حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة: ٢٩]، شوف تأمل القرآن: عَنْ يَدٍهل المعنى: عن قوة؟ أو: عَنْ يَدٍيعني:
يدًا بيد؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: أو الجميع؟
طلبة:
الجميع.
الشيخ: الجميع، لماذا؟ لأن لدينا قاعدة في
التفسير، وهي: أنه متى احتملت الآية معنيين لا يتنافيان وجب حملها عليهما جميعا؛
لأن ذلك أَعَمّ، وكلما عَمَّت دلالة الآية كان أَوْلَى، فنقول: عَنْ يَدٍأي: يُعطونها بأيديهم، والثاني: عَنْ يَدٍعن قوة؛ يعني: أننا نُظهِر لهم القوة وأننا أعلى
منهم، وإلى هنا انتهى حكم العقد.
***
أما الأحكام فقال: (فَصْلٌ: وَيَلْزَمُ الإِمَامَ أخْذُهُمْ بِحُكْمِ الإِسْلاَمِ)، يَلْزَمُ الإِمَامَ أخْذُهُمْ؛ أي: أَخْذ أهل الذمة بحكم الإسلام؛ أي: بما يقتضيه الإسلام من الأحكام، فـ(حُكْم) هنا مفرد مضاف فيكون أيش؟طلبة: عامًّا.
الشيخ: يكون عامًّا؛ لأن المفرد إذا أضيف صار للعموم، ومنه مثال للمفرد الذي يُراد به العموم؟
طالب: قول الناظم: أبدأ بسم الله مستعينًا.
الشيخ: لا، ما نبغي قول الناظم، نبغي من كلام الله وكلام الرسول.
طالب: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم: ٣٤].
الشيخ: قوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا، فقوله: نِعْمَتَ اللَّهِهذا مفرد، والمفرد لو أريد به مدلوله لكنا نحصيه أو لا؟
طلبة: نحصيه.
الشيخ: نحصيه، واحد، لكن المراد: كل النعم، فهي لا تُحصى.
إذن (حكم الإسلام) أي: جميع أحكام الإسلام (في النفس والمال والعِرض) في النفس؛ يعني: إذا قَتلوا أحدًا قتلناهم، وإن قتلهم مثلهم أيش؟ قتلناه، وإن قتلهم مسلم؟ نقتله أو لا؟
طلبة: لا نقتله.
الشيخ: لا نقتله؛ لأنه لا يُقتل مسلم بكافر، خلافًا لمن ذهب إلى قتل المسلم بقتل المعاهَد، والصواب أنه لا يُقتل المسلم بالكافر، ومن حمل هذا الحديث: «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» على أن المراد به غير المعاهَد فَحَمْلُهُ ضعيف جدًّا؛ لأن غير المعاهَد يُقتل سواءٌ قُتل على وجه القِصاص أو على وجه الحِرابة؛ لأنه محارب، كذلك في المال، إذا أتلفوا مالَ مسلم ضمَّنَّاهم، وإن أتلف مسلمٌ مالهم ضمَّنَّاه؛ لأن هذا مقتضى حكم الإسلام: أن مُتْلِفَ المال ضامن، سواءٌ كان مسلمًا أو كافرًا، والعِرض؟ كيف؟ العِرض يعني أنه لا يجوز لنا أن نغتابهم، ولا يجوز لنا أن نقذفهم بالزنا، وذلك لأنهم محترمون، فهم من المعصومين، فيجب أن يلزم الإمام أَخْذُهُم بذلك كله، وهم أيضًا إذا اغتابوا أحدًا من المسلمين أو قذفوا أحدًا من المسلمين أُلْزِموا بما يقتضيه الإسلام في هذا الأمر.
قال: (وَإِقَامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ فيِمَا يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيْمَهُ دُونَ مَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ) الحدود -وهي العقوبات المقدرة شرعًا في معصية- يجب إقامتها -كما مر علينا- أليس كذلك؟ مر علينا في بلوغ المرام أن إقامة الحدود واجبة، فرض كفاية، والمطالب بها الإمام، فهؤلاء الذِّمِّيُون إذا فعلوا ما يوجِب الحد: إن كانوا يعتقدون التحريم أقمنا عليهم الحد، وإن كانوا لا يعتقدونه فإننا لا نقيم عليهم الحد، فالزنا -مثلًا- يقام عليهم الحد فيه؛ لأنهم يعتقدون تحريمه، فإذا ترافعوا إلينا في قضية في الزنا فإنه يجب علينا أن نحكم عليهم بمقتضى الإسلام: إذا كانوا مُحْصَنِين فالرجم، وإن كانوا غير مُحْصَنِين فالجَلْد والتغريب، إذا قَدَّرْنا أنهم يعتقدون التحريم لكن لا يعتقدون إقامة الحد فهؤلاء نقول: إن ترافعوا إلينا ألزمناهم بحكم الإسلام، وإن لم يترافعوا إلينا تركناهم وشأنهم، مع أن حَدَّ الزنا ثابت حتى في التوراة والإنجيل، ودليل ذلك ما ورد في قصة عبد الله بن صوريا الذي زنا بامرأة يهودية وترافعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجيء بالتوراة فإذا فيها آية الرجم .
وقوله: (دُونَ مَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ) مثل الخمر، الخمر يعتقد أهل الكتاب أنه حلال، فإذا جيء إلينا بسكران من أهل الذمة فإننا لا نقيم عليه حد الخمر، حتى وإن قلنا: إن عقوبة شارب الخمر حد فإننا لا نقيم عليه الحد، لماذا؟ لأنه يعتقد حِلَّه، والذي يعتقد حِلَّ الشيء كيف يعاقَب عليه؟ لا يعاقَب، لكن سيأتي أنهم يُمْنَعُون من إظهار شرب الخمر، فإن أظهروا ذلك فإننا نُعَزِّرهم بما يردعهم.
ويؤخذ من هذا الحكم الذي أقره الفقهاء -رحمهم الله- أن من اعتقد حِلَّ شيءٍ مختَلَفٌ فيه فإنه لا يُلْزَم بحكم من يرى تحريمه، مثل الدخان؛ الدخان ليس مُجْمَعًا على تحريمه، من العلماء مَنْ خالف فيه، لا سيما في أول ما ظهر، فإذا رأينا شخصًا يشرب الدخان وهو يرى أنه حلال فإننا لا نُعَزِّره، وإن كان يعتقد أنه حرام فإننا نُعَزِّره؛ لأن التعزير واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، وهل نُقِرُّه؟ بمعنى: هل يجوز أن أجلس إلى جنب واحد يدخن لكن يعتقد حِلّ الدخان؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا تتعجلوا يا جماعة.
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما فيه واحد يقول: نعم؟ لو رأيتَ واحدًا أكل لحم إبل ولم يتوضأ، وقام يصلي وهو لا يعتقد وجوب الوضوء من لحم الإبل هل تُنْكِر عليه؟
طلبة: لا.
الشيخ: هل تصلي معه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وهذا إقرار ولَّا إنكار؟
طلبة: إقرار.
الشيخ: نعم هذا إقرار، إذن أَيُّ فرق بين ترك الواجب وفعل المحرَّم؟ لا فرق، لكن لا ينبغي لذوي المروءة أن يجلسوا مع الذين يشربون الدخان ولو كانوا يعتقدون حِلَّه؛ لأن هذا دناءة؛ يعني -وفي ظني- أن الذين يعتقدون حِلَّه من العلماء لا يَرَوْن أنه من فعل ذوي المروءة، كما أننا مثلًا نرى أن تنظيف الفصفص لا بأس به، ولَّا لا؟ نعم؟ لكن لو يجيء واحد معلم، يعلِّم الطلبة، وعنده كيس فصفص يأخذ من ها الفصفص وينقي، ويش يعتبر هذا؟
هذا مخالف للمروءة، وإن كان ليس حرامًا لكن الإنسان يجب أن يكون عنده أدب، فيؤخذ من كلام الفقهاء -رحمهم الله- في هذه أن ما يعتقده الإنسان حلالًا -ولو كان كافرًا- فإنه لا يُلْزَم بحكم الإسلام فيه، وإذا كان ذلك في حق الكفار ففي حق المسلمين من باب أَوْلَى فيما ذهبوا إليه بتأويل سائغ، أما مَنْ عاند، مثل إنسان يأكل خنزيرًا، مسلم يأكل خنزيرًا، ويقول: أنا أعتقد أنه حلال، هل تُقِرُّه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟
طلبة: نص على تحريمه.
الشيخ: لأنه مجمع عليه، ولا يمكن لأي إنسان أن يحلل لحم الخنزير بأي مُسَوِّغ، فَفَرْق بين هذا وهذا.
يقول: (دُونَ مَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ وَيَلْزَمُهُمُ التَّمَيُّزُ عَنِ المُسْلِمِينَ)، هذه مُعْتَرَك، يلزم أهل الذمة أن يتميزوا عن المسلمين في كل شيء؛ في القبور، تكون قبورهم متميزة في مكان آخر، لا يمكن أن ندفنهم مع المسلمين، كذلك أيضًا في الزِيّ والشكل، لا يمكن أن يلبس أهل الذمة كما يلبس المسلمون؛ لأن هذا تدليس، فإن مَنْ رأى هذا الذمي الذي يلبس كما يلبس المسلم يظنه مسلمًا، فيلزمهم التميز.
ونقف على هذا؛ لأنه بحث مهم وقد أتى دور الأسئلة، نعم.
طالب: وإذا عُكِس الأمر، أي كان الذمي يتميز عن المسلم ولبس المسلم لباس الذمي، في هذه الحالة هل..
الشيخ: يكون حرامًا، لباس المسلم ما يلبسه الذمي على وجه الخصوص حرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» .
الطالب: يُعَزَّر؟
الشيخ: يُعَزَّر ويُمنَع.
طالب: أحسن الله إليكم، كان في السابق أن غالب النساء لا يقاتِلون مع الرجال، لكن في الوقت الحاضر أنه غالب النساء يقاتِلون مع الرجال، فهل تؤخذ الجزية؟
الشيخ: ما تؤخذ الجزية، لكنَّ في باب القتال إذا كانت تقاتِل فإنها تُقْتَل، وإذا كانت لا تقاتِل فإنها تُسْبَى ولا تُقْتَل.
الطالب: أحسن الله إليكم، من أسباب مشروعية الزكاة للمؤلفة قلوبهم، وهذه الأعمال تُنَفِّر أهل الكتاب؟
الشيخ: إي، هذا سؤال جيد، يقول الأخ: من المعلوم أن الله فرض في الزكاة نصيبًا للمؤلفة قلوبهم، ونحن إذا عاملنا أهل الذمة وهم أتوا إلينا يعطوننا مالًا إذا عاملناهم بهذه المعاملة فهذا تنفير.
نقول: إن بعض العلماء لم يذهب هذا المذهب الذي ذهب إليه المؤلف، وقال: إنه لا يُطال وقوفهم، ولا تُجَرُّ أيديهم، ولكن لا يُكْرَمون؛ يعني لا يتبين لهم أن المسلم قد ذلَّ أمامهم وأكرمهم، كقوله عليه الصلاة والسلام: «إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ» .
الطالب: (...) التميز يا شيخ (...).
الشيخ: يأتينا إن شاء الله، نعم.
طالب: الأعمى والزَّمِن والخنثى تؤخذ منهم الجزية ولَّا لا؟
الشيخ: لا ما تؤخذ، كل من لا يقاتل لا تؤخذ منه الجزية.
الطالب: ولو شاركوا، لو لهم رأي في القتال أو..
الشيخ: إذا شاركوا القتال تعرف أنه له أمد ينتهي إليه، في حال القتال نقتلهم، أما في غير حال القتال؛ لأن عقد الذمة ما فيه قتال..
الطالب: لا تؤخذ منهم.
الشيخ: ما تؤخذ منهم، نعم.
طالب: إذا مات ذو الذمة في آخر الحول أو في أثنائه وقد ترك مالًا، هل يؤخذ..
الشيخ: إذا مات الذمي في أثناء الحول يؤخذ منه بالقسط.
طالب: شيخ قوله تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ [التوبة: ٢٩]، اليد يا شيخ ما هي متعلقة بـ(يأخذ) من الفعل؟
الشيخ: نعم.
الطالب: إذا كان كذلك كيف نحملها على القوة من جانب المسلمين وهي في جانب أهل الذمة؟
الشيخ: لأن أصل يُعْطُواأصلًا فيها مفعول محذوف، والتقدير: حتى يعطوكم الجزية، فالمفعول الأول فيها محذوف، ويكون عَنْ يَدٍوصف للمفعول الأول المحذوف.
طالب: أحسن الله إليك، الزمْنَى والمرضى ما الذي أخرجهم من عموم أمر النبي عليه الصلاة والسلام معاذًا بأن يأخذ من كل حالم دينارًا؟
الشيخ: لأنهم ليسوا أهلًا للقتال.
الطالب: الحديث عام يا شيخ.
الشيخ: إي، لكن معروف الحكمة من ذلك، الحكمة من ذلك هو هذا، ولهذا لا تجب على الصغير.
(...).
طالب: فقرة في عدم أخذ جزية من الذمي.
الشيخ: إي، الذي لا يستطيع أن يدفعها بعد قوته وقوت عياله.
طالب: شيخ، بالنسبة إذا وقع من الذمي في القَذْف، ولَّا مثلًا انتهك عِرض مسلمة، ولَّا..
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله، هذا ما ينقض العهد.
طالب: أحسن الله إليكم، لو أن الكافر في بلاد المسلمين بغير عهد ذمة كيف يأمن..
الشيخ: هو بالوقت الحاضر.
الطالب: من غير عهد.
الشيخ: في الوقت الحاضر قصدك؟ الوقت الحاضر يعتبر الناس كلهم معهم عهد، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما هو؟ ميثاق الأمم المتحدة، يعتبر كلهم الآن في عهد.
طالب: هم ينقضون العهد.
الشيخ: وأنا أقول لك: ميثاق الأمم المتحدة هو عهد لما يريدون، وليس عهدًا فيما لا يريدون، ولهذا يُقتَّل الناس في بعض الأماكن بدون سبب، إي نعم.
طالب: قلتم يا شيخ: إذا أسلم الكافر ترفع عنه الجزية ترغيبًا في الإسلام.
الشيخ: نعم.
طالب: كيف يكون ترغيبًا وهو أسلم؟
الشيخ: إي نعم، ترغيبه في الإسلام، أي: في ثبوته، ولهذا المؤلفة قلوبهم يُعْطَون للإسلام، ويُعْطَون لتقوية الإيمان في نفوسهم، ويُعْطَون لإسلام نظيرِهم، ربما هذا الإنسان إذا رفعنا عنه الجزية يُسلِم نظيره.
الطالب: وهذا أسلم، يا شيخ كيف (...)؟
الشيخ: إي، ترغيبًا في الإسلام في البقاء عليه.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، إن ارتد -نسأل الله العافية- عاد يُعامَل معاملة المرتد، يقال: إما أن ترجع إلى الإسلام وإلَّا قتلناك.
طالب: إذا كان يا شيخ المسألة خلافية، فعلها الإنسان مثلًا وكنت أرى التحريم، لماذا لا أنكر عليه يا شيخ مع أن الصحابة قد أنكر بعضهم على بعض في مسائل خلافية، وكل منهم لديه دليل؟
الشيخ: هناك فرق بين الإنكار وبين المناقشة، الإنكار أن ترى الإنسان هذا على غير حق، وترى أنه خارج عن الهدى إلى الضلال، والمناقشة شيء آخر، المناقشة لا بأس تناقشه.
الطالب: أُنكر عليه يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما تُنكر عليه.
الطالب: عليٌّ يا شيخ أنكر على ابن عباس المتعة.
الشيخ: نعم، صريح هذا، مخالفة للحديث صريحة.
الطالب: وحديث أَكْل لحم الجزور يا شيخ ينقض الوضوء حديث صحيح.
الشيخ: إي، لكن ما هو بصحيح عند بعض الناس، حديث جابر: كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء ممَّا مست النار ، فيقولون: هذا آخر الأمرين، ولهذا قلنا: إن قول بعض الفقهاء: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، ليس على عمومه، بل الشيء الذي له مُسَوِّغ لا ننكر عليه، لكن لا مانع من أن نناقشه.
طالب: قاعدة يا شيخ: لا إنكار في مسائل الاجتهاد فيما لا نص فيه، صحيح؟
الشيخ: إي.
الطالب: فيما لا نصّ فيه؟
الشيخ: لا، فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد، أحسن، فقد يكون فيه نص محتمل.
(...) وبركاته، وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، في قوله تعالى: وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النور: ٣١]، هل هناك فرق بين قولنا: إن الضرب بالرجل لا يجوز؟ وبين قولنا أن الضرب حرام؟
لا فرق بينهما؛ يعني العلماء يعبرون تارة يقولون: هذا حرام، وتارة يقولون: هذا لا يجوز.
يقول: أَوْرَدَ عليَّ أحد الإخوة إشكالا فيما يخص الكافر إذا مات هل يُحْكَم عليه بعينه أنه خالِدٌ مخَلَدٌ في النار، فقال: إنه لا يُحْكَم عليه بعينه أنه في النار؛ لأنه قد يكون أسلم وأخفى إسلامه خشية الناس ومات على ذلك، ومَثَّل بالنجاشي، وذكر لقصة الرجل من بني إسرائيل أنه قال لأولاده: إذا ما مِتُ حرِّقُوني ثم ارموا رمادي في البحر والرياح .. الحديث، وفي الأخير بعد ما جمعه الله غفر له وأدخله الجنة بعد أن مات كافرًا، فما وجه الاستدلال بهذا الحديث؟
الشهادة بالنار أو بالجنة تنقسم إلى قسمين: شهادة عامَّة، وشهادة خاصَّة، العامَّة: أن تشهد لكل واحد، لعموم الكافرين أنهم في النار، فتقول: كل كافر في النار، وأما الخاصَّة: فهي أن تشهد لشخص معيَّن بأنه في النار، وهذا لا يجوز إلَّا لِمَن شَهِد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك، كعَمْرو بن لُحَي الخزاعي الذي رآه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يجر قُصْبَه -يعني أمعاءه- في النَّار .
وكذلك الشهادة بالجنَّة تنقسم إلى قسمين: عامَّة وخاصَّة.
فالعامَّة مثل أن نشهد لكل مؤمن أنه في الجنَّة، والخاصَّة أن نشهد لشخص معين أنه في الجنَّة، والثاني لا نشهد -وهو المعيَّن- إلَّا لمن شهِد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإذا مات الإنسان على الكفر فنقول: مَنْ مات كافرًا فهو من أهل النار.
يقول: السلام عليكم ورحمة الله، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، إذا استعمل العاقل مجنونًا في قَذْف الناس كأن يقول له: قل لفلان يا زاني، فاستجاب المجنون لذلك فهل يُقام حدُّ القَذْف على العاقل؟ أم أنه يُشتَرط أن يكون القَذْف منه شخصيًّا؟
نقول: يُعَزَّر الذي أمره بذلك تعزيرًا بالغًا يردعه عن هذا، أما المجنون فلا حدَّ عليه. (...)
نرجو المبادرة في المسابقة. (...)
***
بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى في زاد المستقنِع في باب أحكام أهل الذمة: (وَيَلْزَمُهُمُ التَّمَيُّزُ عَنِ المُسْلِمِيْنَ)، (يَلْزَمُهُمُ) ضمير المفعول به يعود على أهل الذمة، (التَّمَيُّزُ عَنِ المُسْلِمِيْنَ) أي: أن يكونوا متميزين عن المسلمين في الحياة وفي الممات.أما في الممات فيلزم أن تكون قبورهم منفردة، لا يُقبَرون مع المسلمين، حتى لو كان صبيًّا مات وأبواه كافران فإنه لا يجوز أن يُدْفَن في مقابر المسلمين، بل يُميَزون، كذلك في الحياة يجب أن يتميزوا عن المسلمين في المظهر، والملبس، والمركب، يتميزون عن المسلمين؛ لئلَّا يغتر الناس بهم، فمثلًا: في المظهر قالوا: يَحْذِفون مقدَّم رؤوسهم؛ يعني: يكون لهم قصَّة في الشعر، يُقَصّ حتى يتبين أن هذا من أهل الذمة أو أنه من المسلمين، كذلك يَشُدُّون أوساطهم بالزُّنَّار حتى يُعرف أنهم من أهل الذمة، كذلك يُجعل لهم علامة عند دخول الحمامات، جُلْجُل؛ يعني: جرس صغير، أو طَوْق تُطَوَّق به أعناقهم، بشرط ألَّا يكون فيه الصليب؛ لأنهم يُمْنَعون من إظهار الصليب؛ إذ أن الصليب شعارُ دينِهم فيُمْنَعُون من إظهاره، وكذلك أيضًا في المراكِب، لا يركبون الخيل أبدًا؛ لأن الخيل هي مادة القتال والجهاد فلا يركبونها، إنما يركبون الإبل، يركبون الحمير، وأما الخيل فلا، ولهذا قال: (وَلَهُمْ ركُوبُ غَيْرِ خَيلٍ) بشرط أيضًا (بِغَيْرِ سَرْجٍ) بإِكاف، يركبون غير الخيل كالحمير، ولا يُسْرِجُونها؛ يعني: لا يجعلوا لها سَرْجًا، والسَّرج هو عبارة عن الرَّحْل المنَمَّق المحَسَّن، بل يركبون بإِكاف، والإِكاف هو البرذعة، هذا الإِكاف، واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: نعم، الإِكاف البرذعة، غير واضح، البرذعة هي الوِثارة.
طلبة: (...).
الشيخ: نعم، هي عبارة عن شيء كالمخدة، مستطيل على طول ظهر الحمار، ثم يُربط على الحمار، ثم يرُكب عليه، أما السَّرْج فمعروف أنه يكون له نقوش ووشي وأشياء تتدلى، ويكون حسنًا.
إذن الإِكاف هو: البرذعة؛ لأنها لا تُنْبِئ عن كبرياء أو عن شرف.
أيضًا يركبون عَرْضًا، يجب أن يكون ركوبهم عَرْضًا، ليس كركوب المسلمين، كيف الركوب العَرْض؟
الإنسان إذا ركب الدابة يجعل إحدى رجليه عن اليمين والثانية عن اليسار، لكن هم يجعلون الأرجل إما على اليمين، وإما على الشمال جميعًا، ما يمكن أن يجعل اليمنى على اليمين واليسرى على اليسار؛ بل يركبون عَرْضًا، هكذا جرت الشروط التي بينهم وبين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
في عهدنا الآن ليس هناك خيل تُرْكَب وتستعمل، وليس هناك حمير تُرْكَب وتستعمل؛ فيه سيارات، فماذا يركبون من السيارات؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، الحوض، هذه الحِياض، عربجيات وما أشبهها، أما أشياء فخمة يُمنعون منها؛ لأن هذا يدعو إلى شرفهم وسيادتهم، وأن يشار إليهم بالأصابع، فهم لا يركبون الشيء الفخم.
ويَحْتَمِل أن يقال: إنهم مُنِعُوا من ركوب الخيل لأنها مادة الحرب وآلة الحرب، لا من أجل أنَّ فيها الفخر وفيها الزينة، ولكن الأول أوْلَى، أنهم يُمْنَعون من ركوب الأشياء الفخمة قياسًا على الخيل.
ثم قال المؤلف: (وَلَا يَجُوزُ تَصْدِيْرُهُمْ فِي الْمَجَالِسِ) يعني: لا يجوز أن يكونوا في صدر المجلس، بل في آخره، هذا عند ابتداء الجلوس لا إشكال فيه؛ يعني: إذا دخل جماعة من المسلمين، ومعهم من أهل الذمة، فإنه لا يمكن أن يتقدم أهل الذمة حتى يكونوا في صدر المجلس؛ لأن صدر المجلس إنما هو لأشراف القوم وأسيادهم، وهم ليسوا من أهل الشرف والسيادة.
لكن إذا كانوا في مجلس جالسين، ثم دخل جماعة من المسلمين هل يُقَامُون من صدر المجلس؟ الجواب: نعم إذا كان المجلس عامًّا، أما إذا كان المجلس بيتًا لهم فهم في بيوتهم أحرار، لكن إذا كان عامًّا فإنهم لا يُصَدَّرون في المجالس؛ لأن الإسلام هو الذي له الشرف، وهو الذي يعلو ولا يُعْلَى عليه.
(وَلاَ يَجُوزُ القِيَامُ لَهُم)، (القِيَامُ لَهُم) إذا أقبلوا مثلًا لا تقم لهم؛ لأن ذلك إكرام لهم، وإذا كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ» ، فإن القيام لهم ينافي ذلك تمام المنافاة؛ لأنه إكرام لهم، وعُلِمَ من قول المؤلف: (وَلَا القِيَامُ لَهُم) أنه يجوز القيام للمسلمين، إذا دخَل إنسان ذو شرف وجاه فإنه لا بأس بالقيام له، لكن هو نفسه لا يحب ولا يتمنى أن يقوم الناس له، إنما إذا قاموا له فإنه لا حرج عليهم، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يكره أن يُقام له ، فتركه الصحابة استجابة لرغبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكنه لا بأس أن يقوم الإنسان لذوي الشرف والجاه إكرامًا لهم.
ولْيُعْلَم أنَّ القيام ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قيام للشخص، وقيام إليه، وقيام عليه.
فالقيام له يعني أنه إذا دخل قمتَ إجلالًا له وإكرامًا له، ثم إن شئتَ فقل: اجلس في مكاني، وإن شئتَ جلستَ.
القيام إليه: أن يتقدم الإنسان إلى القادم ويخطو خُطُوات، وهذا جائز، قال النبي عليه الصلاة والسلام لما أقبل سعد بن معاذ رضي الله عنه للتحكيم، قال: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» ، فأمر بالقيام إليه، وذلك إكرامًا له.
أما القيام على الشخص فإنه لا يجوز، إلَّا إذا كان في ذلك إغاظةٌ للمشركين؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى أن نقوم على غيرنا كما تقوم الأعاجم على ملوكها، بل في الصلاة لما صلى جالسًا وصلَّوْا خلفه قيامًا أمرهم أن يجلسوا؛ لئلَّا تظهر صورة المشابهة حتى في الصلاة، فإن كان في ذلك إغاظة للمشركين فإنه لا بأس به، بل قد يكون محمودًا ومأمورًا به كما فعل المغيرة بن شعبة حين قام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يراسل، وقريشٌ تراسله في صلح الحديبية، فهذا لا شك أنه محمود؛ ليتبين لهؤلاء الكفار أن المسلمين يُعَظِّمون زعماءَهم وعظماءَهم.
إذن القيام لأهل الذمة ما حكمه؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: حرام، ولا يجوز، حتى لو كان كبيرًا، ولو كان وزيرًا، ولو كان رئيسًا، أي إنسان لا يمكن أن يُقامَ له، لكن إذا لم يكن من أهل الذمة وقَدِم إلى بلد الإسلام فهل يُقام له؛ لأنه من ذوي الشرف والجاه في قومه؛ ولأن ذلك مما جرت به العادة بين الناس ورؤساء الدول؟ أو لا يقام له؟
هذا محل نظر، وهذا فَرْق بين هذه المسألة وبين مسألة أهل الذمة؛ لأن أهل الذمة تحت ولايتنا، ونحن لنا الولاية عليهم، فلا يمكن أن نكرمهم بالقيام لهم.
قال: (وَلاَ بَدَاءَتُهُمْ بالسَّلَامِ) يعني: لا يجوز أن نبدأهم بالسلام، إذا لقيناهم لا نقول: السلام عليكم، فإن سَلَّموا وجب الرد؛ لقوله تعالى: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء: ٨٦]، ولقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» ، فأَمَرَنا أن نَرُدّ عليهم، أما البَداءة فلا.
وهل يجوز أن نبدأهم بـ(كيف أصبحت - كيف أمسيت)، وما أشبه ذلك؟
المذهب: لا يجوز؛ لأن النهي عن بَداءتهم بالسلام؛ لئلَّا نكرمَهم، بدليل قوله: «وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ» ، فإذا قلنا: كيف أصبحت، كيف أمسيت، كيف أنت، كيف حالك، فهذا نوع من الإكرام.
وقال شيخ الإسلام: يجوز أن نقول له: كيف حالك، كيف أصبحت، كيف أنت؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام إنما نهى عن بَدْأَتِهِم بالسلام، والسلام يتضمن الإكرام والدعاء؛ لأنك إذا قلت: السلام عليك، فأنت تدعو له، أما هذا فهو مجرد ترحيب وتحية.
وينبغي أن يقال: إذا كانوا يفعلون بنا مثل ذلك فلنفعله بهم، وإذا كان هذا لمصلحة كالتأليف فلنفعله بهم، وإذا كان ذلك خوفًا من شرهم فلنفعله بهم؛ لأنه إذا قُدِّر مثلًا أنك في وقتنا الحاضر أنك في شَركة، مدير هذه الشَّركة كافر، فإنك لو دخلت عليه لتراجعه في شأن هذه الشَّرِكة ولم تُسْلِّم؛ لكان في قلبه عليك شيء، ربما يضرك، فإذا قلت: كيف أصبحت، كيف حالك، نعم، فهذا يزيل ما في قلبه من الضغينة، وتَسلم من شره، ولا يدخل هذا في نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن بَداءتهم بالسلام.
وإذا سلموا هم فكما سمعتم أنه يجب علينا أن نرد عليهم بدلالة القرآن والسُّنَّة، ولكن هل نرد عليهم بقول: وعليكم؟ أو نرد عليهم بمثل ما سَلَّموا؟ نقول: لا يخلو السلام الذي أَلْقَوْه إلينا إمَّا أن يكون صريحًا بقولهم: السلام عليكم، أو صريحًا بقولهم: السام عليكم، أو غير صريح، لم يبيِّنوا اللام، ولم يحذفوها حذفًا واضحًا، فإن صَرَّحوا بقولهم: السلام عليكم، كما يوجد الآن في الكفار الذين عندنا الآن يقولون: السلام عليكم، بصراحة؛ لأن ألسنتهم ألسنة أعجمية فهم يتعلمون السلام تَلْقِينًا، فتجده يقول: السلام عليكم، صراحة، فهنا لنا أن نرد عليهم ونقول: عليكم السلام، ولنا أن نقول: وعليكم.
وإن صَرَّحوا بقولهم: السام عليكم، فإننا نقول: عليكم السام، أو نقول -وهو أَوْلى-: وعليكم، ودليل ذلك أن رجلًا يهوديًّا مر بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: السام عليك يا محمد، فقالت عائشة: عليك السام واللعنة، فنهاها الرسول عليه الصلاة والسلام عن ذلك، وقال: «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ» ، وقال: «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْكِتَابِ فَقُولًوا: وَعَلَيْكُمْ» ، وفي الصحيح أنه قال: «إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَقُولُونَ: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَإِذَا سَلَّموا عَلَيْكُمْ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ» .
فصار إلقاء السلام من الكافر يكون على ثلاثة أوجه: أن يُصَرِّح بالسلام، أن يُصَرِّح بالسام، الوجه الثالث أن يكون محتملًا، فهنا يتعين أن نقول: وعليكم؛ لأنه إن كان قال: السلام، فهو عليه، إن كان قال: السام، فهو عليه.
هل يجوز أن نهنئهم، أو نعزيَهم، أو نَعُود مرضاهم، أو نشهد جنائزهم؟
أما التهنئة بالأعياد فهذه حرام بلا شك، وربما لا يَسْلَم الإنسان من الكفر؛ لأن تهنئتهم بأعياد الكفر رضا بها، والرضا بالكفر كفر، ومن ذلك تهنئتهم بما يسمى (عيد الكريسماس)، أو (عيد الفصْح) أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يجوز إطلاقًا، حتى وإن كانوا يهنئوننا بأعيادنا فإننا لا نهنئهم بأعيادهم، والفرق أنَّ تهنئتهم إِيَّانا بأعيادنا تهنئةٌ بحق، وأن تهنئتنا إيَّاهم بأعيادهم تهنئة بباطل، هذا هو الفرق، فلا نقول: إننا نعاملهم بالمثل: إذا هنَّئونا بأعيادنا فلنهنئهم بأعيادهم للفَرْق الذي سمعتم.
وأما تهنئتهم بأمور دنيوية كما لو وُلِدَ له مولود فهنَّأناه، أو وُجِدَ له مفقود فهنَّأناه، أو بنى بيتًا فهنَّأناه، أو ما أشبه ذلك فهذه يُنظر إذا كان في هذا مصلحة فلا بأس بذلك، وإن لم يكن فيه مصلحة فإنه نَوْعُ إكرام فلا يهنَّؤون، ومن المصلحة أن يكون ذلك على وجه المكافأة، مثل أن يكون من عادتهم أن يُهَنِّئونا بمثل ذلك فإننا نهنِّئُهم.
أما تعزيتهم فلا تجوز، فلا يجوز أن يُعَزَّوْا؛ لأن التعزية تسلية للمصاب، وجبر لمصيبته، ونحن لا نود أن يَسلَمُوا من المصائب، بل نقول: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا [التوبة: ٥٢]، وهذا لا شك في أهل الحرب، لكن في أهل الذمة، فقال بعض أهل العلم: تعزيتهم تجوز للمصلحة -مصلحة التأليف- أو للمكافأة، إذا فعلوا بنا ذلك فإننا نفعله بهم، أما عيادتهم فالصحيح جواز ذلك، لكن للمصلحة أيضًا بأن يُرْجَى إسلامه بعَرْض الإسلام عليه، كما زار النبي صلى الله عليه وسلم خادمًا له يهوديًّا فعَرَضَ عليه الإسلام، فَرَدَّ بصره إلى أبيه كأنه يشاوره، فقال له أبوه: أَطِعْ محمدًا، فأَسْلَم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارَ» ، فإذا كان في عيادتهم مصلحة كالدعوة للإسلام فلا بأس، بل قد تكون مندوبة مستحبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» .
ثم قال المؤلف: (وَيُمْنَعُونَ مِن إِحْدَاثِ كنَائِسَ) (يُمْنَعُونَ) الضمير يعود على مَنْ؟ على أهل الذمة الذين عندنا في بلادنا، (يُمْنَعُونَ مِن إِحْدَاثِ كنَائِسَ وَبِيَعٍ، وَبِنَاءِ مَا انْهَدَمَ مِنْهَا وَلَوْ ظُلْمًا) إلى آخره، هذه الأمور الممنوعة التي يُمنعون منها:
أولًا: إِحداث كنائس، والكنائس: جمع كنيسة، وهي مُتَعَبَدُهُم، سواء كانوا نصارى أو يهودًا، فيُمْنَعُون من بناء الكنيسة؛ لأن هذا إحداث شعائر كفرية في بلاد الإسلام.
وكذلك إحداث البِيَع، البِيَع أيضا يُمْنَعُون من إحداثها، وهي مُتَعَبَّد اليهود، فيُمْنَعُون من إحداثها كما يُمْنَعُون من إِحْداث الكنائس.
فإن قال قائل: إذا كانوا لا يمنعوننا من إحداث المساجد في بلادهم، فهل لنا أن نمنعهم من إحداث الكنائس في بلادنا؟
الجواب: نعم، وليس هذا من باب المكافأة أو المماثلة؛ لأن الكنائس دُور الكفر والشرك، والمساجد دُور الإيمان والإخلاص، فنحن إذا بنينا المسجد في أرض الله فقد بنيناه بحق، الأرض لله، والمساجد لله، والعبادة التي تقام فيها كلها إخلاص لله، واتباع لرسوله، بخلاف الكنائس والبِيَع.
ومن سَفَهِ بعض الناس أنه يقول: لماذا لا نُمَكِّنُهُم من بناء الكنائس في بلادنا كما يمكنونا من بناء المساجد في بلادهم؟
نقول: هذا من السَّفَه، ليست المسألة من باب المكافأة، ليست مسائل دنيوية، هذه مسائل دينية، الكنائس بيوت الكفر والشرك، والمساجد بيوت الإيمان والإخلاص فبينهما فرْق، والأرض لِمَن؟ لله، فنحن إذا بنينا مسجدًا في أي مكان من الأرض فقد بنينا بيوت الله في أرض الله، بخلافهم.
قال المؤلف: (وَمِنْ بِنَاءِ مَا انْهَدَمَ مِنْهَا) يعني: لو كان هناك كنيسة موجودة قبل الفتح، نحن فتحنا البلاد واستولينا عليها، وصار أهلها أهل ذمة بالنسبة لنا، لكن فيها كنائس، انهدمت هذه الكنائس فإننا نمنعهم من بنائها، لماذا؟ لأن البناء إحداث، فنمنعهم.
وقول المؤلف: (وَلَوْ ظُلْمًا) أي: ولو هُدِمَت ظلمًا، كما لو سَطا عليها أحد من المسلمين وهدمها فإنها لا تقام مرة أخرى، وهذه إشارة خلاف، أعني قوله: (وَلَوْ ظُلْمًا)، فإن بعض أهل العلم قال: إذا هُدِمَت ظلمًا فلهم إعادة بنائها، ولو قيل: إنه يعيدها مَنْ هَدَمَها ويُضَمَّن لكان له وجه؛ لأن هذا عدوان وظلم، وأهل الذمة يجب علينا مَنْع الظلم والعدوان عنهم.
فالصواب أنه إذا هُدِمَت ظلمًا فإنها تعاد؛ وذلك لأنها لم تنهدم بنفسها، فإن هدموها هم وأرادوا تجديدها؟
طالب: يُمْنَعون.
الشيخ: فإنهم يُمْنَعون.
ويُمْنَعون أيضًا: (مِن تَعْلِيَةِ بُنْيَانٍ عَلَى مُسْلِمٍ) إذا كانوا في حي من الأحياء، وأرادوا أن يبنوا عمارات رفيعة تعلو بناء المسلمين فإننا نمنعهم، وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يكونوا مجاورين ملاصقين أو غيرَ ملاصقين، وهو كذلك، حتى لو كان بينهم وبين المسلم شارع، فإنه لا يجوز أن يُمَكَّنوا من تعلية البنيان على المسلم، لماذا؟ لما في ذلك من إذلال المسلم، واحتمال الأذى لهذا المسلم؛ لأن العالي يستطيع أن يتفرج على النازل، ولا عكس، ونحن لا نأمن هؤلاء الكفار، فلذلك يُمْنَعون من تعلية البنيان على المسلم.
لو رضي المسلم، قال: ما عندي مانع، فهل يُمْنَعون أو لا؟
نعم يُمْنَعون؛ لأن الحق هنا فيه شائبة حق لله، ولأن هذا المسلم موجود الآن، لكن هل سيبقى إلى الأبد؟ سيموت، أو يرتحل، فيبقى البناء عاليًا على مَنْ؟
طالب: مَنْ بعده.
الشيخ: على مَنْ بعده، ولهذا لا يجوز أن يُعْلُوا البنيان على المسلم ولو بإذن المسلم ورضا المسلم.
فإن مَلَكُوه عاليًا مِنْ مسلم؛ يعني هم جاؤوا إلى عمارة فخمة طويلة واشترَوْها من المسلم، فهل يجب أن نهدِمَها؟ نعم.
طلبة: يُمْنَع البيع.
الشيخ: لم نمنع البيع، الآن ما منعنا، تم البيع، ولم نعلم إلَّا بعد إمضائه، نقول الآن: لكم الخيار، إما أن نهدِمَها، وإما أن تردُّوا البيع.
فإذا قالوا: إذن نردُّ البيع أهون علينا من الهدم، ولكن المسلم أَبَى، قال: أنا لا أريد فسخ البيع، قلنا: نُلْزِمك؛ لأنك بعت عليهم بنيانًا لا يجوز إقرارهم عليه، فأنت الذي اعتديت، فنُلْزِمك بأن نفسخ البيع.
قال: (لَا مِن مُسَاوَاتِهِ لَهُ) يعني: لا يُمْنَعُون من مُسَاوَاتِهِ، أي: مساواة بنيانهم لبناء المسلمين؛ لأنهم لم يعلوا على المسلمين.
فإن قال قائل: وهل يُمْنَعُون من تشييد بنيانهم، وتحسينه، ووضع الديكور فيه وما أشبه ذلك؟
نقول: أما مِنْ الداخل فإنهم لا يُمْنَعُون، أما مِنْ الخارج فهذا يرجِع إلى اجتهاد الإمام، إن رأى أنهم إذا أظهروا منازلهم بهذا المظهر وبيوت المسلمين حولهم بيوت شعبية، وأن في ذلك افتخارًا لهؤلاء الكفار فله أن يمنعهم؛ لأن هذا وإن لم يكن علوًّا حسيًّا فهو علو معنوي، فيُمْنَعُون، وإن رأى أن الناس لا يهتمون بذلك ولا يقيمون له وزنًا فليُبقِهم على ما هم عليه.
ثم قال: (وَيُمْنَعُونَ مِنْ إِظْهَارِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ) (يُمْنَعُونَ) الضمير يعود على أهل الذمة.
نرجع إلى ما سبق، قول المؤلف رحمه الله: (وَمِن تَعْلِيَةِ بُنْيَانٍ عَلَى مُسْلِمٍ) يُفهم من كلامه أنهم لو مَلَكُوه من مسلم عاليًّا فإنهم لا يُمْنَعُون، لكن الصحيح ما قرَّرْناه أولًا أنهم يُمْنَعُون، فيُهْدَم أو يُفسَخ البيع.
قال: (وَمِنْ إِظْهَارِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ) يعني: يُمْنَعُون من إظهار الخمر، ومن إظهار أكل لحم الخنزير؛ لأن ذلك عند المسلمين حرام، فيُمْنَعُون منه، أما لو شرِبوه في بيوتهم، أو صنعوه في بيوتهم ولم يبيعوه علينا فإننا لا نمنعهم.
وكذلك يُقال في لحم الخنزير؛ لأنهم يعتقدون أن الخمر حلال، وأن لحم الخنزير حلال، فلا نتعرض لهم في ديانتهم، لكن إظهار ما هو ممنوع عند المسلمين ممنوع.
(وَمِنْ إِظْهَارِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ وَنَاقُوسٍ وَجَهْرٍ بِكِتَابِهم) الناقوس: هو شيء يُصَوَّتُ به عند أداء شعائر دينهم، فإذا كان لهم ناقوس قوي الصوت يسمعه الناس فإننا نمنعهم من إظهاره، والمراد إظهار صوته، لا إظهار حجمه أو عينه، أهم شيء هو إظهار الصوت، فنمنعهم من إظهار النواقيس؛ لأنهم في بلاد إسلام.
كذلك نمنعهم من الجهر بكتابهم؛ لما في ذلك من الصد عن سبيل الله، فإن قيل: ما هذه الإذاعات التي تُنْشَر الآن عبر المذياع، هل يُمْنَعُون منها؟
طلبة: (...).
الشيخ: ليس لنا سلطة عليهم؛ لأنها تُبَثُّ من أي مكان؟ من بلادهم، وبلادهم ليس لنا سلطة عليها، لكن يجب علينا أن نَحُول بينها وبين سماعها بقدر الإمكان، إذا أمكن أن نُشَوِّش فهو ممكن، يُجعل مثلًا نواطير على نفس الموجة ثم لا تُسْمَع، فيجب على المسلمين أن يُشَوِّشُوا عليها.
فإن قيل: يُخْشَى إذا شَوَّشْنَا عليهم دعوتهم للنصارى أن يُشَوِّشُوا علينا دعوتنا للإسلام، نعم، وهذا وارد، فهل نتركهم ونحذر المسلمين من شرهم؟ أم ماذا؟
طالب: نُشَوِّش.
طالب: (...).
الشيخ: تأملوا هذا، الآن إذا شَوَّشْنا عليهم شَوَّشُوا علينا دعوتنا، ونحن عندنا دعوة كثيرة، ودعوة موافقة للفطرة؛ يعني أن قَبول الناس لها أكثر من قَبول الناس لدعوة هؤلاء النصارى، فهل نقول: إننا ندرأ هذه المفسدة لوجود هذه المصلحة التي هي أقوى، ونحذر الشعب المسلم من كيدهم، أو نقول: نحن نمنع الشر، وإذا مُنِع الشر من غيرنا فلسنا مسؤولين عنه.
طالب: شيخ يُنْظَر إن كانت البلاد الإسلامية هذه على تقوى وعلم وَوُجِد العلم بالناس نتركهم ونحذر الناس على قدر ما نستطيع، وأما إذا كانت هذه البلاد الإسلامية كبلاد الأعاجم الآن مسلمة ولكن إسلامهم ضعيف وثقافتهم قليلة فنمنعهم، نمنع من إرسال الإذاعات هذه ونُشَوِّش عليها.
الشيخ: لا، نُشَوِّش.
الطالب: نُشَوِّش عليهم.
الشيخ: نُشَوِّش.
الطالب: البلاد التي تكون، يكون شعبها..
الشيخ: هو عند الأمن من تشويشهم علينا ما في إشكال، نُشَوِّش، لكن إذا كان ما نأمَن؟ فتأملوها، ويكون الجواب عليه إن شاء الله، في الدرس القادم.
طالب: يا شيخ، إن شَوَّشْنَا عليهم يا شيخ أضاعوا إذاعاتنا، هم أكثر تفوقًا منا من جهة التشويش، نحن عالة عليهم في جهات كثيرة، لو شَوَّشْنا عليهم محطة واحدة أضاعوا كل محطاتنا.
الشيخ: يعني كأنك تقول..
الطالب: نتركهم يا شيخ.
الشيخ: نتركهم، ونحذر المسلمين من شرهم.
الطالب: نعم.
طالب: (...) الإذاعات؛ لأن الناس عندها الوعي.
الشيخ: ماذا تقول، هل نُشَوِّش عليهم أو لا؟
الطالب: لا، نُشَوِّش عليهم حتى (...).
الشيخ: إي، زين، هذان رأيان متضادان.
طالب: نُشَوِّش عليهم يا شيخ؛ لأن إذاعاتنا لا تصل إليهم.
الشيخ: أيش؟
الطالب: إذاعاتنا ما تصل إليهم بشكل واضح.
الشيخ: الكلام إذا كانت تصل، أما إذا كانت ما تصل نُشَوِّش، ما فيه إشكال.
طالب: المصلحة يا شيخ (...) نشوش عليهم.
الشيخ: نعم.
طالب: والمفسدة..
الشيخ: لا، ما هي بمصلحة، درء المفسدة.
طالب: (...) تشويش (...).
الشيخ: لا، إذا تيقنَّا، هذا إذا كان مضمونًا، هذا ما نعتبره.
طالب: شيخ، الدعوة قائمة في بلادهم ولم يمنعوها، في الكثير (...).
الشيخ: المهم إذا تيقنَّا يقينًا أنهم يشوشون علينا، أما إذا كان فيه احتمال، لا، محل البحث الآن إذا تيقنا أنهم يشوشون علينا، أما إذا كان في احتمال فهذا قد يكون من تخويف الشيطان فلا نخاف.
طالب: (...) المسلمين عندهم نشاط يبلغون دعوة الإسلام إحنا نرجح هذا على الأول، وإذا كان المسلمون ما لهم نشاط (...) ونخاف (...) نُشَوِّش عليهم (...).
الشيخ: هذا صحيح؛ يعني يقول: إذا كان ما عندنا دعوة للإسلام فنشوش عليهم، هذا ما تبغي بحث، لكن كلامنا فيما إذا كان عندنا دعوة للإسلام، وهو موجود الآن -الحمد لله- موجود دعوة للإسلام في الإذاعات.
الطالب: (...) كيف يا شيخ إن كان عندنا دعوة للإسلام، (...) عند المسلمين، نخليهم، ما نشوش عليهم، نبث دعوتنا (...).
الشيخ: تمام.
طالب: في قوله صلى الله عليه وسلم: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» ، هل المراد بهذا القول أن المراد بالقيام من أجل الإنزال؟ من أجل أن ينزلونه الناس (...).
الشيخ: نعم، لهذا وهذا، لأنه لو كان مجرد الإنزال لكان واحد يكفي.
الطالب: واحد يكفي لإنزال شخص؟
الشيخ: إي، أو اثنين، ما يُوَجِّه الكلام على العموم، ثم لا يقول: «إِلَى سَيِّدِكُمْ»؛ لأن قوله: «إِلَى سَيِّدِكُمْ» إشارة إلى أنه أمَرَهُم بالقيام من أجل السيادة.
طالب: بالنسبة للتعزية الراجح أنه لا يجوز، أو تجوز للمصلحة والمكافأة؟
الشيخ: لا، الراجح أنه تَبَع المصلحة؛ لأنه ربما نستغل وجود هذه المصيبة بدعوته إلى الحق.
طالب: كيف نعزيهم يا شيخ؟ اللفظ يا شيخ؟ (...).
طالب: شيخ بارك الله فيكم، (...) يُمْنَعُون من إظهار النواقيس التي هي شعائر دينية، في الواقع يا شيخ أن نواقيسهم هذه لها صوت معين، والآن يوجد فيه بعض الأجراس في الساعات الكبيرة في البيوت (...) أيضًا للتشبه بهم، وهذه يا شيخ (...)، في الميادين العامة (...) المسلمين، نفس الأجراس يا شيخ توجد.
الشيخ: ما أعتقد هذا؛ لأن صوت الساعة الآن صوت عادي، ما هو شعار ديني.
طالب: الساعات الكبيرة يا شيخ.
الشيخ: الساعات الكبيرة، إي.
الطالب: إعلان (...).
الشيخ: إي؛ يعني مثلًا إذاعة لندن الآن فيها صوت الساعة، الناقوس هكذا.
طالب: يختلف.
الشيخ: يختلف؛ لأنه له رنَّة خاصة.
الطالب: طيب يا شيخ لو حصل، الرنة الخاصة يا شيخ موجودة.
الشيخ: ما أظن؛ لأن ساعة البندول ما هي على شكل ناقوس.
طالب: يا شيخ (...) المساجد في ديار الملة إذا سمحوا لنا ديار المسلمين (...).
الشيخ: نعم، ما نطيعهم.
الطالب: طيب يمنع (...).
الشيخ: ما يخالف، نحن نُعذَر، أما أن تُقام شعائر الكفر في بلاد الإسلام؛ يعني إذا قالوا مثلًا: نحن لا نسمح لكم أن تقيموا مساجد في بلادنا إلَّا إذا سمحتم لنا أن نقيم كنائس في بلادكم، نقول: لا نسمح، ونحن معذورون، ممكن نصلي في حُجرة من الحُجَر، حُجَر البيوت.
طالب: شيخ، قوله: (إحداث كنائس) يفيد بأنه لو كان كنائس –بالمقابل- لا تُهدم.
الشيخ: صحيح.
الطالب: لو أقاموا بها الشعائر الدينية؟
الشيخ: لكن يُمْنَعون من إظهار الشعائر.
الطالب: داخل الكنيسة ما يُمْنَعون؟
الشيخ: ما يُمنَعون، لا.
طالب: (...) النبي صلى الله عليه وسلم نهى عائشة عندما ردَّت عليهم: عليكم السام واللعنة ، فنهاها عن ذلك، لماذا قلنا بجوازه؟
الشيخ: إي؛ لأن عائشة زادت، قالت: واللعنة.
الطالب: يعني اللعنة فقط؟
الشيخ: إي نعم؛ يعني لو قلنا كما قالوا ما فيها شيء.
طالب: قلنا: من مخالفة أهل الذمة يا شيخ قص شعورهم على قصَّة معينة.
الشيخ: نعم.
الطالب: الآن شباب المسلمين أكثرهم يقصُّون هذه القَصَّة.
الشيخ: كل الأحكام اللي إحنا نقرأ الآن، الله المستعان، ما فيها شيء من هذا، ولهذا قال الفقهاء: لا كعادة الأشراف؛ يعني كأن الأشراف في عهد الفقهاء -رحمهم الله- أشراف الناس لهم قَصَّة معينة في مقدم رؤوسهم، فقالوا: لا كعادة الأشراف.
طالب: ما هو من الجَزِّ يا شيخ أنه يُزال من مقدم الرأس؟
الشيخ: نعم؟
طالب: ما هو بالمراد إزالة مقدم الرأس؟
الشيخ: بلى يُجَزّ.
الطالب: يُجَزّ؟
الشيخ: نعم.
الطالب: إي، والأخ يقول: هي قصة..
الشيخ: إي، قص، القص هذا جَزٌّ، نوع من الجزِّ، ما هو لازم حَلْق.
(...)
يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فأقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قلتم: يا شيخ -حفظكم الله- أن الصغير لا يُبْعَد من مكانه في الصف من الصلاة، ولكن هل نعتبر هذا بالتمييز أم لا؟ لأن ما دون التمييز لا ندري هل توضأ أم لا؟
نعم، هو لا فرق، لكن لا شك أن مَنْ دون التمييز الأحسن أن لا يُؤْتَى به إلى المسجد إلَّا للحاجة، والحاجة مثل أن لا يكون عند هذا الصبي أحد في البيت فيأتي به أبوه من أجل أن يحفظه، أما قوله: لا ندري هل توضأ أم لا، فهذه العلة موجودة في كل أحد، حتى البالغ لا ندري هل توضأ أم لا، قد يكون غير متوضأ، ناسيًا أو متهاونًا، فهذا هو الجواب: لا، ما يُنكَر عليه إلَّا إذا آذى.
يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فأقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قال شيخ الإسلام -رحمه الله: استفاضت الآثار أن الميت يعرف أحوال أهله وأصحابه في الدنيا، وأن ذلك يُعْرَضُ عليه، فيُسَرُّ بما كان حسنًا، ويتألم بما كان قبيحًا، فهل من إيضاح أثابكم الله.
الجواب: أنه ليس هناك آثار عن النبي عليه الصلاة والسلام تُبين ذلك، لكن آثارا عن السلف وقعت كثيرًا، وكذلك أيضًا بالنسبة لمن بَعْد السلف يقع هذا كثيرًا، وقد أخبرني أحد الثقات أنهم أضاعوا سندًا في بعض المعاملات، وراجعوا الدفتر الذي عندهم ولم يجدوا هذا السند، فرأى والده في المنام بعد موته، وقال له: إن الكتابة قد لصقت بها الصفحة الأولى لصقت ببطانة الدفتر، يقول: فلما أصبحت وجدت ذلك كما قال، وهذا يدل على أنه أحسَّ بذلك، لكن ما هناك شيء بَيِّنٌ من السُّنَّة إلَّا ما ورد فيما رواه أبو داود وصححه ابن عبد البَر وأقَرَّه ابن القيم في كتاب الروح من أن الإنسان إذا سلَّم على شخص يعرفه في الدنيا ردَّ الله عليه روحه فردَّ عليه السلام.
هذا يقول: قال شارح الروض: فيما يعتقدون حِلَّه كخمر، هل معنى هذا أن الله أحلَّ الخمر، حلَّله لهم؟ وكيف يقال إذا قال قائل: إن الله تعالى لم يحرِّم شيئا إلَّا فيه مصلحة للبشر، أو العكس.
طالب: (...).
الشيخ: نعم؟ وهل تحليل الخمر لليهود والنصارى فيه مصلحة؟ جزاكم الله خيرًا.
الخمر كان حلالًا لهذه الأمة بنص القرآن، قال الله تعالى: وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا [النحل: ٦٧]، السَّكَر باستعماله شربًا، والرزق الحسن بالربح به في التجارة، ثم تدرَّجت الأحوال -كما تعرفون هذا- أنها تدرجت بعد ذلك إلى ثلاث، كم؟
طلبة: ثلاث مراتب.
الشيخ: ثلاث مراتب، آخرها التحريم المطلق، فلعل النصارى كان ذلك حِلًَّا لهم في كتابهم ولم يُنسَخ.
طالب: شيخ، إذا قال قائل: إن الله (...) تحليل الخمر، هل (...)؟
الشيخ: يقول.. موجود؟ حسنًا، أين هو؟ نعم.
يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، هل للصائم أجر إذا كان أمامه أُناس يأكلون؟ وهل ورد في السُّنَّة ما يُبَيِّن ذلك، إذا كان هناك أجر؟ لأن بعض الإخوة يقول: إن الملائكة تترحَّم عليه.
هذا لا أعلم فيه نصًّا عن الرسول عليه الصلاة والسلام أن فيه أجرًا، أو أن الملائكة تترحم عليه، لكن بعض السلف -ولا سيما في التابعين- كان يرى أن ذلك من الصبر؛ يعني من زيادة الصبر، أي كون الإنسان يصبر على الصيام مع أن الناس يأكلون حوله يزداد بذلك أجرًا، لا سيما مع تَوَقان النفس إلى الأكل والشرب، فإنه يزداد أجره؛ لأنه سوف يزداد صبره.
وهذا يقول: هي أم عبد الرحمن (...)، والنساء يُستثنى لهن؛ لأنها ما تستطيع أن تسأل في غير هذا المكان، تقول: امرأة جاءتها العادة الشهرية على هيئة صُفْرَة وكُدْرَة لمدة عشرة أيام، ثم انقطعت الصُفْرَة والكُدْرَة نصف يوم تقريبًا ثم استمرت العادة -أي الصُفْرَة والكُدْرَة- أسبوعًا آخر، عِلْما بأن مدة الدورة سابقًا هي أسبوع، وأن الدورة تأتي هذه المرأة حاليًّا وهي مرضع كل شهرين بدلًا من إتيانها كل شهر، فما العمل جزاكم الله خيرًا بالنسبة للصلاة والصوم وغير ذلك؟ علمًا بأنها كانت تصلي في الأسبوع الأخير احتياطًا.
نقول: هذه المرأة إذا لم ترَ الدم الأحمر المعروف فإن هذه الصُفْرة والكُدْرة ليست بشيء، لا سيما وأنها ترضع؛ لأن الغالب أن المرضع لا تحيض، فالواجب عليها أن تصلي، وأما الصيام فإن كان في رمضان فوجب عليها أن تصوم، وإذا كان قضاءً فإن شاءت قضت، وإن شاءت أجَّلَت.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيموَإِنْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ عَكْسُهُ لَمْ يُقرَّ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إِلَّا الإِسْلَامُ أَوْ دِينُهُ.
فَصْلٌ: فَإِنْ أبَى الذِّمِيُّ بَذْلَ الجِزْيَةِ أَوِ التِزَامَ حُكْمِ الإِسْلاَم أَوْ تَعَدَّى عَلَى مُسلِمٍ بِقَتْلٍ أَوْ زِنًا، أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ، أَوْ تَجَسُّسٍ، أَوْ إِيْوَاءِ جَاسُوسٍ، أَوْ ذَكَرَ اللهَ أَوْ رَسُولَهُ أَوْ كِتَابَهُ بِسُوءٍ انْتَقَضَ عَهْدُهُ دُونَ نِسائِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَحَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا كثير من أحكام أهل الذمة، وكما تعلمون أن هذا الكتاب مختصر، لم يستوعب جميع الأحكام التي تُطَبَّق على أهل الذمة، لكن ابن القيم -رحمه الله- توسع في ذلك في كتابه أحكام أهل الذمة وهو مطبوع في مجلدين وموجود، وكنا قبل هذا الوقت نقول: لا حاجة لقراءة الجهاد؛ لأنه ما فيه جهاد، ولا لقراءة أحكام أهل الذمة؛ لأنه ما عندنا أهل ذمة، أما الآن فلا بد لطلبة العلم من أن يقرؤوا ويحققوا أحكام الجهاد، وأحكام أهل الذمة، وسائر الكفار؛ لأننا في الجهاد -كما تعلمون الآن- انفتحت جبهات -ولله الحمد- فيها جهاد في سبيل الله، وأما الكفار فقد ابتُلينا بهم، وكثروا بيننا -لا كثَّرهم الله- فالواجب أن نعرف كيف نعامل هؤلاء الكفار، ومن أهم شيء في مسألة الكفار أنه لا يجوز إقرارهم في جزيرة العرب للسكنى؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن ذلك، بل قال: «أَخْرِجُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» ، وقال وهو في مرض موته: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» ، وقال: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا» .
لهذا يجب أن نعلم أنه لا يجوز إقرار اليهود أو النصارى أو المشركين في جزيرة العرب على وجه السُّكْنى، أما على وجه العمل فلا بأس، بشرط ألَّا نخشى منهم محذورًا، فإن خشِينا منهم محذورًا مثل بث أفكارهم بيننا أو شرب الخمر علنًا، أو تصنيع الخمر وبيعه على الناس فإنه لا يجوز إقرارهم أبدًا؛ لأنه في هذه الحالة يكونون مفسدين في الأرض.
ثم إن من جملة الأحكام -أحكام أهل الذمة- ما ذكره المؤلف بقوله، وهو مبتدأ درس الليلة:
(وَإِنْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ عَكْسُهُ)، (تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ) أي: صار النصراني يهوديًّا، عَكْسُه بأن تنصَّر يهودي، أي: صار اليهودي نصرانيًّا، أيهما أكمل؟ أن يتهوَّد نصراني، أو يتنصَّر اليهودي؟
طلبة: (...).
الشيخ: كلها باطلة؛ لأن اليهودي إذا انتقل إلى النصرانية فقد انتقل إلى دين منسوخ لا يقبله الله عز وجل، صحيح أن النصارى بعد اليهود، وأنهم أقرب إلى الحق من اليهود -وإن كانوا كلهم على باطل- لكن النصارى يؤمنون بعيسى، واليهود لا يؤمنون به؛ لهذا كانوا أقرب إلى الحق من اليهود، أما من جهة الكفر فهم في الحقيقة على حد سواء.
كان النصارى قبل البعثة ضالين، يعبدون الله على ضلال ويريدون الحق، لكن عَمُوا عنه، والعياذ بالله، واليهود كانوا مغضوبًا عليهم؛ لأنهم يعلمون الحق ولكن لم يعملوا به، بعد بعثة الرسول كانوا كلهم مغضوبًا عليهم، اليهود والنصارى؛ لأن اليهود تركوا الحق عن عَمْد، والنصارى أيضًا تركوا الحق عن عَمْد، فلا فرق بينهم، فيكون الجميع على دين غير مقبول عند الله، لا اليهود ولا النصارى، لكن لا شك أن طبائع اليهود وغِلظهم وخداعهم وخيانتهم ومكرهم أشد وأعظم من النصارى في هذا الباب، لكن -ومع ذلك- بعد الحروب التي وقعت بين النصارى والمسلمين صار النصارى يُكِنُّون للمسلمين مثل ما يُكِنُّ اليهود، فنسأل الله تعالى أن يدافع الجميع عنَّا.
إذا تَهَوَّد نصراني، النصراني صار يهوديًّا، نقول: لا نقبل منك، فإما أن تُسْلِم، وإما أن ترجِع إلى دينك الذي انتقلت منه.
وإن تمجَّس؟
طلبة: كذلك.
الشيخ: كذلك، من باب أَوْلى.
إنْ تنصَّر مجوسي فكذلك، كل من انتقل عن دينه الذي هو عليه، قلنا له: إما أن ترجِع وإما أن تُسْلِم؛ وذلك لأنه لا يمكن أن ينتقل إلى دين أفضل من حيث القبول عند الله، كل الأديان سوى الإسلام كلها غير مقبولة عند الله، فلا فائدة من انتقاله.
إذا تنصر يهودي أيضًا لا نقبل، نقول: إما أن ترجِع إلى دينك اليهودية وإما أن تُسْلِم.
وقال بعض أهل العلم: إذا تَهَوَّد نصراني لم يُقبل منه إلَّا الإسلام؛ لأن انتقاله من النصرانية إلى اليهودية إقرار منه بأن النصرانية باطلة، وانتقل إلى أي شيء؟ إلى دين باطل، إذن الدين الذي كنت عليه أولًا هو باطل، والذي انتقلت إليه أيضًا باطل، فلا نُقِرُّك على باطل، لا الأول ولا الثاني، ونقول: أَسْلِم وإلَّا قتلناك، وهذا القول لا شك أن له وجهًا قويًّا، وإما أن نقول: ارجع إلى دينك، وقد اعترف هو بانتقاله منه أنه دين باطل، كيف نقول هذا؟ ونحن أيضا نؤمن بأنه دين باطل؛ أي: منسوخ، كيف نقول: ارجع إلى دينك؟ فالقول بأن مَنْ انتقل عن دينه إلى دين آخر من سائر الكفار لا يُقبل منه إلَّا الإسلام، هذا قول قوي جدا؛ لأن انتقاله عن دينه اعتراف منه بأنه باطل، وإلى دين أيش؟
طلبة: باطل.
الشيخ: إلى دين باطل، إذن كيف نُقِرُّه!
(وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ دِينُهُ)، فإن أَبَى؟ قال: إنه لا يرجع ولا يُسْلِم؟ فإنه يُقْتَل؛ لأنه على غير دين صحيح الآن، يُقْتَل، ولكنَّ الإمام أحمد سُئِل عن ذلك فتوقف فيه، أو قال: لا يُقْتَل، ولكن الذي يظهر من الأدلة أنه يُقْتَل؛ لأنه الآن على دين لا يُقَرُّ عليه، لكن الإمام أحمد رحمه الله رأى أنه ذو ذمة وعهد، وأن ذمته وعهده لا يُنْتَقض بذلك، فلا يجوز أن يُقْتَل، هذا وجه قول الإمام أحمد: إننا لا نقتله.
ثم قال المؤلف: (فَصْلٌ)، وهذا الفصل ذكر فيه المؤلف رحمه الله: ما ينتقض به العهد، والمعاهَدون ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: مَنْ غدروا.
والقسم الثاني: مَنْ استقاموا.
والقسم الثالث: مَنْ خِيف منهم أن يغدِروا.
أما مَن غدروا فإنهم قد انتقض عهدهم، ولا عهد لهم، كما قال الله عز وجل: فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ [التوبة: ١٢].
وأما مَنْ استقام، فإننا نستقيم له، ويبقى على عهده، لقوله تعالى: فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ [التوبة: ٧].
وأما مَنْ خِيف منه الغدر، فإننا ننبُذ إليه العهد، ونُخبِره بأنه لا عهد بيننا وبينه؛ لنكون نحن وإياه على سواء، كما قال تعالى: وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ [الأنفال: ٥٨]، أي: انبذ إليهم عهدهم لتكون أنت وإياهم سواءً.
الذمي داخل في هذا، إذا خرج عما يلزمه من أحكام الإسلام فإنه ينتقض عهده؛ لأن العهد الذي بيننا وبينه أن يلتزم أحكام الإسلام، ومنها أن يبذل الجزية.
يقول: (فَإِنْ أبَى بَذْلَ الْجِزْيَةِ) قال: إنه لا يُسَلِّم الجزية فإن عهده ينتقض، ويحل دمه وماله.
كذلك إذا أبى التزام حكم الإسلام، بأن صار يجهر بالخمر ويُعْلِنه، ولا يلتزم بإقامة الحدود عليه فيما يعتقد تحريمه، ولا يتورع عن نكاح ذوات المحارم، في غير المجوسي، المجوسي يرى أن نكاح ذوات المحارم جائز، لكن اليهود والنصراني لا يرى ذلك، فإذا أَبَى التزام أحكام الإسلام انتقض عهده.
قوله: (أَوْ تَعَدَّى عَلَى مُسلِمٍ بِقَتْلٍ أَوْ زِنًا أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ)، تعدَّى على مسلم بقتل بأن قتل مسلمًا، فإن عهده ينتقض حتى لو عفا أولياء المقتول فإن عهده ينتقض؛ لأن أولياء المقتول إن طالبوا بالقصاص اقتُص منه، وإلَّا لم يُقتَصَّ منه، لكن بالنسبة للعهد ينتقض؛ لأنه إذا قتل هذا يمكن أن يقتل آخر.
كذلك إذا اعتدى على مسلم بزنا، زنا بمسلمة ولو برضاها فإنه ينتقض عهده؛ لأن الواجب عليه أن يلتزم أحكام الإسلام، ومثل ذلك لو اعتدى على غلام بلواط فإنه ينتقض عهده.
وقول المؤلف رحمه الله: (تَعَدَّى عَلَى مُسلِمٍ بِقَتْلٍ أو زِنا) عُلِم منه: أنه لو تعدَّى على كافر مثله بقتل أو زنا فإن عهده لا ينتقض، ولكن ماذا نصنع به؟
طلبة: (...).
الشيخ: إذا تمت شروط القِصاص في القتل قُتِل قِصاصًا، وفي الزنا إذا تحاكما إلينا أقمنا عليه الحد، وقد سبق أن الزنا محرم بجميع الشرائع، وأن حدَّه في التوراة كحَدِّه في القرآن.
قال: (أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ) يعني: تعدَّى بقطع الطريق، بأن كان يَعْرِض للناس في الطرقات فيغصبهم المال مجاهرة ومعه السلاح، مسلَّح، صار يجلس على الطرقات ومعه سلاح، ومن جاء قال: يلَّا، سلم المال، وقاتَلَه، فإن هذا قاطع طريق، ويُعْتبر فعله هذا نقضًا للعهد.
(أَوْ تَجَسُّسٍ) وهذا من أَشَرّ ما يكون، إذا تعدى على المسلمين بالتجسس فصار ينقل أخبار المسلمين إلى العدو فإن عهده ينتقض، ولا إشكال فيه، بل إن الجاسوس -وإن كان مسلمًا- يجب أن يُقْتَل، إذا تجسس للعدو -ولو كان مسلمًا- يجب أن يُقتَل، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اطَّلَع على الجاسوس الذي جس لقريش، مَنْ هو؟
طلبة: حاطب.
الشيخ: حاطب بن أبي بلتعة، وعَلِم به، استأذن أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقتله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الجاسوسية مبيحة للدم، لكن وُجِد مانع، وهو كونه من أهل بدر، وهذه العلة لا توجد في عهدنا الآن.
فإذا وجِد إنسان جاسوس يكتب بأخبارنا إلى العدو، أو ينقلها مشافهة، أو ينقلها عَبْر الأشرطة، فإنه يجب أن يُقتل حتى لو تاب؛ لأن ذلك كالحد لدفع شره، وردع أمثاله عن ذلك.
(أَوْ إِيْوَاء جَاسُوسٍ) هو لم يتجسس لكن أتى من العدو جاسوس ونزل عنده، فآواه وتستَّر عليه، فإن عهده ينتقض، لماذا ينتقض وهو لم يتجسس؟ لأنه آوى الجاسوس، فرضي بالجاسوسية، وهذا ضرر بالمسلمين.
قال: (أَوْ ذَكَرَ اللهَ أَوْ رَسُولَهُ أَوْ كِتَابَهُ بِسُوءٍ) وينبغي أن يُلْحَق: (أو شريعته) إذا ذكر الله بسوء فسَبَّ الله، وقالت اليهود: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: ٦٤]، إذا قال: يد الله مغلولة، إذا قال: إِن الله فقير، فإن عهده ينتقض؛ لأنه ذَكَر الله بسوء، إذا قال: إن الله لم يعدِل حيث جعل لأمة محمد كِفْلَين من الأجر وجعل لغيرهم كِفْلًا واحدًا، وهذا غير عدل؛ فإنه ينتقض عهده، إذا قال: إن الله تعالى جاهل ولا يدري، فإن عهده ينتقض، المهم إذا ذَكَر الله بسوء، أي سوء يكون.
كذلك إذا ذَكَر رسوله، و(رسول) هنا: مفردٌ مضاف، فيعُمُّ كلَّ رسول، فلو ذكر اليهودي عيسى ابن مريم بسوء فإن عهده ينتقض، ولو ذكر النصراني محمدًا بسوء فإن عهده ينتقض؛ يعني سبَّه فقال مثلًا: إنه جبان، إنه جائر، إن فيه كذا وكذا، أو قال: إنه رجل شهواني، وما أشبه ذلك مما يدَّعيه النصارى -قاتلهم الله ولعنهم إلى يوم القيامة- فإن عهده ينتقض، ولا عهد له ولا كرامة،كذلك لو ذَكَر الشريعة الإسلامية بسوء فإن عهده ينتقض؛ لأنه ليس هذا الذي بيننا وبينه.
قال المؤلف: (انْتَقَض عَهْدُهُ دُونَ نِسائِهِ وَأَوْلَادِهِ) فيتبعض الحكم لتبعُّض موجِبِه، النساء والأولاد لم يفعلوا شيئًا يوجِب نقض العهد فيبقَوْن على العهد، وهو فَعَلَ ما يوجِب نقض العهد فينتقض.
قال المؤلف: (وَحَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ)، حَلَّ دَمُهُ حتى لو قال إنه تاب، وإذا انتقض عهده انتقل من الذمة إلى الحِرابة، فصار حَرْبِيًّا، انتبهوا، وإذا صار حَرْبِيًّا يخيَّر الإمام فيه بين أربعة أشياء أظن، ما هي؟ القتل، والاسترقاق، والمنّ بدون شيء، والمنّ بفداء.
والفداء إما بمال أو بمنفعة، المهم أن يكون حُكْمه حُكْم الحربي، وظاهر كلام المؤلف: حتى في من كان انتقاض عهده بسبِّ الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن بعض أهل العلم واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: إنه يتعيّن قتله إذا سَبَّ الرسول وتاب؛ لأن هذا حق للرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نعلم أنه عفا عنه، والأصل أن يؤخذ للرسول صلى الله عليه وسلم بالثأر، إلَّا إذا علمنا أنه عفا، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام عفا عن أُناس كانوا يسبونه في عهده، وارتفع عنهم القتل.
وقوله: (وَحَلَّ مَالُهُ) إذا قال قائل: كيف يحِلُّ ماله، وأهله لم ينتقض عهدهم؟ أفلا نقول: إن المال يبقى للأهل؟
الجواب: لا؛ لأن أهله لا يملكون ماله إلَّا بعد موته، أما وهو حي فالمال ماله، وتَبَيَّن الآن أنه لا حرمة له بنفسه، فلا حرمة له بماله.
وإلى هنا انتهى ما يتعلق بالعبادات، والعلماء رحمهم الله بدؤوا في تصانيفهم بالعبادات.





