كتاب الحج (الشرح الأول) - 14
عدد الزيارات 918

«وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» ، فكأنه عليه الصلاة والسلام يُشير إلى الأُمَّة ألَّا تُكلِّف نفْسها هذا الموقِف الذي وَقَفَهُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم، بلْ كلُّ إنسانٍ يكون في مكانه؛ لئلَّا يَحصُل الزحامُ والأذى، يؤذي الناسُ بعضهم بعضًا.
يقول المؤلف هنا: (فإذا طَلَعَتِ الشمسُ سار إلى عَرَفَةَ، وكلُّها موقفٌ إلا بطْنَ عُرَنَةَ).
(كلُّها موقف) وهلْ عرفة معلومةٌ بالحدِّ؟ نعم، معروفة، لها حدودٌ معروفةٌ تكلَّم عليها الأوَّلون، والحكومة السعودية -وفقها الله- جعلتْ علامةً بعد التحرِّي والضبط، جعلتْ أعلامًا عليها، وفي السنوات الأخيرة لَمَّا كَثُرَ مخالفةُ الناسِ في الموقف ووقوفُهم خارجَ حدودِ عَرَفَةَ جعلت العلامات واضحةً بيِّنةً كبيرةً.
يقول: (كلُّها موقِفٌ إلا بطْنَ عُرَنَةَ)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» . وظاهر كلام المؤلف أنَّ بطْن عُرَنة -وهو بطْن الوادي- أنه من عرفة، وجْهُ ذلك استثناؤه منها؛ لأنه لو لم يكن من عرفة ما احتيجَ إلى استثنائه، وعليه فنقول: بطْنُ عُرَنة من عرفة، ولكنْ مع ذلك لا يجوز الوقوفُ به، ولهذا قال: (كلُّها موقِفٌ إلا بطْنَ عُرَنة)، لو وَقَفَ في الوادي ودَفَعَ منه فحجُّه غير صحيح؛ لأن هذا ليس مِن عرفة شرعًا وإنْ كان منها تاريخيًّا.

***

قال: (ويُسَنُّ أنْ يجمعَ بين الظُّهرِ والعصرِ).
يُسَنُّ أن يجمع بين الظهر والعصر تقديمًا أو تأخيرًا؟
طلبة: تقديمًا.
الشيخ: تقديمًا، وعُلِم من قوله: (يُسَنُّ) أنه لو لم يجمع بينهما فلا حرج، فهُما صحيحتانِ، ولكن السُّنة الجمعُ.
لماذا كانت السُّنة الجمع مع أن الناس نازلون، والمسافر النازل لا يُسَنُّ له أن يجمع؟
الجواب على هذا أن يقال: إنما جَمَعَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم في عرفة بين الظهر والعصر لاجتماع الناس؛ لأنهم لو تفرَّقوا بعد صلاة الظهر ما اجتمعوا هذا الجمع الكبير، والجمعُ لأجْل تحصيلِ الجماعةِ مشروعٌ كما يُشرع في أيام المطر؛ يُشرع في أيام المطر المؤذي الجمعُ بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من أجْل تحصيل الجماعة، وإلَّا فبالإمكان أنْ يُصَلِّي الظهر ويُقال للناس صلُّوا العصر في رِحالكم، أو يصلِّي المغرب ويُقال للناس صلُّوا العِشاء في رِحالكم، لكن اجتماع الناس على العبادة له شأنٌ كبيرٌ ومراعاةٌ في الشريعة الإسلامية.
هنا يقول: (يُسَنُّ أنْ يجمعَ بين الظهر والعصر، وأنْ يقِفَ راكبًا مستقبِلَ القِبْلةِ عند الصخراتِ وجبلِ الرحمة).
(أنْ يقِفَ راكبًا)؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَقَفَ على بعيرِهِ راكبًا رافعًا يديه يدعو اللهَ عز وجل، ولَمَّا انفلتَ الزِّمام أخذه بإحدى يديه وهو رافعٌ الأُخرى، وَقَفَ راكبًا وعلى هذا فيُسَنُّ أنْ يقِفَ الإنسانُ راكبًا.
كيف يقِفُ راكبًا؟
المراد بالوقوف هنا الْمُكْثُ، لا الوقوفُ على القدمين؛ فالقاعد يُعتبر واقفًا، ومعلومٌ أنَّ الراكب على البعيرِ جالسٌ عليها، ليس واقفًا عليها، بلْ هو جالسٌ.
وهذه المسألة مختلَفٌ فيها هل الأفضل أنْ يقِفَ راكبًا أو أنْ يقِفَ غيرَ راكبٍ؛ منهم مَنْ يقول: الأفضل أنْ يقِفَ راكبًا؛ لأن ذلك فِعْلُ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبناءً على هذا يُسَنُّ لنا أنْ نقِفَ من بعد صلاة الظهر والعصر جمْع تقديمٍ إلى الغروب في السيَّارات؛ نركبُ في السيارات ونبقى فيها إلى الانصراف؛ لأن هذا هو الركوبُ، كلُّ شيءٍ بحسبه.
ولو قال قائلٌ: الأفضلُ راكبًا، إلَّا إذا كان وُقوفه على الأرض أخشعَ له وأَحْضرَ لقَلْبه فإنه يكون على الأرض، وهذا لا يُنافي القواعد الشرعية؛ لأن من القواعد ما قرَّرْناه ونُقَرِّره أنَّ الكمالَ الذاتيَّ للعبادة أَوْلى بالمراعاة من الكمال في المكان، وعليه فنقول: إنْ كان الأخشع لك والأحضر لقَلْبك أنْ تقِفَ في السيارة فافعلْ، وإلَّا ففي الأرض
.
(ويقِف عند الصخراتِ وجبلِ الرحمة)، وهي صخراتٌ معروفةٌ لا تزالُ إلى الآن موجودة، لكن الآن كانتْ مزارات للناس في غير موسم الحج، للبسطاء من الناس يذهب يزورها وحولها إبل مشدودة، يأتي الإنسان ويركب على البعير المشدودة عند الصخرات ثم تُلتقط له صورة فيذهب بها إلى بلده ويقول هذه صورتي عند جبل عرفات كل هذا من أجْل الدنيا من أجْل أن يحشو دراهم مِن ها البسطاء.
يقول: (يقِف راكبًا عند الصخراتِ وجبلِ الرحمة).
(جبل الرحمة)، ويُقال له: جبل الدعاء، والمناسبةُ ظاهرةٌ أنَّ هذا المكان -أعني عرفة كلَّها- موطنُ رحمةٍ وموطنُ دعاء، ولكنه ليس معروفًا بهذا الاسم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن العلماء -رحمهم الله- جعلوا له لهذه المناسبةِ هذا الاسم: جبل الرحمة، أو: جبل الدعاء.
وقول المؤلف: (يقِف راكبًا عند الصخراتِ وجبلِ الرحمة) لم يُبَيِّن أين يكون اتجاهُهُ، ولكن نقول: يكون اتجاهُهُ إلى القِبْلة؛ لأن كلَّ العبادات الأفضلُ أنْ تستقبِلَ بها القِبلة، إلَّا ما قام الدليلُ على خِلافه؛ كما قال ابن مفلحٍ -رحمه لله- في الفروع لَمَّا ذكر بعضُ العلماء أنَّه يُشرع أنْ يستقبِلَ القِبلة حالَ الوضوءِ، قال: وهو متوجِّهٌ في كلِّ طاعةٍ إلَّا بدليل.
ولا شكَّ أنه في الدعاء ينبغي أنْ يستقبِلَ الإنسانُ القِبلة، أمَّا في الوضوء وشِبْهه ففي النفْس من هذا شيءٌ؛ يعني كونُنا نقول لإنسانٍ: إذا أردتَ أن تتوضأ فاستقْبِل القِبلة، هذا يحتاج إلى دليلٍ خاصٍّ؛ لأن الظاهر مِن حال الرسول عليه الصلاة والسلام أنَّه لا يتعمَّد ذلك.
المهمُّ أنه يستقبل القِبلة. ماذا تكون الحالُ لو كان إذا استقبلَ القِبلةَ صار الجبلُ خَلْفه أو صار عن يمينه أو شِماله؟ لا يضُرُّ؟
طلبة: لا يضُرُّ.
الشيخ: لا يضُرُّ، حتى لو كان الجبلُ خَلْف ظَهْرِك لا يضُرُّ؛ لأن الكعبة أفضل من الجبل، وعند العامَّةِ تستقبل الجبلَ، ولكن هذا ناتجٌ عن الجهل، وعلى طلبةِ العلم أنْ يُبَيِّنوا للناس أنَّ المشروعَ استقبالُ القِبْلة.
(ويُكثِرُ الدعاءَ).
بقي علينا أنْ نقول: نرى الناسَ في يوم عرفة يصعدون هذا الجبلَ، فهلْ صُعوده مشروعٌ أو ممنوعٌ أو جائزٌ أمْ ماذا؟
نقول: أمَّا مَن صعده تعبُّدًا فصُعوده ممنوعٌ؛ لأنه يكون أتى ببدعةٍ، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ، وأمَّا من صعده تفرُّجًا فهذا جائزٌ ما لم يكنْ قدوةً يقتدي به الناسُ فيكون أيش؟
طلبة: ممنوعًا.
الشيخ: يكون ممنوعًا، وأمَّا من صعده إرشادًا للجُهَّال فصُعوده؟
طلبة: مشروع.
الشيخ: مشروعٌ أو واجبٌ حسب الحال؛ لأننا نسمعُ أنَّ بعض الجهَّالِ إذا صعد الجبلَ هذا كتب به كتابات، ويضع فيه خِرَقًا وأشياءَ مُنكَرة، فإذا ذهبَ طالبُ علمٍ يُرشد الناسَ ويقول: هذا مبتدَعٌ وهذا لا ينبغي، فهذا طيِّبٌ. نقول: إنه مشروعٌ إمَّا وُجوبًا وإمَّا استحبابًا.
يقول: (ويُكثِر الدعاءَ) عندي (مِمَّا وَرَدَ)، كذا عندكم؟
طلبة: (بما وردَ).
طلبة آخرون: (مِمَّا وردَ).
الشيخ: (بما) ولَّا (ومِمَّا
الطلبة: (...).
الشيخ: اختلطت الأصوات عليَّ، الآن ما أدري ويش اللي عندكم؟
الطلبة: (بما ورد) .. (مما ورد).
طالب: هذه وهذه (...).
طالب: أنا عندي (...).
الشيخ: إي، طيب.
طالب: (...) الدعاء.
الشيخ: أنا حافظه: (ويُكثِر الدعاءَ ومِمَّا وَرَدَ)؛ يعني (مِن) هنا للجنس؛ يعني يكون دعاؤه مِمَّا وَرَدَ عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو يُكثر الدعاءَ بما يريد ومِمَّا وَرَدَ، أو يُكثر الدعاءَ بما وَرَدَ؛ أي: بالذي وَرَدَ، والمعنى متقارِبٌ، المهم أنَّه ينبغي للإنسانِ أنْ يُكثر من الدعاء ومن الذِّكر؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» .
فإنْ قال قائل: الوقت طويلٌ، ولا سيَّما في أيام الصيف، وربما يَلْحق الإنسانَ مللٌ؛ لأنه لو بقي يدعو من صلاة الظُّهر -يعني جمْع تقديم- إلى الغروب لَحِقَه المللُ، فهل اشتغاله بغير الدعاء والذِّكر جائز؟
نقول: نعم، وربما يكون مطلوبًا إذا كان وسيلةً للنشاط، والإنسانُ بَشَرٌ يَلْحقه المللُ، ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم لا نَصِل إليه أو لا نكون مِثْله ولا قريبًا منه بالنسبة لتحمُّله للعبادة؛ فقد كان يقوم في الليل حتى تتورَّم قدماه وتتفطَّر قدماه عليه الصلاة والسلام ، ونحن لا نُطيق هذا.
على أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام خطبَ بعد الزوال، وليس بعد الزوال مباشرةً؛ لأنه لَمَّا زالت الشمسُ كان في نَمِرة، فأَمَر بناقته فرُحِلَتْ له، ثم سار على الإبل حتى أتى بطْنَ الوادي ونَزَلَ وخَطَبَ الناسَ خُطبةً طويلةً مفيدةً، ثم أَمَر بلالًا فأذَّنَ ثم أقامَ، فصلَّى الظهر ثم العصر، ثم ركبَ حتى أتى الموقِف ، والموقف من بطنِ عُرَنة طويلٌ بعيدٌ، في ظَنِّي والعِلم عند الله أنَّه سيكون المدة ساعتين أو قريبًا من ذلك بعد الزوال، ثم وقف هناك.
على كلِّ حالٍ المهمُّ بالنسبة لنا الآن إذا لَحِقَ الإنسانَ مللٌ فلا حرجَ أنْ يستريح إمَّا بنومٍ أو بقُرآنٍ أو بمذاكرةٍ مع إخوانه أو بِمُدارسةِ القرآنِ أو في أحاديث تتعلَّق بالرحمةِ والرجاءِ والبعثِ والنشورِ وأحوالِ الآخرةِ حتى يلينَ قلبُه ويرقَّ قلبُه، والإنسانُ طبيبُ نفْسِهِ في هذا المكان، لكنْ ينبغي أنْ يغتنمَ آخِرَ النهارِ بالدعاء أخِرَ النهارِ، ينبغي أنْ يغتنمه بالدعاء ويتفرَّغ له تفرُّغًا كاملًا.
وهنا نسأل: هل الأفضل أن يدعو كلُّ واحدٍ مِنَّا لنفسه أو أن نجعل لنا إمامًا يدعو بنا؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، كلُّ إنسانٍ يدعو لنفسه، لكنْ لو جاءك إنسانٌ وقال: ادعُ اللهَ لنا. ورأيتَ منه التشوُّفَ أنْ تدعو له -ما هو له تقول: اللهم اغفِر له. لا، تدعو له مِثل أنْ تصلِّي له؛ يعني تدعو وهو يؤمِّن- فإنَّه لا بأسَ في هذا الحال تطييبًا لقَلْبه، وربما يكون فيه خشوعٌ أيضًا إذا شَعَرَ الإنسانُ بالناس كلِّهم يلتفُّون حوله ويؤَمِّنون على دعائه، وربما يكون بعضُهم قريبَ الخشوعِ يَخْشع ويَبْكي فيُخَشِّع الناسَ، هذا لا بأس به فيما يظهر لي.
طالب: الدليل يا شيخ؟ الدليل على هذا؟
الشيخ: الدليل أنَّه ما فيه منع، وهذا يحصُل أحيانًا من الصحابة؛ يطلبون من الرسول أنْ يدعو لهم.
طالب: (...) الموقف ما (...).
الشيخ: لا، في هذا الموقف ما أعلم أنَّه دعا بالناس، ولهذا نقول: الأفضل أنْ يدعو كلُّ إنسانٍ لنفسه.

***

يقول: (ويُكثر من الدعاء ومما وردَ. ومَنْ وقفَ ولو لحظةً مِن فَجْرِ يوم عرفةَ إلى فَجْرِ يوم النحر وهو أهلٌ له صَحَّ حجُّه).
(مَنْ وقفَ) (مَنْ) هذه اسم شَرْط، فهلْ يعُمُّ كلَّ واقفٍ أو يخصُّ مَنْ كان مُحرِمًا بحجٍّ؟ أيهما؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني لا شك، ولهذا لو وقف بعرفة ولم يُحرِم إلَّا بعد أنْ غادَرَها لم ينفعه الوقوف.
(مَنْ وقفَ) محرمًا (بعرفة ولو لحظةً). قوله: (ولو لحظة) يحتمِل أنه إشارة خلافٍ، ويحتمِل أنه للمبالغة وأنه لو وقفَ ولو أدنى وقفةٍ، وهذا الأقرب.
(مِن فَجْرِ يوم عرفةَ إلى فَجْرِ يوم النحر) أفادنا المؤلف -رحمه الله- أنَّ وقت الوقوفِ من فجر يوم عرفة، وهذا من مفردات مذهب الإمام أحمد، وجمهور العلماء على خلافه؛ على أنَّ وقت الوقوفِ من الزوال.
حُجَّة الإمام أحمد -رحمه الله- حديثُ عُروة بنِ الْمُضَرِّس أنَّه وافَى رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم في مزدلفة لصلاةِ الصبح، وأخبره ما صَنَعَ وأنَّه أَتْعَبَ نفْسَه وأَكَلَّ راحِلتَه ولَمْ يَدَعْ جبلًا إلَّا وقفَ عنده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» . فالشاهد قوله: «لَيْلًا أَوْ نَهَارًا»، ولم يقيِّده بما بعد الزوال، هذا ما استدلَّ به الإمام أحمد -رحمه الله- في المشهور عنه.
أمَّا جمهور العلماء -وهو رواية عن أحمد- فإنَّ وقت الوقوفِ يكون مِن زوال الشمس، ويحتجُّون لذلك بأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقِفْ قبل الزوالِ، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، وعليه فيُحمَل قولُه لعروة بن المضرِّس: «لَيْلًا أَوْ نَهَارًا»؛ أي: نهارًا مما يصِحُّ الوقوفُ فيه، فيكون مطْلقًا مقيَّدًا بالسُّنة الفعلية من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا شكَّ أنَّ هذا القول أَحْوط من القول بأنَّ النهار يشمل ما قبل الزوال.
يقول: (ومَنْ وقفَ ولوْ لحظةً مِن فَجْرِ يوم عرفةَ إلى فَجْرِ يوم النحر وهو أهلٌ له) أي: للحجِّ، جملة: (وهو أهلٌ) حالٌ من فاعل (وقفَ)؛ يعني: والحالُ أنه أهلٌ للحج.
فمَنْ هو الذي هو أهلٌ للحج؟
المسلم؛ لا شكَّ أنه لا بُدَّ أنْ يكون مسلمًا؛ فغير المسلم ليس أهلًَا للحج، وعلى هذا فلو كان لا يُصَلِّي ووقفَ بعرفةَ وبعدَ الدفْعِ منها -وهو حاجٌّ، وقفَ بعرفةَ حاجًّا- ومَنَّ اللهُ عليه بعد الدفْعِ منها فصلَّى، فهلْ يصِحُّ حَجُّه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنه حين الوقوف ليس أهلًا للحج.
الثاني: لا بدَّ أن يكون مُحرِمًا كما أشرْنا؛ لأن غير الْمُحْرِم ليس أهلًا للحج، لم يكنْ في إحرامٍ حتى يصِحَّ وقوفه.
الثالث: ألَّا يكون مجنونًا، فإنْ كان مجنونًا لم يصِحَّ وقوفه. (...)

***

إذَنْ جملة (وهو أهلٌ له) في موضع نصبٍ على الحال.
فمَنْ هو الأهل؟
أنْ يكون مسلمًا، وأنْ يكون عاقلًا، وألَّا يكون سكرانًا ولا مُغْمًى عليه، أربعةُ أوصافٍ: وصْفانِ ثُبوتيَّانِ ووصْفانِ سَلْبيَّانِ؛ أنْ يكون مسلمًا، عاقلًا، غير سكرانٍ ولا مُغْمًى عليه.
طالب: مُحرِمًا.
الشيخ: مُحرِمًا بحجٍّ، إذَنْ ثلاثةٌ ثُبوتيَّة، واثنانِ سَلْبيَّان.
كيف يكون مُغْمًى عليه؟
لنفرِضْ أنَّه حصلَ عليه حادِثٌ وهو متَّجِهٌ إلى عرفة، فأُغْمِيَ عليه قبلَ أنْ يَصِل إلى عرفة، وبقي مُغْمًى عليه حتى انصرفَ الناسُ وانصرفوا به، فنقول: هذا الرجُل لم يصِحَّ وقوفُه لأنه كان مُغْمًى عليه. ونقول: إنَّه فاته الحجُّ، فإذا أفاقَ تحلَّل بعمرةٍ ثم قضاهُ إذا كان فَرْضًا من العام القادم.
(صَحَّ حَجُّه وإلَّا فلا) قوله: (وإلَّا) (إنْ) هذه شرطية، و(لا) نافية، وفِعْل الشرطِ محذوفٌ، وليست (إلَّا) استثنائية، بلْ هي مركَّبة مِن حرفين: من (إنْ) و(لا)، لكنْ أُدغِمت إحداهما في الأخرى، والتقدير: وإلَّا يكن الأمرُ كذلك فلا؛ أي: فلا يصِحُّ حجُّه.
لننظر (وإلَّا):
المؤلف قال: (ومَنْ وقفَ بعرفة)، يعني: وإلَّا يقفْ بعرفة.
وقوله: مِن طلوع الفَجْر إلى طلوع النَّحر. يعني: وإلَّا يقفْ في هذه المدَّة لم يصِحَّ حجُّه.
المؤلف قال: (وهو أهلٌ له)، يعني: وإلَّا يكنْ أهلًا لم يصِحَّ حجُّه.
فصار الذي يدخل في قوله: (وإلَّا) ثلاثة أشياء: وإلَّا يقفْ، وإلَّا يقفْ في الزمن؛ زمنِ الوقوف، وإلَّا يقفْ وهو أهلٌ للحج.

***

ثم قال: (وإلَّا فلا. ومَنْ وقفَ نهارًا ودفعَ قبلَ الغروبِ ولم يَعُدْ إليها قَبْله فعليه دمٌ، ومَنْ وقفَ ليلًا فقطْ فلا).
يقول: (مَنْ وقفَ نهارًا) ولو قبل الغروب بلحظةٍ ثم دفعَ بعد الغروبِ فحجُّه صحيحٌ، وإنْ وقفَ نهارًا ثم دفعَ قبْلَ الغروبِ نظرتَ؛ فإنْ عاد إليها قبل الغروب صحَّ حجُّه، وإن غابت الشمسُ قبل أنْ يعود صحَّ حجُّه وعليه دمٌ، لماذا؟ لأنه تَرَكَ الواجبَ وهو الوقوفُ بعرفة إلى الغروب.
وظاهِرُ قولِ المؤلف: (ولم يَعُدْ قَبْله) أنه لو عاد بَعْد الغروبِ فعليه الدمُ، مع أنَّ ما بَعْد الغروبِ وقتٌ للوقوفِ، ولهذا كان قولُ المؤلف -رحمه الله- فيه شيءٌ من مخالفةِ القواعد؛ لأنه إذا عاد بعد الغروب فهلْ عاد في وقتِ الوقوفِ أو في غير وقتِ الوقوفِ؟
طلبة: في وقت الوقوف.
الشيخ: في وقت الوقوف، فمقتضى القياسِ أنه لا شيء عليه كما لو عاد قبل الغروب، المؤلف يقول: لو دَفَعَ ثم عاد قبل الغروب فلا شيء عليه؛ لأنه عاد في وقت الوقوف، وإنْ رجع بعد الغروب فعليه دمٌ.
فإنْ قال: كيف نُلزمه بالدم مع أنه عاد في وقت الوقوف؟! ولهذا كان المذهب طرد هذه المسألة؛ أي إن مَن رجع قبل أنْ يطلع الفجر فليس عليه شيء؛ لأنه رجع في وقت الوقوف.
وذهبَ بعضُ العلماء أنه يَلْزمه الدمُ بمجرَّد الدفع قبل الغروبِ سواءٌ رجعَ أمْ لَمْ يرجع؛ لأنه دَفَعَ مُنْهِيًا الوقوفَ، فحصلت المخالفةُ بذلك، فلَزِمه الدمُ. ولا شكَّ أنَّ هذا أو المذهب هو المطَّرد، أمَّا كلامُ المؤلف ففيه شيءٌ من التناقض.
فالاطِّراد إذَنْ أنْ نقول: مَنْ دفعَ قبل الغروبِ لَزِمه الدمُ. أو نقول: مَنْ دفعَ قبل الغروبِ وعادَ قبل الفَجْرِ فلا دمَ عليه. أمَّا أنْ نقول: إنْ رجع قبل الغروب فلا دمَ عليه، وإنْ رجع بعده فعليه دمٌ. مع قولنا بأنَّ الكُلَّ وقتٌ للوقوف؛ ففيه شيءٌ من التناقض.
ولو قيل بالقول الثالث الذي يُلْزمه الدمُ إذا دفعَ قبل الغروب مُطْلقًا، إلَّا إذا كان جاهلًا ثم نُبِّهَ فرجعَ ولو بعد الغروب فلا دم عليه، لو قيل بهذا القول لكان له وجْهٌ؛ وذلك لأنه إذا دفع قبل الغروب فقد تعمَّد المخالفةَ، فيَلْزمه الدمُ بالمخالفة، ورجوعه بعد أنْ لَزِمه الدمُ بالمخالفةِ لا يؤثِّر شيئًا، أمَّا إذا كان جاهلًا -كما لو دفعَ قبل الغروبِ ثم قيل له: إنَّ هذا لا يجوز، فقال: أستغفر الله وأتوبُ إليه، ثم رجع ولو بعد الغروب- فإنه ليس عليه دمٌ، لو قيل بهذا القولِ لكان له وجهٌ، وهو أقربُ إلى القواعدِ مما ذهب إليه المؤلف.
يقول: (ومَنْ وقفَ ليلًا فقطْ فلا) ويش معنى (فقطْ)؟ أي: دون النهار؛ بأنْ لم يأتِ إلى عرفة إلَّا بعد غروب الشمسِ، فإنه يُجزِئه؛ لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» .
(ثم يَدْفعُ بَعْد الغروبِ إلى مُزدلفةَ بسَكِينةٍ، ويُسرِعُ في الفَجْوةِ، ويَجْمَعُ بين العِشاءينِ)؛ لأن النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلم دَفَعَ بعد الغروبِ وأردفَ أسامةَ بن زيدٍ خَلْفه، ودَفَعَ صلى الله عليه وسلم بسَكِينةٍ، وقد شَنَقَ الزِّمامَ لناقته حتى إنَّ رأسها من شِدَّة الشنق لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، قد عنَّها عنًّا شديدًا، وهو يقول بيده اليُمنى: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ؛ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ» . وسبحان الله! التاريخ يُعيد نفسه؛ يعني من عهد الرسول وربما من قبل أيضًا كان الناسُ إذا نَفَروا أسرعوا، وفي ذلك الوقت الإسراعُ له وجْهٌ؛ لأن الدروب وعرةٌ، والليل قد أسدلَ ظلامه، فكانوا يحرصون على السرعة من أجْل مبادرةِ الوقتِ، بل قد كانوا في الجاهلية يدفعون قبل أنْ تغرب الشمس؛ إذا صارت الشمسُ على الجبال كالعمائم على رؤوس الرجال دفعوا اغتنامًا لوقتِ السفر؛ يعني الإضاءة.
قال: (ويُسرع في الفَجْوة) يعني المتَّسع؛ يعني إذا أتى متَّسعًا أسرعَ؛ لأن ذلك أرفقُ به حتى يَصِل إلى مزدلفة مبكرًا، وكان من هَدْي النبي صلى الله عليه وسلم في دفْعِهِ أنَّه إذا أتى حبلًا من الحِبال أَرْخَى لناقته قليلًا من أجْل أنْ تصعد؛ لأن الناقة إذا كانتْ قد عُنَّتْ بالزمام يشقُّ عليها الصعود، فإذا أُرْخِيَ لها سَهُلَ عليها الصعود، فكان من هَدْيِهِ عليه الصلاة والسلام أنَّه إذا أتى حبلًا من الحبال أَرْخَى لها قليلًا حتى تصعد ، وإذا وجد فجوةً أسرع .
يقول: (ويجمع بين العشاءينِ) متى يجمع؟
إذا وصلَ إلى مزدلفة، ولا يَصِل إلى مزدلفة إذا دَفَعَ على صفةِ دفْعِ الرسول عليه الصلاة والسلام إلَّا بعد دخول وقت العِشاء، ولهذا كان جمْعُ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في مزدلفةَ جمْعَ تأخيرٍ؛ لأنكم تصوَّروا أنَّه في أقصى عرفة من جهة الشرق، سيمُرُّ بجميع عرفة وهي واسعة، ويَمُرُّ بالطريق الذي بينها وبين مزدلفة، ثم إنَّه ثبت في الصحيح أنَّه عليه الصلاة والسلام نزلَ في الشِّعب -شِعب المأزِمَيْنِ- وبال، وتوضَّأ وضوءًا خفيفًا، وقال له أسامة: الصلاةَ يا رسول الله. قال: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» . وهذا يقتضي وقتًا طويلًا، فلهذا كان وصولُه إلى مزدلفة إلى مَقَرِّه هناك بعد دخول وقت صلاةِ العِشاء بلا شك.
فإنْ قال قائل: هلْ يُسَنُّ أنْ ينزلَ الإنسانُ في أثناء الطريقِ وفي المكان الذي نزلَ فيه الرسولُ عليه الصلاة والسلام إنْ كان سار معه، ويبول ويتوضَّأ وُضوءًا خفيفًا أو لا؟
نقول: لا؛ لأنَّ هذا وقعَ اتفاقًا بمقتضى الطبيعة؛ احتاجَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى أنْ يبول فنزلَ فبالَ بمقتضى الطبيعة، لو أنَّه احتاجَ إلى أنْ يبول في غير هذا المكانِ لَنَزَلَ، ولو لم يحتجْ لم ينزلْ، والدليلُ على هذا أنَّه صلى الله عليه وسلم لَمَّا وصلَ إلى مزدلفة ووقفَ صلَّى المغرب قبل حَطِّ الرِّحال، ثم بَعْد صلاةِ المغرب حَطُّوا رِحالهم، ثم صلَّوا العِشاء ، فهذا دليلٌ على أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم نزلَ هناك لا تعبُّدًا، ولكن اتفاقًا.
قال المؤلف: (ويبيتُ بها).
لو صلَّى المغربَ والعِشاءَ في الطريقِ، فهلْ يجوزُ أو لا؟
ذهب ابنُ حزمٍ مِنْجنيقُ العربِ إلى أنَّه لو صلَّى في الطريقِ لم يُجزِئه؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لأُسامة: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ».
ولكن الصحيح قول الجمهور: أنَّه لو صلَّى في الطريق لأجزأه
؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «جُعِلَتِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» .
وأمَّا قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأسامة: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» فوجْهُهُ ظاهرٌ؛ لأنه لو أَوْقفَ الناسَ في هذا المكان؛ لو وقفَ ليُصلِّي وقفَ الناسُ، فلو أَوْقفهم في هذا المكانِ وهُم مُشْرَئِبُّون إلى أنْ يَصِلوا إلى مزدلفة لكان في ذلك مشقَّةٌ عليهم ربما لا تُحتَمل، فكان هَدْيُه عليه الصلاة والسلام هَدْيَ رِفْقٍ وتيسيرٍ، لكنْ لو أنَّ أحدًا صلى فإنَّ صلاته تصِحُّ لعموم الحديث الذي ذكرْنا: «وجُعِلَتِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
لكنْ ربما يجب أنْ يصلِّي في الطريق، متى؟ إذا خَشِيَ خروجَ وقتِ صلاةِ العِشاء بمنتصف الليل، فإنه يجب أنْ يصلِّي في الطريق؛ ينزل ويصلي.
فإنْ لم يُمْكنه النزول للصلاة فإنه يصلِّي ولو على السيارة إذا كان لا يُمْكنه؛ لأنه ربما يكون الخطُّ يمشي لكن مشيًا ضعيفًا لا يُمْكنه أن يَصِل إلى مزدلفة قبل منتصف الليل، وليس الخطُّ واقفًا حتى يمكن أنْ ينزل ويصلِّي ثم يركب، ففي هذا الحالِ إذا اضطُرَّ إلى أنْ يصلِّي في السيارة فلْيُصَلِّ، وعليه أنْ يأتي بما يمكنه من الشروط والأركان والواجبات.
قال المؤلف رحمه الله: (ويبيتُ بها).
يبيتُ بها وجوبًا أو استحبابًا؟
ظاهر كلام المؤلف أنه يبيتُ بها وجوبًا؛ بدليل قوله فيما بعد: (فعَليه دمٌ) إذا لم يفعل.
(ويبيت بها). واختلف العلماء رحمهم الله في البيتوتةِ في المزدلفة؛ فمنهم مَن قال: إنها سُنَّة، ومنهم مَن قال: إنها واجبٌ يُجبَر بدمٍ، ومنهم مَن قال: إن المبيتَ فيها ركنٌ كالوقوف بعرفة؛ لأن الله نصَّ عليه وقال: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٨]، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم سوَّاها في عرفة حينما قال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» . ولكن القول الوسط لعله أحسن الأقوال: أنَّه واجبٌ يُجبَر بدمٍ، ولا يُقتصر فيه على السُّنة.
قال المؤلف: (وله الدَّفْعُ بعد نصفِ اللَّيلِ).
(له) الضمير يعود على مَن؟ على الحاجِّ مُطْلقًا؛ قويًّا كان أَمْ ضعيفًا، رجُلًا كان أَمِ امرأة.
(له الدَّفْعُ بعد نصفِ اللَّيلِ) ما الدليل؟
الدليل أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أذِنَ للضَّعَفةِ أنْ يدفعوا من مزدلفة ليلًا ، قالوا: وإذا انتصفَ الليلُ فقد أمضى أكثرَ الليلِ في مزدلفة، وإذا أمضى أكثرَ الليلِ أجزأه.
ولكن في هذا الحكم نظرٌ لأنه لا يُطابِق الدليل، فالدليل هو أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعث الضَّعَفَةَ مِن أهله بليلٍ، وكلمة (ليل) تَصْدق على النصف الأول، والنصف الثاني، والسَّحَر، وتعيينها بما بعد النصف يحتاج إلى دليل، ومن المعلوم أننا لو أخذنا بظاهر اللفظ لقُلنا: يجوز الدفعُ قبل منتصف الليل؛ لأنه دفع بليل. وهذا لا يقول به المؤلف رحمه الله.
ثم نقول: إذا قُلنا: الواجبُ المبيتُ مُعْظمَ الليلِ، فإنَّ نصف الليلِ ليس هو مُعْظم الليل؛ لأن الناس دفعوا من عرفة بعد غروب الشمس، والمسير من عرفة إلى مزدلفة يحتاج إلى ساعةٍ ونصفٍ أو ساعتين، ومن ثَمَّ كان من فِقْه أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما أنها تنتظر، حتى إذا غاب القمرُ دفعتْ ، وغروب القمر يكون بعد مُضِيِّ ثُلثي الليل تقريبًا، قد يزيد قليلًا أو ينقص قليلًا، وكأنها رضي الله عنها اعتبرتْ نصف الليل، لكن اعتبرت النصف من نزول الناس في مزدلفة، ونزولُ الناس في مزدلفة إذا اعتبرنا النصف فإنه يزيد على النصف الحقيقي الذي هو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر يزيد بنحو هذا المقدار الذي اعتبرته أسماء، وهو غروب القمر، وهذا هو الصحيح أنَّ المعتبر غروب القمر، وإنْ شئتَ فقُل: إنَّ المعتبر البقاءُ في مزدلفة أكثرَ الليل، ولكنْ يؤخذ من الليلِ المسافةُ ما بين الدفعِ من عرفة إلى وصولِ مزدلفة، فيكون ما ذهبتْ إليه أسماءُ رضي الله عنها هو المطابق لمعْظَم الليل.
يقول: (ويبيتُ بها، وله الدفْعُ بَعْدَ نصفِ اللَّيلِ، وقَبْلَهُ) أي: قبلَ نصفِ الليلِ؛ يعني: لو دَفَعَ (فيه دمٌ) (...) سواءٌ كان عالِمًا بالحكْمِ أو جاهلًا، عامِدًا أو ناسيًا.
إذا دَفَعَ قبلَ منتصفِ الليل فعليه دمٌ، لماذا؟ لأنه تَرَكَ واجبًا، وهذا الدمُ دمُ جُبْرانٍ يذبحه ويتصدَّق به جميعًا على الفقراء في مكة.
(وقَبْلَهُ فيه دمٌ كوصولِهِ إليها بَعْدَ الفَجْرِ لا قَبْلَهُ).
(كوصوله إليها) أي: إلى مزدلفة (بعد الفَجْر)، فإذا وصل إلى مزدلفة بعد الفَجْر ولو بلحظةٍ لَزِمَه دمٌ؛ لأنه لم يَبِتْ بها، ولكن ظاهر حديثِ عروة بن مُضَرِّس رضي الله عنه أنَّ مَن أَدْركَ صلاةَ الفجر في مزدلفة على الوقت الذي صلَّاه الرسولُ عليه الصلاة والسلام فإنه لا شيءَ عليه؛ لقوله: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ» ، والإشارة «هَذِهِ» تفيد أنه لا بدَّ أنْ تكون الصلاةُ في أول الوقت؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صلَّى الفَجْر في أول وقتِها.
(كوُصُولِهِ إليها بَعْدَ الفَجْر لا قَبْلَهُ) أي: لا إنْ وَصَلَ إليها قَبْل الفجر ولو بعد نصفِ الليل فإنه لا شيء عليه.
والخلاصةُ على المذهب على ما مشى عليه المؤلف:
إذا دَفَعَ قَبْل منتصفِ الليلِ فعليه دمٌ.
إذا دَفَعَ بعد منتصفِ الليلِ فلا شيء عليه.
إذا وصل إلى مزدلفة بعد الفجر فعليه دمٌ.
إذا وصل إليها بعد منتصفِ الليلِ فلا شيء عليه.
فعليه الدمُ في حالين هما: إذا دَفَعَ قبل منتصف الليل، وإذا لم يَصِل إليها إلا بعد الفجر، عليه دمٌ في الحالين.
وليس عليه دمٌ فيما إذا دَفَعَ بعد منتصف الليل، أو وصل إليها بعد منتصف الليل.
طلبة: (...)؟
الشيخ: لا شيء عليه.
طالب: قبل الفجر.
الشيخ: طيب، لا شيء عليه إذا دَفَع بعد منتصف الليل قبل الفجر أو بعده، ولا شيء عليه إذا وصل بعد منتصف الليل لكن قبل الفَجْر؛ لأن ما بعد الفجر ذكرناه قبل، ولكنَّا قُلنا: إن ظاهر حديث عروة بن المضرِّس أنَّ مَن أَدْركَ صلاةَ الفجر في أولها فإنه يُجزئه.
بَقِي أنْ يقال: حدثت مشكلةٌ في أيامنا الأخيرة؛ أنَّ بعض الحجَّاج لا يَصِلون إلى مزدلفة إلَّا بعد طلوع الفجر وبعد صلاةِ الفجر أيضًا فما الحكْم؟
على المذهبِ يجبُ عليهم دمٌ؛ لأن القاعدة عندهم أنَّ من حُصِرَ عن واجبٍ فعليه دمٌ؛ لأن المحصور عن الواجب لا يتحلَّل؛ إذْ لا حاجةَ له إلى التحلُّل، لكن عليه دمٌ. فنقول: هؤلاء الذين لم يَصِلوا إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الفجر ومُضِيِّ قَدْر الصلاةِ نقول: هؤلاء حُصِروا عن هذا الواجب فيَلْزمهم دمٌ.
ولكن بعض العلماء قال: إن هؤلاء حُصِروا إكراهًا، حُصِروا ولم يُحْصَروا، حُصِروا لأنهم لم يَصِلوا في الوقت، ولم يُحْصَروا لأنهم وصلوا إلى المكان، فيكون وصولهم إلى المكان بعد زوال الوقت كقضاء الصلاةِ بعد خروج وقتِها للعُذر، وأنهم إذا حُصِروا في هذه الحال ولم يَصِلوا إلى مزدلفة إلا بعد طلوع الفجرِ وذهابِ وقت الصلاةِ فإنهم يكونون كالذين عُذِروا عن وقت الصلاة حتى خرج وقتُها.
وهذا القولُ أقربُ إلى الصواب أنْ يُقال: مَنْ حُبِس عاجزًا عن الوصول إليها، ولم يَصِل إلا بعد طلوع الفجر ومُضِيِّ قَدْرِ الصلاةِ أو بعد طلوع الشمس؛ فإنه يَقِفُ ولو قليلًا ثم يستمِرُّ؛ وذلك لأنه يُشبه الصلاةَ إذا فاتتْ لعُذرٍ فإنه يقضيها، ولو قيل أيضًا بأنه يسقطُ الوقوفُ لأنه فاتَ وقتُه لم يكن بعيدًا.
المهم أنَّ القول الراجح أنَّه لا يُلْزَم بدمٍ؛ لأنه تَرَكَ هذا الواجبَ عجزًا عنه، والله أعلم.

***

طالب: وله الدفْعُ بعد نصفِ الليلِ، وقَبْله فيه دمٌ كوصوله إليها بعدَ الفَجْر لا قَبْله، فإذا صلَّى الصبحَ أتى المشعر الحرامَ فرقاهُ، أو يقِفُ عنده ويحمدُ اللَّهَ ويُكبِّره ويقرأ: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ ...الآيتين [البقرة: ١٩٨، ١٩٩]، ويدعو حتى يُسْفِر، فإذا بَلَغَ مُحَسِّرًا أسرعَ رَمْيَةَ حَجَرٍ وأخذَ الحصى، وعددُه سبعون بين الحمَّصِ والبُندق، فإذا وصلَ إلى مِنًى -وهي من وادي مُحَسِّرٍ- إلى جمرةِ العقبةِ رماها بسبعِ حَصَياتٍ متعاقباتٍ يرفعُ يَدَهُ اليُمنى حتى يُرَى بياضُ إِبْطِهِ، ويُكبِّر مع كلِّ حصاةٍ، ولا يُجْزئ الرميُ بغيرها ولا بها ثانيًا، ولا يَقِف ويقطع التلْبِيةَ قبلها.
الشيخ: (...) محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سَبَقَ لنا أنَّه في اليوم التاسع يذهبُ مِن مِنًى إلى عرفة، وأنَّه ينزل أولًا بنَمِرة حتى تزول الشمسُ، ثم يركبُ ويصلِّي الظهر والعصر بباطن الوادي، ثم يذهبُ إلى موقِفه، وهذا كُلُّه إنْ تيسَّر.
وسَبَقَ لنا أيضًا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم وقفَ في شرقِيِّ عرفة عند الصخراتِ والجبلِ وقال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» . وعرفةُ كبيرةٌ واسعةٌ.
وسَبَقَ لنا أنَّه يجب التأكد من حدودها لئلَّا يقِفَ الإنسانُ في غير الموقِف فيرجع بلا حجٍّ.
وسَبَقَ لنا أنَّه يجب أنْ يبقى في عرفة إلى غروب الشمس، وأنَّه إنْ دَفَع قبل الغروب ولم يَعُدْ قبله فعليه دمٌ، وقيل: إنْ دَفَع وإنْ عاد فعليه دمٌ، وقيل: إنْ دَفَع وعاد بعد الغروب قبل الفجر فليس عليه شيء، فالأقوال ثلاثة، ورجَّحْنا أنَّ الأقرب ثبوتُ الدم عليه بمجرَّد الدفع؛ لأنه خالفَ ما فَعَله النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وسَبَقَ لنا أنهم في الجاهلية يدفعون قبل غروب الشمس، وأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم خالَفَهم فدفَع بعد الغروب، لكنه دَفَع ولم يصلِّ إلا في المزدلفة، هذا في اليوم التاسع. في ليلة العاشر يدفع من عرفة إلى مزدلفة فيصلي بها المغرب والعِشاء جمعًا وقَصْرًا ويبيت.
وهُنا هلْ يُشرع أنْ يُحيي تلك الليلةَ بالقراءةِ والذِّكرِ والصلاةِ، أمِ السُّنةُ النومُ؟
الثاني؛ السُّنة النومُ؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم اضطجعَ حتى طلعَ الصبح .
وأيضًا هلْ يصلِّي الوتر في تلك الليلة أو لا؟
نقول: لم يُذكَر في حديث جابرٍ ولا غيره فيما نعلم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أَوْتَر تلك الليلة، لكنْ على سبيل العموم أنَّه لا يَدَعُ الوتر حَضَرًا ولا سَفَرًا. نقول: إنَّه يُوتر تلك الليلة، وعَدَمُ النَّقْلِ ليس نَقْلًا للعَدَم؛ لأننا نبقى على الأصل وهو أنَّه لا يَدَعُ الوتر سَفَرًا ولا حَضَرًا.
ثم نقول: لو تَرَكه في تلك الليلةِ لَنُقِلَ؛ لأنه لو تَرَكه لَكان شرعًا، والشرع لا بدَّ أنْ يُحفظ ويُنقَل.
وسَبَقَ لنا أنَّه يجوز على رأي الفقهاء -رحمهم الله- أنْ يدفع بعد منتصف الليل، ووجْهُهُ أنَّه إذا دَفَع بعد منتصف الليل فقد بقي في مزدلفة مُعْظم الليلِ أو أكثرَ الليلِ.
وسَبَقَ لنا أنَّ القول الراجح في هذه المسألة أنَّه لا يدفع إلا في آخِر الليل
، وأنَّ أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما كانتْ ترتَقِبُ غروب القمر ، وأنَّ ما فَعَلتْهُ أسماء هو الفقه؛ لأنه لا ينبغي أن نحسب أول الليل ونحن لم نَصِل إلى مزدلفة إلا بعد دخول وقت العِشاء؛ إذْ إنَّ الناس يسيرون من عرفة إلى مزدلفة ولا يَصِلون إلا متأخرين.
وسَبَقَ لنا أنَّ السُّنة صلاة المغرب والعِشاء في مزدلفة، وأنَّه لو صلَّى في غير مزدلفة فصلاتُه صحيحةٌ خلافًا لِمَنْ؟ لابن حزم، والدليل: «جُعِلَتِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» ، وأنَّه لو خاف فَوْتَ الوقتِ -أي: وقت العِشاء وهو منتصف الليل- وجبَ عليه أنْ يصلِّي في أيِّ مكانٍ.
الدفع في آخِر الليل هلْ يختصُّ بأهل الأعذار أو لا؟
قال بعض العلماء: إنَّه يختصُّ بأهل الأعذار من الضعفاء والنساء ونحوهم. وأجازه الفقهاء مُطْلَقًا لأهل الأعذارِ ولغير أهل الأعذار.
حُجَّة الأوَّلِينَ أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم أقامَ في مزدلفةَ حتى صلَّى الفجر وأَسْفَرَ جِدًّا ، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» . وعن عائشة رضي الله عنها تمنَّتْ أنها استأذنَت الرسولَ صلى الله عليه وآله وسلم أنْ تدفع قبل الفجر كما استأذنَتْ سَوْدَةُ، وقالت كلامًا يفيد أنها تودُّ أنها استأذنَتْ من الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنها لو استأذنتْ لَكان أَشَدَّ من مفروحٍ به ؛ يعني: تُبالغ في أنها لو فعلتْ لأحبَّتْ ذلك.
على كلِّ حالٍ الذي يترجَّح أنَّه ليس بواجبٍ أنْ يبقى إلى صلاة الفجر، ولا سِيَّما في هذه الأزمان مع كثرة الناس والزِّحام والشِّدة، لكنْ هو الأفضل؛ أنْ يبقى إلى أنْ يصلِّي الفجر ويُسْفِر جِدًّا ثم ينصرف
.

***

يقول المؤلف رحمه الله تعالى، وهو مبتدأ درس الليلة: (فإذا صلَّى الصبح)، وهُنا لم يُبَيِّن متى تكون هذه الصلاة، لكنْ قد ثبتَ بالسُّنة أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صلَّاها حين تبيَّن له الصبح ولم يتأخر؛ صلَّاها بغَلَس .
(فإذا صلَّى الصبحَ أتى المشْعَرَ الحرامَ) والمشعر الحرام: جبلٌ صغيرٌ معروفٌ في مزدلفة، وعليه المسجدُ المبنيُّ الآن، أتاه سواءٌ كان راكبًا أمْ راجلًا، والنبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم ركبَ ناقته ووقفَ عند المشعر الحرام، وقف راكبًا ، لكنه قال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (جَمْع) يعني مزدلفة، وسُمِّيت جَمْعًا لأن الناس يجتمعون فيها كلُّهم، وكانوا في الجاهلية يجتمعون فيها كلُّهم، وفي عرفة لا يجتمع أهلُ مكة، بلْ لا يجتمع قُريش مع غيرهم؛ لأنهم يَقِفون في مزدلفة، لا يخرجون إلى عرفة؛ لأنَّ عرفة من الحِلِّ، فمِنْ أجْل هذا سُمِّيت جمعًا لأنها تجمع الناس كلَّهم. يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ».
وقوله: (المشعر الحرام) وُصِفَ بالحرام لأن هناك مَشْعرًا حلالًا وهو عرفات، ففي الحجِّ مَشْعرانِ: حلالٌ وحرامٌ؛ فالمشعر الحرام: مزدلفة، والمشعر الحلال: عرفة.
ولماذا وُصِف بالحرام؟ لأنه داخل حدود الحرم.
قال: (فيرقاه) يعني: يرقى هذا المشعر، وهو جبلٌ صغيرٌ كما قُلنا (أو يَقِف عنده)؛ لقوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٨].
(أو يَقِف عنده، ويحمد اللَّهَ ويُكبِّره) ويدعو الله عز وجل رافعًا يديه إلى أنْ يُسْفِر جِدًّا، ويكون أيضًا مستقبِلَ القِبلة.
قال المؤلف: (ويقرأ: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ ...الآيتين)، وقراءة هاتَينِ الآيتَينِ لا أعلمُ فيها سُنَّةً، لكنها مناسِبة؛ لأنَّ الإنسانَ يُذَكِّر نفسه بما أَمَر اللهُ به في كتابه.
(ويدعو حتى يُسْفِر) يُسْفِر جدًّا؛ يعني: يتبيَّن السفر أو الإسفار ويرى الناسُ بعضهم بعضًا، ثم ينطلق قبل أنْ تطلع الشمس، ولهذا قال: (فإذا أَسْفَرَ سار قبل طلوع الشمسِ بسَكِينَةٍ) خلافًا لأهلِ الجاهلية، أهلُ الجاهلية لا يدفعون من مزدلفة إلا إذا طلعت الشمس، وكان من عباراتهم الموروثة: أَشْرِقْ ثَبِير، كَيْمَا نُغِير . ثَبير: جبلٌ معروفٌ هناك كان رفيعًا تتبيَّن به الشمسُ قبل غيره مما حوله من الجبال، وكانوا يرقبون هذا الجبل، فإذا أشرقَ دفعوا.
إذَنْ هُم -أعني في الجاهلية- يُبادرون السفر أو الإسفار في أول الليل؛ ليلة العيد، وفي آخرها، كيف ذلك؟ لأنهم يدفعون من عرفة قبل غروب الشمس، ويدفعون من مزدلفة بعد طلوع الشمس، أمَّا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فخالَفَهم في الوقتينِ.
يقول: سار بسَكِينةٍ؛ يعني: لا بإسراعٍ وإيضاعٍ للإبل، والإيضاع: الإسراع، بلْ يكون بسَكِينةٍ.
(فإذا بَلَغَ مُحَسِّرًا أسرعَ رميةَ حَجَرٍ) لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حرَّكَ قليلًا؛ حرَّكَ ناقتَه حين بَلَغَ مُحَسِّرًا ، ومُحَسِّر: بطنُ وادٍ عظيم، وبهذا نعرف أنَّ بين المشاعر أودية؛ فبين المشْعرِ الحرام والمشْعرِ الحلال وادٍ وهو عُرَنة، وبين المشْعَرينِ الحرامَينِ مِنًى ومزدلفةَ وادٍ وهو وادي مُحَسِّر، أسرعَ فيه النبيُّ عليه الصلاة والسلام .
واختلفَ العلماءُ لماذا أسرعَ:
فقال بعضُهم: أسرعَ لأن بطن الوادي يكون دعثًا وليِّنًا يحتاج أنْ يحرِّك فيه الإنسانُ بَعيره؛ لأن مَشْي البعيرِ على الأرضِ الصلبة أسرعُ مِن مشيها على الأرض الرخوة، فحرَّك مِن أجْل أنْ يتساوى سيرُها في الأرض الصلبة وسيرُها في الأرض الرخوة، وعلى هذا فالملاحَظ هنا هو مصلحةُ السير فقط.
وقيل: أسرعَ لأن الله أهلكَ فيه أصحابَ الفيل، فينبغي أنْ يُسرع؛ لأن المشروع للإنسان إذا مرَّ بأراضي العذابِ أنْ يُسرع؛ كما فَعَل النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم حين مرَّ بديار ثمود في غزوة تبوك؛ لَمَّا مرَّ زَجَر الناقةَ عليه الصلاة والسلام وقَنَّعَ رأسه هكذا وأسرعَ، واليومَ الناسُ بعضُهم يتَّخذ هذه الديارَ سياحةً ونُزهةً والعياذ بالله، مع أنَّ الرسول أسرعَ وقال: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ؛ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ» .
كيف يُصِيبنا ما أصابهم ونحن لم نعمل؟
لأن الإنسان إذا دخل على هؤلاء فقلْبُه يكون غيرَ ليِّنٍ وغيرَ خاشعٍ، فيكون قاسيًا مع مشاهدته آثارَ العذابِ، وحينئذٍ يُصيبه ما أصابهم من التكذيبِ والتولِّي، هذا معنى الحديث؛ يعني ليس المراد أنْ يُصيبكم العذابُ الرِّجزُ الحِسِّي، قد يُراد به العذابُ أو الرِّجزُ المعنويُّ؛ أنْ يقسو قلب الإنسان فيُكذِّب بالخبر ويتولَّى عن الأمر -نسأل الله العافية- وبهذا نعرف أنَّ اتخاذها نُزهةً خطأٌ عظيمٌ مخالفٌ لأمر النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا»، والذين يذهبون للنُّزهةِ أو للتفرُّج هلْ هُم يبكون؟
الظاهر أنهم إلى الضحك أقربُ منهم إلى البُكاء، ويُصَوِّرون ويعملون أشياء اللهُ أعلمُ بها، فنسأل اللهَ لنا ولكم العِبرة والهداية.
المهمُّ أنَّ مِن العلماء مَن علَّلَ إسراعَ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بأنَّ هذا هو الموضع الذي أهلكَ اللهُ فيه أصحابَ الفيلِ، لكن هذا التعليل عليلٌ؛ لأن أصحابَ الفيلِ لم يُهلَكوا هُنا، بلْ في مكانٍ يُقال له: الْمُغَمَّس، حول الأبطح، وفي هذا يقول الشاعر الجاهلي:
حَبَسَ الْفِيلَ بِالْمُغَمَّسِ حَتَّى ظَــــــلَّ يَحْـــــــبُو كَــــأَنَّهُ مَـــــــــكْبُولُ

فعلى هذا يكون هذا التعليلُ غيرَ صحيحٍ أو كأنه مكسور.
وقال بعض العلماء: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أسرعَ لأنهم كانوا في الجاهلية يَقِفون في هذا الوادي ويذكرون أمجادَ آبائهم؛ وأباؤنا فعلوا كذا وفعلوا كذا وفعلوا كذا، فأراد النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أنْ يُخالِفهم كما خالَفَهم في الخروج من عرفة وخالَفَهم في الخروج من مزدلفة، ولعل هذا أقربُ التعاليل أنَّه فَعَل ذلك مُخالَفةً للمشركين الذين يَقِفون في هذا الوادي ليذكروا أمجادَ آبائهم، ولهذا قال تعالى: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [البقرة: ٢٠٠].
ثم قال المؤلف: (أسرعَ رميةَ حَجَرٍ) (رميةَ حَجَرٍ) كيف يمكن قياسها؟