وتصويرًا؛ لأنَّ كثيرًا من الناس يُطْلِق الكفر يقول: مَنْ أشرك فهو كافر مطلقًا، ولو كان منتسبًا إلى الإسلام، ولو كان لا يعرف عن هذا شيئًا، ولكن ليس بصحيح، وسيأتي إن شاء الله بقية الكلام على هذا.
***
طالب: والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.قال المصنف رحمه الله تعالى في باب إخراج الزكاة: فإن مَنَعها جَحْدًا لوجوبها كَفَر عارِفٌ بالحكم وأخذت وقُتِل، أو بُخلًا أخذت منه وعُزِّر، وتجب في مال صبيٍّ ومجنون ويخرجها وليهما، ولا يجوز إخراجها إلا بنية، والأفضل أن يفرِّقَها بنفسه ويقول عند دفعها هو وآخذُها ما وَرَد، والأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده، ولا يجوز نقلها إلى ما تَقْصُر فيه الصلاة، فإن فعل أجزأت إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَنْ تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
متى وقت إخراج الزكاة؟
طالب: عند بلوغ نصاب الزكاة يجب على الفور إخراجها.
الشيخ: إي، لكن متى؟ عند ملك النصاب، أو عند تمام الحول؟
الطالب: عند تمام الحول.
الشيخ: عند تمام الحول، ما حكم المبادرة بإخراجها؟
طالب: تجب المبادرة إلَّا لضرورة أو حاجة أو مصلحة.
الشيخ: نعم، إلَّا لضرورة أو حاجة أو مصلحة، أو تَعَذُّر؛ لأنه قال: يجب مع إمكانه.
ما مثال التَّعَذُّر؟
الطالب: بأن يَضيع المال الزكوي.
الشيخ: نعم، يضيع المال الزكوي لسنة أو سنتين فهنا يتعذَّر الإخراج.
وهل فيه زكاة في مدة ضياعه؟
الطالب: نعم فيه زكاة إلَّا إذا كان لو أخرجه في أول السنة نقص عن..
الشيخ: ما عنده شيء، ضاع له مليون ريال ولا عنده غيره، فهل يجب عليه الإخراج في هذه السنة التي ضاع فيها، أو السنتين أو الثلاث؟
طالب: يُخْرِج إذا وجده يا شيخ.
الشيخ: نعم هو وجده، هل يُخْرِج لما مضى أو لا؟
الطالب: نعم يا شيخ، لا يخرج إلَّا سنة واحدة التي كان عنده؛ يعني: إن كان ما عنده، أما ما مضى يا شيخ لا يخرجه.
الشيخ: نعم، المذهب يُخْرِج لكل ما مضى، والصحيح -كما قلت- أنه يُخْرِج لسنة واحدة كالدَّيْن على المُعْسِر.
***
بسم الله الرحمن الرحيم.قال المؤلف رحمه الله: (فإن منعها جحدًا لوجوبها كَفَرَ عارِفٌ بالحكم).
(إن منعها) أي: الزكاة.
(جحدًا) مفعول من أجله؛ أي: من أجل الجحد، وهذا المفعول من أجله سابق على الفعل لأن المفعول من أجله قد يكون سابقًا على الفعل وقد يكون لاحقًا له وقد يكون مقارِنًا له، فهنا الجَحْد سابق أو مقارن؟
طالب: مقارن.
الشيخ: نعم، سابق أو مقارن؛ بمعنى إمَّا أن يكون سابقًا ويقول: ليس عليَّ زكاة، والزكاة غير مفروضة، أو يكون جَحْدُه حين المنع.
إذا منعها على هذا الوجه فيقول المؤلف: (كَفَر عارفٌ بالحكم) عارفٌ بالحكم؛ يعني: يعلم أن الزكاة واجبة فإنه يكفُر إذا جَحَدَها؛ وذلك لأن وجوب الزكاة مما يُعْلَم بالضرورة من دين الإسلام، كل مسلم يعلم أن الزكاة واجبة ضرورة فإذا جَحَد ذلك كفر.
وهنا قَيَّد المؤلف رحمه الله الكفر بأن يكون عارفًا بالحكم، فعُلِمَ من كلامه أنه لو جَحَد وجوبَها جاهلًا بالحكم فإنه لا يَكْفُر؛ لأن الجهل عُذْرٌ بالكتاب والسُّنَّة وإجماع المسلمين في الجملة يعني: لا بكل الصور لقول الله تبارك وتعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: ١٥] أي: رسولًا يُعَلِّمُ الناس ويُبَيِّن لهم، كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤]، وقال الله تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِإلى قوله: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٣ ـ ١٦٥]، فدلَّ هذا على أنه لو لم يُرسَل رسلٌ إلى الخلق فلهم حجة على الله؛ لأنهم معذورون، وقال الله تبارك وتعالى في قريش أنهم قالوا: لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [طه: ١٣٤]، وقال تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص: ٥٩].
وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ، والنصوص في هذا كثيرة؛ أن الجهل عذر.
ولكن هنا مسألة: قد لا يُعْذَر الإنسان بالجهل؛ بمعنى أنه يمكنه أن يتعلم ولم يفعل مع قيام الشبهة عنده، كرجل قيل له: هذا محرم مثلًا وكان يعتقد الحِلَّ، فمن المعلوم أنه إذا قيل له: هذا محرم فسوف تقوم عنده شبهة على الأقل، فحينئذ يلزمه أن يتعلم، يلزمه أن يتعلم ليصل إلى الحكم بيقين، فهذا ربما لا نَعْذُره بجهله، لماذا؟
لأنه فَرَّط في التعلم، والتفريط يُسْقِط العذر، لكن مَنْ كان جاهلًا ولم يكن عنده أي شبهة ويمشي في هذا على أنه هو الحق، أو يقول هذا على أنه هو الحق فلا شك أن هذا لم يُرِد المخالفة ولم يُرِد المعصية ولم يُرِد الكفر، فلا يمكن أن نُكَفِّرَه، حتى لو كان في أصل من أصول الدين، الإيمان بفرْضِيَّة الزكاة أصل من أصول الدين، وأداؤها أصل من أصول الدين، ومع ذلك الجاهل، ماذا نقول للجاهل، نكفِّره ولَّا لا؟
طالب: لا يُكَفَّر.
الشيخ: لا يُكَفَّر، الجاهل لا يُكَفَّر، وبناءً على هذا يتبين حالُ كثير من عوام المسلمين في بعض الأقطار الإسلامية الذين يستغيثون بالأموات وهم لا يعلمون أن هذا حرام، بل قد لُبِّس عليهم أنَّ هذا مِمَّا يُقَرِّب إلى الله وأن هذا وليُّ الله، وأنه هو الذي يشفع لك عند الله وما أشبه ذلك، وهم معتنقون للإسلام وعندهم غَيْرَة على الإسلام، ولكن يظنون أن هذا من الإسلام، ولم يأتِهم مَنْ ينبِّهُهم، فهؤلاء معذورون، لا يؤاخَذون مؤاخذة المعاند الذي قيل له: هذا شرك.
قال له العلماء: هذا شرك، قال: لا، أنا على ما عليه آبائي وأجدادي، فإن حكم هذا الثاني حكم مَنْ قال الله عز وجل عنهم: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف: ٢٢].
إذن لا بد من أن يكون الجاحد لوجوب الزكاة لا بد أن يكون عارفًا بالحكم، فإذا جَحَدها وهو عارف بالحكم صار كافرًا.
فإن كان جاهلًا وأخبرْناه وعلمنْاه وبيَّنا له النصوص وأصرَّ على ما هو عليه، فحينئذٍ يكون:كَفَرَ عالِمًا بالحُكْمِ.
وبناءً على ذلك يتبين لنا أنه لا يُشترط الإقرار بالحكم، إذا بلَغَهُ الحكم على وجه واضح بَيِّن فقد قامت عليه الحجة سواء أقرَّ أو أنكر، حتى لو أنكر قال: أنا ما أرى وجوب هذا الشيء فإنه لا ينفعه ولا يرفع عنه الحكم، وإلَّا لكان فرعون الذي أنكر رسالة موسى مع إقراره بها في باطن نفسه لكان مؤمنًا محِقًَّا، وليس كذلك، فالشرط هو البلوغ على وجه يتبيَّن به الأمر، فإذا بَلَغَتْ الإنسان الحجة على وجه يتبين به الأمر فإن إقراره بها ليس بشرط، يُحكَم بكفره ولو لم يُقِرَّ بها؛ قال: (كفر عارف بالحكم).
وإذا أخبرناه وأصرَّ على أنها ليست بواجبة لكنه يخرِجُها قال: أخرجها على أنها تطوع، يكْفُر أو لا يكفر؟
يكفر وعلى هذا فقول المؤلف: (ومن منعها جحدًا لوجوبها) ليس قيدًا في الحكم؛ لأن المدار على الجحود، فإذا جَحَد الوجوب وهو عارف بالحكم فإنه يكفر سواء أخرجها أم لم يخرجها.
وبهذه المناسبة أود أن أَذْكُر كلامًا للإمام أحمد رحمه الله حين قيل له: إن فلانًا يقول في قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣]، فلما قيل له إن فلانًا يقول: هذا فيمن استحل قتل المؤمن تبسم وقال: إذا استحل قتل المؤمن فهو كافر، سواء قتل أم لم يَقْتُل، فتبقى الآية لا فائدة منها؛ لأن الآية عَلَّقت الحكم على وصف دون هذا الوصف الذي ذكره هذا القائل وهو الجحود؛ عَلَّقَتْ الحكم على وصف القتل، أما إذا استحل فهو كافر سواء قتل أم لم يقتل.
ومن ذلك الذين قالوا: إن نصوص كُفْر تارك الصلاة محمولة على مَنْ تركها جَحْدًا لوجوبها، نقول: سبحان الله! كيف هذه العقول؟! إذا جَحَد وجوب الصلاة، فلو صلى فإنه كافر، لو كان وراء الإمام، لا يختلف عن ظهر الإمام ولا يومًا واحدًا وهو يجحد وجوبها كافر، كيف تعتبرون وصفًا لم يكن في الدليل ولم يُشِر إليه الدليل ولا إشارة، وتُلغون وصفًا علَّق الدليل عليه الحكم، هذه جناية على النص، جناية من وجهين؛ إلغاء ما اعتبره الشرع وصفًا موجِبًا للحكم، واستحداثُ وصفٍ لم يكن في النص، ولا تَعَرَّض له النص.
وهذا البلاء -يا إخواني- يأتي كثيرًا من العلماء؛ لأنهم يعتقدون قبل أن يستدلوا، فإذا اعتقدوا قبل أن يستدلوا حاولوا لَيَّ أعناق النصوص إلى ما يعتقدون، هذه واحدة، أو يكون المستدِل -العالم- مستعظِمًا الأمر؛ كيف يكفر وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويؤمن بالله واليوم الآخر؟ فيستعظم أن يَكْفُر بترك الصلاة، فيحاول أن يُحَرِّفَ النصوص من أجل استعظامه أن يكفر.
على كل حال هذا جئنا به استطرادًا، وإلَّا الموضوع -موضوع مَنْ مَنع الزكاة جاحدًا لوجوبها- فهو كافر، ومَن جحد وجوبها وأدَّاها فهو أيضًا كافر للجَحْد لا للمنع.
يقول رحمه الله: (أو بُخْلًا)؛ يعني: أو منعها بخلًا.
(وأُخِذَت منه وقُتِلَ) (أُخِذَتْ منه) الزكاة (وقُتِلَ)، تُؤْخَذُ منه وتُعطَى أهلها ويُقتَل؛ يُقتَل لرِدَّتِه.
وهنا يقع إشكال: كيف تُؤْخَذُ منه وقد حكمنا بكفره؟ وهي لا تُقْبَل منه؛ لقوله تعالى: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ [التوبة: ٥٤]، فكيف نأخُذُها منه ما دام حكمنا بكفره ورِدَّتِه؟! وإذا قتلناه فسيكون ماله لمن؟ لبيت المال؛ لأن المرتد لا يَرِث ولا يورَث فكيف تُؤْخَذ؟
نقول: لأنه تَعَلَّق بها حقُّ الغير، وهم أهل الزكاة.
فإذا قال قائل: إذا دخلت بيت المال فالذي يُصرف إليه بيتُ المال أعَمُّ مما تُصرف فيه الزكاة، أفلا يدخل الأخص بالأعَمِّ؟ الجواب: لا؛ لأنها ربما تُصْرَف في الأعَمِّ، تُصْرَف مثلًا في إصلاح الطرق، في بناء المساجد وما أشبه ذلك، وهذا لا يَصِحُّ صَرْفُ الزكاة فيه.
إذن نقول: إذا منعها جحْدًا لوجوبها فإنها تؤخذ منه ويُقتل، وورد الإشكال الذي أوردنا، وهي كيف تؤخذ منه وهو كافر ولا تُقبل منه؟
قلنا: لتعلُّق حق الغير بها، وأوردنا سؤالًا آخر؛ قلنا: أَفَلَيْسَ مال المرتد لبيت المال وبيت المال أعمُّ من الزكاة؟
قلنا: بلى، لكن قد لا تُصْرَف في المصارف الخاصة وتُصرف في المصالح العامة، وهذا لا يجوز.
ثم قال: (وقُتِلَ)، قُتِل لردته؛ ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وظاهر كلام المؤلف أنه لا يُستتاب، ولكن هذا الظاهر قد يكون مُرادًا وقد يكون غيرَ مُراد، وأن المراد بيان الحكم بقطع النظر عن شروطه.
وسيأتينا إن شاء الله تعالى في أحكام المرتد أن المرتد لا يُقتل حتى يُستتاب ثلاثة أيام، والعلماء رحمهم الله مختلفون؛ هل كلُّ كُفْرٍ يُستتاب منه؟ وهل الاستتابة واجبة أو راجعة إلى رأي الإمام؟ والصواب أنها ليست واجبة، وأنها راجعة إلى رأي الإمام، إن رأى من المصلحة أن يُستتاب لكون المرتد زعيمًا في قومه وأنه لو عاد إلى الإسلام لنفع الله به، فهذا يجب أن يستتيبه الإمام، وإن رأى أن إعدامه خير من بقائه لنفسه ولغيره؛ لأن طول عمر الكافر زيادة في إثمه، قال الله تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ [آل عمران: ١٧٨]، فهنا لا يحتاج إلى استتابة، يقتله.
ثم القول الراجح أن التوبة مقبولة من كل ذنب حتى مِنْ سَبِّ الله ورسوله، إذا تاب الإنسانُ من أعظم الذنوب تاب الله عليه، لكن مَنْ سَبَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإنها تُقبل توبته ويُقتل، ومن سَبَّ الله فإنها تُقبل توبته ولا يُقتل.
طالب: (...).
الشيخ: أو بالعكس.
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؟ نعم، لماذا؟ لأن حقَّ الله لله، وقد بَيَّن سبحانه وتعالى لنا أنه يَغْفِر الذنوب جميعًا لا يؤاخِذ عليها، ونحن نقتله لله انتقامًا منه لحق الله، فإذا كان الله قد بَيَّنَ لنا أنه يغفر الذنوب جميعًا فليس من حقِّنا أن نقتله.
أما الرسول عليه الصلاة والسلام فسَبُّه حق له، وقتله قتل السابِّ لحق الرسول، وهو حق آدمي، ولا يُعلَم أَعَفَى عنه أم لم يعفُ؟ فلهذا يجب قَتْلُ مَنْ سَبَّ الرسول ولو تاب، وإذا قتلناه بعد توبته ماذا نصنع؟
طلبة: (...).
الشيخ: نغسِّله ونكفِّنه ونصلي عليه وندعو له بالمغفرة وندفنه مع المسلمين؛ لأنَّ قَتْله حصل به أداء الحق إلى أهله وقد تاب إلى الله.
يقول المؤلف: (أُخِذَت منه وقُتِلَ) (أو بُخْلًا) (بُخْلًا) هذه معطوفة على جَحْدًا، (أو بُخْلًا) وما هو البخل؟ البُخْلُ: مَنْع ما يجب، والشُّحُّ: الطمع فيما ليس عنده؛ فالبخيل مُمسِك، والشحيح مقتطِع يريد أن يكون أموال الناس كلها عنده، فإذا منعها بخلًا أو شُحَّا، نقول: بُخْلًا أو شُحًّا؟
طلبة: بخلًا.
الشيخ: بخلًا؛ لأنه مَنَع ما يجب (أو بخلًا أُخْذَت منه وعُزِّر) (أُخِذَت): الفعل مبنيٌّ للمجهول، فمَن الآخذ؟
الآخذ: مَنْ له حق الأخذ وإلزام الناس بالشرع، وهو السلطان وسلطانُ كلِّ بلدٍ مَنْ جُعِل أميرًا عليها من قِبَل السلطان الأعلى، فتؤخذ، يأخذها الإمام قهرًا أو اختيارًا؟ قهرًا؛ لأنه مانع، ويُعَزَّر، التعزير يطلق على معانٍ منها: النصرة، ومنها: التأديب؛ النصرة كما في قوله تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [الفتح: ٩]، تعزِّروا رسوله أي: تنصرونه.
والتعزير بمعنى التأديب، مثل كلام المؤلف وهو كبقية كلام الفقهاء، وسُمِّيَ التأديب تعزيرًا، وأصل التعزير النصرة؛ لأن فيه نصرةَ نَفْسِ الإنسانِ عليه؛ لأننا إذا أدَّبناه استقام فنصرناه على نفسه، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» قالوا: يا رسول الله هذا المظلوم كيف ننصر الظالم؟ قال: «تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَذَلِكَ نَصْرُهُ»، فهذا الذي أدَّبناه، نقول: عزَّرناه تعزيرَ نصرٍ في الواقع؛ لأننا نصرناه على نفسه، إذ إن هذا سيردعه عمَّا كان عليه.
وهنا سؤال؛ إذا أُخذِت منه فهل تبرأ بها ذمته؟
نقول: أما ظاهرًا فتبرأ منها ذمته؛ تبرأ ظاهرًا، بمعنى أننا لا نطالبه بها مرة ثانية، وأما باطنًا لا تجزئه؛ لأنه لم ينوِ بها التقرب إلى الله، ولم ينوِ بها إبراء ذمته من حق الله، فلا تبرأ بها ذمته فيكون معاقَبًا عليها عقوبة مَنْ لم تُؤْخَذ منه؛ لأنه بغير اختيار منه.
يقول: (وعُزِّر)،لم يُبَيِّن المؤلف رحمه الله بماذا يعزَّر؛ بالضرب، بأخذ شيء من ماله زيادة على الزكاة، بالحبس، بالتوبيخ أمام الناس، بإركابه حمارًا؟
لم يذكُر، وإذا كان المقصود من التعزير التأديب، فإن ما يحصل به التأديب هو الواجب، ويختلف باختلاف الناس؛ مِنَ الناس مَنْ تعزيرُه بالمال، مَنْ هذا؟
البخيل، البخيل عَزِّره بالمال ولن يعود، ومن الناس مَنْ تعزيره بالضرب، المال لو تأخذ نصف ماله ما يهمه، فربما يفعل الرجلان ذنبًا واحدًا أحدهما نُعزِّره بالمال والثاني نُعزِّره بالضرب، وربما يكون جِلْدُه صخرًا، ما يبالي بالضرب، ولكن لو توبِّخُه بكلمة أمام الناس غاصت به الأرض، بماذا نعزِّرُه؟
بهذه، بالتوبيخ، وربما يُعزَّر بالفصل عن الوظيفة.
المهم إن التعزير لا يتقيَّد بنوع معين من العقوبة؛ لأن المقصود به أيش؟ الإصلاح والتأديب، وهذا يختلف باختلاف الناس؛ يقال: إن بخيلًا عَثَر عَثْرة جيدة، فلما عَثَر ورأى إصبعه وإذا هو قد أدمى، فقال: الحمد لله شوي، ولَّا في النِّعلة، أيهن أشد؟
طالب: النِّعلة.
الشيخ: عنده النِّعلة أشد، يمكن لو انقطع إصبعه ما يهمه، ولكن النِّعلة شديدة عليه، هذا من البخلاء، مثل هذا نعزِّرُه بأي شيء؟
بالمال، ولذلك المؤلف أَطْلَق، لكنه قد رَوَى أهل السنن من حديث بَهْزِ بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيمن مَنَعَها: «إنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا» ، ولا شك أن الشرع إذا عَيَّن نوع العقوبة ولو بالتعزير فهي خير مما يفرضه السلطان، فنأخذها وشَطْر ماله، فما المراد بشطْر المال؟ شطر المال: نصفه، لكن هل هو المال عمومًا؟ أو ماله الذي منع زكاته؟
في هذا قولان للعلماء، وأظنكم أيضًا سيكون لكم فيها قولان؛ أن نأخذ نصف ماله الذي منع زكاته، فإذا كان عنده مثلًا مئة من الإبل ومنع زكاتها، وعنده مئة من الغنم أدَّى زكاتها، فعلى القول بأن المراد بشَطْر ماله أي الذي مَنع زكاته، كم نأخذ منه؟
زكاة الإبل وخمسين بعيرًا، وعلى القول الثاني نأخذ زكاة الإبل وخمسين بعيرًا وخمسين شاة؛ لأن المراد المال كله، والنص محتمل، فإذا كان محتمِلًا فهل نأخذ بأشدِّ الاحتمالين أو بأيسرهما؟
الظاهر أن نأخذ بأيسرهما؛ لأن ما زاد على الأيسر مشكوك فيه، والأصل احترام مال المسلم، فنأخذ بالأيسر، نعم لو أن الناس انهمكوا في هذا وتمردوا ومنعوا الزكاة ورأى ولي الأمر أن يأخذ بالاحتمال الآخر فيأخذ نصف المال كله لكان له مساغ، ودليل ذلك تضعيف عمر بن الخطاب رضي الله عنه عقوبة شارب الخمر حيث زاد فيها إلى أخفِّ الحدود ثمانين .
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وتجب في مالِ صَبِيٍّ ومجنون).
(تَجِب) الضمير يعود على الزكاة.
(في مال صبي ومجنون) وقد سبقت الإشارة إليه، حيث ذكرنا في شروط وجوب الزكاة الإسلام، ولم نشترط البلوغ ولا العقل؛ وذلك لأنها واجبة في المال، فهي من جهة أنها تكليفِيَّة وعبادة يُرَجَّح فيها جانب السقوط، كما قال به بعض العلماء: أنها لا تجب في مال الصبي والمجنون؛ لأنهما غير مكلَفين، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» منهم: «الصَبِيُّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَالْمَجْنُونُ حَتَّى يُفِيقَ» ، ولكن الصحيح أنها واجبة في المال، وأنها تجب في مال الصبي والمجنون، كما يجب عليهما ضمان متلَفِهما، يعني: أن المجنون أو الصبي لو أتلف شيئًا وجب عليهما ضمانه؛ لأنه حق آدمي، ولو أفسدا عبادة لم يجب عليهما شيئًا؛ لأنه حق عبادة، حق لله.
فهنا نقول: الزكاة فيها شائبة حق للآدمي؛ لقوله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ [التوبة: ٦٠]، وفيها أيضًا شائبة أنها تجب في المال؛ لقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة: ١٠٣]، وقوله: وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ [المعارج: ٢٤]، وقوله لمعاذ: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ» ، فالراجح أنها تَجِب في مال الصبي والمجنون، ولكن مَنْ يُخرجها؟
يقول المؤلف: (وَتَجِب في مالِ صَبِيٍّ ومجنون، فيخرجها ولَيُّهما)، (وليهما) يعني: من يتولَّى شأنهما في المال، في المال خاصة، ومَنْ الذي يتولى شأنهما في المال خاصة؟ هو الأب، أو وصيه، أو وكيله إن كان حيًّا، وأما الأخ والأم فإنه لا ولاية لهما في مال الصبي والمجنون على المشهور من المذهب، والصحيح أن وَلِيَّهُما مَنْ يتولَّى أمرَهما من أبٍ، أو أمٍّ، أو أخٍ، أو أختٍ، أو عمٍ، أو خالٍ، أو غيرِهم؛ لأن هذا هو مقتضى الولاية، قد يكون الأب ميتًا ولم يوصِ لأحد، لكن هم قالوا: إذا لم يوصِ لأحد فالأمر إلى الحاكم القاضي يُوَلِّي مَنْ شاء، والصحيح أن الأقربين هم الأولياء.
طالب: شيخ، كتب السيرة يا شيخ، السيرة مليئة بتسامح النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لا ينتقم لنفسه، فهل الحدود تدل على أن قتل ساب الرسول أحسن الله إليك؟
الشيخ: نعم، يقول السائل: ثبت في الصحيح وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه قط، أفلا يكون ذلك مانعًا من قولنا بِتَحَتُّمِ قتل سابِّ الرسول؟
الجواب: لا؛ لأن سابَّ الرسول بعد وفاته لا ينال شخصه؛ إذ هو قد مات، وسابُّه في الحقيقة سابٌّ له لشخصه، لكن حقيقة الأمر تعود إلى دينه؛ ولهذا نقول: إن سبَّ الرسول إذا كان حيًّا فهو سَبٌّ شخصي، وإذا رضي وعفا فلا بأس، ولهذا لو سبَّ الرسول باعتبار أنه رسوله وأراد بذلك سَبَّ دينه فلا نظن أن الرسول يُسْقِط حقه.
طالب: (...) لم يفعل (...).
الشيخ: نعم؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، بالدين، لكن الدين مَنْ يمثله ؟ يمثله النبي عليه الصلاة والسلام فهنا تعلق بشخص الرسول وبالدين، نعم؟
طالب: ذكرتم أن الذين يُشرِكون الآن أنهم معذورون، كيف نعذرهم وهم يعيشون في وسط المسلمين، ولم يُعْذَر أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم بشركه؟
الشيخ: نعم، هذا السؤال جيد، يقول: كيف نعذِّر المشركين الآن الذين يشركون في بعض البلاد الإسلامية وهم يعيشون في وسط المسلمين، ولم يُعْذَر أبو الرسول عليه الصلاة والسلام حيث قال: «أَبِي وَأَبُوكَ فِي النَّارِ» ؟
أما أهل الفترة فليس لنا أن نتجاوز ما جاءت به النصوص، ولولا أن الرسول قال: إن أباه في النار لكان مقتضى القاعدة الشرعية أنه لا يُعَذَّب في النار، وأنه يكون أمره إلى الله كسائر أصحاب الفترة؛ لأن القول الراجح أن أصحاب الفترة يُمتَحَنُون يوم القيامة بما شاء الله من نوع الامتحان، فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار، حتى قيل: إنهم يُمتَحَنُون بأن تُمَثَّل لهم النار أو تكون أمامه، ويقال: ادخل النار، فمن دخلها كانت بَرْدًا وسلامًا عليه، ومن أبى عُذِّب بها.
فأهل الفترة لولا ما جاءت به النصوص لكانوا ممن يُتَوَقَّف في أمرهم ويُوكَل أمرهم إلى الله عز وجل، أما هؤلاء فإنهم يقولون: إنهم مسلمون، يعتبرون أنفسهم مسلمين ولم يأتهم مَنْ يقول: إن عملكم هذا شرك، بل عندهم من العلماء الضالين المضلِّين مَن يقول: إن هذا هو الحق، وهذا هو الصحيح؛ ولهذا قلنا: لو قيل لهم: إن هذا شرك وحرام وأَبَوْا إلَّا أن يكونوا على ما هم عليه فإنهم لا يُعْذَرون، في عذرهم نظرٌ.
طالب: بس مع وسائل الإعلام لا يَخْفَى عليهم.
الشيخ: والله لا تقول، ربما تخفى، العامة أمرهم عجيب، على كل حال اللي ما تخفى عليه نحكم بكفره.
طالب: لو أعطى إنسانًا آخر أمانة.
الشيخ: نعم؟
الطالب: لو أعطى إنسانًا آخر أمانة (...) شيء تلفت (...)، إذا قلنا: يا شيخ لا يضمن، شيخ، ما الفرق بينه وبين الصبي أو المجنون (...) يتلف شيئًا وليس له قصد، شيء ثان النائم لو مثلًا نام.
الشيخ: صاحب الأمانة لو أتلفها هو ضمنها على كل حال.
الطالب: يا شيخ، بدون تفريط؟
الشيخ: إي، ولو من دون تفريط إذا أتلفها هو، لكن لو تلفت؛ هي بنفسها تلفت باحتراق مثلًا أو جاء إنسان أخذها وسرقها، لكن لو هو يُتْلِفُها.
افرض أن هذا صاحب الأمانة أني جعلتُ عنده طبقَ تمرٍ.
قلت: هذا وديعة، فجاء هذا الرجل فظنه طبقه فأكله، يضمن أو لا؟ يضمن.
الطالب: حتى النائم يا شيخ؟
الشيخ: حتى النائم يضمن، لأيش؟
الطالب: ما رفع عنه القلم؟!
الشيخ: إي، مرفوع عنه القلم بالنسبة للإثم، لكن بالنسبة لضمان حق الآدمي لا يُفَرَّق.
طالب: رجل ذبح شاة؛ بهيمة الأنعام، ولم يسمِّ، وهو جاهل في ذلك ونيته سليمة، يريدها لله عز وجل، فهل يُعْذَر في ذلك؟
الشيخ: هل يُعْذَر؟! طيب؛ رجل ذبح شاة مع بطنها جاهلًا، بحسب المقصود ماتت بأي حال، فجاء بالسكين وقَدَّها مع بطنها حتى شقها نصفين، وهو ما يدري، ما تقول؟
الطالب: ميتة.
الشيخ: ميتة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: نفس الشيء فيمن لم يسمِّ.
الطالب: نيته سليمة كيف نعرف؟
الشيخ: وإذا نيته سليمة، هذا ابن حلال قال: بطنه هو اللي فيه الطعام وإذا شقت بطنه، ما عاد تعود تأكل، خلِّ، أذبح مع البطن.
الطالب: يا شيخ، كيف نعذر إنسانًا يشرك بالله عز وجل، ولا نعذر هذا وهو لا يعلم؟
الشيخ: إي، هذا فَعَل محرمًا، المشرك فعل محرمًا، وهذا تَرَك واجبًا، فرق بين ترك الواجب وعدمه؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل إنهار الدم والتسمية في حكمٍ واحد، فقال: «مَا أنهَرَ الدَّم وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» شرط، وقال في الصيد: «إِذَا أَرْسَلْتَ سَهْمَكَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» ؛ ولهذا من غرائب الأقوال أن من العلماء رحمهم الله مَنْ قال: إذا نسي التسمية على الذبيحة فهي حلال، وإذا نسي التسمية على الصيد فهو حرام، مع أنه كله واحد، كله شرط، مع أنه لو كان الأمر بالعكس كان أَوْلَى؛ لأن الصيد يأتي الإنسان بسرعة ويرتبك فيجيء على طول يرمي، والذبيحة بالطمأنينة، عرفت؟
طالب: عفوًا فيه هنا كلام بسيط، إذا كنت تعلِّق عليه، يقول: هناك، قال رحمه الله تعالى: وقوله: (فَقَطْ) أي: من غير زيادة وفاقًا لحديث الصديق: «مَنْ سَأَلَ فَوْقَ ذَلِكَ فَلَا يُعْطَه» مع توفر الصحابة، ولم يُنقل عنهم أخذ الزيادة ولا قولهم به، ولأنه لا يُزاد على أخذ الحق من المظالم كسائر الحقوق، وقيل: «وَشَطْرَ مَالَهُ» إن علم تحريمه؛ لحديث: «فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالَهِ»، وهو من رواية بهز، قال الشافعي وغيره: حديث بهز لا يثبته أهل العلم، ولو ثبت لقلنا به.
الشيخ: طيب، جزاه الله خيرًا، هذا هو ثابت في الحديث، حديث صحيح.
الطالب: بالنسبة لحديث الصديق يا شيخ؟
الشيخ: هذا نعم، من سأل شيئًا من شخص باذلٍ، من سأل زيادة ما يُطاع، لكن رجل منعها بخلًا وأبى بس نأخذها منه ونقول: روح! نُعَزِّرُه، يجيء المرة الثانية ما يمنع ولَّا أجيء لغيره، ما يمنع.
طالب: شيخ لو إنسان منع الزكاة فأخذناها منه قَسْرًا، قهرًا، فالآن هو لا تجزئه الزكاة؛ يعني: لا تسقط.
الشيخ: عند الله؟
الطالب: إي نعم، فلو أراد أن يتوب، هل يُخْرِج ثانيًا؛ لأنها لا تجزئه؟
الشيخ: إي، ويش تقولون في هذا؟
طالب: ما فهمنا السؤال.
الشيخ: يقول: هذا الذي أخذناها منه قهرًا قلنا: إنها لا تجزئه عند الله، لكن لو تاب هل يَلْزَمْه إخراجها أو لا؟ الظاهر يلزمه إخراجها؛ لأنه ما بَرِئت ذمته.
طالب: نفس المسألة هذه (...)
الشيخ: الفقه (...) سلعة وليس معه إلَّا مئة، أظن هذا معنى السؤال، فهل يجوز أن يعطيه المئة ويَرجِع عليه فيما بعد من باب المصارفة؟
إذا كان من باب المصارفة فإنه لا يجوز؛ لأنه لابد من الاستلام في مجلس العقد.
طالب: ما فهمنا يا شيخ.
الشيخ: يقول: إذا اشتريت من شخص بعشرة ريالات، وليس معي إلَّا مئة، فهل أعطيه المئة وأقول: أرجعُ عليك آخذ التسعين إذا لم يكن عنده تسعين ريال؟
أقول: من باب المصارفة لا يجوز؛ لأنه لا بد من القبض.
طالب: ويش باب المصارفة؟
الشيخ: يعني: قصده يصرف مئة بعشرة، مئة بعشرة أوراق من فئة عشرة، لكن ما قَبَض، هذا ما يجوز، أما إذا قال: خذ هذه المئة كَرَهْنٍ عنده، وأنا آتِ لك بالعشرة فيما بعد، هذا ما فيه بأس.
الطالب: أو تبقى عنده حتى يتوفر عنده صَرْف.
الشيخ: أو تبقى عنده، يقول: ما أنصرف حتى أنه يتوفر عندك، تبقى عندك وديعة حتى أحضُر بعد ما يتوفر عندك ويتفق على هذا.
على كل حال، يقول: أقترح أن تكون هناك أسئلة قبل درس الزاد؛ وذلك لأنه بقي الكثير منه، والأسئلة -ما أدري ويش الكلمة- الكثير من وقته، فحبَّذا أن لا تكون هناك أسئلة قبله؛ لأنه بإمكان السائل أن يسأل في وقت آخر ولله الحمد والمنَّة إلَّا إذا كانت هناك قضية مطروحة في الساحة فهذه حاجة لا بد من تبيينها لطلبة العلم، والله يحفظكم.
هو على كل حال اتفقنا أنه ما يُجاب إلَّا على ثلاثة أسئلة فقط، هذه تبقى حتى يأتيها الدور إن شاء الله، وإن جاء رمضان قبل أن يأتيها الدور فتسقط.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: ولا يجوز إخراجها إلا بنية، والأفضل أن يفرِّقها بنفسه ويقول عند دفعها هو وآخذها ما وَرَد، والأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده ولا يجوز نقلُها إلى ما تَقْصُر فيه الصلاة فإن فعل أجزأت، إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه فيفرقها في أقرب البلاد إليه.الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
رجل منع زكاته فبماذا تحكمون عليه؟
طالب: كان جاحدًا وجوبَها يا شيخ أو مانعها؟ جاحدًا يا شيخ أو غير جاحد؟
الشيخ: ما أدري، إن كان عندك تفصيل ففصِّلْ.
الطالب: تؤخذ منه قهرًا.
الشيخ: عندك تفصيل؟
الطالب: أولًا: إذا كان جاحدًا لوجوبها ولو أخرجها قُتِل رِدَّة.
الشيخ: إن كان جاحدًا لوجوبها كفر؟
الطالب: ولو أخرجها.
الشيخ: طيب وإن كان مُقِرًَّا بوجوبها، ولكن تهاون أو بخل بها؟
الطالب: يُطالَب بإخراجها وتؤخذ منه قهرًا، فإن لم يخرجها قُتِل حَدًَّا.
الشيخ: يُقْتل؟
ماذا تقولون في الجواب الثاني؟
طالب: ما يُقتل حدًّا يا شيخ، تؤخذ قهرًا منه.
الشيخ: تُؤْخَذ قهرًا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ولا يُقتل؟
الطالب: ولا يُقتل.
الشيخ: لكن لو منعها قوم قوتلوا، لو منعها جماعة قوتلوا كما فعل الصديق رضي الله عنه.
يقول المؤلف: إذا منعها بُخْلًا أُخِذَت منه وعُزِّر، بماذا يكون التعزير؟
طالب: التعزير راجع للإمام، فيما يرى حسب الأصلح لكل شخصٍ بِحَسَبِه.
الشيخ: هل هناك قول ثانٍ في المسألة؟
طالب: فيه قول: راجع للإمام.
الشيخ: انتهينا منه، هذا أخبرنا به، هل فيه قول آخر في التعزير؟
الطالب: ما أخبر عليه، ما كتبته.
الشيخ: ما كتبته؟ هل هناك قول؟
الطالب: نعم، أنه تؤخذ وَشَطْرُ ماله؟
الشيخ: تؤخذ وشطرُ ماله؟ دليله؟
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ» ، طيب، ما المراد بالمال؟
طالب آخر: فيه خلاف يا شيخ، منهم من قال: شطر ماله كله، ومنهم من قال: شطر ماله الذي منع الزكاة فيه.
الشيخ: اللي منع زكاته، وبناءً على هذا هل نأخذ بالأشد أو بالأخف؟
طالب: نأخذ بالأخف.
الشيخ: مطلقًا؟
الطالب: إلَّا أن يرى الإمام المصلحة (...)، كأن يتداعى أكثر الناس عليها أو غالب الناس فيغلظ عليهم كما عمل عمر رضي الله عنه.
الشيخ: نعم؛ يعني: يأخذ بالأسهل؛ لأنه المتيَقَّن ما لم يكن في الأخذ بالأشد مصلحة فتتبع.
هل تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون؟
طالب: فيه خلاف.
الشيخ: على ما مشى عليه المؤلف.
الطالب: نعم تجب.
الشيخ: تجب، مَنْ يُخرجها؟
الطالب: وليُّه القائم عليه.
الشيخ: طيب، مَن الوليُّ؟
الطالب: المذهب: الأب أو الوصي أو الوكيل.
الشيخ: نعم، والقول الثاني؟
الطالب: الثاني: الأقربين.
الشيخ: مَنْ يتولى أمره من أبٍ أو جدٍّ أو عمٍّ أو خالٍ أو أمٍّ، وهذا هو الصحيح.
الطالب: شيخ الإسلام يقول: إن الإنسان إذا طُلِبَ منه أن يقيم الصلاة ثم رفض أن يصليها حتى يقام عليه القتل فإنه يعتبر جاحدًا؛ لأنه لا يمكن أن يُسْتَنَد على هذا الشيء ونقول: إنه تركها تهاونًا، بل هو جاحد، هل نقول بالزكاة من هذا يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما نقول؛ لأن الصلاة قال كثير من العلماء بكفر تاركها بخلاف الزكاة.
الطالب: أقصد يا شيخ أن نقول: إنه أردنا نقيم عليه القتل وهو مُصِرٌّ على ذلك.
الشيخ: بس هذاك نهدده بالقتل، المصلي اللي ترك الصلاة، فإذا أبى، ولو قُتِل فهو (...) وأنه معاند، لكن هذا لا نهدده بالقتل لأنه لا يُقتل.
طالب: مانع الزكاة.
الشيخ: نعم، مانع الزكاة لا يُقتل.
الطالب: باقي الصحابة على كفران مانعها.
الشيخ: قتال؟
طالب: إي نعم، يُقتَل حَدًّا.
الشيخ: قتال مانعها، قتال جماعة، طائفة؛ ولهذا المؤلف يقول رحمه الله: (كفر عارفٌ بالحكم وأُخِذَت منه وقُتِلَ)؛ لتكذيبه الله ورسوله، أما الثانية قال: قوتل، المقاتلة غير القتل، المقاتلة من أجل أن يلتزم بالواجب، مثل منعها جماعة، طائفة نقاتلهم حتى يؤدُّوها، وقد ذكرنا لكم فيما سبق الفرق بين القتال والقتل، وأن المقاتلة أوسع من القتل.
قال المؤلف: (ولا يَجوز إخراجُها إلا بِنِيَّةٍ)، (لا يجوز) يعني: ولا يجزئ أيضًا إخراجها إلَّا بنية، بنيةٍ ممن تجب عليه؛ لأنه هو المخاطَب بها، ودليل ذلك أثريٌّ ونظري:
أما الأثر فقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .
وأما النظر؛ فلأن إخراج المال يكون للزكاة الواجبة وللصدقة المستحبة، ويكون هدية، ويكون ضمانًا لمُتْلَفٍ إلى غير ذلك، ولا يحدد نوع الإخراج إلَّا النية؛ فلهذا لا بد من نية في إخراج الزكاة، فينوي الزكاة عن ماله المعين؛ إن كان عروض تجارة فينويها عروض تجارة، إن كان من النقدين ينويها عن النقدين، من الماشية كذلك، المهم ينوي الزكاة عن هذا المال المعين، والدليل ما سمعتم من الأثر والنظر.
وبناءً على ذلك لو أن رجلًا أخرج الزكاة عن آخر بدون توكيل فإنها لا تُجزئ؛ لعدم وجود النية ممن تجب عليه.
وظاهر ما قلنا أنه وإن أجاز ذلك مَنْ تجب عليه فإنه لا يجزئ، وقيل: إذا أجازها من تجب عليه فلا بأس.
أما القول الأول فدليله: أن النية إنما تكون ممن خُوطِب بها، والدافع قبل أن يُوَكَّلَ ليس أصلًا ولا فرعًا، فلا تجزئ حتى وإن أجازها؛ لأن النية لا بد أن تقارِن الفعل.
وأما الثاني الذي يقول: إذا أجازها مَنْ تجب عليه أجزأت فيستدل بأن النبي صلى الله عليه آله وسلم أجاز دفع أبي هريرة المال للذي جاءه وادَّعى أنه فقير وذو عِيال ، مع أن أبا هريرة إنما هو وكيل في الحفظ فقط، وليس وكيلًا في التوزيع، فأجازه النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ وهذا أقرب، ولكن الأول أحوط، أن لا تَدفع الزكاة عن شخص إلَّا بعد استئذانه؛ حتى تبرأ ذمته بيقين.
قال: (والأفضل أن يفرقها بنفسه) لا تجزئ إلَّا بنية، لو فرضنا أن الرجل امتنع من إخراج الزكاة بُخلًا كما سبق وأُخِذَت منه، فهل تجزئه فيما بينه وبين الله؟
ذكرنا فيما سبق أنها لا تجزئه، لكنها تجزئه ظاهرًا، بمعنى أنه لا يحِقُّ للإمام أن يطالبه بها مرة أخرى.
(والأفضل أن يُفَرِّقَها بنفسه) هذا هو الأفضل، (أن يفرقها بنفسه) بمعنى: أنه هو الذي يباشر، يقول: (الأفضل أن يفرقها بنفسه) وذلك لوجهين:
الوجه الأول: أن ينال أجر التعب في تفريقها؛ لأن تفريقها عبادة فيُثاب عليه المرء.
والثاني: لأنه يبرئ ذمته بيقين، فإن الوكيل قد يتهاون بعض الشيء، قد يتهاون في إعطائها من لا يستحق، قد يتهاون في المبادرة بصرفها، وقد يتهاون فتتلف عنده، فإذا فرَّقها الإنسان بنفسه أبرأ ذمته بيقين.
وجه ثالث: أنه يدفع عن نفسه المَذَمَّة، لا سيما إذا كان غَنيًّا مشهورًا، ولم يُعْرَف وكيلٌ له، فإنه يقع في أفواه الناس؛ يقولون: فلان لا يُزَكِّي.
فهذه ثلاثة أوجه كلها تدل على أن الأفضل أن يفرقها بنفسه.
وعُلِمَ من قوله: (الأفضل) أنه يجوز أن يُوَكِّلَ مَنْ يدفعها عنه، سواء دفعها الوكيل من ماله، أو أعطاه مَنْ تجب عليه المال وقال: ادفعه زكاةً، فهو جائز.
أما الصورة الأولى: أن يدفعها الوكيل من ماله فأن يقول شخص لآخر: إن عليَّ مئة ريال زكاة فادفعها عني، فيدفعها الوكيل من ماله، فيجزئ، ويَرْجِع بها على مَنْ تجب عليه.
وأما الصورة الثانية فأن يعطيه الدراهم، ويقول: هذه زكاة فرِّقْها على نظرك لمستحقِّها.
وهل يجوز دفعها إلى الساعي وهو الوكيل من قِبَل الحكومة؟
الجواب: نعم يجوز، لكن بشرط أن نكون على ثقة بأنها تصرف في مصارفها، فإن كنا لسنا على ثقة فإنا لا ندفعها، إلَّا إذا طُلِبَت منا وخِفْنا أن يرجعوا علينا فيما لو لم ندفعها لهم، فحينئذ ندفعها وإن كان يغلب على ظننا أنهم لا يضعونها في مواضعها، وإذا دفعناها في هذه الحال صار الإثم -إن لم تصل إلى أهلها- على مَنْ؟
طالب: الساعي.
الشيخ: على الساعي، وهنا يقول: (الأفضل أن يُفَرِّقَها بنفسه)، ولم يذكر هل يفرقها سرًّا أو يفرقها علنًا؟ وهل يُعْلِم مَن سلَّمه إياها بأنها زكاة أو لا يُعْلِم؟
فهاتان مسألتان؛ الأُولى: هل الأفضل إسرارها أو إعلانها؟
والثاني: هل يُعْلِم من أعطاه بأنها زكاة أو لا يُعلمه؟
أما الأول: فالصحيح أنه يَنْظُر للمصلحة، إن كانت المصلحة في الإسرار أسَرَّ، وإن كانت المصلحة في الإعلان أعلن، وإذا كانت المصلحة في الإعلان تتحقق بدفع بعض الزكاة دَفَع البعض إعلانًا وأسرَّ الباقي؛ لأن الأصل أن الإسرار أفضل، لكن إذا كان في الإعلان مصلحة مثل أن يقتدي به الناس في إخراج زكاة أموالهم، وما أشبه ذلك من المصالح التي تُعْرَف في حينها فإن الأفضل الإعلان، وإلَّا فالأصل أن الإسرار أفضل؛ لئلا يقع الإنسان في الرياء، وأن يكون بَذَلَها ليقال: فلانٌ كريم.
أما المسألة الثانية وهي: هل يخبِر المدفوع إليه بأنها زكاة، أو يعطيه ويسكت؟
قال العلماء رحمهم الله: إذا عَلِم أنه أَهْلٌ للزكاة فلا يخبره بأنها زكاة، يعطيه ولا يحتاج أن يُعْلِمَه؛ لأن في إعلامه أنها زكاة نوعًا من الإذلال والتخجيل، فلا ينبغي أن يُعلمه.
أما إذا كان لا يَعْلَم فليُعْلِمْه وليقل: إنها من الزكاة من أجل أنه إن كان من أهلها قَبِلَهَا، وإن لم يكن من أهلها قال: لا أقبلها.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ويقول عند دفعها هو وآخِذُها ما ورد)، يَحْتَمِل أن تكون العبارة (ويقول) عطفًا على (يفرق)، ويَحْتَمِل أن تكون بالرفع على سبيل الاستئناف، وعلى كلٍّ فينبغي أن يقول عند دفعها ما ورد، ويقول المدفوع إليه أيضًا ما ورد.
أما هو فينبغي أن يقول: اللهم تقبَّلْ مني إنك أنت السميع العليم، بعضهم يقول: تقول: اللهم اجعلها مغنمًا ولا تجعلها مغرمًا.
وأما الآخذ فقد قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه آله وسلم: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [براءة: ١٠٣] فتقول: اللهم صلِّ عليك أو صلى الله عليك أو ما أشبه ذلك، أو تدعو بما ترى أنه مناسب.
قال: (والأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده) هذا هو الأفضل؛ أن يُخرَج زكاة كل مال في فقراء البلد، وذلك لوجوه:
الأول: أنه أَيْسَر للمكلف، أيسر من أن يحمِلَها من بلده إلى بلد آخر.
والثاني: أنه أقلُّ خوفًا؛ لأن في السفر بها عُرْضَة لتلفها.
والثالث: أن أهل البلد أقرب الناس إليك، والقريب له حقٌّ، الأقربون أَوْلَى بالمعروف.
والرابع: أن الفقراء في بلدك تتعلق أطماعهم بك؛ بما عندك من المال، والأبعدون ربما لا يعرفون عنك شيئًا، فصاروا هم أَوْلَى بالإِعْطاء.
والخامس: أنك إذا أعطيتَ أهل بلدك بذرْتَ بينك وبينهم بذرة المودة والمحبة، ومعروف أن ما يقع من المحبة بين أهل البلد الواحد له أثر كبير في التعاون فيما بينهم، بخلاف ما لو كان إلى بلد أجنبي.
وقوله: (الأفضلُ إخراجُ زكاة كل مال في فقراء بلده) يدلُّ على أنَّه لو أخرجها في غير فقراء البلد فهو جائز لكنه مفضول، وإذا كان جائزًا ولكنه مفضول فيجب أن نعلم أنه لو كان الفقراء الذين خارج بلده أحوج أو كانوا من أقاربه فهم أَوْلَى، لكن يجب أن نعلم أن هذا فيما إذا كان البلد قريبًا من بلدك، لا يُسَمَّى السَّيْرُ إليه سفرًا.
أما إذا كان بعيدًا فقد قال المؤلف: (ولا يجوز نقلُها إلى ما تَقْصُر فيه الصلاة)؛ يعني: لا يجوز نقلُها إلى بلد بينك وبينه مسافة قَصْر، وهي على المذهب -أعني مسافة القَصْر- محددة بثلاثة وثمانين كيلو تقريبًا، فالبلد الذي بينك وبينه ثلاثة وثمانين كيلو لا يجوز أن تنقل زكاة مالك إليه، ولو كان الفقراء الذين فيه أشد حاجة، ما دام بلدك فيه مَنْ يستحق الزكاة فإنه لا يجوز أن تنقلها إلى بلد آخر، وظاهر كلام المؤلف: لا يجوز ولو لمصلحة أو شدة ضرورة أو قرابة، أو ما أشبه ذلك.
فتبين بهذا أن هناك ثلاثة مواضع: بلدك، البلد القريب الذي دون المسافة، البلد البعيد الذي فوق مسافة القَصْر.
فالأول هو الأصل -أعني بلدك- وهو الأفضل أن تُفَرِّقَ زكاتك فيه.
والثاني جائز، لكنه مفضول ما لم يترجَّح لمصلحة أخرى.
والثالث: غير جائز، لا يجوز نقلها إلى ما تُقْصَر فيها الصلاة.
وليس هناك دليل واضح؛ لأنهم استدلوا بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «أَعْلِمْهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» ، على فقرائهم، فالإضافة تقتضي التخصيص؛ أي: فقراء أهل اليمن، لا تجزئ لغيرهم.
وقال بعض العلماء: يجوز نقلها إلى المكان البعيد والقريب للحاجة أو المصلحة؛ للحاجة كما لو كان البلد البعيد أهله أشدُّ فقرًا، أو المصلحة كما لو كان له أقارب يساوون مَنْ عنده في البلد في الحاجة، لكن إذا دفعناها للأقارب حصل لنا صدقة ويش؟ وصِلَة، وهذه مصلحة، أو يكون في البلد الآخر طلاب علم حاجتهم مساوية لأهل البلد الذي أنت فيه، فهنا لا شك أن دَفْعَها إلى هؤلاء أصلح.
وهذا القول -أعني بأنه يجوز نقلها إلى مسافة القَصْر لمصلحة أو شدة حاجة- هو الصحيح، وهو الذي عليه العمل؛ لعموم الأدلة: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة: ٦٠] وهؤلاء فقراء مساكين.
وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرائِهِمْ» فالإضافة هنا يحتمل أن تكون للجنس، كما هي في قوله تعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّإلى أن قال: أَوْ نِسَائِهِنَّ [النور: ٣١]، ويحتمل أن تكون للتعيين والتخصيص، لكن نظرًا إلى أنَّ نقل الزكاة من اليمن إلى المدينة مثلًا فيه شيء من الصعوبة والمشقة فصار توزيعها هناك أو (...) هناك أرفق وأنفع، وعلى هذا القول الذي صححناه عليه العمل، فتجد الناس الآن يرسلون زكواتهم من الحجاز إلى القصيم، ومن الرياض إلى القصيم، ومن الرياض مثلًا إلى اليمن من غير نكير، فالعمل جارٍ على هذا.
يقول المؤلف رحمه الله: (فإن فعل أجزأت)، معنى (فعل) أي: نقلها إلى مسافة القَصْر فأكثر أجزأت، ولكنه يأثم.
فإن قال قائل: القاعدة عندنا أن المحرم لا يجزئ.
قلنا: التحريم هنا ليس عائدًا إلى الدفع، بل هو عائد إلى النقل، وإلَّا فقد دُفِعَتْ إلى أهلها فتجزئ، ويكون آثمًا بالنقل.
والنهي الذي يقتضي الفساد أو التحريم الذي يقتضي الفساد هو ما عاد إلى عَيْن الشيء وذات الشيء، مثل: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ» فلو صلى إنسان بعد العصر لم تَصِحَّ صلاته إلَّا ما استُثني، فهناك فَرْق بين أن يتعلق التحريم بنفس العبادة، أو بأمر خارج عنها.
(فإن فعل أجزأت إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه فيُفَرِّقُها في أقرب البلاد إليه)، هذا مستثنىً من قوله: (ولا يجوز نقلُها إلى ما تقصر فيه الصلاة).
استثنى قال: (إلا أن يكون) والضمير في (يكون) يعود إلى المال بدليل قوله: (والأفضل إخراج زكاة كل مال في فقراء بلده) إلَّا إذا كان المال في بلد لا فقراء فيه، قال: (فيفرِّقُها) بالرفع؛ لأن الفاء هنا استئنافية وليست عاطفة.
(فيفرقها في أقرب البلاد إليه) ووجه ذلك أنه لمَّا عُدِمَ المستحِقُّ في الموضع الذي يجب فيه دَفْع الزكاة سقط الواجب، كما لو قُطِعَتْ اليد فإنه يسقط غسلها في الوضوء، وكما لو قُطِع الكف فإنه يسقط السجود عليه في حال الصلاة؛ لأن المحل الذي يجب فيه عليه السجود قد زال، مع أن المسألة الأخيرة تحْتَمِل أن نقول: ولو قُطِعَتْ كفه يجب عليه أن يضع طَرَف الذراع على الأرض؛ لأن المقصود هو الخضوع لله عز وجل.
طالب: شيخ.
الشيخ: نعم؟
طالب: (...) يا شيخ، العلماء يقولون قاعدة: أن زكاة الفطر تُدْفَع (...).
الشيخ: ستأتي في كلام المؤلف.
طالب: شيخ، قول المؤلف: (ولا يجوز إخراجُها إلَّا بِنِيَّةٍ) شيخ، قال بعضهم: إلَّا أن يأخذها منه السلطان قهرًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: ويش وجهه يا شيخ؟
الشيخ: يعني: فإنها تجزئ ظاهرًا، مرادهم إنها تجزئ ظاهرًا لو ما نوى.
الطالب: لو أخذها من السلطان قهرًا؟
الشيخ: إي نعم، لو أخذها قهرًا.
الطالب: بس ما تجزئه.
الشيخ: ما تجزئه فيما بينه وبين الله، نعم.
طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة لدفع الزكاة إلى فقراء في غير البلد، أليس فيه دليل على ذلك؛ فعل الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أتاه صحابي فقال: «انْظُرْنَا حَتَّى تَأْتِي الصَّدَقَةُ» ؟ فيه دليل يا شيخ؟
الشيخ: ما فيه دليل.
الطالب: لأنه قال: «حَتَّى تَأْتِي الصَّدَقَةُ».
الشيخ: إي، الرسول يرسل عماله يجيبون الزكاة للمدينة، لكنها تُقْبَضُ في محلها، والإمام نائب عن الفقراء.
الطالب: قُبِضَت ووُزِّعَت في..؟
الشيخ: إي نعم، قُبِضَت هناك ووُزِّعَت هنا، لكن هي حين قُبِضَت فقد وصلت إلى أهلها.
الطالب: في فَرْق إذن؟
الشيخ: إي، في فَرْق.
طالب: هل يجوز تأخير الزكاة إلى (...)؟
الشيخ: مرت علينا هذه، مرت علينا، راجع الشريط.
طالب: شيخ، الأفضل في الزكاة في إعانة الخير ولَّا في دفع المُحَرَّم؟ الأفضل؟
الشيخ: ويش معنى: في إعانة الخير؟
الطالب: إعانة الخير مثلًا.
الشيخ: أو دفع المحرَّم.
الطالب: دفع المحرَّم مثلًا؛ واحد؛ رجل فقير ويأخذ الأموال للنفقة في الربا، وهذا في الزكاة في دفع المحرم، وفي إعانة الخير مثلًا يعطي العلماء والطلبة لأجل يدرسون (...).
الشيخ: إي، هذا السؤال جيد، يقول: هل الأفضل أن نُعطيَ الزكاة مَنْ يَسْلَمُ بها مِنَ الْمُحَرَّم؟ أو مَن يستعين بها على الخير؟ يعني.
طالب: ذكرناها.
الشيخ: لا، ما ذكرناها.
الطالب: قلنا: (...) مقدم على (...).
الشيخ: يعني: يقول: هذا الرجل لا يعيش إلَّا على الربا، لا يعيش إلَّا على الربا، فهل نعطيه مِنَ الزكاة ما يكفيه من أجل أن يَسْلَم من الربا؟ وهذا رجل آخر لا يطلب العلم إلَّا من الزكاة، لو لم يكن عنده زكاة لترك طلب العلم من أجل طلب المعيشة، فأيهما يُقَدَّم؟
طلبة: (...).
الشيخ: من أين وجدت هذا؟ هذا جيد جدًّا.
طالب: الثاني يا شيخ لعموم الآية: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا [التوبة: ٦٠]، أما هذا فيستطيع أن..
الشيخ: أيهما الثاني؟ الذي يَدْفَع بها المُحَرَّم؟
الطالب: الذي يطلب العلم؛ هو أَوْلَى بها من الأول؛ لأن الأول يستطيع أن يستغني عن الربا.
الشيخ: لا، ما يستطيع.
الطالب: يستطيع الثاني؛ لأنها ليست ضرورة.
الشيخ: لو ترك الاتِّجار بالربا.
الطالب: ليس ضرورة أكله الربا، إن الشرع أوسع؛ لأن طالب العلم نفعُه يَعُمُّ، أما هذا فعله على نفسه فقط.
الشيخ: يعني: معناه نقدم طالب العلم؟
الطالب: إي نعم، وغيره، أما هذا فضرره والإثم عليه نفسه فقط.
طالب آخر: نقدم مَنْ سيقع في المحرم؛ لأن فيه إنقاذه من الحرام والوقوع فيه.
الشيخ: طيب، الظاهر أنكم ستختلفون، الآن حصل، بان الخلاف؟
طالب: (...) المصلحة يا شيخ، إن كانت المصلحة أكبر في إعطاء هذا فإنه يُعْطى.
الشيخ: إي معلوم، طالب علم، ولا يمكن يجمع بين طلب العلم والمعيشة.
الطالب: يعني: ما قد يكون المصلحة فيه أكبر يا شيخ؟
الشيخ: أيهن؟
الطالب: لدفع الربا، تكون فيه مَضَرَّة على الناس، يا شيخ.
الشيخ: مَنْ؟
الطالب: (...) الربا (...).
الشيخ: لا، ما يضر إلَّا نفسه.
طلبة: شيخ.
الشيخ: على كل حال نشوف، هذا الذي يأكل الربا إذا منعناه من الزكاة أَلَا يمكن أن يعيش بدون أكل الربا؟
طالب: نعم، بلى.
الشيخ: يمكن، عنده أعمال.
طالب: (...)
الشيخ : بمعنى أنه الآن يأكل الربا ولكن لو نمنعه من هذا الاتِّجار يمكن أن يجد عملًا.
طالب: المسألة واضحة.
الشيخ: زين، إذا كان كذلك فالمسألة واضحة، لكن إذا كان لا يستطيع العمل؛ إذا كان مشلولًا لا يستطيع العمل.
طالب: طالب العلم.
طالب آخر: الآية يا شيخ (...).
الشيخ: وهي؟
الطالب: أن ثمانية مستحقين للزكاة.
الشيخ: طيب، هذا مستحِقٌّ.
الطالب: هذا إذا كان دخل في الثمانية المستحقين للزكاة فهو أَوْلَى، أما إذا كان مرابيًا وعنده مال، ونقول: نعطيه؟
الشيخ: لا، إذا صار عنده، إذا صار عنده مال ما هو بواردة، ما يرد علينا هذا، عنده مال مستغنٍ، ما نعطيه.
الطالب: الذي يرابي عنده مال.
الشيخ: ما هو على كل حال.
الطالب: (...) يرابي؟
الشيخ: ما هو على كل حال، يمكن عنده مال ما يكفيه، يرابي بعشرة آلاف ريال بإحدى عشر ألف ريال ولا يكفيه.
(...)
طالب: رجل عنده مال ربا، كل ماله ربا، (...) وأمرناه يتخلص منه فأبى، فهل تؤخذ الزكاة من هذا المال؛ لأن الزكاة تكون مالًا (...) بذات المال فهل نأخذ زكاة المال..؟
الشيخ: إي نعم، نأخذها منه.
الطالب: بس المال حرام.
الشيخ: إي، لكن حرام لكسبه، الحرام لكسبه نأخذ منه.
طالب: إذا كان سرقة؟
الشيخ: لا إذا كان سرقة (...)، ما هي ملكه.
الطالب: الأصل بالنسبة للزكاة؛ دفعها إلى الساعي أو الإمام أو..؟
الشيخ: لا، الأصل أن يُفَرِّقُها الإنسان بنفسه.
الطالب: حتى زكاة الأموال الظاهرة؟
الشيخ: إي نعم، هذا الأصل.
الطالب: يعني: مثل..
الشيخ: مثل الثمار والإبل والبقر والغنم.
الطالب: الأصل أن تُدفع بنفسه؟
الشيخ: نعم.
الطالب: يعني: يُفَرِّقُها بنفسه.
الشيخ: نعم.
طالب: شيخ، قول الله عز وجل: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً [التوبة: ١٠٣]، وقلنا في الوكيل أو الرجل الذي دفع عن الآخر زكاة قلنا: إنها تجزئ، ولم يؤخذ من نفس المال، وهل تنطبق كذلك على عروض التجارة يا شيخ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ؟
الشيخ: نعم، ويش تقولون في هذا؟
الطالب: ما سمعنا منه يا شيخ؟
الشيخ: يقول الله: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْوالوكيل الذي دَفَع من ماله ليرجع به على صاحب الزكاة لم تؤخذ الزكاة من ماله، عرفتم؟ ما هو الجواب؟
طلبة: (...).
الشيخ: الجواب سهل، المقصود إخراج ما يجب، ومِنْ أَمْوَالِهِمْهذه لبيان الجنس؛ يعني: أن الزكاة إنما تجب فيما يملكه الإنسان.
طالب: شيخ، أَلَيْسَ قلنا: درء المفاسد مُقَدَّم على جلب المصالح؟
الشيخ: بلى.
الطالب: فيه مصلحة؛ إذا كان (...) مثلًا دفع الزكاة ليتخلص منه، يتم أَوْلَى من جلب مصلحة.
الشيخ: إي، بارك الله فيكم، يجب أن نعلم أن درء المفاسد أَوْلَى مَنْ جلب المصالح مع التساوي والتقارب، أما إذا رَبَتْ المصلحة وزادت زيادة بيِّنة على المفسدة فهي مُقَدَّمة.
الطالب: (...) ما دام الأخ قال رأيًا خلِّه يدلي بحجته، وأنا أدلي بحجتي، نعرض الحُجَّتَيْن.
الشيخ: أنت أدليت بحجتك.
الطالب: لا ما أدليت.
الشيخ: ما تقول: نحميه ونحمي أهله من الربا؟
الطالب: هذه واحدة.
الشيخ: الثانية، ويش عندك؟
الطالب: عندي: طلب العلم فرض كفاية ولَّا فرض عين؟
الشيخ: فرض كفاية.
الطالب: والحرام إذا وقع على إنسان، أيش يكون؟
الشيخ: يجب تَجَنُّبُه على مَنْ باشره.
الطالب: ويش نُقَدِّم؟
الشيخ: معلوم، نشوف فرض الكفاية، قد تكون..
الطالب: إذا كان طلب العلم يَتَأَتَّى منه ولَّا من غيره، وهذا وقع في الحرام، ولَّا له منفذ غير هذا.
الشيخ: وأنت شو رأيك؟
طالب: نحن نقول: قد يكون هؤلاء أو طلبة العلم هؤلاء لا يوجد غيرهم، فيكون فرض عين، فأنت إلى ماذا تميل يا شيخ؟
الشيخ: والله أنا أستخير الله، دعوني أتأمل.
الطالب: كأن كلامك يميل مع الثاني، كأنك تميل مع الثاني.
الشيخ: الآن أنا أرجح أن نعطيها طلبة العلم؛ لأن هذا يمكن نمنعه، ما نعطيك من الربا، عنده من الصدقات ولَّا من تبرعات أخرى من غير الزكاة.
الطالب: بس اللي وجهته، ما خرجت له وجهًا ثانيًا، إن عندنا زكاة فقط وعندنا اثنين، ما فيه مخرج.
الشيخ: إذا قَدَّمْنَا هذا لا بد أن نقيت هذا الرجل؛ لأنه إذا وصل إلى حد الضرورة صار دفع ضرورته واجبًا من غير زكاة.
الطالب: ما صارت مسألتنا، ما عاد صارت، مسألة ثانية؛ عشرة ريالات زكاة مثلًا (...) وشخصين، ما معنا إلَّا هذا من نعطيها هذا ولَّا هذا؟ هذه مسألتنا.
الشيخ: نعم هذه، أيهما يقدم؟
الطالب: أقول: الذي حدده الله عز وجل في الأدلة.
الشيخ: كيف؟
الطالب: المولى عز وجل حدد؛ ما في الآية هو الذي نمشي عليه الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣].
الشيخ: المشكلة كلهم فقراء، هذا إذا منعناه الفقير، أنت تظن أن الذي يتعامل بالربا أنه غني، نُقَدِّر أنه ما عنده إلَّا ما يكفيه ليوم واحد.
(...) إذا اشترى بمالِ الصدقة محلًّا تجاريًّا وأعطاه للفقير حتى يستغنيَ به عن السؤال عند الحاجة، أفتونا؟
هذا إن شاء الله يأتي في البحث في الفقير، وأنه لا يُعطَى إلَّا كفايته فقط، والمحل التجاري كبير القيمة، فإذا اشترى مثلًا بعشرة آلاف معناه أنه حَرَم عشرة فقراء أو أكثر من زكاة هذا العام فلا يجوز، لكن لو فُرِض أن الفقير قد اشترى شيئًا وصار عليه دَيْن فهذا يُقْضَى دَيْنُه من الزكاة.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.ولا يجوز نقلُها إلى ما تُقْصَر فيه الصلاة، فإن فعل أجزأت، إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه فيُفَرِّقُها في أقرب البلاد إليه، فإن كان في بلد وماله في آخر أخرج زكاة المال في بلده وفِطْرَتَه في بلد هو فيه، ويجوز تعجيلُ الزكاة لحولين فأقل ولا يُسْتَحَبُّ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
هل يجوز التوكيل في إخراج الزكاة؟
طالب: نعم، يجوز.
الشيخ: يجوز؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو الدليل؟
الطالب: الدليل عدم الدليل.
الشيخ: ما يصير؛ لأنه قد يقول قائل: الزكاة عبادة، والعبادة مطلوبة من الإنسان بنفسه.
طالب: النبي صلى الله عليه وسلم وَكَّلَ أبا هريرة في صرف الزكاة.
الشيخ: في زكاة الفطر، هذه واحدة.
طالب: (...) الزكاة من الناس.
الشيخ: في أخْذِها، ويكونوا وكلاء في قبضها، فيه أيضًا في الهدي وهو عبادة وَكَّلَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مَنْ؟ علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
طالب: الأصل الجواز؟
الشيخ: لا، هو الأصل الجواز في المعاملات، أما هذه عبادة فقد يقول قائل: الواجب أن يؤدِّيَها الإنسان بنفسه.
ما هو الأفضل في إخراج الزكاة من حيث المكان؟
طالب: يخرجها في بلده، في فقراء بلده.
الشيخ: في فقراء بلده، الدليل؟
الطالب: الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيائِهِمْ فَتُرَدُّ» .
الشيخ: «صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ».
الطالب: «صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ».
الشيخ: «فِي فُقَرَائِهِمْ».
الطالب: (...) الإضافة تقتضي التخصيص.
الشيخ: نعم، ما الجمع بين قول المؤلف: (والأفضلُ إخراجُ زكاة كل مال في بلده) (ولا يجوز نقلها إلى ما تُقْصَر فيه الصلاة)؟
طالب: ما فيه تعارض يا شيخ، إن هذه الحال إنه يكون الفقراء في البلد، تؤخذ في حالة يجوز إخراجها في بلد..
الشيخ: لا، يقول: (لا يجوز)، (لا يجوز نقلُها)، فإذا كان لا يجوز نقلها إلى بلد فهذا يقتضي أن يجب إخراجها في البلد.
الطالب: مقصود المؤلف أنه في البلد ممكن يخرجها في بلد ليست مسافة قصر.
الشيخ: نعم، دون المسافة، تمام، إذن الإخراج إما أن يكون في البلد نفسه أو في بلد دون المسافة، أو في بلدٍ مسافةَ قصرٍ فأكثر؛ الأول: هو الأفضل، والثاني: جائز؟
لا، مطلقًا.
والثالث: نقله إلى ما تُقصر فيه الصلاة لا يجوز على المشهور عند الأصحاب رحمهم الله.
مثال ما إذا نقلها لبلد لا تُقْصَر فيه الصلاة؟
طالب: (...).
الشيخ: إذا نقلها لبلد لا تُقْصَر فيه الصلاة؛ يعني: بلد قريب.
الطالب: أُمَثِّل البلد؟
الشيخ: إي نعم، مثِّل، إي، عايزين مثالًا.
الطالب: (...) أن يكون الذي عليه زكاة في عنيزة ويخرجها في الرس.
الشيخ: زين، تمام، طيب.
الطالب: ثلاثة وثمانين كيلو على المذهب؛ يعني: مسافة القَصْر، ثلاثة وثمانين كيلو على المذهب.
الشيخ: إي، لا، هي دون مسافة القَصْر. لو أنه فعل فأخرجها في بلد تُقْصَر فيه الصلاة.
الطالب: أجزأت ولكن يأثم.
الشيخ: أجزأت ولكن يأثم، كيف تجزئ مع الإثم؟
الطالب: لأن التحريم ليس عائدًا على نفس الإخراج.
الشيخ: نعم.
الطالب: على نفس الدفع، ولكن عائد إلى مكان الإخراج.
الشيخ: النهي هنا لا يتعلق بذات العبادة.
الطالب: ولكن يعود إلى أمر خارج.
الشيخ: نعم، لأمر خارج، فلذلك أجزأت.
قال المؤلف: (إلا أن يكون في بلد لا فقراء فيه فَيُفَرِّقُها في أقرب البلاد إليه).
يقول المؤلف: (إلا أن يكون) هذا مستثنى من قوله: (ولا يجوز نقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة إلا أن يكون) الفاعل أو اسم كان يعود على المال؟ أو على رب المال؟
طلبة: المال.
الشيخ: يعود على المال.





