كتاب البيع (الشرح الأول) - 3
عدد الزيارات 1553

كأنه قال: بعتك بمئة درهم إلا عشرة، فيكون الثمن تسعين درهمًا، وكذلك لو قال: بعتك إياه بدينار إلا درهمًا، نقول: المذهب لا يصح؛ لأن الاستثناء من غير الجنس، لو قال: بعتك بمئة دينار إلا درهمًا؟
طالب: لم يصح.
الشيخ: يصح ولَّا ما يصح؟
طالب: لا.
الشيخ: ما يصح على المذهب.
والقول الثاني: إذا كانت القيمة معلومة يصح، وهذا هو الصحيح
، وعلى هذا فكأنه إذا قال: بمئة دينار إلا درهمًا، كأنه قال: بمئة دينار إلا عُشْرَ دينار، وهذا صحيح.
لكن كيف يكون الثمن الآن؟ مئة دينار إلا درهمًا (...) أيش تسوي؟ إما أن أعطيك تسعة وتسعين دينارًا وتسعة دراهم، أو أعطيك مئة دينار وترد عليَّ درهمًا، إي نعم.
طالب: (...) لو قال: تسعة وتسعين ريالًا إلا نصف ريال؟
الشيخ: إي نعم، يصح، ما فيه شيء.
الطالب: (...)؟
الشيخ: أقول: هذا يصح.
الطالب: ما فيها شيء؟
الشيخ: لا، ما فيها شيء، حتى على المذهب ما فيها شيء.
طالب: شيخ، الصورة اللي قلتها -أعطيك مئة دينار إلا درهمًا- ما تدخل في صور الربا؟
الشيخ: لا، ما فيها شيء؛ لأن هذا ما فيه بيع وشراء، هذا استثناء، استبقاء.
الطالب: على المذهب (...).
الشيخ: لا، ما قال: إلا -مثلًا- خمسة قروش، لو قال: خمسة قروش صح على المذهب (...)، لكن على نصف الريال مشاع هذا مشاع (...).
يقول المؤلف: (أو باع معلومًا ومجهولًا يتعذر علمُه ولم يَقُلْ كُلٌّ منهما: بكذا لم يصح) إذا باع معلومًا أو مجهولًا يتعذر علمه، ولا قال (...) كذا فهو ما يصح؛ لأن الثمن هنا لا يمكن أن يُقَسَّط عليهما، فيكون الثمن معلومًا مجهولًا.
باع معلومًا ومجهولًا يتعذر علمه؛ مثل: بعتك هذه الشاة وما في بطن الأخرى، باع معلومًا ومجهولًا، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: إن كان قال: بعتك هذه الشاة وما في بطن هذه بمئة درهم، فالبيع؟
طالب: غير صحيح.
الشيخ: البيع غير صحيح، السبب لأن الثمن (...) الآن على هذا المعلوم اللي هي الشاة وعلى المجهول اللي في البطن، يمكن أن نعرف قيمة اللي في البطن من قيمة الشاة، أسألكم يمكن ولَّا لا؟
طلبة: ما يمكن.
الشيخ: ما يمكن، إذن فيبقى ثمن هذا المعلوم مجهولًا، فلا يصح البيع لجهالة الثمن.
فإن قال كل منهما: بكذا، قال: بعتك هذه الشاة وما في بطن هذه؛ الشاة بثمانين، والذي في البطن بعشرين، يصح ولَّا لا؟ يصح في المعلوم بما عينه، ويبطل في المجهول.
سؤال: بعتك هذه الشاة وما في بطنها بمئة درهم ولم أبين قيمة ما في بطنها؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصلح؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا، ما أنتم فقهاء، هذا (...)؛ لأني لما قلت: بعتك هذه الشاة وما في بطنها نصصت عليه، صار معقودًا عليه، وحينئذٍ تكون بعت شاةً وحملًا، أما لو قلت: بعتك هذه الشاة وما قلت: ما في بطنها صحَّ، كما تقدم، ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، فأما لما نصصت على أن البيع واقع عليه صار البيع غير صحيح.
لو قلت: بعتك هذه الشاة وما في بطنها؛ هي بثمانين، وما في بطنها بعشرين؟
طالب: على المذهب (...).
الشيخ: على المذهب لا يصح؛ لأنه يؤدي إلى استثناء الحبل (...).
بعتك هذه الشاة وما في بطنها بمئة؛ الشاة بثمانين، واللي في بطنها بعشرين معناه صَحَّ في الشاة، ولم يصح في الحمل، وحينئذٍ يكون كأني بعتك الشاة واستثنيت حملها، وقد سبق أن المذهب إذا استثنى الحمل فالبيع باطل.
بخلاف: بعتك هذه الشاة وما في بطن الأخرى؛ هذه الشاة بثمانين، والحمل بعشرين، هذا يصح، لماذا؟ لأننا لو أبطلنا بيع الحمل ما كنا بعناه حاملًا، واستثنينا حملها؛ إذ إن الحمل في بطن غيرها ليس في بطنها، هذا هو الفرق، وهذا الفرق دقيق يغلط فيه طالب العلم، بل غلط، فيه طلاب من العلماء؛ حيث صححوا المسألة وقالوا: هذا صحيح، واعتمدوا على القاعدة: يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، ولم يعرفوا أنه هنا لم يكن تبعًا؛ لأنه خُصَّ بالبيع، يقول: بعتك هذه الشاة وما في بطنها.
طالب: (...)؟
الشيخ: يقول: (أو باع معلومًا ومجهولًا يتعذر علمه ولم يقل كل منهما: بكذا لم يصح، فإن لم يتعذر صح في المعلوم بقسطه) إن لم يتعذر أيش؟ إن لم يتعذر علم المجهول فهو يصح في المعلوم بقسطه من الثمن؛ مثل أن تقول: بعتك هذه الشاة والشاة اللي في البيت بمئتي درهم، بيعرف الشاة الموجودة أو لا؟
طالب: (...).
الشيخ: واللي في البيت؟
الطالب: ما أعرفها.
الشيخ: ما تعرفها، مجهول، لكن يتعذر علمه ولَّا لا؟
طالب: لا يتعذر.
الشيخ: اللي في البيت؟
الطالب: يتعذر.
الشيخ: يتعذر علمه (...)، ما يتعذر علمه، المسألة بسيطة، فما دام يمكن أن يعرف يصح، لكن يصح في المعلوم بقسطه دون المجهول، كيف بقسطه؟ الآن هو اشترى هذه الشاة واللي في البيت بمئتي درهم، الثمن عليهما جميعًا، كم؟
طالب: مئتا.
الشيخ: مئتا درهم، نذهب الآن إلى الشاة اللي في البيت وجدنا أنها تساوي تسعين درهمًا، تكون هذه بمئة وعشرة، وجدنا أنها تساوي اللي في البيت مئة وخمسين، تكون هذه بخمسين؛ يعني: بالقسط، تكون القيمة بالقسط، لو فرضنا أن القيمة تختلف عن الثمن اشترى هذه الشاة واللي في البيت بمئتين وخمسين، يتعذر علمها ولَّا ما يتعذر؟
طالب: (...).
الشيخ: (...) بعتك هذه الشاة وما في البيت بمئتين وخمسين بدل من مئتين قال: مئتين وخمسين.
طلبة: ما يتعذر.
الشيخ: يتعذر ولَّا ما يتعذر؟
طلبة: ما يتعذر.
الشيخ: يعني أنتم -مثلًا- مئتين فرد قالوا: ما يتعذر (...) هل يمكن هذا؟ إذن لا يتعذر، وجدنا أن الشاة اللي معنا الآن تساوي مئتين، والشاة اللي هناك تساوي ثلاث مئة، وما باع إلا بمئتين وخمسين، لكن حقيقة الأمر أن القيمة لو خرجت للسوق صارت هذه تساوي مئتين، وهذه تسوى ثلاث مئة، لكن الرجل (...) المشكلة البائع مُحَابٍ للمشتري، كيف نوزع القيمة؟
طالب: (...).
الشيخ: أنا بعتك شاةَ هذا وشاةً في البيت بمئتي وخمسين درهمًا، تمام، مفهوم، هذا يصح في أيش؟ يصح في (...) بقسطها من الثمن، ولا يصح في التي في البيت؛ لأنها مجهولة، وليس كبيع الحمل؛ لأن الحمل ما يمكن الوصول إلى العلم به حين العقد؛ لأنه في البطن، لكن هذه يمكن الوصول لها بماذا؟ ندخل إلى البيت ونشوف الشاة، ذهبنا إلى البيت ووجدنا لما أردنا أن نوزع الثمن عليهما قال: واللهِ، هذه اللي معنا الآن تساوي مئتين، لكن (...) ودى بتسوى ثلاث مئة، الجميع؟
طالب: خمس مئة.
الشيخ: خمس مئة، هذه قيمتها، لكن الرجل امتنع نعطيك إياهما بمئتين وخمسين، كيف نوزع الثمن؟
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، (...) ما نقول الآن: خذ هذه بمئتين؛ لأنها تسوى مئتين، وننزع عنك خمسين علشان دي، ما يصلح هذا، نقول الآن: هذه بمئتين وخمسين، والقيمة أنها تسوى في السوق خمس مئة، نوزعها بالقسط، المئتين بالنسبة لخمس مئة (...) والثمن مئتين وخمسين كم (...)؟ مئة، فتكون هذه الشاة عليك بمئة فقط، إي نعم.
سؤال: إذا باع معلومًا ومجهولًا يتعذر علمه فهل يصح البيع أو لا؟
طالب: (...) معلوم.
طالب آخر: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، يصح في المعلوم دون المجهول، وكلا الجوابين خطأ.
طالب: إن لم يتعذر صحَّ.
الشيخ: أنا قلت: باع معلومًا ومجهولًا يتعذر علمه.
طالب: إذا هو يتميز (...).
الشيخ: كيف (...)؟
الطالب: يعني إذا باع هذه الشاة وتحمل الثانية، هذا يصح، يصح هذه؛ لأنه منفصل، (...) هذا لا يصح.
الشيخ: إي، وهذا خطأ.
طالب: أعطينا أمثلة.
الشيخ: يتعذر علمه، هل يصح البيع؟ الجواب: فيه تفصيل.
ما هو التفصيل؟ إن قال كل منهما: بكذا صح، أو إن شئت فقل: إن عين ثمن كل منهما صح في المعلوم دون المجهول، وإلا بأن جعل الثمن واحدًا لم يصح، لماذا لم يصح؟ لأنه ما يمكن معرفة ثمن المعلوم؛ لأن المجهول لا يمكن معرفة ثمنه.
إذا باع معلومًا ومجهولًا لا يتعذر علمه هل يصح البيع في المعلوم؟
طالب: يصح.
الشيخ: إذا باع معلومًا ومجهولًا لا يتعذر علمه بثمن واحد فهل يصح؟ يصح في المعلوم بقسطه من الثمن، لماذا يصح وهو مجهول والثمن واحد؟ لأنه يمكن معرفة ثمن كلٍّ منهما بالتقسيط؛ بأن نقسط الثمن هذا على هذا، واضح إن شاء الله؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذن هذه المسألة يصح في المعلوم بقسطه من الثمن، وهي إحدى مسائل تفريق الصفقة الثلاث، عند العلماء بيع يسمى تفريق الصفقة إذا جمع بين ما يصح بيعه وما لا يصح، وصح فيما يصح، وبطل فيما يبطل، يسميه العلماء تفريق الصفقة، الصفقة؛ يعني: البيعة، تفرق، فبعضها يصح، وبعضها لا يصح.
الثاني قال: (وإن باع مشاعًا بينه وبين غيره -كعبد- أو ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء صح في نصيبه بقسطه) (إن باع مشاعًا بينه وبين غيره كعبد) (صح في نصيبه بقسطه) بيني وبينك عبدٌ؛ لي نصفه، ولك نصفه، وجاء واحد وطمَّعك وقال: (...) على العبد بمئة ألف درهم، وهو يساوي خمسين ألفًا (...) نصفه (...) بمئة ألف (...) بعت العبد نصفه لي (...) رجعت، ويش حكم البيع؟
طالب: (...) في نصيبه.
الشيخ: يصح في كل العبد؟
الطالب: لا، في نصيبه.
الشيخ: في نصيبه فقط، يصح في نصيبه بقسطه من الثمن.
نصفه مملوك لغيره، ولا يصح أن يبيع الإنسان ما لا يملك، فإن لم يصح البيع في نصيبك ولا يصح في نصيبي، من الذين يكون شريكي الآن؟ شريكي الآن (...).
طالب: (...).
الشيخ: دعنا من الشفعة، الكلام على (...)، فهمتم الآن هذه الصورة ولَّا لا؟
إذا باع الإنسان مشاعًا بينه وبين غيره صح في نصيبه فقط، التعليل لأنه يملك العقد على نصيبه ولا يملك العقد على نصيب شريكه.
(...) تفريق الصفقة؛ لأن تفريق الصفقة ثلاثة، هذا واحد منها صح في نصيبه ولم يصح في نصيب غيره، لكن (...) مشتري الآن (...) العبد كله (...)، نقول: لك الخيار؛ إن شئت فأبقِ البيع، ولك النصف، وإن شئت افسخ البيع، ويرجع نصيب البائع إلى ملكك، ما يضيع حق المشتري، ما دام قلنا: إن المشتري لما تبعَّض عليه العبد فأنت الآن بالخيار؛ إن شئت فأمضِ البيع، ولك نصفه، وإن شئت فافسخ البيع، وخذ دراهمك من الذي باع عليك، ويرجع إلى ملكه، واضح يا إخوان؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: الثاني: (أو ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء) هذا ما هو مشاع معين، لكن أجزاؤه متفاوتة؛ يمكن أن ينقسم عليه الثمن بالأجزاء، مثل أيش ينقسم عليه الثمن بالأجزاء؟ قال: ينقسم عليه الثمن بالأجزاء؛ مثل صاع برٍّ وصاع برٍّ، لك أنت صاع، ولي صاع، كل (...) من جنس واحد، لكن الصاع اللي لك متميز، والصاع اللي لي متميز، ما هو مشاع، جاء واحد وقال: (...) العيش، العيش يعني البر (...) البر، قلت: نعم، الصاعين بعشرة دراهم، بعت الآن نصيبي ونصيب شريكي، كذا شريكي ولَّا لا؟ نصيبي ونصيب غيري؛ لأنه ما هو بشريك لي، ما هو مشاع، هذا له متميز، وهذا لي متميز، فبعتهما جميعًا بعشرة دراهم، يصح البيع في الصاع الذي لي، ولا يصح في الصاع الذي له.
طالب: (...)؟
الشيخ: السبب لأنه ليس في ملكي، وكذلك لو فُرِضَ أني (...) الصاعين (...) وبعت (...)، هذا مشاع ولَّا غير مشاع؟
طلبة: مشاع.
الشيخ: لا.
طلبة: غير مشاع.
الشيخ: هذا غير مشاع؛ لأن نصيبك متميز ونصيبي متميز، لكن (...)، فهذا إذا بعته يصح في نصيبي، ولا يصح في نصيبه؛ لأنه لما كان الثمن ينقسم عليه (...) صار غير مشاع.
يقول: (وإن باع عبده) (...) صححوها خلط الصاعين جميعًا، ثم باعهما مخلوطين فهما (...)، كم صورة عندنا الآن؟
طلبة: ثلاث صور.
الشيخ: ثلاث صور، (...) صورتين.
الصورة الثالثة قال: (وإن باع عبده وعبد غيره بغير إذنه، أو عبدًا وحرًّا، أو خلًّا وخمرًا صفقة واحدة صح في عبده، وفي الخل بقسطه)، (إن باع عبده وعبد غيره) (...) عينين منفردتين، كل واحد منا له نصيب مستقل؛ بعت عبدي وعبد غيري، أو شاتي وشاة غيري، أو بيتي وبيت غيري بغير إذنه، يصح البيع في ماذا؟
طلبة: (...).
الشيخ: في نصيبي دون نصيب الثاني، ما نقول: نصيب شريكي، دون نصيب الثاني، كذاك باع عبدًا وحرًّا؛ العبد يصح (...)، والحر ما يصح.
واحد عنده عبد وله ولد كبر العبد (...) سيدي يريد عبدين يشتريهم؛ واحد للبيت، وواحد (...)، هذا الرجل باع عبدًا وحرًّا بمئة ألف يصح بيعهما؟
طلبة: (...).
الشيخ: يصح في العبد ولا يصح في الحر، كذا؟ ويقسط الثمن عليهما، فيقدر الحر عبدًا، ويعرف قسطه من الثمن (...)، فإذا كان باعهما بمئة ألف، وكان هذا الحر يساوي ثمانين ألفًا، والعبد يساوي عشرين ألفًا.
طلبة: (...).
الشيخ: يرفض الثمانين ألفًا، ويأخذ العشرين.
كذلك (باع خلًّا وخمرًا) ويش في الخل والخمر؟ كلاهما عصير، لكن الخل لا يتخمر، والخمر مسكر، فباعهما جميعًا، عنده جرتين (...) واحد أنا أحب خل عنب (...)، وباع الاثنتين واحدة في خمر واحدة في خل، لكن المشتري ما يدري باعهم عليه بعشرين درهمًا، ويش اللي يحصل؟
طالب: الخل (...).
الشيخ: في الخل دون الخمر؛ لأن الخمر ما يصح البيع فيه، والخل يصح، فيصح بقسطه، الخمر تقولون: ما له قيمة (...) يصح بقسطه؛ يُقَدَّر الخمر خلًّا، جرة الخمر كبر جرة الخل مرتين، وباعهما بثلاثين درهمًا، كم يصير عليه؟
طالب: عشرة.
الشيخ: عشرة، خمسة عشر واحد سمعته يقول: عشرين، يجيء واحد يقول: ثلاثين، وتنتهي المسألة.
طالب: (...).
الشيخ: شوف باع عليه الآن جرتين على أنهم خل، لكن واحدة خمر كبر الثانية الخل مرتين، باعهم بثلاثين درهمًا، كيف نوزع الثمن؟ أنصاف؟
طلبة: (...).
الشيخ: أنصاف ولَّا لا؟ قلنا: إننا نقدر الخمر خلًّا؛ يعني: كأنها جرة خل إذا كان (...) مرتين صار قسطها من الثمن من الثلاثين خمسة وثلاثين؟
طالب: عشرين.
الشيخ: نعم، عشرين، فعلى هذا نقول: جرة الخمر ما صح فيها بيع، ويجب إراقتها، وصح البيع في الخل بعشرة دراهم أو لا؟
ويجب على البائع أن يرد على المشتري عشرين، المشتري قال: يا جماعة، أنا اشتريت ها الجرتين؛ لأن عندي ثلاثين رجال، أبغي كل جرة لعشرة، والآن ما عندي إلا جرة واحدة من (...) ثلاثين.
طالب: نخيره.
الشيخ: نعم، نخيره؛ ولهذا قال المؤلف: (ولمشتر الخيار إن جهل الحال) إن علم الحال، عارف أن هذه جرة خمر، لكن (...) -والعياذ بالله- على شرب الخمر، ثم ندم وقال: ما بشاربه، فيه خيار ولَّا ما فيه خيار؟
طالب: ما له خيار.
الشيخ: ما له خيار، إذن ما له خيار، لكن البائع يأخذ كل الثمن ولا أيش لون؟ البائع يأخذ الثمن ما يحل، والباقي يرده عليه، هذا هو المذهب؛ لأن الخمر لا قيمة له.
ولكن القول الراجح في هذه المسألة أننا ما نرد الثمن على المشتري ولا نبقيه عند البائع، نأخذه من البائع ونجعله في بيت المال
، لماذا؟ لأن المشترى كان قد أقدم على الحرام يعلم أنه خمر، كيف يعلم أنه خمر وراح يشارك الخمر غيره؟! كيف نقول: أنت تشرب الخمر، ونرد عليك بعد قيمته؟! هذا ما ينفع، أما إذا كان جاهلًا فكما قال المؤلف: للمشتري الخيار، ويرد إليه كل الثمن فيما لا يصح بيعه.
طالب: (...).
الشيخ: هذه ثلاث مسائل الآن (...) مسائل الصفقة الثلاث:
الأولى: إذا باع معلومًا ومجهولًا لا يتعذر علمه.
الثانية: إذا باع مشاعًا بينه وبين غيره.
والثالث: إذا باع شيئين؛ أحدهما يصح البيع فيه، والآخر لا يصح.
هذه مسائل تفريق الصفقة، والمذهب فيها كلها أن البيع يصح فيما يصح، ويبطل فيما يبطل، وللمشتري الخيار.
والقول الثاني في المسألة: أن البيع لا يصح في الجميع، كيف لا يصح في الجميع؟ نقول: لأن الصفقة واحدة، ولا يمكن أن تتفرق.
ولكن الصحيح المذهب في هذه المسألة؛ وهو أنه يصح فيما يصح ولا يصح في الآخر، ولكن للمشتري الخيار (...)
.

***

في موانع البيع اعلم أن الأشياء لا تتم إلا بوجود شروطها وانتفاء موانعها، ففي الباب الأول ذكر المؤلف شروط البيع، وفي هذا الفصل ذكر موانع البيع؛ لأن الشيء لا يتم إلا بوجود شروطه وانتفاء موانعه، وهذا عام في كل شيء.
فمثلًا من أسباب الإرث القرابة، قد يكون الإنسان قريبًا للشخص ولا يرث منه؛ لوجود مانع، قد يكون الأب رقيقًا فلا يرث ابنه وإن كان السبب موجودًا، لكن قد وُجِدَ مانع يمنع منه.
وهذه القاعدة تنفعك في كثير من الأمور الحكمية والخبرية: أن الشيء لا يتم إلا بوجود شروطه وأسبابه وانتفاء موانعه، وتزيل عنك إشكالات كثيرة.
فمثلًا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرُ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا» ، مع أنه قد يلازم الإنسان هذا القول عند إتيان أهله، ثم يضر الشيطان ولده، فما هو الجواب عن كلام النبي عليه الصلاة والسلام وهو لا ينطق عن الهوى؟
الجواب: أنه قد تواجد موانع تمنع من تأثير هذا السبب؛ كالبيئة مثلًا.
وكذلك قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: ٩٣] مع أن مذهب أهل السنة والجماعة أن فاعل الكبيرة لا يخلد في النار، والقاتل فاعل كبيرة يَكْفُر ولَّا لا يَكْفُر؟ لا يكفر؛ لقوله تعالى في آية القصاص: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ [البقرة: ١٧٨]، فكيف نقول بأنه يكون جزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًامع أنه مؤمن، والمؤمن لا يُخَلَّد؟
الجواب أن نقول: هذا التخليد يمنع منه مانع وهو الإيمان، فإن قلت: إذن لا فائدة منه ما دمت تقول: إن هذا الوعيد يمكن يمنع، فما الفائدة منه؟ أيش تقولون؟
طالب: الزجر عنه.
الشيخ: الفائدة الزجر، وأنه ربما يكون هذا القتل العمد سببًا للكفر، فيكفر ويكون مخلدًا تخليدًا مؤبدًا؛ ولهذا جاء في الحديث: «لَا يَزَالُ الْإِنْسَانُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» ، فكأن هذا ربما -والعياذ بالله- يزيغ قلبه زيغًا كاملًا حتى يستحق الخلود المؤبد.
والحاصل أن هذه القاعدة تنفعك في باب الأحكام، وفي باب الأخبار؛ وهو أن الشيء لا يتم إلا بوجود شروطه وأسبابه وانتفاء موانعه.
يقول: (لا يصح البيع ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني) (لا يصح البيع) نقول: ولا الشراء، ولَّا ما حاجة نقول: ولا يصح الشراء؟
طالب: ولا الشراء.
الشيخ: نقول: إن البيع هنا؛ إما أن يقال: إنه لا بيع إلا بالشراء، فتكون دلالة البيع على الشراء من باب اللزوم، إي نعم، أو نقول: إن البيع هنا من باب التغليب، وإنما اختار المؤلف (لا يصح البيع) لموافقة الآية الكريمة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: ٩]، وإلا فإن الشراء أيضًا حرام، لو أوجب البيع قبل الأذان وصار القبول بعد الأذان صار البيع الآن قبل الأذان، فلا يكون في الوقت المحرم، لكن الشراء بعد الأذان، ولكنه محرم أيضًا؛ لأنه ما يتم البيع، ولا يصدق أنه بيع حتى يتم الشراء؛ لأن البيع إيجاب وقبول.
المهم أن البيع والشراء لا يصح ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني.
لو أن امرأة باعت على رجل تلزمه الجمعة بعد النداء الثاني ما تقولون؟
طلبة: (...).
الشيخ: فإنه لا يصح البيع؛ لأن شراء المشتري حرام، فيكون بيع البائع حرامًا أيضًا؛ للتلازم.
وقوله: (ممن تلزمه الجمعة) يشمل من تلزمه بنفسه ومن تلزمه بغيره، هذا يحتاج إلى شرح، وأظن تم شرحه في باب صلاة الجمعة، الذي تلزمه بنفسه هو: من اجتمعت فيه شروط الوجوب، وأما من تلزمه بغيره فهو: من لم تجتمع فيه شروط الوجوب، إلا إذا أقيمت الجمعة وجب عليه.
من ذلك المسافر الذي يلزمه الإتمام؛ وهو على المذهب: من نوى إقامة أكثر من أربعة أيام، فهذا رجل مسافر قد حلَّ في هذا البلد ويريد أن يبقى أكثر من أربعة أيام، هل تلزمه الجمعة بنفسه؟ لا، تلزمه بغيره؛ يعني: إن أقيمت الجمعة لزمه أن يصلي الجمعة، وإن لم تقم لم تلزمه الجمعة، ما تصورتموها؟ المذهب يرون أن الجمعة لا تنعقد إلا بأربعين، فإذا وجد في البلد تسعة وثلاثون مستوطنون وهذا الرجل المسافر الذي نوى إقامة أكثر من أربعة أيام، تلزمه الجمعة؟ ما تلزمه الجمعة؛ لأنه إلى الآن ما وجبت؛ لنقص النصاب، لكن لو كانوا أربعين وهذا المسافر الآن موجود، قلنا: تجب عليك الجمعة بغيرك.
ويترتب على ذلك أن هذا الرجل المقيم لو أراد أن يصلي بالناس، قلنا: ما يجوز تصلي بهم، لا يصح أن تصلي بهم؛ لأنك لست من أهل الوجوب بنفسك، إنما تجب عليك الجمعة بغيرك.
المهم أن قوله: (ممن تلزمه الجمعة) يشمل من تلزمه بنفسه ومن تلزمه بغيره، وخرج بقوله: (ممن تلزمه الجمعة) من لا تلزمه، فيجوز له البيع والشراء؟ نعم، فمثلًا النساء يجوز لهن البيع والشراء بعد نداء الجمعة، لماذا؟ لأنها غير مخاطبة بقوله: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة: ٩]؛ حيث إن الجمعة لا تجب عليها، بل الصغار، فيه أولاد صغار -مثلًا- تبايعوا شيئًا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، ويصح، نعم، يجوز ويصح؛ لأن الجمعة لا تلزمهم.
قال: (بعد ندائها الثاني) لأن الجمعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ليس لها إلا نداء واحد وهو النداء الثاني الذي يكون عند حضور الإمام، فحملت الآية عليه؛ لأن الآية نزلت في وقت لا يوجد فيه إلا أذان واحد؛ وهو الثاني، فلذلك نقول: إن الحكم معلَّق به، لا بالأذان الأول الذي سنَّه الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه.
إذن التبايع بعد النداء الأول جائز، وبعد النداء الثاني لا يجوز، وشمل قوله: (لا يصح البيع بعد النداء الثاني) شمل بيع رجلين أقبلا إلى المسجد بعد الأذان فتبايعا وهما يمشيان إلى المسجد، يصح ولَّا لا؟ لا يصح، ما دام وقع بعد النداء حتى في طريقهما إلى المسجد لا يجوز، وحتى قبل بدء الخطبة؟ نعم؛ لأن الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: ٩] يعني: اتركوه.
فإن قلت: لماذا لا تقولون: إن البيع حرام وصحيح، كما قلتم: إن الرجل إذا تلقى الجلب واشترى منه فإن هذا حرام، والبيع صحيح؟
فالجواب أن الفرق بينهما ظاهر؛ أولًا: لأن حديث التلقي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ» ، وثبوت الخيار فرع عن صحة العقد، فيكون في الحديث دليل على أن العقد صحيح.
والفرق الثاني أن النهي عن التلقي ليس نهيًا عن العقد لذاته، ولكن نهي عن العقد لحق الغير؛ حيث إنه ربما يكون في ذلك خديعة للقادم، فيشتريه المتلقي بأقل؛ ولهذا جعل الحق له في إمضاء البيع أو فسخه، أما مسألتنا التي نحن نتكلم عليها الآن فالنهي عن البيع بعينه، وما نُهِيَ عنه بعينه فإنه لا يمكن أن نقول: إنه صحيح؛ سواء في العبادات، أو في المعاملات؛ لأن تصحيحنا لما جاء فيه النهي بعينه إمضاء لهذا الشيء الذي نهى الشارع عنه، والذي نهى الشارع عنه ماذا يريد منا؟ أن نتركه، وأن نتجنبه، فإذا حكمنا بصحته فهذا من باب المضادة لأمر الله سبحانه وتعالى.
وعلى هذا فنقول: إن البيع بعد نداء الجمعة الثاني حرام، وباطل أيضًا لا يصح، إذا قلنا: إنه لا يصح، فهل يترتب أثر العقد عليه أو لا؟ لا يترتب؛ ولهذا لا يجوز للمشتري أن يتصرف في المبيع؛ لأنه لم يملكه، ولا للبائع أن يتصرف في الثمن المعين؛ لأنه لم يملكه، وهذه مسألة خطيرة؛ لأن بعض الناس ربما يتبايعون بعد نداء الجمعة الثاني، ثم يأخذونه على أنه ملك لهم، وهذا لا يجوز.
طالب: إذا خاف أن تذهب السلعة ويذهب البائع (...) معلق بالشرط ويقول: بعتك هذا بعد (...)؟
الشيخ: نقول: اصبر.
الطالب: (...).
الشيخ: خليه يذهب؛ لأنه ما يمكن (...) شرط ما يمكن (...).
الطالب: يعني التلفظ هذا (...)؟
الشيخ: أبدًا، ما يجوز، كل شيء فيه عقد فهو ما يجوز.
الطالب: علَّقه بعد المجلس؟
الشيخ: ما علقه؛ لأنه إذا علَّقه؛ فإما أن تقول بصحة هذا التعليق، فهذا حكم بصحته، وإما أن تقول بفساده فلا فائدة منه.
طالب: (...).
الشيخ: نشوف الآن، الآن نقول أيضًا: ظاهر كلام المؤلف أن هذا الحكم شامل حتى فيما يتعلق بنفس صلاة الجمعة؛ مثل: لو أن إنسانًا اشترى ماء للوضوء بعد نداء الجمعة الثاني، فهل يصح ولَّا ما يصح؟
نقول: ظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح؛ لأنه لم يستثن، ولاحظوا أن العلماء لا بد أن نأخذ بظاهر كلامهم، ثم نبين متى الصحيح في هذا، فظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح، فهل هذا مراد، ويكون قولًا مقصودًا للمؤلف؟ أو أن المؤلف حذف الاستثناء اختصارًا؟
مثل هذه إذا مرت عليكم انظروا؛ إذا كانت المسألة إجماعية من أهل العلم فإن المؤلف حذفه اختصارًا لا شك؛ لأنه ما يخرج عن الإجماع، وإذا كانت المسألة خلافية فمعنى ذلك أن المؤلف يختار القول الثاني اللي ما فيه استثناء، لكن الواقع أنه يستثنى من ذلك ما يتعلق بالصلاة، فإذا لم يكن على وضوء ووجد مع إنسان ماء يبيعه، والإنسان هذا ليس مكلفًا؛ لأنه لو كان مكلفًا لكانت الجمعة تلزمه، فلا يصح بيعه، لكنه غير مكلف، أو هذا الإنسان ممن لا تجب عليه الجمعة فإنه يجوز لهذا أن يشتري الماء ليتوضأ به؛ لأن ذلك مما يتعلق بهذه الصلاة.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا (...) مثل الذي يتوقف عليه صحة الصلاة.
طالب: ما يجوز أن يبيع الطيب والسواك؟
الشيخ: لا، ما يجوز أن يشتري الطيب والسواك؛ لأن هذا داخل في العموم، ولا يمكن أن نستبيح محرمًا لفعل السنة.
طالب: الآية عامة؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: وَذَرُوا الْبَيْعَعامة.
الشيخ: إي نعم، الآية عامة لكننا نقول: ما هي الحكمة في النهي عن البيع؟ من أجل المحافظة على الصلاة؛ ولهذا قال: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: ٩]، من المحافظة عليها أن نأتي بواجباتها، وهذا قادر على أن يأخذ الماء ويتوضأ ويأتي.
طالب: (...)؟
الشيخ: ما يصح البيع.
الطالب: (...)؟
الشيخ: يتيمم على القول بأنه يجوز التيمم، كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، أو ينتظر حتى تنتهي الصلاة ويأخذ الماء، أو يذهب إلى محل آخر يمكنه أن يشتري منه، أو أن يتوضأ به.
المهم أنه على رأي شيخ الإسلام رحمه الله أنه يجوز للإنسان أن يتيمم إذا خاف فوت الصلاة وإن كان في محل فيه ماء، وعلى المشهور من المذهب أنه لا يجوز أن يتيمم، فيذهب يطلب الماء من محل مباح.
لو وهبه له، الهبة تجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ ولهذا يقول المؤلف: (ويصح النكاح وسائر العقود) يعني: يصح عقد النكاح بعد نداء الجمعة الثاني (...) في البيع، لكنه خص البيع؛ لأنه غالب العقود، وإلا فإن المقصود السعي إلى ذكر الله؛ ولهذا قدَّمه قبل أن يقول: وَذَرُوا الْبَيْعَقال: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: ٩]، فالذي يظهر أنه لا يجوز أي عقد؛ لا النكاح، ولا الإجارة، ولا الرهن، اللهم إلا شيئًا لا يتعلق بالغير؛ كما لو قال الإنسان بعد نداء الجمعة الثاني: وقفت بيتي -مثلًا- وهذا ليس عقدًا مع أحد.
والصواب أن كل شيء يلهي عن الصلاة فإنه كالبيع، ويكون التنصيص على البيع في الآية؛ لأنه الغالب
؛ لأنه لا فرق بين أن تشتري من هذا الرجل شيئًا وبين أن تؤجره بيتك أو سيارتك، أو ترهنه البيت، أو تتفق معه على مساقاة أو على مزارعة، كل هذه توافق البيع في أنه يلهي عن هذا الذكر الذي أمر الله تعالى بالسعي إليه، لكن المؤلف رحمه الله في هذه المسألة أخذ بمذهب أهل الظاهر؛ وهو الاقتصار على لفظ النص فقط وَذَرُوا الْبَيْعَ.
فإن قلت: أليست الإجارة بيعًا؟
نقول: بلى، هي بيع، لكنها بيع للمنافع؛ ولذلك ذهب بعض الفقهاء رحمهم الله حتى على المذهب أن عقد الإجارة حرام ولا يصح؛ لأن الإجارة بيع، لكنها بيع للمنافع؛ ولهذا جعلوا الخيار -خيار المجلس- جعلوه ثابتًا في الإجارة؛ لأنها نوع من البيع.
ثم قال المؤلف: (ولا يصح بيع عصير ممن يتخذه خمرًا) فهمنا حكم المسألة الأولى الآن فهمًا تامًّا، وفهمنا أيضًا دليليها، فالبيع بعد نداء الجمعة الثاني ممن تلزمه الجمعة حرام ولا يصح.
ودليله قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة: ٩]، والصحيح أن ذلك شامل لكل ما يكون به الإلهاء عن الحضور؛ من بيع وإجارة ومساقاة ورهن وغير ذلك
.
طالب: شيخ، بيع خلال وهو يؤذن تم العقد بعت؟
الشيخ: ظاهر الآية الكريمة أنه بمجرد سماع النداء أنه لا يحل لك أن تفعل؛ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما يصح؛ لأن أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة: ٢٧٥]، هذا عام، والنهي عن البيع بعد نداء الجمعة الثاني خاص، وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَيشمل كل الأوقات وكل الأماكن، وأما هذا فهو خاص، ومن المعلوم أن القاعدة عند أهل العلم أن الخاص يقضي على العام.
طالب: (...).
الشيخ: وأذن أول الجوامع، هل يتعلق الحكم به أم لا؟
طالب: (...).
الشيخ: في الجماعة التي يريدها؟
الطالب: (...).
الشيخ: هذا هو الأقرب، يقال: إذا كنت تريد أن تصلي في المسجد الثاني فإنه لا يتعلق الحكم بأذان المسجد الذي لا تريد أن تصلي فيه؛ لأنك الآن حتى وأنت في البيت (...) في هذا المسجد حتى بدون عقد، فيكون الحكم متعلقًا بالمسجد الذي تريد أن تصلي فيه.
قال: (ولا يصح بيع عصير ممن يتخذه خمرًا) (بيع عصير ممن) (مِنْ) هنا بمعنى (على) يعني: لا يصح بيع العصير على من يتخذه خمرًا، عصير أيش؟ عصير عنب، لا يصح أن تبيعه على شخص يتخذه خمرًا.
الدليل قول الله تعالى: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: ٢]، وهذا بلا شك تعاون على الإثم والعدوان، فعليه يكون البيع فاسدًا؛ لدخوله في النهي.
قال: (ولا يصح بيع سلاح في فتنة) فتنة بين من؟
طلبة: المسلمين.
الشيخ: بين المسلمين، لا يجوز أن تبيع السلاح على إحدى الطائفتين في الفتنة، ولا عليهما جميعًا.
الدليل على ذلك قوله تعالى: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِوهذا بلا شك إعانة على الإثم والعدوان، فيكون محرمًا، وإذا كان محرمًا صار باطلًا.
يقول: لو أن أحدًا باع البيض لمن يقامر فيه، يجوز؟
طالب: لا.
الشيخ: ما يجوز؛ لأنه تعاون على الإثم والعدوان، كيف يقامرون في البيض؟
طالب: (...).
الشيخ: له صور؟
طالب: (...).
الشيخ: في (...) يقامرون فيه على (...) يعطيه بيضة ويخليها على عرضها أو على طولها ويقول: إن كسرتها فلك كذا، وإن لم تكسرها فعليك كذا، فيقامر فيها، فهذا نقول: البيع حرام ولا يجوز.
إذن نأخذ من هذا -يا إخوان- قاعدة عامة: كل بيع يتضمن الإعانة على الإثم والعدوان فهو حرام ولا يصح.
إذا جاء إنسان يطلب منك أن تبيع عليه بيته ليتخذه للربا يحرم؟
طالب: نعم.
الشيخ: يحرم، أو ليتخذه مسرحًا للتمثيلات الخليعة وما أشبه ذلك فإنه حرام عليك أن تبيع عليه.
فالقاعدة إذن: هي كل بيع يتضمن الإعانة على الإثم والعدوان فهو بيع محرم باطل.
طالب: (...)؟
الشيخ: إذا كان لا يعلم فهو صحيح؛ لأن هذا لا يصح في وسعه وطاقته، وقد قال الله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦].
هل يشترط العلم أن أعلم أنه يريد به المحرَّم أو يكفي غلبة الظن؟
يقول العلماء: إنه يكفي غلبة الظن، فإذا علمت أو غلب على ظنك أنه إنما يريد به المحرَّم صار حرامًا.
قال: (ولا عبد مسلم لكافر إذا لم يعتق عليه) يعني: لا يصح أن يبيع عبدًا مسلمًا للكافر، إلا إذا كان يعتق عليه بالشراء؛ سواء كان يعتق عليه بسبب من عنده أو بسبب شرعي، انتبهوا، لماذا؟ لأن بيع العبد المسلم على الكافر إذلال له، وقد سبق أن العبد إذا أسلم تحت يد كافر فإنه يجبر على إزالة ملكه، فإذا كان مجبرًا على إزالة ما كان في ملكه فكيف يصح أن نملكه من جديد؟ هذا لا يجوز.
فالعبد المسلم لا يصح أن يُبَاع لكافر؛ لما في ذلك من إذلال المسلم، لكن استثنى المؤلف قال: (إذا لم يعتق عليه) فإن كان يعتق عليه بسبب شرعي أو بسبب من عنده -أي: من عند المشتري- فإنه يجوز، كيف يجوز؟ لأن في ذلك مصلحة للعبد، والعبد لن يكون ملكًا لهذا الكافر إلا لحظة واحدة فقط.
مثال الذي يعتق عليه بسبب شرعي إذا كان هذا العبد ابنًا لهذا الكافر أو كان أبًا له، فإن الإنسان إذا اشترى قريبًا بينه وبينه رحم فإن هذا القريب يعتق؛ يعني: لو اشترى أباه أو أخاه أو عمه أو ابنه أو كل ذي رحم محرم منه فإنه يعتق عليه بمجرد الشراء.
ومثال الذي يعتق عليه بسبب من المشتري أن يقول هذا الكافر: إذا اشتريت هذا العبد فهو حرٌّ، فهنا إذا بعته عليه يكون حرًّا ولَّا لا؟ يكون حرًّا بمجرد الشراء، فوجه استثناء هذه المسألة أن في ذلك مصلحة للعبد، لا إذلال له؛ فلهذا جاز البيع.
قال: (وإن أسلم في يده أُجْبِرَ على إزالة ملكه، ولا تكفي مكاتبته) أي: مكاتبة العبد إذا أسلم عند الكافر ما تكفي مكاتبته، (لا تكفي مكاتبته) يعني: أنه لا تكفي مكاتبة الكافر لعبده إذا أسلم في يده.
وما معنى المكاتبة؟ المكاتبة: أن يشتري العبد نفسه من سيده، هذه المكاتبة، وهي جائزة، دلَّ عليها القرآن في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ [النور: ٣٣]، وسميت كتابة؛ لأن الغالب أن العقد يكتب بين السيد وبين العبد، فسميت مكاتبة.
(لا تكفي مكاتبته) لماذا؟ لأنها ليست بإخراج عن ملكه، فإذا قال هذا الرجل الذي عنده عبد أسلم وهو كافر سيده، قلنا له: أزل ملكه، هبه لأحد، بعه على أحد، أعتقه، قال: لا، لكني أكاتبه هل يكفي ذلك؟ ما يكفي، لماذ؟ لأنكم تعلمون أن الكتابة: أن يشتري العبد نفسه من سيده بثمن مؤجل، في هذه المدة ما بين عقد الكاتبة إلى أن يؤدي هو عبد ولَّا غير عبد؟
طلبة: عبد.
الشيخ: عبد، إذن ما أزال ملكه.
وأيضًا ربما هذا العبد الذي اشترى نفسه من سيده بالثمن ربما يعجز في المستقبل، وإذا عجز عاد قنًّا: فحينئذٍ لا تكفي المكاتبة؛ لأنها ليست بإخراج عن ملكه، هذا واحد، ولأن العبد قد يعجز فيعود قنًّا فلا يزول المحذور.
طالب: (...).
الشيخ: قد يبيع ويشتري حتى يحصل الدراهم.
قال: (وإن جمع بين بيع وكتابة أو بيع وصرف صح في غير الكتابة) كيف جمع بين بيع وكتابة أو بيع وصرف؟ هذا إذا جمع الإنسان بين بيع وصرف؛ بأن باع بيته على فلان ومعه جنيهات دنانير، فقال: بعتك هذا البيت وهذه الدنانير بألف درهم، جمع الآن بين بيع وصرف، ولاحظوا أن الصرف نوع من البيع، لكنه بيع نقد بنقد، وسمي صرفًا قالوا: لأن الدراهم والدنانير يُسْمَع لها صريفٌ عند وضعها في الميزان أو عدِّها، فالصرف نوع من البيع، لكنه له أحكام خاصة، كما سيأتي -إن شاء الله- في باب الربا والصرف، إنما البيع إذا جمع بين بيع وصرف صورته أن يقول: بعتك بيتي وهذه الدنانير بألف درهم، جمع الآن بين بيع وصرف، يصح، ما فيه مانع البيع، والكتابة بأن يقول السيد لعبده: بعتك هذا البيت وكاتبتك بألف درهم، هل يصح البيع؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لا، ما يصح، الكتابة فقط، لكن البيع ما يصح، لماذا لا يصح البيع؟ لأن العبد إلى الآن رقيق، فلا يصح.
لو أن العبد بعد أن كاتبه سيده اشترى من سيده بيتًا يصح، لكنه في مسألة الجمع لم يملك العبد كسبه، ما ملك كسبه إلى الآن؛ فلهذا تصح الكتابة، ولكن لا يصح البيع؛ لأن العبد إلى الآن لم يملك كسبه، فقد اجتمع الشيء وشرطه، ويشترط للشرط أن يتقدم على المشروط، هذا وجه المسألة في المذهب.
وقال بعض أصحابنا -بعض الفقهاء- قالوا: إنه يصح الجمع بين البيع والكتابة، ولا مانع من أن يجتمع الشرط مع المشروط؛ لأن المحذور أن يتأخر الشرط عن المشروط، أما إذا اقترن به فلا حرج.
فالآن -يا إخواني- يشترط لصحة البيع أن يكون المشتري ممن يصح تملكه، هذا العبد عند سيده، إذا باع السيد عليه بيته قبل أن يعتقه فالبيع غير صحيح، إذا باع بيته عليه بعد أن يعتقه فالبيع صحيح، إذا باع عليه بيته مع مكاتبته ففيه خلاف، المذهب لا يصح؛ لأنه ما تقدم الشرط.
والقول الثاني أنه يصح؛ لأن الشرط والمشروط اجتمعا في وقت واحد، فصح ذلك.
والأقرب عندي أنه يصح، ولا مانع، الأقرب القول الثاني؛ وهو الصحة
.
واعلم أن قول المؤلف: (صح في غير الكتابة) فيه إيهام عظيم، أيش الإيهام؟ أنه يقول: إذا صح في غير الكتابة أن معناه أن الكتابة لا تصح، والبيع يصح، هذا هو المتبادر من العبارة، ولكن المعنى: صح البيع في غير ما إذا جمع مع الكتابة، هذا معنى العبارة؛ فإنه إذا جمع مع الكتابة لا يصح.
لو جمع بين بيع وإجارة؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يصح.
قال: بعت عليك هذا البيت، وآجرتك هذه السيارة بعشرة آلاف ريال، ما تقولون؟ يصح؛ لكن يقول المؤلف رحمه الله: (ويقسط العوض عليهما) يعني: يوزع بالقسط، هذا معنى التقسيط؛ يوزع بالقسط، ففي الكتابة -مثلًا- باع عليه البيت وكاتبه بعشرة آلاف ريال، وقلنا: إن البيع لا يصح، والكتابة تصح، إذن كم تكون قيمة الكتابة؟ يقسط، فيقال -مثلًا-: هذا العبد يسوى خمسة آلاف ريال، وهذا البيت يسوى خمسة آلاف ريال، في كم تكون الكتابة الآن؟ بخمسة آلاف، ويقال: هذا البيت يساوي ألفين، والعبد يساوي ثمانية آلاف، تكون الكتابة بثمانية آلاف. المهم يقسط العوض في مسألة الصرف.
إذا جمع بين بيع وصرف هل يقسط العوض ولَّا لا؟ نقول: إن احتيج إلى ذلك قسط، وإن لم يحتج فإنه لا يقسط.
كيف يحتاج إلى ذلك؟ إذا قلت: بعت عليك هذا البيت وهذه الدنانير بعشرة آلاف ريال، وسلمتني أياها في مكان العقد، يصح البيع والصرف ولَّا ما يصح؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: شوف المثال قلت لك: بعت عليك هذه الدنانير وهذا البيت بعشرة آلاف درهم، وسلمتها لك في مجلس العقد، يصح ولَّا ما يصح؟ يصح؛ لأن ما في شيء يقتضي الكتابة.
فإذا قلت: بعت عليك هذ البيت وعشرة دنانير بعشرة آلاف ريال، وسلمتني العشرة آلاف ريال، لكن ما سلمتك الدنانير، ويش اللي يصح؟ يصح بيع البيت، ولا يصح الصرف، أو لا؟
لماذا لا يصح الصرف؟ لأنه لا بد من التقابض في مجلس العقد، ولم يحصل، حينئذٍ نحتاج إلى التقسيط ولَّا لا؟ نحتاج إلى التقسيط بحيث نعرف كم تساوي الدنانير بالنسبة لعشرة آلاف ريال، وكم يساوي البيت بالنسبة لعشرة آلاف، قالوا: إن البيت يساوي ثمانية آلاف ريال، والدنانير تساوي ألفي ريال، يصح البيع بكم؟ بيع البيت بثمانية آلاف ريال، ولا يصح بيع الدنانير؛ لأنه لم يستلم العوض في مجلس العقد.
(ويَحْرُم بيعُه على بيع أخيه) (يَحْرُم بيعُه) أي: بيع الإنسان، (على بيع أخيه) الشقيق؟
طلبة: لا.
الشيخ: أخيه المؤمن، إي نعم، أخيه المسلم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمُ» ، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ» ، فعلى هذا المراد بالأخ هنا مَنْ؟ أخوه في الإسلام، في الدين، فإن كان أخاه الشقيق وهو مثله مُسْلِم من باب أولى.
(يحرم بيعه على بيع أخيه) وفُهِمَ من قول المؤلف: (على بيع أخيه) أنه لو باع على بيع غير مسلم فهو جائز، وقد قال به بعض أهل العلم، وقالوا: إنه لا حرمة للكافر بالنسبة للمسلم، وقالوا أيضًا: إن الحديث «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ»، وهذا ليس بأخ.
وذهب بعض أهل العلم إلى تحريم البيع على بيع الكافر الذي له حرمة، وهو الذمي، وقال: إن تحديد الحديث بالأخوة بناء على؟
طالب: الغالب.
الشيخ: الأغلب الكثير، وليس من السهل أن يظهر لغير المسلم أن المسلم يجترئ على العدوان على حقهم، فهنا الحق ليس من أجل الدين، لكن الحق من أجل العدوان على الغير، وهذا حرام في كل إنسان له حرمة.
وهذا أقرب إلى العدل؛ أنك لا تبيع على بيع أحد؛ سواء كان مسلمًا، أو كان ذميًّا؛ لأن الذمي له حرمة، وله حق
.
ولكن كيف البيع؟ قال: (بأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة) تصور رجل اشترى سلعة بعشرة وجاء بها إليك، قال: ما شاء الله، الحمد لله، شايف هذه السلعة بعشرة ريال رخيصة، قلت: لا، أنا أعطيك مثلها بتسعة، أيش يصير هذا؟ هل هذا بيع على بيعه ولَّا شراء على شرائه؟ بيع على بيع؛ لأن أنا الآن ببيع على بيع الرجل الذي باع عليه، هذا حرام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» ، قال: إني اشتريتها بعشرة، فقلت: عندي لك أحسن منها بعشرة، ما قلت: بتسعة يجوز؟
طلبة: (...).
الشيخ: إي، ما يجوز؛ لأني قلت: أحسن، فكما أنه سيرغب في الشراء مني لقلة الثمن سيرغب في الشراء مني لحسن المبيع والبضاعة.
إذن يكون لها صورتان، الصورة اللي ذكرها المؤلف والصورة التي ذكرناها، الصورة اللي ذكرها المؤلف بأن يقول: عندي مثلها بأقل، والصورة اللي ذكرنا: عندي أحسن منها بهذا الثمن، إذن لا يجوز.
طالب: (...).
الشيخ: هو قد اشترى (...).
الطالب: نعم.
الشيخ: ما يجوز (...).
طالب: (...).
الشيخ: إي، يعني قصدك المحاباة؟ هذه إذا علمنا بذلك أنني لو أخبرته بأن عندي مثلها بثمنها أنه سيحابيني ويرجع، هذا ما يجوز.
طالب: (...)؟
الشيخ: ما فيه شيء، إذن ما تم العقد مع ذاك، هذا تم العقد معه؛ ولهذا قال: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» ، تم العقد.
الطالب: (...).
الشيخ: (...).
(شراؤه على شرائه)، ويش معنى (شراؤه على شرائه)؟ يعني: يَحْرُم أن يشتري الإنسان على شراء أخيه؛ مثل أن (يقول لمن باع سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة) عكس الأولى؛ جاء رجل إليَّ وقال: أما علمت أنني بعت بيتي بمئة ألف، هذا رخيص، أنا أعطيك مئة وعشرين، ويش يكون هذا؟ هذا شراء على شرائي؛ لأني الآن أبغي أشتري منك هذا اللي بعت، فيكون حرامًا، ما هو الدليل؟
الدليل الحديث الذي أشرنا إليه: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» إن كان لفظ (البيع) شاملًا للشراء فقد دلَّ الحديث عليه بالنص، وإن لم يكن شاملًا له فالحديث دالٌّ عليه بالقياس؛ لأنه لا فرق.
فهمنا الدليل، فما هو التعليل؟ التعليل أنه عدوان على حق أخيك فلا يحل؛ لأن العدوان على الإخوة، بل على من له الحرمة محرَّمٌ.
طالب: (...).
الشيخ: (ليفسخ ويعقد معه) إذن المسألة إنما تكون فيما إذا تمكن من الفسخ، أما إذا لزم البيع فلا حرج عليك أن تبيع على بيعه، لكن ما دام البيع لم يتم فإنه يَحْرُم أن تبيع على بيعه، كيف لم يتم؟ يعني: ما فيه أحد بيتكلم مع شخص في مجلس العقد وبيقوله: أنا أعطيك مثلها بتسعة.
فالجواب: يمكن أن يقع ذلك في مجلس العقد ولَّا ما يمكن؟ (...) يعني: تسعة، ما يمكن هذا؟ يمكن.
صورة أخرى: يكون بين المتبايعين خيار شرط، وخيار الشرط أنه إذا اشترى يقول: لي الخيار يومين -مثلًا- ما يمكن هذا ولَّا لا؟ يمكن، لكن إذا لم يكن فيه خيار؛ لا شرط، ولا مجلس، وقد لزم البيع، فعلى كلام المؤلف يجوز؛ وذلك لأنه قال: (ليفسخ ويعقد معه)، فأفادنا بقوله: (ليفسخ) أن البيع والشراء إنما يكون حرامًا فيما إذا كان في زمن أيش؟ زمن الخيار، أما بعد لزوم البيع فلا حرج.
طالب: (...).
الشيخ: يعني بعد لزومه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: خلينا نفهم كلام المؤلف الآن، أفادنا المؤلف بقوله: (ليفسخ ويعقد) أنه بما إذا كان في زمن الخيارين؛ خيار الشرط، أو خيار المجلس، من أين أخذنا أن هذا مراد المؤلف؟ من قوله: (ليفسخ)؛ لأنه بعد لزوم البيع ما يمكن يفسخ إلا بسبب؛ كالعيب، وما أشبه ذلك، وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هو المذهب.
وقال بعض العلماء: إنه يحرم حتى بعد لزوم البيع، يحرم البيع على بيعه والشراء على شرائه حتى بعد لزوم البيع وانقضاء الخيار.
مثاله: رجل اشترى بيتًا من شخص بمئة ألف وسلَّمه الدراهم وانتهى، فجاء هذا الرجل إلى شخص ثالث وقال: إني اشتريت البيت بمئة ألف، قال: أنا أعطيك أحسن منه بمئة ألف، أو مثله بثمانين ألفًا، الآن على كلام المؤلف يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز على كلام المؤلف؛ لأن البيع انتهى ولزم، والمشترى -مثلًا- ما يمكن يفسخ البيع.
لكن القول الثاني في هذه المسألة أنه يحرم أن تبيع على بيعه أو تشتري على شرائه.
كيف يحرم وهو ما يمكن يفسخ العقد؟ قال: نعم، يحرم؛ لأن ذلك يدخل عليه الندم ولَّا لا؟ يتندم، يقول: كيف أروح أشتري؟ هذه واحدة.
ثانيًا: يجعل في قلبه حقدًا على الذي غلبه، أو لا؟ يقول: هذا الرجل (...) عليَّ باع عليَّ بمئة، وهو ما يساوي إلا ثمانين؛ غلبني.
ثالثا: ربما يتحيل هذا الذي اشتراه، يتحيل ويدعي أنه (...) عيبًا أو ما أشبه ذلك؛ لأنه يحاول فسخ البيع بحق أو ببعض.
فإذن يكون الضرر حاصلًا لو لم يكن فيه إلا أنه يندم ويعتقد أن الرجل هذا قد خدعه وغلبه لكان كافيًا.
طالب: (...).
الشيخ: وهو؟
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، وهذا أيضًا أنه إذا علم، لكن هذا ما يكون إلا إذا تمكن من الفسخ، إذا علم أن هذا الرجل راح يبيع عليه قد يكون في نفسه عليه شيء.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، هو قد يكون قيمته مئة ألف، لكن هذا عنده بيت تعبان من بقائه عنده ومحتاج إلى فلوس (...)؛ يعني: قد يكون قيمته -أصلًا- مئة ألف (...) أنه غلبه، لكن لو فُرِضَ أنه غلبه، سيأتينا -إن شاء الله- في خيار الغبن، هل يثبت له الرد ولَّا لا؟
قال المؤلف: (ويبطل العقد فيهما) (يبطل العقد) في أيش؟ في بيعه على بيع أخيه، والشراء على شرائه، يبطل العقد، وإنما نص على بطلان العقد؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إن العقد صحيح؛ لأن النهي هنا لا يعود إلى ذات المعقود عليه، وإنما يعود إلى أمر خارج؛ وهو العدوان على المسلم، فيكون العقد حرامًا، ولكنه صحيح.
قال: ويدل على ذلك أن هذا الذي باع على بيع أخيه لو أذن له الذي بيع على بيعه لكان العقد صحيحًا ولا شيء فيه، فإذن يكون التحريم غير عائد إلى ذات المنهي عنه، ويكون صحيحًا مع الإثم، لكن القول بالمذهب من باب السياسة ومنع الناس على العدوان يكون قولًا جيدًا
.
مثال ذلك: هذا رجل باع على هذا الشخص بيته بمئة ألف، فجاء شخص ثالث وقال للمشتري: أنا أعطيك مثله بثمانين ألفًا، قال: الله يعافيك، إذن أهون، وذهب إلى البائع الأول وقال: خذ بيتك، عقد مع الثاني على ثمانين ألفًا، القول بأن هذا العقد باطل، هذا قول وإن لم يكن من حيث القواعد صحيحًا، لكنه من حيث السياسة ومنع العدوان يكون صحيحًا، علشان ما يعتدي أحد فيما بعد، فنقول الآن: بيعك هذا البيت غير صحيح، خذ بيتك، وأعطي هذا دراهمه، ويروح عاد يشتري ممن شاء.
طالب: إذا كان (...)؟
الشيخ: (ربويًّا بنسيئة واعتاض عن ثمنه ما لا يُبَاع به نسيئة) فإنه لا يجوز، (من باع ربويًّا بنسيئة واعتاض عن ثمنه ما لا يُبَاع به نسيئة) أي: ما لا يُبَاع به؛ أي: بالشيء المبيع لا بالثمن.
(من باع ربويًّا بنسيئة واعتاض عن ثمنه) أي: ثمن ذلك الربوي؛ أي: شيئًا لا يُبَاع به نائب الفاعل، (لا يُبَاع) يعود على أيش؟ يعود على الربوي، لا يُبَاع به نسيئة فإنه لا يجوز ولا يصح.
ولنضرب المثال لذلك حتى يتضح: بعت عليك بُرًّا مئة صاع بر بمئة ريال، ثبت في ذمتك الآن مئة ريال، فأتيت إليك وقلت: أبغي أشتري منك مئة صاع شعير بمئة ريال، الشعير بالبر هل يباع نسيئة أو لا؟ يعني هل يجوز أن تبيع بُرًّا بشعير مع تأخر القبض؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ما يجوز؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالشَّعَيرُ بِالشَّعَيرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» ، فالبر بالشعير لازم يدًا بيد، عرفتم أو لا؟
أنا بعت عليك الآن مئة صاع بر بمئة ريال، أتيت إليك لأقبض الثمن فقلت: خذْ هذا الشعير بدل الثمن، خذ هذا الشعير مئة صاع شعير بدل الثمن، يقول المؤلف: إن هذا ما يجوز، حرام، لماذا؟ قال: لأنه ربما يتخذ حيلة على بيع ربوي بما لا يباع به نسيئة في صورة عقد ولَّا لا؟ يعني بدلًا من أن يقول: خذ هذا البر بشعير تعطيني إياه بعد شهر، أقول: أبيع عليك الآن البر بقروش، وبعد الشهر أجيء وآخذ منك الشعير بهذه الفلوس، يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟ ممكن، لكن يبدو لي أنه ما دخل أذهانكم إلى الآن.
طالب: فهمنا.
الشيخ: فهمت؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: أنا -مثلًا- أريد أن اشتري شعيرًا، أنا عندي بُرٌّ كثير جدًّا صاحب المزرعة، لكني محتاج إلى شعير؛ لأن عندي خيلًا أريد أن أطعمها الشعير، لكن ما عندي شعير، جئت إلى هذا الرجل قلت: تعال أبغي أعطيك صاعًا من البر بصاع من الشعير، قال: ما عندي، تيجي بعد شهر (...) وأعطيك شعيرًا، قلت: طيب، خذ هذه مئة صاع بُرٍّ بمئة صاع شعير بعد شهر، ويش تقولون في هذا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: هذا لا يجوز، أضفنا حيلة الآن قلت: بعت عليك مئة صاع البر بمئة ريال، تم العقد ولَّا ما تم؟
بعدما مضى الشهر (...)، أعطني مئة صاع شعير بمئة ريال اللي عندك لي، يصير حيلة ولَّا ما يصير؟ يصير حيلة، قالوا: فهذا ربما يكون حيلة لبيع ربوي بما لا يباع به نسيئة مع تأخر القبض، والحيل ممنوعة شرعًا؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» .
ولأن الله تعالى قال في الذين اعتدوا في السبت وتحيلوا عليه: فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٦٦]، عرفتم يا جماعة الآن؟ (...) بعت عليك بُرًّا بمئة ريال، هذا واحد.
بعد مدة (...) أنا أعطيتك البر (...)، بعد مدة جئت إليك، وقلت: أبغي اشتري منك شعيرًا بمئة ريال يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز، هذا معنى قول المؤلف: (ومن باع ربويًّا بنسيئة واعتاض عن ثمنه ما لا يُبَاع به نسيئة) (...) شيئًا (لا يُبَاع به) أي: بما باعه (نسيئة) فإنه لا يجوز، لماذا؟ لأنه قد يكون حيلة على بيع ربوي بما لا يُبَاع به نسيئة مع تأخر القبض، هذه العلة.
وقال الموفق رحمه الله صاحب المقنع اللي هو أصل الكتاب هذا قال: إن ذلك جائز؛ لأن قصد الحيلة في هذا قريب ولَّا بعيد؟ بعيد؛ يعني أنه بدل ما يقول: خذ هذا البر بشعير بعد شهر أنه يقول: أبغي أبيعه عليك، ثم (...) هذا (...)، لكنه بعيد.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله -توسط في هذه المسألة- قال: إن كان هناك حاجة فلا بأس، وإن لم يكن حاجة فهو حرام ما يجوز.
مثال الحاجة: لما انتهى الأجل اللي بيني وبينك، أنا بعت عليك مئة صاع بر بمئة ريال إلى مدة شهر، انتهى الأجل، أتيت إليك قلت: أعطني الدراهم، قلت: واللهِ، ما عندي دراهم، لكن عندي شعير، أبغي أعطيك إياه بالقيمة، هذه حاجة ولَّا لا؟ حاجة، فعند شيخ الإسلام يقول: مع الحاجة تصح؛ لأنه لما وجدت حاجة انتفت الحيلة، ولَّا لا؟ إذا صار هناك حاجة ما فيه حيلة بين أن الأمر ما فيه احتيال أبدًا، وأن هذا الرجل الذي بعت عليه البر لو كان عنده فلوس لأعطاك الفلوس، ما فيه تحيل أبدًا.
وكلام شيخ الإسلام رحمه الله أقرب إلى الصواب، وكلام الموفق أقرب إلى الصواب من المذهب؛ لأن المذهب في هذه المسألة بعيد
.
والحاصل أن الرجل إذا باع شيئًا مما يجري فيه الربا واعتاض عن ثمن ذلك الشيء ما لا يُبَاع به نسيئة ففيه لأهل العلم ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا يصح؛ سدًّا للباب وخوفًا من التحيل، وهذا المذهب.
والقول الثاني: الجواز مطلقًا، وتعليل هذا القول أن الحيلة فيه بعيدة، وما كانت الحيلة فيه بعيدة وغير ظاهرة فإنه داخل في عموم قول الله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة: ٢٧٥]، فيكون جائزًا.
القول الثالث: أننا إذا علمنا انتفاء الحيلة جاز، وإذا كان فيه احتمال للحيلة لم يجز.
إذن ما هو مناط الحكم؟ الحاجة إذا كان هناك حاجة فلا بأس، وإذا لم يكن حاجة فهو حرام، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا من الغرائب؛ لأن العادة أن شيخ الإسلام رحمه الله في مسائل البيوع الغالب أنه أضيق من المذهب، لكن هذه المسألة صار أوسع من المذهب؛ إذ إن المذهب المنع مطلقًا، والشيخ يقول: للحاجة جائز.
طالب: (...) الحيلة تكون يعني جائزة (...)؟
الشيخ: لا، أبدًا، المذهب ما تجوز مطلقًا.
طالب: لو اشترى بُرًّا (...) محظور؟
الشيخ: لا.