كتاب الحج (الشرح الأول) - 4
عدد الزيارات 1117

فإن قال قائل: الحوادث الآن كثيرة، كثيرًا ما يحصل اصطدام، كثيرًا ما يحصل زحام يموت به الإنسان، أفلا يكون هذا مما يوجب مشروعية الشرط؟
قلنا: لا؛ لأنك لو أحصيت الحجيج، وأحصيت الحوادث التي تحدث لوجدت النسبة قليلة جدًّا، وليست بشيء بالنسبة لكثرة السيارات وكثرة الأوادم قليلة.
وفي عهد الرسول عليه الصلاة والسلام حصلت حوادث، ففي عرفة وَقَصَت ناقةٌ صاحبَها فسقط منها فمات، هذه حادثة، حادث سيارة ولَّا حادث ناقة؟ حادث ناقة ولكن يشبه حادث السيارة.
إذن فالحوادث موجودة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ومع هذا لم يأمر أصحابه أن يشترطوا أمرًا عامًّا.
الخلاصة الآن في المسألة الثانية أيش؟ أنه يُسْتَحَبُّ الاشتراط لمن كان يخاف من مانع يمنعه من إتمام النُّسُك، وأما إذا كانت الأمور على طبيعتها فإنَّ السُّنَّة أن لا يشترط، وبهذا تجتمع الأدلة.
فإن قال قائل: ما فائدة هذا الاشتراط؟
قلنا: زعم بعض العلماء أنه لا فائدة منه، وإنما هو لفظٌ يُتَعَبَّدُ به فقط، وهذا القول لا شك أنه ضعيف جدًّا.
والصواب أن له فائدة، وفائدته أنه إذا وُجِدَ المانع حَلَّ من إحرامه مجانًا، ومعنى قولي: (مجانًا) أي بلا هَدْي
؛ لأن مَن أُحْصِر عن إتمام النسك فإنه يلزمه هدي، لقوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦]، فإذا كان قد اشترط ووُجد ما يمنعه من إتمام النسك قلنا له: حُلَّ بلا شيء، مجانًا.
لكن لو لم يشترط لم يَحِلّ إلَّا إذا حُصِر بعدو، على رأي كثير من العلماء، فإن حُصِر بمرض، أو حادث، أو ذهاب نفقة، أو ما أشبه ذلك، فإنه يبقى مُحْرِمًا ولا يحل، لكن إن فاته الوقوف فله أن يتحلل بعمرة، ثم يحج من العام القادم.
إذن الفائدة من هذا الاشتراط أنه إذا وُجِد مانع يمنعه من إتمام النسك فإنه يَحِلّ ولا شيء عليه، يرجع إلى بلده.
هنا عبارتان؛ العبارة الأولى أن يقول: (إنْ حبسني حابس فمَحِلِّي حيث حبستني)، (محلي) أي: مكان إحلالي من النسك، أو قت إحلالي من النسك.
والعبارة الثانية: أن يقول: (إن حبسني حابس فلي أن أَحِلّ).
هل بينهما فرق؟
نعم بينهما فرق؛ إذا قال: (فمَحِلِّي حيث حبستني)، حل بمجرد وجود المانع؛ لأنه عَلَّقَ الْحِلَّ على شرط، فوُجد الشرط، وإذا وُجِدَ الشرط وُجِدَ المشروط.
أما إذا قال: (إن حبسني حابس فلي أن أحل)، فإنه إذا وُجِدَ المانع فهو بالخيار؛ إن شاء حل، وإن شاء استمر.
فإن قيل: وهل من الخوف أن تخاف الحامل من النِّفَاس، أو الطاهر من الحيض؟
طالب: النفاس نعم.
الشيخ: النفاس نعم لا شك؛ لأن المرأة إذا نَفِسَت ما تستطيع أن تؤدي النسك، ثم إن مدة النفاس تطول غالبًا.
لكن نقول: حتى الحيض، إذا كان أهلها أو رُفْقَتُها لا يَبْقَوْن معها حتى تطهر، فإنها إذا كانت تتوقع حصول الحيض تشترط.
فإذا كانت امرأة لم يطرأ على بالها الحيض، لكن معها كسل أو مرض، وتخشى أن لا تُتِمَّ النسك من أجل هذا المرض، فقالت: إن حبسني حابس فمحلِّي حيث حبستني، فأتاها الحيض، لكنه لم يطرأ على بالها، فهل نقول: إن حالها تُخَصِّص النية؟ أو نقول: إن العموم يشمل الحيض؟
طالب: العموم يشمل الحيض.
الشيخ: نعم، هي الآن مريضة، فقالت: إن حبسني حابس فمَحِلِّي حيث حبستني، تريد يعني المرض، ما طرأ على بالها إلَّا المرض، لكن هي تستطيع، المرض يعني خَفَّ عليها أو زال، لكن حدث الحيض، فهل نقول: إن مقتضى حالها يخصِّص العموم، أو نأخذ بعموم اللفظ؟
الطلبة: نأخذ بعموم اللفظ.
الشيخ: يحتمل الأمرين عندي، أنا عندي يحتمل الأمرين، لكن مَن قال: إنه يؤخَذ بالعموم (حبسني حابس) نكرة في سياق الشرط فتعم، قال: هذا من الحوابس، والحوابس متعددة؛ قد يكون في قلبها تلك الساعة المرض، ويحصل حابس آخر كالحيض، والخوف، وفقدان النفقة، وموت الْمَحْرَم، وما أشبه ذلك.
فعلى كل حال الأخذ بالعموم أرجو ألَّا يكون به بأس، وإلا فإن الحال قد تُخَصِّص العموم.
فإذا قال قائل: ما نقول في شخصٍ اشترط بدون احتمال المانع، على القول بأنه لا يُسَنُّ الاشتراط إلا إذا كان يخشى المانع، فهل ينفعه هذا الاشتراط؟
طالب: ينفعه.
طالب آخر: لا ينفعه.
طالب آخر: على قولين.
الشيخ: على قولين، الآن فيها قولان عندكم؛ منكم من قال: إنه ينفعه، ومنكم من قال: إنه لا ينفعه؛ فالذي يقول: إنه ينفعه، يقول: إن هذا وإنْ وَرَدَ على سبب، فالعبرة بعمومه، والذي يقول: لا ينفع، يقول: هذا اشتراطٌ غير مشروع، وغير المشروع غير متبوع فلا ينفع.
وهذا عندي أقرب؛ أننا إذا قلنا بأنه لا يُسْتَحَبُّ الاشتراط فإنه لا يكون مشروعًا
، وغير المشروع غير متبوع، لا يترتب عليه شيء، وإذا قلنا: إنه يترتب عليه حكم وهو غير مشروع، صار في هذا نوع من المضادة للأحكام الشرعية.
الاحتمال الراجح عندي -أنا ما راجعتها بالنسبة لهذه الأقوال- لكن الاحتمال الراجح عندي أنه لا يستفيد من هذا الشرط إلا إذا كان مشروعًا، لكن على قول مَن يقول: إن الاشتراط مشروع مطلقًا، يستفيد أو لا؟
طلبة: يستفيد.
الشيخ: نعم يستفيد، على قول مَن يقول: إنه مشروعٌ مطلقًا، يستفيد.
فيه مسألة: لو أن الرجل دخل في الإحرام، وقال: لبَّيْك اللهم عمرة، ولي أن أحل متى شئت، فهل يصح هذا الشرط؟
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ لأنه ينافي مقتضى الإحرام، مقتضى الإحرام وجوب الْمُضِيّ في الإحرام، وأنك غير مخيَّر، فلست أنت الذي ترتب أحكام الشرع، المرتِّب لأحكام الشرع هو الله عزَّ وجل ورسوله، فإذا قلت هذا فإنه لا يصح هذا الشرط.

***

قال المؤلف: (وأفضلُ الأَنْساكِ التَّمتعُ).
قوله: (أفضلُ الأَنْساكِ)، أفادنا رحمه الله أن هناك أنساكًا متعددة؛ لأن (الأنساك) جمع، وأقل الجمع ثلاثة، فهنا أنساكٌ ثلاثة: (التمتُّع، والإفراد، والقِرَان)، وذلك لأن الإنسان إما أن يُحْرِم بالعمرة وحدها، أو بالحج وحده، أو بهما، ما فيه قسمة رابعة.
إن أحرم بالعمرة وحدها فتمتُّعٌ، لكن بالشروط التي ستُذكر، بالحج وحده فهو مُفْرِد، بهما جميعًا هو قارِن، سنذكر الشروط.
لكن أقول: وجه انحصار الأنساك في هذه الثلاثة هو هذا؛ إما أن يُحْرِم بواحد، عمرة، أو حج، أو يقرِن بينهما؛ هذه الأنساك.
ويدل لهذا – أي: لتنوع الأنساك إلى هذه الثلاثة أنواع- حديث عائشة في مسلم قالت: حَجَجْنَا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنا مَنْ أهلَّ بحج، ومنا مَن أهلَّ بعمرة، وأهلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج . ثم فصَّلت.
قولها: (بالحج) يُحْمَل على أنه بالحج من حيث الأفعال، لا من حيث الأحكام؛ لأنه كان قارِنًا.
وقيل: أحرم بالحج أولًا ثم أردفه بالعمرة، وسنذكر هذا إن شاء الله تعالى في صفة القِرَان، وهل يصح إدخال العمرة على الحج، أو لا يصح؟
قال: (أفضل الأنساك التمتع)، ما هو الدليل؟
الدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر أصحابه حين قضى من الطواف والسعي أن يَحِلُّوا ويجعلوها عمرة إلَّا مَن ساق الهدي، وكان سائقُ الهدي في تلك الحجة قليلين، هذا الدليل.
وقد حتَّم الرسول عليه الصلاة والسلام في ذلك، أمر أصحابه حينما أكمل السعي قال: «مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً»، وقال: «اجْعَلُوهَا عُمْرَةً»، وقال: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَلَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ».
وراجعه الصحابة في ذلك، وقالوا: يا رسول الله، كيف نجعلها عمرة وقد سَمَّيْنَا الحج، يعني: لَبَّيْنَا بالحج، قال: «افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ»، حتى أوردوا عليه مسألةً يُسْتَحْيَا منها، لكن حملهم ما في نفوسهم على إيرادها، قالوا: يا رسول الله، نخرج إلى مِنى وذَكَرُ أحدنا يقطر مَنِيًّا؟ يعني من جماع أهله؛ لأنهم سيحلون الحل كله.
ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام أبى إلَّا أن يحتم عليهم أن يجعلوها عمرة، فجعلوها عمرة .
استدل الإمام أحمد رحمه الله في هذا الحديث على أن التمتع أفضل إلا مَن ساق الهدي، فإنه لا يمكن أن يتمتع؛ لأن مَن ساق الهدي لا يحل إلا يوم العيد، وحينئذٍ يتعذر التمتع.
وقول المؤلف: (أفضل الأنساك التمتع) أفادنا رحمه الله بكلمة (أفضل) أنه يجوز ما سوى التمتع، وليس التمتع بواجب، وهذا رأي جمهور أهل العلم؛ أن التمتع ليس بواجب.
وذهب بعض العلماء إلى أن التمتع واجب، وأن الإنسان إذا طاف وسعى للحج إذا لم يَسُق الهدي فإنه يحل؛ شاء أم أبى، وهذا رأي ابن عباس -رضي الله عنهما- يرى أن الإنسان إذا لم يَسُق الْهَدْي وأحرم بالحج في أشهر الحج فإنه لا يصح منه الحج، يجب أن.. أيش؟ يحل لتكون عمرة ويكون متمتعًا.
واستدل رضي الله عنه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وحَتْمه على الناس وغضبه لما تراخوا وصاروا يراجعونه .
وإلى هذا يميل ابن القيم -رحمه الله- فإنه في زاد المعاد مال إلى هذا الرأي، وأن التمتع واجب لمن لم.. أيش؟ لمن لم يَسُق الهدي، وذكر رأي شيخه -رحمه الله- وقال: أنا إلى قول ابن عباس أَمْيَل مني إلى قول شيخنا.
فخالف شيخه في هذه المسألة، ومال إلى قول ابن عباس، وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يناظر على هذه المسألة، حتى يقول: أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟ يوشك أن تنزل عليكم حجارةٌ من السماء ؛ لأن أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- يريان أن الإفراد أفضل من التمتع.
واختار شيخ الإسلام في قصة أمر الرسول عليه الصلاة والسلام للصحابة أن يجعلوها عمرة، وغضبه، وتحتيمه، قال: إن هذا الوجوب خاصٌّ بالصحابة رضي الله عنهم، وأما مَن بعدهم فتختلف الحال بحسب حال الإنسان، لا نقول: التمتع أفضل مطلقًا، ولا الإفراد، ولا القِرَان، انتبهوا.
شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إنه يجب على الصحابة الذين خاطبهم الرسول عليه الصلاة والسلام أن يجعلوها عمرة، أما مَن بعدهم فلا، وله دليل سمعي ونظري؛ أما السمعي يعني الأثري، فهو أن أبا ذر -رضي الله عنه- سُئل عن المتعة، هل هي عامة أو للصحابة خاصة؟ قال: بل لنا خاصة .
ويُحْمَل كلامه -رضي الله عنه- على أن الوجوب لهم خاصة، وإلا فلا يمكن أن يقول أبو ذر: لنا خاصة، والرسول عليه الصلاة والسلام سأله سراقة بن مالك بن جعشم قال: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: «بَلْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ» ، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام.
فخصوصية الحكم للصحابة إذا كان المقصود الوجوب فله وجه، أما إذا كان القصد، أو إذا كان المراد فسخ الحج مطلقًا فليس بصحيح، هذا دليل أيش؟ أثري سمعي لشيخ الإسلام ابن تيمية.
دليل نظري يقول: إن الصحابة خُوطِبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام مباشرة، وهذا أول شيء يقع الحِل من الحج في أشهر الحج، لو لم ينفذه الصحابة كان هذا وصمة عار للأمة، فيقال: إذا كان الصحابة رفضوا أمر الرسول مباشرة فنحن من باب أولى.
ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام يريد أن يقرر هذا الحكم، والتقرير بالفعل أقوى من التقرير بأيش؟ بالقول، فإذا تقرر بالفعل بقي الأمر على ما هو عليه أولًا، وهو أنه هو الأفضل، أو يختلف كما قال شيخ الإسلام باختلاف حال الإنسان.
وما قاله رحمه الله وجيهٌ جدًّا؛ أن وجوب الفسخ في ذلك العام الذي واجههم به الرسول عليه الصلاة والسلام حق، وأما بعد ذلك فليس بحق، وأظنه لا يخفى، لو كان الأمر واجبًا على أبي بكر وعمر، وهما مَن هما بالنسبة لقربهما من الرسول عليه الصلاة والسلام، ولفهمهما قوله، ومعلوم أن مَن كان أقرب إلى الإنسان كان أعرف الناس بقوله ومراده.
فالصحيح ما ذهب إليه شيخ الإسلام من حيث وجوب التمتع وعدمه، وأنه واجب على الصحابة لما علمتم، أما غيرهم فالمذهب أن التمتع أفضل مطلقًا، حتى مَن ساق الهدي فالتمتع في حقه أفضل، لكن كيف يعمل وهو لا يَحِلّ له أن يحلق إلا في يوم العيد، وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة: ١٩٦]؟
قالوا: إذا طاف وسعى لا يحل، ينوي أن العمرة انتهت، لكن لا يحل بالحلْق، فإذا كان يوم الثامن من ذي الحجة أحرم بالحج. وهذا لا شك أنه قولٌ ضعيف جدًّا، ولا تَأْتي، ما رأيت السُّنَّة أتت بمثله.
فالصواب أن مَن ساق الهدي لا يمكنه أن يتمتع؛ لأنه لا يمكن أن يحل، والتمتع لا بد فيه من حل
.
شيخ الإسلام يقول: لا نقول: التمتع أفضل مطلقًا، ولا القِرَان أفضل مطلقًا، ولا الإفراد أفضل مطلقًا.
يقول: مَن ساق الهدي فالأفضل له القِرَان؛ لأن التمتع في حقه متعذِّر، صح ولَّا لا؟ ما يمكن أن يتمتع، كيف يتمتع وهو ما حل؟! اللي ساق الهدي لا يحل إلا يوم العيد، فمتى يتمتع؟
ولأن هذا - أعني القِرَان مع سَوْق الهدي- فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فيكون موافقًا لفعل الرسول عليه الصلاة والسلام، فالقِرَان إذن أفضل.
المعنى الثالث: أنه يجمع بين الحج والعمرة، يجمع بين نسكين، مع أنه لو أَفْرَد وهو قد ساق الهدي صح، لكن القِرَان أفضل لهذه الوجوه الثلاثة.
يقول: فإن كان قد اعتمر قبل أشهر الحج ولم يَسُق الهدي، فالأفضل له الإفراد، سواءٌ اعتمر قبل أشهر الحج وبقي في مكة حتى حج، أو اعتمر قبل أشهر الحج ورجع إلى بلده ثم عاد إلى مكة، فإن الأفضل الإفراد، حتى إنه قال: إن هذا بلا خلاف، قال: هذا بلا خلاف أن الأفضل الإفراد؛ لأنه يأتي بالعمرة في سَفْرَةٍ مستقلة، وبالحج في سَفْرَةٍ مستقلة.
المسألة الآن لها صورتان؛ الصورة الأولى: أتى بالعمرة قبل أشهر الحج وبقي في مكة حتى حج، فهذا لا شك أن الإفراد أفضل له، يعني لا يمكن أن يتمتع، التمتع لا بد يأتي بالعمرة من الميقات، وهنا في مكة ليس له عمرة من الميقات، هنا نقول: هذه الصورة واضحة من كلام شيخ الإسلام، وربما يكون قوله فيها صوابًا.
الصورة الثانية: يعتمر قبل أشهر الحج، ثم يرجع إلى بلده، ثم يعود إلى مكة. يقول: الأفضل ألَّا يُحْرِم بعمرة، يُحْرِم مفرِدًا، ويقول: إن هذا بلا خلاف، فإن صح الإجماع فليس لنا أن نخالفه، وإن لم يصح الإجماع فإنه يقال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه في حجة الوداع أن يجعلوها عمرة إلا مَن ساق الهدي ، ولم يقل: ومن اعتمر منكم قبل أشهر الحج فليَبْقَ على إحرامه، مع أنه يوجد في الصحابة مَن -فيما يظهر أنه يوجد فيهم- اعتمر قبل أشهر الحج.
فلذلك هذه المسألة مشكلة عليَّ من كلام شيخ الإسلام، وليس المشكل عليَّ أنه ذهب إليها؛ لأنه -رحمه الله- معروف بقوة استدلاله وفهمه وعقله، لكن المشكل عليَّ قوله: إن هذا بلا خلاف (...).

طالب: بالنسبة لمن ساق الهدي يا شيخ ثم مات عليه الهدي في مكة، وأرد أن يُكْمِل الـ..
الشيخ: أن يتمتع.
الطالب: أن يتمتع، هل يجزئه الهدي يا شيخ؟
الشيخ: هذا يُنْظَر، إن تلف بغير فعله وتفريطه سقط سَوْقُه وله أن يحل، وإن كان هو الذي أتلفه وجب عليه بدله، وحينئذٍ لا يحل.


طالب: (...).
الشيخ: لا، ما هو مثل هذا؛ لأن الشهر يشمل التسع والعشرين والثلاثين.
الطالب: لكن ما نوى (...).
الشيخ: ويش ما نوى؟
الطالب: ما نوى هل هو الشهر مثلًا التسع والعشرين أو الثلاثين.
الشيخ: لا، هو شهر، نوى شهرًا، وكون عدده تسعًا وعشرين أو ثلاثين هذا عند الله.

طالب: يا شيخ، حديث الرجل الذي حج عَن شُبْرُمَة، يقول: لبيك حجة عَن شُبْرُمَة .
الشيخ: نعم.
الطالب: أجبتم بأن ظاهر وصول الرجل إلى مكة بأنه ليس فقيرًا، والفقير قد قررتم بأنه إذا سافر على نفقته (...) ولم يستفسر النبي صلى الله عليه وسلم منه: هل أنت فقير؟ هل أنت ممن وجبت عليه؟
الشيخ: ما الذي أوصله إلى مكة إلا القدرة.
الطالب: لعله مَن حج عنه.
الشيخ: لا، هو هذه ما هي معروفة في السلف، يعني كونهم يعطون الذي يحج شيئًا ما هو معروف عنهم.
الطالب: إي، ما سأل.
الشيخ: ما هي معروفة أصلًا، يسأل عن شيء غير معروف!!!

الطالب: يا شيخ، لو هناك نقل لشيخ الإسلام آخر بالنسبة للإفراد.
الشيخ: أيش؟
الطالب: لشيخ الإسلام قول آخر في مسألة الإفراد، وأن الأفضل الإفراد (...) التمتع حتى ولو حج.
الشيخ: حتى ولو اعتمر.
الطالب: إي نعم؛ (...) الفتاوى يقول: مَن سافر سفرة واحدة واعتمر فيها، ثم أراد أن يسافر أخرى للحج فتمتُّعُه أفضل من الحج، فإن كثيرًا من الصحابة الذين حجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم كانوا قد اعتمروا قبل ذلك، ومع هذا أمرهم بالتمتع ولم يأمرهم بالإفراد.
الشيخ: نعم، والله هذا هو الموافق، لكنه صرَّح بمنسكه بما ذكرتُ لكم، وكذلك في الفتاوى أيضًا، أظنه حتى في الفتاوى قال هكذا.
الطالب: إي نعم، هو في الفتاوى (...).
الشيخ: لكن هذا هو اللائق به، الواقع القول الثاني هذا هو اللائق به؛ أنه إذا أفرد العمرة بسفر، ثم عاد من بلده إلى مكة في أشهر الحج فإننا نستحب له أن يتمتع؛ لظاهر أمر الرسول عليه الصلاة والسلام.
طالب: وجه أخير (...).
الشيخ: والله هذا هو المشكل (...).

***

طالب: .. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى: وَصِفَتُه أن يُحْرِم بالعُمرة في أشهرِ الحج، ويَفْرغَ منها ثم يحرِمَ بالحجِّ في عامِه، وعلى الأُفُقِيِّ دمٌ، وإن حاضت المرأةُ فخشيتْ فواتَ الحجِّ أَحْرَمَتْ به وصارت قارنةً.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، فيما سبق فهمنا أن الأنساك ستة..
طالب: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: التمتع والقِران والإفراد.
الشيخ: التمتع والقِران والإفراد، تمام، ما هو أفضل هذه الأنساك؟
طالب: التمتع.
الشيخ: التمتع؟
الطالب: لكن قال شيخ الإسلام..
الشيخ: اصبر اصبر، لا ما بعد وصلنا إلى ذكر الخلاف، ما هو الدليل على أنه أفضل؟
الطالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة بأن يَحِلُّوا.
الشيخ: يَحِلُّوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة ، تمام، فيه أيضًا مرجِّح آخر؟
طالب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ».
الشيخ: أن الرسول قال: «لَوِ اسْتَقْبَلتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ، وَلَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» .
طالب: لأنه يا شيخ يعمل أعمالًا كثيرة أكثر من..
الشيخ: أكثر عملًا من غيره؛ لأن فيه طوَافَيْن وسَعْيَيْن.
طالب: أنه أيسر وأسهل للحاج.
الشيخ: أيسر وأسهل؛ حيث إن الإنسان يتمتع بين العمرة والحج بمحظورات الإحرام.
طالب: لقوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [البقرة: ١٩٦].
الشيخ: نعم، أنه النسك المذكور في القرآن، لكن هذا قد ينازع فيه منازع، يقول: إن الله ذكره من أجل ما يترتب عليه من الحكم.
طالب: حديث عمران يا شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: حديث عمران في توقيت التمتع قال (...).
الشيخ: إي نعم، هذا استدلال على الجواز، على كل حال هو أفضل للوجوه الثلاثة؛ أن الرسول أمر به، أنه أسهل على المكلَّف، أنه أكثر عملًا.
طالب: (...).
الشيخ: يدخل فيها القِرَان، هذه ثلاثة، هل التمتع أفضل مطلقًا، أم يعارضه غيره في بعض الأحوال؟
طالب: بارك الله فيكم، على خلاف.
الشيخ: كلام المؤلف؟
الطالب: على كلام المؤلف أنه أفضل مطلقًا إلا لِمَن ساق الهدي.
الشيخ: كلام المؤلف؟
الطالب: كلام المؤلف أن التمتع..
الشيخ: أفضل الأنساك التمتع.
الطالب: نعم، على كلام المؤلف أن أفضل الأنساك التمتع.
الشيخ: في كل حال؟
الطالب: إلا لمن ساق الهدي.
الشيخ: أين في كلامه: (إلا لمن ساق الهدي)؟
الطالب: لا، ما أدري.
الشيخ: ما تدري؟! كيف تحكم على ما لا تدري؟!
طالب: أفضل مطلقًا.
الشيخ: مطلقًا، حتى مَن ساق الهدي.
الطالب: نعم.
الشيخ: ما تقولون؟
الطلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، نحن قلنا هكذا، كيف يمكن أن يتمتع وقد ساق الهدي؟
طالب: يتحلل من العمرة ويجعلها (...).
الشيخ: كيف؟ الله يقول: لَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّه [البقرة: ١٩٦]!! فمن ساق الهدي لا يمكن أن يحل إلا يوم العيد، ولو كان يمكن أن يحل لحل الرسول عليه الصلاة والسلام وزال الإشكال.
الطالب: على كلام المؤلف؟
الشيخ: إي على كلام المؤلف.
طالب: إذا كان ذهب الهدي معه من غير تفريط منه..
الشيخ: لا، لا ما هو هذه.
طالب: يطوف ويسعى للعمرة ويظل على إحرامه إلى يوم العيد.
الشيخ: تمام، يطوف ويسعى للعمرة ويظل على إحرامه إلى يوم العيد، والحقيقة أنه على هذا لم يحصل له تمتع، أين التمتع؟
طالب: (...).
الشيخ: ما في السؤال، أفضل الأنساك التمتع، ما هو رأي شيخ الإسلام في هذه المسألة؟ هل أفضل الأنساك التمتع مطلقًا، أو عنده تفصيلٌ في هذا؟
طالب: عنده تفصيل.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: (...) أن التمتع أفضل لمن لم يَسُق الهدي.
الشيخ: ومَن ساق الهدي؟
الطالب: كان القِران أفضل.
الشيخ: كان القِران أفضل، هذه واحدة.
طالب: أنه إذا فعل العمرة قبل أشهر الحج وبقي في مكة فالإفراد أفضل له.
الشيخ: وكذلك إن أنشأ سَفَرًا للحج..
الطالب: إن أنشأ سفرًا على رأي شيخ الإسلام أن الإفراد أفضل.
الشيخ: فالإفراد أفضل، لكن ذكر لنا بعض الإخوان البارحة أن كلام شيخ الإسلام اختلف في هذه المسألة. هل الإفراد متعذِّر في هذا الوقت؟
طالب: لا، غير متعذِّر.
الشيخ: غير متعذِّر، خلافًا لبعض المعاصرين، قال: الإفراد متعذِّر، وعنده أنه إن ساق الهدي فالقِرَان، وإن لم يسق الهدي فالتمتع، ولا إفراد، لكن هذا قولٌ ضعيفٌ جدًّا؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر كلهم أَمَرُوا بالإفراد
.
بل في حديث عائشة الذي أخرجه مسلم، أن الناس أحرموا مع الرسول عليه الصلاة والسلام، منهم مَن أَهَلَّ بحج، ومنهم مَنْ أَهَلَّ بعمرة، ومنهم مَنْ أَهَلَّ بحج وعمرة ، لما قَدِمَ مكة أمر مَن لم يَسُق الهدي أن يجعلها عمره، فشمل مَن؟ القارِن والمفرِد اللذين لم يسُوقَا الهدي أن يجعلوها عمرة، وأما مَن ساق الهدي فيبقى على إحرامه.
وظاهر الحديث حتى المفرِد يبقى على إحرامه إذا كان قد ساق الهدي، وهذا القول هو الصحيح وهو الذي عليه عمل الناس
.

***

ثم قال: (وَصِفَتُهُ) صفة التمتع: (أن يُحْرِم بالعُمرة في أشهرِ الحج ويَفْرُغَ منها، ثم يُحْرِمَ بالحجِّ في عامِه)، انتبهوا للشروط.
لا يكون الحج تمتعًا إلا إذا جمع هذه الأوصاف؛ أن يُحْرِم بالعمرة في أشهر الحج، وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، فمن أحرم بالعمرة في رمضان وأتمها في شوال لم يكن متمتعًا، لماذا؟ لأنه لم يُحْرِم بها في أشهر الحج.
الشيخ: ومَن أَحْرَم بها في شوال لم يكن متمتعًا.
طلبة: لا (...).
الشيخ: لماذا؟
الطلبة: لأنه أحرم بها في أشهر الحج.
الشيخ: لأنه أحرم بها في أشهر الحج، ومَن أحرم بها في رمضان، وأتمها في رمضان، وبقي إلى الحج فليس بمتمتع.
إذن ثلاث صور: أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج وأتمها في أشهر الحج، أحرم بالعمرة في أشهر الحج، أحرم بالعمرة وأتمها قبل أشهر الحج.
الشيخ: مَن الذي لا يكون متمتعًا؟
طلبة: الأول والثاني.
الشيخ: الأول والثاني، الذي أحرم بالعمرة في رمضان وأتمها..
طلبة: (...).
الشيخ: الذي أحرم بالعمرة في رمضان وأتمها في شوال، هذا غير متمتع، الذي أحرم بالعمرة في رمضان وأتمها في رمضان غير متمتع، الذي أحرم بالعمرة في شوال وأتمها في شوال متمتع، هذه واحدة.
ثانيًا: (ويَفْرُغَ منها)، يفرغ من العمرة بالطواف والسعي والتقصير، وهنا التقصير أفضل من الحلق؛ لسببين:
الأول: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أَمَرَ به مَن لم يَسُق الهدي أن يُقَصِّر.
والثاني: أنه من أجل أن يبقى للحج ما يُحْلَق أو يُقَصَّر، ولو أنه حَلَقَ والمدة قصيرة لم يتوفر الشعر للحج.
(يَفْرُغَ منها ثم يُحْرِمَ بالحجِّ في عامِه)، (ثم) يعني بعد الفراغ منها والإحلال والتمتع بما أحل الله له، (يُحْرِم بالحج في عامه)، فإن أتى بالعمرة في أشهر الحج عام ثلاثة عشر، وحج عام أربعة عشر، ما تقولون؟
طلبة: ليس متمتعًا.
الشيخ: ليس متمتعًا؛ لأنه لا بد أن يُحْرِم بالحج في عامه، هذا هو المتمتع.
بقينا بالقِرَان؛ القِرَان له صورتان أو ثلاث صور؛ الصورة الأولى: أن يُحْرِم بالحج والعمرة معًا، فيقول: لبيك عمرة وحجًّا، أو لبيك حجًّا وعمرة. قالوا: والأفضل أن يقدِّم العمرة في التلبية، فيقول: لبيك عمرةً وحجًّا؛ لأنها سابقة على الحج.
الصورة الثانية: أن يُحْرِم بالعمرة وحدها، ثم يُدخِل الحج عليها قبل الشروع في الطواف، أن يحرم بالعمرة أولًا ثم يُدْخِل الحج عليها قبل الشروع في الطواف.
الصورة الثالثة: أن يُحْرِم بالحج أولًا، ثم يُدخل العمرة عليه، وهذه الصورة مختلف فيها؛ فأجازها كثير من أهل العلم، ومنعها آخرون.
فالصور الآن كم؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: أن يُحْرِم بهما جميعًا، أن يُحْرِم أولًا بالعمرة ثم يُدخِل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، أن يُحْرِم بالحج أولًا ثم يُدخل العمرة عليه، هذه ثلاث صور.
الصورة الأولى دليلها أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل، وقال: «صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ -أَوْ قَالَ:- عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ» .
هذا الإحرام بهما معًا، دليله: «صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ، أَوْ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ».
دليل الثاني: أن يُحْرِم أولًا بالعمرة ثم يُدخِل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، ما حدث لعائشة رضي الله عنها حين أحرمت بالعمرة وحاضت بِسَرِف، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تُهِلَّ بالحج، وأمره بإهلالها بالحج ليس إبطالًا للعمرة، بدليل قوله: «طَوَافُكِ بِالْبَيتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِعُمْرَتِكِ وَحَجِّكِ» .
وهذا يدل على أنها لم تُبْطِل العمرة؛ لأنها لو أبطلت العمرة لقال: طوافك بالبيت وبالصَّفا والمروة يسعك لحجك فقط، إذن هذا الدليل.
وإذا تأملت الدليل قد تعارِض وتقول: الدليل أَخَصُّ من المدلول، ولا يصلح الاستدلال بالأخص على الأعم، والعكس صحيح، كلام معلوم ولَّا؟
طالب: (...).
الشيخ: نحن قلنا: الصورة الثانية أن يُحْرِم بالعمرة ثم يُدخل الحج عليها، واستدللنا بأيش؟ بحديث عائشة؛ أنها حاضت قبل أن تصل مكة، فأمرها الرسول صلى الله عليه وسلم أن تُحْرِم بالحج، وجعلها قارِنة.
الدليل الآن إنما وقع في حالٍ تشبه الضرورة؛ لأن عائشة في هذه الحال لا يمكن أن تُكَمِّل العمرة وهي حائض، صحيح؟
طالب: نعم.
الشيخ: صحيح.
فإن قال قائل: أفلا يمكن أن تطهر قبل الخروج إلى منى؛ لأنهم وصلوا اليوم الرابع؟
قلنا: بلى، يمكن، لكن الأمور الشرعية مبناها على الظن، على غلبة الظن، وهي عارفة نفسها أنها تأتيها الحيضة مثلًا لمدة ستة أيام، ولا تتمكن من العمرة قبل الخروج إلى الحج.
فإذن حديث عائشة في حال الضرورة، فهل نستدل به على حال السعة، ونقول: الإنسان يجوز إذا أحرم بالعمرة أن يُدْخِلَ الحج عليها ليكون قارِنًا؟
طالب: (...).
الشيخ: الفقهاء يقولون: يجوز، لكن في النفس من هذا شيء؛ لأننا نقول: إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام أمر مَن أَحْرَمَ بالحج ولم يَسُق الهدي أن يجعله عمرة، فكيف نجعل العمرة حجًّا؟ وهل هذا إلا خلاف ما أمر به الرسول؟ لأنك إذا جعلت العمرة حجًّا ماذا تصنع؟ ستبقى في إحرامك إلى يوم العيد، أهكذا؟
نحن قلنا: إن الدليل أخص من المدلول، كيف كان أخص؟ المدلول عام، في حال العذر وفي حال عدم العذر، الذي حكمنا به، والدليل خاص في حال الضرورة والعذر.
الصورة الثالثة، ما هي؟ أن يُحْرِم بالحج أولًا ثم يُدْخِل العمرة عليه، وهذا مُخْتَلَف فيه، فالمشهور عند الحنابلة -رحمهم الله- أن هذا لا يجوز؛ لأنه لا يصح إدخال الأصغر على الأكبر، وهذا فيمن أراد أن يكون قارِنًا، أما مَن حوَّل الحج إلى عمرة ليصير متمتعًا فهذا واضح أنه جائز، لكن هذا أحرم بالحج ثم أدخل العمرة عليه ليبقى على إحرامه إلى يوم العيد فيكون قارِنًا.
فعندنا -عند الحنابلة- لا يصح الإحرام بالعمرة ويبقى على حجه، لكن عندهم أنه يُسَنّ أن يفسخ الحج ليجعله عمرة ويكون متمتعًا إذا لم يَسُق الْهَدْي.
والذين قالوا بالجواز قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم أولًا بالحج كما قالت عائشة: وأَهَلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج، ثم جاءه جبريل وقال: صَلِّ في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة، أو عمرة وحجة ، فأمره أن يُدْخِل عمرة على الحج، وهذا يدل على إدخال العمرة على الحج.
والقول بأنه لا يصح إدخال الأصغر على الأكبر مجرد قياس فيه نظر؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وقال: «إِنَّ الْعُمْرَةَ حَجٌّ أَصْغَرُ» ، فلا مانع ولا تناقض، وهذا القول كما ترون دليله قوي؛ أنه يصح إدخال العمرة على الحج.
فإذا قالوا: إنه لا يستفيد بذلك شيئًا؟ قلنا: يستفيد، بدل أن كان أتى بنسك واحد، أتى الآن بنسكين.
الإفراد، يقول الإفراد أن يُحْرِم بالحج مفرَدًا، وله صورة واحدة فقط، كالتمتع ليس له إلا صورة واحدة، ما هو؟ أن يُحْرِم بالحج مفرَدًا فيقول: لبيك حجًّا، فقط.
وأيهما أفضل، الإفراد أو القِرَان؟
إن ساق الهدي فلا شك أن القِرَان أفضل، وكذا إن لم يَسُق الهدي، القِران أفضل؛ لأنه يأتي بنُسُكين، بخلاف الإفراد.
وهل يُشْتَرَط في الإفراد أن يُحْرِم بالعمرة بعده؟ لا، ليس بشرط، إذا أتى بالحج وحده فسواءٌ اعتمر بعد ذلك أم لم يعتمر.
وما يوجد في بعض كتب المناسك أن يُحْرِم بالحج مفرَدًا، ثم يأتي بعمرة بعده، فهو بِناء على مشروعية العمرة بعد الحج، وعلى أناس لا يستطيعون أن يَصِلُوا إلى البيت، فيأتون بالعمرة بعد الحج لأداء أيش؟ لأداء الفريضة، والعمرة بعد الحج غير مشروعة، كما تقدم لنا، أو يأتي إن شاء الله تعالى.
فصار الآن القِران له ثلاث صور، التمتع صورة واحدة، الإفراد صورة واحدة.
قال المؤلف: (وَعَلَى الأُفُقِيِّ دَمٌ).
(عَلَى) هنا للوجوب، و(الأُفُقِيّ) نسبة إلى الأُفُق، ويقال: الآفَاقِي نسبة إلى الآفاق، والأرجح لغةً أن يقول: الأُفُقِيّ، نسبة إلى المفرَد؛ لأن هذا هو الأصل في النسبة.
(عَلَى الأُفُقِيِّ دَمٌ)، مَن الأفقي؟
الأفقي: مَن لم يكن حاضر المسجد الحرام، مَن لم يكن مِن حاضري المسجد الحرام؛ هذا الأفقي، ودليل ذلك قول الله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٦].
أَهْلُهُيعني: سكنه؛ لأن السكن يتأهل فيه الإنسان.
حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وحينئذٍ نقول: مَن حاضرو المسجد الحرام؟ مَن هم؟
قيل: حاضرو المسجد الحرام مَنْ دون المواقيت، وعلى هذا فيختلف الناس في ذلك اختلافًا كبيرًا، فالذين من طريق المدينة قد يكون بينهم وبين مكة سبعة أيام، ثمانية أيام، وكلهم من حاضري المسجد الحرام، والذين في قَرْن المنازل ليس بينهم وبين مكة إلا يومان، وهذا القول فيه نظر، وفيه ضعف.
وقيل: إن حاضري المسجد الحرام هم أهل مكة فقط؛ لأن حاضر الشيء المقيم فيه، ومَن كان خارج مكة فليس من حاضري المسجد الحرام.
وعلى هذا فمَن سَكَنُهُ في عرفة مثلًا فليس.. أيش؟ ليس من حاضري المسجد الحرام، ومَن سَكَنُهُ في مزدلفة ليس من حاضري المسجد الحرام؛ لأنه ليس من أهل مكة، أهل مكة فقط البناء.
وقيل: إن حاضري المسجد الحرام أهل الحرَم، لا أهل مكة، وعلى هذا فكل مَن كان داخل الأميال فهم حاضرو المسجد الحرام.
فأهل منى من حاضري المسجد الحرام، أهل عرفة لا، ليسوا من حاضري المسجد الحرام.
وقيل: إن حاضري المسجد الحرام هم أهل الحرَم، ومَن بينهم وبينه دون مسافة القَصْر؛ لأن مَن دون المسافة يُعْتَبَر من أهل البلد.
ولكن أقرب الأقوال أن نقول: حاضرو المسجد الحرام هم أهل مكة أو أهل الحرَم، يعني: من كان من أهل مكة ولو كان في الحِلّ، أو مَن كان في الحرَم.
طالب: (...) بعضهم يعني.
الشيخ: من كان، أنا أقول: أحسن ما يقال: إنهم أهل مكة أو أهل الحرم، فمن كان من أهل مكة وهو خارج الحرم فهو من حاضري المسجد الحرام، صح؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح، الآن في التنعيم، التنعيم متصِل بمكة الآن، متصِل بمكة تمامًا، بل فيه الآن بيوت من وراء التنعيم، يعني أصبح التنعيم داخل مكة، مع أنه من الحِلّ، وهنا يمكن أن يُلغِز بها مُلغِز، فيقول: هناك شجرٌ في مكة أنبته الله يجوز أن نَحُشَّه، أو ما يصح؟
الطلبة: نعم، يصح.
الشيخ: يصح؛ لأنه خارج الحرم، وهناك صيد في مكة يجوز أن نصيده، قد يقول قائل: كيف هذا؟! الرسول حرَّم شجر مكة ؟ لكن نقول: هذه مكة امتدت الآن، خرجت عن الحرم.
إذا كان داخل الأميال لكن خارج مكة يعتبر من حاضري المسجد الحرام؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، إذن هذا القول الذي تطمئن إليه النفس، أنهم أهل مكة أو أهل الحرم، يعني: الأبعد من الطرفين، الأبعد من الحرم أو مكة هم حاضرو المسجد الحرام، ومَن عداهم فليسوا من حاضري المسجد الحرام.
إذن الآفاقي على كلام المؤلف نقول: هو مَن كان خارج مكة وخارج الحرَم، على القول الصحيح
.
وقول المؤلف: (دَمٌ)، كلمة (عليه دمٌ)، الدم يُطْلَق على الذبيحة هنا، ولو أن المؤلف قال: هَدْي، لكان أجود، لماذا؟ ليطابق الآية: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦]، ولكن هذا الهدي هل له شروط أو لا؟
نعم له شروط؛ لا بد أن يبلغ السن المعتبَر شرعًا، وهو أن يكون ثَنِيًّا، أو جَذَعًا، فالْجَذَع من الضأن، والثَّنِيُّ مما سواه؛ من المعز والبقر والإبل.
دليل ذلك ما رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً - أي: ثَنِيَّةً - إِلَّا أَنْ تَعْسُرَ عَلَيكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ» .
فأجاز الرسول عليه الصلاة والسلام ذَبْحَ الجذعة من الضأن إذا تَعَذَّرَت الْمُسِنَّة، ولو كانت لا تجزي ما استثناها.
ولا بد أن يكون الْهَدْي سليمًا من العيوب المانعة من الإجزاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: ماذا يُتَّقَى من الضحايا؟ فقال: «أَرْبَعًا -وأشار بأصابعه- الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ضَلَعُهَا، وَالْعَجْفَاءُ - الْهَزِيلَةُ - الَّتِي لَا تُنْقِي» .
لكن لو قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: ماذا يُتقى من الضحايا؟!
فنقول: إن التخصيص هنا تخصيص زماني ومكاني؛ لأنهم سألوه في المدينة، والمدينة ما فيها هَدْي، فلما أمرنا أن نتقي هذه الأشياء عُلِم أن المصاب بهذه الأمراض لا يَصِحُّ أن يكون قُرْبَة، هذا هو الدليل.
فنقول أيضًا: يُتَّقَى من الهدايا هذه الْمَعِيبَات الأربعة، طيب، هل يُشْتَرَط الوقت؟ أن يكون في زمن الذبح؟
في هذا خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: يُشْتَرَط، وأنه لا يُذْبَح دم المتعة إلا في الوقت الذي تُذبَح فيه الأضاحي، وهو يوم العيد، وثلاثة أيام بعده، ومنهم من قال: يجوز تقديم الذبح بعد الإحرام بالعمرة، فيُذبح الهدي ولو قبل الخروج إلى منى للحج.
قالوا: لأن الصيام لمن لم يجد الهدي يجوز أن يكون قبل الخروج إلى الحج، مع أنه بدل، فإذا جاز في البدل فالأصل من باب أولى، وهذا هو المشهور عند الشافعية، ويأخذ به كثير من الحجاج اليوم؛ لأنهم يشاهدون الهدايا في منى تُرمى إلا بعد المشروع الجديد، فصاروا يأخذون به.
وتَوسَّع بعض رؤساء الحملات في هذا، فقال: يجوز أن يُذبح الهدي من حين أن يسافر الإنسان من بلده ولو قبل الحج بعشرة أيام أو عشرين يوم، وقال للحملة: اذبحوا كل يوم عشرة شياه اجعلوها هديًا لكم، وهذا جائز، أنتم شرعتم في الحج، نعم، فأفتى نفسه فتيا علَّامة الإسلام، نعم، لماذا؟
ليسلم من تمويلهم باللحم، وهذا هو الواقع، هذا شيء وقع وسُئلنا عنه في عرفة، حَمْلة جاءت من بلد ما فقالوا: إن صاحب الحملة قال: إن هديكم يجوز أن يقدَّم من حين خروجكم من بلدكم، كل يوم اذبحوا عشر هدايا، نعم، وكأنه يستدل بقوله تعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّه [النساء: ١٠٠]!!
على كل حال هذا لا يصح، ولا قال به أحد من أهل العلم، ولا يجوز الْفُتْيَا به، والصحيح أنه يشترط الزمان، وأن هَدْي التمتع لا بد أن يكون في أيام الذبح؛ يوم العيد وثلاثة أيام بعده.
والدليل على هذا أنه لو كان يجوز أن يقدَّم ذبح الهدي على يوم العيد لفعله النبي عليه الصلاة والسلام وحل المشكلة؛ لذبح هديه حين قدم في اليوم الرابع وحلَّ، ولكنه قال: «لَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» ولا نحر إلا يوم العيد.
إذن انتبهوا، الصحيح أنه لا يُجزئ ذبح هدي التمتع إلا في زمن الذبح.
وهل له من مكان؟ نعم، إذن صار في هذه الناحية أضيق من الأضحية؛ الأضحية تصح في كل مكان، لكن هدي التمتع أضيق، لا يصح إلا في الحرَم.
فلو ذبح هديه في عرفة لم يجزئه، حتى لو دخل به إلى منى، وقد فعل ذلك بعض الناس في العام الماضي، عام اثني عشر وأربع مئة وألف، فذبحوا هداياهم في عرفة ودخلوا بها إلى منى، وهذا لا يجزئ؛ لأن مكان ذبح الهدي في الحرَم.
لكن قال الإمام أحمد: مكة ومنى واحد، واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» .
الشيخ: إذن، صار لا بد في هدي التمتع من شروط أربعة؟
طالب: شروط التمتع؟
الشيخ: نعم، شروط هدي التمتع؟
الطالب: الزمان والمكان (...).
الشيخ: أنت بدأت من الأسفل! لو بدأت من فوق يمكن يسهل عليك.
الطالب: الزمان، والمكان، والسلامة من العيوب، والرابع..
الشيخ: وبلوغ السن.
الطالب: وبلوغ السن.
الشيخ: فيه شرطٌ خامس؛ أن يكون من بهيمة الأنعام، فلو أهدى بفرس لم تجزئ، فصارت شروط هدي التمتع خمسة: أن يكون من بهيمة الأنعام، وأن يبلغ السن المعتَبَر شرعًا، وأن يكون سليمًا من العيوب، وأن يكون في زمن الذبح، وأن يكون في الحرم، خمسة شروط، هذا قول المؤلف: (وعلى الأُفُقِيّ دم).
طالب: إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة حينما أمرها أن تدخل الحج على العمرة، قلت يا شيخ: إن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما أرشدها كان في حال ضرورة، ولكن هنا الرسول صلى الله عليه وسلم أطلق، وقال: «يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» ، وهذا الكلام يعم.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: والإطلاق يعم.
الشيخ: لا، هو يعم حالة مخصوصة، لاحظ هذه المسألة ترى مفيدة في علم الأصول: إن العموم في حالة مخصوصة يكون عمومًا في هذه الحالة المخصوصة، فمثلًا لما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم رجلًا مُظَلَّلًا عليه وعليه زحام، قال: «مَا هَذَا؟» قالوا: صائم، قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» .
فهل نقول هذا العموم: « لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ » عامٌّ لكل إنسان، في أي حال؟ لا، يختص بمن حاله مثل هذا، لكنه لا يختص بهذا الرجل، بل هو عامٌّ له ولمن كان في مثل حاله
.

طالب: (...).
الشيخ: أجزأه نعم، نكتة طريفة: كنا نُقَرِّر في أيام التوعية أن الهدي لا بد أن يكون قد بلغ السن المعتبر شرعًا، فقام رجل من السودان فرفع يده، فقلنا: تفضل، قال: إنه يجزئ الصغير ولو لم يكن له إلا شهرٌ واحد. ويش الدليل؟ قال: لأن الله قال: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦]، فَمَا اسْتَيْسَرَ، فإذا لم يتيسر لك إلا شيء صغير فإنه يمشي، يجزئ. فماذا نقول؟
طالب: السنة اللي قيَّدت.
الشيخ: نقول: إن الله قال: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة: ١٩٦]، (أل) للعهد الذهني، أي: الهدي الشرعي، والهدي الشرعي هو الذي بلغ السن.

(...)
طالب: الهدي لماذا لا نجعله مُرَتَّبًا، من الثني، ثم ننتقل إلى الجذعة (...)؟
الشيخ: نعم، الثَّنِيَّة أفضل من الجذعة.
الطالب: يعني مرتَّب (...).
الشيخ: الرسول قال: «إِلَّا أَنْ تَعْسُر» ، لو قال: إلا ألَّا تجدوا.
الطالب: إذن الأصل أنه يذبح الثنية، فإذا ما استطاع..
الشيخ: إذا تَعَسَّر، ما هو بإذا ما استطاع، إذا تعسَّر ذبح جذعة.

طالب: بالنسبة للمحرِم إذا أراد أن يُدْخِل العمرة على حجه، الراجح في هذا ما (...)؟
الشيخ: ويش قلنا؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، هذا قلنا قول فيه.
طالب: (...).
الشيخ: يكفي هذا يكفي، نعم.
طالب: يا شيخ، ألا يمكن الاستدلال بهذا القول، بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بأن يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة وكان منهم المفرِد، فإذا كانوا مفرِدين (...) يدخلون العمرة على الحج.
الشيخ: لا، أشرنا إلى هذا، قلنا: إن هذا ليس إدخال عمرة على حج، هذا فسخ حج إلى عمرة، يعني: لغى الحج، مَرَّ، إدخال العمرة على الحج أنه يبقى متلبِّسًا بالنسكين جميعًا.
طالب: هذا التمتع (...).
الشيخ: أيش؟
الطالب: أقول: بناءً على أن أشهر الحج هي نهاية ذي الحجة هل..
الشيخ: لا، ما يمكن؛ لأنه ورد تحديده، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ» ، وقال: «كُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» .

الطالب: وما الفائدة يا شيخ (...)؟
الشيخ: ذكرناها يا شيخ.
الطالب: لا، يعني ما الفائدة بالنسبة لهذه؟
الشيخ: ذكرناها، ما ذكرناها يا جماعة؟ قلنا: تأخير طواف الإفاضة، وتأخير الحلق أو التقصير.
طالب: وفي الأيْمان.
الشيخ: وكذلك في الأيْمان ذكرناها (...).

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله: وإن حاضت المرأةُ فخشيتْ فواتَ الحجِّ وأَحْرَمَتْ به وصارت قارنةً، وإذا استوى على راحلته قال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنِّعْمةَ لك والمُلكَ لا شريك لك، يُصَوِّت بها الرجلُ وتُخفيها المرأةُ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ما هي صفة التمتع؟
طالب: أن يُحْرِم (...).
الشيخ: بأيش؟
الطالب: بالعمرة.
الشيخ: بالعمرة في أشهر الحج، ثم يفرغ منها، وبعد ما يفرغ ويتحلل يُحْرِم بالحج. صورتها؟
طالب: صورة التمتع؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يُحْرِم.
الشيخ: لأ، ما هو معناه، صورتها؟ رجل.
الطالب: إي نعم، رجل نوى التمتع.
الشيخ: رجل وصل إلى الميقات.
الطالب: نعم، رجل وصل إلى الميقات فأحرم بنية عمرة، ثم قام بأداء مناسك العمرة.
الشيخ: اترك بأداء مناسك؛ لأن به تفصيلًا، ثم طاف.
الطالب: والسعي والحلق والتقصير.
الشيخ: والحلق والتقصير؟!
الطالب: نعم، الحلق أو التقصير، ثم يقوم بأداء مناسك الحج.
الشيخ: لا، لا.
الطالب: ثم يتحلل.
الشيخ: ثم يتحلل، الحِل َّ كله أو بعضه؟
الطالب: الحل كله.
الشيخ: نعم.
الطالب: ثم يقوم بأداء مناسك الحج.
الشيخ: فإذا كان اليوم الثامن؟
الطالب: نعم، خرج إلى منى.
الشيخ: أحرم بالحج، أحسنت، هذه صورتها، من الذي يَلْزَمُه الدم من المتمتعين؟
طالب: (...).
الشيخ: مَن؟ كل متمتع يلزمه دم؟ ما فيه شرط؟
طالب: يلزم الأفقي دم.
الشيخ: إي، يلزم الأفقي، يعني: الذي جاء عن طريق الأفق؟
الطالب: الذي جاء من خارج المواقيت.
الشيخ: من الأفقي؟
طالب: هو الذي يأتي من وراء المواقيت.
الشيخ: ليس من حاضري.
الطالب: المسجد الحرام.
الشيخ: ما هو الدليل على هذا؟
طالب: على إيه يا شيخ؟
الشيخ: على أنه لا يلزم الهدي إلا مَن ليس من حاضري المسجد الحرام؟
طالب: قوله تعالى.
الشيخ: قوله تعالى.
الطالب: (...).
الشيخ: كيف؟
الطالب: (...).
الشيخ: الدليل قوله تعالى في سورة البقرة في سياق آيات الحج، كَمِّل وضحتُ لك كثيرًا.
طالب: قال تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٦].
الشيخ: إذن الدليل قوله تعالى: ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٦]، مَن حاضرو المسجد الحرام؟
الطالب: مَن في الحِلّ.
الشيخ: يعني مَن خارج الحرم؟
الطالب: مَن خارج الحرم من أهل مكة.
الشيخ: كيف خارج الحرم وهم من أهل مكة؟
الطالب: (...).
الشيخ: يعني: هم أهل الحرم أو أهل مكة؟
الطالب: أهل مكة.
الشيخ: أهل مكة، الذين داخل الأميال لكنهم خارج مكة هل هم حاضرو المسجد الحرام؟
الطالب: إذا اتصلت البنيان.
الشيخ: إذا خرجت البنيان عن حد الحرم فهل الساكنون هناك من حاضري المسجد الحرام؟
الطالب: (...).
الشيخ: إذن، أعطنا عبارة نعرفها.
طالب: القول الصحيح يا شيخ.
الشيخ: القول الصحيح أنهم..
الطالب: أنهم من أهل مكة أو مَن في الحرم.
الشيخ: أو مَن في الحرم ولو كانوا خارج مكة، هذا أقرب ما يُقَال فيها
، والمسألة فيها خلاف ذكرناه لكم في الشرح.

***

قال المؤلف: (وعلى الأفقي دم).
وشرحنا الدم، وقلنا: الأولى بالمؤلف أن قال: الهدي، كما قال ربنا عزَّ وجل.
وقلنا: إن هذا الهدي لا بد فيه من أربعة أمور.
طلبة: خمسة.
الشيخ: ستة أمور.
الطلبة: خمسة.
الشيخ: خمسة أمور؟ إي نعم؛ بلوغ السن، والسلامة من العيوب، والزمان، والمكان، ومن بهيمة الأنعام، خمسة.
قال رحمه الله: (وعلى الأفقي دم).
وظاهر كلام المؤلف أن غير المتمتع لا يلزمه دم؛ لأنه قال في سياق التمتع: (وعلى الأفقي دم)، فهل هذا مراد أو لا؟
ظاهر كلام المؤلف أن الدم على المتمتع وحده، وثمة مفرِد وأيش؟ وقارِن، أما المفرِد فلا دم عليه.
أما القارن فظاهر كلامه رحمه الله أنه ليس عليه دم؛ لأن القارِن ليس بمتمتعٍ بهذا المعنى الذي قاله المؤلف، والمؤلف قال: (التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج).
ثم قال: (وعلى الأفقي دم)، وهذا الظاهر من كلام المؤلف هو ما ذهب إليه داود الظاهري، داود الظاهري من الظاهرية، وقال: إن الله قال: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [البقرة: ١٩٦]، فلا بد من تمتع فاصل بين أيش؟ بين العمرة والحج؛ لأن (إلى) للغاية، والغاية لا بد لها من ابتداءٍ وانتهاء، فلا بد أن يكون هناك تمتع بين العمرة والحج، أما القارِن فليس بين عمرته وحجه تمتع؛ لأنه سيظل محرِمًا إلى يوم العيد.
وهذا الذي ذهب إليه الظاهري هو ظاهر القرآن، ظاهر السياق: مَنْ تَمَتَّعَإِلَى، لو قال: من تمتع بالعمرة مع الحج، لقلنا: إن القارِن يدخل في ذلك؛ لأن القارِن في الحقيقة تمتع بالعمرة في ترك السفر لها سفرًا مستقلًّا، لكن لما قال: إِلَى الْحَجِّعلمنا أن هناك انفصالًا بين أيش؟ بين العمرة والحج.
ولهذا سأل ابنُ مَشِيش الإمامَ أحمد رحمه الله قال: أيجب على القارِن الهدي -أو قال: الدم- وجوبًا؟ قال: كيف يجب وجوبًا وقد قاسوه على المتمتع؟ كأنه رحمه الله يشير إلى أن وجوب الدم على القارِن إنما هو بأيش؟ بالقياس، وإذا كان بالقياس فلننظر هل هذا القياس تام، أو ليس بتام؟ لأن القياس التام لا بد أن يشترك فيه الأصل والفرع في العلة الموجِبة، ولّا لا؟
العلة الموجِبة للدم في التمتع الذي يكون فيه انفصال بين العمرة والحج هي أن الله يسَّر لهذا الناسك، يسَّر له أيش؟ تمتعًا تامًّا بين العمرة والحج، والقارِن ليس كذلك لا شك؛ لأنه سيبقى متمتعًا من حين أن يُحْرِم إلى يوم العيد، وإذا كان كذلك فإنه لا يصح القياس.
ولهذا نقول: إن ظاهر القرآن مع الظاهري؛ أن الدم لا يجب إلا على المتمتع فقط لا على القارِن والمفرِد.
ولكن مع هذا نقول: الأحوط للإنسان والأكمل لنُسُكه أن يُهْدِي؛ لأن من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام الإهداء التطوعي، فكيف بإهداءٍ اختلف العلماء في وجوبه؟! وكان أكثر العلماء على الوجوب، يكون هذا لا شك أولى وأبرأ للذمة وأحوط.
كم أهدى الرسول صلى الله عليه وسلم؟
طلبة: مئة.
الشيخ: بارك الله فيكم، لا إله إلا الله، سبع مئة.
الطلبة: مئة.
الشيخ: لا إله إلا الله، كم مئة بعير؟
الطلبة: سبع مئة.
الشيخ: سبع مئة شاة، وأنت الآن تشح على نفسك بشاة واحدة، اذبح الهدي ولو كنت قارِنًا، فإن كان قد وجب فقد أبرأت ذمتك، وإن لم يكن واجبًا فقد تقرَّبت إلى الله تعالى به.
يُشترط، المؤلف رحمه الله ما ذكر غير هذا الشرط، يُشترط ألَّا يسافر بينهما، أي: بين العمرة والحج، فيمكن أن يُؤْخَذ من قول المؤلف: (ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج)، فإن ظاهره أنه لا سفر، وإن كان ليس بذاك الظاهر القوي.
المهم أنه يُشترط ألَّا يسافر بين العمرة والحج، فإن أتى بالعمرة ثم عاد مثلًا إلى المدينة، ثم رجع من المدينة محرِمًا بالحج فقد سافر بينهما؛ لأن السفر من مكة إلى المدينة سفر بلا شك.
فهل يسقط الدم؟
ربما نقول: إن ظاهر كلام المؤلف أنه أيش؟ يسقط؛ لأن قوله: (يفرغ منها ثم يحرم)، ولم يقل: ولو سافر، وظاهر أنه يفرغ ثم يحرِم أن المسألة متوالية، أن هذا متوالٍ.
وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوالٍ تعتبر أصل الأقوال:
القول الأول: أن السفر لا يُسقط الهدي، طال أم قصُر، إلى بلد الحاج، أو إلى بلدٍ أخرى.
فعلى هذا لو أن الرجل أتى بالعمرة في أشهر الحج، وهو عازم على أن يحج هذا العام، ثم رجع إلى بلده، وبقي إلى أن جاء وقت الحج، ثم عاد محرِمًا بالحج، فإن الهدي أيش؟ لا يسقط عنه.
وزعم قائل هذا القول أن هذا ظاهر القرآن، وفي كونه ظاهر القرآن مناقشة؛ لأن قوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [البقرة: ١٩٦] يدل على أن هذا الرجل مسافر للحج، ولولا العمرة ما حصل له التمتع، وهذا يدل على أنه لم يسافر بينهما.
القول الثاني: أن السفر مسافة قصر يُسقط الهدي، سواء سافر إلى بلده أو سافر إلى بلدٍ أخرى.
وعلى هذا فمن كان من أهل الرياض وأتى بالعمرة في أشهر الحج ناويًا الحج، ثم سافر إلى المدينة وعاد من المدينة محرِمًا بالحج، فإن الهدي يسقط عنه؛ لأنه سافر بين العمرة والحج مسافة قصْر.
والقول الثالث: التفصيل؛ أنه إن سافر إلى أهله ثم عاد فأحرم بالحج فإنه يسقط عنه الهدي، وإن سافر إلى غير أهله فإنه لا يسقط عنه.
ففي المثال الذي ذكرناه: رجل من أهل الرياض أحرم بالعمرة، وحلَّ منها، ثم سافر إلى المدينة، ثم رجع من المدينة محرِمًا بالحج، هل يسقط عنه الهدي أو لا؟
طالب: لا يسقط.
الشيخ: لا يسقط، لكن لو رجع إلى الرياض بلده..