كتاب الحج (الشرح الأول) - 17
عدد الزيارات 1556

وهي أنَّ الوسائل لها أحكامُ المقاصدِ، والوسائلُ تختلفُ باختلافِ الأزمان، واختلافِ الأحوال، واختلاف الأماكن، واختلاف الأُمَم، وإذا كان كذلك فالوسائلُ بابُها مفتوحٌ.
فالعلماء -رحمهم الله- رَأَوْا أنَّ من وسائل تقريبِ العلم إلى الأذهان وإلى الحصْرِ أنْ يكتبوا مِثْلَ هذا؛ أنْ يقولوا: هذه شروطٌ، هذه أركانٌ، هذه واجباتٌ، هذه سُنَنٌ.
وقالوا: إنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام قد فَعَل هذا المبدأ؛ فنجده أحيانًا يقول: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ» ، «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ» مع أنهم لا يَنْحصِرون في سبعةٍ ولا يَنْحصِرون في ثلاثةٍ، لكن هذا من باب التقريبِ؛ تقريبِ العلم للأفهام.
يبقى النظر؛ إذا قال: هذا شرطٌ أو هذا واجبٌ. فهُنا يُطالَب بالدليل؛ يُقال له: مِن أينَ لك أنَّ هذا شرطٌ، وأنَّ هذا واجبٌ، وأنَّ هذا ركنٌ، وأن هذا سُنَّةٌ؟ هذا هو الذي يُطالَب فيه الإنسانُ بالدليل، أمَّا تقسيمُ الأشياءِ إلى هذا وهذا وهذا تقريبًا للأفهامِ فإنه من باب الوسائل، لو أردْنا أنْ نَسْلُك هذا المسلكَ لقُلْنا أيضًا: تقسيمُ العلم إلى توحيدٍ وطهارةٍ وصلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وحجٍّ وبيوعٍ ورهانٍ وما أشْبَهَ ذلك أيضًا هذا بدعةٌ؛ أين في السُّنة أنها قُسِّمت هكذا أو أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قسَّمها؟
فيُقال: ينبغي للإنسان أنْ يكون فَهْمُه واسعًا، وأنْ يعرف مقاصدَ الشريعة، وألَّا يجعل الوسائلَ مقاصدَ؛ فإنه بذلك يَضِلُّ ويُبدِّع أُنَاسًا كثيرين من أهل العلم المحقِّقين. حينئذٍ نقول: تقسيمُ العلم إلى أبوابٍ ليس به بأسٌ، تقسيمُ الأبوابِ إلى شروطٍ وأركانٍ وواجباتٍ ومستحبَّاتٍ ليس به بأسٌ؛ لأننا لَسْنا نتعبَّد لله بذلك، ولكنَّنا نريد أنْ نُقَرِّبَ العِلْم، كما كان الرسولُ عليه الصلاة والسلام يستعمل تقريبَ العلم لكنْ بأساليب مختلفة.

***

يقول: (أركان الحج: الإحرام).
الأركانُ جمع رُكْن، والرُّكْن هو جانب البيتِ الأقوى، وهى التي تُسمَّى عندنا بالزاوية؛ مثلًا هذه الزاوية رُكْن، أقوى ما في الجدار هذا الرُّكْن، لماذا؟ لأن بعضه يسند بعضًا؛ حيث يتلاقى طَرَفَا الجدارِ فيسند بعضُهما بعضًا، ولهذا يُسَمَّى رُكْنًا؛ لأنه جانبُ الشيءِ الأقوى يُسَمَّى رُكْنًا.
وقوله: (الإحرام) سبق لنا أن الإحرام هو نيَّةُ النُّسُك وليس لباسَ ثوبِ الإحرام؛ لأنَّ الإنسان قد ينوي النُّسُك فيكون مُحْرِمًا ولو كان عليه قميصُهُ وإزارُهُ، ولا يكون مُحرِمًا ولو لَبِس الإزارَ والرداءَ إذا لم يَنْوِ، فالإحرامُ نيَّةُ النُّسُك، والنيَّة محلُّها القلب، فيكون داخلًا في النُّسُك إذا نوى أنه داخلٌ فيه.
ولكنْ يجب أنْ تعرف الفرقَ بين مَن نوى أنْ يحجَّ ومَن نوى الدخولَ في الحجِّ، أيُّهما الركن؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ مَنْ نوى الدخولَ في الحجِّ، أمَّا مَن نوى أنْ يحجَّ فلم يُحرِم، ولهذا ينوي الإنسانُ الحجَّ من رمضان، من رجب، من قبل ذلك، ولا نقول: إنَّ الرجُل تلبَّس بالنُّسُك أو دخلَ في النُّسُك أو أَحْرَمَ. الإحرام نيَّة الدخولِ في النُّسُك.
طيب، وهلْ يُشترط مع النيَّة لفظٌ؟
الصحيح أنه لا يُشترط، ومِن العلماء مَن قال: لا بدَّ من التلبية مع النيَّة. وجَعَل التلبيةَ بمنزلة تكبيرةِ الإحرامِ في الصلاة
.
(الإحرام) الدليلُ على أنَّ الإحرامَ ركنٌ قولُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .
الثاني: (الوقوف) يعني بعرفة؛ لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» ، ولقوله تعالى: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٨]، فقوله: إِذَا أَفَضْتُمْيدلُّ على أنَّ الوقوف بعرفة لا بدَّ منه وأنَّه أمْرٌ مُسَلَّمٌ، وأنَّ الوقوفَ بمزدلفة بعد الوقوف بعرفة.
الثاني: (الوقوف).
الثالث: (طوافُ الزيارة) ويُقال له طوافُ الإفاضةِ، وهو الطوافُ الذي يقعُ في يوم العيد أو ما بعده، والمرادُ بالطوافِ البيت؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٩]، الشاهد قوله: وَلْيَطَّوَّفُوا؛ لأنَّ الجملةَ هذه أمْرٌ، فِعْلٌ مضارعٌ مقرونٌ بلام الأمرِ فيكون أمرًا.
والرابع: (السَّعي)؛ لقول النبيِّ عليه الصلاة والسلام: «اسْعَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» ، ولقوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة: ١٥٨]، ولقول عائشة رضي الله عنها: واللهِ ما أتَمَّ اللهُ حجَّ رجُلٍ ولا عُمْرتَه لم يَطُفْ بهما أي: بالصفا والمروة.
فإنْ قال قائل: كيف تقولون: إنَّ السعي بين الصفا والمروةِ ركنٌ. وقد قال الله تعالى: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة: ١٥٨]، ونَفْيُ الْجُناح لا يدلُّ على الوجوبِ، يدلُّ على رفْعِ الإثم فقط، فكيف تجعلونه رُكْنًا لا يصِحُّ الحجُّ إلَّا به؟
هذا إيرادٌ واردٌ؛ كيف تجعلون السعي بين الصفا والمروةِ من أركانِ الحجِّ والله عز وجل يقول: فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا، وهذا يدلُّ على رفْع الإثم عمَّن اطَّوفَ بهما ولا يدلُّ على أنه رُكن؟
قلنا: إنَّ قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِيكفي دليلًا في مشروعيَّة السعي؛ حيث جعلهما من شعائر الله، وقد قال الله تعالى: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج: ٣٢]، والطواف بهما تعظيمٌ لهما، وأمَّا قوله: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَافهذا رفْعُ توهُّمٍ وَقَع مِن بعض الناس حين نزولِ الآية؛ وذلك أنه كان على الصفا والمروةِ صَنَمانِ يُعبدانِ من دون الله، فتحرَّجَ المسلمون مِن أنْ يطوفوا بالصفا والمروةِ وعليهما صَنَمانِ قبل أنْ يدخُل الإسلام، فنفى اللهُ سبحانه وتعالى ذلك الْجُناح ليرتفع الحرَجُ عن صدورهم، فكان الغرض من نَفْي الْجُناح أيش؟ رفْع الحرج عن صدورهم حتى لا يبقى فيهم قَلَقٌ.
وأما أن يقال إنه رفْعُ الْجُناح، إنه رفعٌ للإثم فقط. لا، رفْعُ الحرَجِ عمَّا في صدورهم، وإلَّا فبمجرَّد قوله: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِيكون ذلك دليلًا على أنه لا جُناح على مَن طاف بهما، بلْ مَن طاف بهما فقد عظَّمَ شعائرَ الله. هذه أربعة أركان.
زاد بعض العلماء المبيتَ بمزدلفة، واستدلُّوا لذلك بقوله تعالى: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْإلى آخره ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [البقرة: ١٩٨، ١٩٩]، وبقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث عروة بن الْمُضَرِّس: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ -يعني الفجر- وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» ، ففُهِم منه أنَّ مَن لم يقِفْ بمزدلفة لم يَتِمَّ حجُّه، وإلى هذا ذهبَ بعضُ السَّلَف والخلَفِ، وهو لا شك قَوِيٌّ؛ القولُ بأنَّ المبيتَ بمزدلفة ركنٌ من أركان الحج قويٌّ.
لكن الذين قالوا بأنه ليس بركنٍ قالوا: إنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ -يعني يوم عرفة- فَقَدْ أَدْرَكَ» .
وأجابوا عن حديث عُروة بأنَّ الإتمامَ يكون على وجوهٍ: تارةً يكون إتمامَ ما لا يصِحُّ الشيءُ إلا به، وتارةً يكون إتمامًا يصِحُّ الشيءُ بدونه مع التحريم، وتارةً يكون إتمامًا يصِحُّ الشيءُ بدونه مع نفْي التحريم. والمرادُ بالإتمام في حديث عروة بالنسبة لمزدلفة: إتمامُ الواجبِ الذي تصِحُّ العبادةُ بدونه، وهذا هو رأيُ الجمهور.
ومِن العلماء مَن قال: إنَّ الوقوفَ بمزدلفة سُنَّةٌ وليس بركنٍ ولا واجبٍ؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» .
لكن أَعْدل الأقوالِ وأَصْوبها أنه واجبٌ وليس بركنٍ
، والإنسانُ يتحرَّجُ أنْ يقول لشخصٍ وقفَ بعرفة وطاف وسَعَى ولكنه لم يقِفْ بمزدلفةَ، يتحرَّج أنْ يقول: إنه لا حجَّ لك. ولكن يقول: لك الحجُّ وعليك دمٌ. كما سيأتي في الواجبات.

***

ثم قال المؤلف: (وواجباتُهُ) يعني واجبات الحجِّ (الإحرامُ من الميقاتِ المعتبَرِ له).
القيدُ المعتبر هنا قوله: (من الميقاتِ المعتبَرِ له)، أمَّا أصل الإحرامِ فهو رُكن، ولو قال المؤلف: كونُ الإحرامِ من الميقات. لو قال هكذا لكان أوضح.
الأول: أنْ يكون الإحرامُ من الميقاتِ المعتبَرِ له، وقد عرفتم فيما سبق أنَّ المواقيت خمسةٌ، وأنَّ مَن مَرَّ بها يريد النُّسُكَ وجبَ عليه الإحرامُ، ومَن كان دونها فمِن حيث أنشأَ، حتى أهلُ مكة يُحرِمون من مكة، إلَّا في العمرة فيُحرِمون من أدنى الحلِّ، وقد سبق.
طيب إذَن ما هو الميقات المعتبَر؟
نقول: الميقاتُ المعتبَر هو المواقيت الخمسة، وأهلُ مَن كان أيش؟
طالب: دونها.
الشيخ: دونها، ومكة لأهل مكة، إلَّا في العمرة فلا بدَّ أنْ تكون من الحِلِّ.
الثاني: (الوقوف بعرفة إلى الغروب) يعني: أنْ يستمِرَّ في عرفة إذا وقفَ نهارًا إلى أنْ تغرب الشمس، وعلى هذا فلا يحِلُّ أنْ يخرج الإنسانُ من عرفة قبل غروب الشمسِ لأنه واجبٌ؛ لأن البقاء فيها حتى تغيب الشمسُ أمرٌ واجبٌ.
وزعم بعض العلماء أنه لا يجب الوقوفُ إلى الغروب؛ لحديث عروة بن مُضَرِّس حين قال عليه الصلاة والسلام: «وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ» أيش؟
طلبة: «لَيْلًا أَوْ نَهَارًا».
الشيخ: «لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» ، فمَنْ وقف نهارًا ودَفَع قبل الغروب صَدَق عليه هذا الحكْم الذي نَطَقَ به النبي صلى الله عليه وسلم وهو أنه قد؟
طالب: وقفَ.
الشيخ: لا، قد تمَّ حجُّه، الوقوفُ فِعْلٌ، الحكْم: تَمَّ حجُّه وقَضَى تَفَثَهُ.
ولكن الصحيح أنَّ الوقوفَ بعرفة إلى الغروب واجبٌ بأدلةٍ:
أولًا: مُكْثُ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فيها إلى الغروبِ، مع أنه لو دَفَع في النهار لكانَ أَرْفقَ بالناس؛ فإنه إذا دَفَع في النهار كان ضوءُ النهارِ مُعِينًا للناس على السير، وإذا دَفَع بعد الغروب حلَّ الظلامُ، ولا سِيَّما في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام والناسُ يمشون على الإبلِ والأقدامِ، فينتشر الظلام قبل الوصول إلى مزدلفة.
فإنْ قال قائل: في تلك الليلة يكون القمرُ مضيئًا، فلا يحصُل بالسير بعد الغروبِ مشقَّةٌ.
فالجواب أنْ نقول: أفلا يمكن أنْ يكون في تلك الليلة سحابٌ؟ أجيبوا.
الطلبة: بلى.
الشيخ: بلى، يمكن أنْ يكون هناك سحابٌ؛ إمَّا في السَّنة التي حجَّ فيها رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإمَّا في غيرها، والنبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يعلم أنَّ مفاتيح السماءِ بيد الله عز وجل، هو الذي يُنْشِئُ السحابَ، وإذا لم يكنْ سحابٌ في تلك السَّنة فيمكن أنْ يكون في السنوات الأخرى.
إذَنْ فتأخيرُ الرسولِ عليه الصلاة والسلام الدفعَ مِن عرفة إلي ما بعد الغروبِ وتَرْكُهُ للأَيْسَرِ يدلُّ على أنَّ الأَيْسر ممتنعٌ، ودليل ذلك أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام ما خُيِّرَ بين أمْرينِ إلَّا اختارَ أَيْسَرَهما مَا لَمْ يكنْ إثمًا .
ثانيًا: أنَّ الدفعَ قبل الغروبِ يكون فيه مشابهةٌ لأهل الجاهليةِ؛ لأن أهل الجاهلية يدفعون قبل غروب الشمس؛ إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال كعمائمِ الرِّجالِ على رؤوسِ الرِّجال دفعوا، فلوْ دَفَع إنسانٌ في مِثْل هذا الوقتِ لَشابَهَهُم، ومُشابهة الكفارِ في عباداتهم مُحَرَّمة.
ثالثًا: أنَّ تأخيرَ الرسولِ عليه الصلاة والسلام الدفعَ إلى ما بعد غروبِ الشمسِ ثم مُبَادرتُهُ به قبل أنْ يُصلِّي المغربَ مع أنَّ وقتَ المغربِ قد دخلَ يدلُّ على أنَّه لا بدَّ من البقاء إلى هذا الوقتِ، وكأنَّه عليه الصلاة والسلام ممنوعٌ حتى تغرب الشمسُ، ولذلك بادَرَ، فلو كان الدفعُ قبل غروب الشمس جائزًا لدَفَع قبل غروب الشمس ووصلَ إلى مزدلفة في وقت المغربِ وصلَّى فيها المغربَ مطْمئنًّا، لكن كَوْنه يرتقبُ غروبَ الشمسِ ومِن حين أنْ غربتْ يدفع قبلَ أنْ يُصَلِّي المغربَ يدلُّ على أنه؟
طالب: ممنوع.
الشيخ: نعم، أنه ممنوعٌ من الدفْعِ قبل الغروب، وعلى هذا فيُقال: إنَّ القولَ الراجحَ وجوبُ البقاءِ في عرفةَ حتى تغربَ الشمسُ.
فإنْ قيل: ما الجواب عن حديث عروة؟
قلنا: الجواب عن حديث عروة رضي الله عنه ما أَسْلَفْنا؛ أنَّ تمامَ الشيءِ قد يكون تمامَ واجب أو رُكْن أو سُنَّة.
الثالث: (المبيتُ لغيرِ أهلِ السِّقايةِ والرِّعايةِ بِمِنًى وبمزدلفة إلى بعد نصفِ اللَّيل).
قوله: (المبيت بمنى) يعني به المبيتَ في ليالي أيامِ التشريقِ دون المبيتِ في ليلة التاسع؛ فإنَّ المبيتَ في ليلة التاسع ليس بواجبٍ بلْ هو سُنَّة، لكن مبيت ليالي أيامِ التشريقِ بِمِنًى واجبٌ، فما هو الدليل؟
الدليل ما ثبتَ في الصحيحينِ أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخَّصَ لعمِّه العباسِ أنْ يبيتَ في مكة لياليَ أيامِ التشريقِ من أجْل السِّقاية ؛ لأن السقاية كانتْ بيَدِ العباسِ، أيُّ سِقَايةٍ هي؟
طلبة: سِقاية الحجَّاج.
الشيخ: سِقايةُ الْحُجَّاج، فكان رضي الله عنه يَسْقي الحجَّاجَ ماءَ زمزم مَجَّانًا؛ تعبُّدًا لله عز وجل، وكَرَمًا، وإظهارًا لكَرَم الضيافة، وفي الجاهليةِ استجلابًا للناس أنْ يحجُّوا؛ لأنَّ أهل مكة ينتفعون اقتصاديًّا من الحجاج، فيُسهلون لهم الأمورَ ويخدمونهم من أجْل تشجيعهم على الحجِّ.
المهمُّ أنَّ قوله: رخَّصَ لعمِّه العباسِ، يدلُّ على أنَّ البقاءَ في مِنًى عزيمةٌ؛ لأنها هي التي تكون في مقابلةِ الرُّخْصةِ، ويُرشِّح هذا -يعني يُقَوِّيه- قولُ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» ، وقد بات في منى.
وقول المؤلف: (لغيرِ أهْلِ السِّقايةِ والرِّعايةِ) هذا مستثنى، (أهل السقاية) أيُّ السقاية؟ سقاية الحجاج مِن زمزم.
(والرِّعاية) رعايةُ إبلِ الحجاج؛ وذلك أنَّ الناسَ فيما سبق يحجُّون على الإبل، فإذا نزلوا يوم العيد في مِنًى احتاجوا إلى مَن يرعى إبِلَهم؛ لأن بقاءها في مِنًى فيه تضييقٌ، وربما لا يكون لها العلف الكافي، لهذا يذهبُ بها الرُّعاةُ إلى محلَّاتٍ أُخرى من أجْل الرَّعْي، وقد رخَّصَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم للرُّعاةِ أنْ يَدَعُوا المبيتَ في مِنًى لياليَ مِنًى، لماذا؟ لاشتغالهم برعاية الإبل.
طيب، هلْ يَلْحق بهؤلاء مَن يُماثلهم مِمَّن يشتغلون بمصالح الحجيجِ العامَّةِ كرجال المرور مَثَلًا وصيانةِ الأنابيب؛ أنابيبِ المياهِ وغيرِها والمستشفيات أو لا؟
الجواب: بلى، يَلْحقون بهؤلاء؛ لتمامِ أركانِ القياسِ؛ فإن القياس إلحاقُ فَرْعٍ بأصْلٍ في حُكْمٍ .. أَتِمُّوا.
طلبة: لِعِلَّةٍ
الشيخ: لِعِلَّةٍ جامعةٍ. وهذا موجودٌ تمامًا فيمَن يشتغلون بمصالح الحجيج، وعليه فيُقاس على الرُّعاةِ والسُّقاةِ مَنْ يشتغلون بمصالح الناس في هذه الأيام ويُرخَّص لهم أن يبيتوا خارجَ مِنًى.
طيب، ومَنْ له عُذرٌ خاصٌّ كمريضٍ يُنقَل للمستشفى خارجَ مِنًى هلْ يُقاس على هؤلاء أو لا يُقاس؟
قال بعض أهل العلم: إنه يُقاس بجامعِ العُذرِ في كلٍّ منهم.
وقال بعض العلماء: إنه لا يُقاس على هؤلاء؛ لأنَّ هذا عُذره خاصٌّ، والسُّقاةُ والرُّعاةُ عُذرهم عامٌّ للمصلحة العامةِ، فهو يُشبه الرعاية والولاية، وأمَّا الذي عُذره خاصٌّ فهذا يُنظَر في أمْرِهِ هلْ يُرخَّص له في تَرْكِ المبيت، ويُقال: إنَّ عليك فِديةً لِتَرْك المبيت. أو يُقال: لا فِديةَ عليك. لكن قياسه على الرُّعاةِ والسُّقاةِ قياسٌ مع الفارق.
ولكنْ لِيُعلَمْ أنَّ المبيت في مِنًى ليس بذاك المؤكَّد كالرمي مَثَلًا، والدليلُ على هذا أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام لم يُسقِط الرميَ عن الرُّعاةِ وأَسْقَطَ المبيتَ عنهم، فدلَّ هذا على أنَّ المبيتَ في منًى وإنْ عدَدْناه من الواجباتِ أهونُ مِن الرمي.
ولهذا يُخطئ بعضُ الناس فيما نرى أنَّه إذا قيل له: رجُلٌ لم يَبِتْ بمنًى ليلةً واحدةً؟ قال: عليه دمٌ. مَن يقول هذا! عليه دمٌ بليلةٍ واحدة! هو لو قال: عليه دمٌ إذا تَرَك الليلتينِ، لَكان له شيءٌ من الوجْهِ؛ لأنه تَرَك جنسًا من الواجبات، أمَّا إذا تَرَك ليلةً من الليالي نقول: عليك دمٌ، مع أنَّ الوجوب فيه نَظَر!
ثم الوجوبُ إنما يكون إذا تَرَك هذا الجنسَ من الواجب، أمَّا إذا تَرَك جزءًا منه فإيجابُ الدم عليه فيه نَظَرٌ واضحٌ، ولهذا كان الإمام أحمد -رحمه الله- أحيانًا يقول: عليه قبضةٌ مِن طعامٍ. قبضة يعني مِلء اليدِ، بعضُ العلماء يقول: دِرهمٌ أو درهمانِ أو ما أشْبَهَ ذلك.
طالب: أقلُّ المبيت؟
الشيخ: هو يقول: إلى نصفِ الليل؛ المؤلف.

طالب: (...) المؤلف قصة الفضل بن العباس أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام معروف أنه كان في ذهابه إلى مزدلفة هذه يا شيخ..
الشيخ: في ذهابه إلى مزدلفة، الفضل؟! أُسامة اللِّي في ذهابه إلى المزدلفة .
الطالب: (...).
الشيخ: إي، أسامة كان في مجيء الرسول من عرفة إلى مزدلفة، والفضل من مزدلفة إلى مِنى.

طالب: طيب يا شيخ أشكلَ علينا قصة المرأة أنها لما أتتْ قالت: إنها (...)، مع أن الحج انتهى يوم عرفة، سألته عن..
الشيخ: هل تحجُّ عنه؟ إي نعم.
الطالب: طيب يا شيخ، هل المقصود القادم.
الشيخ: إي معلوم، ما فيه شك أنَّ المقصود القادم، أمَّا الآن ما يمكن يُجعَل للأب.

طالب: عفا الله عنك يا شيخ، أن رجال الشرطة والمستشفيات يقاسون على أهل السِّقاية والرعاية لتمام القياس، ولكن من المعروف أن المستشفيات موجودة بكثرة في مِنى، وأن رجال الشرطة (...) يتواجدون في مِنى وغيرها من المناسك، فما هو وجه القياس طالما أنه يعني استُعين ..
الشيخ: لا، أحيانًا ما يمكنهم هذا، أحيانًا يكون المصاب يحتاج إلى إسعاف لا يوجد في المستشفيات المؤقتة هذه، فيحتاج الطبيب إلى أنه يذهب معه، وكذلك بالنسبة للشرطة، رجال المرور، رجال الإطفاء.

طالب: شيخ، (...) الراجح فيمَنْ له عُذرٌ خاصٌّ، هل يُلْحق بـ..؟
الشيخ: واللهِ أنا أتوقف فيه، لكن لو قيل بأنَّ مَن له عُذر خاص أنَّه يسقط عنه الدم مع بقاء المبيت واجبًا، لو قيل بذلك لكان له وجهٌ؛ لأنه كالمحصور، ويلتحق بهذا -بالعُذر الخاص- ما يَحصُل لكثيرٍ من الناس الآن؛ يذهب في أول الليل أو بعد العصر إلى مكة ليطوف، فيتأخر في مكة لشدة الزحام في المطاف وفي المسعى ولشدة الزحام في السيارات حتى يأتي في آخِر الليل، فهل نقول: إنه يُجزِئ، أو نقول: إن هذا لم يَبِتْ في الواقع؟
نحن نتسامح في هذه المسألة ونقول: إذا كان الإنسان قد بَذَل الجهد ولكنه لم يتيسَّر له فإنه إذا وصلَ قبل الفجر كفى، وإلا فالواجبُ أن يكون مُعْظم الليل في مِنًى، ولذلك نختار ألَّا ينزل إلى مكة ليطوف في أول الليل أو فيما بعد العصر، بل نقول: إمَّا أن تنزل مبكرًا إلى مكة، وإمَّا أن تجعل نزولك بعد منتصف الليل لتكون قد بِتَّ في مِنى أيش؟
طلبة: مُعْظم الليل.
الشيخ: مُعْظم الليل.

طالب: الرمي قبل الزوال؟
الشيخ: أظن ما وصلناها يا أخي.
طالب: شيخ صرفنا رُكنيَّة المبيت في المزدلفة والأمر بقوله صلى الله عليه وسلم: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، ولم نصرفْ رُكنيَّة الطواف بالبيت؟
الشيخ: نعم، صحيح، هذا وارد إيرادًا تامًّا، أفهمتم ما قال؟ يقول إننا صرفنا القولَ برُكنية المبيت في مزدلفة بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، ولم ندفع القولَ برُكنية طواف الإفاضة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، وهذا إيرادُ فحلٍ جيِّدٍ.
لكنْ يجاب عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا قيل له: إنَّ صفية قد حاضت. قال أيش؟
طلبة: «أَحَابِسَتُنَا».
الشيخ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ» ، فدلَّ ذلك على أنه لا بدَّ منه؛ مِن طواف الإفاضة، وأنه رُكن بكل حال.

طالب: والسعي يا شيخ؟
الشيخ: والسعي كذلك.

طالب: أحسن الله إليك، الذين يقولون: إنَّ المبيت في مِنى سُنَّة، قالوا: إنَّ النبي صلى الله عليه..
الشيخ: سُنَّة، ولَّا في مزدلفة؟
الطالب: لا، المبيت في مِنى يقولون: إنه سُنَّة. قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخَّصَ للعباس ، وقالوا: لو كان واجبًا لم يرخِّص له ذلك، كيف الجواب عليه؟
الشيخ: فهمتم كلامه؟ يقول: الذين قالوا بأن المبيت في مِنى سُنَّة، وقد قيل به كما قال؛ قالوا: إنَّ الرسول رخَّص للعباس، ولو كان واجبًا لم يرخِّص له.
والذين قالوا بالوجوب استدلُّوا بكلمة (رخَّصَ) وقالوا: إن المستحبَّ مُرخَّصٌ فيه في الواقع؛ لأن الإنسان في سَعَةٍ منه إنْ شاء فَعَل وإن شاء لم يفعل، فالتعبير بـ(رخَّصَ) يدلُّ على الوجوب؛ لأن المستحبَّ الإنسانُ في سعةٍ سواءٌ فَعَله أو لم يفعله، هذا وجْه الدلالة.
وأمَّا كَوْنه رخَّص له ولو كان واجبًا لم يرخِّص له، فيقال: إنَّ المصلحة العامة مقدَّمة على المصلحة الخاصة وهي مصلحة المبيت (...)

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد.
قال رحمه الله تعالى: والمبيتُ لغير أهْلِ السِّقايةِ والرعايةِ بِمِنًى وبمُزدلفةَ إلى بَعْدِ نصفِ اللَّيلِ، والرَّمْيُ، والحِلاقُ، والوداعُ. والباقي سُنَنٌ.
وأركان العُمرة: إحرامٌ، وطوافٌ، وسَعْيٌ.
وواجباتُها: الحلاقُ، والإحرامُ مِن ميقاتِها. فمَنْ تَرَكَ الإحرامَ لم ينعقِدْ نُسُكُهُ، ومَنْ تَرَكَ رُكنًا غيرَه أو نيَّتَه لم يتمَّ نُسُكُهُ إلَّا به، ومَنْ تَرَكَ واجبًا فعليه دمٌ، أو سُنَّةً فلا شيءَ عليه
.
الشيخ: الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه ومَنْ تبعهم بإحسانٍ إلي يوم الدين.
ما الجواب عمَّنْ قال: إن تقسيم الماهيَّة في العبادة إلى أركانٍ وشروطٍ وواجباتٍ من البدع؛ لأنها لم تكن معروفةً في عهد الرسول؟
طالب: أحسن الله إليك، الجواب عن هذا أن نقول: إن هذا تقريبٌ للعلم، وقد جاءت السُّنة أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يأتي بأحاديث يقول: «ثَلَاثَةٌ»، ويقول: «سَبْعَةٌ»، وما أشبهَ ذلك للتقريب الذهني (...).
الشيخ: نعم، الجواب أنَّ هذا ليس من باب التعبُّد بذلك، ولكن من باب تقريب العلم، وقد جاء نظيره في السُّنة.
طيب، أركان الحجِّ كم؟
طالب: أربعة.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الزيارة؛ طواف الإفاضة.
الشيخ: نعم، والسعي.
الطالب: والسعي.
الشيخ: طيب، أربعة. ما هو الإحرام؟
طالب: نيَّة الدخول في النُّسُك.
الشيخ: نيَّة الدخول في النُّسُك، أو نيَّة النُّسُك؟
الطالب: نيَّة الدخول في النُّسُك.
الشيخ: أو نيَّة النُّسُك؟ أجِبْ، نعم ولَّا لا؟
طالب: هو نيَّة النُّسُك.
طلبة: نيَّة النُّسُك.
طالب: (نيَّة النُّسُك) لا يصح.
الشيخ: لماذا؟ ما الفرق بين نيَّة الدخول ونيَّة النُّسُك؟
الطالب: الإنسان ينوي أن يؤدي النُّسُك منذ سنوات، ولكن الإحرام الذي ينوي..
الشيخ: ينوي الدخولَ فيه فِعْلًا.
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، كما نحن الآن ننوي إنْ شاء الله أن نُصَلِّي العِشاء الآخِرة، لكن هل نيَّتُنا هذه نيَّةُ الدخول في الصلاة؟ لا.
ما هو الدليل على أن الإحرام رُكن؟
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .
الشيخ: وعلى أن الوقوف ركن؟
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «الْحَجُّ عَرَفَةُ».
الشيخ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ».
الطالب: وقوله تعالى: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ.
الشيخ: نعم، وعلى أن الطواف ركن؟
طالب: قول الله سبحانه وتعالى: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: ٢٩].
الشيخ: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ. طيب، فيه دليل من السُّنة؟
طالب: فِعْل النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» .
الشيخ: ما يكفي.
الطالب: في الطواف؟
الشيخ: نعم، أن طوافَ الإفاضةِ ركنٌ لا يتمُّ الحجُّ إلا به؟
الطالب: نعم، لحديث صفية.
الشيخ: صفية.
الطالب: عندما حاضتْ.
الشيخ: حين حاضتْ.
الطالب: فقال: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ».
الشيخ: فقال «أَحَابِسَتُنَا هِيَ» ، تمام.
السعي، الدليل على أنه رُكن؟
طالب: قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [البقرة: ١٥٨].
الشيخ: بس هذا يقول: مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ.
طالب: مِن باب رفْعِ الحرج عنهم؛ لأنهم كانوا يتحرَّجون من أُناسٍ بين الصفا والمروة؛ لأنه كان في الجاهلية صنمانِ على الصفا والمروة، ونزلت الآية للإباحةِ لهم بالخارج وأنه لا حرجَ عليهم.
الشيخ: نعم، أحسنت، صار نَفْي الحرجِ ليزول تَحَرُّجهم من الطواف بهما من أجْل أنه كان فيهما صنمانِ في الجاهلية، طيب.
طالب: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اسْعَوْا؛ فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ».
الشيخ: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اسْعَوْا؛ فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» ، تمام.

***

طيب، انتهينا من الكلام عن الأركان أظن.
طالب: نعم.
الشيخ: الواجبات، أخذْنا كلمةً واحدةً منها.
طالب: اثنتين.
طالب آخر: ثلاث.
الشيخ: نعم، طيب، أولًا: ما هو الدليل على أن الإحرامَ من الميقات المعتبَر واجبٌ؟
طالب: توقيف الرسول صلى الله عليه وسلم لهذه المواقيت، وقوله: «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ» .
الشيخ: لكن هذا يدلُّ على الوجوب! أظن ما ذكرناها لكم، نبدأ من الآن.
بسم الله الرحمن الرحيم
(واجباتُه: الإحرام من الميقات).
(واجباتُه) أي: واجبات الحج (الإحرامُ من الميقات المعتبر له). قلنا: لو عبَّر المؤلف فقال: أن يكون الإحرامُ من الميقات. لأنه إذا قال: الإحرامُ من الميقات، فقد يظنَّ الظانُّ أن الإحرامَ أيضًا من الواجبات، وليس كذلك، الإحرامُ من الأركان، لكن الواجب أنْ يكون الإحرامُ من الميقات المعتبَر له.
والمواقيت كما عرفتم سابقًا خمسةٌ؛ المعيَّنة، وما دون ذلك فمِن حيثُ أَنْشأ، دليل ذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ» ، وهذا خبرٌ بمعنى الأمر، والدليلُ على أنه بمعنى الأمر لفظٌ آخَرُ عن ابن عمر في هذا؛ قال: فَرَضهُنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، لأهل المدينةِ ذو الحليفة. (فَرَضَهُنَّ)، والفرض يقتضي الوجوب، صار الدليل على هذا حديث ابن عمر؛ حيث وردَ بلفظ «يُهِلُّ» وهو خبرٌ بمعنى الأمر، وبلفظ (فَرَضَهُنَّ) والفرضُ بمعنى الوجوب.
الثاني: (الوقوفُ بعرفة إلى الغروب)، وذكرنا دليله بالأمس في الدرس الماضي؛ أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم وَقَفَ بعرفةَ ولم يدفع حتى غاب القُرص ، وكَوْنه يختار هذا الوقتَ الذي هو أشدُّ وأشقُّ على الناس مما لو كان الدفعُ قبل الغروب يدلُّ على أيش؟ وجوبه، هذا واحد.
ثانيًا: كونه بادَرَ بالدفع قبل أن يصلِّي المغربَ يدلُّ على أنه ينتظر غروب الشمسِ بفارغ الصبر، ولهذا من حين غربتْ دَفَع.
فيه ثالث: أنه لو تقدَّم ودَفَع قبل الغروب لشابَهَ أهلَ الجاهلية، والتشبُّه بالكفار -ولا سِيَّما في الشعائر الدينية- مُحَرَّمٌ. طيب (الوقوف بعرفة إلى الغروب).
وبهذا نُجيب عن حديث عروة بن مُضَرِّس: «وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا» ، فيقال: قوله: « أَوْ نَهَارًا» مُطْلَق، فيُحمل على أنه إذا وقف نهارًا يجب أن ينتظر حتى تغرب الشمسُ؛ لأن المطلق يحكم عليه المقيَّد.
الثالث من الواجبات قال: (والمبيتُ لغير أهْلِ السِّقايةِ والرعايةِ بِمِنًى وبِمزدلفةَ إلى نصف الليل).
مزدلفة تكلَّمنا عليها أيضًا، وبيَّنَّا أن للعلماء فيه ثلاثة أقوال: الرُّكنيَّةُ والوجوبُ والسُّنيَّة، وأنَّ أَعْدلَ الأقوالِ وأقربَها أنه واجبٌ وليس برُكن
، وبيَّنَّا الدليلَ لذلك وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْحَجُّ عَرَفَةُ».
وأَوْرد علينا بعضُ الإخوة أننا إذا أخذْنا بهذا الاستدلال لَزِمَ من ذلك ألَّا يكون الطوافُ رُكْنًا؛ لأنه بعد عرفة، وأجبْنا عن ذلك بأيش؟
طلبة: حديث صفية.
الشيخ: بحديث صفية؛ فإنه يدلُّ على أن الطواف ركنٌ.
وقول المؤلف: (لغير أهْلِ السِّقايةِ والرعايةِ) يُفهم منه أنَّ أهل السِّقايةِ والرعايةِ يجوز لهم تَرْك المبيت بمزدلفة، ولا أعلمُ لهذا دليلًا من السُّنة أنَّ الناس يسقون ليلة المزدلفة، ولا أنَّ الرُّعاة يذهبون بالإبل ليلة المزدلفة؛ أولًا: الرُّعاة لا حاجةَ لهم إلى الرَّعي في ليلة المزدلفة، بل الرواحلُ عند مَن؟ عند الناس؛ لأنهم سيرتحلون، فكيف تذهب ترعى في الليل، هُم جاءوا بها من عرفة وأناخُوها في مزدلفة، وستبقى تنتظر ارتحالَهم في صباح تلك الليلة، هل في هذا حاجةٌ للرُّعاة؟ لا.
السُّقاة أيضًا؛ أليس الناس يذهبون إلى مكة يشربون ماء زمزم قبل أنْ يستوطنوا في مِنى؟! فاستثناء السُّقاةِ والرعاةِ من المبيت أو من وجوب المبيتِ في مزدلفة فيه نَظَرٌ ظاهرٌ؛ أولًا: لعدم ورود السُّنة به، والثاني: أنه لا حاجةَ لذلك.
لكنْ قد يقول قائل: ما رأيكم في جنود المرور، جنود الإطفاء، الأطباء، الممرضين، هل ترخِّصون لهم؟
نقول: لا، لا نُرخِّص؛ لأن المبيت في مزدلفة أَوْكد من المبيت في مِنًى بكثير؛ فإن مِنًى لم يقُل أحدٌ من العلماء: إن المبيت بها ركنٌ من أركان الحج، ومزدلفة قال به بعض العلماء، وهو قولٌ قويٌّ كما عرفتم، إلَّا أنَّ أقوى منه أنه واجبٌ وليس برُكن، وعلى هذا فلا بدَّ من المبيت في مزدلفة
.
ثم يُفرَّق بينه وبين ليالي مِنًى أنه ليلةٌ واحدةٌ، أو بعضُ ليلةٍ للإنسان الذي يحتاج إلى الدفع مبكرًا في آخِر الليل؛ يعني لا يقضي ليلَه كلَّه، فلا يصح قياسُه على ليالي مِنًى.
قال المؤلف: (بِمِنًى). هذا الرابع ولَّا الخامس؟
طلبة: الرابع.
الشيخ: كَوْن الإحرام من الميقات، استمرارُ الوقوف إلى الغروب بعرفة، المبيتُ بمزدلفة، الرابع: المبيت بِمِنى.
وهُنا يُشكِل على بعض الإخوة يقول: المبيت بِمِنى، لازم أَبِيت وأضطجع. وقد بيَّنَّا فيما سبق أنَّ ذلك ليس بلازم وأنَّ المراد بالمبيت الْمُكْثُ في مزدلفة ليلةَ العيدِ سواءٌ باتَ أو صارَ يقظانًا، لكن المبيت كما سبق .. يعني النوم أفضل من إحيائها بقراءةٍ أو بحثٍ في علمٍ أو تهجُّدٍ اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد أَثَرْنا -وكنا نتكلم على صفة الحج- مسألةَ الوتر في تلك الليلة وقُلنا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام كان لا يَدَعُ الوتر حَضَرًا ولا سَفَرًا، وهذا عامٌّ يشمل حتى ليلة العيد في مزدلفة.
وأَوْرد علينا بعض الناس أو أوردْناه نحن على أنفسنا حديث جابر: ثم اضْطَجَعَ حتى طَلَعَ الفَجْر ، وقُلنا: إن هذا مَبْلغ علم جابر، هذا مَبْلغ علمِه، وإلَّا فإن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعثَ أهْلَه من مزدلفة بِلَيْلٍ ، وهذا يقتضي أن يكون في آخِر الليل مستيقظًا، بعثَ أهْلَه، فعلى هذا نقول: إن الوتر في تلك الليلة كغيرها من الليالي مشروعٌ، لكن التهجُّد وإحياء الليلة غير مشروع.
(المبيتُ لغير أهلِ السِّقايةِ والرعايةِ بِمِنًى). المبيت في مِنى -وهو الواجب الرابع- ذكرْنا دليلَه في الدرس الماضي، ما هو؟
أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخَّصَ لعمِّه العباسِ بن عبد المطلب أنْ يبيتَ في مكة من أجْلِ سِقايتهم ، قالوا: والترخيص لا يكون إلا في مقابل العزيمة، نعم، ولأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام باتَ في مِنى لياليَ أيامِ التشريقِ وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ».
طيب في هذه العصور الأخيرة صار إشكالٌ بالنسبة للمبيت بِمِنى، وهو أن الناس لا يجدون مكانًا، فماذا يصنعون؟
نقول: ينزلون عند آخِر خيمةٍ من خيام أهل مِنى؛ استدلالًا بقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، وقوله: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦].
فإن قال قائل: لماذا لا تجعلون هذا من جنس الحصْرِ، والحصْرُ عن الواجب فيه دمٌ كما قاله الفقهاء؟
قلنا: لأن المكان هنا ممتلئٌ، فلا مكانَ أصلًا، أمَّا الحصْرُ فالمكانُ باقٍ لكنْ يُمنع منه، أمَّا هُنا فلا مكانَ، وهو مِثْل قطعِ اليدِ، يسقطُ غسلُها في الوضوء أو تُغسَل العضدُ بدلَ الذراع؟ أجيبوا.
طلبة: يسقط.
الشيخ: يسقط، فلهذا نرى أنه يسقط المبيتُ في هذه الحال، وأنَّ الإنسان يجب أن يكون عند آخِر خيمةٍ.
أمَّا فِعْل بعض الناس؛ كَوْنه إذا لم يجد مكانًا في مِنى ذهبَ إلى مكة أو إلى الطائف أو ما أشبه ذلك وقال: ما دام سقطَ أو لم نجدْ مكانًا في مِنى فلْنَبِتْ حيث شِئنا. فإنَّ هذا ليس بصحيح، هذا غير صحيح؛ لأننا نقول: إنَّ المسجد إذا امتلأ وجبَ اتصال الصفوفِ، وجبَ أنْ يكون الناس صفوفًا متَّصلة، ولا تصِحُّ الصلاةُ من بعيدٍ، فهذا كذلك، نقول: يجب عليك أن تكون عند آخِر خيمةٍ في مِنى.
وإذا سألَنا سائلٌ: هل يجب أنْ أكون عند آخِر خيمةٍ في الجهة البُعدى من مكة أو في أي جهة؟
الجواب: في أيِّ جهةٍ، وعلى هذا فيصِحُّ أن تكون في الجهة التي تلي مكة من وراء جمرة العقبة، ولا حرجَ عليه ما دامت الخيام متَّصلة.
وقول المؤلف: (إلى بعد نصفِ الليل) هذا منتهى وجوب المبيت على المشهور من المذهب؛ (إلى بعد نصفِ الليل)، فإذا انتصفَ الليلُ في مزدلفة انتهى الوجوب فلَكَ أن تدفع، ولا فرقَ بين العاجز والقادر، فمنتهى الواجبِ انتصافُ الليل مِن متى؟ مِن غروب الشمس إلى طلوع الفجر، أو إلى طلوع الشمس؟ أيُّهما أحوط؟
طالب: الفجر.
طالب آخر: الشمس.
الشيخ: الأحوط الشمس؛ لأنه أطول، أليس كذلك؟ يزيد ساعة ونصف تقريبًا، فنقول: انتظِر زيادة ساعة إلا ربع على انتصاف الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فالأحوط إذَن اعتباره بطلوع الشمس، وبعد ذلك لك الدفع.
ولكن القول الصحيح أنَّ الدفع إنما يكون في آخِر الليل كما سبق
، وكانتْ أسماء بنت أبي بكرٍ رضي الله عنها تنتظر غروب القمر، فإذا غاب دفعَتْ، ثم ذهبَتْ إلى مِنًى ورَمَتْ، ثم عادتْ إلى مكانها في مِنًى وصلَّت الفجر .
والمعتبر في ليالي مِني خاصَّة؛ لأنه ما فيها نص، المعتبر أنْ تبقى فيها مُعْظم الليل من أوله أو وسطه أو آخِره، فإذا قدَّرْنا أن الليل اثنتا عشرة ساعة، كمْ مُعْظمه؟
طلبة: سبع.
الشيخ: سبع ساعات من أوله أو وسطه أو آخِره، المهمُّ أنْ تبقى مُعْظم الليل.
الخامس: (الرَّمْي) أي: رَمْي الجِمار؛ في يوم العيد جمرة واحدة، وفي الأيام الثلاثة التي بعد العيد ثلاث جمرات، ولا بدَّ أن تكون مرتَّبةً، وسبق شروط ذلك في صفة الحج، لكن الرمي من الواجبات.
الدليل على أنَّ الرمي من واجبات الحج أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال في الرمي: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ» ، وقوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ» ، وقوله: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، ولأنه عَمَلٌ يترتَّب عليه الحِلُّ، فكان واجبًا ليكون فاصلًا بين الحِلِّ والإحرام.
ولا بدَّ في الرمي أن يكون مرتَّبًا، ولا بدَّ أن يكون بحجرٍ، ولا بدَّ أن يكون بسبعِ حصياتٍ، وسبق الكلام على هذا مُفَصَّلًا في صفة الحجِّ فلا حاجة لإعادته.
(والحِلاق) الحِلاق يعني الحلْق، وينوب عنه التقصير، ولهذا قال المؤلف في الشرح: (أو التقصير)، فهذه سبعة واجبات.
طالب: ستة.
الشيخ: ستة ولا سبعة؟
طلبة: ستة.
الشيخ: لا، نعُدُّ، ما فيه مانع؛ الإحرام من الميقات، الوقوف بعرفة، المبيت بمزدلفة، المبيت في مِنى، الرمي، الحِلاق، هذه ستة.
السابع: قال المؤلف: (والوداع) يعني طواف الوداع.
طالب: دليلُ الحلق.
الشيخ: نعم، دليل الحلْق فِعْل النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وأن الله تعالى جعله وصفًا في الحج والعُمرة فقال: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ [الفتح: ٢٧]
قال العلماء: وإذا عبِّرَ بِجُزءٍ من العبادة عن العبادة كان دليلًا على وجوبه فيها. إذا عبر عن العبادة بجزءٍ مما فيها كان ذلك دليلًا على أنه واجب.
(الوداع) وهو الطواف بالبيت فقط بدون سعيٍ وبدون إحرام، وهو من واجبات الحج، هكذا عدَّهُ المؤلف وكثيرٌ من العلماء.
والصحيح أنه ليس من واجبات الحج
؛ لأنه لو كان من واجبات الحج لَوجبَ على المقيم والمسافر، وهو لا يجب على المقيم في مكة، وإنما يجب على مَن؟ على مَن سافر، وعلى هذا فلا يتوجَّه عَدُّهُ من واجبات الحج، إذْ إنَّ واجبات الحج لا بدَّ أن تكون واجبةً على كلِّ مَن حجَّ.
لكن قد يقول قائل: إنه واجبٌ مقيَّدٌ بالخروج، ولا مانع من أن نُقيِّد بعض الواجبات بقيدٍ فيكون واجبًا على مَن أراد الخروج من مكة، ودليل هذا حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: أُمِرَ الناسُ أنْ يكون آخِرُ عهدهم بالبيت، إلَّا أنه خُفِّفَ عن الحائض . وهذا الأمر للوجوب، ودليل كَوْنه للوجوب قوله: إلَّا أنه خُفِّفَ عن الحائض. لأنه لو كان للاستحباب لَكان؟ أجيبوا.
الطلبة: (...).
الشيخ: لَكان مُخَفَّفًا على كلِّ أحد؛ لأن المستحبَّ يجوز تَرْكه، ولقوله أيضًا في اللفظ الآخَر: «لَا يَنْصَرِفْ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» .
(والباقي) الباقي منين؟ الباقي من أقوال الحج وأفعاله (سُنَنٌ).
وسيأتي حُكم كلًّ من الركن والواجب والسُّنة.

***

ثم قال: (وأركان العُمرة: إحرامٌ، وطوافٌ، وسَعْيٌ).
والإحرام: نيَّة الدخولِ في العُمرة، والطواف معروف، والسعي معروف.
(وواجباتُها: الحِلاق، والإحرام من ميقاتها).
فصار أركان العُمرة ثلاثة، وواجباتها اثنان. (...)

***

طالب: المعروف أن حدود مِنى سَفْح الجبال من جهة مِنى.
الشيخ: إي، سفوح الجبال من جهة مِنى، من مِنى.
الطالب: شيخ بعض الناس يكون مثلا (...)؟
الشيخ: لا، ما يجوز هذا، إلا إذا كان معه نساء، يمكن اللي معه نساء يَصْعب عليه أنْ يسكن في الجبل.
الطالب: (...).
الشيخ: إي، لكن يصعب عليه سُكنى الجبل، يجيء بحريم وأطفال ويُصعِّدهم الجبل! صَعْب.
الطالب: (...)؟
الشيخ: يجب عليه أنْ يبيت فيها، يضرب خيمته هناك.

***

طالب: (...).
الشيخ: (...) الآية فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ [البقرة: ١٩٨].
الطالب: (...).
الشيخ: لا، أجبنا عنها؛ قلنا لكم: أن يكون المراد بها لا تَقِفوا في هذا، لا تَقِفوا في المشعر الحرام كما كنتم تقفون في الجاهلية، ولكنْ إذا أفضتم من عرفات فقِفُوا به، فيكون في الآية بيانُ وقتِ الوقوف في مزدلفة أنَّه بعد الإفاضة من عرفة؛ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [البقرة: ١٩٨، ١٩٩].
كانت قريش في الجاهلية لا يقفون في عرفة؛ يوم عرفة ما يقفون في عرفة، لماذا؟ يقولون: نحن أهلُ الحرم فلا نقف في الحِلِّ، وعرفة من الحِلِّ، فقال الله تعالى: إِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ؛ يعني اجعلوا وقوفكم عند المشعر الحرام بعد أن تُفيضوا من عرفة، فيكون في الآية الكريمة بيانُ ترتيب وقت الوقوف في مزدلفة.

طالب: شيخ، قُلنا: إن الراجح يا شيخ جواز الدفع من مزدلفة في آخِر الليل. لو أن إنسانًا أتى قبل آخِر الليل بقليل؛ بدقائق، هل يجوز الانتهاء أو يستمر حتى طلوع الفجر؟
الشيخ: لا بأس إذا جاء، لكن ينبغي أن يستقر قليلًا، وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا كان في آخِر الليل بعثَ أهْلَه فوقفوا عند المشعر الحرام وذكروا الله ثم انصرفوا .
طالب: في مِنى يكون إذَن الشوارع يكون فيها فراغ.
الشيخ: إيش؟
الطالب: يكون في (...) الشوارع في مِنى يكون فيها فراغ، فهل لإنسانٍ ليس معه نساء ويستطيع أن (...) بأن يأتي بفِراشه وينام على الرصيف؟
الشيخ: أين متاعه؟
الطالب: خارج مِنى.
الشيخ: لا، يبقى في متاعه، لا بأس؛ لأنه مشقَّة عليه أنه يجيء بـ (...) في فراشه وينام في الشوارع، مشقَّة عليه، ولا ينام نومًا هادئًا.

***

طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى: فمَنْ تَرَكَ الإحرامَ لم ينعقِدْ نُسُكُهُ، ومَنْ تَرَكَ رُكنًا غيرَه أو نيَّتَه لم يتمَّ نُسُكُهُ إلَّا به، ومَنْ تَرَكَ واجبًا فعليه دمٌ، أو سُنَّةً فلا شيءَ عليه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
سبق لنا ذِكْر الواجبات في الحج، فلْنُعِدها الآن.
طالب: الإحرام من الميقات.
الشيخ: نعم.
الطالب: الوقوف بعرفة إلى الغروب.
الشيخ: الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الغروب.
الطالب: والمبيت بمزدلفة.
الشيخ: والمبيت بمزدلفة إلى ما بعد نصف الليل.
الطالب: المبيت في مِنى.
الشيخ: المبيت بِمِنى إلى ما بعد نصف الليل.
الطالب: وطواف الزيارة.
الشيخ: طواف الزيارة!
الطالب: وطواف الوداع.
الشيخ: وطواف الوداع. وغيره؟
الطالب: والحِلاق.
الشيخ: الحلق أو التقصير.
الطالب: والرمي.
الشيخ: ورمي الجمرات، سبعة.
طيب، أركان العمرة؟
طالب: أركان العمرة ثلاثة.
الشيخ: وهي؟
الطالب: الإحرام، والطواف، والسعي.
الشيخ: نعم، وواجباتها؟
طالب: اثنان: الإحرام من ميقاتها، والحِلاق؛ والحلق أو التقصير.
الشيخ: والحلق أو التقصير.
طيب وأظن وقفْنا على هذا.
طالب: نعم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
ذَكَر المؤلف رحمه الله أنَّ واجبات العمرة اثنان: كَوْن الإحرام من الميقات، والثاني: الحلق أو التقصير. ولم يذكر طوافَ الوداعِ، فظاهر كلامه أنه لا يجب لها طوافُ وداعٍ؛ لأن عدم الذِّكْر في سياق البيان يدلُّ على أنه لا عبرة به، وعلى هذا فيكون طواف الوداع في العمرة ليس بواجبٍ على المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله.
وهذه المسألة فيها خلافٌ؛ فمِن أهل العلم من يقول: إن العمرة يجب لها طوافُ وداعٍ. ومنهم مَن يقول: لا يجب، ولكنه سُنَّة. ولم نعلم أن أحدًا من الناس قال: إن طواف الوداع للعُمرة بدعة. فالأقوال فيها منحصرة في قولينِ: إمَّا أنه واجبٌ وإمَّا أنه سُنَّة، والراجح عندي أنه واجبٌ؛ أنه يجب على المعتمر أنْ يطوف للوداع كما يجب على الحاجِّ؛ لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَنْفِرْ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» .
فإنْ قال قائل: هذا القول قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حجَّة الوداع في الحجِّ، ولم يقُلْه في العُمرة.
قُلنا: نعم، نُسَلِّم ذلك، ولكن لأنه لم يوجبه الله إلا في ذلك الوقت، وما قبل ذلك فهو لم يجبْ أصلًا، والشرع كما نعلم يتجدَّد، تجبُ الشرائع متجدِّدة؛ فقد يجب في هذا الوقتِ ما لم يكنْ واجبًا مِن قَبْل.
ونقول أيضًا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال ليعلى بن أُمَيَّة: «اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فِي حَجِّكَ» ، وهذا العموم يشمل؛ كل ما يُفعل في الحجِّ يُفعل في العمرة إلا ما قام النصُّ أو الإجماعُ على أنه مستثنى؛ كالوقوف بعرفة، والمبيتِ بمزدلفة أو بِمِنى، ورمْيِ الجمار، هذا مستثنى بالإجماع، وإلَّا فالأصل مشاركة العمرةِ للحجِّ في أفعاله، ويؤيد ذلك -أنَّ هذا هو الأصل- أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم سَمَّاها في حديث عمرو بن حزمٍ الذي تلقَّته الأُمَّة بالقبول، سَمَّاها: الحج الأصغر؛ قال: «الْعُمْرَةُ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ» ، فسمَّاها حجًّا، وإذا سُمِّيت باسمه فالأصل موافقتُها له في الأحكام إلا ما استُثنِي.
ولكنْ لو أنَّ أحدًا قدمَ مكة وطافَ وسعى وقصَّرَ وانصرفَ، خرج؛ فإنَّ هذا يُجزئه عن طواف الوداع كما ذَكَر ذلك البخاري في صحيحه بأنَّ المعتمِر إذا طافَ وسعى فإنه يكفيه عن طواف الوداع، لا يُقال: إن هذا لم يكنْ آخر عهده بالبيت.
نقول في الجواب: لأن السعي تابعٌ للطواف، ولهذا ذكر الفقهاء أنه لو أخَّر طواف الإفاضة فطافه عند الوداع وسَعَى فإنه يُجزِئه، ولم يعتبروا هذا السعي فاصلًا؛ لأنه يَثْبت في الأتباع ما لا يَثْبت في الاستقلال، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام طافَ للوداع في حجَّة الوداع، وبعد أنْ طافَ صلَّى الفجر ثم انصرف؛ لأن الفصل يسيرٌ، وإنْ كانت هذه الصلاة فيما يَظهر ليستْ تابعةً للطواف؛ بمعنى أنَّ الرسول لم يَنْوِ بها أنها عن صلاة الركعتينِ بعد الطواف، فهذا هو الذي نراه.
وعلى كلِّ حالٍ إذا طافَ الإنسانُ فإنه مُثَابٌ على القولينِ جميعًا، لكن إذا تَرَك فهلْ يأثم أو لا؟ ينبني على القول بالوجوب أو عَدَمه؛ إنْ قُلنا بالوجوب فهو آثِمٌ، وإلَّا فليس بآثِم.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فمَنْ تَرَكَ الإحرامَ لَمْ ينعقِدْ نُسُكُهُ).
ما معنى (تَرَك الإحرام)؟ يعني مَن لم يلبس الثياب؛ مَن لم يلبس الإزار والرداء؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، (مَن تَرَكَ الإحرامَ) يعني النيَّة؛ أي: نيَّة الدخول في النُّسُك، فإنَّه لا ينعقد نُسُكه، حتى لو طافَ وسعى فإنَّ هذا العمل لاغٍ؛ كما لو تَرَك تكبيرةَ الإحرام في الصلاة، لو تَرَكها وأتمَّ الصلاة بالقراءة والركوع والسجود والقيام والقعود لكنَّه لم يُكَبِّر للإحرام فصلاتُه لاغية لم تنعقِدْ أصلًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وهذا الرجل لم يَنْوِ الدخولَ في النُّسُك فلا يكون داخلًا فيه.
ولكن تصوير هذه المسألة قد يكون صعبًا يا جماعة؛ كيف نقول لرجلٍ اغتسَلَ عند الميقات في الميقات، ولبس ثيابَ الإحرامِ، وصلَّى ركعتينِ، ولَبَّى، ونقول: إنه لم يَنْوِ؟! هذا من أَبْعَدِ البعيدِ، لكن المسألة فرضية؛ إذا قُدِّر أنَّ شخصًا فَعَلَ جميع ما يتعلَّق بالنُّسُك إلَّا أنَّه لم يَنْوِ فإنَّه لا ينعقد نُسُكه، وكلُّ أفعاله ذهبتْ هَدَرًا، وإلَّا من المعلوم أنَّ الإنسان إذا فَعَلَ أفعالَ العبادةِ لا بُدَّ أنْ يكون قد نواها.
وذكروا عن ابن عَقيل -عليِّ بن عَقيل، مِن أصحاب الإمام أحمد؛ يعني مِن أتباعه- أنَّ رجُلًا جاءه وقال له: يا سيدي، تُصيبني الجنابةُ، فأذهبُ إلى دِجلة فأغتسل؛ أنغمِسُ فيها ثم أخرج، وأرى أني لم أكنْ يرتفع حَدَثي. فقال له ابن عقيل: لا تُصَلِّ. قال: لا أُصلي! سبحان الله! أنا ما اغتسلتُ إلا للصلاة. قال: لا تُصَلِّ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» ، وأنت مجنون؛ تذهب وتخلع ثيابك وتنغمس في الماء ثم تقول: ما نويتُ. هذا معقول؟! ليس بمعقول.
فالظاهر أن الرجُل انتقد نفْسَه، عرف أنه أخطأ خِطْئًا كبيرًا، ولهذا قال الموفَّق رحمه الله في كتابه ذم الموسوسين أو الرد على الموسوسين قال: إن بعض العلماء قال: لو كَلَّفَنا اللهُ عملًا بلا نيَّةٍ لكان مِن تكليف ما لا يُطاق. صحيح هذا؟
طالب: ما هو صحيح.
الشيخ: صحيح؛ لو قيل لك: تَوَضَّأ، لكن (...) تنوي الوضوء، صلِّ ولكنْ لا تَنْوِ الصلاة. ما يُمْكن.
صحيحٌ أنَّ الإنسان قد يغيب عنه التعيين، ما هو نيَّة الفِعل، هو ينوي الفِعل، لكنْ يغيب عنه التعيين؛ يجيء يصلي، يدخل المسجد مَثَلًا لصلاة الظهر ثم يُكَبِّر ويصلِّي، لكنْ يغيب عن ذهنه أنه نوى الظهر مَثَلًا، لكنْ في نيَّته أنه نوى فَرْض الوقت، ما فيه إشكال، ما نوى صلاة الضحى، نوى فَرْض الوقتِ، إلا أنه غاب عن قَلْبه تعيينُ الصلاة، فهل يُجزِئ أو لا؟
قال بعض العلماء: لا تُجزئه الصلاةُ؛ لأنه لا بدَّ من التعيين.
وقال أحد أصحاب الإمام أحمد وهو ابن شاقِلَّا -رحمه الله- قال: إنه يكفيه أن ينوي فَرْضَ الوقتِ. وهذا -والحمد لله- فيه سَعَةٌ للناس؛ لأنه كثيرًا ما يأتي الإنسان ويصلِّي -لا سِيَّما إذا كان الإمامُ راكعًا- فإنه يأتي بسرعةٍ وقد لا ينوي التعيين، لكنْ لو سألتَهُ: ماذا نويتَ؟ قال: نويتُ أؤدِّي الفرض. ما فيه إشكال
.
يقول: (ومَنْ تَرَكَ رُكنًا غيرَه لم يتمَّ نُسُكُهُ إلَّا به).
(مَنْ تَرَك رُكنًا غيرَه) أي: غير الإحرام (لم يتمَّ نُسُكه إلا به) لو تَرَك الطواف؛ نسي ولم يطُفْ طوافَ الإفاضة، نقول: إلى الآن لم يتمَّ حجُّك، لا بدَّ أن تطوف. فإنْ كان الركن مما يفوت فالحجُّ لاغٍ؛ كما لو تَرَك الوقوفَ بعرفة حتى خرج فجر يوم العيد، فإنَّ الحجَّ انتهى، ما عاد يُمْكنه الآن.
لو قال: أقِفُ يوم العيد أقضي، وأنا أسعدُ بالدليل منكم؛ أنا ناسٍ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» ، وأيُّما أَوْكَد الصلاة أو الحج؟ نقول له.
طلبة: الصلاة.
الشيخ: الصلاة. قال: إذَنْ نسيت أن اليوم تسعة، فأقف يوم عشرة. قلنا: لا يُجزئ. قال: هذا قياسٌ صحيحٌ، أنتم الآن أقررتم بأن الصلاة أَوْكد، فإذا كان يصح قضاءُ الصلاة فلْيصِحَّ قضاءُ الوقوف بعرفة. ماذا نقول له؟
نقول: هذا قياسٌ فاسدُ الاعتبارِ؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ أَتَى لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ الصُّبْحِ فَقَدْ أَدْرَكَ» ، مفهومه: مَن أتى بعد الصبح فإنه لم يُدركْ. وهذا نصٌّ، فلا يُقاس مع وجود النص، إذنْ (مَنْ تَرَك رُكنًا لم يتمَّ نُسُكُهُ إلا به)، لكن إنْ كان الركن يفوت، ولا يصح التمثيل إلَّا بالوقوف فقط، فإنه في هذه الحال أيش؟ يفوته الحجُّ، وسيأتينا إن شاء الله باب الفوات والإحصار.
طيب، وقوله: (أو نِيَّتَهُ)، ما هو الركن الذي يُشترط له نيَّة؟ هو الطواف والسعي، أمَّا الوقوف عند الفقهاء فإنه لا يُشترط له النية، والطوافُ والسعيُ تشترط له النية.
والصحيح أن الطواف والسعي لا تُشترط له النية؛ لأن الطواف والسعي جزءٌ من عبادةٍ مكوَّنةٍ من أجزاء، فتكفي النية في أولها كالصلاة؛ بدليل أنَّ المصلِّي هل يُشترط أن ينوي الركوع؟ أجيبوا.
طلبة: لا.
الشيخ: ولا السجود، ولا القيام، ولا القعود، فليس الطوافُ شيئًا مستقلًّا، الطواف رُكنٌ في عبادةٍ فلا تُشترط له النية كأيش؟ كالركوع في الصلاة.
ويقال أيضًا: إذا كنتم لا تشترطون النيةَ في الوقوف وهو أعظم أركانِ الحجِّ، حتى قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، فما مِثْلُه أو دونه مِن باب أَوْلى. وهذا القول هو الذي رجَّحه الشنقيطي في تفسيره، وهو الصواب، وفيه مصلحةٌ للناس؛ لأن كثيرًا من الناس عند الطواف لو سألتَهُ: ماذا نويتَ بالطواف؟ قال: نويتُ الطواف، ولا على بالي أنه للحج أو للعمرة، لكنْ أنا متلبِّس بالحج. علي رأي مَن يشترط النية يقول: طوافُه غير صحيح. وعلى هذا القول الثاني طوافه صحيح، وهو الصحيح.
طيب، إذَنْ نحذف كلمة: (أو نِيَّتَهُ)، لأنه ليس فيه ركن تُشترط فيه النية إلا أيش؟ الطواف والسعي.
الإحرام هو نيَّة النُّسُك، وسبق أنه لا ينعقد النُّسُك بفواته، والوقوف يقول: لا يُشترط له نيَّة. بقي الطوافُ والسعيُ، والصحيح أنه لا تُشترط لهما نيَّة؛ أي: نيَّة التعيين، وإلَّا (...) ما جاء يطوف إلا ينوي. نعم (لم يتمَّ نُسُكُه إلا به).
يعني إذَن الذي لا يُشترط نيَّة التعيينِ أنَّه طوافٌ للحج، أمَّا نيَّة الطواف فلا بدَّ منها؛ لأنه لا بدَّ من أن ينوي الطواف، لكنْ كَوْنه للحج ما هو شرط؛ لو طافَ ولا على قلبه نيَّة أنه للحج أو للعمرة فطوافه صحيح، أمَّا لو أنه حُمِل غصبًا عليه وطِيفَ به وهو لا ينوي، هل يصِحُّ طوافه؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: هذا لا يصح، معلوم؛ لأنه ما نوى.
يقول: (لم يتمَّ نُسُكُهُ إلا به. ومَنْ تَرَكَ واجبًا) عندي بالشرح: (ولو سهوًا)، (فعليه دمٌ).
(ومَنْ تَرَك واجبًا فعليه دمٌ) والواجباتُ ذَكَرْنا أنها سبعةٌ، ما هو الدليل؟
وقَبْلًا نذهبُ إلى الأركان؛ ما هو الدليل على أنَّ تارك الركن لا يصِحُّ حَجُّه؟
لأنَّ الركن هو الماهيَّة التي تنبني عليها العبادة، ولقوله عليه الصلاة والسلام في الوقوف: «مَنْ أَتَى لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ الصُّبْحِ فَقَدْ أَدْرَكَ»؛ يدلُّ على أنه إذا فاته فاته الحجُّ، أمَّا مَن تَرَك واجبًا فعليه دمٌ.
(دمٌ) إذا أُطْلِقَ الدمُ في لسان الفقهاء فهو: سُبع بَدَنة، أو سُبع بقرة، أو واحدة من الضأن أو المعز، ولا بدَّ فيها من شروط الأُضحية وأنْ تكون قد بلغت السِّنَّ المعتبَر؛ وهو في الإبل خمس سنين، وفي البقر سنتان، وفي المعز سنة، وفي الضأن نصف سنةٍ؛ ستَّة أشهر، ولا بدَّ أيضًا أنْ تكون سليمةً من العيوب المانعة من الإجزاء كالعَوَرِ البيِّنِ ونحوه.
وهذا الدمُ دمُ جُبْرانٍ لا دمُ شُكرانٍ، وعليه فيجب أنْ يتصدَّق به جميعه على الفقراء؛ فقراء الحرم، ويُذبح في الحرم، ويُوزَّع في الحرم. فإنْ ذبحه خارجَ الحرمِ لم يُجزِئ.
لو ذبحَ هَدْيَ المتعةِ أو القِران في عرفة، يُجزئ أو لا؟
طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: ذبحه فى عرفة وفرَّقه في مكة؟
طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: لا يُجزِئ؛ لأنه في غير المكان المعتبَر شرعًا.
ولهذا سأل سائل قال: ها السَّنة وجدنا راحة، ذَبَحنا في عرفة بسَعَة، ووزَّعنا اللحم على ما نبغي. قلنا ليش؟ قال: هذا فِعْلنا كلَّ سَنَة. إذَن الدليل أنَّه فِعْلُه كلَّ سَنَة، مُشْكِل، أوقَعَنا في حيرة، يعني لا بدَّ أنْ نقول: يَلْزمكم أن تقضوا جميعَ ما فات؛ لأنكم ذبحتموه في مكانٍ لا يحلُّ فيه الذبح، فإذا ذبحتموه في عرفة فكأنما ذبحتموه في الصين. نعم لو ذبح في الصين وجاء به إلى الحرم لا يُجزِئ، فالحِلُّ واحدٌ من عرفة إلى أبعدِ الدُّنيا فلا يُجزئ.
لكنْ فيه قول لبعض الشافعية أنَّه إذا ذبحه في الحِلِّ وفرَّقه في الحرم فلا بأس؛ لأنه أدَّاه إلى أهْله؛ لأن أهْله هم أهل الحرم وقد أدَّاه إليهم.
ولكنْ قد يُقال: إن هذا غير صحيح؛ لأنه يفرق بين ذَبْحه في الحرم وذَبْحه في الحِلِّ؛ حيث إنه عبادة، والعبادة في الحرم أفضل منها في الحِلِّ، فإذا ذَبَح في الحِلِّ فاته الأفضلية، وحينئذٍ لا يصِح، وإنْ كان المقصود من التصدُّق على فقراء الحرم أنْ يَصِل إليهم، لكنْ أيضًا الذبح نفسه عبادة، فكَوْنه يُنقل من محلٍّ فاضلٍ إلى محلٍّ مفضولٍ يقتضي عدم الإجزاء، كما لو نَذَر أن يصلِّي ركعتين في المسجد الحرام فإنه لا يصح أنْ يصلي الركعتين في المسجد النبويِّ؛ لأن المسجد الحرام أفضل، فالقول بعدم الإجزاء هو الراجح نَظَرًا.
لكنْ إذا سألَنا أناسٌ مِثْل هؤلاء وليس في المسألة دليلٌ واضحٌ ينهى عن ذبح هذا في الحِلِّ فينبغي أن يقال: لا تُعيدوا ولا تعودوا
. المعنى واضح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ويش معنى (لا تُعيدوا)؟
طلبة: لا تذبحوا مرَّةً ثانيةً.
الشيخ: لا تذبحوا مرَّةً ثانيةً. و(لا تعودوا) يعني لا تعودوا لِمِثْلها، خصوصًا إذا كان أُناسٌ يَغْلِب عليهم الجهلُ وسلامةُ القلب وأنَّهم ما تعمَّدوا المخالفة، والمقصود حَصَل بإعطاء اللحم إلى أهله.
ومِثل هذه الأمور التي ليس فيها نصٌّ والأمر قد انقضى وانتهى؛ لا حَرَجَ على الإنسان أنْ يُراعيَ أحوالَ المستفتي فلا يشقَّ عليه في أمرٍ لم يجدْ فيه نصًّا.
يقول: (عليه دمٌ). ما هو الدليل على أنَّ تارك الواجب يجب عليه دمٌ؟ وهذا أيضًا محتاجٌ إلى دليلٍ مهمٍّ، دليلٍ واضحٍ يستطيع أنْ يواجه الإنسانُ ربَّه به إذا أوجبَ على عباد الله ما لم يوجبْه الله عليهم؛ لأن إيجابَ ما لم يجب كإسقاط أيش؟
طلبة: ما وجب.
الشيخ: ما وجب أو أشدُّ؛ لأنَّ إسقاط ما يجب تخفيفٌ، وإيجاب ما لم يجب تشديدٌ، وأيُّهما الموافق للإسلام أو لروح الدين الإسلامي؟
طلبة: التخفيف.
الشيخ: الأول؛ التخفيف. فإيجابُ ما لم يجب بلا دليلٍ أشدُّ من إسقاطِ ما يجب؛ لأنه أعظم؛ فيه قولٌ على الله بلا عِلْم، وفيه إشقاقٌ على العباد، وإسقاطُ ما وجبَ -والمراد ليس إسقاطًا عن عَمْد، لكنْ إسقاط ما وجبَ بمقتضى الاجتهاد، ليس فيه إلَّا شيءٌ واحدٌ وهو إسقاطُ ما عسى أن يكون واجبًا، لكنْ هل فيه التكليف على العباد؟
طالب: ما فيه.
الشيخ: ما فيه.
فأقول مرَّةً ثانيةً: إيجابُ ما لم يجب أشدُّ من إسقاط ما وجبَ؛ يعني إذا لم يكنْ هناك نصٌّ يدلُّ على الوجوب بحيث يواجه الإنسانُ به ربَّه، فإنَّ إسقاطَ ما وجبَ -أي: ما يُمكن أنْ يكون واجبًا- أهونُ. وكذلك نقول في التحريم والتحليل.