الشيخ: .. الْمُطَّلِبِيّ أو لا؟ الزكاة، فيها خلاف،
بعض العلماء يقول..؟
طالب: بعض العلماء يقول: تُدفع
لهم.
الشيخ: طيب، ما حجة القائلين بعدم الدفع إليهم؟
طالب: حجة الذين قالوا بالدفع.
الشيخ: بعدم الدفع.
الطالب: أنهم
ليسوا من آل البيت.
الشيخ: أنهم ليسوا من آله، حجة
القائلين بعدم الدفع أنهم ليسوا..؟
الطالب: من آله.
الشيخ: ولذلك لم تُدفَع إلى بني نوفل وعبدِ شمس، حجة
القائلين بأنها تُدفع إليهم؟
طالب: قال الرسول صلى الله
عليه وسلم: «إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو عَبْدِ
مَنَافٍ..» .
الشيخ: لا، أنها لا تُدفع إليهم.
الطالب: أنها لا تُدفع إليهم؟
الشيخ:
نعم.
الطالب: هذا التعليل يا شيخ.
الشيخ: إي، ما يخالف، ماذا تقول؟
الطالب: أنهم ليسوا من آل محمد.
الشيخ: هذا إذا قلنا: تُدفَع، إذا قلنا: تُدفَع، فالعلة لأنهم
ليسوا من آل محمد.
الطالب: نعم، وإذا لم تكن
تُدْفَع؟
الشيخ: نعم، فما الدليل؟
الطالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم:
«إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو عَبْدِ
الْمُطَّلِبِ..».
الشيخ: وبنو المُطَّلِب، ما هو
عبد المُطَّلِب.
الطالب: «وَبَنُو
الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ».
الشيخ: طيب، هذا
واحد، التعليل؟
الطالب: لأنهم الذين ناصروهم -ناصروا
بني هاشم- عندما كانوا في الشِّعب.
الشيخ: إي، هذا
تعليل لقوله: «إِنَّمَا هُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ»، نعم.
طالب: (...) الرسول صلى الله عليه وسلم يعطيهم من
الخُمُس مثل ما يعطي بني هاشم.
الشيخ: إي، تمام، فإذا
كان يعطيهم من الخُمُس كما يعطي بني هاشم فهم يُحْرَمون من الزكاة كما يُحرَم بنو
هاشم، لكن الصحيح أنها تُدفع إليهم. ما وجه كون هذا هو
الصحيح؟
طالب: وجه كونه قوله تعالى: وَلِذِي الْقُرْبَى [الأنفال: ٤١] أنه أيضًا يدخل في هذا،
يدخل في عبد مناف ونوفل فلم يُعْطَ، ولكن المراد بالآية إنما هو لمجرد النصرة مع
القرابة.
الشيخ: نعم، الدليل على أنهم يُعْطَون من
الزكاة، لا أنهم يُعْطَون من الخُمُس.
الطالب:
لمشاركتهم في الخُمُس.
الشيخ: لعموم الأدلة.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة: ٦٠]، لا يدخل فيها بنو المُطَّلِب.
هاشميٌّ أعتق عبدًا، فهل يجوز أن
نعطي هذا العتيق من الزكاة؟
الطالب: لا (...)
وَمَوَالِيهما.
الشيخ: لا؛ لأنه من موالي بني هاشم.
الطالب: نعم.
الشيخ: تمام،
هل يجوز دفع الزكاة إلى الأب؟
طالب: لا يجوز، إذا كان
الابن يُنفق على أبيه..
الشيخ: نريد أولًا كلام
المؤلف.
الطالب: أنه لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز دفع
الزكاة إلى الأب، بكل حال؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو القول الراجح؟
طالب:
القول الراجح يا شيخ أنه إذا كان الوالد فقيرًا فيلزم الولد النفقة على والده، فلا
يعطيه الزكاة.
الشيخ: لا، نريد قاعدة عامة، إحنا ذكرنا
حول هذا الموضوع قاعدة عامة.
الطالب: إن.. ما أذكرها يا
شيخ.
طالب آخر: أنه يجوز أن يُعطيه من الزكاة ما لم
يُسْقِط بهذه الزكاة واجبًا عليه.
الشيخ:
أحسنت، أنه إن أسقط بدفع الزكاة واجبًا عليه مُنِع، وإلَّا فلا،
وبناءً على ذلك إذا قضى بها دَيْنًا على والده ليس سببه النفقة؟
طالب: إذا كان ليس سببه النفقة؟
الشيخ: نعم.
الطالب: فإنه يجوز أن
يقضي دَيْنَه.
الشيخ: يجوز؛ لأنه؟
الطالب: لأنه فقير.
الشيخ: لأنه
فقير؟
الطالب: لا؛ لأنه لا يُسْقِط حقًّا واجبًا
عليه.
الشيخ: لأنه لا يُسْقِط بذلك حقًّا واجبًا عليه؛
إذ إن قضاء الدَّيْن عن الوالد ليس بواجب.
إذا كان الابن غنيًّا، لكن غناته
قليلة تكفي لزوجته وأولاده، ولا يستطيع أن يُنفق على أبيه، فهل يعطي أباه من الزكاة
للنفقة؟
طالب: لا، ما يعطي.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه لا ينفق
عليه.
الشيخ: لأن نفقته لا تجب عليه، توافقون على
هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ:
وهكذا نقول في الفَرْع الذي قال فيه المؤلف: (وَلاَ إِلَى فَرْعِهِ)، فإن
كلام المؤلف يدل على منع دفع الزكاة إليه مطلقًا، والصحيح التفصيل.
***
قال المؤلف رحمه الله: (وَلَا إِلَى زَوْجٍ).طلبة: (عَبْدٍ).
الشيخ: (عَبْدٍ)، إي نعم، (وَلَا إِلَى عَبْدٍ)، يعني: لا تُدْفَع الزكاة إلى العبد؛ لأن العبد إذا أعطيناه الزكاة انتقل مُلْك الزكاة فورًا إلى سيده، فإنَّ مال العبد مُلْك لسيده، فلا يجوز أن نعطي العبد؛ لأنه لا يملك، ومُلْكه لسيده، لكن يُستثنى من هذا المكاتَب، فقد سبق أن المكاتَبين من إيش؟ مِنْ أهل الزكاة، داخلون في قوله تعالى: وَفِي الرِّقَابِ، فَيُعْطَى المكاتَب ما يقضِي به دَيْن الكتابة.
ولكن نسأل: هل المكاتَب عبد؟
الجواب: نعم، هو عبد حتى يؤدي فيعتق، وأظن المكاتَب معلومًا لكم؛ هو أن يشتري العبدُ نفسَه من سيده بثمن مؤجَّل، فيُعْطَى هذا العبد الذي اشترى نفسه من سيده ما يُوفِي سيدَه ليعتق، فهو قبل أن يؤدي عبد، ولهذا جاء في الحديث: «الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ دِرْهَمٌ» .
واستثنى بعض العلماء أيضًا ما إذا كان عاملًا على الزكاة؛ فإنه يُعْطَى لعمالته كما لو كان أجيرًا، ومعلوم أنه يصح أن يُستأجر العبد من سيده، فيصح أن يُجعَل عاملًا في الزكاة بإذن سيده، إذن يُسْتَثْنَى من ذلك مسألتان: المسألة الأولى؟
طلبة: المكاتَب.
الشيخ: المكاتَب، والثانية: العامل؛ لأنه كأجير، والعبد يجوز أن يُستأجَر بإذن سيده.
قال: (وَلاَ إِلَى زَوْجٍ)، مَن الذي يدفع الزكاة؟
طالب: الزوجة.
الشيخ: الزوجة، لا يصِح أن تدفع زكاتها إلى زوجها، لماذا؟ لقوة الصلة بينهما، فيُشبه الأصل مع الفرع، أعرفتم؟ ولكن هذا التعليل عليل، والصواب: أنه يجوز أن تدفع المرأة زكاتها إلى زوجها إذا كان من أهل الزكاة.
فلو فرضنا أن امرأة موظَّفة وعندها مال، وزوجها فقير محتاج، إما أنه مَدِين، أو أنه ينفق على أولاده، أو ما أشبه ذلك، فللزوجة أن أيش؟
طلبة: أن تدفع الزكاة له.
الشيخ: أن تؤدي زكاتها إليه، وقولنا: أو لأنه ينفق على أولاده، المراد بأولاده من غيرها؛ لأن أولاده منها إذا كان أبوهم فقيرًا يلزمها؟
طلبة: أن تنفق عليهم.
الشيخ: أن تنفق عليهم؛ لأنهم أولادها، لكن إذا كان له أولاد من غيرها وهو فقير فللزوجة أن تُعطي زكاتها لهذا الزوج، وربما يُستدَل لذلك بحديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حث على الصدقة، فقال ابن مسعود: أعطيني وأولادي، أنا أحق من تصدقتِ عليه. فقالت: لا، حتى أسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «صَدَقَ عَبْدُ اللهِ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ عَلَيْهِمْ» .
فيمكن أن يقال: إن قوله: «مَنْ تَصَدَّقْتِ عَلَيْهِمْ» يشمل؟
طلبة: الفريضة.
الشيخ: الفريضة والنافلة، وعلى كل حال، إن كان في الحديث دليل فهو خير، وإن قيل: إنه خاص بصدقة التطوع، فإننا نقول في تقريرِ جوازِ دفعِ الزكاةِ إلى الزوج: الزوجُ فقير، ففيه الوصف الذي يستحق به من الزكاة، فأين الدليل على المانع؟ لأنه إذا وُجِد السبب ثبت الحكم إلَّا بدليل، وليس هناك دليل -لا من القرآن ولا من السُّنَّة- على أن المرأة لا تدفع زكاتها لزوجها، أفهمتم؟
وهذه قاعدة أنا ذكرتها لكم من قبل: الأصل فيمن ينطبق عليه وصف الاستحقاق أنه مستحق، وتجزئ الزكاة إليه إلَّا بدليل، ولا نعلم مانعًا من ذلك إلَّا مَنْ كان إذا أعطاها أسقط عن نفسه بذلك إيش؟
طلبة: واجبًا.
الشيخ: واجبًا، وهل يجوز أن يعطي الزوج زوجتَه من زكاته؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يا ناس، لا تتسرَّعوا، كلمة (زَوْج) في كلام المؤلف يُمكن أن تُحْمَل على الزوجة، وعلى؟
طلبة: الزوج.
الشيخ: الزوج؛ لأن كلمة: (زَوْج) في اللغة العربية تُطْلَق على المرأة؛ وعن عائشةَ..؟
طالب: زوج النبي.
الشيخ: إي، زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيمكن أن يقال: إنها تجزئ، أي: تجزئ الزكاة إذا دفعها إلى زوجته، على ما اخترناه، أما على المذهب فلا تجزئ، يعني على المذهب لا يجوز أن يدفع الزوج زكاته إلى زوجته؛ لقوة الصلة والرابطة.
ولكن القول الراجح أنه يجوز أن يدفع الزكاة إلى زوجته بشرط، قولوه.
طلبة: ألَّا يُسْقِط واجبًا.
الشيخ: ألَّا يُسْقِط به؟
الطلبة: حقًّا.
الشيخ: حقًّا واجبًا عليه، وعليه فإذا أعطاها من زكاته للنفقة لتشتري ثوبًا، لتشتري طعامًا، فإن ذلك؟
طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: لا يجزئ، وإن أعطاها لقضاء دَيْن عليها، فإن ذلك؟
طلبة: يُجْزِئ.
الشيخ: يُجْزِئ؛ لأن قضاء الدَّيْن عن زوجته لا يَلْزَمه.
ثم قال المؤلف: (وَإِنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّهُ غَيْرَ أَهْلٍ فَبَانَ أهْلًا، أوْ بِالْعَكْسِ) بِأَنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ أَهْلٌ فَبَانَ غَيْرَ أهْلٍ، (لَمْ يُجْزِهِ) أو: (لَمْ تُجْزِئْهُ).
(إِنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّهُ غَيْرَ أَهْلٍ فَبَانَ أهْلًا) فإنها لا تجزئه؛ لأنه حين دَفْعِها يعتقد أنها وُضِعَتْ في غير موضعها، ولأنه متلاعب، كيف يعطي زكاته لشخص يظنه غنيًّا ثم بعد ذلك يتبين أنه فقير؟ كيف نقول: تجزئه؟ لا تجزئه؛ لأنه حين دَفْعِها يعتقد أنها؟
طلبة: في غير محلها.
الشيخ: في غير محلها، ولأنه متلاعب، فلا تجزئه، وهذا واضح.
(بِالْعَكْسِ) أعطاها لمن ظنه أهلًا فبَانَ غير أهلٍ فلا تجزئه أيضًا؛ لأن العبرة بما في نفس الأمر، لا بِظَنِّه، مثاله: أعطى رجلًا يظنه غارمًا، فبان أنه غيرُ غارم، فإنها لا تجزئه، لماذا؟ لأن العبرة..؟
طلبة: بما في نفس الأمر.
الشيخ: بما في نفس الأمر، يعني: بالواقع، والواقع أنه غير أهل، أعطاها لشخص يظنه ابنَ سبيل، فتبين أنه غيرُ ابنِ سبيل، مواطن، فإنها؟
طالب: لا تجزئه.
الشيخ: لا تجزئه، أعطاها لقريب يظن أنها تجزئه، ولكن تَبَيَّن أنه لا يجزئه إعطاءُ هذا القريب؛ لوجوب الإنفاق عليه، فإنها؟
طلبة: لا تجزئه.
الشيخ: لا تجزئه، يُسْتَثْنَى من ذلك مسألة: (إِلَّا لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيرًا فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ)، مثل: رجل جاء يسأل وعليه علامة الفقر من الثياب الرديئة، فأعطيتُه من الزكاة، فلما انصرف عني جاءني شخص وقال: ما الذي أعطيتَه؟ قلتُ: زكاة، قال: هذا أغنى منك، هذا عنده ملايين، فما حكم الزكاة التي دفعتُها؟
طلبة: تجزئ.
الشيخ: تجزئ؛ لأنه ليس لنا إلَّا الظاهر، ومثل ذلك أولئك السُّؤَّال الذين يأتون إلى طلب مساعدة في مدرسة، أو مسجد، أو ما أشبه ذلك، ثم نعطيهم بناءً على الظاهر لنا، ويتبين أنهم على خلاف هذا، فإن ذلك؟
طلبة: يجزئ.
الشيخ: يجزئ، ما هو الدليل؟ الدليل قصة الرجل الذي تصدق ليلة من الليالي، خرج بصدقته فدفعها إلى شخص، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدِّق الليلةَ على غني، فقال: الحمد لله، على غني!! يعني رأى أن هذا مصيبة، ثم خرج مرة أخرى فتصدق، فوقعت في يد بَغِيّ، البَغِيّ هي؟
طلبة: زانية.
الشيخ: الزانية، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلة على زانية، أو على بَغِيّ، فقال: الحمد لله، على غني وعلى زانية!! ثم خرج مرة ثالثة، فتصدق فوقعت الصدقة في يد سارق، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلة على سارق، فقال: الحمد لله، غني وبغي وسارق!! فقيل له: أما صدقتك فقد تُقُبِلَت؛ أمَّا الغني فلعله يتذكر ويتصدق ويتَّعِظ بما حصل منك، وأما السارق فلعله يكتفي بما أعطيته عن السرقة، وأما البَغِيّ فلعلها تتعفف بما أعطيتَها عن البَغْيِ، أو عن البِغَاء.
فانظر إلى هذا، هذا الرجل نيته طيبة، وقعت الصدقة في غير ما يريد، ولكن لحُسْن نيته صارت مفيدة، مقبولة عند الله، ونافعة لمن تصدق عليهم؛ لأنه قال: (لعله).
فيؤخذ من هذا الحديث أن الإنسان إذا تصدق على غني يظنه فقيرًا فإن الزكاة تجزئ.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا دفعها إلى مَن يظنه أهلًا بعد التحرِّي فَبَانَ غيرَ أهل فإنها تجزئه حتى في غير مسألة الغِنىَ عمومًا، قال: لأنه اتقى الله ما استطاع، ويصعُب أن نقول له: إن زكاتك لم تُقبَل، مع أنه اجتهد، والمجتهد إن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران، وهذا القول أقرب إلى الصواب؛ أنه إذا دفعها لمن يظنه أهلًا مع الاجتهاد والتحري فتَبَيَّنَ غيرَ أهل فزكاته مُجْزِئَة؛ والعلة ما سمعتم.
إذا جاءك سائل يسأل، يقول: أعطني من الزكاة، ورأيتَه جَلْدًا قويًّا، فهل تعطيه أم ماذا؟ نقول: عِظْهُ أوَّلًا، انصحه، وقل: إن شئت أعطيتك، ولا حَظَّ فيها لغني ولا لقوي مُكْتَسِب، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الرجلين اللذين أتيا إليه يسألانه من الصدقة، فرآهما جَلْدَين، فقال: «إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» .
فإن قال قائل: أحوال الناس اليوم فسدت، حتى لو وعظته بهذا الكلام لم يَتَّعِظْ، فما الجواب؟
الجواب: أن لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أُسوة حسنة، فنعظه بما وعظه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإذا أَصرَّ ونحن لا نعلم خلاف ما يدَّعي فإننا نعطيه، أما إذا أَصرَّ على السؤال ونحن نعلم أنه على خلاف ما يدعيه فإننا لا نعطيه.
ومما يتفرع على هذا الموضوع هل نقول للشخص إذا أعطيناه: هذه زكاة، أو لا نقول؟
فيه تفصيل: إن كان الرجل نعلم أنه أهلٌ للزكاة، وأنه يقبل الزكاة أعطيناه بلا قول؛ لأن قولنا له: إنها زكاة فيه غضاضة عليه، أما إذا كنا لا ندري وفيه احتمال أنه ليس من أهل الزكاة فإننا نخبره؛ لِئَلَّا نقع في مشكلة، وكذلك إذا كان لا يقبل الزكاة؛ لأن بعض الناس عنده عِفَّة، لا يقبل الزكاة وإن كان محتاجًا، فهنا نقول له: هذه زكاة.
يَستحسِن بعض العامَّة أننا إذا علمنا حاله وأنه فقير حقيقة، يأكل الغداء ولا يحصُل له العشاء، ويأكل العشاء ولا يحصُل له الغداء، ولكن لا يقبل الزكاة، يقول بعض العامَّة: أَعْطِه من الزكاة ولا تخبره، فما رأيكم؟
لا، رأينا لا نعطيه؛ لأنه إذا كان لا يقبل فإن الزكاة لا تدخل مُلْكه؛ لأن من شرط التملك إيش؟
طلبة: القبول.
الشيخ: القبول، وهذا لا يَقبل، ونقول لهذا الرجل الذي يريد أن ينفع هذا الفقير العفيف، نقول: أعطه صدقة تطوع ولا تَقُل: هذه صدقة، وأنت مأجور، أما أن تُقْحِمَ في مُلْكِه ما لا يريده فهذا لا يصح ولا يجوز.
ثم قال المؤلف: (وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ)، (وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ) يعني: الصدقة التي ليست بواجبة، وإنما يتطوع بها الإنسان تطوعًا، (مُسْتَحَبَّةٌ)، كلمة (مُسْتَحَبَّةٌ) بمعنى مسنونة مشروعة، ولا سيما مع حاجة الناس إليها.
واعلم أنه لا فرق بين (مستحب) و(مسنون) عند الحنابلة، فالمستحب والمسنون بمعنى واحد، فنقول: يُستحب السواك، ونقول: يُسَنُّ السواك، ولا فرق، وذهب بعض العلماء: أن ما ثبت بالنص فهو مسنون، وما ثبت بالاجتهاد والقياس فهو مستحب، ولكن فقهاء الحنابلة يمشون على أنه لا فرق.
فقوله: (مُسْتَحَبَّةٌ) بمعنى؟
طلبة: مسنونة.
الشيخ: مسنونة، ما هو الدليل؟ فيها دليل أثري ودليل نظري؛ أما الدليل الأثري فلأنَّ الله أثنى على المتصدقين، فقال: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ، إلى أن قال: وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ، وفي آخر الآية: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٣٥]، وقال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ [البقرة: ٢٦١]، وقال تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة: ٢٧٦].
والسُّنَّة طافحة كثيرة في الحث على الصدقة، ومنها: «أَنَّهُ مَا مِنْ رَجُلٍ يَتَصَدَّقُ مِنْ طَيِّبٍ بعِدْلِ تَمَرَةٍ إلَّا أَخَذَهَا اللهُ تَعَالَى بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا لِأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» ، عِدْل تمرة يأخذها الله عز وجل بيمينه ويربِّيها للمتصدِّق حتى تكون مثل الجبل، ويقول عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، ويقول: «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ» ، ويقول: «إِنَّهَا تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ» ، والأحاديث في هذا كثيرة مشهورة، ولكن تتأكد في زمان، وفي مكان، وفي أحوال؛ ففي الزمان قال المؤلف: (وفِي رمضان أفضل).
طالب: الدليل النظري يا شيخ.
الشيخ: نعم، أحسنت، الدليل النظري أن في الصدقة دَفْع حاجة الفقراء، والتَّخَلُّق بأخلاق الفضلاء الكرماء، وأنها من أسباب انشراح الصدر، وجرِّبْ تَجِدْ؛ فإن الكرماء إذا أنفقوا وتصدَّقوا تنشرح صدورهم، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد عشر فوائد لها -للصدقة- فمن أرادها فليرجع إليها.
فهي تتأكد أو يزيد فضلها في أزمان وإيش؟
طلبة: وأمكنة.
الشيخ: وأمكنة.
طلبة: وأحوال.
الشيخ: وأحوال.
يقول المؤلف: (في رمضان آكَد)، أو قال: (أفضل)، (فِي رَمَضان أفضلُ)، أفضلُ من غيره، الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان» ، وهذا يدل على أنه عليه الصلاة والسلام يزداد إنفاقه في هذا الشهر.
ولكن الراجح أنها في عشر ذي الحجة الأولى أفضل؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ»، يعني عشر ذي الحجة الأولى، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ». وهذا عام، والدليل على عمومه قولهم: ولا الجهاد، قال: «وَلَا الْجِهَادُ».
المكان؟
طالب: في الْحَرَم.
الشيخ: في الحرم المكي والمدني أفضل من غيره؛ لشرف المكان.
الحالات؟ قال المؤلف: (وأوقات الحاجاتِ أفضل) مثل أوقات الحاجات إيش؟ فيه أوقات حاجات دائمة، وأوقات حاجات طارئة؛ فمن أوقات الحاجات الدائمة فصل الشتاء، فإن الفقراء فيه أحوج من فصل الصيف؛ لأنهم يحتاجون إلى زيادة أكل، فالإنسان في الشتاء يأكل أكثر مما يأكل في الصيف، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: في الشتاء يحتاج إلى ثياب أكثر مما يحتاجه..؟
طلبة: في الصيف.
الشيخ: في الصيف، يحتاج إلى تدفئة أكثر مما يحتاجه في الصيف، أليس كذلك؟ فالغالب أن الفقراء تشتد حاجاتهم في زمن الشتاء أكثر، هذه قلنا إيش؟
طلبة: حاجات دائمة.
الشيخ: حاجات دائمة، هناك حاجات طارئة مثل أن تَحْدُثَ مجاعة في الناس، أو جَدْب، فيحتاج الناس أكثر، سواءٌ في الشتاء أو في الصيف، فهذه أيضًا تكون الصدقة فيها أفضل.
المكان؛ قلنا: تَشْرُف الصدقة بشرف المكان كمكة والمدينة، هل من شرف المكان ما لو كانت جهة من الأرض فيها مجاعة أو لا؟
طلبة: هذا حال.
الشيخ: لا؛ لأن هذا ليس لشرف المكان، ولكن للحاجة، بدليل أن أهل هذا المكان إذا اغتنوا صارت الصدقة فيهم مثل غيرهم، لكن مكة والمدينة الصدقة فيها أفضل مطلقًا لشرف المكان.
إذا تعارض شرف المكان وشرف الأحوال، فأيُّهما يقدَّم؟
طلبة: الأحوال.
الشيخ: نعم، الحاجات، يقدَّم فضل الحاجات؛ لأن أصل الصدقة إنما شُرِعَت لدفع..؟
طلبة: الحاجة.
الشيخ: الحاجة، فالفضل فيها باعتبار الحاجات يتعلق بنفس العبادة، وقد مر علينا قاعدة مفيدة في هذا الباب؛ وهي أن الفضل إذا كان يتعلق بذات العبادة كانت مراعاته أولى من الفضل الذي يتعلق بزمانها أو مكانها.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، ما الفرق بين قول المؤلف: (وَإِنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّهُ غَيْرَ أَهْلٍ فَبَانَ أهْلًا) وبين قوله: (إِلَّا لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيرًا)؟
الشيخ: هذا مستثنى ما دخل في الحكم.
الطالب: لكن قوله -أحسن الله إليكم-: (وَإِنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّهُ غَيْرَ أَهْلٍ فَبَانَ أهْلًا أوْ بِالْعَكْسِ لَمْ يُجْزِهِ).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: في حالة هذا هل يناقض: (إِلَّا لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيرًا).
الشيخ: ما هو العكس؟
الطالب: العكس إذا أعطاها غير أهل فبانَ أهلًا.
الشيخ: لا.
الطالب: إذا أعطاه غير أهل فبان.
الشيخ: لا إذا أعطاها مَن ظَنَّهُ أهلًا..
الطالب: فبان غير أهل.
الشيخ: فبان غير أهل، هذا الاستثناء يعود على الأخيرة، على قوله: (أَوْ عَكْسِه).
الطالب: هي التي قوله: (أو لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيرًا)؟
الشيخ: إي نعم، تعود على الأخيرة التي أعطاها لمن يظنه أهلًا فبان غير أهل، الاستثناء يعود على الأخيرة.
طالب: الغارم لإصلاح ذات البَيْن إذا -يا شيخ- كانت توجد صدقة تطوع ووُجِدَت زكاة، هل نعطيه من الزكاة أو نعطيه من صدقة التطوع؟
الشيخ: سؤال يقول: إذا وُجِد غارم لإصلاح ذات البَيْن، وفيه صدقة تطوع أو زكاة، هل نعطيه من الزكاة؟ أو نقول: نعطيه من صدقة التطوع؟
نقول: لا بأس أن نعطيه من الزكاة لأنه مستحِق لها، وصدقة التطوع تكون لغيره.
طالب: أحسن الله إليكم، إذا أعطاها فقيرًا ظن أنه مسلم، ثم بعد ذلك بان أنه كافر.
الشيخ: تجزئه، على القول الراجح، أما على المذهب لا، ما تجزئ.
طالب: إذا أعطاها يا شيخ لمن ظنه أهلًا فبَانَ غير أهلٍ فإنها لا تجزئه؛ لأن العبرة بما كان واقعًا في نفس الأمر.
الشيخ: نعم.
الطالب: طيب يا شيخ إذا كان العبرة بما كان واقعًا في نفس الأمر إذا أعطاها مَن ظَنَّهُ غير أهل فبان أهلًا تجزئ، لأن هذا ..
الشيخ: أحسنت، هذا يسأل يقول: إذا قلنا: العبرة بما في نفس الأمر، وأعطاها لمن ظنه غير أهل، فبَانَ أهلًا فلماذا لا تجزئ؟ ذكرنا تعليلين.
الطالب: لكن (...).
الشيخ: هذا الرجل لَمَّا أعطاها مَن ظَنَّهُ غير أهل، هل يعتقد أنها تجزئه الآن؟
طالب: لا يعتقد، ولكن العبرة بما كان في نفس الأمر.
الشيخ: لا، إذا كان ما يعتقد معناه إنه ما نوى، ما صحت زكاته.
طالب: شيخ، يقول المؤلف رحمه الله: إذا أعطاها مَن ظَنَّه من أهلها فبَانَ ..
الشيخ: لا، من أهلها فبان غير أهل لها.
الطالب: فلا تجزئ.
الشيخ: إلَّا؟
الطالب: إلَّا مَن أعطاها.
الشيخ: لغني.
الطالب: ظَنَّه فقيرًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: ما الفرق بين ..
الشيخ: هو الأصل أنه إذا أعطاها لغني ظنه فقيرًا ألَّا تجزئ، لكن دَلَّ الحديث على أنها تجزئ، فهمت؟ نحن نقول: دَلَّ الحديث على أنها تجزئ، فيُقَاسُ عليه بقية الأصناف. (...)
طالب: فهل هذا صحيح، مع أن القاعدة أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فالمال الذي يأخذه على زكاة تعود إلى سيده.
الشيخ: مش قلنا في التعليل: العبد إذا كان عاملًا قلنا: يجوز أن تُدْفَع إليه الزكاة.
الطالب: التعليل.
الشيخ: التعليل لأنها أجرة.
الطالب: المال ما يأخذه سيده؟
الشيخ: إلَّا، ما يأخذه سيده، مثل ما لو أجَّرَه لعمل بناء أو غيره.
طالب: شيخ، هنا شخص محتاج فقير، عليه دَيْن، يريد أن يقترض بواسطة التوَرُّق حتى يسدد هذا الدَّيْن، ولكنه إن قلنا له: الزكاة، نريد أن نعطيه من الزكاة أبى، وإن قلنا: إن هذا مال متوفِّر ولم نصرِّح بالزكاة قَبِلَه؟
الشيخ: إي، ويش قلنا يا جماعة؟
الطالب: أنا فهمت يا شيخ الشرح الأول، لكن يعني لا يجزئ مطلقًا؟
الشيخ: مطلقًا، لكن نعم ربما نقول: الغارم لا يُشترط تملُّكه، فيمكن أن نذهب إلى صاحب الدَّيْن ونعطيه بدون أن يشعر بهذا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، فضيلة العشر الأُوَل من ذي الحجة لا يعارضه فعل النبي صلى الله عليه وسلم، حيث إنه كان أجود ما يكون في رمضان؟
الشيخ: نعم، ويش تقولون؟ يقول الأخ: قولكم أن -أو: قولنا، على الأصح أن الطالب يقول لأستاذه: قولنا- قولنا: إن الصدقة في عشر ذي الحجة أفضل، أَلَا يعارضه كون الرسول عليه الصلاة والسلام أجود ما يكون في رمضان؟
طالب: هذا عامٌّ يُخَص بالحديث الآخر الذي ورد في فضل عشر ذي الحجة، يكون الرسول عليه الصلاة والسلام أجود ما يكون إلَّا في هذا، فيكون أجود.
الشيخ: كيف؟
الطالب: أجود ما يكون في غير رمضان يكون في رمضان، ونستثني عشر من ذي الحجة.
الشيخ: يعني أنه في عشر ذي الحجة أجود منه في رمضان.
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب.
طالب: نقول ما ورد العشر من ذي الحجة قول.
الشيخ: نعم.
الطالب: والآخر فعل، والقول مقدَّم على الفعل.
الشيخ: نعم.طالب: روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْ هَذِهِ الْعَشْرِ، وأقسم بها الله في القرآن، وجاء فضلها في السُّنَّة، وفي القرآن، وهذا جاء فضلها بسُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: نعم.
الطالب: وكلهم جاء بهم (...).
الشيخ: نعم، ما عندكم إلَّا هذا؟
طالب: نقول: إن الفضل في رمضان جاء في الحديث أن جبريل كان يدارِس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فيمكن أن يقال بأن الجود مخصوص هنا بشيء معيَّن، لكن الجود في عشر ذي الحجة عامٌّ، حتى النبي صلى الله عليه وسلم فضَّلَه على الجهاد.
الشيخ: نعم.
الطالب: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «وَلَا الْجِهَادُ».
الشيخ: هذا هو الظاهر أن نقول: جود الرسول عليه الصلاة والسلام في رمضان من فعله، وقوله: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ» من قوله، ويجوز أن يكون في أيام العشر ذي الحجة يجوز ألَّا يكون عنده شيء يجود به بخلاف رمضان، ثم إنه في بعض ألفاظ الحديث: «أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ» ، فيكون هذا الجود مخصوصًا بهذا الحال، وعلى كل حال القول مقدَّم على الفعل.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم: (وَتُسَنُّ بِالفَاضِلِ عَن كِفَايَتِهِ..).الشيخ: ما الذي تُسَن؟
الطالب: الصدقة.
الشيخ: إي طيب، وصدقة التطوع قبلها، اقرأ اللي قبلها علشان نعرف اللي يتفرع عليها.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم: (وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ، وَفِي رَمَضان وأوقاتِ الحاجاتِ أفضلُ، وَتُسَنُّ بِالفَاضِلِ عَن كِفَايَتِهِ وَمَنْ يَمُونُهُ، وَيُأْثَمُ بِمَا يَنْقُصُهَا).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما تقول في رجل أعطى زكاته لشخص يظنه فقيرًا فبان غنيًّا؟
طالب: لا تجزئه.
الشيخ: لا تجزئه.
طالب: يظنه فقيرًا فبان غنيًّا؟ تجزئه، هذا استثناء.
الشيخ: تجزئه.
الطالب: نعم.
الشيخ: ما الدليل؟
طالب: خصه من هذا الذي ..
الشيخ: لا، ما هو من كلام المؤلف، كلام المؤلف يُسْتَدَلُّ له ولا يُسْتَدَلُّ؟
طالب: به.
الشيخ: به، نعم.
طالب: الدليل حديث: تَصَدَّقَ رجل على غني فقال الناس: تُصُدِّقَ على غني.
الشيخ: فقيل له: إن صدقتك..
الطالب: مقبولة.
الشيخ: قد قُبلَت، لو أعطاها لمن يظنه مسلمًا فبان كافرًا؟
طالب: على كلام المؤلف لا تجزئ.
الشيخ: لا تجزئ.
الطالب: إلَّا في قول بعض أهل العلم: إذا كان تحرَّى عن الرجل وكذا يعطيه.
الشيخ: نعم، صحيح.
ما هو التعليل لكونها لا تجزئ على رأي المؤلف؟
طالب: قال: لأن العبرة بما في نفس الأمر لا بظاهره.
الشيخ: إي، العبرة بما في نفس الأمر، وقد وقعت في غير محلها فلا تجزئ.
ما حكم صدقة التطوع.
طالب: مستحبة.
الشيخ: مستحبة؟ هل تذكر دليلًا يدل على استحبابها من القرآن والسُّنَّة؟
الطالب: قول الله عز وجل: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ [البقرة: ٢٦٧].
الشيخ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْطيب.
الطالب: وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة: ١٧٢].
الشيخ: وعموم الإنفاق، ما فيه دليل على الصدقة؟
الطالب: قول الصحابة رضي الله عنهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام.
الشيخ: من القرآن.
طالب: قوله تعالى: وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ [الأحزاب: ٣٥]، في آخر الآية الآية قال: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا.
الشيخ: نعم، وكذلك آية نسيناها البارح: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد: ١٨].
الدليل من السُّنَّة على فضل صدقة التطوع، أعطِنا ولَّا مَشِّنا، ها.
طالب: أحاديث كثيرة، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ».
الشيخ: صح، هل تختلف فضلًا؟
طالب: نعم تختلف؛ مكانًا وزمانًا وحاجة.
الشيخ: وحالًا.
الطالب: وحالًا.
الشيخ: مكانًا وزمانًا وحالًا؛ مكانًا مثل؟
طالب: الحرمين يا شيخ.
الشيخ: الحرمين. زمانًا؟
طالب: كرمضان.
الشيخ: كرمضان وعشر ذي الحجة. حالًا؟
طالب: المجاعة.
الشيخ: كشدة الحاجة، والقرابة أيضًا، تتصدق على القريب أفضل من البعيد.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وَتُسَنُّ بِالفَاضِلِ عَن كِفَايَتِهِ وَمَنْ يَمُونُهُ)، (تُسَنُّ) أي: يُسَنُّ أن يكون التصدق بشيء فاضل عن كفايته.
(وَمَنْ يَمُونُهُ) أي: وكفاية مَنْ يَمُونُهُ، أي: مَن تلزمه مَؤُونته، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه آله وسلم: «الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» ، «ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ»، فدل هذا على أن صدقة التطوع تأتي في الدرجة الثانية بعد كفاية مَن يَعُولُهم، وقال عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» ، أي: عن فاضل غِنًى.
فإن قال قائل: ما الجواب عن جواب النبي صلى الله عليه وسلم حين سُئِل: أي الصدقة أفضل؟ قال: «جُهْدُ الْمُقِلِّ» ؟
فالجواب: أن لا منافاة؛ فإن المراد بِجُهد الْمُقِل ما زاد عن كفايته وكفاية مَن يَمُونُه، وهو خلاف الغني، فإذا تصدق رجل بعشرة دراهم وهي الفاضل عن كفايته فقط، وآخر بعشرة دراهم وعنده عشرة ملايين، أيهما أفضل؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول؛ لأن هذا جهده، وذاك عشرة ريالات بالنسبة لعشرة ملايين ليست بشيء، ما الذي يقابل عشرة ريالات من عشرة ملايين، إذا قدَّرنا أن الأول ماله ألف؟
طلبة: جزء من ألف.
الشيخ: ألف ريال، فعلى كل حال، إذا تأمَّلْت الحديثين لن تجد بينهما منافاة؛ لأن المراد بجُهْد الْمُقِلّ ما زاد عن كفايته، لكنه ليس ذا غِنًى واسع.
ثم قال: (وَيَأْثَمُ بِمَا يَنْقُصُهَا)، (يَأْثَم) أي: المتَصَدِّق، (بِمَا) أي: بصدقة تَنْقُص كفايته، (بِمَا يَنْقُصُهَا) أي: ينقص كفايتَه وكفايةَ مَن يَمُونُهُ، ووجه ذلك أنه إذا نقص الواجب أَثِم، فكيف يليق بك أن تترك واجبًا وتتصدق بتطوع؟ هذا لا يليق؛ لا شرعًا، ولا عقلًا، ولا عرفًا، ابدأ أولًا بِمَن تعول.
ثم اعلم أيضًا أن خير صدقة تتصدق بها على نفسك وأهلك؛ يعني الصدقة على أهلك أفضل من الصدقة على الخارج، كما جاء في الحديث، فإذا قمت بالواجب في مَؤُونتك ومَؤُونة أهلِك فأنت قائم بواجب وصدقة، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الإنسان إذا أنفق على أهله فهي صدقة، بل على نفسه فهي صدقة.
وحينئذ نقول: إنك في الواقع لم تخرج عن مسمَّى المتصدِّق إذا أنفقت على نفسك وأهلك، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل الإنفاق على الأهل من الصدقة، بل الإنفاق على الأهل واجب تُثَابُ عليه أكثر من الثواب على الصدقة على بعيد.
وقوله: (بِمَا يَنْقُصُهَا)، يقرؤها بعضكم: يُنْقِصُها، من الرباعي، ولكنها من الثلاثي، وهي لازمة ومتعدية، بل تتعدى لاثنين، قال الله تعالى:ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا [التوبة: ٤] هنا تعدَّت؟
طلبة: لاثنين.
الشيخ: لاثنين، الكاف؟
طلبة: وشيئًا.
الشيخ: وشيئًا، وتكون لازمة، كما إذا قلت: نقص المال، ومثلها: (زاد)، (زاد) تستعمل لازمة ومتعدية، فتقول: زاد المال، وتقول: زادني خيرًا، قال الله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا [التوبة: ١٢٤]، كم نصبت؟
طلبة: اثنين.
الشيخ: مفعولين، إذن صواب قراءتها أن تقول؟
طلبة: (بِمَا يَنْقُصُهَا).
الشيخ: (بِمَا يَنْقُصُهَا)، فإن قال قائل: كيف تُؤَثِّمُونه بِمَا يَنْقُصُهَا، وقد أَقَرَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر حينما تصدق بجميع ماله، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: «مَاذَا تَرَكْتَ لِأَهْلِكَ؟»، قال: تركت لهم الله ورسوله، فأقرَّه النبي عليه الصلاة والسلام، وكيف تقولون ذلك، أي التصدق بِمَا يَنْقُصُهَا إثم، مع أن الله امتدح الذين يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر: ٩]؟ وكيف تقولون ذلك وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصاري الذي قدَّم الضيف على نفسه وأهله، قال: «إِنَّ اللهَ عَجِبَ مِنْ صَنِيعِكُمَا الْبَارِحَةَ» ، والقصة مشهورة، الضيف جاء إلى الأنصاري وليس عنده إلَّا طعام أهله، فقال لزوجته: أطفئي المصباح إذا قدَّمتِ العَشاء، أطفئي المصباح وأريه أننا نأكل معه؛ لِئَلَّا يخجل، وهما لا يأكلان معه، لكن لِئَلَّا يخجل.
فهذه الأدلة تدل على أنه لا يأثم الإنسان بما يَنْقُص المَؤُونة؛ مَؤُونة نفسه وعياله؟
فالجواب عن ذلك يقال: إذا كان الإنسان قد عَرَف من نفسه الصبر والتوكل، وعنده ما يستطيع أن يُحَصِّل به، فهذا لا حرج عليه إذا تصدق بما يَنْقُص مَؤُونته، أما إذا كان لا يعرف من نفسه الصبر والتوكل وإخلاف ما أنفق، فإن الأمر كما قال المؤلف، مثل لو فرضنا أنه إذا تصدق بما يَنْقُص مَؤُونته خرج من الباب الثاني ليتكفَّفَ الناس، هذا لا يجوز.
لكن إذا علم أنه إذا تصدق بما يَنْقُص مَؤُونة أهله خرج من الباب الثاني ليشتغل، يبيع ويشتري، كما كان أبو بكر رضي الله عنه يفعل، فإن ذلك لا بأس به، أما مسألة الضيف فقد يقال: إن أهله قد رضوا بذلك، أهل الأنصاري رضوا بهذا وصبروا، وإكرام الضيف ليس تطوعًا، بل هو واجب، فيدخل في الواجب.
وأما ثناء الله عزَّ وجل على الأنصار في قوله: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر: ٩] فهذا كما قلنا فيمن عَرَف من نفسه إيش؟
طلبة: الصبر.
الشيخ: الصبر والتوكل ويتحمل، وأنه سيجد ما يُخْلِفُ ما أنفق.
وبعد سياق هذه الآية: وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُواما معناها؟
طالب: غضاضة، من كره (...).
الشيخ: لا، كان يقول: مما آتَوا.
طالب: يعني نفسه لا تتعلق مع عواقبه، مثلًا تندم من دفع هذا الشيء.
الشيخ: كان يقول: مما آتَوا.
قال: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْأي: في صدور الذين تَبَوَّؤُوا الدَّارَ حَاجَةً مِمَّا أُوتُواأي: مما أُوتِيَ المهاجرون، المهاجرون أعطاهم الله فضلًا على الأنصار، فهم لا يَجِدُون في صدورهم حاجة مما أُوتُوا فيحسدونهم، هذا معنى الآية، إذن فِي صُدُورِهِمْالضمير يعود على مَنْ؟
طلبة: الأنصار.
الشيخ: الأنصار، مِمَّا أُوتُواالضمير يعود على؟
طلبة: المهاجرين.
الشيخ: المهاجرين.
الشيخ: نعم؟
طالب: قصة الأنصاري أَلَا يرد علينا فعله بأطفاله حتى ناموا.
الشيخ: إي نعم؛ لأن له الولاية عليهم.
أظن أول الصيام قرأناه.
طلبة: نعم.
الشيخ: ما حاجة لإعادته؟
طالب: كثير يا شيخ، وبعضنا يُراجع (...) (ويُصَامُ بِرُؤْيَةِ عَدْلٍ).
الشيخ: متى يُصام رمضان؟ يقول المؤلف: إنه يُصام بواحد من أمرين: رؤية هلاله؟
طلبة: أو إكمال شعبان.
الشيخ: أو إكمال شعبان ثلاثين يومًا.
ثانيًا: بماذا تثبت الرؤية؟ بشهادة واحد ولو أُنْثَى؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لمَّا أخبره عبد الله بن عمر أنه رآه صام وأمر الناس بالصيام، (وَلَوْ أُنْثَى)؛ لأنه خبر ديني، فاستوى فيه الذكر والأنثى، كما لو قالت لك الأنثى: غابت الشمس، تُفطر على قولها.
على المذهب يُصَامُ بأمر ثالث، وهو إذا كان في ليلة الثلاثين من شعبان غَيْمٌ أو قَتَر فإنه يجب؟
طلبة: الصوم.
الشيخ: أن يُصَام، وعليه فيكون صيام رمضان يثبت بواحد من أمور ثلاثة: رؤية هلاله، إكمال شعبان ثلاثين، أن يحول ليلة الثلاثين من شعبان دون رؤيته غيم..
طالب: أو قَتَر.
الشيخ: أو قَتَر.
والصحيح في الثالثة أنه لا يجب صومه، بل لا يجوز صومه؛ لأنه اليوم الذي يُشَكُّ فيه.
إذا رُئي الهلال نهارًا هل يكون لليلة الماضية، أو المقبلة؟
المذهب يقول أنه لليلة المقبلة، ومرادهم أنه ليس لليلة الماضية، خلافًا لمن قال: إنه لليلة الماضية، وقد ذكرنا في ذلك تفصيلًا: هل يُرى تحت الشمس أو فوق الشمس، ذكرناه فيما سبق.
إذا رآه أهل بلد فهل يلزم جميع الناس أن يصوموا؟ المذهب: نعم، يلزم جميع الناس أن يصوموا، والصحيح أنه إن اختلفت المطالع؟
طلبة: لم يلزمهم.
الشيخ: لم يلزمهم، وإن اتفقت؟
طلبة: لزمهم.
الشيخ: لزمهم، كما يدل على ذلك الأثر والنظر، وأظن أننا بيَّنَّا الأدلة على ذلك الأثرية والنظرية.
***
ثم قال المؤلف: (فَإنْ صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَلَمْ يُرَ الهِلاَل).طلبة: (ويُصَامُ).
طالب: (ويُصَامُ بِرُؤْيَةِ عَدْلٍ وَلَوْ أُنْثَى) يا شيخ.
الشيخ: طيب، ما فيه بأس، هذا إفزاع، ما شاء الله، كل الدنيا قامت!!
يقول: (ويُصَامُ بِرُؤْيَةِ عَدْلٍ وَلَوْ أُنْثَى)، (يُصَامُ) نائب الفاعل يعود إلى رمضان، أي: يصوم الناس على التفصيل السابق، يُصَامُ ..





