ومن ثَمَّ رأى ابن حزم رحمه الله -لأنه ظاهري- أنه لو صلى الإنسان المغرب
والعشاء بغير مزدلفة ما له صلاة، قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» ،
ما هو هنا، فيكون هذا تعيينًا لمكان المغرب والعشاء تلك الليلة، لكن قوله ضعيف ولا
يُعَول عليه.
هل نقول الآن: إنك إذا وصلت مبكرًا قبل دخول العشاء فصلِّ المغرب
ثم صلِّ العشاء في وقتها؟
نقول: نعم، إذا تيسر هذا فهو أولى، لكن في الوقت
الحاضر لا يتيسر ذلك، لماذا؟ للزحام الشديد واشتباه الأماكن؛ الإنسان ربما ينطلق
أمتارًا قليلة عن مقره ثم يضيع، فإذا ضاع تعب هو وتعب أصحابه، فالذي أرى أنه من باب
الرفق بالناس -والله تعالى يريد بنا اليسر- أنهم متى وصلوا إلى مزدلفة صلوا المغرب
والعشاء، وإن كنت قد ذكرت في المنهج التفصيل؛ أنهم إن وصلوا مبكرين صلوا المغرب في
وقتها والعشاء في وقتها؛ استنادًا إلى حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وإلى
المعنى الذي من أجله جاز الجمع، لكن نظرًا للواقع الآن أن من الرفق بالناس والتسهيل
عليهم أن يُؤْذن لهم في الجمع من حين أن يصلوا إلى مزدلفة، سواء جمع تأخير أو جمع
تقديم.
ولكن إذا حبسهم السير وخافوا أن يخرج وقت العشاء -وهو منتصف الليل- فماذا
يصنعون؟ يجب أن ينزلوا ويصلوا المغرب والعشاء قبل منتصف الليل؛ لأن النبي صلى الله
عليه وعلى آله وسلم حدَّد وقت العشاء بنصف الليل.
فإذا قالوا: لا نستطيع، معنا
نساء والطرق مزحومة، السيارة لا يمكن أن تخرج عن الخط ولا يمكن أن تقف في الخط،
فماذا نصنع؟ نقول: صلوا على حسب حالكم، حتى على الراحلة؛ لأن النبي صلى الله عليه
وسلم صلى على راحلته في يوم من الأيام حينما
كانت السماء تمطر والأرض تسيل للضرورة، فهنا نقول: صلوا على الراحلة؛
للضرورة.
طالب: شيخ، إذا تعارض الذكر المخصوص بعرفة ذكر
المساء مخصوص أيضًا، فماذا يقدم؟ يقدم ذكر عرفة لأفضليته؟
الشيخ: على كل حال، ذكر المساء لا يعدو أن يكون ذكرًا ودعاء
فيأتي به، أو يجعل ذكر المساء وهو سائر إلى مزدلفة.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- لا يسن إحياء ليلة مزدلفة، ولكن
الإنسان أحيانًا لا يستطيع أن ينام بسبب السيارات؛ يعني إزعاج كثير جدًّا (...) ما
سوى شيئًا وراح الوقت؟
الشيخ: ويش تسوي؟ لا بأس، يعني
ليلة المزدلفة السُّنة فيها المبيت؛ وهو النوم، لكن ما نقول: الإنسان الذي لا يمكن
أن ينام مع الأصوات ما نقول: ابلع حبة (...)، اذكر الله وأنت على فراشك.
طالب: لو قام يصلي -مثلًا- يا شيخ؟
الشيخ: لو قام يصلي؛ إن كان لا يراه أحد فلا بأس، وإن كان يرى
فلا؛ لأنه لو رآه أحد -وهي ليلة مباركة- اقتدوا به ولا يعلمون أنه (...) لا سيما
إذا كان طالب علم ومحل التقليد، الحمد لله يبقى يذكر الله ويقرأ القرآن. بعض الناس
إذا أتاه الأرق قرأ القرآن، ثم إذا قرأ القرآن انصب عليه النوم صبًّا؛ لأن الشيطان
هو الذي يؤرقه، ثم إذا جاء النوم أو ذكر الله على طول نَوَّم.
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ، هل الخروج من الخلاف لأهل مكة
معناه ألا يجمعون ولا يقصرون؟
الشيخ: أما في منى ما
نفتيهم بالقصر، لكن في عرفة ومزدلفة نقول: اقْصُر واجْبُر.
طالب: الوتر في مزدلفة؟
الشيخ: الوتر
ويش يعني؟
طالب: ليلة المزدلفة لم يُنْقَل عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه أوتر.
الشيخ: إي طيب، ألم يأت في
صحيح البخاري وغيره أنه كان لا يدع الوتر حضرًا ولا سفرًا، ألم يقل عليه الصلاة
والسلام: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ
وِتْرًا» ، ما
الذي يُخْرِج ليلة المزدلفة؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، ما هو قال: اضطجع حتى طلع الفجر، لكن هل جابر رضي
الله عنه وقف عند فراشه وراقبه إلى طلوع الفجر، أو بناءً على ظنه أنه رآه مضطجعًا
في أول الليل وجابر مضطجع في مكانه فقال هكذا؟ وأنا أعطيتكم -يا إخوان- القاعدة:
إذا جاءت النصوص المحكمة فاحملوا المتشابه
عليها، فحديث جابر فيه احتمال أن الرسول أوتر ولم يره جابر، أو أنه لم
يوتر، لكن النصوص اللي فيها القول نصوص قولية: «اجْعَلُوا
آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا». وسنة فعلية ما اسْتُثْني منها
شيءٌ؛ كان لا يدع الوتر حضرًا ولا سفرًا .
وكذلك يقال في سنة
الفجر يوم مزدلفة، جابر يقول: فصلى الصبح حين تبين له الصبح
بأذان وإقامة ، ولم يذكر سنة
الفجر، مع أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان لا يدعها حضرًا ولا
سفرًا.
طالب: قلنا: الأفضل للإنسان أن يقتصر على
الأذكار الواردة من النبي صلى الله عليه وسلم، وبالنسبة للعجمي، بعض الناس ما يفهم
ما يقول حتى في الأذكار الواردة من النبي صلى الله عليه وسلم..
الشيخ: تُتَرْجَم له.
الطالب: هل
الأفضل أن..
الشيخ: على كل حال إذا كان لا يعقل الترجمة
-وهذا هو الغالب عنده- يدعو بما يعلم في قلبه بلغته وبما يريد، والإرادات مختلفة؛
واحد يقول: اللهم نجحني، إن كان تلميذًا، آخر يقول: اللهم هيئ لي سيارة، الثاني
يقول: هيئ لي دارًا، والثالث يقول: هيئ لي زوجةً، تختلف الإرادات.
طالب: بعضهم إذا اقتصر على الأذكار الواردة كأنه (...) وإذا رجع
إلى لغته؟
الشيخ: لا، أبدًا، اللي لغته غير عربية وهو
لا (...) الدعاء الوارد بلغته يدعو بما شاء.
***
الطالب: ويدفع بها بين العشاءين ويبيت بها، وله الدفع بعد نصف الليل، وقبله فيه دم، كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله، فإذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام فيرقاه أو يقف عنده ويحمد الله ويكبره ويقرأ: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ [البقرة: ١٩٨] الآيتين، ويدعو حتى يسفر.فإذا بلغ مُحَسِّرًا أسرع رميةَ حجرٍ، وأخذ الحصى، وعدده سبعون بين الحمص والبندق.
فإذا وصل إلى منى -وهي من وادي محسر إلى جمرة العقبة- رماها بسبع حصيات متعاقبات، يرفع يده حتى يُرى بياض إبطه، ويكبر مع كل حصاة. ولا يجزئ الرمي بغيرها ولا بها ثانيًا، ولا يقف، ويقطع التلبية قبلها، ويرمي بعد طلوع الشمس، ويجزئ بعد نصف الليل.
ثم ينحر هديًا إن كان معه، ويحلق أو يقصر من جميع شعره، وتقصر منه المرأة أنملة، ثم قد حل له كل شيء إلا النساء، والحلاق والتقصير نسك، ولا يلزم بتأخيره دم ولا بتقديمه على الرمي والنحر.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى في بقية صفة الحج، وقد سبق أن أول مرحلة.
طالب: (...).
الشيخ: أول مرحلة أن أيش؟
طالب: (...).
الشيخ: أن يقف كذا؟
طالب: الذهاب إلى منى.
الشيخ: أن يبيت في منى ليلة التاسع من زوال الشمس يوم ثمانية إلى؟
طالب: (...).
الشيخ: من متى؟ يبقى في منى إلى متى؟
طالب: من زوال الشمس.
الشيخ: إلى؟
طالب: إلى طلوع الشمس.
الشيخ: إلى طلوع الشمس، طيب.
المرحلة الثانية؟
طالب: يذهب إلى عرفة ويقف بها.
الشيخ: ما فيه مرحلة قبلها؟
طالب: قبل ذلك يُسَن له أن ينزل إلى الزوال في نمرة.
الشيخ: أن ينزل بنمرة إلى الزوال ثم إلى عرفة.
متى ينصرف من عرفة؟
طالب: إذا غربت الشمس.
الشيخ: إذا غربت الشمس يوم عشرة.
طالب: في اليوم التاسع.
الشيخ: في اليوم التاسع، تمام.
المرحلة الرابعة؟
طالب: يدفع إلى المزدلفة.
الشيخ: النزول للمزدلفة، مِنْ؟
طالب: غروب الشمس يوم التاسع إلى الإسفار جدًّا في اليوم العاشر.
الشيخ: طيب، تمام.
يقول رحمه الله تعالى: (ويبيت بها) أي: ينام، ولا ينبغي أن يمضي تلك الليلة بتهجد ولا قرآن ولا ذكر بل الأفضل أن ينام، ولكن إذا كان يأرق ولا يأتيه النوم من كثرة الناس أو من استغراب المكان -لأن بعض الناس إذا تغير مكان نومه لا يأتيه النوم سريعًا- فله أن يذكر الله وأن يقرأ ويسبح ويتهجد أيضًا، إلا أنا نختار ألَّا يتهجد؛ لأن التهجد يراه الناس فيظن بعض الناس أن التهجد ليلة المزدلفة من السنن، لا سيما إذا كان الإنسان ممن يُقْتَدى بعلمه.
قال: (وله الدفع بعد نصف الليل، وقبله فيه دم) (له الدفع) أي: للحاج، (الدفع) يعني: من مزدلفة بعد نصف الليل، وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين القادر وغير القادر.
وعُلِم من كلامه أنه ليس له أن يدفع قبل منتصف الليل. ووجه ذلك: أن المبيت يُطْلَق على الكل أو الأكثر، ولا يمكن أن يكون الأكثر إلا بعد منتصف الليل، فيقولون رحمهم الله: إن الحكم معلق بنصف الليل؛ لأنه إذا مضى نصف الليل صار أكثر وقته في مزدلفة، والأكثر ملحق بالكل. وهذا ظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين القادر على مزاحمة الناس من الرجال البالغين الأقوياء وغير القادر.
قال: (وقبله فيه دم، كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله) (وقبله) أي: قبل منتصف الليل، (فيه دم) لأنه ترك واجبًا، وقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا . قال بعضهم: ومثل هذا لا يكون إلا عن توقيف؛ لأنه لا مجال للاجتهاد فيه.
والحقيقة أنه يمكن أن يقول قائل: إن للاجتهاد فيه مجالًا وهو قياسه على حلق الرأس؛ لأن حلق الرأس انتهاك محظور، والالتزام بالمحظور -أي بتركه- واجب، فكذلك إذا ترك الواجب المأمور به فقد انتهك التزامه، فيلزمه دم.
والقول بأنه لا مجال للاجتهاد فيه فيه نظر. ولكنا نقول: على الأقل هو قول صحابي، ولا نثبت له حكم الرفع للشك في كونه له حكم الرفع. وحكم الرفع يعني أنه يُنْسَب إلى الرسول، وهذا صعب أن تنسب إلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم شيئًا لم يتبين نسبته إليه، فنقول: على الأقل اجعله قول صحابي.
ويبقى المناقشة الثانية في هذا القول؛ هل قوله رضي الله عنه: (فليهرق دمًا) على سبيل الوجوب؟
إن قلنا: على سبيل الوجوب أشكل؛ لأن ظاهر قوله: (من ترك شيئًا من نسكه) يعم كل شيء، حتى الرمل والاضطباع والسعي بين العلمين، وما أشبه ذلك، وركعتي الطواف، وهذا ليس بواجب، ولا يجب في تركه دم، أو يقال: إنه من باب المشترك الذي يُحْمَل على معنييه جميعًا، فيكون في موضع للوجوب، وفي موضع للاستحباب.
وعلى كل حال فإيجاب الدم بترك الواجب ليس أمرًا يقطع به الإنسان أو يغلب على ظنه من الناحية النظرية؛ لأنه ما فيه دليل إلا هذا الأثر.
لكن من الناحية التربوية ينبغي أن يُفْتَى الناس بذلك، وأن يقال: يلزم من ترك واجبًا دمٌ يُذْبَح في مكة ويوزع على الفقراء ولا يُؤْكَل منه شيء.
فإذا قال قائل: كيف تستبيحون أموال عباد الله بدون دليل؟
قلنا: لا حرج في هذا؛ فإن التعزير بالمال جاءت به السنة، كإحراق رحل الغال ، وإضعاف القيمة على من كتم ضالة، وما أشبه ذلك، فنجعل هذا أقل ما نقول فيه: إنه من باب التعزير والردع؛ لأن عامة الناس إذا لم يمسهم الأخذ من المال لا يبالون بترك الواجب، شاهدنا هذا. إذا قلت: يا فلان، ما عليك دم، قال: ويش علي؟ قلنا: عليك التوبة والاستغفار. قال: سهل. لكن لو تقول: عليك دم صار يحمر ويصفر، متى نحصل على الدم؟ وكيف نوزع الدم؟ وما أشبه ذلك.
فإذا قال قائل: إذا عدم الدم ماذا يصنع؟
قال أصحابنا رحمهم الله: إنه يصوم عشرة أيام؛ قياسًا على هدي التمتع الذي إذا لم يجده الإنسان يصوم عشرة أيام.
ولكن هذا القياس فيه نظرٌ، ليس بمطرد. وجه ذلك: أن دم التمتع إنما وجب شكرًا لله على النعمة، وهذا إنما وجب توبة إلى الله تعالى وجبرًا لما نقص. هذا من جهة.
من جهة أخرى أن دم التمتع يُؤْكَل منه ويُهْدَى ويُتَصَدَّق، والدم الواجب لترك واجب لا يُؤْكَل منه؛ لأنه بمنزلة الكفارة، وإنما يُتَصَدَّق به على الفقراء في مكة.
لكن -كما قلت لكم- نُفْتِي بإيجاب الدم على من ترك واجبًا، ونقول: هكذا قال العلماء، ونخرج -إن شاء الله تعالى- من العهدة بنسبة هذا للعلماء، ولا حرج علينا أن نسلك الطريق الأشد في تربية الناس والتزامهم للواجب، وهذا له نظائر عن السلف رحمهم الله.
نرجع إلى كلام المؤلف يقول: (وله الدفع بعد نصف الليل) (نصف الليل) من متى؟ هل نقول: من الغروب إلى الشروق أو من الغروب إلى طلوع الفجر؟
أما شرعًا فالليل ينتهي بطلوع الفجر، وأما لغة فالليل ينتهي بطلوع الشمس، فأيهما أحوط؛ أن نقول بنصف الليل الذي ينتهي بطلوع الفجر أو بنصف الليل الذي ينتهي بطلوع الشمس؟
طلبة: الثاني.
طلبة آخرون: الأول.
الشيخ: (...) أيهما؟
طلبة: الشرعي.
طالب: اللغوي.
طالب آخر: إذا اعتبرنا توقيت الرسول صلى الله عليه وسلم لأحكام الشريعة حسبنا على القاعدة.
الشيخ: طيب، هذا قول.
أنا أقول: أيهما أحوط؟ طيب خلينا نشوف، إذا قلنا: إلى طلوع الفجر ينتصف الليل قبل ما.. قلنا: إلى طلوع الشمس، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: إذن الاحتياط اللغوي أن نقول: إلى طلوع الشمس، فلا تنصرف حتى ينتصف الليل اعتبارًا من غروب الشمس إلى طلوع الشمس. هذا لا شك أنه أحوط.
بقي أيضًا المناقشة الثانية، ما هو الدليل على تعليق الحكم بنصف الليل؟
نقول: ليس هناك دليل إنما هناك تعليل، فما هو التعليل؟
يقولون: إذا انتصف الليل فقد مضى معظمه، والمعظم ملحق بالكل في كثير من مسائل العلم؛ فلذلك نقيده بأيش؟
طالب: نقيده بالنصف.
الشيخ: طيب. نقيده بالنصف؛ لأنه إذا انتصف الليل صار أكثر الليل قد مضى. ولكن السنة دلت على خلاف ذلك؛ على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يأمر أهله أن ينصرفوا بليل ، وفي بعض الروايات: سحرًا ، وهذا يقتضي أن يكون ذلك في آخر الليل؛ يعني قد مضى ثلثاه أو نحوه.
وكانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما تقول لغلامها: ارقب القمر، فإذا غاب القمر دفعت . وغروب القمر ليلة العاشر لا يكون إلا بعد ثلثي الليل؛ لأنه قد مضى عشرة أيام من خمسة عشر، فنقول: الاحتياط أن يكون الانصراف من المزدلفة في أيش؟ في آخر الليل.
ثم هل نوافق المؤلف رحمه الله بأن الإنسان له أن يدفع مطلقًا، أو نقول: نتقيد بالسنة؛ فمن يشق عليه أن يزاحم الناس عند جمرة العقبة فإنه يتقدم، ومن لا فإنه يتأسى برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ حيث بقي في مزدلفة وصلى فيها الفجر، وذكر الله عند المشعر الحرام، وانصرف من مزدلفة حين أسفر جدًّا؟
الصحيح الثاني؛ أنه لا يدفع أحد من مزدلفة إلا من لا يستطيع مزاحمة الناس أو يشق عليه مزاحمة الناس.
بقي عاد تحقيق المناط؛ في وقتنا الحاضر كل الناس يشق عليه مزاحمة الناس، حتى الرجل الجلد القوي عند جمرة العقبة يوم العيد في أول النهار يجد مشقة شديدة، حتى إنه ليؤدي هذه العبادة وكأنه خاض مغمار القتال، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: إذن نوسع للناس ونأخذ بما ذهب إليه الفقهاء رحمهم الله، ونقول: الحمد لله، الأمر واسع.
فإن قال قائل: لماذا لم يؤخر النبي صلى الله عليه وسلم أهله معه، وإذا وصلوا إلى منى انتظروا حتى يخف الزحام؛ لأنه لا بد أن يخف الزحام؟
فالجواب: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يفعل ذلك؛ لأجل أن ينال هؤلاء الذين انصرفوا من قبل فرحهم بالعيد والتحلل من أول النهار؛ لأننا لو قلنا: اذهبوا إلى منى وانتظروا حتى يخف الزحام، ربما لا يخف إلا في الظهر، فيتأخر حلهم ولا يتم فرحهم بالعيد. فهذا هو الحكمة في أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للظعن -يعني النساء- وللضعفاء من أهله أن ينصرفوا من مزدلفة قبل الفجر .
يقول رحمه الله: (وقبله فيه دم) قبل أيش؟ قبل منتصف الليل، (فيه دم) خلافًا لمن قال: إنه يكفي في النزول في مزدلفة أن يصلي المغرب والعشاء وينصرف؛ لأنه صدق عليه أنه ذكر اسم الله عند المشعر الحرام، والله عز وجل يقول: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٨] وقد حصل، فإن الصلاة من أعظم الذكر، لكن الصواب ما سمعتم؛ أنه لا بد أن ينتظر حتى يذهب عامة الليل وينصرف في آخر الليل.
(كوصوله إليها بعد الفجر لا قبله) (كوصوله إليها) أي: إلى مزدلفة بعد الفجر، فإنه إذا وصل إليها بعد الفجر فقد انقضى الليل، فيلزمه دم.
وظاهر كلام المؤلف حتى ولو أدرك صلاة الفجر مبكرًا فإنه يلزمه دم؛ لأنه ترك واجبًا، ولكن عند مناقشة هذه المسألة يشك الإنسان في إيجاب الدم عليه إذا أدرك صلاة الفجر في وقتها المبكر؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعروة بن مُضَرِّس: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ» يعني: صلاة الفجر التي بكَّر فيها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في مزدلفة بكَّر بصلاة الفجر حتى صلاها قبل وقتها المعتاد؛ يعني قبل فعلها المعتاد، فإذا أدرك الفجر في الوقت المبكر وقد وقف قبل ذلك بعرفة، فلا وجه لوجوب الدم عليه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعروة إيه؟ قال: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا؛ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» .
فإيجاب الدم على من وصل إليها بعد طلوع الفجر، لا سيما إذا كان بعد تعب وعناء وتعطل السيارة -مثلًا- وما أشبه ذلك، أقول: إيجاب الدم عليه فيه نظر، حتى على قاعدة: أن من ترك واجبًا فعليه دم.
(فإذا صلى الصبح أتى المشعر الحرام فيرقاه أو يقف عنده) (إذا صلى الصبح) وينبغي أن يصلي الصبح مبكرًا، (أتى المشعر الحرام) وهو المكان الذي وقف عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد أن صلى الفجر في مزدلفة، (فيرقاه) إن تيسر وإلا وقف عنده، ومع ذلك نقول إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رخص لأمته فقال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» . جمعٌ يعني: مزدلفة، فلا حاجة تذهب إلى المشعر الحرام، بل ادع الله عز وجل وأنت في مكانك حتى تسفر جدًّا.
يقول: (فيرقاه أو يقف عنده ويذكر الله ويكبر ويقرأ: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ [البقرة: ١٩٨] الآيتين ويدعو حتى يسفر) في حديث جابر: حتى أسفر جدًّا؛ يعني: ليس حتى بان الفجر، بان السفرُ، لا، أسفر جدًّا واتضح وكان يرى من أمامه ويتبين له شخصه، فإذا بلغ إلى هذا الحال انتهى ودفع إلى أيش؟ إلى منى.
وكان أهل الجاهلية يقولون: أشرق ثبير كيما نغير، فيقفون في مزدلفة حتى تطلع الشمس على الجبل ثبير، ثم يدفعون، خالفهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الدفع من عرفة وفي الدفع من مزدلفة؛ في الدفع من عرفة كانوا يدفعون قبل الغروب، وفي مزدلفة يدفعون بعد الشروق، فخالفهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ودفع من عرفة بعد غروب الشمس، ومن مزدلفة قبل طلوع الشمس.
يقول: ويقرأ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٨] إلى آخر الآيتين، هذه الآية لم أعلم إلى ساعتي هذه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأهما، ولكن الله أمر إذا أفضنا من عرفات أن نذكر الله عند المشعر الحرام، وكأن الفقهاء رحمهم الله قاسوا هذه المسألة على مسألة: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة: ١٥٨]؛ حيث إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أقبل على الصفا عند ابتداء السعي قرأ: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، وحين تقدم إلى مقام إبراهيم قرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: ١٢٥] .
(فإذا بلغ محسرًا أسرع) إذا بلغ محسرًا كيف؟ يعني يسير؛ يدفع من المشعر الحرام متجهًا إلى منى، فإذا وصل محسرًا.. إذا بلغ محسرًا وهو وادٍ معروف، وسُمِّي بذلك؛ لأنه يحسر سالكه؛ أي يعيقه، فإنكم تعرفون أن الوادي الذي هو مجرى السيل يكون في الغالب رمليًّا ويعيق سالكه، فلهذا سُمِّي محسرًا.
(أسرع رميةَ حجرٍ) ذكر الأزرقي رحمه الله أن ذراع هذا الوادي خمس مئة وخمسة وأربعين ذراعًا؛ يعني خمس مئة ذراع ونصف تقريبًا.
يُسْرِع -كما قال المؤلف- رميةَ حجرٍ، ولكن رمية الحجر ممن؟ الظاهر أنه المتوسط؛ لأن بعض الناس رميةَ الحجرِ عشرة أذرع، وبعض الناس خمسين ذراعًا، أو أكثر، فالمراد الوسط. وإنما يسرع؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أسرع فيه، وقد قال الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١].
واختُلف لم أسرع؛ فقيل: لأن الله أهلك أصحاب الفيل في هذا المكان، فهو مكانُ غضبٍ، فينبغي الإسراع فيه، كما أسرع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين مرَّ بديار ثمود . هذا قول.
القول الثاني أنهم كانوا في الجاهلية يقفون في هذا المكان ويذكرون أمجاد آبائهم، وكلٌّ يمدح ويمتدح، فخالفهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأسرع، قالوا: وإلى هذا يشير قوله تعالى: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [البقرة: ١٩٨]، ثم قال: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [البقرة: ٢٠٠].
وقال بعضهم: إنما أسرع؛ لأنه أهون لمسير الناقة؛ لأن هناك فرقًا بين أن تسير الناقة على أرض جلد وعلى أرض هينة لينة فتحتاج إلى التحريك، ونحن لا يهمنا أن نفهم العلة التي من أجلها أسرع النبي صلى الله عليه وسلم، الذي يهمنا أننا نعلم أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أسرع فنسرع؛ تأسيًا به. في وقتنا الحاضر هل يمكن الإسراع؟
طالب: المشاة.
الشيخ: المشاة يمكن، حتى المشاة أحيانًا ما يمكن، حتى المشاة إذا مشيت مع المسير الذي يسيرون فيه ما يمكن؛ لأنه (...)، فإذا ترك الإنسان هذه السنة لعدم قدرته عليها فإنها تُكْتَب له بإذن الله.
(وأخذ الحصى وعدده سبعون) ظاهر كلامه أنه يأخذ الحصى من هناك؛ أي من عند مُحَسِّر. وفيه نظر؛ لأنه يحتاج إلى دليل، وأنت إذا قرأت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في حجه كأنما تشاهده أنه لم يأخذ الحصى من ذاك الوادي.
وكان بعض التابعين يأخذ الحصى من مزدلفة، لا لاختصاص الحصى بخصيصة توجب أن يُؤْخَذ الحصى من مزدلفة ولكن من أجل أن يكونوا قد تأهبوا لرمي جمرة العقبة حين وصولهم إلى منى؛ لأن السنة أن الإنسان يبادر برمي جمرة العقبة قبل أن يحط رحله؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرميها على ناقته يسلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة ويرميها وهو راكب عليه الصلاة والسلام .
وذكر ابن حزم رحمه الله في منسكه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقف على الجمرة، وأمر ابن عباس أن يلقط له الحصى من هناك . وهذا أقرب ما يكون في الاحتمالات؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم ينزل ليلقط الحصى، ولو أمر ابن عباس أن يلقط الحصى وهو ماشٍ صار في هذا تعب على ابن عباس، فالظاهر أن ما ذكره ابن حزم هو الواقع؛ أي أنك تأخذ الحصى من هناك ولا تتحمل في نقله.
لكن أخذ الحصى من عند الجمرة في الوقت الحاضر سهل؟ صعب، لا يتمكن الإنسان من أخذ الحصى من عند الجمرة، فيأخذه من طريقه من منى ويرمي به الجمرة، قال: (وعدده سبعون بين الحمص والبندق).
طالب: شيخ بارك الله فيكم، هل يجوز للإنسان إذا عزم على الإحرام، فلما تجاوز الميقات وشق عليه الرجوع قال: بطلت نية الإحرام (...)؟
الشيخ: لا بأس، يعني رجل قدم مكة ناويًا العمرة ولكنه تجاوز الميقات، وليس براجع له، وليس بمحرم من مكانه، فيلزمه دم. قال: إذن هونت، ما فيه مانع؛ لأنه ما دام لم يدخل في النسك فهو مخير؛ كالرجل يخرج الصدقة ويعزلها، ثم يبدو له فلا يتصدق، فلا حرج.
طالب: أحسن الله إليكم، قوله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة: ١٩٨] (...) الاقتصار على الذكر فقط أفضل من الدعاء؟
الشيخ: أتدري ما الذكر؟
الذكر نوعان: ذكر خاص؛ وهو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، وذكر بالمعنى العام، فيشمل كل قول يقرب إلى الله؛ لأن كل قول يقرب إلى الله لا بد أن تذكر الله فيه بنية التقرب إليه، إي نعم.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- النهي يقتضي التحريم ويقتضي فساد المنهي عنه، وحج المرأة إذا حجت بدون محرم حجها لا يصح؟
الشيخ: لا؛ لأن هذا لا يعود لمعنى يعود للحج، هذا لمعنى يعود لحمايتها وصيانتها، لكن قل لي: هل لها أن تقصر الصلاة أو لا؟ وهل لها أن تجمع أو لا؟ وهل تمسح على خفيها ثلاثة أيام أو لا؟ تقول هذا؟ تسأل ولا ما تسأل عن هذا؟
الطالب: أسأل.
الشيخ: طيب. هذا ينبني على هل يشترط في سفر القصر أن يكون مباحًا؟ وفيه خلاف مشهور، يكاد القولان يكونان سواء، فمن العلماء من يقول: لا يُشْتَرط لرخص السفر أن يكون السفر مباحًا، بل يجوز أن يترخص ولو كان سفره محرمًا.
ومن العلماء من يقول: لا بد أن يكون مباحًا؛ لأن رخص السفر رخصة، والمسافر سفرًا محرمًا من أهل الرخص أو لا؟ لا، ليس من أهل الرخص ينبغي أن نشدد عليه. والمسألة سهلة نقول: تبْ وترخَّص.
طالب: أحسن الله إليك، وقف في عرفة في أول الليل، ثم وصل إلى مزدلفة بعد منتصف الليل، هل له الدفع بدون أن يقف بمجرد المرور بمزدلفة؟
الشيخ: يسأل يقول: هذا إنسان وصل مزدلفة بعد منتصف الليل، هل يكفي أن يمكث بها يسيرًا ويذهب إلى منى؟
هو على ما سمعت، أما إذا كان رجلًا جلدًا يمكنه المزاحمة بلا مشقة فلينتظر، وإذا كان يخشى على نفسه فليمض.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، الإبل (...) بنفسها هي ما (...) وهي ماشية أو راكبة بشيء (...)؟
الشيخ: إي، هذا مما يؤيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أسرع في وادي مُحَسِّر رفقًا بالبهيمة؛ بالناقة.
طالب: الذين يدفعون بالليل لهم أن يرموا قبل طلوع الشمس؟
الشيخ: إي، هذا لم نصله، نعم يرمي متى وصل؛ لأن رمي جمرة العقبة تحية منى، فمتى وصل منى فله الرمي، ولا فائدة من كوننا نقول: انصرف ولا ترم، انتظر حتى تطلع الشمس، وحديث: «أَيْ أُبَيْنِيَّ، لَا تَرْمُوا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» ضعيف.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- مكان المشعر الحرام هو المسجد الذي في مزدلفة؟
الشيخ: والله يقولون هكذا، أنا ما تيقنت أن المشعر الحرام هو المسجد المعروف الآن في المزدلفة.
طالب: أحسن الله إليك، نرى بعض الناس تشير أيديهم في الصفا والمروة إلى الكعبة، هل هو مشروع؟
الشيخ: يعني يقول كذا؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، الصواب أنه يرفع يديه رفع دعاء هكذا.
طالب: بارك الله فيك، بعض الناس يأخذون الحصى معهم من بلادهم؟
الشيخ: من بلادهم.
الطالب: إي نعم، يقولون: دفعًا للمشقة.
الشيخ: هذه المشقة، عجيب!
الطالب: مجموعة حصى يأخذها معه (...).
الشيخ: طيب ما يخالف، مجموع الحصى سبعين حصاة، هذا وهم، إلا إذا كان يعتقد أن حصى بلده أفضل من حصى مكة (...) ما فيه مشقة، هذا كذاب ولا جاحد.
الطالب: لو رمى بها -يا شيخ- هل يجزئه؟
الشيخ: إي يجزئ، الأحجار أي حجر يرمي به.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- على قول الفقهاء بإلزام من ترك واجبًا دمًا هل من دفع بعد نصف الليل وقبل الثلثين يُفْتَى بأن عليه دم؟
الشيخ: لا، عندهم لا.
الطالب: على قولهم.
الشيخ: عندهم جائز.
الطالب: على قولهم.
الشيخ: نحن قلنا: إن الإيجاب فيه نظر، وما دام هذا ليس عليه دم -على رأي الفقهاء- الحمد لله، هذا توفيق.
الطالب: قبله؟
الشيخ: قبله، لا شك أنه ترك واجبًا.
طالب: أحسن الله إليك، إذا دفع بعد الإسفار من مزدلفة إلى منى، هل يُشْرع -يا شيخ- دعاء معين؟
الشيخ: لا، تلبية، يلبي؛ لأنه يلبي إلى أن يرمي جمرة العقبة.
طلبة: (...).
الشيخ: كذا؟
طلبة: (...).
الشيخ: (...).
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- بالنسبة للدفع من عرفة إلى مزدلفة لو أن إنسانًا خرج من الطريق إلى مكة؟
الشيخ: من لو خرج أيش؟
طالب: (...) إلى مزدلفة ذهب إلى مكة (...) الغسيل والطعام؛ لأنه أيسر وأفضل (...)، ثم دخل (...).
الشيخ: لا بأس، المهم أن يصل إلى المزدلفة.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- بعض الناس يقولون: إن السعي بين العَلمين ما يكون إلا في الأشواط الثلاثة الأولى؟
الشيخ: إي، هذا وهم، ظنوا أنه كالطواف، ولكنه لا شك أنه غلط.
الطالب: كأنهم يقيسون..
الشيخ: يقيسون مع وجود النص، أقول: يقيسون مع وجود النص، خلِّ عندك قاعدة: إذا وُجِد النص ما فيه قياس، وإلا لاتبع الحق أهواءهم.
طالب: شيخ، قلنا: إن القول الراجح في عدم اشتراط النية في الطواف وكذا تعيينه، وعللنا بأنه جزء من عبادة، وقلنا في الموالاة بين الطواف والسعي: إنه لا يُشْترط، وعللنا لأنه عبادة مستقلة، ويا شيخ ما فهمت.
الشيخ: يعني عبادة منفصلة عن الطواف، السعي منفصل عن الطواف مستقل؛ يعني مستقل بمعنى منفصل عن الطواف، وإلا فهو عبادة لا شك.
طالب: بالنسبة للذين يدفعون قبل طلوع الفجر من مزدلفة، هل لهم أن يذكروا الله (...) ثم يدفعوا؟
الشيخ: نعم، كان ابن عمر يرسل أهله حتى يقفوا عند المشعر ويأمرهم بالانصراف قبل الفجر.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- بالنسبة لهدي المتمتع وهدي القارن هل بينهما فرق من حيث إنه يلزم القارن أن يسوق الهدي (...)؟
الشيخ: لا، ما هو بشرط، لكن القارن إذا ساقه امتنع عن التمتع.
الطالب: إذا لم يتيسر له أن يسوقه ثم اشتراه أو دفع قيمته للمكاتب المعروفة (...)؟
الشيخ: يعني ساق الهدي؟
طالب: لا، ساق الدراهم، صار كالمتمتع في مسألة الهدي.
الشيخ: وهو كالمتمتع في مسألة الهدي، هو والمتمتع سواء.
طالب: ما يكون مخالفًا لفعل النبي عليه الصلاة والسلام وقولِه: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
الشيخ: أبدًا، يعني يجوز أنه يشتري القارن الهدي من منى، ويجوز أن يأتي به معه من الحل.
قال المؤلف رحمه الله: (وعدده) أي: عدد الحصى، (سبعون) عدده سبعون لمن تأخر؛ لأن اليوم الأول سبع، والثاني واحد وعشرون، والثالث واحد وعشرون، والرابع واحد وعشرون، فثلاثة في واحد وعشرين تبلغ ثلاثًا وستين، وسبع يوم العيد؛ هذه سبعون.
وقوله: (عدده سبعون) نعم عدده سبعون، لكننا لا نوافق المؤلف في قوله: (يأخذ سبعين حصاة) بل نقول: يأخذ لكل يوم حصاه؛ اليوم الأول سبع، والثاني واحد وعشرون، والثالث واحد وعشرون، والرابع واحد وعشرون، بل لو قال قائل: يأخذ في اليوم الثاني سبع حصيات للجمرة الأولى، وفي طريقه منها إلى الثانية يأخذ سبعًا، وفي طريقه من الثانية إلى الثالثة يأخذ سبعًا؛ لم يكن هذا بعيدًا. أما أن يجمع سبعين حصاة من أول الأمر فهذا ليس بسُنة.
قال: (بين الحمص والبندق) الحمص معروف، والبندق من يعرفه؟ تعرفه؟
طالب: أكبر من الفولة، البندق أكبر من الفولة.
الشيخ: والفولة ويش كبرها؟
طالب: بين الحمص والبندق.
الشيخ: (...).
طالب: كبر النبق.
الشيخ: النبقة، لا، ما أظن، النبق كبير.
طالب: النبق الصغير (...) في حجم الزيتونة.
الشيخ: يمكن هي للزيتونة أقرب، أو أقل من الزيتونة، والزيتون أيضًا فيه اختلاف؛ بعضه كبير، وبعضه صغير.
على كل حال المسألة متقاربة، الممنوع أن تكون صغيرة كالشعيرة، هذه لا تجزئ، أو تكون كبيرة أيش نقول؟
طالب: كالصخرة.
الشيخ: لا، صخرة من بيجيب صخرة، سبع صخرات.
طالب: كالتفاحة.
الشيخ: كالتفاحة، هذا ممكن.
وبهذا نعرف أن رمي الجمرات ما هو إلا عبادة محضة، تعبد محض، وتذلل محض، وإلا فما الفائدة من أن نأخذ حصيات بصفة معينة ونرميها في هذا المكان على وجه معين؟ ليس إلا مجرد التسليم للعبادة، كما قال عمر في تقبيل الحجر: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبَّلتك . وبهذا يظهر كمال الذل والتعبد لله عز وجل؛ أن الإنسان يأخذ الحصى معه من رحله إلى المكان ويرمي تعبدًا لله وتأسيًا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد جاء في حديث فيه نظر: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ» . ورمي الجمار فيه ذكر الله القولي والفعلي؛ القولي التكبير عند كل حصاة، والفعلي رمي الحصاة، فإن هذا ذكر لله عز وجل.
وأما القول بأنه يرمي الشيطان، فهذا ليس بصحيح، لو كنا نرمي الشيطان لكنا نقول عند الرمي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لكننا لا نرمي الشيطان.
خذ بناء على هذه العقيدة التي ليس لها أصل كيف يأتي الناس الجهال لرمي الجمرات؟ يأتون بعنف شديد جدًّا جدًّا ويشتمون ويلعنون، حتى إنه بلغنا أن بعضهم يضرب بحصاة كبيرة ويشتم ويقول: عليك لعنة الله، أنت اللي فرَّقت بيني وبين زوجتي شوف، سبحان الله!
وأنا شاهدت بعيني رجلًا وامرأته قبل الزحامات هذه الشديدة في جمرة العقبة، كانت جمرة العقبة فيها جبل من الخلف، ما أحد يصعد للجبل وفيها حوض، هو جالس على شفا الحوض ومعه كنادر يضرب العمود هو وزوجته، امرأة معه ما أدري زوجته ولَّا غيرها، والحصى يضربهم، سبحان الله! ولا يتحركون، هذا العجيب. فكأنما يقولون:
| هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبِعٌ دَمِيتِ | وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ |
ليش؟ لأنهم اعتقدوا أنهم يضربون الشيطان، هذا غلط، الذي يجب على طلبة العلم أن يبينوا للناس أن هذه من مشاعر الحج ومن مناسك الحج، وأنها تُرْمَى تعبدًا لله عز وجل وإقامةً لذكره، هذا هو الواجب على طلاب العلم.
لكن يقول قائل: أرأيتم لو كان هذا العامي ما يعرف إلا إذا قلت له: ارم الشيطان الصغير، ثم الوسط، ثم الشيطان الكبير، هل أقول له هذا؟ لو تقول له: ارم الجمرة الأولى، ويش هي الجمرة الأولى؟ ما يعرفها.
طالب: (...).
الشيخ: لا، المكان هو أهم شيء، فهل نتكلم معه بلغته ثم بعد أن يعرف تقول: هذه لا تسمى شياطين؟ أنا أرى هذا أحسن، نكلمه بلغته ثم نقول: هذه ليست بشياطين، هذه من مناسك الحج وشعائره، فلا تعتقد ما ليس بصواب.
يقول: (بين الحمص والبندق) وسمعنا بعض الناس يرمي بالحذاء. شاهدتم هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، بالحذاء والشمسيات، سبحان الله! الجهل.
طالب: تجزئ يا شيخ؟
الشيخ: إن أخذها فقير يتظلل بها يمكن، ما يجزئ إلا الحصى، سيأتينا إن شاء الله تعالى.
قال العلماء: لو رمى دنانير بدل الحصى ما نفع إلا الحصى؛ لأن المسألة عبادة، فإذا وصل إلى منى؛ وهي من وادي محسر إلى جمرة العقبة، (من وادي) المعروف عند العلماء -علماء اللغة- أن ابتداء الغاية داخل لا انتهاؤه، ولكن في هذا الموضع ابتداء الغاية وانتهاؤها خارج، فتبتدئ مِنَى من وادي مُحَسِّر، والوادي ليس منها، وتنتهي بجمرة العقبة، والجمرة ليس منها.
ولهذا لو عَبَّر المؤلف فقال: وهي ما بين وادي مُحَسِّر وجمرة العقبة لكان أَسَدَّ؛ لأنه إذا قال: (ما بينهما) خرجا.
طيب وادي محسر عرفتم ما هو، جمرة العقبة لماذا سميت جمرة العقبة؟ لأنه كانت على عقبة في الواقع، شاهدناها على عقبة؛ يعني طلعة؛ لأنها في أصل جبل، وتحتها الوادي مجرى سيل.
ولكن كيف يرمي الجمرة؟
يقول الفقهاء رحمهم الله: يرمي الجمرة -جمرة العقبة- مستقبل القبلة والجمرة عن يمينه، وهذا ما يمكن، خصوصًا في وقتنا الحاضر؛ يعني -مثلًا- القبلة هكذا والجمرة هنا (...)، هل يمكن أن تتصور أن النبي صلى الله عليه وسلم يفعل هذا؟ أبدًا؛ ولذلك وقف ابن مسعود رضي الله عنه في نفس الوادي مستقبلًا الجمرة جاعلًا منى عن يمينه والكعبة عن يساره، وقال: واللهِ الذي لا إله إلا هو، إن هذا هو المكان الذي رمى منه النبي صلى الله عليه وسلم، أو قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة . أقسم رضي الله عنه، وهذا هو المدرك حسًّا؛ أن تجعل الجمرة أمامك وتجعل مكة عن اليسار ومنى عن اليمين من بطن الوادي.
طيب لو رماها من جهة أخرى وجعل مكة عن يمينه ومنى عن يساره والجمرة أمامه، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز. ولو رمى الجمرة مستقبلًا لها والكعبة خلف ظهره يجوز. المهم أن يقع الحصى في المرمى.
طيب إذا وقعت في المرمى ثم تدحرجت تجزئ أو لا؟ تجزئ؛ لأن الاستقرار ليس بشرط، إذا وقعت خارج المرمى ثم تدحرجت فيه بغير فعل أحد تجزئ أو لا تجزئ؟ تجزئ.
إذا ضرب العمود الذي جعل علامة، ثم إنها -يعني الحصاة- نجزت حتى خرجت عن المرمى تجزئ أو لا؟ لا تجزئ؛ ولذلك ينبغي للإنسان ألَّا يشتد في الرمي؛ لأنها إذا أصابت العمود ثم نجزت لا تجزئ.
طيب، هل يكفي غلبة الظن أو لا بد من اليقين أن تقع في المرمى؟ يكفي غلبة الظن؛ لأن غالب العبادات مبناها على غلبة الظن، ولأن اليقين في عصرنا صعب؛ إذ لا يمكن أن تتيقن إلا إذا وقفت على الحوض، فيكفي غلبة الظن، إذا رأيتها -مثلًا- طارت وغلب على ظنك أنها وقعت في الحوض كفى، وهذا من التيسير، ولو قلنا: لا بد من اليقين لصعب على الناس صعوبة عظيمة؛ لكان كل واحد يريد أن يقف على الحوض وحصل فيه مشقة.
(رماها بسبع حصيات متعاقبات يرفع يده حتى يُرَى بياض إبطه) (رماها بسبع حصيات متعاقبات) يرمي لا بد من حقيقة الرمي هكذا، وعلى هذا فلو وضع الحصاة وضعًا لم يجزئه؛ لو وقف على الحوض وصار يجلِّس الحصى على المكان ما أجزأه، لا بد أن يكون هناك رمي.
وقوله: (متعاقبات) يفيد أنه لا بد أن تكون الحصى واحدة بعد الأخرى، فلو رماها دفعة واحدة كم تجزئ؟ عن واحدة، ما لم يكن مستهزئًا والعياذ بالله، فإن استهزأ لا تجزئ عن واحدة ولا عن نصف واحدة، لكن كان جاهلًا فظن أن المقصود أن يقع في الحوض سبع حصيات فرماها جميعًا لا سيما مع الزحام، نقول: لا يجزئ إلا عن واحدة.
قال رحمه الله: (يرفع يده حتى يُرَى بياض إبطه) (يرفع يده) يعني: عند الرمي هكذا، (حتى يُرى بياض إبطه) هو في اليوم الأول نعم يُرَى بياض الإبط؛ لأن عليه رداء، والرداء إذا رفعته يُرى بياض الإبط، لكن في الأيام الأخرى الناس قد حلوا ولبسوا القمص لا يُرى بياض إبطه، والمقصود أن يرفع يده حتى يتحقق الرمي، ولكن لاحظ ألَّا تؤذي من وراءك؛ لأن بعض الناس من شدة الرمي يقول كذا ثم يضرب اللي وراه، وهذا شاهدناه، خطرٌ هذا إذا كان مرفقه من جنس محجن البعير، خطر جدًّا؛ لهذا نقول: إذا أردت أن ترمي وترفع يدك فانتبه للي وراء؛ لئلا تؤذيه.
وهل هذا شرط أن يرفع يده حتى يُرى بياض إبطه؟ ليس بشرط، بل لو رمى هكذا والإبط لم يُرَ فلا حرج.
(ويكبر مع كل حصاة) نعم (يكبر) يعني يقول: الله أكبر الله أكبر، مع كل حصاة، ولا يكفي التكبير في الأولى فقط بل مع كل حصاة، كما قال رحمه الله.
(ولا يجزئ الرمي بغيرها) أي: بغير الحصى، لا يجزئ الرمي بغير الحصى، لو وجد الإنسان مدرًا -يعني طينًا- على هيئة الحصى الذي يرمى به ورمى باثنين، يجزئ؟ لا.
لو رمى فُتَاتًا من صبة إسمنت يجزئ أو لا يجزئ؟ لا يجزئ، ليش؟ لأنه ليس حصى.
لو رمى بخرزٍ يجزئ؟ لا يجزئ. رمى بالمرو يجزئ؛ لأنه حجر. رمى بالذهب؟
طالب: لا يجزئ.
الشيخ: ذهب لا يجزئ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . والباقي -كما تعرفون- مثل الرمي بالخفاف والنعال والشماسي من باب أولى.
قال: (ولا يرمي بها ثانيًا) يعني: لا يرمي بحجر رُمِي به، لماذا؟ قالوا: لأنه رُمِي به فلا يجزئ؛ كما لو أعتق العبد في الكفارة فإنه لا يجزئ أن يكفِّر به مرة ثانية، خذِ القياس. قياس آخر: كما لو توضأ بماء قد تُوِضِّئَ به -يعني بماء مستعمل في طهارة واجبة- فلا يجزئ. وهذا القياس فيه نظر ظاهر.
أما قياسه على العبد فنقول: إن العبد إذا أعتق في الكفارة خرج عن كونه عبدًا، صار حرًّا؛ ولهذا لو قُدِّر أنه لحق بالكفار ثم استولينا عليه واسترققناه صار عبدًا، فيجزئ، إذن القياس هذا غير صحيح.
طيب، قياسه على الماء المتوضأ به أيضًا غير صحيح؛ لأننا لا نسلم أصلًا أن الماء المتوضأ به لا يرفع الحدث، بل نقول: إن الماء المتوضأ به يرفع الحدث،
وحينئذٍ يكون هذا القياس قياسًا على غير أصل صحيح، وإذا بطل الأصل بطل الفرع.
وعلى هذا فيجزئ أن يرمي بحصاة رُمِيَ بها، وهذا يحتاج الإنسان إليه في مثل هذه الأيام؛ أحيانًا يسقط الحصى من يده أو بعض الحصى لو خرج إلى مكان بعيد شق عليه، وأحيانًا يرمي ولا تقع في الحوض، فيحتاج إلى بدلها، فيشق عليه، فالقول الراجح أنه يجوز أن يرمي بحصاة رُمِيَ بها.
أتدرون ماذا ألزم الذين يقولون بعدم الإجزاء؟ ألزموا الذين يقولون بالإجزاء أنه يقتضي أن يرمي الحجيج كلهم بحصاة واحدة، فاهمون كيف؟ (...) يجزئ ما رُمِيَ به، يقف واحد ومعه حصاة يرميها، ثم يأخذها ويرميها، ويأخذها ويرميها، كم مرة؟ سبع مرات، انتهى هو. جاء الثاني أخذ هذه الحصاة ورماها، هذه حصاة أخذها ورماها سبع مرات. جاء الثالث.
شوف كيف الإلزام؟! قالوا: يلزمكم إذا قلتم بجواز الرمي بحصاة رُمِيَ بها أن تجزئ حصاة واحدة عن جميع الحجيج. لكن هذا الإلزام هو منطقي إذا كانوا مليون نفرٍ كل واحد بيرمي سبع مرات كم؟ سبع ملايين مرة على هذه الحصاة؟! هذا ما هو يعني كلام إلزام بما لا يمكن أن يكون، لكن الذي يمكن أن يكون -كما قلت لكم- أن الإنسان -مثلًا- يرمي الجمرات، ثم تسقط حصاة في الأرض، ثم تدحرجت الحصاة اللي هو رمى بها أولًا تدحرجت (...)، ما فيه بأس يأخذها ويرمي، أو كان هو واقف على الحوض وأخذ من الحوض ورمى ما فيه مانع؛ لأن الكل حجر، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ» .
قال: (ولا يقف) أي: لا يقف عند جمرة العقبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يقف، وحسبنا أن نتأسى به، وقيل: إنه لا يقف؛ لأن المكان ضيق؛ إذ هو مجرى الوادي، والجبل فوق الجمرة فهو ضيق، ولكن هذا يمكن أن نعلل به فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أما نحن ما نعلل بهذا، نعلل بأيش؟ بالسنة؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف، وحسبنا أن نفعل ما فعل.
طالب: بارك الله فيكم، بعض الناس لا يعرف الرمي تمامًا لا سيما من النساء ترمي هكذا؟
الشيخ: خاتمه؟
طالب: لا، ترمي الحجر حتى ترفع يدها هكذا.
الشيخ: إي كذا، ويش تقولون في هذا؟ على كلام الفقهاء ما يكون رميًا، ولكن الذي أرى أنه يكفي أن يرمي هكذا؛ يعني يدفعه دفعًا، إن شاء الله يجزئ.
طالب: أحسن الله إليك، هل المقصود بالرمي العمود أو الحوض؟
الشيخ: الحوض، العمود هذا إنما جعل علامة على المكان فقط.
طالب: أحسن الله إليكم، لو قلنا بجواز دفع القادر من مزدلفة بعد منتصف الليل فلا يكون قد استفاد الضعفة من الرخصة التي لهم مش هيكون في (...)؟
الشيخ: الإنسان بيشوف السهل لنفسه، وأما غيره (...)؛ لأن الزحام واقع واضح، هو لو أعطي الناس فرصة من آخر الليل وهم أعطوا أنفسهم فرصة الآن فيه، الآن من يذهب إلى القول بأنه يكفي أن يصلي المغرب والعشاء في مزدلفة ويمشي، ليش هذا؟ قال: هذا قول بعض العلماء. وكل له اجتهاده.
طالب: أحسن الله إليك، المراد بقول الفقهاء: (جمرة) هو نفس المكان المحوط، حتى في السابق ما فيه شاخص؟
الشيخ: ما فيه؛ يعني (...) الحوض هذا المحوط في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ما هو موجود، ما كان موجودًا؛ ولهذا جرى بحث هل يمكن أن يوسع الحوض أو لا يمكن؟ بعض الناس قال: لا بأس؛ لأنه كأنما تتصور أن الذين مع الرسول عليه الصلاة والسلام عددهم كبير، وبعضهم على إبله في يوم العيد، فهل أحد يظن أن حصى هؤلاء الجمع الكبير يقع في هذا المكان الضيق؟ ولهذا قال الفقهاء: إنه في يوم الحادي عشر والثاني عشر إذا رمى الأولى يبعد، وقالوا: لئلا يصيبه الحصى، لكن نحن نقول: نبقي الحياض على ما هي عليه، والحمد لله ما دمنا نقول: إن الحصاة إذا وقعت ثم تدحرجت أجزأت، الحمد لله.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا.
الطالب: (...) قول الفقهاء (...) إلى خارج الحوض (...)؟
الشيخ: بناء على الواقع، الواقع هو هذا، الآن فيه ناس تشوف الحصاة يضرب الشاخص ثم يطير على وراء.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- يحصل ضيق شديد أحيانًا في رمي الجمار، وأصحاب الأسر اللي معهم نساء وضعفة يأتون بالنساء والضعفة فيجدون فيه زحامًا، ثم يعودون؛ الرجوع، والرجوع صعب شيخ، كانوا يعودون إلى خيامهم فيه ضيق في الشارع، فالواحد لما يرجع على الأسرة ثم يأتي به يرجع؛ يعني يصيبه أحيانًا يكون فيه سخونة الشمس حارة، شيخ أحسن الله إليكم هل له أن يأخذ الجمرة يرمي عن الضعفة؟
الشيخ: إي نعم، يعني هم إذا وصلوا إلى الجمرات وجدوا زحامًا شديدًا لا بأس أن يتوكل عن النساء، إلا إذا كان يعرف أنهم إذا انصرفوا الآن وصار في الليل أوله أو آخره أو وسطه وجد سعة فلا يرمي؛ لأن الأصل أن كل جزء من أجزاء الحج والعمرة يجب أن يقوم به الإنسان نفسه؛ لقول الله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة: ١٩٦]، لكن أحيانًا ما يتمكن الإنسان من التأخير، مثل إذا كان يريد أن يتعجل في اليوم الثاني عشر، فهو أتى وحضر الآن بعد الزوال، ما يمكن يرجع، ولا يمكن يبقى إلى الغروب، يخشى أنه يلزمه المبيت مع أنه ما يلزمه المبيت، إذا كان الإنسان تأهب ودفع من منى ثم حبسه السير أو الضيق الشديد فإنه يرمي ولو بعد غروب الشمس، ويتوكل على الله يمشي.
طالب: له أن ينيب عن ثلاثةٍ أربعةٍ ولا أن يرمي عن واحد ثم يرمي عن الآخر؟
الشيخ: ماذا تريد؟ تريد -مثلًا- يقف على هذه ويقول: واحدة، ثنتين، عشرة، إحدى عشر، عشرين، واحد وعشرين؛ هذه عن الثلاث.
الطالب: إي، (...) ويرمي عن (...).
الشيخ: عن عشرة؟
طالب: يشيل -مثلًا- زي ثلاث وستين حبة، يرمي عن ثلاث، يرمي إلى أن (...).
الشيخ: لا، لا بد أن يرمي سبعًا أولًا عن نفسه، ثم عن واحدة من التي وكلته، ثم الثانية، ثم الثالثة، يعني بمعنى أن يميز كل واحد (...).
وكان بعض الفقهاء يقولون: لا بد يرمي الثلاث عن نفسه، ثم يعود ويرمي الثلاث عن موكله، ثم يعود ويرمي الثلاث عن الموكل الثاني، وهذا ما فيه دليل واضح، فلا نلزم الناس به؛ إذ لو ألزمنا الناس بذلك حصل مشقة عظيمة، لكن نقول: ارمها في مكان واحد ويكفي بس (...) هكذا جميعًا، سبعًا ترميها عنك، سبع عن فلان، سبع عن فلان، إي نعم.
***
الطالب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال رحمه الله تعالى في باب صفة الحج والعمرة من كتاب المناسك:ولا يقف، ويقطع التلبية قبلها، ويرمي بعد طلوع الشمس، ويجزئ بعد نصف الليل، ثم ينحر هديًا إن كان معه، ويحلق أو يقصِّر من جميع شعره، وتقصِّر منه المرأة قدر أنملة، ثم قد حلَّ له كل شيء إلا النساء.
والحلاق والتقصير نسك، ولا يلزم بتأخيره دم، ولا بتقديمه على الرمي والنحر.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا ما تقدم بعد الدفع من مزدلفة أنه يبدأ أول ما يبدأ برمي جمرة العقبة، وصفة الرمي سبقت أيضًا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويقطع التلبية قبلها) يعني: التلبية بالحج، أو بالحج والعمرة إن كان قارنًا، يقطع قبل الرمي، وعلى هذا فلا يزال يلبي في الدفع من منى إلى عرفة، ومن عرفة إلى مزدلفة، ومن مزدلفة إلى منى.
واختلف العلماء رحمهم الله هل يلبي وهو ماكث أو لا يلبي إلا وهو سائر؟
فمن العلماء من قال: إنه يلبي وهو سائر فقط، وأما إذا كان ماكثًا -أي نازلًا- في عرفات أو مزدلفة أو منى فإنه لا يلبي؛ لأن التلبية معناها الإجابة، وهي لا تتناسب مع المكث؛ إذ إن المجيب ينبغي أن يتقدم إلى من يجيب، لا أن يجيب وهو باقٍ. وهذا الثاني اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ أنه لا يلبي إلا في حال السير بين المشاعر.
وأما القول الثاني فيقول: يلبي حتى يرمي جمرة العقبة، سواء كان ماكثًا أم سائرًا، قال: ويرمي بعد طلوع الشمس، هذا هو الأفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما رمى جمرة العقبة بعد طلوع الشمس.
قال: (ويجزئ بعد نصف الليل) بناء على ما سبق من أنه يجوز الدفع من مزدلفة بعد نصف الليل، فإذا دفع ووصل إلى منى فلا بد أن يرمي، فيرمي بعد نصف الليل.
وسبق أنا ناقشنا المؤلف رحمه الله بتقييد ذلك بنصف الليل، وقلنا: إن ظاهر السنة أن الدفع إنما يكون في آخر الليل، إذا مضى أكثر الليل؛ الثلثان أو نحوهما.
وقوله: (ويجزئ بعد نصف الليل) يشمل القادر وغير القادر؛ يعني الذي يقدر على أن يبقى إلى أن يسفر جدًّا في مزدلفة ويرمي مع الناس وغير القادر، وهو المذهب.
والقول الثاني أنه لا يجوز الدفع من مزدلفة قبل أن يصلي الفجر إلا إذا كان يخشى على نفسه من الزحام؛ لكونه كبير السن أو مريضًا أو امرأة، أو ما أشبه ذلك.
وأما من قال: إن العاجز يدفع من مزدلفة في آخر الليل ولكنه لا يرمي حتى تطلع الشمس فقوله ضعيف؛ لأنه ليس عليه دليل، ولأن أكبر فائدة لمن دفع في آخر الليل هو أن يرمي، ولَّا ما الفائدة؟ ولهذا كان النساء اللاتي يبعث بهن الصحابة في آخر الليل يرمين مع الفجر أو قريبًا من الفجر، متى وصلن، فمتى وصل الإنسان فإنه يرمي، سواء وصل قبل طلوع الشمس أم بعد طلوع الشمس.
(ثم ينحر هديًا إن كان معه) ومن الذي يجب عليه الهدي؟ المتمتع والقارن، وأما من سواهما فإن أتى بهدي فهو أفضل، وإلا فلا شيء عليه.
وقوله: (إن كان معه) هل كلام المؤلف على ظاهره؛ بمعنى أنه إن كان يحتاج إلى شراء وطلب فإنه يحلق أولًا، أو نقول: هذا بناء على الغالب؟ الثاني هو الظاهر، وأنه حتى الذي يحتاج إلى شراء نقول: الأفضل أن تنحر بعد الرمي ثم تحلق، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام حين رمى جمرة العقبة انصرف إلى رحله، ثم نحر، ثم حلق.
قال: (ويحلق أو يقصر من جميع شعره) لو قال المؤلف رحمه الله: ثم يحلق لكان أولى؛ حتى نعرف أنه مرتب، (يحلق) يعني: جميع الشعر، وذلك بالموسى وليس بالماكينة، حتى لو كانت الماكينة على أدنى نمرة فإن ذلك لا يعتبر حلقًا، الحلق لا بد أن يكون بموسى يحلق رأسه.
والحكمة من حلق الرأس أنه ذلٌّ لله عز وجل لا للتنظيف؛ ولهذا لم يؤمر به في غير الإحرام؛ يعني لا نؤمر بأن نحلق رؤوسنا، وأمرنا أن نحلق العانة وننتف الإبط للتنظيف، وعليه فيكون حلق الرأس عبادة لله عز وجل نتقرب به إلى الله تعالى، فنحلق الرأس ذلًّا وتعبدًا لله عز وجل.
(أو يقصر من جميع الشعر) ولم يبين المؤلف رحمه الله كيف يقصر الرجل؛ هل يقصر كثيرًا أو يقصر قليلًا، فما المراد؟ نقول: المراد أن يقصر من شعره بحيث يتبين أن الرجل مقصر ويظهر عليه علامة التقصير.
وقوله: (من جميع شعره) أفادنا رحمه الله أنه لا يكفي أن يقصر من جانب واحد، كما قال به بعض أهل العلم، بعضهم قال: يكفي ربع الرأس، وبعضهم قال: يكفي ما يماط به الأذى، وما أشبه ذلك من الأشياء المقدرات التي ليس عليها دليل، والقرآن الكريم قال الله تعالى فيه: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح: ٢٧] أي مقصرين رؤوسكم، فيقصر من جميع الرأس.
ولكن هل يجب أن يقصر من كل شعرة؟ لا يجب؛ لأنكم تعلمون أن الشعرات بعضها طويل وبعضها قصير، والمقصود أن يعمم الرأس بالتقصير كما يعممه بالمسح في الوضوء، ولو قلنا: يجب من كل شعرة لم نتمكن من الجزم بذلك إلا بالحلق، وحينئذٍ لا تقصير.
أيهما أفضل؟ الأفضل الحلق؛ ولهذا قدمه المؤلف رحمه الله عز وجل، كما هو مقدم في القرآن الكريم: مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ [الفتح: ٢٧]، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم للمحلقين ثلاث مرات والصحابة يراجعونه فيقولون: والمقصرين؟ حتى بلغ ثلاثًا ثم قال: «وَالْمُقَصِّرِينَ» ، وأتى بحرف العطف دون أن يقول: اللهم ارحم المقصرين للدلالة على أن مرتبة التقصير نازلة جدًّا.
(وتقصر منه المرأة أنملة) تقصِّر المرأة من رأسها أنملة؛ إن كانت ضفائر فمن كل ضفيرة أنملة، وإن كانت غير ضفائر فتمشي على شعر الرأس كله على قدر أنملة، والأنملة هي مفصل الأصبع، وفيها لغات تسع.
طالب:
| وَهَمْزَ أَنْمُلَةٍ ثَلِّثْ وَثَالِثَهُ | التِّسْعُ فِي أُصْبُعٍ وَاخْتِمْ بِأُصْبُوعِ |
الشيخ: تمام.
(وهمزَ أنملةٍ ثلِّث) يعني: ثلاث حركات، و(ثالثه) ثلاث حركات، اضرب ثلاثة في ثلاثة تكون تسعة؛ ولهذا قال:
| ....................... | التِّسْعُ فِي أُصْبُعٍ وَاخْتِمْ بِأُصْبُوعِ |
الأصبع إذن فيه عشر لغات، والأنملة فيها تسع لغات.
ومن ثَمَّ نقول: إنه لا يمكن للإنسان أن يغلط في أنملة إلا في الإعراب فقط، أما من حيث التصريف فلا يغلط.
(قدر أنملة) يعني أي الأنامل؟ نقول: الأنامل متقاربة، حتى الإبهام الذي ليس فيه إلا مفصلان أنملته قريبة من بقية الأصابع، وأما ما اشتهر عند النساء أن الأنملة أن تطوي المرأة طرف شعرها على أصبعها فمتى التقى الطرفان فذاك الواجب، أفهمتم؟ يعني -مثلًا- لنفرض أن هذه الضفيرة تكون هكذا، إذا التقى الطرفان فهذه الأنملة، ولكن هذا غير صحيح، الأنملة معروفة.
وإنما كان المشروع للمرأة التقصير؛ لأنها محتاجة إلى التجمل والتزين، والشعر جمال وزينة، وإنما كان الواجب بقدر الأنملة؛ لئلا يجحف برأسها، وهذا يدل على أن الشريعة الإسلامية تراعي حوائج الناس وميولهم، وأنها لا تأتي أبدًا بما فيه العسر والحرج، والحمد لله.
(ثم قد حلَّ له كل شيء إلا النساء) ثم بعد أيش؟ بعد فعل هذه الأشياء؛ الرمي والنحر.





