإكرام، يكرمك العباد، وأنت أهل للإكرام، تُكرم المؤمنين، فالإكرام هنا يصلح لهذا وهذا.
ثم يذكر الله يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ثلاث مرات في كل صلاة، وفي المغرب والعشاء والفجر يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات.
ويقول: لا إله إلا الله، ولا أعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون، هذه معروفة، أكثركم لا تخفى عليه والحمد لله.
ثم يسبح، التسبيح له أربع صفات: الصفة الأولى: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر؛ ثلاثًا وثلاثين، ويختم المئة بقوله: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
الصفة الثانية: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين مرة، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين مرة، والله أكبر أربعًا وثلاثين مرة، كم الجميع؟
الطلبة: مئة.
الشيخ: مئة، ولا يزيد. الصفة الثالثة: أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمسًا وعشرين مرة، فالجميع مئة.
الصفة الرابعة: أن يقول: سبحان الله عشر مرات، والحمد لله عشر مرات، والله أكبر عشر مرات، ولا يزيد.
الصفة الخامسة: ذكرها بعضهم أن يقول: سبحان الله إحدى عشرة مرة، والحمد لله إحدى عشرة مرة، والله أكبر إحدى عشرة مرة، لكن الصحيح أن هذه لم ترد، لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هي تفسير لبعض الرواة وليس مصيبة. فالوجوه كم؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة، ينبغي للإنسان أن يحافظ عليها تارة هذه، وتارة هذه وألا يهملها.
لو أنا أجرينا مسابقة في الأشياء الواردة على وجوه متنوعة من أول الصلاة إلى آخرها قولًا وفعلًا، هل منكم من ينزل في الميدان؟
واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، زين، والبقية أكثر من النصف الآن، ما ورد على وجوه متنوعة من أول تكبيرة الإحرام إلى آخر الذكر. طيب ممكن نوزع، ممكن..





