كتاب البيع (الشرح الأول) - 4
عدد الزيارات 1488

عناصر المادة :
باب الشروط في البيع

(بدون ما باع به نسيئة) (اشترى شيئًا نقدًا) أنتم عرفتم المسألة الأولى (...)؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: (اشترى شيئًا نقدًا بدون ما باع به نسيئة) إنسان اشترى شيئًا نقدًا بدون ما باع، فيها ضمير محذوف، التقدير: اشترى شيئًا نقدًا بدون ما باعه به نسيئة، أيش معنى نسيئة؟ مؤخر، نسيئة؛ يعني: مؤخر.
عندنا الآن شيئًا بيع بثمن نسيئة، ثم اشتراه؛ أي: اشترى ذلك الشيء نقدًا بدون ما باعه به، فهمتم المعنى الآن؟
أقل بدون أقل، المثال: بعت عليك هذا البيت بمئة ألف لمدة سنة، الآن بعت بأيش؟ نسيئة ولَّا نقدًا؟
الطلبة: نسيئة.
الشيخ: نسيئة، رجعت إليك من الغد، واشتريته منك بثمانين ألفًا نقدًا أعطيتك إياها، اشتريته الآن نقدًا بأقل مما بعته به نسيئة، تصورتم المسألة الآن؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: هذا لا يجوز، وهي مسألة العِينة؛ العينة عندنا يقولون: إذا بدأ البلح بدأ يكون رطبًا، نقول: طرحت العينة، هل المراد هذا؟
الطلبة: (...).
الشيخ: العينة (...) العينة مأخوذة من العين، العين هو النقد، ومنه قول الشاعر:

أَنَدَّانُ أَمْ نَعْتَــــــانُ أَمْ يَنْـــــــــــــبَرِي لَنَا فَتًى مِثْلُ نَصْلِ السَّيْفِ مِيزَتْ مَضَارِبُهْ

(أندَّانُ أم نعتانُ) العينة هي النقد، فهذه مسألة العينة، وهي التي قال فيها الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَاتَّبَعْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالْحَرْثِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ» إلى آخر الحديث: «سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ مِنْ قُلُوبِكُمْ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» ، هذه مسألة العينة.
مثالها: بعت عليك بيتًا بمئة ألف إلى أيش؟
الطلبة: سنة.
الشيخ: سنة، متى آخذ الثمن منك؟
الطلبة: بعد سنة.
الشيخ: بعد سنة، رجعت إليك وقلت: أعطني البيت هذا بثمانين نقدًا، خذ هذه الثمانين، هذه هي مسألة المؤلف، وتسمى مسألة العيينة، هذه لا تجوز.
الدليل: الحديث الذي أشرت إليه: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ» .
التعليل لأنها حيلة ظاهرة على الربا؛ ولهذا قال ابن عباس فيها: دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة ؛ يعني: ثياب، بعتك ثوب حرير -مثلًا- بكذا وكذا إلى مدة شهر، ثم رجعت، وأخذت منك الثوب بأقل، إحنا الآن نقول في مسألة اللي إحنا مثَّلنا فيها دراهم بدراهم: دخل بينهما؟
الطلبة: بيت.
الشيخ: دخل بينهما بيت، الآن بدل ما أقول: خذ ثمانين ألف ريال إلى مئة ألف ريال بمئة ألف ريال إلى سنة، ويش سويت؟
الطلبة: (...).
الشيخ: كيف بعت عليك البيت بمئة ألف ريال وبُكرة (...) هذا البيت بثمانين ألف ريال خذها نقدًا، واضح الحيلة فيها ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: واضح، الحيلة في هذه واضحة، وهي وإن كان في بعض الأحيان قد لا تكون حيلة، لكن العبرة بالظاهر؛ يعني: ربما أني أبيع عليك هذا البيت بمئة ألف إلى سنة، ثم بعد شهر ترغب عنه ما تبيع (...) البيت ما تبغي تبيعه، طلعت (...) عليه وأنا اشتريته بثمانين، الحيلة هنا بعيدة ولَّا لا؟
الطلبة: بعيدة.
الشيخ: الحيلة بعيدة، لكن مع ذلك سدًّا للذريعة لئلا يدعي مدعٍ أنه ما أراد الحيلة، حُسمت هذه المسألة، وصار هذا البيع حرامًا.
البيع الثاني حرام؛ لأن المؤلف يقول: (أو اشترى شيئًا نقدًا) فالمحرم الشراء ولَّا البيع الأول؟
طالب: الشراء.
الشيخ: الشراء هو اللي حرام، البيع الأول حلال ولَّا حرام؟
طالب: البيع الأول حلال.
الشيخ: نعم، كلام المؤلف يقول: إن البيع الأول حلال، لكن إذا علمنا أنهم اتخذوا ذلك حيلة علمنا أنهم فعلوا هذه الصورة التي ظاهرها الإباحة حيلة من الأصل، فإن البيع الأول يكون باطلًا أيضًا؛ لأنه صار وسيلة إلى محرَّم، ووسائل الحرام حرام أيضًا.
شوف العلماء رحمهم الله، بل الشريعة الإسلامية كيف تسد الباب سدًّا منيعًا بالنسبة للربا؛ لأن النفوس مجبولة على حب المال، فهي تتحيل عليه بكل وسيلة، وحماية الشرع لجناب الربا وإبعاد الناس عنه أمر ظاهر في الشريعة، مثلما حمت الشريعة جانب التوحيد وأبطلت كل ما يمكن أن يكون وسيلة إلى الشرك، كذلك في الربا؛ حيث إن النفوس تطلبه وتحبه سدت الشريعة كل باب يمكن أن يُوصِل إلى الربا، والربا ليس بالأمر الهين، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- في باب الربا من أعظم الذنوب، ما يوجد معصية علقت عليها عقوبة وهي دون الكفر مثل الربا.
هذه إذا (اشترى شيئًا نقدًا بدون ما باع به نسيئة) فإنه لا يجوز، لكن قال المؤلف: (لا بالعكس) العكس ما هو؟
الطلبة: (...).
الشيخ: اشترى شيئًا.
طالب: اشترى شيئًا بثمانين.
الشيخ: بأكثر، ويحتمل عكسًا آخر أنه باعه بنقد فاشتراه بمؤجل؛ لأن كلمة (لا بالعكس) لا تعني: لا بأكثر فقط، بل يحتمل أنها عكس مسألة العينة، ويحصل أنها عكس الأقل.
مثال ذلك: بعت عليك هذا البيت بثمانين ألفًا نقدًا، أعطيتني إياها، ثم بعد أن بعت عليك بثمانين ألفًا نقدًا اشتريته أنت بمئة ألف نسيئة.
طالب: اشترى (...) الأول.
الشيخ: (...) الأول، يكون هذا عكس مسألة العينة، هذه المسألة فيها عن الإمام أحمد روايتان: رواية بالجواز، ورواية أخرى بالمنع، أما رواية الجواز فيقول: إن هذا إذا لم نقل به لكان الأصل حل البيع؛ لقوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة: ٢٧٥]، وأما رواية المنع فإنهم يقولون: فإن وجهها أنه لما حرُمت مسألة العينة لكونها قد تكون ذريعة، فهذا أيضًا قد تكون ذريعة، وأما إذا باعها بثمن مؤجل واشتراها بأكثر منه نقدًا، فهذه لا شك أنها جائزة أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لأنه ما يمكن هذا يكون إلا عن سبب.
(لا بالعكس) نقول: كلمة (لا بالعكس) تحتمل معنيين؛ المعنى الأول: لا بأكثر، والمعنى الثاني: عكس مسألة العينة، وأيش معنى (لا بأكثر)؟ بعت عليك هذا البيت بمئة ألف إلى سنة، ثم اشتريته منك بمئة وعشرين نقدًا يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يجوز هذا، ما فيها محظور إطلاقًا، لكن هل يمكن أن يقع هذا؟
الطلبة: يمكن يا شيخ.
الشيخ: لا، يمكن (...) يمكن تزيد الأشياء، هذا البيت بعته عليك بمئة ألف ريال؛ لأن الأشياء رخيصة، ثم زادت؛ ارتفعت قيمة العقار، واشتريته منك بمئة وعشرين نقدًا، هذا ممكن، فإذا كان ممكنًا فإنه جائز.
عكس مسألة العينة وأيش هو؟ أن أبيع عليك هذا البيت نقدًا بثمانين أخذت الثمانين، اشتريته منك مؤجلًا بمئة، صار في ذمتي لك الآن مئة ألف ولَّا لا؟ وأنت أيش أعطيتني؟
الطلبة: ثمانين.
الشيخ: ثمانين، ففيه احتمال أن تكون حيلة؛ ولهذا صار فيها عن الإمام أحمد رحمه الله روايتان؛ رواية بالجواز، ورواية بالمنع، أيهما أقرب إلى الصواب؟
طلبة: الجواز.
طلبة آخرون: المنع.
الشيخ: الأقرب المنع
؛ لأنه كما يتحيل في الأولى يتحيل في الثانية بلا شك.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، بارك الله فيك.
(لا بالعكس) تحتمل معنيين أحدهما، (لا بالعكس) في مقابل بدون ما بعده، فالمعنى: لا بأكثر، والثاني: لا بالعكس، عكس الصورة؛ صورة العينة، وفيها روايتان عن الإمام أحمد: رواية بالجواز، ورواية بالمنع، والله أعلم.
(تمرًا) بمعنى أننا نخرص الرطب اللي على النخلة، نخرصه لو كان يابسًا، كم يأتي النصاب؟ صار هذا الرطب اللي في النخلة إذا كان يابسًا يأتي -مثلًا- خمسين صاعًا، فقال الفقير: أنا الآن أعطيك خمسين صاعًا في هذا الرطب، يجوز ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يجوز إذا كان ما عندك فلوس، محتاج الآن، أما إذا كان عنده فلوس فإنه لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن بيع التمر بالرطب فقال: «أينقص إذا جف؟» يعني: أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم، فنهى عنه .
فالحاصل أن شيخ الإسلام رحمه الله كلامه أقرب إلى الصواب، وهو قول وسط بين القولين.
يقول المؤلف: (اشترى شيئًا نقدًا بدون ما باع به نسيئة) صورة المسألة؟
طالب: العينة.
الشيخ: ما أريد اسمها، أنا أريد الصورة.
الطالب: صورتها أنه يشتري البيت (...) بمئة ألف نقدًا ثم..
الشيخ: لا.
الطالب: أن يبيع دارًا نسيئة بمئة ألف.
الشيخ: بمئة ألف إلى سنة.
الطالب: ثم يشتريها بثمانين ألف نقدًا.
الشيخ: أحسنت، صح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: هذا معنى قوله: (اشترى شيئًا نقدًا بدون ما باع به نسيئة)، هذه صورة المسألة، باع هذا البيت (...)، وفي رواية: أنها تجوز إذا لم تكن حيلة، ورواية أخرى: أنها لا تجوز، وهو المذهب؛ أنها لا تجوز سدًّا للباب مع أن اتخاذها حيلة أقل من (...) العينة ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لأنه يبعد أن الإنسان -مثلًا- يبيع شيئًا نقدًا، إلا أن البيع صحيح، ما أراد التحيل، ثم بعد ذلك يرغب أنه يسترجع البيت وهو ما عنده فلوس يقول لك: آخذه منك بأكثر مما بعته عليك إلى أجل، ولكن الذي ينبغي في هذه المسألة أن يقال: إذا كان هناك حاجة جاز، وأما إذا لم يكن حاجة فإن سد الباب فيها أولى.
كيف الحاجة؟ هذا الرجل الذي باع بيته بثمانين ألف ريال نقدًا أخذ الدراهم، ثم إن الرجل فتش ما وجد بيتًا يصلح له، والدراهم التي سلمت له نفدت، فرجع واشترى البيت بثمن مؤجل، هذه حاجة ولَّا لا؟
الطلبة: حاجة.
الشيخ: حاجة، أما إذا كان عنده الثمن فإنه ينبغي أن تُمنع؛ لئلا يتهاون الناس في مثل هذه الأمور، فيتبايعون بالعينة، وهذه مسألة الربا -كما قلت لكم من قَبْلُ-: النفوس مجبولة على محبة الربح، فإذا سدت جميع الطرق كان ذلك أبلغ في الزجر، إي نعم.
قال المؤلف: (وإن اشتراه بغير جنسه) أي: اشترى الذي باعه مؤجلًا اشتراه بنقد، لكن بغير جنس النقد، مثل أن يكون قد باعه بذهب، فيشتريه بفضة، يقول المؤلف: إن ذلك جائز؛ لماذا؟ لأن التفاضل بين الذهب والفضة جائز ولَّا لا؟ جائز، وإذا كان جائزًا فلا حرج؛ لأننا منعنا فيما إذا اشتراه بأقل مما باعه نسيئة واشتراه نقدًا، عللنا بذلك بأنه باع دراهم بدراهم مع التفاضل، وجعل هذه السلعة واسطة.
فإذا باع الإنسان دنانير بدراهم يجوز فيها التفاضل ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: دنانير بدراهم؟
الطالب: يجوز.
الشيخ: يجوز فيها التفاضل؟
الطلبة: ما يجوز.
الشيخ: دنانير بدراهم، الدنانير ذهب، والدراهم فضة، يجوز التفاضل ولَّا لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، معلوم، ما فيه شك، ما أحد يقول: بعِ الدرهم بوزنه ذهبًا.
إذن يقول المؤلف: إذا اشتراه بغير جنسه فلا بأس، وظاهر كلام المؤلف: ولو كان جنسه مما يجري فيه ربا النسيئة بينه وبين الثمن فإنه يجوز، انتبهوا الآن.
بعت هذا البيت بمئة دينار، مئة الدينار تساوي ألف درهم، بعت عليه مؤجلًا بمئة دينار، تساوي مئة الدينار كم؟
طالب: ألف درهم.
الشيخ: ألف درهم، ثم رجعت إليه واشتريته بثمان مئة درهم نقدًا، ماذا نقول في كلام المؤلف يجوز ولَّا لا؟ على كلام المؤلف يجوز؛ لأني اشتريته بغير ما بعته به فيجوز؛ لماذا؟ لأن التفاضل بين الذهب والفضة جائز، ولا يجري بينهما ربا الفضل.
لكن الصحيح أنه لا يجوز إذا اشتراه بثمن يجري ربا النسيئة بينه وبين الثمن الذي باعه به
؛ لماذا؟ لأننا نقول: وإن انتفى ربا الفضل، لكن عندنا ربا النسيئة، وربا النسيئة ممنوع شرعًا، وقد يتحيل الإنسان عليه بمثل هذه الصورة.
نحن نعلم أن بيع الدراهم بالدناينر لا بد فيه من القبض ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: بيع الدراهم بالدناينر لا بد فيه من القبض، فربما يأتي إنسان يقول: أنا ما عندي دنانير أبابِيع هذا بالدراهم، أو أببعه بدنانير واشتريه بدراهم، وحينئذٍ أكون قد بادلت دراهم بدنانير مع تأخير القبض، نعم لو أنني بعت بمئة درهم إلى سنة، ثم اشتريته بمئتي كيلو تمر نقدًا، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: هذا يجوز، ولا إشكال فيه، ليش؟ لأن التفاضل بين الدراهم والتمر جائز ولَّا غير جائز؟
الطلبة: جائز.
الشيخ: التفاضل بين الدراهم والتمر جائز؟
الطلبة: نعم، يجوز.
الشيخ: عجيب! يجوز؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: يجوز أبيع عليك تمر زنته مئة رطل بفضة زنتها رطل واحد، يجوز ولَّا ما يجوز؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يجوز، النسيئة بين التمر والدراهم؟
طالب: يجوز.
الشيخ: تجوز؟
طالب: غير جائزة.
الشيخ: لا، تجوز، الصحابة رضي الله عنهم كانوا يسلفون في الثمار السنة والسنتين ، ومعنى يسلفون فيها: يعطون دراهم (...).
إذن التفاضل والنسيئة بين الدراهم وبين الثمر جائز، فإذا جاز التفاضل والنسيئة بينهما على وجه صريح، فهذه المسألة أن يبيعه -مثلًا- بتمر وأشتريه بدراهم، تجوز ولَّا ما تجوز؟ تجوز من باب أولى.
أعيد مرة ثانية، في المسألة الصور الثلاث؛ بعت عليك هذا البيت بألف درهم لمدة سنة، واشتريته بثمان مئة درهم نقدًا.
طالب: على كلام المؤلف يكون جائزًا.
الشيخ: لا، ما يجوز، على كلام المؤلف ولا غيره، ما يجوز.
بعت عليك بمئة درهم لمدة سنة، ثم اشتريته بثمانين درهمًا نقدًا.
الطلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: وأيش تسمى المسألة هذه؟
الطلبة: مسألة العينة.
الشيخ: هذه مسألة العينة.
الصورة الثانية: بعته عليك بعشرة دنانير إلى سنة، تساوي العشرة مئة درهم، ثم اشتريته نقدًا بثمانين درهمًا، ما تقولون؟ على كلام المؤلف تجوز، ليش؟ لأن الثمن الذي اشتريته به ليس من جنس الثمن الذي بعت به.
الصورة الثالثة: بعته عليك بمئة درهم إلى سنة، ثم اشتريته بمئة كيلو تمر نقدًا، وأيش تقولون فيها؟
الطلبة: جائز.
الشيخ: جائز، حتى على كلام المؤلف؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنه داخل في قوله: (بغير جنسه) حتى على كلام المؤلف.
عندنا الآن ثلاث صور يا إخوان؛ إذا اشتراه بجنس الثمن فهو حرام، قولًا واحدًا.
إن اشتراه بغير جنسه مما لا نسيئة بينه وبين الثمن، يجوز أيضًا قولًا واحدًا.
إذا اشتراه بغير جنسه لكن يجري ربا النسيئة بينه وبين الثمن، فعلى كلام المؤلف: يجوز، وعلى القول الراجح: لا يجوز
.
وجه القول الراجح أننا نقول: وإن كان ربا الفضل بين الثمن الأول والثاني جائزًا، لكن ربا النسيئة ممنوع، وهذا قد يُتَّخَذ حيلة على بيع الذهب بالفضة مع التأجيل، وبيع الذهب بالفضة مع التأجيل جائز ولَّا غير جائز؟ غير جائز، إذن فالقول الراجح أن نضيف قيدًا؛ إن اشتراه بغير جنسه نضيف قيدًا على القول الراجح ما هو؟ مما تجوز النسيئة بينه وبين ثمنه الأول، وأظن واضح الآن، أما على كلام المؤلف فإنه يعم هذه الصورة وغيرها.
(أو بعد قبض ثمنه) اشتراه بعد قبض ثمنه بأقل فلا بأس به، وبأكثر معلوم لا بأس به، كيف بعد قبض ثمنه؟
أنا بعت عليك هذا البيت بألف درهم لمدة سنة، لما تمت السنة أعطيتني الدراهم برئت ذمتك ولا علاقة بيني وبينك، الآن رجعت إليك فاشتريته بثمان مئة درهم بدل الألف، جائز ولَّا لا؟ جائز؛ لأني ما فيه حيلة، الآن أنت استوفيت الثمن، وما بقي لي عندك شيء، فإذا كان بعد القبض فإنه يجوز (...) بأكثر وبأقل وبمساوٍ.
ثانيًا: اشتراه (بعد تغير صفته) إذا اشتراه بعد تغير صفته أنا بعت عليك هذا البيت بعشرة آلاف درهم، لكن جاءت أمطار وسيول كثيرة وتهدم بعض البيت، فاشتريته منك بأقل، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؟
طالب: بعد القبض يجوز.
الشيخ: لا، قبل القبض، بعت عليك هذا البيت بعشرة آلاف درهم لمدة سنة، وبعد مضي خمسة أشهر أتيت إليك واشتريته منك بثمانية آلاف درهم أقل ولَّا أكثر؟
الطلبة: أقل.
الشيخ: أقل، لكن البيت تغيرت صفته؛ تهدم بعضه، تكسر بعض زجاجه، وما أشبه ذلك، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: نعم، يجوز.
الشيخ: يقول المؤلف: إنه يجوز، لماذا يجوز؟ قال: إننا نجعل النقص في الثمن في مقابل تغير الصفة، وحينئذٍ لا حيلة.
وكلام المؤلف هنا صحيح، لكن بشرط أن يكون نقص الثمن بقدر ما نقص من الصفة
؛ لئلا يكون نقص الثمن من أجل التعجيز؛ يعني: كلام المؤلف الآن نقول: هو صحيح، لكن بشرط أن يكون النقص بقدر نقص الصفة.
فالآن إذا بعت عليك بعشرة آلاف درهم واشتريته بثمانية آلاف، كم نقص من الثمن؟
طالب: عشرون.
الشيخ: ودي بالنسبة أحسن.
طالب: الخمس.
الشيخ: الخمس، ينظر (...) البيت الآن هل نقص بتغير صفته خُمس قيمته، أو نقص أكثر، أو نقص أقل، إذا قالوا: إنه نقص خمس قيمته أو أكثر يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يجوز، أما إذا قالوا: لا، أبدًا ما نقص بالتغير إلا واحد من عشرة، فهل يجوز؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: هذا لا يجوز، انتبه؛ لأنك الآن إذا أخذته بثمانين نقصت أكيد العشرة، وإذا قالوا: ما نقص إلا واحد من عشرة معناها أن النقص اللي أنت جعلته فيه بالعشرة جعلت هذا الزائد في النقص في مقابل التأجيل، فتكون هذه هي مسألة العينة.
إذن بعد تغير صفته كلام المؤلف في هذا صحيح، لكن يجب أن يُزاد: بشرط أن يكون النقص عن الثمن الأول بقدر ما نقص البيت بسبب تغير الصفة.
ما تقولون في رجل باع سيارة بعشرين ألفًا إلى سنة، الرجل الذي اشتراها (...) تنقص ولَّا تزيد؟
الطلبة: تنقص.
الشيخ: أو تزيد -يا أخي- تأخذ مرونة المشي.
طالب: تنقص.
الشيخ: تنقص، طيب، اشتراها نقدًا، كم قلنا باعاها؟
طالب: بعشرين ألف.
الشيخ: بعشرين ألف اشتراها نقدًا بعد أن (...) مدة بخمسة عشر ألفًا نقدًا، تجوز ولَّا لا؟
الطلبة: تجوز.
الشيخ: على ظاهر كلام المؤلف أنه جائز بدون شرط، لكني قلت: لا بد أن نشترط الآن نقصت خمسة عشر من عشرين، نقصت الربع، فينظر هل السيارة نقصت قيمتها مقدار الربع بسبب استعمال الرجل لها أم لا؟ إذا قالوا: ما نقصت إلا الخمس، هل يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؛ لأنك الآن نقصت من مقدار الصفة، ويكون هذا النقص في مقابل التأجيل.
فإن قالوا: نعم، السيارة الآن نقصت من الربع فأكثر، فيكون البيع حينئذٍ جائزًا، ترى هذه المسألة يقع فيها كثير من الناس، لا بد أنتم طلبة العلم تفهمونها جيدًا، صار إذا اشتراها بأقل مما باعها به بعد تغير الصفة فهو جائز مطلقًا، على كلام المؤلف، ولكن الصحيح أنه يجب أن يُقَيَّد بأن يكون ما نقصه من الثمن بقدر مساوٍ لما نقص بتغير الصفة مساوي (...)
ما رأيكم في تغير السعر؟ يعني مثلًا أنا بعت هذه السيارة بعشرين ألفًا إلى سنة، ثم نزلت السيارات فاشتريتها بخمسة عشر ألفًا نقدًا، هل يُعْتَبر تغير السعر؛ يعني الرجل إلى الآن ما استعملها، فهل نقول: إن تغير السعر نقص أو لا؟
الطلبة: إي نعم، نقص.
الشيخ: المذهب أنه ليس بنقص، وأن العبرة بتغير الصفة نفسها؛ نفس السلعة، أما تغير السعر فهو ليس متعلقًا بذات المبيع، فلا يعتبر، والقول بذلك جيد؛ لأنه يُخشى أن أحدًا يتوهم أو يتحيل أو يدعي أن أسعار السيارات -مثلًا- نقصت، فيقول: أنا -واللهِ- ما أعطيته أقل مما بعت إلا لأن السعر نقص، وعلى كل حال فإن قلنا بالجواز..، إن قلنا بأن تغير السعر كتغير الصفة فلا بد أن يكون النقص عن الثمن الذي باعه به مساويًا لتغير السعر، فإن كان النقص أكثر فهو ما يجوز.
اشتراه من غير مشتريه باع شيئًا بثمن مؤجل، واشتراه بأقل، لكن من غير مشتريه؛ يعني: اشتراه بأقل من غير مشتريه.
مثال ذلك: بعت هذه السيارة بخمسة عشر ألفًا لمدة سنة، ثم إن الذي اشتراها باعها على شخص بثمن أكثر أو أقل ما يهم، اشتريتها أنا من الشخص الثاني بأقل مما بعتها به نقدًا، فاشتريتها بعشرة آلاف نقدًا، يقول المؤلف: إن هذا جائز، وهو صحيح؛ لأن هنا ما فيه حيلة إطلاقًا؛ إذ إن المعاملة صارت مع طرف ثالث.
فعلى هذا: إذا رأيت أن هذا الذي اشترى مني هذه السلعة بثمن مؤجل قد باعها فإنه يجوز لي أن اشتريها بأقل، ولا حرج في ذلك.
طالب: (...).
الشيخ: (...) شيء محرم (...) أنه إذا اشتراه شراء حقيقيًا بدون أن يكون صوريًّا.
(أو اشتراه أبوه) أبو البائع اشترى هذه السلعة بأقل، أنا -مثلًا- بعت هذا البيت بمئة ألف إلى سنة، فاشتراه أبي بثمانين ألفا نقدًا، يجوز (...) تعدد العقد، فالذي اشتراه غير الذي باعه، لكن بشرط ألَّا يكون شريكًا لابنه الذي باع هذا البيت، فإن كان شريكًا له فكأنه هو الذي اشتراه، فلا يجوز.
وكذلك لو اشتراه ابنه، ابن من؟
الطلبة: ابن البائع.
الشيخ: ابن البائع، رجل باع هذا البيت بمئة ألف درهم لمدة سنة، ثم اشتراه ابنه -ابن البائع- بثمانين نقدًا، يصح؟ نعم؛ لأن العقد صار مع ثالث، فلا محظور فيه، ولكننا نضيف إلى هذا الشرط الذي ذكرناه؛ وهو ألَّا يكون الابن شريكًا لأبيه، فإن كان شريكًا فإنه قد دخل ملكه، فلا يجوز
.
خلاصة هذا البحث: أن الأشياء التي قد تكون وسيلة إلى الربا فهي حرام، وإنما قلنا: بالتحريم؛ سدًّا لذريعة الربا؛ لأن الربا مما تدعو النفوس إليه، فإذا حُجز بهذه الحواجز فإن ذلك يكون (...) له، وربما يكون إعدامًا له.
طالب: (...).
الشيخ: يكون كما لو اشتراه هو، فإذا قال لابنه: يا بني، اذهب فاشتريه، صار وكيلًا له.
الطالب: (...)؟
الشيخ: حتى لو اشتراه الابن (...) ما فيه مانع.
الطالب: (...)؟
الشيخ: (...) من أيش؟
الطالب: أنه يتحيل على (...).
الشيخ: أصله الكاسب الآن (...) الأب الكاسب، الابن ما له دخل، إلا إذا كان وكيلًا أو شريكًا، إذا كان وكيلًا فهو قائم مقام البائع، وإذا كان شريكًا فإن جزءًا منه سيعود إلى البائع.

***

باب الشروط في البيع
00:37:29

ثم قال المؤلف: (باب الشروط في البيع) الشروط جمع (شرط)، وهو في اللغة: العلامة، ومنه قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا [محمد: ١٨] أي: علاماتها (...).
وأما في اصطلاح الأصوليين فالشرط هو: الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود، ويختلف عن السبب بأن السبب يلزم من وجوده الوجود، ويشتركان في أنهما يلزم من عدمهما العدم.
مثال ذلك: من شروط صحة الصلاة الوضوء، فإذا عدم الوضوء عدمت الصحة، وإذا وجد الوضوء فهل توجد الصحة؟ لا، ما هو لازم، لا يلزم من وجوده الوجود؛ قد يوجد الوضوء ولا تحصل الصلاة أصلًا، يمكن يتوضأ الإنسان ويبقى على وضوئه، ثم ينتقض وضوؤه وما صلى، ويمكن يتوضأ ويصلي، لكن يكون هناك مُفْسِد آخر للصلاة غير فوات الشرط.
وأما الشرط في الشيء هذا الذي تكلمنا عنه هو شرط الشيء، شرط الشيء هو: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود.
وأما الشرط في الشيء فهو غير شرط الشيء؛ لأن شروط البيع نضرب -مثلًا- فيما نحن فيه، شروط البيع السابقة يلزم من عدمها العدم، ولا يلزم من وجودها الوجود؛ لأنه قد تتم الشروط ويوجد مانع من الموانع، كما لو تمت شروط البيع كلها، لكن وقع البيع بعد نداء الجمعة الثاني ممن تلزمه الجمعة هل يصح البيع؟ لا.
إذن شروط البيع هي التي يتوقف عليها صحة البيع، شروط البيع من وضع الشرع ولَّا من وضع المتعاقدين؟
طالب: من وضع الشرع.
الشيخ: من وضع الشرع
، فلا يمكن (...) عنها ما يمكن إلغاؤها، ولا يمكن إضافة شيء إليها؛ فهي مأخوذة من الشرع، إلغاؤها غير ممكن، وإضافة شيء إليها غير ممكن.
أما الشروط في البيع فهي شروط فيه؛ يعني: شروط حصلت فيه؛ ولهذا جاءت (في) الدالة على الظرفية، فهي ما يتوقف عليه لزوم البيع، لا صحته؛ يعني أن البيع يصح، لكن هل يلزم أو لا يلزم؟ ينبني على هذه الشروط، فهي ما يتوقف عليه لزوم البيع، هذا واحد.
ثانيًا: شروط البيع، الشروط في البيع من وضع الشرع ولَّا من وضع المتعاقدين؟
الطلبة: من وضع الشرع.
الشيخ: من وضع المتعاقدين؛ ولهذا يجوز إلغاؤها، ويجوز الزيادة فيها، بمعنى أن أحد المتعاقدين قد يلغي الشرط الذي شرطه على صاحبه أو لا؟ وقد يشترط شرطًا واحدًا أو شرطين أو ثلاثة أو أكثر، فهذا هو الفرق بين شروط البيع والشروط في البيع، صار الفرق من وجهين:
الوجه الأول: أن شروط البيع يتوقف عليها صحة البيع؛ بحيث إذا فُقدت ما صح البيع، وأما الشروط في البيع فيتوقف عليها لزوم البيع؛ لأن من فاته مشروطه من أحد المتعاقدين فله الفسخ.
الفرق الثاني: شروط البيع من وضع الشرع، فلا يجوز النقص منها ولا الزيادة فيها، الشروط في البيع من وضع المتعاقدين، فتجوز الزيادة فيها، ويجوز النقص منها ولَّا ما يجوز؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: ويجوز النقص منها وإسقاطها.
الشروط في البيع خاضعة لشرط مهم؛ وهو ألَّا تخالف الشرع، فإن خالفته فهي باطلة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» ، ولقوله: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» .
فإذن الشروط في البيع يُشترط فيها كلها ألَّا تكون مخالفة؟
الطلبة: للشرع.
الشيخ: ألَّا تكون مخالفة للشرع، فإن خالفت الشرع فهي باطلة؛ لأنه لا يمكن لوضع البشر أن يخالف شرع الخالق؛ إذ لو أننا صححنا الشروط المخالفة للشرع لقدمنا وضع البشر على شرع الخالق سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال المؤلف: (منها صحيح) يعني: ومنها فاسد، كلمة (من) هنا لأيش؟
الطلبة: للتبعيض.
الشيخ: للتبعيض منها، صحيح، وقد ذهب بعض النحويين إلى أن (مِنْ) التبعيضية اسم؛ لأنها بمعنى (بعض)، وعلى هذا فتقول في (منها صحيح): (مِنْ) مبتدأ، وخبره (صحيح)، وعلى المشهور تقول: (منها) جار ومجرور خبر مقدم، و(صحيح) مبتدأ مؤخر.
(منها صحيح) ما هو الصحيح؟ الصحيح يقولون: إنه في اللغة ضد السقيم، فلان صحيح، فلان مريض، فلان صحيح، فلان سقيم، لكنه في الاصطلاح ما ترتب عليه مقتضاه.
كل شيء يكون نافذًا يترتب عليه مقتضاه فإنه صحيح؛ سواء كان شرطًا أم عقدًا، إذا كان الشرط صحيحًا فهل يجب الوفاء به؟ الجواب: نعم، يجب الوفاء به.
دليل ذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: ١]، والأمر بالوفاء بالعقد أمر بالوفاء بأصل العقد وبشروط العقد أو بالشروط في العقد؛ لأن الشروط في العقد من أوصاف العقد، والأمر بالوفاء بالعقد أمر بالوفاء بأصله ووصفه، فإذن يجب الوفاء بالشروط في البيع إذا كانت صحيحة، والدليل على ذلك ما سمعتم من الآية الكريمة، وقال تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء: ٣٤].
والشرط الذي اشترطه أحد المتعاقدين على الآخر عهد ولَّا لا؟
الطلبة: عهد.
الشيخ: عهد؛ لأن أحد المتعاقدين تعهد بذلك لصاحبه، وعلى هذا فنقول: الصحيح من الشروط في البيع يجب الوفاء به، ولكن وجوب الوفاء به هل هو من حق الله أو من حق (...)؟ من الشروط في البيع، ليس من شروط البيع، بل هو من الشروط في البيع، والذي يطلب الرهن غالبًا هو البائع، هذا الغالب.
مثل أن أبيع على هذا الرجل شيئًا بثمن مؤجل، فلا أثق منه، فأقول: أرهنِّي شيئًا، أعطني رهنًا، لماذا أطلب الرهن؟ للتوثق من حقي؛ لأن هذا الرهن إذا تعذر الوفاء من قبل الرجل فأنا استوفي من هذا الرهن؛ ولهذا قال الله عز وجل: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة: ٢٨٣] لأجل أن تتوثق لحقك، ليس هناك كاتب يكتب بينكم، فيتوثق به الحق، لكن هناك طريق آخر بأن تقبض الرهن حتى تتوثق به.
إذن يجوز أن أقول: بعتك هذا البيت بشرط أن ترهنني كذا وكذا، فإذا قبلت لزم الشرط.
وقول المؤلف: (كالرهن) ظاهره أنه يجوز رهن المبيع نفسه على ثمنه أو لا؟ هل يجوز بأن أقول: بعت عليك هذا البيت بمئة ألف درهم إلى سنة، لكن بشرط أن يكون رهنًا لي بالثمن، نقول: هذا جائز، ولا بأس به.
ومنها أيضًا (كالرهن وتأجيل الثمن) تأجيل الثمن بأن يقول المشتري: أنا ليس عندي ثمن، ما عندي دراهم، أبغي أشتري منك هذه السيارة أو هذا البيت بكذا وكذا لمدة سنة، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: جائز، الرهن من مصلحة البائع، وتأجيل الثمن من مصلحة المشتري.
إذن نأخذ من هذين المثالين (...) (كالرهن وتأجيل الثمن) هذا تمثيل، نأخذ من هذين المثالين أنه يجوز لكل واحد من المتعاقدين أن يشترط ما له فيه مصلحة.
(وكون العبد كاتبًا أو خصيًّا أو مسلمًا والأمة بكرًا) من اللي يشترط ذلك؟ المشتري ولَّا البائع؟
الطلبة: المشتري.
الشيخ: كون العبد كاتبًا؟
طالب: من مصلحة البائع.
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني مثل العبد يشترط المكاتبة.
الشيخ: ما وصلنا هذا، كون العبد كاتبًا مِن مصلحة مَن؟
الطلبة: المشتري.
الشيخ: من مصلحة المشتري، وهو عائد إلى البائع من جهة؛ لأنه إذا كان فاسدًا سيزيد به الثمن، لكن الغالب أن الذي يشترطه المشتري، وهنا فرق بين الكاتب وغير الكاتب، أيهما أحسن؟
الطلبة: الكاتب.
الشيخ: الكاتب أحسن، وقد يكون الكاتب أسوء، يمكن هذا الكاتب يكتب أشياء ما أريدها (...)، فيكون الأمي خيرًا من الكاتب.
(أو خَصِيًّا) العبد خصي من يشترطه؟
الطلبة: المشتري.
الشيخ: المشتري، لكن الثمن سيزيد، فيكون من مصلحة البائع، لماذا يكون الخصاء صفة مرغوبة في العبيد؟
الطلبة: لأسباب كثيرة.
الشيخ: لأسباب كثيرة؛ منها: أن ذلك أكثر أمنًا بالنسبة لأهل السيد، ولَّا لا؟ يأمن عليه أكثر.
ومنها: ألَّا ينشغل العبد بطلب النكاح.
ومنها: أن العبد إذا كان غير خصي ربما يطالبك بأن تزوجه، فالمسألة مشكلة إذا كان غير خصي، إذا كان خصيًّا سلمنا من هذا كله.
لكن يبقى النظر كيف يكون العبد خصيًّا؟ لأنه من المعروف عند أهل العلم أن السيد لو خصى عبده عتق عليه، لو قطع أنملة من أنامله عتق عليه، وهذا ما يعرف بالتمثيل، التمثيل بالعبد يوجب العتق.
طالب: (...)؟
الشيخ: هذا (...) القصاص بين السيد والعبد، وفيها خلاف.
طالب: جائز أنه يشفى (...).
الشيخ: سابقًا على مُلك السيد، أو يجيء سيده ما يبيعه، مثلًا يخصيه ويبقيه في ملكه، يقول: (...) مخصيًّا، على كل حال اشتراط كون العبد خصيًّا من مصلحة المشتري، فإذا اشترطه وتبين أنه فحل له الخيار.
كونه مسلمًا هذا مِنْ مصلحة مَن؟
طالب: المشتري.
الشيخ: المشتري.
طالب: البائع.
الشيخ: أو البائع، يقول بعض الناس الآن: أنهم يجلبون عمالًا غير مسلمين؛ لأنه أفيد، المسلم يقول: إنه إذا جاء الوقت (...) رايح أصلي، وإذا جاء وقت العمرة قال: بروح أعتمر، وإذا جاء وقت الحج قال: بروح أحج، هذا العبد مثله، قد يكون المشتري ما به يكون مسلمًا، لا يريد أن يكون مسلمًا، وأنتم تقولون: إن هذا من مصلحة المشتري، في الغالب أنه من مصلحة المشتري أن يكون مسلمًا، فإذا اشترط أن يكون مسلمًا فإنه شرط صحيح، وظاهر كلام المؤلف أن الكفر في الرقيق ليس بعيب، وأن الإنسان لو اشترى عبدًا فتبين أنه كافر فإن ذلك ليس بعيب، فلا يرده، صح.
ما وجه ذلك من كلام المؤلف؟ لأنه ذكر أن الإسلام ما يثبت إلا إذا اشترط، فدل هذا على أن المشتري لو وجد العبد كافرًا فلا خيار له.
طالب: إذن يشترط.
الشيخ: إذن يشترط، وعللوا ذلك بأن الأصل في الرقيق الكفر، هذا الأصل؛ لأن الأرقاء أصلهم مسبيون من الكفار، فالأصل فيهم الكفر حتى يتبين أنهم أسلموا.
(والأمة بكرًا) من يشترط ذلك؟
الطلبة: المشتري.
الشيخ: المشتري، يشترط أن الأمة بكرًا، فإن لم يشترط فوجدها ثيبًا، هل له الخيار؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: لا؛ لأن المؤلف جعل كون الأمة بكرًا من باب الشروط، لماذا؟ لو قال قائل: إن الأصل البكارة، قلنا: إن هذا الأصل معارض بظاهر، أيش هو الظاهر؟ الظاهر أنها موطوءة؛ لأنها إذا كانت عند سيدها فالغالب أنه يطؤها، وهذا مما تعارض فيه الأصل، وقُدِّم فيه الظاهر؛ لأنه ليس دائمًا نقدم الأصل، قد يكون هناك ظواهر تكون أقوى من الأصل فيؤخذ بها.
هذه الآن الشروط اللي ذكرها المؤلف: الرهن، تأجيل الثمن، كون العبد كاتبًا، أو خصيًّا، أو مسلمًا، والأمة بكرًا، هذه يقولون: إنها من مصلحة العقد، لكن منها ما يعود للبائع، ومنها ما يعود للمشتري، ومنها ما يعود على نفس المعقود عليه من ثمن أو مثمن، ومنها ما يعود إلى التوثق به، فالرهن للتوثق، وكون تأجيل الثمن من أوصاف الثمن، وكون العبد كاتبًا والأمة بكرًا من أوصاف المبيع.
طالب: (...).
الشيخ: (يشترط البائع سكنى الدار شهرًا)، (سكنى الدار) المبيع (شهرًا).
أولًا قال: (اشترط البائع سكنى الدار شهرًا) الشرط الآن للبائع، وسكنى الدار نفع في المبيع ولَّا خارج المبيع؟
الطلبة: في المبيع.
الشيخ: في المبيع، إذن نقول: هذا نوع آخر غير الأول الذي من مصلحة العقد أن يشترط البائع نفعًا بالمبيع؛ بأن يشترط سكنى الدار شهرًا، فإن هذا جائز، لكن سكنى الدار المبيعة، فإن اشترط سكنى دار أخرى فهذا لا يجوز، لا بد أن يشترط سكنى الدار الذي باعها.
وقوله: (شهرًا) أفاد المؤلف أنه لا بد أن تكون المدة معلومة لا مجهولة، ما هو دليل هذه المسألة؟
دليلها حديث جابر رضي الله عنه أنه باع على النبي صلى الله عليه وسلم جملًا واشترط حُمْلَانَه إلى المدينة ، فهنا جابر اشترط نفعًا في ماذا؟ في نفس المبيع، فإذا اشترط البائع نفعًا في المبيع فهو جائز، لكن بشرط أن يكون هذا النفع معلومًا؛ إما بالزمن، وإما بالمكان، وإما بالعمل.
إما بالزمن؛ مثل سكنى الدار شهرًا، أو بالمكان؛ كحديث جابر يحمله إلى موضع معين، أو بالعمل؛ مثل أن يبيع عليه عبدًا ويقول: بشرط أن يصلح لي كذا وكذا من الأعمال، فلا بد أن يكون النفع معلومًا، فإن كان مجهولًا فإن الشرط غير صحيح، لماذا يكون غير صحيح؟ قالوا: لأن هذا الشرط له أثر في الثمن أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: له أثر في الثمن، تقول: نعم، موافقة لي ولَّا عن علم؟
الطلبة: عن علم.
الشيخ: عن علم (...) موافقة ما أريد (...).
الآن إذا بعت عليك هذه الدار بمئة ألف واستثنيت سكناها لمدة سنة، فإن معنى ذلك أننا نقصنا من ثمنها مقدار إيجار سنة، فيكون له أثر في الثمن إذا كانت المدة مجهولة لزم من ذلك جهالة الثمن؛ فلهذا لا يصح الشرط، لا بد أن يكون معلومًا.
فإن قال البائع: بعت عليك هذا البيت واستثنيت سكناه حتى أجد بيتًا آخر، يصح ولَّا لا؟
الطلبة: ما يصح.
الشيخ: كيف ما يصح؟
الطلبة: مجهول.
الشيخ: الجهالة موجودة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: صحيح، الجهالة موجودة، أو لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إذن لا يصح؛ لجهالة المدة.
طالب: لا يصح الشرط؟
الشيخ: الشرط، إي نعم؛ لجهالة المدة، يأتينا فيما بعد -إن شاء الله- أن الشروط بعضها (...) لا يصح؛ لجهالة المدة.
لو قال: على أن أسكنه لمدة السنة ما لم أشترِ بيتًا لمدة سنة؟
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: ما يصح، يصح ولَّا لا؟
الطلبة: يصح.
الشيخ: لكن هذا معلوم من طرف واحد فقط، وهو الأكثر.
الطلبة: (...).
الشيخ: هذه اختلف فيها العلماء؛ قال بعضهم: ما يصح؛ لأنك ما حددت في الحقيقة من أول السنة إلى طرفها، ما تدري هل تجد بيتًا لمدة شهرين أو ثلاثة أو أكثر، أليس كذلك؟ فتبقى المدة مجهولة، لكن الصحيح جواز هذه المسألة؛ لأن المشتري قد تواضع على أن هذا البائع يسكن كم؟
الطلبة: سنة.
الشيخ: سنة، فإن نقص شيء عن السنة فهو من مصلحة من؟
الطلبة: المشتري.
الشيخ: من مصلحة المشتري، لا ضرر عليه في هذا، وعلى هذا فيكون الشرط المجهول غير صحيح.
فإن قلت: ما الجواب عن حديث عائشة: أن فلانًا قدم له بَزٌّ من الشام، فقالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم: لو بعثت إليه فاشتريت ثوبين نسيئة إلى ميسرة، فبعث إليه فامتنع ، وهنا (إلى ميسرة) مجهول، ومع ذلك أقره النبي عليه الصلاة والسلام، فما هو الجواب؟
طالب: الثمن معلوم.
الشيخ: الثمن معلوم، لكن مدة الوفاء مجهولة؟
طالب: (...) الثمن.
الشيخ: لا.
طالب: (...) حق متعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: لا، المتعلق بالرسول نحن له تبع، لكن السبب في ذلك أن هذا الشرط موافق لمقتضى العقد؛ لأن البائع إذا علم بإعسار المشتري فإنه لا يستحق مطالبته حتى يوسر، فسواء شرطت أو ما شرطت؛ سواء شرطت أني لا أوفيك إلا عند الميسرة، أو ما شرطت ما دمت قد علمت بأنني معسر فإنك لا تطالبني حتى أوسر، فيكون شرط ألَّا تطالبني إلا عند الإيسار من باب التأكيد، هذا هو الجواب عن هذا الحديث، والله أعلم.
ومنها ما يكون من مصلحة البائع، ومنه ما يكون من مصلحة المشتري، ثلاثة أقسام؛ ما يكون من مصلحة العقد، من مصلحة البائع، من مصلحة المشتري.
وفيه أيضًا قسم رابع ما ذكره المؤلف، لكن لا حاجة إلى ذكره؛ وهو ما كان من مقتضى العقد؛ يعني: مثل أن يشترط البائع على المشتري تسليم الثمن، والمشتري على البائع تسليم المبيع، هذا من مقتضى العقد، ما حاجة أنه يشترط؛ لأنه ثابت بدون؟
طالب: اشتراط.
الشيخ: بدون اشتراط.
هل يصح أن يشترط في العقد الرهن؟
طالب: نعم.
الشيخ: (أو شرط المشتري على البائع حمل الحطب) شوف شرط.
طالب: (...).
الشيخ: قلناها، (أو شرط المشتري) هذا من مصلحة المشتري.
الآن (شرط المشتري على البائع حمل الحطب) (أل) للعهد، والمراد الحطب الذي باعه، المشتري اشترط على البائع حمل الحطب الذي باعه؛ لأنه يُشْتَرط أن يكون النفع في المبيع نفسه لا في شيء آخر، هذه واحدة.
لو شرط عليه على البائع أن يحمل حطبًا آخر غير اللي اشتراه منه فإنه لا يصح، لا بد أن يكون نفعًا في نفس المبيع.
(حمل الحطب أو تكسيره) تكسير الحطب؛ يعني: اشترى من شخص حطبًا وقال: بشرط أن تكسره لي، يجوز، النفع الآن في المبيع ولَّا في شيء آخر؟
الطلبة: في المبيع.
الشيخ: في المبيع، فأما لو اشترط عليه أن يكسر حطبًا آخر غير هذا اللي باع عليه فإنه لا يجوز، وسيأتي -إن شاء الله- بيان تعليل عدم الجواز، وبيان القول الراجح في هذا.
(أو خياطة الثوب) ما هو في ثوب مخيط؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأن الثوب في اللغة القطعة من القماش، ما هو بالمخيط، فعلى هذا نقول: خياطة الثوب؛ يعني: قطعة من القماش اشتراها، واشترط على البائع أن يخيطها، يجوز.
فإن اشترط أن يخيط غيره فإنه لا يجوز؛ لأنه خارج عن المبيع، ولا بد أن يكون النفع في المبيع.
أو شرط عليه تفصيله، كيف تفصبله؟ الخرقة مجملة، فإذا قطعتها؛ هذا للكم، وهذا للجيب، وهذا لكذا، وهذا لكذا، صار ذلك تفصيلًا، فمعنى تفصيل؛ يعني: أنك تقطعها (...) أجزاء القميص، يجوز.
طالب: (...).
الشيخ: مثل؟
الطالب: (...).
الشيخ: داخل (...)، إي نعم.
(وإن جمع بين شرطين بطل البيع) إن جمع بين الشرطين من هذه الشروط بطل البيع، إلا إن نوى الأول؛ وهو ما كان من مصلحة العقد أو مقتضى العقد، فإنه لو جمع ألف شرط فلا حرج.
إذا جمع بين شرطين من النوعين الآخرين؛ وهي أن يشترط البائع على المشتري نفعًا في المبيع، أو المشتري على البائع نفعًا في المبيع؟
طالب: المشتري على البائع؟
الشيخ: المشتري على البائع أو البائع على المشتري نفعًا في المبيع، إذا جمع بين شرطين من هذين النوعين بطل البيع.
مثال ذلك: اشترط المشتري على البائع حمل الحطب وتكسيره؛ ولهذا العبارة عند المؤلف: (أو تكسيره) اشترط على البائع حمل الحطب وتكسيره، هذا جمع بين شرطين يبطل البيع.
اشترى ثوبًا من صاحب الدكان وقال: بشرط أن تفصله وتخيطه يفسد البيع؛ لأنه جمع بين شرطين.
اشترط على البائع أنه يحمل الحطب ويدخله البيت، ما هو يكسره، أيش الحكم؟
طالب: يبطل البيع.
الشيخ: يبطل البيع.
الدليل قالوا: لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» ، قالوا: فالشرطان في البيع منهي عنهما، والنهي على القاعدة اللي ذكرها ابن رجب وأيش يقتضي؟ يقتضي الفساد وعدم الصحة، فإذا جمع بين الشرطين فإنه يفسد العقد، ولكن هذا الدليل صحيح، لكن الاستدلال غير صحيح؛ لأن المراد بالشرطين الشرطان اللذان يوقعان في محظور، لأنه يُحمل مطلق الأحاديث على مقيدها، فالشرطان الموقعان في المحظور هذان محرمان، ويبطل العقد بهما، وأما الشرطان اللذان لا يوقعان في المحظور فإنه لا فرق بين أن يشترط شرطًا واحدًا، أو اثنين، أوثلاثة، ما دامت هذه الشروط مقدورة للمشروطة عليه ولا فيها محظور.
مثلًا: إذا جئت إلى الخياط، وقلت: اشتريت منك هذا القماش على أن تخيطه لي وأيش اللازم من ذلك؟
الطلبة: التفصيل.
الشيخ: (...) التفصيل، هم يقولون: ما يصح (...) أجرة على أن يفصله (...) عقد البيع أو بالعكس، أما أن تجمع بين الشرطين فلا يصح.
والجواب: أن القول الراجح في هذه المسألة أنه يصح الجمع بين الشرطي
ن؛ لوجهين:
الوجه الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بالشرطين الموقعين في محظور شرعي، أما المباحان اللذان ليس فيهما محظور شرعي فلا مانع.
ثانيًا: أن نقول: إما أن تأخذوا بالحديث وتبطلوا الشرطين حتى من النوعين الأولين، وإما أن تدعوا الحديث لو اشترط أن يكون العبد مسلمًا خصيًّا كاتبًا، ثلاثة شروط، يصح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يصح، ومع ذلك هذه ثلاثة شروط، كيف تقولون: هذه تصح، وإذا قال احمل الحطب وكسره، ما يصح؟ أي فرق بينهما؟ كلاهما معلوم، وأما الشرطان اللذان يوقعان في المحظور فلا شك أنهما يحرمان، ويبطلان البيع.
مثل لو قال: بعتك هذا الشيء بكذا وكذا على أن تبيعني إياه نقدًا بكذا وكذا؛ يعني: مسألة العينة، هذان هما الشرطان في البيع.
فالصحيح أن الشرطين في بيع هما مسألة العينة فقط؛ لأن فيه اشتراط، اشتراط منين؟ اشتراط من البائع على المشتري وببيع عليك بمئة إلى أجل، بشرط أنك تبيعه عليَّ بثمانين نقدًا، هذا فيه محظور شرعي لا شك؛ لأنه المحظور الشرعي صار بسبب الشرطين، ولولاهما ما كان محظورًا.
إذن القول الراجح في هذه المسألة ما هو؟
أنه يجوز الجمع بين الشرطين إذا كانا معلومين وليس فيهما محظور شرعي، ويحمل الحديث على ما فيه محظور شرعي
.
طالب: (...)؟
الشيخ: ما عندهم دليل (...) أبدًا؛ لأنه لا فرق بلا شك بين أن يكون العبد كاتبًا خصيًّا، وبين أن تحمل الحطب وتكسره كلاهما من مصلحة المشتري.
طالب: (...) محظور.
الشيخ: لا، (...) ولهذا قلت لك الآن: إن هذان الشرطان لو أنفرد أحدهما لكان حلالًا، المراد: اللذان يحرمان باجتماعهما؛ يعني: يلزم المحظور باجتماعهما، ما هو معناه أنه يلزم إذا انفردا، ولَّا صحيح يرد علينا: لو كان المقصود أن كل واحد منهما يحمل محظورًا، لكن يكون محظورًا باجتماعهما فقط.
طالب: إذا قال: بعتك هذه الدار على أن تبعيني (...)؟
الشيخ: قال المؤلف -اسمع الكلام، هذا جواب المؤلف-: (ومنها فاسد يبطل العقد) فاسد من الشروط في البيع ما هو فاسد، (يبطل العقد) إذن هو فاسد مُفْسِد، الشروط اللي قبل فاسدة؟
طالب: غير مفسدة.
الشيخ: غير مفسدة، إلا إذا جمعت بين شرطين فإنه يكون فاسدًا مُفْسِدًا.
مثاله: (كاشتراط أحدهما على الآخر عقدًا آخر؛ كسلفٍ، وقرضٍ، وبيعٍ، وإجارةٍ، وصرفٍ) إذا اشترط أحدهما على الثاني عقدًا آخر فَسد البيع، يفسد البيع الأول والثاني؛ مثل قال: بعتك بيتي هذا على أن تبيعني بيتك هذا، هذا لا يجوز؛ لأنه شرط عليه عقدًا آخر.
الدليل: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة ، وهاتان بيعتان في بيعة، وما ورد النهي عنه فإنه يكون فاسدًا. إذن إذا اشترط عليه عقدًا آخر ما صحَّ.
يقول المؤلف: يُستثنى من هذا الرهن، الرهن يجوز؛ لأنه من مصلحة العقد، فإذا بعت عليك هذا البيت بشرط أن ترهنني سيارتك فهذا جائز، السبب: لأنه من مصلحة العقد وتابع له؛ إذ إن المقصود به التوثقة، فيجوز.
طالب: والعكس؟
الشيخ: والعكس ما هو؟
طالب: مثلًا أنا (...).
الشيخ: إذا فك الرهان يجب أن تعطيه له.
الطالب: هو أن أعطيه المال الذي..
الشيخ: لما أعطيته الفلوس اللي عليك يجب يعطيك رهنًا.
الطالب: يقول: لا أعطيك هذا (...).
الشيخ: لا إذا قال: يُغصب، ما يمكن يحدث بلا شك.
طالب: (...)؟
الشيخ: هب أن الآن أعطيته (...) أيش تطالبني؟
طالب: (...).
الشيخ: يقول: (عقدًا آخر كسلف) سلف؛ يعني قال: بعتك بيتي هذا بعشرة آلاف ريال على أن تقرضني كذا وكذا، هذا ما يجوز؛ لأنه شرط عقدًا آخر، فيكون بيعتين في بيعة، فلا يحل، وهذا الأخير فيه علة أخرى، هذا المثال فيه علة أخرى؛ وهي أنه قد يجر نفعًا بالاستقراض.
يقول: بعتك بيتي بعشرة آلاف على أن تقرضني مئة ألف، كيف الجر؟ لأنه ما راح يعطيه مئة ألف قرضًا إلا وقد نقص من قيمة البيت؛ يعني ما يمكن يبقى البيت بعشرة آلاف وهو يسوى عشرة (...) مئة ألف، لا بد أن البيت يسوى اثنا عشر مثلًا، لكن جعله له بعشرة؛ لأنه بيقرضه مئة ألف، فيكون ذلك حيلة على أيش؟
الطلبة: القرض.
الشيخ: على الربا، على القرض الذي جرَّ نفعًا، والقرض الذي جرَّ نفعًا يكون ربًا، فهذه المسألة نوافق المذهب عليها؛ أنه إذا اشترط عليه سلفًا؛ يعني قرضًا فإنه لا يصح
.
طالب: المقصود بالسلم يا شيخ.
الشيخ: نعم، أنا راح وهمي إلى القرض، هنا المراد السَّلم؛ لأنه ذكر المؤلف القرض بعد، خلينا الآن نقرر القرض، إذا اشترط عليه قرضًا فلا شك أنه لا يجوز؛ لأنه حيلة إلى أي شيء؟
الطلبة: الربا.
الشيخ: إلى الربا، إذا اشترط عليه سلمًا -وهو المراد بالسلف هنا- إذا اشترط عليه سلفًا فإنه لا يصح، وأيش مثال السلف؟ قال: بعتك بيتي هذا بمئة ألف ريال، بشرط أن تسلفني ألف ريال بمئة صاع إلى أجل.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما عندنا شيء.
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، السَّلم تعريفه أولًا: أن أقدم دراهم بسلعة مؤجلة، فأقول لك: هذه مئة درهم بمئة صاع بر بعد سنة، المؤجل الآن الثمن ولَّا المُثمَن؟
الطلبة: المُثمَن.
الشيخ: المثمن، هذا هو السلم، فأنا مثلًا بعت على هذا الرجل بيتي بمئة ألف على أن يُسلم لي عشرة آلاف ريال -مثلًا- بمئة صاع أو بألف صاع من البر، ما تقولون؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: يقول المؤلف: إنه لا يجوز.
والدليل: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة ، ثم إنه أيضًا قد يربح في باب السلم، قد يربح فيما لم يضمن، ربما أن المشتري يسلم إليه مئة، يسلم إليه الدراهم بثمن أقل، لكن نظرًا إلى رغبته في هذا البيت.
القرض انتهينا منه يقول المؤلف: (وقرض وبيع) البيع مثلنا به أولًا: بعت عليك بيتي هذا على أن تبيعني بيتك هذا، (وصرف).
طالب: (...).
الشيخ: ما يخالف، يقول: (وصرف) أيش هو الصرف؟
طالب: (وإجارة) أولًا.
الشيخ: (وإجارة) قال: بعتك هذا البيت على أن تؤجرني بيتك لمدة سنة، يقول إن هذا لا يصح؛ لأنه بيعتين في بيعة، وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم.
الصرف نوع من البيع، لكنه بيع نقد بنقد، قال: بعتك هذا البيت بمئة ألف على أن تصرف لي مئة دينار بعشرة آلاف درهم -مثلًا- يقول: إن هذا لا يصح.
والحاصل أنه على المذهب إذا شرط عليه عقدًا آخر فإن البيع لا يصح، والدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة، ولكننا نقول: الصحيح في هذا الصحة، وأنه يجوز أن يشترط عليه عقدًا آخر، بشرط ألَّا يتضمن ذلك محظورًا شرعيًّا، فإن تضمن محظورًا شرعيًّا حرُم للمحظور الشرعي.
مثال الذي يتضمن محظورًا شرعيًّا أن يجمع بين بيع وقرض، هذا محظور شرعي (...) بيع وقرض
.
قلت: بعت عليك بيتي هذا بمئة ألف ريال على أن تقرضني مئة ألف ريال؛ لأننا في حاجة إلى مئتين، تقول: بعتك بيتي بمئة ألف ريال على أن تقرضني مئة ألف ريال، هذا لا يجوز؛ لأنه قد يجر نفعًا في قرض، والنفع في القرض ربًا.
وكذلك لو قال: بعت عليك هذا الحلي بمئة درهم على أن تبعيني الحلي الذي عندك بخمسين أو بمئة، المهم تبيعني الحلي، هذا أيضًا لا يجوز؛ لأنه حيلة على بيع الذهب بالذهب متفاضلًا في الغالب، فبدل ما أني أقول: بعت عليك هذا الذهب بهذا الذهب مع زيادة، ذهبت أقول: بعت عليك هذا الذهب بشرط أن تبيع عليَّ هذا الذهب، وهذا محظور شرعي، فلا يجوز.
وأما إذا جمع بين بيع وإجارة، أو بيع وصرف، أو بيع وسَلَمٍ، فلا وجه لمنعه؛ لأن ما فيه محظور شرعي.
بقي أن نقول: ما هو الدليل على أنه جائز؟
نقول: الدليل عموم قوله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة: ٢٧٥]، هذا عام، فمن أخرج أي صورة منها طالبناه بالدليل.
وبقي علينا الإجابة عن دليل الذي منع، نقول: إن بيعتين في بيعة ليس متفقًا عليه أنه بهذا المعنى، بل من العلماء من يقول: إن بيعتين في بيعة أن يقول: بعتك هذا بعشرة نقدًا، أو بعشرين نسيئة، فيقول: هذا هو بيعتان في بيعة.
ومنهم من يقول: إن بيعتين في بيعة هي مسألة العينة؛ لأنها بيعتان في بيعة.
والصحيح أن بيعتين في بيعة هي مسألة العينة، كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
، وكما يدل عليه حديث أبي داود: «مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا» .
تأمل الآن: بعت عليك هذا البيت بمئة ألف إلى سنة، هذه بيعة، اشتريته منك بثمانين نقدًا، هذه البيعة الثانية، والمبيع؟
الطلبة: واحد.
الشيخ: واحد، فهو بيعتان في بيعة، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا»، ما أوكسهما الآن في هذا المثال؟
الطلبة: أقلهما.
الشيخ: أقلهما؛ يعني الثمانين أو الربا إن أخذ بالمئة، فأنا -مثلًا- إذا أخذت منك بثمانين؛ إما أن اقتصر على الثمانين ولا أطالبك بالعشرين، وإما أن أعطيك الثمانين وأطالبك بالعشرين، صورة واضحة ولَّا لا؟
نعيد مرة الثانية: بعت عليك هذا البيت بمئة ألف إلى أجل، هذه بيعة، اشتريته منك نقدًا بثمانين وأعطيتك الثمانين، هذه بيعة أخرى، الآن أنا بعت بيعتين في بيعة لي أوكسهما أو الربا، وأيش أوكسهما؟
الطلبة: ثمانين.
الشيخ: ثمانين؛ يعني إما ألَّا أطالبك بالعشرين وأقول: الحمد لله، السلعة وصلت لي والثمانين خذها، وإما أن أطالب بالعشرين، فأقع في الربا، كأنني أعطيتك ثمانين بكم؟
طالب: ثمانين بمئة.
الشيخ: ثمانين بمئة، هذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام في تفسير الحديث، وهو ظاهر.
وأما قول الإنسان: بعتك هذا بعشرة نقدًا أو بعشرين نسئية فلا بأس به؛ لأنه لا يخرج؛ إما أن نتفرق بدون قطع ثمن، وإما أن نقطع الثمن من قبل التفرق، إن قطعنا الثمن قبل التفرق وقلت: أخذته بعشرة نقدًا، فالبيعة واحدة ولَّا اثنتين؟
الطلبة: واحدة.
الشيخ: واحدة، وإن تفرقنا فإنه يبقى الثمن مجهولًا إذا لم يجعل أمدًا محددًا يبقى الثمن مجهولًا، ومعلوم أن من شروط البيع أن يكون الثمن؟
الطلبة: معلومًا.
الشيخ: معلومًا، فهنا لا؛ لأنه بيعتان في بيعة، ولكن لأن الثمن مجهولًا؛ ولهذا لو أنه حدد قال -مثلًا-: بعتك إياه بعشرة نقدًا أو بعشرين نسئية، ولك الخيار لمدة يومين فهذا جائز؛ لأنه ما فيه محظور، والله أعلم.
(...) لا في أصلها ولا في وصفها، هذا الأصل ما هي مثل العبادات، العبادت الأصل فيها الحذر؛ في أصلها ووصفها، لكن هذا الأصل فيه الحل، فإذا لم نعلم أن هذه الصورة داخلة فيما يقبل المنع فإننا نقول لمن منعها: أين الدليل؟
وفاسد مُفْسِد وفاسد غير مُفْسِد، الفاسد المُفْسِد تقدم الفاسد غير المُفْسِد، يقول المؤلف: (إن شرط أن لا خسارة عليه) (شرط) الفاعل مَن؟
طالب: البائع.
الشيخ: انتبه.
الطلبة: لا، المشتري.
الشيخ: لا، ما هو -أصلًا- مذكور، شوف المعنى: إن شرط أن لا خسارة عليه.
طالب: المشتري.
الشيخ: المشتري؛ لأن (...) ينتقل إليه، فقد يخسر، وقد يربح، اشترى شيئًا من شخص، وقال: شرط (…)؛ يعني: إن بعته ونقصت قيمته عن ثمنه فليس علي شيء.
يقول المؤلف: إن هذا لا يجوز، يفسد الشرط، ولا يفسد العقد، يفسد الشرط؛ لأنه خلاف مقتضى العقد، وأيش مقتضى العقد؟ مقتضى العقد أن الإنسان إذا ملك شيئًا صار له غنمه، وعليه غرمه.
وما هو الدليل؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» ، فإذن إذا شرط المشتري أن لا خسارة عليه فإن هذا الشرط فاسد غير مُفْسِد، وعندنا في ذلك دليل وتعليل.
أما التعليل فلأنه مخالف لمقتضى العقد، وكل شرط يخالف مقتضى العقد فإنه باطل، ما هو الدليل على أن الشرط المخالف لمقتضى العقد يكون باطلًا؟ الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أبطل شرط البائع لنفسه الولاء، في قصة بريرة كاتبت أهلها على تسع أواق من الورق، وجاءت تستأذن عائشة، فقالت لها عائشة رضي الله عنها: إذا أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت .