كتاب الحج (الشرح الثاني) - 3
عدد الزيارات 2611

عناصر المادة :
باب الفدية

إذا لبس الْمُحْرِم ما يحرُم عليه من اللباس فكلام المؤلف يدل على أنه؟ يفدي، حينئذ نقول: ما الدليل على الفدية؟ هو لا شك أنه حرام، لكن ما هو الدليل على الفدية، والفدية في هذا فدية أذى، يعني: إما ذَبْح شاة، وإما صيام ثلاثة أيام، وإما إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، لكن نحتاج إلى؟
طلبة: دليل.
الشيخ: إلى دليل.
(وإن طَيَّبَ بدنه، أو ثوبه، أو ادَّهَن بمطيَّب، أو شَمّ طِيبًا، أو تبخَّر بعود ونحوه فدى)، هذا المحظور؟
طلبة: الخامس.
الشيخ: الخامس، وهو الطِّيب، الطِّيب بالنسبة للمُحْرِم نوعان: طِيب سبق الإحرامَ وبقيت آثارُه، وطِيبٌ كان بعد الإحرام، فالْمُحَرَّم؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: ما كان بعد الإحرام، أي الثاني، أما الطِّيب الذي يفعله الْمُحْرِم لإحرامه فهذا طَيِّب وسنة، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان يتطيَّب لإحرامه قبل أن يُحْرِم، ولِحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت، وقالت عائشة: كأني أنظر إلى وَبِيصِ المسك في مَفَارِق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وَبِيص يعني: بريق ولمعان.
الكلام على الطِّيب بعد الإحرام، الطِّيب بعد الإحرام مُحَرَّم، ودليله قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الذي وَقَصَتْه ناقته: «لَا تُحَنِّطُوهُ» ، والْحَنُوط أخلاط من طِيب تُجْعَل في الميت، وإذا حَرُم ذلك على الميت لأنه مُحْرِم حَرُم على الحي من باب أولى، هذا قياس جلي؛ لأن الحي يمشي بين الناس ويعج منه ريح الطِّيب، والميت سيُدْفَن.
فالمهم أن الطِّيب على الْمُحْرِم حرام، ولهذا قال: (وإنْ طَيَّبَ بدنه أو ثوبه) يعني: ثوب الإحرام، (أو ادَّهَن بمُطَيَّب)، يعني: ادَّهن بشيء مُطَيَّب تظهر فيه رائحة الطِّيب، وإن كان دهنًا لا يسمى طِيبًا لكن فيه رائحة الطيب، فإنه حرام، (أو ادَّهن بمطيَّب أو شم طِيبًا) وإن لم يتطيب به فهذا حرام، وظاهر كلام المؤلف أنه إذا شم طِيبًا وإن كان لا يشم، ومعلوم أن الذي لا يشم لا يتأثر بشمّ الطيب، بل ربما لو أعطيته طِيبًا طَيِّبًا باردًا من أحسن ما يكون وتعطيه جرة جاز ويشمه..
طلبة: لا يعرفه.
الشيخ: لا، يقول: هذا أطيب، الجاز أطيب؛ لأنه يدخل في خياشيمه.
فظاهر كلام المؤلف أن شم الطِّيب على الْمُحْرِم حرام، سواء كان يشم أو لا، مع أن الذي لا يشم لا يتأثر، وفيه مناقشة.
طالب: الأسئلة يا شيخ.
الشيخ: نقف على هذا، بقي علينا هل تريدون أن يكون شرحنا هكذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أو نخفف؟
طلبة: لا، نحن نستفيد.
الشيخ: أنا يسرني أن يكون طالب العلم عنده فقه بأسرار الشريعة، وكيف يستدل، وكيف يثبت الأحكام بالأدلة، هذا أهم من أن نقرأ عشر أوراق أو عشرين ورقة؛ لأن هذا يعطي الإنسان مَلَكَة.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، لو أن الإنسان خاط إزارًا على شكل الإزار المعروف ثم ذهب؟
الشيخ: لا بأس.
الطالب: حتى لو خاف أن يُحْدِث؟
الشيخ: يُحْدِث أيش؟
الطالب: يعني تشويشًا عند الناس.
الشيخ: لا ما هو مُحْدِث تشويشًا، الناس يستنكرونه، وأول معرفتهم يكون سهلًا عليهم، وثِقْ أنه إذا رآه واحد سوف يقتدي به عشرة، وبالعشرة مئة؛ لأن هذا أهون على الناس.
الطالب: ويحط فيه مخبآته.
الشيخ: يحط مخبآته ويحط تكة، يعني ما هو فيه شيء، أليس إزارًا؟
الطالب: بلى.
الشيخ: الحمد لله، ما اشترط الرسول عليه الصلاة والسلام في الإزار أن يكون على شكل معين.
الطالب: أريح جدًّا.
الشيخ: ما فيه شك أنه أَرْيَح، وكثير من الناس الآن نشوف إحراماتهم الأُزُر قصيرة، يعني ما تدور على الجسد أكثر من مرة، وإذا صارت قصيرة يمكن تنكشف العورة، أنا أشوف مثلًا بعض الأجانب الذين عندنا يلبسون إزارًا قصيرًا يلتئم طرفاه أو يزيد قليلًا، وإذا خَطَا؟
طلبة: تنكشف ..
الشيخ: بانت أفخاذه، فإذا خاطه استراح.

طالب: الْحِنَّاء في الرأس؟
الشيخ: إي نعم، سيأتينا إن شاء الله، الطِّيب إلى الآن ما تكلمنا عليه، فيه مناقشات.
الطالب: مُغَطٍّ، الفقهاء ذكروه ضمن ما غَطَّى رأسه بِمُلاصِق.
الشيخ: بارك الله فيك، أليس النبي صلى الله عليه وسلم قد لَبَّدَ رأسه؟
الطالب: بلى.
الشيخ: بأيش؟
الطالب: بالصمغ.
الشيخ: بالعسل والصمغ، وهذا لا بد أن يُغَطّي، هذا يشبه الأصل، يعني أن رأسه الآن ليس عليه شيء يغطيه وينفصل منه، لكن الطاقية تغطيه وتنفصل.

طالب: أحسن الله إليك، تبيَّن لنا بعض محظورات الإحرام أن لا دليل على الفدية فيه، مثل أن يلبس العمامة وما يَحْرُم لبسه، فهذه الأشياء يا شيخ إذا ارتكبها الإنسان هل يقول: إنه يفدي احتياطًا، أم يقول: ما دام ليس عليه دليل يُتْرَك؟
الشيخ: والله شوف أنا قلت لكم قبل قليل، قلت لكم بالأمس: من باب التربية نقول للناس الحمد لله تصوم ثلاثة أيام، لكن لو تقع من الإنسان بنفسه ولا يفدي ليس عليه شيء.

طالب: أحسن الله إليك، التشبيك في الإحرام؟
الشيخ: يعني الرداء قصدك ولَّا الإزار؟
الطالب: الرداء.
الشيخ: الرداء.
الطالب: حط عليه كثيرًا من الأزرار؟
الشيخ: حتى صار..
الطالب: حتى صار يعني..
الشيخ: كالقميص.
الطالب: تقريبًا.
الشيخ: تقريبًا، نقول: لا تفعل، أولًا: إن بعض العلماء يمنع من عقد الرداء، وإن كان يُجَوِّزُه في الإزار، وثانيًا: أنه ما ينبغي أن الإنسان أن يُتْرِف نفسه حتى في هذا، يحط زِرّه مشابك من نَحْرِه إلى أسفل، لا وبعض الناس أيضًا وجدناهم يجعلون فيه أَزِرَّة عادية مثل زرار الثوب هذا، يعني ما بقي إلا يجعل أكمامًا وينتهي الموضوع.

طالب: بالنسبة للوجه يا شيخ ثبت في الرواية يا شيخ ولا يُخَمِّرُوا رأسه.
الشيخ: هذه اختلف العلماء في صحتها في قصة الذي وَقَصَتْهُ ناقته، هل قال: لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ، أو رأسه فقط؟ فأكثر الرواة على حَذْف الوجه، ما دام هذا أكثر الروايات فإيجاب شيء أو تحريم شيء بلا دليل، ثم إن قوله: «لَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ» إذا ثبت في الميت ثبت في الحي.


الطالب: أحسن الله إليكم، إذا سافر الإنسان وهو حاجّ أي يريد الحج، وأخذ أشياءه، وقبل أن يصل الميقات مرض فلبس إحرامه وأشياءه ونوى الحج، إلا أنه قبل أن يدرك الميقات مات، فهل هذا..؟
الشيخ: لبس إحرامه قبل أن يصل إلى الميقات؟
الطالب: إي، شعر بالموت وتربَّط أشياءه، لبس أشياءه وصار يلبي علشان يكون ملتبسًا بالحج، ولكن ما صادف الميقات.
الشيخ: يعني أحرم قبل الميقات؛ لأنه شعر بالموت فأحب أن يبعث مُلَبِّيًا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: والله تحتاج إلى نظر، قد يقال: إن هذا الرجل أَحْرَمَ قبل أن يؤمر بالإحرام فلا يُعَدّ كالذي أحرم من الميقات وشرع في النسك، وقد يقال: فضل الله واسع، فالله أعلم.

***

يقول رحمه الله: (وإن طيَّب بدنه) إلى آخره، فهمنا الدليل على تحريم الطيب، وهو قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الرجل الذي وَقَصَتْهُ ناقته..
طالب: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ».
طلبة: «لَا تُحَنِّطُوهُ».
الشيخ: «لَا تُحَنِّطُوهُ» ، فما هو الطِّيب؟ ليس كل من كان زكي الرائحة يكون طيبًا، الطيب ما أُعِدّ للتطيب به عادة، وعلى هذا فالتفاح والنعناع وما أشبه ذلك من الذي له رائحة زكية طَيِّبَة تميل لها النفس لا يكون طِيبًا، إنما الطِّيب ما يستعمل للتطيب به كدهن العود، والمسك، والريحان، والورد، وما أشبه هذا، هذا لا يجوز للمُحْرِم استعماله، سواء في بدنه أو ثوبه أو رأسه أو غير ذلك، وأما مجرد ما له رائحة زكية فلا يضر.
وقوله: (ادَّهَن بمُطَيَّب) يعني بشرط أن يكون هذا الذي ادَّهَن به قد ظهرت فيه رائحة الطيب، أما مجرَّد أن يكون نقطة في كأس –مثلًا- هذه لا تؤثر.
بقي النظر الآن أن بعض الصابون له رائحة، هل هي طِيب أو من باب الرائحة الزكية؟ الظاهر الثاني، ولذلك لا يَعُدّ الناس هذه الصابون طِيبًا، لا تجد الرجل إذا أراد أن يتطيب يوم الجمعة، يذهب للجمعة، يأتي بالصابون يُكَرِّه على ثوبه، أليس كذلك؟ لكنها لما كانت تستعمل في الأيدي للتطهر من الرائحة، رائحة الطعام، جعلوا فيها هذه الرائحة الزكية.
فالذي يظهر لي أن هذه الصابون التي فيها الرائحة الطيبة لا تُعَدّ من الطِّيب المحرَّم، ونحن لدينا قاعدة إذا شككنا في الشيء أمحظور هو أم لا نرجع إلى؟
طلبة: الأصل.
الشيخ: الأصل، وهو عدم الحظر، والناس لا يعُدُّون هذا طِيبًا كالحنوط الذي يُجْعَل في الميت.
قوله: (أو شم طِيبًا)، الواقع أن شم الطِّيب لا يؤثر على الْمُحْرِم، لا يعلق في بدنه، ولا في خياشيمه، ولا يُفَطِّره إذا صام، وما أشبه ذلك، فجَعْلُه من محظورات الإحرام فيه نظر، والذين جعلوه من محظورات الإحرام قالوا: إنه ربما إذا شَمَّه ووجده طَيِّبًا تطيَّب به فيكون تحريمه من باب؟ سد الذرائع، أو يقول: يشمه، والله يعني فيه شك عنده ثم يقول يأخذ منه ويدهن به شاربه علشان يتأكد، فقالوا: لما كان ذريعة إلى التَّطَيُّب مُنِع، وإلَّا ما فيه نص، ولا يقاس على قوله: «لَا تُحَنِّطُوهُ» .
توسَّط بعض العلماء وقال: إن شَمَّ الطيب لحاجة، مثل أن يريد أن يشتري طِيبًا من عَطَّار فلا بأس؛ لأن هذا تحريمه إذا قلنا به من باب الاحتياط فقط، لا من باب الجزم، وما كان من باب الاحتياط والتحري فإنه يباح للحاجة، وإذا لم يكن هناك حاجة فلا حاجة أن يشمه.
إذا شمه بدون قصد، كرجل وقف عند دكان عطار عنده عطورات رائحتها قوية، فشمها، هل يضر؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ولذلك لا بد أن تُقَيَّد هذه بأن يكون قصدًا، أو شم طيبًا قصدًا، أما إذا لم يكن قصد فلا أحد من أهل العلم يقول: إنه حرام، يعني لو قلنا بهذا لقلنا للناس الْمُحْرِمِين: لا تَمُرُّوا بأسواق العطارين، ولا أحد يقول بهذا.
إذن شمّ الطيب في إلحاقه بالمحظورات أيش؟ نظر، وعند الحاجة إلى الشم لا شك في جوازه، وشمه بلا قصد لا يضر ولا يؤثر.
(أو تبخَّر بعود ونحوه)، أيضًا إذا تبخر بعود أو نحوه فإنه لا يجوز؛ لأن العود طِيب لا إشكال فيه، فلا يجوز، هناك دليل غير الدليل في الرجل الذي وقصته ناقته، وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوِ الْوَرْسُ» ؛ لأن الزعفران فيه رائحة طيبة، والوَرْس قيل: إنه نبت باليمن له رائحة كرائحة الزعفران.
القهوة التي فيها الزعفران هذه يستعملها بعض الناس، يجعل في القهوة -قهوة الْمُرّ- يجعل فيها زعفرانًا، هل يجوز للمُحْرِم أن يشربها؟ نقول: إن بقيت الرائحة فلا يشربها؛ لأن هذا استعمال للطِّيب، وإن لم تَبْقَ وإنما هي مجرد لون فلا بأس؛ لأنه ليس فيها طِيب.
وقوله رحمه الله: (فَدَى) نقول فيها مثل ما قلنا في لباس المخيط، ما الذي قلناه؟ إنه لا دليل على ذلك، وأما التعليل بأنه من باب الترفه فسبق أنه لا يصح، ولَّا لا شك أن الترفه بالطيب واضح جدًّا، وعلى هذا فنقول: هو حرام ومعصية ومُنَقِّص للنسك، أما إيجاب الفدية فلا، لكن إذا أردنا أن نفتي بقول هؤلاء العلماء رحمهم الله من باب أيش؟
طالب: التربية.
الشيخ: الردع والتربية فإن ذلك سائغ إن شاء الله عز وجل، ولنا في ذلك أسوة من بعض الوجوه في سياسة عمر رضي الله عنه، فإنه قد يُلْزِم الناس بما ليس بلازم لهم من أجل استقامتهم، كما ألزمهم بوقوع الطلاق الثلاث لما تتايعوا فيه وتهاووا عليه ألزمهم به، ومنع الإنسان من أن يراجِع زوجته إذا طلَّقها ثلاثًا، وكما منع من بيع أمهات الأولاد، مع أن بيعها في الأصل جائز، لكن تهاون الناس وصاروا يفرِّقون بين الأم وولدها فمنعهم، وكما زاد في عقوبة شارب الخمر من أربعين إلى؟
طلبة: ثمانين.
الشيخ: ثمانين ليردع الناس، فالمهم أن مَن أفتى بقول العلماء رحمهم الله من باب التأديب وألَّا يتهاون الناس فأرجو ألَّا يكون عليه بأس، ولكن إلزام وندين اللهَ به ونقول: هذا ديننا، هذا فيه نظر، فيُفَرَّق بين هذا وهذا، ولذلك إذا قلت لشخص يستفتيك من الناس، سواء في الحج أو غيره: عليك أن تتوب وتستغفر الله، قال: بس؟ سهل، مع أن هذا من أصعب ما يكون، مَن لي برجل تكون توبته توبة نصوحًا، ومَن لي برجل تُقْبَل توبته، المسألة ما هي هينة، لكن هو يقول: أتوب ولا أخسر ريالًا واحدًا، لكن لو قلت: عليك فدية؟
طلبة: امتنع.
الشيخ: امتنع، فإذا ساس الناسَ بهذا فأرجو ألَّا يكون عليه بأس، ويقول لربه عز وجل إذا قابله يقول: يا ربي إنما أردت الإصلاح، إصلاح خلقك، ولي في ذلك أسوة وهو؟
طلبة: عمر بن الخطاب.
الشيخ: أحد الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنْ يَكُنْ فِيكُمْ مُحَدَّثُونَ فَعُمَرُ» .
ثم قال رحمه الله: (وإن قتل صيدًا مأكولًا بَرِّيًّا أصلًا) ويش بعده؟ (ولو تَوَلَّد)؟
طالب: نعم.
الشيخ: (ولو تَوَلَّد منه ومن غيره أو تلف في يده فعليه جزاؤه)، هذا قتل الصيد للمُحْرِم، قتل الصيد للمُحْرِم حرام بنص القرآن؛ لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة: ٩٥]، وانظر إلى قوله تعالى: لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ [المائدة: ٩٥] فجعل إتلاف الصيد قتلًا ولو كان قد صِيدَ على وجه شرعي؛ لأنه ميتة، فلو أن إنسانًا أمسك بغزال وذبحها وأنهر الدم، فماذا نقول، هل نقول ذبحها؟ ماذا نقول؟
طلبة: قتلها.
الشيخ: قتلها؛ لأن هذا الذبح لا يُحِلُّها فليس ذكاة، بل هو قتل، وهذا من آيات القرآن الكريم، التعبير لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ، مع أنه قد يصيده على وجه مباح لولا الإحرام، لكنه يكون حرامًا كالميتة تمامًا، فما هو الصيد؟ أشار المؤلف رحمه الله إليه، قال: (مأكولًا) فخرج به؟
طالب: ما ليس بمأكول.
الشيخ: غير المأكول، فليس حرامًا على الْمُحْرِم أن يقتله من أجل الإحرام، والأمثلة على هذا كثيرة، الذئب مثلًا؟ غير مأكول، الأسد؟ غير مأكول، العقاب من الطيور؟ غير مأكول، البازي غير مأكول، هذا لا يحرُم ، لكن إما أن يباح قتله أو يحرم هذا شيء يؤخذ من أدلة أخرى.
الثاني: (بَرِّيًّا) احتراز من؟
طالب: البحري.
الشيخ: البحري، فما هو الفرق بين البري والبحري؟ ما يعيش في الماء فهو بحري، وما لا يعيش فيه فهو بري، دليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا [المائدة: ٩٦]، فأتى الله عز وجل منطوقًا بالحِلّ والتحريم، أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ، صيد البحر ما أُمْسِك حَيًّا، وطعامه ما وُجِدَ ميتًا قد لفظه البحر، وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا، والفرق بينهما كما قلت: ما يعيش في الماء فهو؟
طلبة: بحري.
الشيخ: بحري، وما لا؟
طلبة: بري.
الشيخ: فهو بري.
يقول: (بَرِّيًّا أصلًا) لو قال المؤلف: متوحشًا أصلًا، ولعله مراده، يعني أن أصله أنه وحشي احترازًا من غير الوحشي، كالدجاج –مثلًا-، مثال ذلك: الحمام صيد حلال بري، متوحش ولَّا مستوطن؟
طلبة: مستوطن.
الشيخ: أصله متوحِّش فيكون حرامًا، وأما إذا كان أصله أنه مستوطن، يعني بمعنى أنه مستأنس لا يهرب من الناس، ثم طرأ عليه التوحش فهو أيش؟
طالب: ليس مستأنس.
الشيخ: حلال، حلال على الْمُحْرِم، لو فُرِضَ أن دجاجة توحَّشت، وصارت لا تستقر، وتطير كما يطير الحمام، فهي حرام على الْمُحْرِم؛ لأنها أصبحت صيدًا.
طلبة: لا.
طلبة آخرون: لا يا شيخ حلال.
الشيخ: حلال؟ لماذا؟
طلبة: لأن أصلها مستأنس.
الشيخ: لأن أصلها؟
طلبة: مستأنس.
الشيخ: مستأنسة، ولو أن حمامة استأنست وصارت لا تهرب من الناس فهي حرام، بناء على أيش؟
طلبة: الأصل.
الشيخ: بناء على الأصل، إذن لا بد أن يكون مستوحشًا أصلًا، الحمار الوحشي حرام ولَّا غير حرام؟
طلبة: حرام.
الشيخ: والحمار الأهلي؟
طلبة: حرام.
طالب: ليس مأكولًا.
الشيخ: حرام من أجل الإحرام؟
طلبة: لا.
الشيخ: حرام الأكل، فيكون خرج بقيد (مأكولًا)؛ لأنه غير مأكول.
الصيد إذن حرام على الْمُحْرِم، ودليله من القرآن الآية، والحكمة في ذلك أنه لو أُبِيحَ للمُحْرِم أن يصيد لانشغل بالصيد عن الإحرام؛ لأن أشد ما يجذب القلوب هو؟
طالب: الصيد.
الشيخ: الصيد، ولذلك تجد الصائد المولَع بالصيد إذا رأى الصيد ما كأن وراءه شيء ولا كأن قدامه شيء، ربما يتسوَّر الجدار وهو لا يدري، وربما يقع في الحفر وهو لا يدري، كالمجانين تمامًا بعضهم، وهذا سمعناه من بعض الناس، فلما كان فيه هذه الْمَلْهَاة العظيمة صار من الحكمة أن يُمْنَع منه أيش؟ الحاج أو المعتمر.
يقول رحمه الله: (ولو تَوَلَّد منه ومن غيره)، يعني: لو تَوَلَّد هذا الصيد من صيد وغيره، لو أراد الله عز وجل أنّ ذَكَرَ الغزلان نزا على أنثى المعز، فأتت بولد، تَوَلَّد هذا من أين؟
طالب: من وحشي وإنسي.
الشيخ: من وحشي وإنسي، هل نقول: إن هذا الولد يحرُم على الْمُحْرِم صيده أو لا يحرُم؟ إن نظرنا إلى أمه قلنا؟
طلبة: لا يحرم.
الشيخ: لا يحرم، وإن نظرنا إلى أبيه؟
طلبة: يحرُم.
الشيخ: قلنا: يحرُم، فإذن اجتمع سببان أحدهما موجِب للتحريم والثاني موجِب للحِل، ولا يمكن اجتناب الحرام إلا باجتناب الحلال، فاجتناب الحرام أصلًا، واجتناب الحلال؛ لأنه لا يمكن اجتناب الحرام إلا باجتناب الحلال، ولهذا قال العلماء في هذا الضابط: إذا اجتمع مُبِيح وحاظر قُدِّم جانب؟
طلبة: الحظر.
الشيخ: الحظر
.
(أو تلف في يده) كإنسان أمسك صيدًا وهو مُحْرِم، فتلف في يده وهو لا يريد أن يذبحه –مثلًا-، لكن انقهر الصيد ومات، مات كمدًا؛ لأن بعض الصيود ما يريد أن يُصَاد أبدًا، فمات، يقول المؤلف: (فعليه جزاؤه).
بل لو فُرِضَ أن الطائر لم يمت من صيده، بل استأنس ثم مرض وتلف فعليه جزاؤه؛ لأنه صاده في حال يحرم عليه صيده، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يُنَفَّر صيد مكة مع أن الإنسان لم يقتله، فهذا من باب أولى أن يهان ويُصَاد.
(عليه جزاؤه) ويأتي إن شاء الله الجزاء.
وقوله رحمه الله: (تلف في يده) يشمل ما إذا أمسكه في حال الإحرام، أو كان عنده من قبل وأبقاه في يده، ولهذا قالوا رحمهم الله: إن الْمُحْرِم إذا أَحْرَم وعنده صيد فإنه وجب عليه رفع يده المشاهِدة، ومعنى ذلك أنه يطلقه، فإن أبقاه فتلف ضمنه.
مثال ذلك: رجل صاد غزالًا قبل أن يُحْرِم، وأحرم، ماذا نقول له؟ نقول: أطلق الغزال، قال: يا جماعة أنا مسكته قبل أن أُحْرِم، نقول: نعم، لكن لا يجوز أن تكون يدك المشاهِدة على الغزال، أما لو صاده من قبل أن يُحْرِم ثم أودعه شخصًا آخر مُحِلًّا، ثم أحرم، فهل يجب على الْمُودِع أن يطلقه؟ لا؛ لأن يده المشاهِدة لم تكن عليه، لو فُرِض أنه بقي الصيد في يده المشاهِدة ثم أطلقه بناء على أنه إذا أحرم يلزمه أن يطلق الصيد، وأمسكه آخر، فهل يملكه الآخر أو لا؟ لا يملكه؛ لأن ملكه لا يزول عنه، وإنما الواجب أن يزيل المباشرة، يعني أن يزيل يده المشاهِدة عنه، أما يده الْحُكْمِيَّة فإنها لا تزول.
طالب: عفا الله عنك، الحمام اللي يُرَبَّى في البيوت الآن هل يعتبر من المتوحشة ولَّا يعتبر من المستأنسة؟
الشيخ: الأصل فيها التوحش، فيعاد للأصل.

طالب: أحسن الله إليك، إذا قال قائل: إذا شُرِبَ ما فيه طيب لم يتطيب أصلًا؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: إذا قال قائل: إذا شُرِبَ ما فيه طيب مثل القهوة التي فيها الزعفران لم يتطيَّب أصلًا؟
الشيخ: الرائحة موجودة؟
الطالب: هي تُشْرَب.
الشيخ: السؤال هي الرائحة موجودة ولَّا لا؟
الطالب: موجودة.
الشيخ: لو شم أحد شفتيه بعد شربه يشم الرائحة؟ أجب.
الطالب: ربما.
الشيخ: ما ربما، يقينا جزاك الله خيرًا، فهذا وإن كان لم يقصد التطيب إنما قصد الشرب لكن عَلَق الطيب به باختياره.

طالب: أحسن الله إليك، بعض الناس ما ينبت شعر رأسه؟
الشيخ: بعض الناس؟
الطالب: شعر رأسه قليل.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ما ينبت إلا شعيرات.
الشيخ: نعم.
الطالب: فهل يزيلون شعرهم؟
الشيخ: متى يزيلونه؟
الطالب: عند الإحرام تُشَوّه صورتهم؟

الشيخ: يعني لو قلت: فهل يغطون رؤوسهم؟ لأن تغطية الرأس أهون من حلق الشعر في حال الإحرام، أو قصدك يحلقونها قبل الدخول في الإحرام؟
الطالب: أزالوها، (...) كل الرأس؟
الشيخ: هو قبل الإحرام ما فيه تحريم، قبل أن يُحْرِم يجوز أن يحلق رأسه.
الطالب: بعد الإحرام.
الشيخ: لا ما يجوز، وليس فيه تشويه يا أخي، هذا نشوف الناس الصلعان ولا يختالون ولا يُعَيَّرُون.

طالب: شيخ، لو قَبَّل الحجر الأسود أو جدران الكعبة أو المباخِر التي في الطواف؟
الشيخ: قولك: أو جدران الكعبة غير وارد؛ لأن جدران الكعبة ما يتقبل.
الطالب: أعني لمسها مثلًا؟
الشيخ: إذا لمسها فالواجب عليه فورًا أن يمسح يده بكسوة الكعبة حتى تزول الرائحة، يجب أن يتخلى، وأما شم الطيب الذي يكون أحيانًا يكون الناس معهم مباخر في المطاف فهذا لا يضر؛ لأنه ما قصده.

طالب: شيخ أحسن الله إليك، الدهن الخالي من الطيب مثلًا يمسح به جسمه أو يعني يسوي (...) أو كذا؟
الشيخ: لا بأس به، الدهن الذي ليس فيه طيب لا بأس به.
طالب: أحسن الله إليك، إذا شم الْمُحْرِم الطيب (...).
الشيخ: ما يبدو أبدًا ما هو تطيب، هذا ليس تطيبًا، فإيجاب الفدية عليه أو تحريم ذلك فيه نظر، لكن نقول: ما دمت في عافية فالعافية أسلم.

طالب: أحسن الله إليك، حمام الْحَرَم العلماء يُوجِبُون فيه الشاة أو غيرها، هل يقاس عليه كل الحمامات ولَّا غيرها؟
الشيخ: بيجينا إن شاء الله في جزاء الصيد، جَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [المائدة: ٩٥].
طالب: أحسن الله إليكم، كثير من الناس بعد السعي في العمرة يأخذون قليلًا من شعر الرأس، فهل يجوز أن يُنْكَر عليهم؟
الشيخ: هي مسألة خلافية، بعض العلماء يقول: المقصود بالحلق أو التقصير أنه استباحة المحظور، وهذا يحصل بثلاث شعرات، وهذا قياس كلام الفقهاء عندنا، من أنه إذا قصَّ ثلاث شعرات فدى.
لكن القول الراجح أنه لا بد أن يقصِّر تقصيرًا يظهر على شعره، وأما أَخْذ ثلاث شعرات أو خمس شعرات أو عشر ما يعتبر تقصيرًا، لا بد أن يبين أثره
.

طالب: انتهي الوقت.
الشيخ: انتهى الوقت؟
طالب: الاستدلال بحديث: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ» على جواز مسك الحيوان؟
الشيخ: في أي حَرَم؟
الطالب: حَرَم المدينة.
الشيخ: حرم المدينة أَخَفّ من حرم مكة، ولهذا ليس في صيده جزاء، ويباح من شجره ما يحتاج الناس إليه في السواني وشبهها فهو أخف.
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما هو بصحيح.

***

طالب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى في كتاب المناسك في باب محظورات الإحرام: ولا يحرُم حيوان إنسي، ولا صيد البحر، ولا قتلُ مُحَرَّم الأكل ولا الصائل، ويحرُم عقد نكاح ولا يصح ولا فدية، وتصح الرجعة، وإن جامع المحرِم قبل التحلل الأول فسد نسكهما، ويمضيان فيه ويقضيانه ثاني عام، وتحرم المباشرة، فإن فعل فأنزل لم يفسد حجه، وعليه بدنة، لكن يُحْرِم من الحِلّ لطواف الفرض، وإحرام المرأة كالرجل إلا في اللباس، وتجتنب البرقع والقفازين وتغطية وجهِها، ويباح لها التحلي.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
من محظورات الإحرام تغطية الرأس، فما هو الدليل؟
طالب: قوله عليه الصلاة والسلام في الذي وَقَصَتْه ناقته.
الشيخ: قوله في الذي وَقَصَتْه راحلته؟
الطالب: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ».
الشيخ: «لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» .
الطالب: ولأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن لبس العمامة والبرانس .
الشيخ: نعم، هل من ذلك أن يضع فوق رأسه مظلة؟
طالب: لا، ليس من ذلك.
الشيخ: ليس من ذلك، لماذا؟
الطالب: لأنه ليس مُلاصِقًا للرأس.
الشيخ: إي، فلا يكون تغطية، بل هو؟
الطالب: بل هو تظليل.
الشيخ: تظليل، هل ورد من السنة ما يدل على جواز ذلك؟
طالب: تظليل أسامة له يا شيخ بالثوب للرسول صلى الله عليه وسلم .
الشيخ: إي نعم، فهو دليل على جواز؟
الطالب: الشمسية ونحوها.
الشيخ: الشمسية ونحوها، ذكرنا أن هذا ينقسم؟
طالب: إلى قسمين: متصل ومنفصل؛ فأما المنفصل فجائز إجماعًا.
الشيخ: مثل المنفصل؟
الطالب: مثل أن يكون هناك شجرة فيضع عليها ثوبه.
الشيخ: كأن يضع ثوبًا على شجرة ويستظل بها، والخيمة، والمتصل؟
طالب: مثل السيارة.
الشيخ: والشمسية، هذا فيه خلاف، بعضهم يقول: إنه حرام، وبعضهم يقول: ليس حرامًا، بقي قسم ثالث؟
طالب: مُحَرَّم، الملاصِق.
الشيخ: إي، الملاصِق هذا حرام؛ لأنه ستر، تخمير للرأس.
رجل وجد أرنبًا تباع وهو مُحْرِم هل يجوز أن يشتريها؟
طالب: ما يجوز يا شيخ.
الشيخ: ما يجوز، ليش؟
الطالب: لأن الأرنب مأكول بري أصلًا، متوحش أصلًا.
الشيخ: لأنه من الصيد المحرَّم على الْمُحْرِم.
طالب: لم يَصِد لأجله هذا الأرنب.
الشيخ: أتقول: حلال ولا حرام؟
الطالب: يجوز، حلال يا شيخ (...) يا شيخ.
الشيخ: خطأ.
طالب: حلال يا شيخ.
الشيخ: حلال، إذن توافق الأخ.
الطالب: هو حلال يا شيخ لأنه ما صاده.
الشيخ: إي، لكن يبغي يشتريه؟
الطالب: حتى يأكل.
طالب آخر: يجوز أن يشتريه، لكن يزيل يده المشاهِدة.
الشيخ: لا ما يجوز، لا يمكن أن يدخل الصيد ملك المحرِم أبدًا، لو أنه صاد حمامة رابية عند قوم؟
طالب: صاد حمامة لا يصح.
الشيخ: رابية عند قوم، عندهم في البيت في الحجرة؟
الطالب: الأصل أصله وحشي.
الشيخ: أصلها وحشي، دجاجة فرَّت من أهلها وصارت تطير كأنها حمامة؟
الطالب: يجوز له هذا.
الشيخ: يجوز؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ليش؟
الطالب: أصله مستأنس.
الشيخ: أحسنت، تمام، إذن العبرة بأيش؟
طلبة: بالأصل.
الشيخ: بالأصل، صاد الْمُحْرِم ضبًّا؟
طالب: لا يجوز له هذا.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه صيد.
الشيخ: صيد، مستأنس ولا متوحش؟
الطالب: الضب متوحش.
الشيخ: تمام، صحيح، نأخذ الدرس الجديد.

***

يقول رحمه الله: (ولا يحرم حيوان إنسي) يعني: من الحيوانات المستأنسة عادة، فإذا كان أصله إنسيًّا، أيش؟ الحيوان الإنسي لا يحرُم، حتى لو توحش فيما بعد فإنه لا يحرُم، لكن لو توحَّش الحيوان الإنسي فهل يصاد كما يصاد المتوحِّش أصلًا، بمعنى: هل نصيده بالسهم؟
الجواب: نعم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ لِهَذِهِ -يعني: البهائم- أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَا نَدَّ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا» ، أحيانًا الضأن يهرب ما نستطيع أن نمسكه، فلنا في هذه الحال أن نرميه ويحل في غير الإحرام.
ولا صيدُ البحر) يعني: لا يحرُم صيد البحر، وهل يمكن أن يصيد الْمُحْرِم صيدَ بحر؟
طالب: نعم.
الشيخ: كيف؟
طالب: في السفر.
الشيخ: (نقول: يمكن، إذا أحرم في البحر حين حاذَى يَلَمْلَم أو حاذى الْجُحْفَة فإنه يمكن أن يصيد السمك، ولا حرج عليه؛ لقول الله تبارك وتعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ، لو كان البحري داخل حدود الْحَرَم، داخل حدود حرم مكة، يعني مثل أن يكون هناك بحيرة في أحد البساتين في مكة وفيها سمك هل يحرُم أو لا يحرُم؟
طلبة: لا يحرُم.
الشيخ: نعم الصحيح أنه لا يحرُم، وإن كان الفقهاء رحمهم الله قالوا: إنه حرام، لكن الصحيح أنه حلال؛ لأن المحرَّم صيد الب
ر.
(ولا قتل مُحَرَّم الأكل)؛ لأنه ليس بصيد، مثل: السبع، الذئب، الكلب، الصقر، البازي، وما أشبه ذلك، هذا لا يحرُم.
(ولا الصائل) يعني: ولا يحرُم قتل الصائل، يعني: لو صال على الإنسان ضبع، والضبع صيدٌ يحرُم على المحرِم أن يصيده، فصال عليه فله أن يقتله، لكن هل يجب أن يدافِع بالأسهل فالأسهل أو لا؟ نقول: نعم، يجب أن يدافِع بالأسهل فالأسهل، فإذا لم يندفع إلا بالقتل قتله، وإذا خاف أن يهجم عليه هجمة واحدة ويقتله قتله، وإذا قتله فإنه لا يحل أكله؛ لأنه إنما قتله دفاعًا عن نفسه، لا استباحةً له؛ إذ إنه حرام.
فإذا قال قائل: ما الدليل على قتل الصائل؟ نقول: الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في الرجل يطالب الإنسان بماله، قال: «لَا تُعْطِهِ»، قال: يا رسول الله، أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قَاتِلْهُ»، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ»، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هُوَ فِي النَّارِ» ، فأباح قتل الصائل من الآدمي، وحرمة الآدمي عند الله أعظم من حرمة الصيد على الْمُحْرِم.
وعلى هذا فنقول: إن قتل الصائل ليس بحرام، لكن كما قلنا: يدافع بأيش؟ بالأسهل فالأسهل، انتهى الكلام على الصيد.
قال: (ويحرُم عقد نكاح ولا يصحّ) هذا المحظور؟
طلبة: السابع.
الشيخ: السابع، قال: (ويحرُم عقد نكاح) يحرُم على مَن؟ على الْمُحْرِم، سواء كان الزوج أو الزوجة أو الولي، يحرُم عقد النكاح.
دليل ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ» ، فهو حرام أن يتزوج أو يُزَوِّج غيره.
والدليل ما سمعتم من نهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك.
قال: (ولا يصح)، يعني: لا يصح العقد، ذلك لأنه عقدٌ منهي عنه لذاته فيكون باطلًا، وكل شيء يوصَف بالصحة والفساد إذا فُعِلَ في حال يُنْهَى عنها فهو باطل، هذه القاعدة، كل شيء يلحقه صحة وفساد إذا فُعِلَ في حال يحرُم فيها كان باطلًا.
وقولنا: (يوصف بالصحة والفساد) احترازًا من الظِّهار –مثلًا-، الظهار محرَّم، ومع ذلك إذا عقده ثبت حكمه، الزنا محرَّم، فإذا زنا ثبت حكمه وهو الجلد أو الرجم، لكن إذا كان الشيء ينقسم إلى صحيح وفاسد ففُعِلَ في الحال التي يُنْهَى عنه فيها صار باطلًا.
وجه ذلك بل دليل ذلك: قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» والمنهي عنه؟ أتموا.
طالب: ليس عليه أمر الله.
الشيخ: ليس عليه أمر الله رسوله، بل عليه نَهْيُ الله ورسوله، فلا يمكن أن نصححه، ولأننا لو صَحَّحْناه لكان في ذلك مضادّة لشريعة الله؛ لأن المقصود بالنهي ألَّا يوجد هذا الشيء، فإذا صَحَّحْناه أيش؟
طالب: (...).
الشيخ: أوجدناه، ولا يمكن، فصار النص والتعليل الصحيح كلاهما يدل على أن النكاح في حال الإحرام لا يصح، وهل المراد في حال الإحرام الكامل أو حتى الناقص؟ بمعنى: هل يصح عقد النكاح بعد التحلُّل الأول أو لا؟
في هذا قولان للعلماء؛ فمنهم من قال: إنه لا يحرُم؛ لأن المتحلِّل التحلُّلَ الأول لا يوصف بأنه محرِم، بدليل أنه يحِلّ له كل شيء إلا النساء، ومِن العلماء من قال: إنه يحرم عقد النكاح بعد التحلُّل الأول، وهذا يقع كثيرًا، تجد الإنسان –مثلًا- في الحج تزوَّج بعد أن رمى وحلق، قبل أن يطوف طواف الإفاضة، هنا العقد كان بعد التحلل الأول، فإذا قلنا: إنه لا يصح العقد، صار النكاح فاسدًا، وإن قلنا: يصح، صار النكاح صحيحًا، ثم هل يحرُم أو لا يحرُم يأتينا إن شاء الله فيما بعد.
قال: (ولا يصح ولا فدية) أصاب المؤلف رحمه الله في قوله: (ولا فدية)؛ لأن إيجاب الفدية يحتاج إلى دليل، وليتنا سحبنا هذا على كل المحظورات وقلنا: كل محظور لم يَرِد فيه فدية فهو حرام بلا فدية، المؤلف يقول: (لا فدية)، لماذا؟ لأنه لم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن في عقد النكاح فدية، والأصل براءة الذمة، فلا نشغل ذمم الناس ولا نلزمهم بأمر لم يثبت في الشريعة.
إذن العقد حرام، والنكاح؟ غير صحيح، والفدية؟ لا فدية؛ لعدم وجود الدليل عليها.
قال: (وتصح الرجعة)، عقد النكاح لا يصح، والرجعة؟ تصح؛ لأن الرجعة ليست ابتداءَ نكاحٍ، بل هي إبقاءُ نكاحٍ، وقد سمَّى الله تعالى المطلَّقة الرجعية سماها؟ زوجة، قال: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ [البقرة: ٢٢٨]، وحينئذ نقول: الرجعة استبقاء نكاح وليست ابتداء نكاح، فلذلك تصح، ويقولون من القواعد أو الضوابط: الاستدامة أقوى من الابتداء، أرأيتم الطِّيب للمُحْرِم، يجوز؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يجوز، لكن لو أحرم بعد أن تطيَّب وبقي أثر الطيب؟
طالب: جائز.
الشيخ: فهو جائز؛ لأن الثاني استدامة وليس ابتداءً، كيف تصح الرجعة؟ لو أن رجلًا كان طلَّق زوجته وحج وهي في العدة، وأشهد اثنين، قال: أشهدكما إني راجعت زوجتي، فالمراجعة صحيحة، وترجع الزوجة إلى حبال الزوج، التعليل؟ لأن هذا ليس عقد نكاح، ولكنه استبقاء نكاح، التعليل الآخر: الاستدامة ..
طلبة: أقوى من الابتداء.
الشيخ: أقوى من الابتداء، فتَرِد على الإحرام ولا يرد عليه الابتداء.
(وإن جامع قبل التحلل الأول)، هذا؟
طالب: الثامن.
الشيخ: الثامن، (إن جامع قبل التحلل الأول) إلى آخره، (إن جامع) يريد بذلك المجامعة في الحج، بدليل الحكم الذي أوجبه في هذا الجماع، قال: (وإن جامع قبل التحلُّل الأول فسد نسكهما، ويمضيان فيه ويقضيانه ثاني عام).
قوله: (يقضيانه ثانِيَ عام) يدل على أنه حج؛ لأن العمرة إذا فسدت تقضى فورًا بدون انتظار.
(إن جامع)، المراد بالجماع أن يُولِجَ الْحَشَفَة أو قدرها في فرج أصلي قُبُل أو دُبُر، انتبه، أن يُولِجَ الْحَشَفَة أو قدرها في فرج أصلي قُبُل أو دُبُر، وعلى هذا فلو جامع الرجل زوجته دخل في هذا الحكم، لو زنى -والعياذ بالله- دخل في هذا الحكم، لو تَلَوَّط دخل في هذا الحكم، لو جامع خنثى؟
طالب: لم يدخل.
الشيخ: لم يدخل؛ لأن الخنثى لا يُعْلَم أذكر هو أم أنثى؟ فإن كان ذكرًا فهذا الفتحة فيه ليست بشيء، وإن كان أنثى أيش؟ فهو فَرْج، لكن لا نعلم حتى الآن أنه أنثى، ونحن نقيِّد: في فرج أصلي.
هل يدخل في ذلك ما لو جامع بهيمة؟ ظاهر كلام المؤلف أنه يدخل؛ لأنه أطلق، والصحيح أنه لا يدخل، وأن وطء البهيمة لا يترتب عليه إلا التعزير بما يراه الإمام.
قوله: (قبل التحلل الأول)، أفادنا المؤلف أن هناك تَحَلُّلَيْن: تحلُّلًا أول وتحلُّلًا ثانيًا، التحلل الأول يحصل بالرمي والحلق أو التقصير، والمراد رمي جمرة العقبة يوم العيد بعد الوقوف بمزدلفة وعرفة، يعني لا بد أن يكون قبل الوقوف بعرفة ومزدلفة، فلو قُدِّرَ أن رجلًا جاء متأخرًا ورمى جمرة العقبة، ثم ذهب إلى مزدلفة ومكث فيها ما شاء الله، ثم ذهب إلى عرفة قبل طلوع الفجر يوم العيد، فهل ينفع هذا أو لا ينفع؟ لا ينفع، ولا يكون متحلِّلًا؛ لأن هذه مرتبة: عرفات، ثم مزدلفة، ثم الرمي، قال الله تعالى: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٨] إذا أفضتم، فوقوفه في مزدلفة غير صحيح، ورميه قبل مزدلفة وعرفة غير صحيح أيضًا؛ لقوله: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ [البقرة: ١٩٩].
إذن التحلل الأول يحصل بشيئين، هما؟
طلبة: رمي ..
الشيخ: رمي جمرة العقبة يوم العيد، والثاني؟ الحلق أو التقصير، ولا علاقة للنحر في التحلُّل إطلاقًا، يعني أن التحلُّل لا يتوقف على النحر، إنما هو يتوقف على الرمي والحلق، واختلف العلماء رحمهم الله هل يحصل بالرمي وحده، أو لا بد من ضم الحلق أو التقصير إليه؟ والصحيح الثاني؛ أنه لا يحل التحلل الأول إلا إذا رمى وحلق أو قصر
، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله.
يقول: (فسد نسكهما) نسك مَن؟ الزوج والزوجة، أو إن شئت فقل: الواطئ والموطوء، يفسد؛ لأن هذا هو الوارد عن الصحابة، ولا شيء من محظورات الإحرام يُفْسِده إلا الجماع قبل التحلُّل الأول، عكس بقية العبادات، العبادات كل محظور في عبادة إذا وقع فيها أفسدها، إلا الحج والعمرة فجميع المحظورات لا تفسدها، خلافًا للظاهرية الذين يقولون: إن جميع المحظورات تفسد الحج والعمرة كمبطلات بقية العبادات، وهذا نوع من القياس الذي كانوا؟
طالب: ينكرونه.
الشيخ: ينكرونه، وهو قياس فاسد؛ لأنه في مقابلة النص، والنص هو أن الله تعالى أباح للمُحْرِم الذي فيه أذى من رأسه أن يحلق رأسه بدون أن يُفْسِد نسكه، ولو كانت المحظورات مُفْسِدة لأفسدت ولو حَلَّت للضرورة، كما نقول في الصائم الذي يضطر إلى الأكل والشرب: إذا أكل أو شرب فسد صومه أو لا؟ فسد صومه، مع أنه مباح له الأكل، فلو كانت محظورات الحج تفسده لفسد النسك بحلق الرأس، إذن نقول: فسد نسكه أو بطل؟
طلبة: فسد.
الشيخ: نقول: فسد، ولا نقول: بطل؛ لأننا إذا قلنا: بطل، يعني: الخروج منه، وإذا قلنا: فسد، يعني: الْمُضِيّ فيه ولو كان فاسدًا، إذن ما الذي يُبْطِل الحج؟ لا يبطله إلا شيء واحد، وهو الرِّدّة -والعياذ بالله-، لو أن الحاج استهزأ بالله عز وجل، أو بالرسول، أو بالقرآن، أو بالإسلام، على طول يبطل حجه في الحال، حتى لو تاب ورجع ما ينفع؛ لأن الرِّدّة أيش؟ مُبْطِلَة للحج.
لو قال: الصلوات الخمس غير واجبة، رِدَّة أو غير رِدَّة؟ رِدَّة، يبطل حجه، ونقول: خلاص لا تكمّل، اذهب وعليك القضاء إن أسلمت؛ لأنه أفسده أو أبطله باختياره، أما إذا فسد فاستَمِر، وهو لا يفسد كما قلت لكم إلا أيش؟ إلا بالجماع قبل التحلُّل الأول.
يقول: (ويمضيان فيه)، (يمضيان) الفاعل يعود على؟
طالب: الواطئ والموطوء.
الشيخ: المجامِع والمجامَع.
(فيه) أي: في النسك، ودليل هذا ما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم أمروا المجامِع أن يستمر، والمعنى يقتضيه؛ لأننا لو قلنا: إذا جامع انفصل وانفسخ النسك، لكان كل إنسان يريد أن يتخلص من نسكه أيش؟ يجامِع وينفصل.
فكان الدليل الأثري الوارد عن الصحابة، والدليل النظري كلاهما يوجِب أن يمضي في حجه.
قال: (ويقضيانه ثاني عام)، (يقضيانه) الفاعل؟
طالب: الواطئ والموطوء.
الشيخ: المجامِع والمجامَع، والضمير في قوله: (يقضيانه) -أعني الهاء- تعود على الحج، (يقضيانه ثانِيَ عام)، يعني: على الفور في العام الثاني، وظاهر كلام المؤلف أنهما يقضيانه، سواء كان الحج الذي أفسداه فرضًا أو تطوعًا.
أما إن كان فرضًا فالأمر واضح، وأما إن كان نفلًا فلأنهما أفسدَا ما يجب عليهما المضي فيه فلزمهما إعادته.
وقوله: (يقضيانه ثانِيَ عام) يُفْهَم منه أنه لا يجوز التأخير إلى العام الثالث، بل في العام الثاني فورًا، فإن عجزَا بقي في ذمتهما حتى يقدرَا على القضاء، فتبيَّن الآن أن الجماع قبل التحلُّل الأول يتعلق به أمور:
الأول: الإثم؛ لأنه ارتكب محظورًا.
الثاني: فساد النسك.
الثالث: وجوب المضي فيه.
الرابع: وجوب قضائه من العام المقبل.
الخامس: الفدية، وهي بدنة.
فيتعلَّق بالجماع في الحج قبل التحلُّل الأول كم؟
طلبة: خمسة.
الشيخ: خمسة أحكام: الإثم، والفساد، والمضي فيه، وقضاؤه من العام المقبل، والفدية وهي بدنة.
انتهى الثامن؟ انتهى.
قال: (وتحرُم المباشرة)، هذا هو التاسع، من محظورات الإحرام (تحرُم المباشرة) أي: مباشرة المرأة، مباشرة الرجل للمرأة، سواء باليد، أو بالرجل، أو بما هو أبلغ من هذا، المباشرة محرَّمة.
وجه الدلالة؟ قوله تعالى: فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ [البقرة: ١٩٧]، ولأنه إذا كان يحرُم عقد النكاح الذي يستباح به المباشرة فالمباشرة من باب أولى، إذا كان الشرع منع ما قد يفضي إلى المباشرة فالمباشرة من باب أولى، يعني: إذا حرُم العقد فمن باب أولى أن تحرُم المباشرة، ولكن لا بد أن تقيَّد المباشرة بأنها لشهوة، فإن باشر زوجته ليمسك بيدها عند الزحام فلا شيء عليه؛ لأنه لم يباشرها تلذُّذًا بذلك.
وإن باشرها من وراء حائل فهل يصح هذا التعبير: إن باشرها من وراء حائل؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا، ليش؟ لأنه لم يباشرها، لكن يحرُم عليه أن يمسك بيدها من وراء حائل لشهوة؛ لأن ذلك يخل بالنسك، وربما أدى إلى الإنزال.
قال: (فإن فعل فأَنْزَلَ لم يفسد حجه، وعليه بدنة)، إن فعل ولم يُنْزِل لم يفسد حجه من باب أولى، وإن فعل وأنزل لم يفسد حجه كما صرَّح به المؤلف، لكن عليه بدنة، يعني: فدية هي بدنة، وهنا نحتاج إلى دليل، يقولون: إن الدليل أنه -أي الإنزال- كالجماع في إيجاب الغُسْل، فيُلْحَق به في إيجاب الفدية.
ولكن هذا القول كما ترون ضعيف ومتناقض؛ لأننا نقول: كيف تقيسونه على مسألة الغسل، ثم تخرجونه من القياس في مسألة تتعلق بالإحرام نفسه، وهي فساد النسك؟ إذا قستموه على الجماع فقولوا: إنه يُفْسِد الحج، أما أن تقولوا: إن فيه بدنة، ثم تقولون: إنه لا يُفْسِد الحج، ثم تقيسونه على مسألة الغسل بالإنزال، فهذا لا شك أنه ضعيف جدًّا، ثم يقال: هل توجِبُون على مَن مَسّ امرأة أجنبية لشهوة وأنزل حدَّ الزنا؟
الجواب: لا، وكان مقتضى قياسكم إيجاب الفدية مساويةً لفدية الجماع أن توجِبُوا عليه الحد؛ لأن الحد نوع من العقوبة، والفدية نوع من العقوبة.
فالمهم أن هذا القول متناقض، وأن الرجل إذا بَاشَرَ زوجته دون جماع فأنزل فإن حجه لم يفسُد، كما قال المؤلف: (وليس عليه بدنة)، ماذا عليه؟
اعلموا قاعدة على كلام الفقهاء أن جميع المحظورات التي فيها فدية ولم يُنَصّ عليها ففديتها فدية أذى، فدية الأذى هي أن يُخَيَّر بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو ذبح شاة، هذه القاعدة، كل المحظورات التي فيها فدية ولم يُنَصَّ على تعيين الفدية فهذه فديتها، ما عدا؟ الجماع، إذن عقد النكاح لا فدية فيه، جزاء الصيد؟
طلبة: مثله.
الشيخ: فيه الجزاء بمثله، ويختلف اختلافًا متباينًا، الجماع في الحج قبل التحلُّل الأول؟ فيه بدنة؛ لورود هذا عن الصحابة رضي الله عنهم.
الإنزال على القول الراجح يُلْحَق؟
طالب: بفدية الأذى.
الشيخ: بما فيه فدية أذى، كالجماع في العمرة فديته فدية أذى
، فأنت أَخْرِج عنك من المحظورات الجماع في الحج قبل التحلُّل الأول، وأَخْرِج جزاء الصيد، وما بقي ففديته فدية أذى، وهذا ضابط يفيد طالب العلم؛ لأنه يحصر لك الواجب.
طالب: شيخ بارك الله فيك، لو اضطر إلى الصيد هل عليه جزاؤه؟
الشيخ: نعم، فيه خلاف، بعضهم يقول: إذا اضطر إلى الصيد وصاده فليس عليه جزاء؛ لأنه صاده في حال يَحِلّ له صيده، فلا يكون حرامًا، ومنهم مَن قال: إنه يلزمه جزاؤه؛ لأنه إنما أُبِيحَ له لمصلحة نفسه، فهو المستفيد، فيلزمه الجزاء، وهذا أقرب للصواب
؛ لأن هذا لمعنى يعود إلى الصائد لا إلى الصيد، لكن لو وجد صيدًا ووجد ميتة، شاة ميتة وغزالًا حية تلعب بأذنيها ورقبتها، هل يقتلها ويأكل، أو يأكل من الشاة الميتة؟
طالب: يأكل وعليه جزاء الصيد.
طالب آخر: من الغزالة.
الشيخ: هاه، ماذا تقول؟
طالب: يقتل الغزال ويأكله.
الشيخ: أحسن ولَّا الميتة؟
الطالب: الغزال يا شيخ؛ لأن ذاك خبيث بنفسه، وهذا محظور، ولكن حِلّ له لضرورة نزلت عليه.
الشيخ: نعم، أصبت الصواب، لكن بعض العلماء يقول: يُقَدِّم الميتة؛ لأنه إذا قتل الصيد حَرَمَه الحياة ولزمه الجزاء، والميتة ميتة.
لكن الصواب المتعيِّن أنه يقدم الصيد؛ لأنه في هذه الحال مضطر، وكونه يأكل من لحم مُذَكًّى خير من كونه يأكل من لحم خبيث، وما كنت أظن أن يكون في ذلك خلاف، لكن الخلاف واقع بين أهل العلم.
طالب: بعضهم يقول: التحلل الأول يكون باثنين من ثلاثة؟
الشيخ: هذا ما عليه دليل، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه، الصواب إذا رمى وحلق أو قصر، أما اثنان من ثلاثة ففيه نظر
، وسيأتي إن شاء الله.
الطالب: إذا قدَّم الطواف، ما الجواب عن حديث: «إِنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ» ؟
الشيخ: نعم، من أين ناحية؟
الطالب: من حيث التحلل، «فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ».
الشيخ: نعم، هذه قد يقال: إن مَن ساق الهدي لا يحل حتى ينحر؛ لقوله: «حَتَّى أَنْحَرَ»، لكن ما رأيت أحدًا قال به.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، بالنسبة لبعض الحجاج مع الزحام ومع بعض المشاكل يأتي بألفاظ تُخْرِجُه، يعني يرتد بها.
الشيخ: أيش؟
الطالب: ألفاظ يعني يُحْكَم عليه بالردة في هذه الألفاظ التي يُخْرِجُها بلسانه؟
الشيخ: مثل؟
الطالب: كمثل سب الدين أو شيء من هذا؟
الشيخ: إذا سَبَّ الدين كفر وبطل حجه.
الطالب: هل نقول له: بطل حجك؟
الشيخ: نعم، نقول: بطل حجك، وقَدِّم رقبتك للسيف.
الطالب: طب لو تاب في الحال؟
الشيخ: لو تاب في الحال يبطل حجه، إذا تاب في الحال نظرنا إذا كان وقت الوقوف باقيًا يُحْرِم من الآن ويقف بعرفة ويكمّل حجه، وإن كان قد فات وقت الوقوف خلاص ما فيه.
طالب: فعل المحظورات في العمرة؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: فعل المحظورات في العمرة؟
الشيخ: فاعل؟
الطالب: فعل المحظورات؟
الشيخ: في العمرة؟ كالحج تمامًا، إلا في موضوع الجماع، فالجماع فيه بدنة في الحج، وفيه فدية أذى في العمرة.
الطالب: الدليل على العمرة؟
الشيخ: لأنه مُحْرِم «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ» ، ما قال: في الحج، وسُئِلَ: ما يلبس الْمُحْرِم؟ قال: لا يلبس كذا.
الطالب: الدليل على تسوية الجماع بسائر المحظورات في العمرة؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: الدليل على تسوية الجماع بسائر المحظورات في العمرة، ما هو الدليل؟
الشيخ: العموم؛ عموم الأدلة.
طالب: أحسن الله إليك، لا يصح النكاح لو وقع في الإحرام، لكنه –مثلًا- يا شيخ إذا ركنوا، لكن العقد وقع بعد التحلُّل؟
الشيخ: يكون ارتكبوا النهي من جهة أخرى وهو الخطبة.
الطالب: لكن النكاح يصح؟
الشيخ: النكاح يصح إذا عقدوه بعد.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، إذا الْمُحْرِم صاد صيدًا حال إحلاله قبل أن يُحْرِم، وأفسده بناء على القول الراجح -ما رَجَّحْنَاه في الدرس الماضي- هل له أن يَذْبَحَه حال إحرامه، ويباشر الذبح بنفسه حال إحرامه؟
الشيخ: إذا قلنا بأنه ممكن، يذبحه حتى حال إحرامه.
طالب: شيخ أحسن الله إليكم، إذا جعلوا الطفل حاجًّا مع والديه؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: طفل صغير.
الشيخ: طفل؟
الطالب: إي.
الشيخ: صغير؟
الطالب: إي.
الشيخ: كم عمره؟
الطالب: ستة، خمسة، أربعة.
الشيخ: ستة أو خمسة، حَدِّد؟
الطالب: ما فوق خمس سنوات، ما فوق أربع سنوات، صغير.
الشيخ: صغير، يعني عمره خمس سنوات؟
الطالب: إي، ممكن خمس سنوات.
الشيخ: أيش صار؟
الطالب: وفعل إحرامًا، يعني: وجد جرادة مثلًا وكسر رقبتها؟
الشيخ: خلي بعد الأذان.
الطالب: شيخ أحسن الله إليكم، إذا الطفل حاجٌّ؟
الشيخ: أو معتمر.
الطالب: إي، التبس بإحرام، يعني وهو مُحْرِم ووجد طيرًا وقطع رقبته؟
الشيخ: أنت قلت: جرادة؟
الطالب: شاف جرادة أو صيدًا؟
الشيخ: جرادة.
الطالب: إي نعم جرادة.
الشيخ: وقطع رأسها، كيف تموت؟
الطالب: ماتت.
الشيخ: لا، ما تموت، تبقى مدة ما تموت.
الطالب: يا شيخ ماتت، ولو بعد حين.
الشيخ: ما يمكن يركّب رأسها يرجّعه.
الطالب: ما يقدر.
الشيخ: الصحيح أن الصبيان ليس عليهم جزاء في كل ما فعلوا؛ لأنه مرفوع عنهم القلم.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، ما هي الحكمة أو الفائدة من قوله: اللهم إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، ما هي الحكمة والفائدة؟
الشيخ: الفائدة أنه إذا حصل مانع يتحلَّل من إحرامه ويذهب لأهله بدون هَدْي.
طالب: عفا الله عنك شيخ، من المعلوم من الإكراه أنه يسمع أن الإنسان ما يؤخَذ ما معه بالإكراه، لكن الزوجة لو أن زوجها أكرهها على الجماع وهي مُحْرِمَة يدخل في..؟
الشيخ: لا، ما عليها شيء.
طالب: شيخ، شخص صالَ عليه ظبي وهو حلال؟
الشيخ: هذه فيه إن قصد دفع الصائل لم يَحِل، وإن لم يقصد حَلّ، يعني قصد مع ذلك أن يصيده يكون حلالًا، «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
طالب: لو صاد صيدًا يا شيخ؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: لو صاد صيدًا ولكنه لم يَمُت، جُرِح وبقي من بعيد، هل عليه جزاء؟
الشيخ: إن مات فعليه الجزاء.
الطالب: إن جُرِح؟
الشيخ: إي، لكن هذا الجرح هل هو جرح مُوحِي يعني مُهْلِك، أو في طرف جناح وطار ولا اهتم به؟
الطالب: إذا كان ما يشفى من جرحه؟
الشيخ: نعم، هذا عليه الأرش، تُقَدَّر قيمته سليمًا وقيمته مريضًا.
هذا اقتراح بيقول من مجموعة من الطلاب بيقول حتى ما فهمت معناه.
طالب: فما الفائدة يا شيخ (...) الشرح، إحنا نستفيد منها كل الأحكام اللي تمر علينا يمكن إن شاء الله ما تصير فائدة إلا إحنا نفهمها.
الشيخ: لا، إن شاء الله طيب، مسألة الآن أهم شيء الأحكام، يعني مسألة صفة الحج قد تكون معروفة لأكثركم، لكن الأحكام مهمة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى.. لكن المباشرة إذا أنزل قبل التحلُّل الأول فيها على كلام المؤلف بدنة، والصواب: لا، الصواب أنه إذا وجبت فيها الفدية فهي فدية أذى، وكلما سمعتم كلمة (فدية أذى) فهي ثلاثة أنواع: إما أن يصوم ثلاثة أيام، أو يُطْعِم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو يذبح شاة.
يقول: (لكن يُحْرِم من الحل لطواف الفرض)، هذه الجملة في الحقيقة في هذا المكان سهو؛ لأن ظاهرها أنه إذا باشر فأنزل أَحْرَم من الحل لطواف الفرض، وهذا مفروض بأن يكون قبل التحلُّل، فلا حاجة إلى إحرام من الحل؛ لأنه لا زال مُحْرِمًا، لكن هذه الجملة ذكرها الأصحاب غير المؤلِّف فيما إذا جامَع بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني، قالوا: يجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل ويُحْرِم منه، يعني يلبس ثياب الإحرام ليطوف مُحْرِمًا، ذلك لأن إحرامه بطل بجماعه، وحتى هذه فيها نظر، فكلام المؤلف رحمه الله -والله أعلم- سهو، فوضعه في غير مكانه.
(وإحرام المرأة كالرجل إلا في اللباس) فعليها تَحْرُم عليها المحظورات التسعة كما يحرُم على الرجل، إلا في اللباس فإنها تلبس ما شاءت من الثياب، إلا أنها لا تتبرج بالزينة أمام الرجال، هل لها أن تلبس الحلي؟ نعم، بشرط أن تستره عن الرجال، وتلبس الْخُرْص في الأذن، والقلادة في العنق، والخاتم في اليد، والخلخال في الرِّجْل ولا حرج، ما لم يكن أمام الرجال.
(وتجتنب البرقع والقفازين)، البرقع، ولو قال: النقاب، لكان أحسن؛ لأن النقاب هو الذي جاء؟
طالب: في الحديث.
الشيخ: بلفظ الحديث «لَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ» ، ولأنه إذا حرُم النقاب حرُم البرقع من باب أولى، لكن إذا حرُم البرقع قد يقول قائل: لا يحرُم النقاب؛ لأن البرقع غطاء معروف للوجه مزركش مُجَمَّل، فهو أدعى للفتنة من النقاب، وإذا كانت منهية عن النقاب فهي منهية عن البرقع.
والمهم أنها لا يحل لها أن تلبس النقاب ولا البرقع؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهاها عن ذلك، وعُلِمَ من نهي الْمُحْرِمَة عن النقاب أن النقاب كان معروفًا في عهد الصحابة، وأن النساء ينتقبن، لكن هل ينتقبن بقدر الضرورة؟ بمعنى ألَّا تنتقب إلا بعين واحدة تسير بها على الطريق، أو يجوز لكل العينين؟ الذي ينبغي إذا كان يمكن أن تقتصر على واحدة فلتقتصر، وأما إذا كانت لا يمكن فلتنتقب في العينين، لكن مع ذلك بالنسبة لوقتنا الحاضر لا ينبغي الإفتاء بجوازه؛ لأن النساء إذا أفتيتهن بجوازه لم يقتصرن على الجائز، بل يتوسعن في ذلك، فمنعه مع ستر الوجه، ما هو معناه نمنعه ونقول: اكشفي الوجه، كما توهمه بعض الناس، بعض الناس الذين يدعون إلى كشف الوجه أخذوا من كلامنا أننا لا نفتي بجوازه، أخذوا أنه يحرُم النقاب ويجوز كشف الوجه كله، يستدلون بالمتشابه على الْمُحْكَم، فهو لا يجوز كشف الوجه.
على كل حال ما فيه إشكال، لكن حتى النقاب في الوقت الحاضر ينبغي المنع منه، والمنع من المباح خوفَ الوقوع في الْمُحَرَّم شيء أجازه الله عز وجل في القرآن، بل أجاز الامتناع من الواجب خوف الوقوع فيما هو أَنْكَر، فقال عز وجل: وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام: ١٠٨].
وأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه منع الرجل من الرجوع إلى زوجته إذا طلَّقها ثلاثًا، مع أن له الحق، فمنعه من الحق لما تتايَع الناس في الطلاق الثلاث.
فالمهم أن السياسة الشرعية تقتضي في العصر الحاضر منع النقاب، وليس معنى ذلك أن نبيح كشف الوجه؛ لأنك إذا رخصت للمرأة أن تضع النقاب ماذا تعمل؟
طالب: (...).
الشيخ: أولًا: تُجَمِّل عينها، تخلي عينها من أجمل ما يكون بالكحل أو غيره، ثانيًا: توسِّع النقاب حتى يظهر الحاجب والوجنة، ثالثًا: يأتي عاد ما هو أطمّ وهو التلثُّم، تتلثَّم هكذا، تطلع الجبهة كلها وأعلى الخدين، وهذا شيء قريب جدًّا، بمعنى أنه يسهل على النساء أن يرتكبن هذا، فسدّ الباب هو المناسب.
كذلك أيضًا تجتنب الْمُحْرِمَةُ القفازين، وهما شراب اليدين؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن ذلك، فهل يقال: إن الرجل يُنْهَى عن ذلك؟ الظاهر: نعم، الظاهر أنه يُنْهَى عن ذلك، وإن كان لم تَجْرِ العادة أن الرجال يلبسون القفازين في ذلك العهد، عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن النساء يلبسن ذلك من أجل ستر الكف، والرجل ليس بحاجة إلى هذا، لكن الذي يبدو لي أنه إذا مُنِعَ من لباس الرِّجْل وهو أيش؟ الْخُفّ فهذا مثله، فيكون القفاز ممنوعًا بالنسبة للرجال والنساء.
وتجتنب أيضًا تغطية وجهها؛ لأن نساء الصحابة كنا يكشفن وجوههن، لكن يستثنى من ذلك ما إذا مَرّ الرجال غير المحارِم قريبًا منها فإنه يجب عليها أن تستر وجهها، ويباح لها التحلِّي لأنها الأصل الإباحة.
باب الفدية
01:29:27

ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الفدية)، الفدية: ما يفدي به الإنسان نفسه من عقاب الله.
وأسبابها: إما ترك واجب، وإما فعل مُحَرَّم، هذه أسباب الفدية، وأما ما كان سببه اجتماع النُّسُكَيْن في سفر واحد فهذا لا يسمى فدية، يسمى هَدْيًا، خلاف ما يقوله الناس اليوم، الناس يقولون عن هَدْي التمتع؟
طالب: فَدْي.
الشيخ: فَدْي، ما هو صحيح هذا، أنت لم تفعل مُحَرَّمًا حتى تفدي نفسك، لكنه هَدْي تشكر الله به على نعمته أن يَسَّرَ لك المتعة، إذن الفدية ما يجب بفعل محظور أيش؟
طالب: أو ترك واجب.
الشيخ: أو ترك واجب.
قال: (يُخَيَّر بفدية حلق وتقليم وتغطية رأس وطِيبٍ بَيْنَ)
طالب: (ولبس مخيط).
الشيخ: ما هي عندي (ولبس مخيط) وين؟
طالب: بعض النسخ ساقط.
الشيخ: (وتقليم وتغطية الرأس) ويش بعدها؟
طالب: (وتغطية رأس وطيب ولبس مخيط).
الشيخ: (يُخَيَّر بفدية حلق وتقليم)، حلق الرأس أو غيره من الشعر كما مَرَّ، وتقليم، يعني: تقليم الأظفار، وتغطية رأس لمن؟
طلبة: للرجل.
الشيخ: للرجل، (وطِيب) للرجل والمرأة، (ولبس مخيط) للرجل.
(بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مُدّ بُرٍّ أو نصف صاع)، (أو) هذه عند ابن هشام رحمه الله غير عربية، يقول: لأن التخيير لا بد أن يكون بين شيئين متساويين، فيكون الصواب يُخَيَّر بين صيام ثلاثة أيام وإطعام ستة مساكين و..
طالب: ذبح شاة.
الشيخ: وذبح شاة، وهذا لا شك أنه مقتضى اللغة العربية، لكن ما يقوله الفقهاء ويعبرون به أوضح في المعنى، ولذلك نشؤوا على هذا، أنهم يأتون بـ (أو) الدالة على التخيير.
(بين صيام ثلاثة أيام)، سواء متتابعة أو متفرقة، لكن التتابع أفضل؛ لأنه أسرع في إبراء الذمة.
(أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مُدّ بُرّ)، المراد بالمساكين هنا كالمراد بهم في آية الصدقة، يعني: مَن لا يجدون كفايتهم لمدة سنة.
(وإطعام ستة مساكين) فَسَّرَها بقوله: (لكل مسكين مُدّ بُرٍّ أو نصف صاع)، أما التقدير بنصف الصاع فلا شك فيه ولا إشكال، وأما مُدّ بُرٍّ فهذا فيه نظر؛ لأن لاحظوا أن الْمُدّ ربع الصاع، فيكون النصف نصف الصاع، فالفقهاء رحمهم الله يفرِّقون بين البُرّ وغيره في كل موضع إلا في موضع واحد؛ وهو الفطرة، الفطرة يقولون: إن البُرّ وغيره سواء؛ لأن الشرع ورد بالتقدير مع اختلاف المطعوم في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يُفَرِّق، فيما سوى ذلك جعلوا البُرّ نصف ما يجب من التمر وشبهه.
ولكن بالنسبة لفدية الأذى في كلامهم نظر، والصواب أن الفدية نصف صاع، سواء كان من البُرّ أو من غيره؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: «أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» ، ولهذا جميع ما ورد في إطعام المساكين يجوز أن تُغَدِّيهم أو تعشيهم، إلا هذا الموضع فلا بد أن نطعمهم طعامًا يملكونه، ومقداره؟
طلبة: نصف صاع.
الشيخ: مقدار أيش؟
طلبة: نصف صاع.
الشيخ: مقدار المسكين؟
طلبة: نصف صاع يا شيخ.
الشيخ: نصف صاع، (أو نصف صاع تمر أو شعير، أو ذبح شاة) مما يجزئ في الأضحية ويوزِّعها على الفقراء، ولا يأكل منها شيئًا؛ لأنها دم الْجُبْرَان.
(وبجزاء صيد بينَ مثلٍ إن كان، أو تقويمه بدراهم يشترى).