قال المؤلف: (مستقبل القبلة في كل يومٍ من أيام التشريق يفعل هذا)، يفعل
هذا في كل يوم من أيام التشريق (بعد الزوال مستقبل القبلة مرتبًا في كل يوم من
أيام التشريق) واليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أو من طلوع الشمس إلى غروب
الشمس، لكنه ليس كل اليوم، بل يقول المؤلف: (بعد الزوال)، وعليه يكون وقت
الرمي من زوال الشمس إلى غروبها، فلا يجزئ الرمي قبل الزوال، ولا يجزئ بعد الغروب؛
لأن ذلك خارج عن اليوم، ولهذا قال: في كل يومٍ من أيام التشريق بعد الزوال.
طيب
لا يجزئ قبل الزوال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بعد الزوال وقال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، ولأنه لو كان
الرمي قبل الزوال جائزًا لفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لما فيه من فعل
العبادة في أول وقتها من وجه، ولما فيه من التيسير على العباد من وجهٍ آخر، ولما
فيه من تطويل الوقت من وجهٍ ثالث، فلما كان
الرسول صلى الله عليه وسلم يتعمد أن يؤخر حتى تزول الشمس، مع أنه أشق على الناس، دل
هذا على أنه قبل الزوال لا يجزئ، ويدل لذلك أيضًا أن الرسول صلى الله عليه وآله
وسلم من حين أن تزول الشمس يبادر فيرمي قبل أن يصلي الظهر، وكأنه يترقب بفارغ الصبر
زوال الشمس ليرمي ثم يصلي الظهر، وهذا هو القول الراجح، ولو كان الرمي
قبل الزوال جائزًا لفعله النبي عليه الصلاة والسلام بيانًا للجواز أو ليَسر الله
مَن يفعله مِن الصحابة ويقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.
إذن الرمي قبل
الزوال في الأيام الثلاثة أيام التشريق لا يصح، بعد غروب الشمس أيضًا لا يجزئ على
المشهور من المذهب؛ لأنها عبادة نهارية فلا تجزئ في الليل.
وذهب بعض العلماء إلى
إجزاء الرمي ليلاً وقال: إنه لا دليل على التحديد بالغروب؛ لأن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم حدد أوله بفعله ولم يحد آخره.
وقد سئل الرسول عليه الصلاة والسلام
كما في صحيح البخاري أن رجلاً قال: يا رسول الله، رميت
بعدما أمسيت؟ قال: «لَا حَرَجَ».
والمساء يكون في
آخر النهار وفي أول الليل، ولما لم يستفصل الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقل:
بعدما أمسيت في آخر النهار أو في أول الليل، عُلم أن الأمر واسع في هذا، ثم إنه لا
غرابة أن يكون الليل تابعًا للنهار، فها هو الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج والليل
فيه تابع للنهار، فإن وقت الوقوف يمتد إلى طلوع الفجر.
ولهذا نرى أنه إذا كان لا
يتيسر على الإنسان أو لا يتيسر للإنسان أن يرمي في النهار فله أن يرمي في الليل،
وإذا كان يتيسر لكن مع الأذى والمشقة وأنه في الليل يكون أريح له وأكثر طمأنينة
فإنه يرمي في الليل؛ لأن الفضل المتعلق بذات العبادة
أولى بالمراعاة من المتعلق بزمن العبادة، وما دام أنه ليس هناك دليل
صحيح صريح يحدد آخر وقت الرمي فالأصل عدم ذلك، ولا ينبغي أن نلزم الناس بأن يرموا
كلهم وهم مليون رجل يرمون كلهم في خلال ست ساعات.
يعني لو فرضنا أن من الزوال
إلى غروب الشمس ست ساعات، وذلك في وقت الاعتدال الربيعي والخريفي، اقسم ست ساعات
على مليون نفر كم معدل الذين يرمون في كل ساعة؟
الطلبة:
مئة وستون ألفًا.
الشيخ: اثنان وستون ألفًا.
الطلبة: مئة وستون ألفًا.
الشيخ: مئة
وستون ألفًا، سبحان الله،! مئة وستون ألفًا في الساعة هذا صعب، هذا إذا قلنا: إنهم
مليون، فكيف وهم أكثر من ذلك، ولهذا كان من أحسن ما فعلت، أو أظن هيئة كبار
العلماء، من أحسن ما فعلوا أنهم أصدروا فتوى بأنه لا بأس
بالرمي في الليل في هذه الأزمنة وإن النفس مطمئنة والصدر منشرح للفتوى
بذلك.
يقول رحمه الله: (مستقبل القبلة مرتبًا).
ما معنى
الترتيب؟ أن يبدأ بالحصاة الأولى قبل الثانية؟
طالب:
ليس الترتيب كذلك.
الشيخ: ليس هذا المراد؛ لأنه لا بد
أن يرمي الحصاة الأولى قبل الثانية، المراد الترتيب بين هذه الجمرات بأن يرمي
الأولى ثم الوسطى ثم العقبة، فإن نكَّث ورمى العقبة ثم الوسطى ثم الأولى.
الطلبة: صحت الأولى.
الشيخ: صحت
الأولى فقط، ووجب عليه أن يرمي الثانية والثالثة.
وقال بعض أهل العلم إن الترتيب
ليس بشرط ولكنه ندب، وقال: إن هذا ليس أولى من عدم الترتيب في أنساك يوم العيد،
وأنساك يوم العيد كما مر علينا لا يشترط فيها الترتيب، أليس كذلك؟ قال: هذا من باب
أولى ألا يشترط.
وعارضه آخرون فقالوا: ليس الأمر كذلك، فإن اشتراط الترتيب هنا
أولى من اشتراطه في أنساك العيد؛ لأن هذا عبادة واحدة، بخلاف أنساك يوم العيد فإنها
عبادات متنوعة، أما هذه فهي عبادة واحدة، فلا بد أن تُفعل كما ورد عن النبي صلى
الله عليه وآله وسلم.
ولكن ما دام الإنسان في السعه فلا شك أن نقول: إنه يجب
عليك الترتيب، وإنه لو سألنا في أيام التشريق فقال: إنه رمى منكسًا لسهل علينا أن
نقول: اذهب وارم مرتبًا، لكن إذا كان الأمر قد فات في أيام التشريق وجاء يسأل فقال:
إني رميت من غير أن أعلم بدأت بجمرة العقبة، وأنا رأيت أن جمرة العقبة تُرمى يوم
العيد دون الجمرتين الأخريين، وهذا يدل على أنها أفضل منهما، والقاعدة الشرعية،
وسيقيس هذا اليوم في مقابلة النص، القاعدة الشرعية أن الأفضل نعم يُبدأ به، فأنا
رأيت أن هذا هو الصواب وفعلت كل أيام التشريق، في هذه الحال نرجو ألا يكون هناك بأس
بإفتائه بأن رميه صحيح؛ لأنه ليس هناك قول عن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول:
رتبوا بينها، وليس هناك إلا مجرد الفعل وعموم: «لِتَأْخُذُوا
عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» .
ولا سيما أن
كثيرًا من العلماء قالوا: يسقط الترتيب بين أعضاء الوضوء بالجهل والنسيان، وقالوا:
يسقط الترتيب بين الفوائت التي تفوت الإنسان بالجهل والنسيان، وقالوا: يسقط الترتيب
بين الصلاتين المجموعتين بالجهل، فهذا يدل على أنه إذا اختل الترتيب لعذرٍ من
الأعذار فإنه يسقط عن الإنسان؛ لأنه فعل العبادة، أتى بالعبادة لكن على وجهٍ غير
مرتب، فإذا جاء الإنسان وقد مضت أيام التشريق وقال: إنه كان يرمي في أيام التشريق
منكسًا فأرجو ألا يكون هناك بأس بإفتائه بأن رميه صحيح وأنه لا يجب عليه ما يجب على
من ترك الرمي.
(فإن رماه كله في اليوم الثالث أجزأه، ويرتبه بنيته): إن
رماه: الضمير يعود على الحصى، حصى الجمار، كله في اليوم الثالث، الثالث أو
الرابع؟
الطلبة: الثالث.
الشيخ: الثالث؛ لأن المؤلف يتكلم عن إن رمى أيام التشريق، إن
رماه كله أجزأه، ولكن يقول: يرتبه بنيته، يرتب الأيام بنيته، فمثلاً يبدأ برمي أول
يوم بالأولى ثم الوسطى ثم العقبة، ثم يعود فيرمي لليوم الثاني بالأولى ثم الوسطى ثم
العقبة، ثم يعود فيرمي للثالث يبدأ بالأولى ثم الوسطى ثم العقبة.
ولا يجزئ أن
يرمي الأولى عن ثلاثة أيام، ثم الوسطى عن ثلاثة أيام، ثم العقبة عن ثلاثة أيام؛ لأن
ذلك يفضي إلى التداخل، تداخل العبادات وإدخال جزء من عبادة يوم في عبادة يوم
آخر.
وما ذهب إليه المؤلف رحمه الله من جواز جمع الرمي في آخر يوم فيه نظر، بل
هو ضعيف؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رمى كل يوم في يومه وقال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، ولأنه رخص
للرعاة أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا ،
كلمة (رخص) تدل على أن مَن سواهم فإن وقت الرمي في حقه عزيمة. وهذا
القول هو الصحيح، أنه لا يجوز أن يؤخر رمي الجمرات إلى آخر
يوم إلا في حالٍ واحدة، لو فرضنا أن منزله بعيد؛ إذ ما يكون منزله في أقصى منى
من الشمال أو من الشرق ويصعب عليه أن يتردد كل يوم، لا سيما في أيام الحر وأيام
الزحام، فهنا نقول: لا بأس أن يؤخر الرمي إلى آخر يوم ويرميه مرة واحدة؛ لأن هذا
أولى بالعذر ممن؟
الطلبة: الرعاة.
الشيخ: من الرعاة الذين رخص لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن
يجمعوا الرمي في يوم. وأما من كان قادرًا والرمي عليه سهل لقربه من الجمرات، أو
لكونه يستطيع أن يركب السيارات حتى يقرب من الجمرات، فإنه يجب أن يرمي كل يومٍ في
يومه.
قال: (ويرتبه بنيته، فإن أخره عنه) أي: عن أيام التشريق
(فعليه دم) ولو لعذر؟ نعم ولو لعذر، لكن إذا كان لعذر يسقط عنه الإثم، وأما
جبره بالدم فلا بد منه. فلو فرض أن رجلاً من الناس لم يظن أن رمي الجمرات واجب، أو
لم يظن أن الترتيب فيها واجب، وجاءنا يسألنا بعد أن مضت أيام التشريق، ماذا نقول
له؟
نقول: على ما مشى عليه المؤلف يجب عليك دم، يجب عليك دم، فإذا قال: أنا
جاهل، قلنا: نعم أنت جاهل ويسقط عنك الإثم، لكن هذا العمل الذي فاتك بجهلك له بدل
وهو الدم، فيجب عليك أن تذبح فدية توزعها على الفقراء في مكة.
قال: (أو لم
يبت بها) يعني لم يبت بها، الضمير يعود على منى، لم يبت بها ليلتين إن تعجل أو
ثلاث ليال إن تأخر فعليه دم، والدم إذا أُطلق فهو ما يجزئ في الأضحية بأن يكون من
بهيمة الأنعام وقد تم له السن المعتبر شرعًا وسلم من العيوب المانعة من
الإجزاء.
وقول المؤلف: (أو لم يبت بها) عُلم منه أنه لو ترك ليلة من
الليالي فإنه ليس عليه دم، وهو كذلك، فإذا ترك ليلة من الليالي فعليه إطعام مسكين،
وليلتين إطعام مسكينين، وثلاث ليال دم، وقيل: إن ترك المبيت فإنه ليس عليه دم
مطلقًا، وهذا مبني على أن المبيت سنة وليس بواجب، واستدل هؤلاء لكون المبيت سنة وليس بواجب أن الرسول عليه الصلاة
والسلام رخص لعمه العباس في السقاية أن يبيت بمكة من أجل سقي الناس ماء زمزم ،
وهذا ليس بضرورة أن يبيت؛ إذ من الجائز أن تترك زمزم كل من جاء شرب منها، ولكن كون
الرسول عليه الصلاة والسلام يرخص للعباس يدل على أن الأمر في ذلك واسع، ولكن الصحيح
أنه واجب - أي المبيت - لأن كلمة رخص للعباس أن يبيت في مكة من أجل سقايته يدل على
أن ما يقابل رخصة فهو عزيمة لا بد منه.
ولكن لا نفعل كما يفعل بعض
المفتين اليوم، يأتيه الرجل يقول: أنا لم أدرك الليل كله في منى، فات عليّ بعض
الليل وأنا في مكة، نزلت إلى مكة أقضي الحج أطوف ثم تأخر بي السير، ولم أصل إلى منى
إلا بعد الفجر مثلاً، فيقول: عليك دم، كل كلمة يمكن، كل كلمة يقول: عليك دم، وهذا
غلط؛ لأن إلزام المسلمين بما لم يلزمهم الله به يعتبر عدوانًا.
لكن ما ظنكم لو
أن مفتيًا أفتى بغير علم وقال للحاج: عليك دم، فذهب الحاج واشترى دمًا بخمس مئة
ريال وتصدق به على الفقراء، هل يمكن أن نقول بتضمين المفتي؟
طالب: بلى وإي نعم.
الشيخ: هو بغير
علم.
طالب: يضمن.
الشيخ:
نعم، نقول بضمانه، بتضمينه؛ لأنه هوالذي أفتاه بغير علم وألزمه بما لم يلزمه
الله.
ونحن نستفيد من هذا التضمين بأن هذا الذي أفتى بغير علم اليوم لا يفتي
بمثله أبدًا، ولا يفتي بمسألة إلا وقد علمها أو غلب على ظنه أن هذا حكمها. قال
المؤلف: نعم.
طالب: انتهى.
الشيخ: انتهى، هذا يقول.
طالب: نعم
(...).
الشيخ: أكثر الناس ينسب السعي بين الصفا
والمروة للاقتداء بأم إسماعيل، وأن هذه الأَمة كذا أو الأُمّة.
طالب: هذه الأُمّة.
الشيخ: وأن هذه
الأُمّة.
طالب: اقتداؤها بالرسول صلى الله عليه
وسلم.
الشيخ: تتابع.
الطالب: اقتداؤها بالرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: تتابع (...) رسول الله صلى الله عليه وسلم (...) رأي
(...)؟ أيش، ويش الإشكال في هذا؟
الطالب: الإشكال أن
الناس ينسبون كل السعي والسعي بين (...) إلى أم إسماعيل.
الشيخ: أيوه
الطالب: (...) الرسول
صلى الله عليه وسلم (...).
الشيخ: لا، على كل حال فعل
الرسول هو الأصل، يعني نحن بالنسبة لنا نتبع الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن أصل
المشروعية هو؟
الطلبة: ما جرى لأم إسماعيل.
الشيخ: ما جرى لأم إسماعيل، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام
نفسه قال: «فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ سَعَى النَّاسُ» .
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام (...) على آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى:ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب، وإلا لزمه المبيت والرمي من الغد، فإذا أراد الخروج من مكة لم يخرج حتى يطوف للوداع، فإن أقام أو اتجر بعده أعاده، وإن تركه غير حائضٍ رجع إليه، فإن شق أو لم يرجع فعليه دم، وإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع، ويقف غيرُ الحائض بين الركن والباب داعيًا بما ورد، وتقف الحائض ببابه وتدعو بالدعاء، وتستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه.
الشيخ: (...) محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، سبق لنا في الدرس الماضي ما يفعله الإنسان في يوم العيد وأنه خمسة أنساك، وأنها مرتبة كالتالي: الرمي، النحر، الحلق أو التقصير، الطواف، السعي. وأنه لو قدم بعضها على بعض فلا حرج؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن التقديم والتأخير فقال: «لَا حَرَجَ» .
وسبق لنا أنه إذا طاف وسعى أنه يرجع إلى منى ويبيت فيها ليلتين إن تعجل، وثلاثًا إن تأخر، وفي هذه الأيام يرمي الجمرات الثلاث بعد الزوال، يرمي الأولى، ثم الوسطى، ثم العقبة، ويقف بين الأولى والوسطى وبين الوسطى والعقبة ولا يقف بعد العقبة، إذن العقبة ليس بعدها وقوف لا في يوم النحر ولا في أيام التشريق.
وسبق لنا أنه يكبر مع كل حصاة؛ عند الرمي يقول: الله أكبر بدون بسملة، وسبق أنه يجب ترتيب هذه الجمرات الأولى ثم الوسطى ثم العقبة.
قال المؤلف رحمه الله: (فإن رماه كله في الثالث أجزأه) أظن أخذنا هذا.
نعم، وسبق لنا أن المذهب أنه يجوز تأخير الرمي إلى آخر يوم، ولكن يجب أن يرتبه بنيته؛ الثلاث عن اليوم الأول، والثلاث عن اليوم الثاني، والثلاث عن اليوم الثالث إن تأخر، وأن القول الراجح خلاف ذلك، وأنه لا يجوز أن يؤخر الرمي إلى آخر يوم إلا إذا كان هناك عذر، مثل أن يكون مريضًا، أو يكون مكانه بعيدًا، أو ما أشبه ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يرخص في التأخير إلا للرعاة فقط .
***
قال المؤلف رحمه الله: (ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب) هذا مبتدأ درس الليلة: من تعجل خرج قبل الغروب، وقول المؤلف: (في يومين) المراد باليومين الحادي عشر والثاني عشر؛ لقول الله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ [البقرة: ٢٠٣] أي من هذه الأيام المعدودات، والأيام المعدودات هي أيام التشريق.وبعض العوام يظنون أن قوله: مَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِيعني يومي العيد والحادي عشر، فيتعجلون في الحادي عشر، ولكن هذا غلط محض لم يقل به أحد من أهل العلم، وإنما المراد من تعجل في يومين من هذه الأيام الثلاثة أيام التشريق.
يقول المؤلف رحمه الله: (ومن تعجل في يومين خرج قبل الغروب) خرج من أي مكان؟ من منى قبل أن تغرب الشمس، وذلك ليصدق عليه أنه خرج في اليومين؛ إذ لو أخر الخروج إلى ما بعد الغروب لم يكن تعجل في يومين؛ لأن اليومين قد فاتا، إذن لا بد أن يخرج قبل غروب الشمس، وإلا لزمه المبيت والرمي من الغد، وإلا يعني: وإلا يخرج قبل غروب الشمس لزمه المبيت إلا في الثالث عشر، والرمي من الغد بعد الزوال كاليومين قبله.
الدليل أن الله قال: فِي يَوْمَيْنِ، و(في) للظرفية، والظرف لا بد أن يكون أوسع من المظروف، فلا بد أن يكون الخروج في نفس اليومين، وقد روي عن عمر رضي الله عنه ما يدل على ذلك، أنه إذا أدركه المساء فإنه يلزمه أن يبقى .
ولكن هنا مسألة، لو أن الجماعة قوضوا الخيام وحمَّلوا العفش وركبوا، ولكن حبسهم المسير لكثرة السيارات، فغابت عليهم الشمس قبل الخروج من منى، فهل نقول: يجب عليكم أن ترجعوا وتبيتوا أو لهم أن يستمروا في الخروج؟
الطلبة : الثاني.
الشيخ: الثاني؛ لأن هؤلاء حُبسوا بغير اختيار منهم، وإلا فقد تعجلوا.
قال: (فإذا أراد الخروج من مكة لم يخرج حتى يطوف للوداع) إذا أراد الخروج من مكة إلى أي مكان؟
الطلبة: مزدلفة.
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف أنه إذا أراد الخروج من مكة لأي بلد كان، المهم أن يفارق مكة، فإنه لا يخرج حتى يطوف للوداع، وصرح بعض الأصحاب ومنهم صاحب الغاية - فيما أظن - قال: إذا أراد الخروج من مكة إلى بلده لم يخرج حتى يطوف للوداع.
ووجه ذلك - التقييد بالبلد - أنه إذا أراد الخروج إلى بلدٍ آخر فإنه لم يزل في سفر ولم يرجع، فمثلًا لو كان في مكة وانتهى الحج ثم خرج إلى جدة وليس من أهل جدة أو خرج إلى الطائف وليس من أهل الطائف فإنه على هذا التقييد، تقييد إذا رجع، نعم تقييد أراد الخروج من مكة إلى بلده، فإنه في هذا الحال لا يطوف للوداع؛ لأنه لم يرد الخروج إلى بلده وهو في حكم المسافر، لا زال مسافرًا، وهذا التقييد تقييد حسن.
والدليل على هذا أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يأمر أصحابه أن يطوفوا للوداع حين خرجوا من مكة إلى المشاعر، وإن كان قد يقال: إن الرسول لم يأمرهم بذلك؛ لأنهم لم يتموا نسكهم حتى يُلزموا بالوداع.
على كل حال اللي يظهر أن هذا التقييد أصح من الإطلاق، ولكن لو أن الإنسان عمل بالأمرين طاف إذا أراد الخروج من مكة إلى بلدٍ آخر، وإذا رجع إلى مكة طاف إذا أراد الخروج إلى بلده لكان خيرًا.
لكن إذا كان الأمر فيه مشقة أن يطوف مرتين، فلا يظهر الإلزام بالطواف إذا أراد الخروج إلى غير بلده؛ لأنه في الواقع لم يغادر مكة، سوف يرجع إليها، أما لو أراد الخروج إلى بلدٍ آخر عبر سفره إلى بلده فهنا يطوف، كما لو أراد الخروج إلى بلده عن طريق المدينة فاتجه إلى المدينة وهو يريد السفر إلى بلده فإن هذا يلزمه الطواف لأنه حقيقة غادر مكة.
ثم قال: (فإن أقام أو اتجر بعده أعاده) أفادنا المؤلف بقوله: (فإن أقام) إلى آخره أنه لا بد أن يكون هذا الطواف آخر أموره، وهو كذلك، فلا بد أن يكون آخر أموره؛ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض .
آخر عهدهم بالبيت، وعلى هذا فلا بد أن يكون الطواف آخر شيء، وبه نعرف أن ما يفعله بعض الحجاج من كونهم يطوفون للوداع، ثم يخرجون إلى منى ويرمون الجمرات، ثم يغادرون، فإن فعلهم خطأ، لماذا؟ لأن آخر عهدهم بالجمار وليس البيت، والنبي عليه الصلاة والسلام إنما طاف للوداع بعد الانتهاء من النسك كله.
وقوله: (فإن أقام) ظاهره مطلقًا أنه إذا أقام بعد طواف الوداع، سواء كانت الإقامة طويلة أم قصيرة، إلا أنهم استثنوا من ذلك إذا أقام لانتظار الرفقة فإنه لا يلزمه إعادة الطواف ولو طال الوقت.
فمثلًا إذا طاف وخرج ينتظر رفقته في البيت، أو ينتظر رفقته في السيارة، وتأخروا، فإنه لا يلزمه إعادة الطواف، وكذلك لو فرض أنه طاف ولما ركب وسار، صار في السيارة الخراب، فجلس في مكة من أجل إصلاح هذا الخراب، فإنه لا يلزمه إعادة الطواف، لماذا؟
لأنه إنما أقام لشيء ينتظر متى انتهى واصل السفر.
وقول المؤلف: (أو اتجر بعده أعاده)، أو اتجر يعني اشترى شيئًا للتجارة، أو باع شيئًا للتجارة، فإنه يعيده، وعلم من ذلك أنه لو اشترى حاجة في طريقه لا تجارة فإنه لا بأس به، فلو أنه خرج بعد أن ودَّع ثم مر بالبقالة واشترى أشياء يحتاجها في سفره، أو اشترى هدايا لأهله، فإن ذلك ليس بتجارة ولا يضر، على أننا نُرغِّب أن يكون شراؤه هذا قبل طوافه.
وعُلم من كلام المؤلف أنه إذا طاف للوداع فإنه لا يرجع القهقرى إذا أراد أن يخرج من المسجد - القهقرى يعني على وراء - ولا يقف عند الباب فيكبر ثلاثًا، ويقول: السلام عليك يا بيت الله، فإن هذا كله من البدع، إذا ودعت فامض في سبيلك، واستدبر الكعبة، ولا شيء عليك؛ لأن تعظيم الكعبة إنما يكون باتباع ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يكن يرجع القهقرى، ولم يكن إذا انتهى إلى باب المسجد وقف ونظر إلى الكعبة وودعها، بل كان عليه الصلاة والسلام ودع ومشى على المعتاد.
(وإن تركه) غير حائضٍ (رجع إليه)، إن تركه أي الحاج، غير حائض يعني ولا نفساء، فإنه يرجع إليه، فإن تركته الحائض فإنه لا يلزمها الرجوع لو طهرت إلا إذا طهرت قبل مفارقة بنيان مكة، فإنه يلزمها الرجوع، أما لو طهرت بعد مفارقة البنيان ولو بيسير ولو داخل الحرم فإنه لا يلزمها أن ترجع، الدليل على هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما: إلا أنه خُفف عن الحائض .
قال: (وإن تركه) غير حائض (رجع إليه، فإن شق، أو لم يرجع، فعليه دم) إن شق الرجوع ولم يرجع فعليه دم، أو لم يرجع بلا مشقة فعليه دم، لكن الفرق أنه إذا تركه للمشقة لزمه الدم ولا إثم، وإذا تركه لغير مشقة لزمه الدم مع الإثم؛ لأنه تعمد ترك واجب.
وقول المؤلف: (إن تركه رجع إليه فإن شق)، تركه إلى أين؟
يقول: إذا تركه قبل مسافة القصر ولم يرجع قبل مسافة القصر فإن جاوز المسافة استقر عليه الدم، سواء رجع أم لم يرجع، وكذلك لو وصل إلى بلده فإن الدم يستقر عليه، سواء رجع أم لم يرجع.
وعلى هذا فأهل جدة لو خرجوا إلى جدة قبل طواف الوداع ثم رجعوا بعد أن خَفَّ الحرم وطافوا فإن الدم لا يسقط عنه لأنه استقر في مسافة القصر أو بوصوله إلى بلده، حتى لو فرض أن أناسًا من بلد دون جدة كأهل بحرة مثلاً فإنهم إذا وصلوا إلى بلدهم استقر عليهم الدم؛ لأنهم تركوه وانتهوا منه.
وقول المؤلف: (فعليه دم) إذا قيل: ما هو الدليل على وجوب الدم؟ قلنا: الأثر المشهور عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا .
وهذا نسك واجب أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيكون في تركه دم، وهذا الحديث أو وهذا الأثر مشهور عند العلماء، واستدلوا به وبنوا عليه وجوب الفدية بترك الواجب وقالوا في تقرير هذا الدليل: إن هذا قول صحابي ليس للرأي فيه مجال، فوجب العمل به؛ لأن قول الصحابي الذي ليس للرأي فيه مجال يكون له الحكم؟
الطلبة: الرفع.
الشيخ: الرفع، يكون له حكم الرفع.
وقال بعض العلماء: إن هذا قول صحابي لا شك، لكن يمكن أن يكون صادرًا عن اجتهاد ويكون للرأي فيه مجال، وجهه أن يقيس ترك الواجب على فعل المحرم، فعل المحرم محظورات الإحرام فيها دم، وجه القياس أن الكل في هذا وفي هذا انتهاك لحرمة النسك؛ ترك الواجب انتهاك لحرمة النسك وفعل المحظور انتهاك لحرمة النسك، فيكون ابن عباس رضي الله عنهما بنى هذا الحكم على أيش؟ على اجتهاد، وإذا بناه على اجتهاد فإنه يكون قول صحابي وليس مرفوعًا، ويبقى النظر هل قول الصحابي حجة؟
فيه خلاف بين العلماء مشهور في أصول الفقه، وهو عند الإمام أحمد رحمه الله حجة ما لم يخالف نصًّا أو قول صحابي، فإن خالف نصًّا فلا عبرة به، العبرة بالنص، وإن خالف قول صحابي طُلب الترجيح بين القولين.
إذن المسألة على هذا التقرير تكون من باب الاجتهاد، ونحن نفتي الناس بالدم وإن كان في النفس شيء من ذلك، لكن من أجل الانضباط، انضباط الناس وحملهم على فعل المناسك الواجبة يكون بإلزامهم بهذا الشيء - أي بالدم - لأن العامي إذا قلت له: ليس عليك دم وإنما عليك أن تستغفر الله وتتوب إليه، مو سهل، ما فيه إلا التوبة، يظن أن التوبة سهلة، والتوبة ما أصعبها، من الذي يتوب إلى الله توبة نصوحًا مسألة ما هي هينة، لكن عامي لا تأخذ منه قرشًا والباقي عنده سهل.
على كل حال إلزام الناس بهذا الشيء وإن كان في النفس منه شيء من حيث الدليل فإنه من الحكمة، من أجل ألا يتهاون الناس بالواجبات.
ثم قال: (وإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأ عن طواف الوداع).
نعم إن أخر طواف الزيارة، ما هو طواف الزيارة؟
الطلبة: طواف الإفاضة.
الشيخ: هو طواف الإفاضة، يعني طواف الحج، فطافه عند الخروج أجزأه عن طواف الوداع، كيف يجزئه وطواف الوداع واجب وطواف الإفاضة ركن؟
قلنا: لأن المقصود من طواف الوداع أن يكون آخر عهده.
الطلبة: بالبيت.
الشيخ: بالبيت، وقد حصل، فيكون مجزئًا عن طواف الوداع، وهذا واضح فيما إذا كان من قارن أو مفرد وسعى بعد طواف القدوم؛ لأنه في هذه الحال ليس عليه إلا طواف يطوف وينصرف، لكنه مشكل فيما إذا كان من متمتع؛ لأن المتمتع لا بد أن يطوف ويسعى، فكيف الحل؟
قال بعض العلماء أو بعض طلبة العلم: الحل أن يقدم السعي على الطواف؛ لأن تقديم السعي على الطواف في الحج جائز؛ لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا حَرَجَ» ، فإذا قدم السعي على الطواف صار الطواف آخر شيء.
وقال بعض العلماء: بل لا حاجة إلى ذلك، بل يقدم الطواف ويأتي بالسعي بعده، والسعي تابع للطواف فلا يضر أن يفصل بين الطواف وبين الخروج، واستدل البخاري رحمه الله على ذلك بأن الرسول عليه الصلاة والسلام أذن لعائشة أن تأتي بعمرة بعد تمام النسك، فأتت بعمرة فطافت وسعت وسافرت ، فحال السعي بين الطواف والخروج، وبأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طاف للوداع وصلى صلاة الفجر وقرأ بالطور ، فهذا يدل على أن مثل هذا الفصل لا يضر، وهذا عندي أقرب من القول الأول الذي يقول بتقديم السعي؛ لأن هذا يحصل في الترتيب، ترتيب مشروع، وهو أن يُقدم الطواف على السعي.
في هذه الصورة - أعني إجزاء طواف الإفاضة عن طواف الوداع - ربما نقول: لا تخلو من ثلاث حالات: أن ينوي طواف الإفاضة فقط، أن ينوي طواف الوداع فقط، أن ينويهما جميعًا، الصورة التي ذكرها المؤلف هو أن يؤخر طواف الإفاضة فيجزئ عن طواف الوداع بلا نية.
فعلى هذا نقول: الصورة الأولى: إذا نوى طواف الإفاضة ولم يكن عنده نية طواف الوداع فما الحكم؟
طالب: يجزئ عن طواف.
الشيخ: يجزئ كما تجزئ الفريضة عن تحية؟
الطلبة: المسجد.
الشيخ: المسجد.
الصورة الثانية إذا نواهما جميعًا.
طالب: يجزئ.
الشيخ: يجزئ أيضًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .
الصورة الثالثة: إذا نوى طواف الوداع فقط ولم ينوِ طواف الإفاضة.
الطلبة: لا يجزئه.
الشيخ: فإنه لا يجزئه عن طواف الإفاضة، لا يجزئ عن طواف الإفاضة، وهذه مسألة يجب أن ينبه الناس لها؛ لأن أكثرهم يقول: إذا أخر طواف الإفاضة فطافه عند الوداع أجزأ فطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع، يقول: أنا نويت الوداع فقط، ولا ترى على باله طواف الإفاضة، فنقول في هذه الحال: إنه لا يجزئه؛ لأن طواف الإفاضة ركن وطواف الوداع واجب، فهو أعلى منه، ولا يجزئ الأدنى عن الأعلى، لكن لو قال قائل: ألستم تقولون: إن الرجل إذا حج عن نفسه ونوى أنها نافلة، وهو لم يؤد الفريضة، ألستم تقولون: إن هذه النافلة تقع عن الفريضة؟
الجواب: بلى نقول ذلك. وكذلك لو حج عن غيره وهو لم يحج عن نفسه مع وجوب الحج عليه، فإن الحج يقع عن نفسه؟
أقول: لا يستقيم هذا؛ لأن مسألتنا جزء من حج، بخلاف الحج كاملًا، فالحج كاملًا، نقول فيه: إن ذمته مشغولة بالفريضة، فإذا أدى ما دون الفريضة صار للفريضة، وأما هذا فهو جزء من عبادة، فإن طواف الوداع إن قلنا: إنه من الحج فهو جزء منه، وإن قلنا: إنه مستقل فإنه لا يمكن أن يجزئ واجب عن ركن.
قال: (ويقف غير الحائض بين الركن والباب).
(يقف) يعني الحاج إذا ودَّع، يقف (بين الركن) أي الحجر الأسود (والباب) باب الكعبة، ومسافته كما تعلمون قليلة، فيقف يقول بالشرح: ويلصق به وجهه وصدره وذراعيه وكفيه مبسوطتين.
وهذا يسمى الالتزام عند أهل العلم، والمكان هذا يسمى الملتزم.
وهي مسألة اختلف فيها العلماء، مع أنها لم ترد عن النبي عليه الصلاة والسلام، إنما صحت عن بعض الصحابة، هل الالتزام سنة؟ ومتى وقته؟ هل هو عند القدوم أو عند المغادرة أو في كل وقت؟
ووجه الخلاف بين العلماء في هذا أنه لم ترد فيه سنة عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يفعلون ذلك عند القدوم، والفقهاء قالوا: يفعله عند المغادرة، فيلتزم في الملتزم - وهو ما بين الركن الذي فيه الحجر والباب - على الصفة التي سمعتم التي ذكرها الشارح ويقول ما ورد.
ثم ذكر الشارح رحمه الله دعاءً طويلاً، نعم، ومنه: (اللهم هذا بيتك، وأنا عبدك، وابن عبدك، وابن أَمَتِكَ، حملتني على ما سخَّرتَ لي من خلقك، وسيَّرتني في بلادك حتى بلَّغْتَني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نُسُكي، فإن كنت رضِيتَ عني فازدد عني رضًا، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، وهذا أوان صلاتي، إن أنت أذِنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك، ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسِن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيت لي، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير. ويدعو بما أحب، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم). وهذا يحتاج إلى تخريج.
طالب: الالتزام؟
الشيخ: إي نعم، الالتزام لا بأس به، لا بأس أن يلتزم الإنسان ما لم يكن فيه ضيق وأذية فلا يفعل.
طالب: (...) هذا الموضع.
الشيخ : في القدوم والذهاب الرجوع.
الطالب: في جميع البيت؟
الشيخ: لا، في هذا الموضع فقط، هذا الملتزم.
قال: (وتقف الحائض ببابه) أي بباب المسجد (وتدعو بالدعاء) وهذا لا دليل عليه، كون الحائض تأتي وتقف بباب المسجد وتدعو بهذا الدعاء ليس له دليل إطلاقًا، والنبي عليه الصلاة والسلام لما قيل له: إن صفية قد أفاضت قال: «انْفِرُوا»، أو قال: «فَلْتَنْفِرْ» ، ولم يقل: فلتأت إلى المسجد وتقف ببابه. وعلى هذا فيكون هذا القول -أي أن الحائض تأتي وتقف بباب المسجد وتدعو بالدعاء- يكون هذا قولاً ضعيفًا لا يُعمل به.
ثم قال: (وتستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما)
طالب: (وقبري صاحبيه).
الشيخ: عندنا (قبر) بدون ياء، إن كانت (قبري) فظاهر، وإن كانت (قبر) فهو مفرد.
طالب: مضاف.
الشيخ: مضاف فيعم، لكن لا شك أن (قبري صاحبيه) أصح، بل يتعين في هذا السياق، لماذا؟ لأنه إذا قيل: قبر صاحبيه يوهم أنه قبر واحد لاثنين، وليس كذلك، ولهذا الصواب النسخة اللي عندكم.
(وقبري صاحبيه رضي الله عنهما) الدليل قال: لحديث: من حج فزارني بعد وفاتي.
طالب: «فَزَارَ قَبْرِي».
الشيخ: من حج نعم «مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» رواه الدارقطني .
لكن هذا لا يحتاج إلى تخريج الظاهر، نعم.
الطلبة: ضعيف هذا.
الشيخ : نعم موضوع.
طالب: موجود يا شيخنا (...) والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
الشيخ: اللي عندي الدارقطني فقط.
الطلبة: (...)
الشيخ: طيب على كل حال حديث ضعيف هذا، موضوع لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن كلام النبي عليه الصلاة والسلام كله حق، وهل الذي يزور قبره بعد وفاته كالذي يزوره في حياته؟
الطلبة: لا.
الشيخ: أبدًا، ولا يشبهه بأي حال من الأحوال.
طالب: مبسوط.
طالب آخر: (...) تخريج شيخ الإسلام.
الشيخ: نعم.
الطالب: (...) تخريج شيخ الإسلام ذلك.
الشيخ: نعم، على كل حال هذا الحديث لا يصح.
إذن ما هو الدليل على استحباب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه؟
الدليل عموم الأدلة الدالة على استحباب زيارة القبور، ولكن ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه يشد الرحل إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبري صاحبيه.
يعني أن الحاج إذا انتهى يشد الرحل إلى المدينة ليزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبري صاحبيه، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء، فمنهم من قال: إن شد الرحل إلى القبور لا بأس به؛ لأنه شد لعمل صالح، فالرسول أمر بزيارة القبور ولم ينه عن شد الرحل لها، بل قال: «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» ، وخير قبورٍ يُشد لها الرحل.
طالب: قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبرا صاحبيه.
ومنهم من قال: إنه مكروه شد الرحل لزيارة القبور، ومنهم من قال: إنه محرم، وهو الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقرره بأدلة إذا طالعها الإنسان تبين أن ما ذهب إليه هو الحق.
قال المؤلف رحمه الله: (وصفة العمرة: أن يحرم بها من الميقات، أو من أدنى الحل من مكي ونحوه، لا من الحرم).
صفة العمرة أن يحرم بها فهي إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير، أربعة أشياء، الإحرام يقول: أن يحرم بها من الميقات، إن مر به أو من محاذاته إن لم يمر به أو مما دونه إن كان دون الميقات، المهم أن يحرم بها على حسب ما سبق في المواقيت.
وقول المؤلف: (أو من أدنى الحل من مكي ونحوه) وأدنى الحل بالنسبة إلى مكة إلى الكعبة التنعيم هو أدنى الحل، أما بالنسبة لمن أراد العمرة فقد يكون التنعيم، وقد يكون غير التنعيم، فالذي في مزدلفة مثلًا أدنى الحل إليه عرفة، والذي في الجهة الغربية من مكة أدنى الحل إليه الحديبية وهكذا، المهم أنه يحرم من أدنى الحل.
ولا يلزمه أن يقصد التنعيم الذي عينه الرسول عليه الصلاة والسلام لعائشة أو الجعرانة التي أحرم منها النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين رجع من غزوة حنين ، لا يلزمه ذلك؛ لأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة أن تحرم من التنعيم لكونه أقرب الحل إليها، وإحرامه من الجعرانة لكونه نازلًا بها.
وقوله: (من مكي ونحوه).
المكي هو ساكن مكة، ونحوه هو الآفاقي المقيم بمكة، فكلاهما يحرم من أدنى الحل، وقد سبق لنا تقرير ذلك وبيان شبهة من قال من أهل العلم: إن المكي يحرم من مكة لعموم الحديث.
قال: (لا من الحرم).
يعني: لا يحرم للعمرة من الحرم، فإن فعل انعقد إحرامه، ولكن يلزمه دم لتركه الواجب، وهو الإحرام من الحل.
قال: (وتباح كل وقت، فإذا طاف وسعى وحلق أو قصر حل)؛ لأن العمرة مكونة من إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير، من أربعة أشياء. نعم.
طالب: عندي: حلق أو قصر.
الشيخ: نعم: وحلق أو قصر.
الطالب: تصحيحه.
الشيخ: عندي متن.
قال: (وتباح كل وقت).
تباح العمرة في كل وقت، أما الحج فهو أشهُر معلومات، العمرة تباح في كل وقت حتى في يوم عيد النحر، وحتى في يوم عرفة، وحتى في أيام التشريق، فمثلاً لو أن أحدًا قدم إلى مكة في يوم عرفة هل نقول: إن العمرة لا تصح لأن الوقت للحج؟ لا، نقول: تصح، لكن الحاج هو الذي ينبغي أن يقال له: اذهب إلى عرفة ولا تتمتع؛ لأن وقت التمتع قد فات، ولكن انو القران أو الإفراد.
وقول المؤلف: (تباح كل وقت) لم يذكر رحمه الله هل يُسن أن يعتمر كل وقت أو في السنة مرة أو في الشهر مرة أو ماذا؟
ذكر شيخ الإسلام في الفتاوى رحمه الله اتفاق السلف على أنه يكره تكرارها، أي تكرار العمرة، وقال الإمام أحمد: لا يعتمر إلا إذا حمم رأسه - حمم يعني اسود - من الشعر.
وبناءً على هذا يكون ما يفعله العامة الآن من تكرار العمرة، ولاسيما في رمضان كل يوم، إن لم يكن بعضهم في اليوم والليلة، في النهار عمرة وفي الليل عمرة.
(...) عندي يقول: ويكره الإكثار والموالاة بينها باتفاق السلف، قاله في المبدع لابن مفلح، وقاله أيضًا شيخ الإسلام رحمه الله قبله: إنه يكره.
وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» فهو مطلق مقيد بعمل السلف رضوان الله عليهم.
طالب: (...) ويستحب تكرارها.
الشيخ: نعم، إي نعم، قال: (ويستحب تكرارها في رمضان لأنها تعدل حجة)، هذا غلط، هذا ليس بصحيح؛ لأن كراهة السلف لتكرارها عام في رمضان وفي غيره.
قال: (وتجزئ عن الفرض) ما الذي تجزئ عن الفرض؟ العمرة، تجزئ عن الفرض في أي وقتٍ أداها، عمرة المتمتع تجزئ عن الفرض، وعمرة القارن.
الطلبة: تجزئه.
الشيخ: تجزئ عن الفرض؛ لأن القارن أتى بعمرة وحج؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» ، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم لها حجًّا وعمرة.
لو جعل القارن عمرته لشخص وحجه لآخر يجزئ؟
طالب: قارن؟
الشيخ: قارن.
الطالب: لا يجزئ.
الشيخ: جعل عمرته لشخص وحجه لآخر.
الطلبة: لا يجزئ.
الشيخ: المتمتع جعل عمرته لشخص وحجه لآخر؟
الطلبة: يجوز، يجزئ.
الشيخ: المتمتع واضح أنه يجزئ لأن العمرة؟
الطلبة: منفصلة.
الشيخ: منفصلة.
طالب: وتكون مفردة.
الشيخ: والقارن قال الفقهاء رحمهم الله: إنه يجوز؛ لأن القران وإن كان فعلاً واحدًا لكنه نسكان، وإذا كان نسكين أجزأ أن يجعل واحدًا منهما عن شخص والآخر عن شخصٍ آخر.
طالب: الصحيح؟
الشيخ: والله أنا أميل إلى أنه لا ينبغي أن يجعل العمرة لشخص والحج لآخر، لكن لو فعل لا أقول: إنه حرام؛ لأن الرسول أثبت أنهما نسكان.
طالب: النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الْحَجُّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» .
الشيخ: نعم.
الطالب: وقال: «مَن أَتَى هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» (...) يا شيخ (...) هذه الأحاديث تدل على (...)، ما أدري ما رأيك؟
الشيخ: وبهذا قال بعض أهل العلم، لكن الجمهور على خلاف ذلك، الجمهور قالوا: إنها لا تكفر إلا الصغائر، وأيدوا رأيهم هذا بقولهم: إن الصلوات الخمس أعظم من الحج، أعظم ثوابًا عند الله ومنزلة في الدين، ومع ذلك اشترط النبي صلى الله عليه وآله وسلم لتكفيرها للذنوب أن تجتنب الكبائر، ولكن الإنسان يرجو من الله عز وجل إذا كان حجه مبرورًا أن يكفر عنه جميع السيئات.
ويجاب عما ذكره الجمهور رحمهم الله بأن الحج أعظم مشقة وأكثر تعبًا من الصلاة، والإنسان الذي يقدم إليه من بلاد بعيدة، ولا سيما في الزمن الأول، يدل على رغبته الشديدة فيما يقرب إلى الله، فكان بهذا موجبًا لهدم كل ما سبق من الأعمال.
فلو أن الإنسان رجا ربه عز وجل أن تكفر عنه جميع الذنوب تمسكًا بهذا الحديث فإن الله عز وجل أكرم من عباده.
طالب: (...).
الشيخ: لا، لازم.
طالب: أحسن الله إليكم، وفي حديث أبي موسى لما قال: إني أهل بما أهل به.
الشيخ: رسولك.
الطالب: إني أهللت بما أهللت به يا رسول الله. فقال: «هَلْ سُقْتَ مِنْ هَدْيٍ؟». قال: لا. قال: «فَطُفْ بِالْبَيْتِ وَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا واَلْمَرْوَةِ» . فطفت.
الشيخ: «اجْعَلْهَا عُمْرَةً».
الطالب: «وَاجْعَلْهَا عُمْرَةً».
الشيخ: إي نعم.
الطالب: (...).
الشيخ: ما فيه دليل على وجوب سوق الهدي، فيه دليل على أن من لم يسق الهدي وهو قارن فإنه يجعلها عمرة.
طالب: (...) هذا أحرم بالعمرة ثم وطأ امرأته أثناء إحرامه قبل التحلل، أقول: ما الذي يجب عليه؟
الشيخ: ما تقولون فيه؟ رجل أحرم بعمرة وجامع زوجته قبل أن يتحلل، فماذا عليه؟
الطلبة: (...).
الشيخ: عليه فدية أذى (...) حصرنا لكم فيما سبق الفداء، وذكرنا أن محظورات الإحرام تنقسم:
ما ليس فيه فدية، وما فديته بدنه، وما فديته جزاء، وما فديته فدية الأذى. وهذا الحصر الذي ذكرنا سابقًا اعتمده لأجل ألا يُشكل عليك شيء.
طالب: شيخ، إذا قلنا: إن الدليل عند القول بزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم لعموم الدليل (...) العناء زيارة غيره من القبور.
الشيخ: نعم وهو كذلك.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، هو على كل حال الزيارة للقبور سواء قبر النبي عليه الصلاة والسلام أو قبر صاحبيه كلها من أجل أن تذكر الآخرة، لكن لا شك أنه يكون في قلب الإنسان إذا زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يكون في قلبه إذا زار قبر شخصٍ آخر، وأما الأحاديث الواردة «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي» ، أو «مَنْ زَارَنِي بَعْدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» فكلها ضعيفة، بل موضوعة.
طالب: أيهما أفضل العمرة في رمضان أو في الحج؟
الشيخ: أو في أشهر الحج يعني في أشهر الحج عمومًا، هذا يقول: أيهما أفضل: العمرة في رمضان أو في أشهر الحج؟
تردد ابن القيم رحمه الله في ذلك أيهما أفضل: العمرة في رمضان لأنها تعدل حجة، أو في أشهر الحج؛ لأن جميع عمر النبي صلى الله عليه وسلم كانت في أشهر الحج؟ والظاهر أنها في رمضان أفضل، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اعتمر في أشهر الحج من أجل دفع العقيدة التي كانت عند العرب بأن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، ويقولون: إذا عفا الأثر، وبرأ الدَّبَر، ودخل شهر صفر؛ حلت العمرة لمن اعتمر . ولَّا قبل حرام في مذهبهم.
طالب: هل يجوز لرجل شيخ أن ينيب عن نفسه أكثر من رجل يحج عنه في عام واحد؟
الشيخ: إي نعم، يجوز ذلك، لكن إذا أناب اثنين فأكثر في فريضة فأيهما يقع حجه عن الفريضة؟
الطلبة: الأول.
طالب: من أحرم أولًا.
الشيخ: من أحرم أولًا فهو الذي يقع حجه عن الفريضة، والثانية تكون نفلًا.
طالب: شيخ، عفا الله عنك، ذكرت بأن بعض العلماء قال بأن الترتيب ما بين الجمرات ليس بشرط، وأنه إذا نكس فنقول: إن رميك جائز.
الشيخ: نقول (...) والرمي صحيح.
الطالب: فيكون بذلك العادة الشرعية بأنه مجرد فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله العام: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، وفي نفس الوقت استدلوا بنفس الدليلين على عدم الرمي قبل الزوال، وأنه لو رمى قبل الزوال، فإنه ملزم بغير علة. يعني لو نفس الدليلين فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله العام، وفي الموضعين وموضع يثبت وموضع..
الشيخ: لا، بينهما فرق؛ لأن كون الرسول عليه الصلاة والسلام يختار ما بعد الزوال للرمي مع كونه أشق وأعظم يدل على أنه ليس بجائز قبل ذلك، وقول ابن عمر: كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا .
الطالب: في نفس الإيراد يَرد أن نتعلم الترتيب.
الشيخ: لا، ما يَرد على هذا الترتيب، ما هناك فرق بين أن تبدأ بالأخيرة أو بالأولى من جهة المشقة، بل أحيانًا إذا كنت من جهة الغرب يمكن بدؤك بالأولى أسهل.
طالب: شيخ، من حج تطوعًا قال: بيسقط الفريضة نقول: تكون فريضة، ومن صلى قبل صلاة الظهر ولم يصل الظهر أربعًا نقول نحن: ما تقع فريضة، ما الفرق بين الصورتين؟
الشيخ: يسأل يقول: لو صلى قبل الظهر، يعني قبل الزوال.
الطالب: لا في وقت الظهر قبل الفريضة.
الشيخ: في وقت الظهر قبل الفريضة. صلى أيش؟
الطالب: أربع ركعات.
الشيخ: بنية؟
الطالب: بنية تطوع.
الشيخ: إي نعم، الفرق بينهما أن الصلاة وقتها موسع، بخلاف الحج فإن وقته مضيق.
طالب: إذا قلنا بتحريم زيارة الأضرحة والقبور، كيف نرجح حديث «فَزُورُوهَا».
الشيخ: أيش؟
الطالب: الحديث الثاني: «فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ».
الشيخ: نعم.
الطالب: (...).
الشيخ: الذين أجازوا شد الرحل لزيارة القبور استدلوا بهذا الحديث الذي ذكرت: «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» .
والذين منعوا ذلك قالوا: لأن زيارة القبور عبادة متعلقة بمكان، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدُ الْأَقْصَى» .
وقالوا: إن قوله: «زُورُوا الْقُبُورَ» يعني فحوى الخطاب والحالة التي تكلم فيها الرسول عليه الصلاة والسلام تدل على أنها القبور التي في بلدك، لا تحتاج إلى شد رحل، وقالوا أيضًا: إن شد الرحل إلى جهات القبور تؤدي إلى شد الرحل للمغالاة فيها والتعلق بها، والشيطان من هذه الناحية يدخل على الإنسان حتى يوقعه في الشرك.
كلام شيخ الإسلام رحمه الله استدل بأدلة أكثرها غالبها أدلة عقلية وتعليلات، لكن إذا راجعتها اطمأننت إلى هذا القول.
طالب: فضيلة الشيخ، النص «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» عام لا (...) ولكن هذا عام مخصص إذا جاء عامان (...) نقدم (...).
الشيخ: لا، كل واحد يخصص الآخر، هذا إذا قلنا: إن قوله: «زُورُوا الْقُبُورَ» للعموم، فهذا عام وهذا عام، فيُنظر أيهما أولى بتخصيص الآخر، نقول: هذا نهي، لا تشد الرحال إلا إلى كذا، فهو نهي عام في كل شيء.
طالب: إذا قلنا: ستر العورة في السعي سنة.
الشيخ: أيش؟
الطالب: ستر العورة في السعي سنة، فلماذا نقول: ستر العورة؟
الشيخ: ستر العورة سنة؟
الطالب: في السعي.
الشيخ: في السعي، إي نعم.
الطالب: فلماذا لا يكون واجب (...) في غير السعي سترها واجب (...).
الشيخ: لا، فائدة قولنا: إن ستر العورة في السعي سنة أنه لو فرض أن الرجل سعى وقد انكشف شيء من عورته كانشقاق الثوب، وهو لم يعلم بذلك، فإننا لو قلنا: إنه شرط لزم من ذلك إعادة السعي، وإذا قلنا: ليس بواجب لم يجب إعادة السعي، ولكن ليس معنى قولنا هذا أنه لا يجب ستر العورة، ستر العورة واجب لكنه ليس شرطًا بالنسبة للسعي فقط.
طالب: شيخ (...).
الشيخ: إي نعم، الذي يجب إعادة الطواف فيما لو تأخر عن طواف الوداع نية الإقامة، ولو ساعة لغير ما استثني، مثل انتظار رفقة، الاتجار مطلقًا، حتى ولو كنت في طريقك تمشي مع صاحبك واشتريت منه شيئًا للتجارة فإنك تعيد.
طالب: قارن يجب عليه أن يسوق الهدي أنه حتى لا (...) السيارة حتى لا يجب أن يمشي بها من الميقات والآن سئلت..
الشيخ: هل قلنا: إن القارن يجب أن يسوق الهدي؟
الطلبة: لا.
الشيخ: قلنا: ما ساق الهدي لزم أن يقرن.
الطالب: يعني يجوز له أن يشتري شيئًا من مكة؟
الشيخ: إي، معلوم، كالمتمتع؟
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: (...) سكتت.
الشيخ: إي نعم، يقول: إذا قلنا: إن عمل القارن كعمل المفرِد، فما الفائدة من تقسيم الأنساك إلى ثلاثة؟
الجواب: الفائدة ظاهرة؛ لأن القارن يحصل له؟
الطلبة: نسكان.
الشيخ: نسكان: عمرة وحج، والقارن عليه هدي، والمفرِد؟
الطلبة: ليس عليه.
الشيخ: ليس عليه هدي.
طالب: (...)
الشيخ: لا، يختلف أيضًا؛ لأن القارن يحصل على نسكين، والمفرِد على نسك واحد.
طالب: في نفس (...)؟
الشيخ: نعم.
الطالب: في نفس (...).
الشيخ: في نفس الرحال، صحيح الأفعال واحدة.
طالب: إذا فقد النية فقط.
الشيخ: النية والعمل، إذا كان مفردًا وجب عليه أن يعتمر؛ لأن العمرة ما سقطت حتى الآن، وإذا كان قارنًا لم يجب أن يعتمر.
طالب: ذكرنا فيما سبق أن الملبي بعمرة يستمر نعم، الملبي بعمرة يستمر في التلبية حتى يستلم الحجر الأسود
الشيخ: كيف؟
الطالب: الملبي بعمرة سواء كان متمتعًا أو قارنًا قلنا: إنه يستمر في التلبية حتى يستلم الحجر الأسود.
الشيخ: مَن؟
الطالب: الملبي بعمرة إذا أحرم بعمرة.
الشيخ: نعم.
الطالب: يستمر في التلبية حتى يستلم الحجر الأسود.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لكن ثبت في البخاري عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا دخل أدنى الحرم قطع التلبية.
الشيخ: في البخاري؟
الطالب: نعم.
الشيخ: عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ثبته الآن.
طالب: (...).
الشيخ: بأن المتمتع يقطع التلبية إذا شرع في الطواف، لكن ثبت في صحيح البخاري من حديث نافع عن ابن عمر: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يلبي حتى إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية.
وثبت هذا من فعل ابن عمر رضي الله عنهما كما في حديث عُبيد بن جُبير عنه أنه إذا وصل أدنى بيوت مكة قطع التلبية . وأما ما ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يلبي حتى استلام الحجر الأسود فقد ذكر بعض المحدثين أن في سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ جدًّا.
على كل حال يكون المعتمد إذا وصل إلى أدنى الحرم فإنه يمسك عن التلبية؛ لأنه إذا ثبت عن الرسول ما أبدًا.
طالب: ما ثبت يا شيخ أنه كان لا يقطع التلبية إلا عند جمرة العقبة.
الشيخ: هذا إذا كان في حج.
طالب : (...) قارنًا يا شيخ؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: قارنًا.
الشيخ: القارن ما يقطع التلبية إلا إذا كان شرع في الرمي، وكذلك المفرد، وكذلك المتمتع، لكن الرسول اعتمر عدة مرات، اعتمر في الجعرانة، اعتمر عمرة القضاء فلعل ابن عمر أراد إحدى العمرتين.
طالب: شيخ، بارك الله في عمرك، قلت: الدعاء في آخر شوط على المروة لا يُشترط.
الشيخ: نعم.
الطالب: لأنه ليس في جوف العبادة، فيا شيخ الآن إذا سقطنا هذا الشوط، إذا سقطنا شوط السعي آخر شوط
الشيخ: إذا أيش؟
الطالب: إذا أسقطنا هذا الشوط، آخر شوط الذي على المروة.
الشيخ: نعم، يعني الدعاء، الدعاء والرقي يعني.
الطالب: قلت: الدعاء على آخر شوط على المروة.
الشيخ: نعم.
الطالب: على المروة لا يشرع فيه الدعاء.
الشيخ: قلنا: إذا وصل إلى المروة في آخر شوط لا يشترط الدعاء، وأما آخر شوط على المروة فإنه يدعو.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فهمت؟
الطالب: إي نعم معاك يا شيخ، يعني إذا وصل المروة نفسها..
الشيخ: يعني مثلًا آخر شوط وصل إلى المروة.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: خلاص انتهى السعي.
الطالب: انتهى الدعاء.
الشيخ: نعم.
الطالب: شكرًا يا فضيلة الشيخ.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم يا شيخ، ما هو الدليل على أنه من غابت عليه الشمس يلزمه الانضباط عليه؟ إذن الرجوع إلى منى.
الشيخ: المبيت.
الطالب: يلزمه المبيت.
الشيخ: ما هو الرجوع إلى منى إذا (...) الرجوع.
يقول: ما هو الدليل على أنه إذا غربت الشمس وهو في منى لزمه البقاء إلى اليوم الثالث عشر.
ذكرنا الدليل، وذكرنا أيضًا فيه أثرًا عن عمر رضي الله عنه: أن من أدركه المساء فإنه يجب عليه المبيت .
طالب: ذكرتم أنه في جمرة العقبة ورمي الجمار في أيام منى أن الليل تابع النهار.
الشيخ: نعم.
الطالب: ذكرتم بأن جمرة العقبة إن صح الوقوف فيها ليلاً أنها تابع النهار.
الشيخ: نعم، هذا إذا تبع النهار نقول: دل الحديث على أن منتهى جواز الدفع من منى هو ما كان في نفس اليومين، وأما ما بعد الغروب فهو خارج عن اليومين.
طالب: طواف الوداع واجب؟
الشيخ: نعم.
الطالب: والدليل على هذا عن ابن عباس في (...) حتى (...) عنه الشيء.
الشيخ: نعم.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، في حديث: أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف هذا الطواف صح في رواية أبي داود للحديث نفسه.
طالب: إذا نزل الحاج في نمرة.
الشيخ: إذا أيش؟
الطالب: إذا نزل الحاج في نمرة.
الشيخ: نعم.
الطالب: ولم يدفع إلى عرفة إلا قبيل الغروب بساعة، هل يجمع؟
الشيخ: فهل.
الطالب: هل يجمع بين العصر والظهر (...) إتمامه؟
الشيخ: لا يجمع بينهما؛ لأن الفائدة من الجمع هو أن على ما قال العلماء أن يتسع الوقت للدعاء وهو في مكان ليس فيه دعاء في نمرة، الدعاء إنما يكون في عرفة، وهذا لم يصل إليها.
طالب: أحسن الله إليكم، ذكرتم أنه إذا طاف للوداع ولم يكن طاف طواف الزيارة.
الشيخ: نعم.
الطالب: فإنه لا يجزئه عن طواف الزيارة.
الشيخ: نعم، إذا نوى طواف الوداع.
الطالب: نعم، وقد تقدم أنه إذا كان متلبسًا بالنسك.
الشيخ: نعم.
الطالب: أخذنا في الدروس السابقة.
الشيخ: نعم.
الطالب: أنه لا يلزمه تجديد النية عند كل الواجبات أو الأركان؟
الشيخ: نعم.
الطالب: كيف ذلك؟
الشيخ: الجواب واضح؛ لأن هذا نوى خلاف ما يراد به النسك؛ لأنه هو لم يطف فقط وسكت، لو أنه طاف ولم يعين أنه للوداع.
الطالب: لأجزأ عليهم.
الشيخ: أجزأ.
يقول: في رمي الجمرات وقت أول التشريق ثبت أنه بسبب رمي إبراهيم عليه السلام الشيطان عن ابن عباس موقوفًا ورجاله ثقات في مجمع الزوائد عن أبي الطفيل، هل هو صحيح؟
يعني يقول سبب رمي الجمرات هو أن إبراهيم رمى الشيطان عن ابن عباس.
طالب: (...).
الشيخ: تقدم لنا أن ابن عباس رضي الله عنهما ممن عُرف بالأخذ عن بني؟
الطلبة: إسرائيل.
الشيخ: إسرائيل، ومثل هذا الخبر لا يدخله الاجتهاد، وعلى هذا فيكون من أخبار بني إسرائيل فلا يكون له حكم الرفع.
الطالب: أظنه مرفوعًا في مسند (...).
الشيخ: لا بد أن تصححه لنا.
يقول: آخر الزمان يصير يُعير الرجل بدينه كما تُعير الزانية بزناها، وفي الوقت الحاضر نرى الواقع كما ذُكِر، حتى إن بعض الدول يضيقون على رَجل الدين الذي لا يعرف يمكن (فيهم) أو (عليهم) إلا اتباع السنة، نرجو إيضاح العبارة وما يترتب عليها من المفاسد؟
طالب: الإسلام ما فيه رجال دين.
الشيخ: إي، لك وش هذا؟ وش؟
طالب: صحيح ولا مانو صحيح؟
الشيخ: وش؟
الطالب: أقول: أستفيد هذه العبارة أقول: صحيحة ولا موضوعة.
الشيخ: ما أدري، ما سمعته بحديث.
طالب: حديث عائشة رمي الجمرات أن رمي الجمرة في جمرة العقبة يكون فيه التحلل الأول .
الشيخ: يكون أيش؟
الطالب: يكون فيه التحلل الأول.
الشيخ: إي نعم. على كل حال الحديث الذي ذكرت يدل على أن التحلل الأول يحصل بالرمي فقط، هذا أخذناه. التلبية.
طالب: الراجح في المسألة يا شيخ؟
الشيخ: والله إلى الآن ما بعد تقرر عندي الرجحان، لكن أنا أقول لكم: إذا ثبت الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام فوهو العمدة لا شك ولا في راجح ومرجوح.
يقول: إذا أصيب الثوب بدم يغلب على الظن نجاسته، فحاول لابس الثوب إزالته بالماء والفرك، فلم يزل كله، بل بقي له أثر، فماذا يفعل؟
على كل حال الدم إذا كان يغلب على الظن نجاسته ولم يتيقن فإنه لا يلزمه الغسل؛ لأن لا بد من اليقين، وإذا تيقن أنه دم نجس وغسله فإنه لا يضره بقاء اللون إذا زالت عين النجاسة طهر.
طالب: أحسن الله لك يا فضيلة الشيخ، بعض الناس في شوطه السابع من السعي عندما يحاذي الباب يخرج من عليه (...) هذا يكون تام وصحيح يا شيخ؟
الشيخ: هو المسعى الذي يجب الذي به المشايات.
طالب: الباب دونها.
الشيخ: لا، فوقها.
طالب: الباب فوقها.
الشيخ: الباب فوقها.
الطالب: قدمنا السابع وخرج مع الباب.
الشيخ: (...) بس (...) لأن الباب تصوري الآن أن الباب يعني ما تقدمها كثيرًا ولا تأخر عنها كثيرًا تقريبًا، هي تكون في نصفها أو قريبًا منه، فليلاحظ هذا الشيء.
***
طالب: والرمي والحلاق والوداع والباقي سنن، وأركان العمرة: إحرام وطواف وسعي، وواجباتها: الحلاق والإحرام من ميقاتها، فمن ترك الإحرامَ لم ينعقد نسكه، ومن ترك ركنًا غيره أو نيته لم يتم نسكه إلا به، ومن ترك واجبًا فعليه دم أو سنة فلا شيء عليه).الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قال المؤلف: وأركان الحج وواجباته وأركان العمرة وواجباتها.
وقد سبق في أول المناسك شروط الحج، شروط وجوبه وشروط صحته وشروط إجزائه، وقد اعترض بعض الناس على هذا التقسيم على الشروط، على الأركان، على الواجبات، على السنن وقال: أين هذا في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
وإذا لم نجد ذلك في كتاب الله أو سنة رسوله فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» فيرد على صاحبه.
والجواب عن ذلك أن يقال: الأمور قسمان: أمور غائية وأمور وسيلة.
فأما الأمور الغائية التي هي غاية ومقصودة لذاتها فإنها لا تُفعل إلا بإذنٍ من الشرع، ولا يمكن لأحدٍ أن يشرعها أو يتعبد لله بها.
والثاني: أمور وسيلة يقصد بها الوصول للغاية، فهذه ليس لها حد شرعي، بل لها القاعدة الشرعية، وهي أن الوسائل لها أحكام المقاصد، والوسائل تختلف باختلاف الأزمان واختلاف الأحوال واختلاف الأماكن واختلاف الأمم، وإذا كان كذلك فالوسائل بابها مفتوح.
فالعلماء رحمهم الله رأوا أن من وسائل تقريب العلم إلى الأذهان وإلى الحصر أن يكتبوا مثل هذا، أن يقولوا: هذه شروط، هذه أركان، هذه واجبات، هذه سنن، وقالوا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام قد فعل هذا المبدأ، فنجده أحيانًا يقول: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ» ، «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ» مع أنهم لا ينحصرون في سبعة ولا ينحصرون في ثلاثة، لكن هذا من باب التقريب؛ تقريب العلم للأفهام.
يبقى النظر إذا قال: هذا شرط أو هذا واجب فهنا يُطالب بالدليل، يقال له: من أين لك أن هذا شرط، وأن هذا واجب، وأن هذا ركن، وأن هذا سنة؟ هذا هو الذي يطالب فيه الإنسان بالدليل، أما تقسيم الأشياء إلى هذا وهذا وهذا تقريبًا للأفهام، فإنه من باب الوسائل.
لو أردنا أن نسقط هذه المسألة لقلنا أيضًا: تقسيم العلم إلى توحيد وطهارة وصلاة وزكاة وصيام وحج وبيوع ورهان وما أشبه ذلك أيضًا هذا بدعة، أين في السنة أنها قُسمت هكذا، أو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قسمها، فيقال: ينبغي للإنسان أن يكون فهمه واسعًا، وأن يعرف مقاصد الشريعة، وألا يجعل الوسائل مقاصد، فإنه بذلك يضل ويُبدِّع أناسًا كثيرين من أهل العلم المحققين، حينئذ نقول: تقسيم العلم إلى أبواب ليس به بأس، تقسيم الأبواب إلى شروط وأركان وواجبات ومستحبات ليس به بأس؛ لأننا لسنا نتعبد لله بذلك، ولكننا نريد أن نقرب العلم كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يستعمل تقريب العلم لكن بأساليب مختلفة.
يقول: (أركان الحج الإحرام) الأركان جمع ركن، والركن هو جانب البيت الأقوى، وهي التي تسمى عندنا بالزاوية، مثل هذه الزاوية ركن، هذا أقوى ما في الجدار، هذا الركن لماذا؟ لأن بعضه يسند بعضًا حيث يتلاقى طرفا الجدار فيسند بعضهما بعضًا، ولهذا يسمى ركنًا؛ لأنه جانب الشيء الأقوى يسمى ركنًا





