كتاب البيع (الشرح الأول) - 5
عدد الزيارات 1244

عناصر المادة :
باب الخيار

النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «خُذِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ» . فأخذتها بهذا الشرط، فلما تم العقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس، وبيَّن أن هذا شرط باطل، فقال: «مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» . فأبطل الرسول عليه الصلاة والسلام الشرط هذا، لماذا؟ لأنه يخالف مقتضى العقد؛ إذ إن مقتضى العتق أن يكون الولاء للمعتق لا لغيره؛ ولهذا قال العلماء: كل شرط خالف مقتضى العقد فهو باطل.
وانتبه، لا تتصادم عندك العبارتان؛ العبارة الأولى: كل شرط خالف مطلق العقد فهو باطل، هذا لا يصح التعبير به؛ لأن جميع الشروط الزائدة على أصل العقد تعتبر مخالفة لمطلق العقد، لكن الشروط الفاسدة هي التي تكون مخالفة لمقتضى العقد انتبهوا، إذن إذا شرط ألا تشترط عليه فالشرط فاسد، والعقد صحيح؛ لأن العقد ما حصل فيه خلل، الثمن معلوم، جميع الشروط موجودة، لكن هذا الشرط لما كان مخالفًا لمقتضى العقد ألغي كما ألغى النبي صلى الله عليه وسلم شرط الولاء، وصحح البيع ولَّا لا؟
طلبة: صحح.
الشيخ: صحح البيع. ومن هذا النوع ما يفعله بعض الناس عندنا هنا في عنيزة، يأتي صاحب البستان في أيام بيع الثمار، يجي جماعة من الناس يشتركون في شراء ثمر هذا النخل، يقول لهم الفلاح: اشتروه مني، فإن حصل فيه ربح فهو لكم، وإن حصلت فيه خسارة فعلي. ما تقول في هذا الشرط؟ هذا شرط باطل، الخسارة تلزم المشتري، ولو شرطوها على الفلاح، وهذه الصفقة التي تستعمل عندنا صفقة يجب منعها، لماذا؟ لأن هؤلاء الشركاء إذا اشتروا تجدهم عندما يفردونه نخلة نخلة، تجدهم يزيدون في ثمن هذه النخلات على وجه النجش لأجل أن يزيد الثمن فيزيد الربح لهم، ويكون الضرر على من؟ الضرر على المستهلك، على أصحاب الحاجات، وهؤلاء الظلمة هم الذين يربحون؛ ولهذا نسأل الله أن يوفق ولاة الأمور إلى منع هذا العمل.
كثير من الناس صار -والعياذ بالله- يفعل هذا الفعل، ومع هذا -بإذن الله- تجد الفلاح يبيعها بثمن، ثم يربح هؤلاء أكثر من النصف في بعض الأحيان، ولكنه قد يكون ربحًا محرمًا ناتجًا عن النجش.
(شرط ألا خسارة عليه) شرط أيضًا (أو متى نفق المبيع وإلا رده) هذا بعد فيه جهالة.
(متى نفق) يعني زادت قيمته؛ لأن نفق الشيء بمعنى صار غاليًا، ومنه الحديث حديث أبي ذر: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» .
إذن (متى نفق) يعني زاد، واللي يشترط هذا من؟ المشتري يقول: أنا اشتريت منك بمئة، لكن متى زاد وإلا رددته عليك، هذا الشرط باطل، والعقد فصحيح، فلو أن المشتري باعه بأقل مما اشتراه به أو بمثله، فهل يرجع على البائع، لا؛ لأن هذا الشرط فاسد.
(أو لا يبيع، ولا يهب، ولا يعتق، أو إن أعتق فالولاء له، أو أن يفعل ذلك بطل الشرط) هذه الشروط فيها نفي وإثبات؛ لأنه قال: (لا يبيع، ولا يهب، ولا يعتق) هذا نفي (أو أن يفعل ذلك) ويش معنى يفعل ذلك؟ يعني يبيع، ويهب، ويعتق.
يقول المؤلف: (بطل الشرط وحده إلا إذا شرط العتق) شرط ألا يبيع وهذا تحته صورتان:
الصورة الأولى: أن يشترط عليه ألا يبيعه مطلقًا.
والصورة الثانية: أن يشترط ألا يبيعه على فلان خاصة.
وكلاهما على المذهب شرط فاسد، لماذا؟ لأنه يخالف مقتضى العقد؛ إذ مقتضى العقد أن المالك يبيع ملكه على من شاء، أليس كذلك؟ وإن شاء لم يبعه، فإذا قيد، قال: بشرط ألا تبيعه، فإن هذا الشرط يرونه فاسدًا لمخالفته مقتضى العقد، ولكن الصحيح أن في ذلك تفصيلًا وهو إن كان شرط عدم البيع لمصلحة تتعلق بالعاقد أو بالمعقود عليه فإن الصحيح صحة ذلك
؛ مثاله اللي يتعلق بالعاقد: أنا أعرف أن هذا الرجل محتاج إلى بيت، وأريد أن أبيع عليه بيتي، لكني أعرف أنني إذا بعت عليه البيت -رجل ما عنده حسن تصرف، يمكن أبيعه عليه في الصباح، ويبيعه هو في آخر النهار- وأنا إنما بعته عليه من أجل أن ينتفع به ويسكنه، فأقول له: ما أبيع عليك هذا البيت إلا بشرط ألا تبيعه، فيلتزم بهذا، هذا من مصلحة مَنْ؟ من مصلحة العاقِد المشتري؛ مصلحة المعقود عليه: عندي عبد وهو عندي في منزلة عالية، فجاءني شخص أثق به وآمنه على هذا العبد، فقال: بعني عبدك، فقلت: أبيعه عليك بشرط ألا تبيعه؛ لأني أخشى إذا باع عبدي على إنسان غشيم، يظلمه، يهينه، يذله، ما أريد هذا للعبد، فقلت: نعم، أبيع عليك عبدي بشرط ألا تبيعه. المصلحة هنا تعود على أيش؟
على العبد المعقود عليه؛ فأنا لي مصلحة بذلك، وكثيرًا ما يكون الإنسان لا يهمه أن يشتري عبده شخص مثله في الأمانة، والثقة، وعدم الظلم، لكن لا يريد أن يباع العبد على شخص يهينه، وربما يفجر به والعياذ بالله. تمام؟ إذن فيه مصلحة، وهل المصالح تُنافي الشريعة؟ لا، بل إن الشريعة كلها جاءت لتقرير المصالح، ولولا أن الأهواء تتعدد لربطنا أحكام الشريعة بما يراه الإنسان مصلحة هو بنفسه، لكن لما كانت الأهواء تتعدد والإنسان قد تخفى عليه المصلحة ما صرنا نطلق: إنه كل ما رآه الإنسان مصلحة فهو حلال.
على كل حال هذه المسألة صار فيها مقصود شرعي، والصواب أنه إذا شرط ألا يبيعه، وكان ذلك من مصلحة العاقد أو المعقود عليه؛ فإن ذلك جائز.
قلت: إن هناك صورة خاصة إذا شرط ألا يبيعه مثل أن يقول: بشرط ألا تبيعه على فلان، يُعيِّن؟ هل يجوز على المذهب هذا الشرط ولَّا لا؟ ما يجوز لأنه يخالف مقتضى العقد؛ ولكن الصحيح أنه جائز.
قد -مثلًا- يكون أحد الناس معروف بالشر والفساد، وعندي عبد، فجاء شخص ثقة أمين يشتري هذا العبد، قلت: لا بأس، أبيعه عليك، لكن بشرط ألا تبيعه على فلان، على فلان خاصة، بيجوز هذا ولَّا لا؟
على المذهب لا يجوز، والصحيح أنه جائز
؛ لأن هذا من مصلحة المعقود عليه، كذلك عندي بعير، جاء إنسان بيشتريها قلت: أنا أبيعها عليك، لكن بشرط ألا تبيعها على فلان، فلان هذا معروف بأنه رجل لا يرحم البهائم، يحمِّلها ما لا تطيق، ويضربها على غير خطأ، ويُجيعها ويجعلها في العراء في البرد، فقلت: بشرط ألا تبيعها على فلان خوفًا من أن يسيء إلى هذه البهيمة، يجوز ولَّا لا؟
الصحيح أنه يجوز، والمذهب: لا يجوز، ولكن الصواب أنه جائز؛ لأن في ذلك مصلحة للمعقود عليه، وقد اشترى عثمان من صهيب أرضًا، وشرط عليه أن يوقفها، لكن تأتينا -إن شاء الله- في عكس هذه المسألة.
شرط ألا (يهبه)، ويش معنى الهبة؟ التبرع بالمال بدون عوض في حال الحياة، هذه الهبة، قلت: ببيع عليك هذا البيت بشرط ألا تهبه، الشرط ألا أهبه، أنا حُرٌّ في ملكي، إذا شريت منك هذا، أهبه، أؤجره، أبيعه، أوقفه، ويش عليك؟ يقول: لا، بشرط أنك ما تتبرع به، إن نقلته عن ملكك انقله بعوض وإلا بهبة لا، فالمذهب: لا يجوز هذا الشرط، والعقد صحيح، لكن هذا الشرط لا يصح؛ لأنه يخالف مقتضى العقد؛ لأن مقتضى العقد أن المالك يتصرف، ولكن الصحيح أنه جائز.
وهذا في الغالب يكون من مصلحة مَنْ؟ مصلحة العاقد المشتري، أنا أعرف أن هذا الرجل يده صفوان مرتفع، لا يستقر عليها الماء؛ أي نقطة تنزل بهذا الصفوان المرتفع ما تبقى تمشي، فخِفت إذا بعت عليه هذا الشيء أنه بمجرد ما يلزم البيع يهبه، يصح أنه يقول: بشرط ألا تهبه؟ يصح أن يقول، لاحظوا إذا صح الشرط ماذا يترتب عليه، إذا صح الشرط فإن لمن له الشرط أن يفسخ العقد إذا تخلف الشرط، فالمسألة ما هي هينة، يكون هذا الرجل لو وهبه، وأنا قد شرطت عليه ألا يهبه، فأنا أفسخ البيع وأعطيه دراهمه وآخذ المبيع. والله أعلم (...).

***

شرط عليه ألا (يعتقه) هذا الشرط، حكمه أنه فاسد، والعقد صحيح؛ لأن هذا لا يخل بالعقد، لكنه فاسد؛ لأنه يمنع المشتري مما جعله الله له؛ وهو التصرُّف، وهل في هذا مصلحة؟ يعني لو قلنا بأنه يجوز أن يشترط ألا يعتقه، هل فيه مصلحة؟
قد يكون، لكنها ليست كالصور الأولى؛ لأن العتق نفسه مصلحة، لكن ربما أقول: لا تعتقه؛ لأني أخشى أن يتلف ماله؛ وهو لا يدري يضيع ماله، فالصحيح أن هذه الأمور الأربعة أو الثلاثة: ألا يبيع، ولا يهب، ولا يعتق، أن شرطها جائز إذا كان في ذلك مصلحة إما للعاقد، وإلا للمعقود عليه
.
(أو أن يفعل ذلك) شرط أن يفعل ذلك، عكس الأول، شرط أن يبيعه، قال: بعت عليك هذا البيت بألف بشرط أن تبيعه، وهذا له صورتان أيضًا: إما أن يشترط أن يبيعه مطلقًا، أو أن يبيعه على فلان، قال: أبغي أبيعه عليك بألف بشرط أن تبيعه على زيد.
يقول المؤلف: إن هذا لا يصح؛ لأنه يخالف مقتضى العقد؛ إذ مقتضى العقد أني حُرٌّ أبيع، أو ما أبيع، أبيع على فلان، أو على فلان، ما لك دخل، الملك انتقل إليَّ، أما شرطه أن يبيع فقد يتوجه ما قال المؤلف أنه لا يصح، وأما شرطه أن يبيع على فلان، أو إن بعت فبعه على فلان فقد يقال: إن الصحة أوجه، إنه يصح؛ لأنه قد يكون فلان طلب مني هذا البيت، ولكنه الآن ليس بحاضر فأقول للمشتري: لا بأس، أنا أبيعه عليك، ولكن بشرط أن تبيعه على فلان إن طلبه، هذا قد يكون فيه مصلحة للمشتري مني؛ لأنه ربما يبيعه على فلان بربح، وفيه مصلحة بالنسبة لفلان الذي طلب مني البيت بألا يفوت عليه. المهم أن هذه المسألة المذهب لا يصح، إذا قال: بشرط أن تبيعه سواء عيَّن من يبيعه عليه أو أطلق.
أن يهب مثلها؛ يعني يقال: بعت عليك هذا الشيء بشرط أن تهبه لفلان، نقول: هذا أيضًا لا يصح الشرط؛ لأنه يخالف مقتضى العقد، لو اشترطت عليك، قلت: بِعتُكَ هذا الشيء بشرط أن توقفه على الغزاة في سبيل الله ما يصح على المذهب، لكنهم ذكروا أثرًا عن عثمان رضي الله عنه: أنه اشترى من صهيب أرضًا، واشترط عليه وقفها .
ومقتضى هذا جواز شرط وقْف المبيع
؛ لأن في ذلك مصلحة لي أنا، ومصلحة لك أنت؛ يعني مثلًا: بِعْت عليك هذا البيت، وقلت: بشرط أن توقفه على الغُزَاة في سبيل الله، بشرط أن تُوقفه على طلبة العلم، بشرط أن تُوقِفه على الغرباء، بشرط أن تُوقِفه على أهل العبادة من العُبَّاد، وما أشبه ذلك فيه مصلحة هذا ولَّا لا؟ فيه مصلحة لي ولك، أما لي فلأن ذلك من التعاون على البر والتقوى، وأما لك فلأن الأجر سيكون لك، وهذا قد يكون خيرًا لك من الدنيا؛ فالصحيح في هذه المسألة أنه إذا شرط أن يُوجِّهه إلى شيء فيه خير؛ فإنه لا بأس به، ولا حرج. شرط..
طالب: (...).
الشيخ: اشتراه للأغاني، فهو ما يجوز، ومع الأسف أن غالب الناس الآن يشترونها للأغاني، وعلى هذا فالاتجار بها ما أراه، الاتجار بالراديو لا أراه؛ لأن غالب من ينتفع به أو من يستعمله للمحرَّم؛ لكن بيعه الأصل فيه الحل، ففرق بين الاتجار اللي يعرضه لكل أحد، وبين البيع اللي يبيعه على واحد ما ينتفع به لمحرم.
طالب: (...).
الشيخ: لا، هو لا بد بثمن المثل، إي نعم؛ أما إذا تحيل شيء يسوى عشرة قال: ببيعه عليك بألف، هذاك ما هو مشتري.
يقول المؤلف: (أو إن أعتق فالولاء له) هذه ما أخذناها.
طالب: حديث بريرة.
الشيخ: إي، لكن كلام المؤلف يقول: شرط إن أعتق، فالولاء له، فالبيع صحيح، والشرط فاسد، ودليله واضح: حديث بريرة.
قال المؤلف: (أو أن يفعل ذلك بطل الشرط وحده إلا إذا شرط العتق) مين اللي يشترط العتق؟ البائع على المشتري، قال: بعتك هذا العبد بشرط أن تعتقه؛ فهذا جائز، لماذا؟ قالوا: لأن الشرع متشوف للعتق، ومُرَغِّب فيه؛ ولأن الشراء يُراد للعتق؛ فالإنسان الذي عليه الكفارة يشتري عبدًا ليعتقه، فلا يكون ذلك مخالفًا لمقصود العقد. إذن ما فائدة المشترِي إذا شرطنا أنه يُعتِق هذا العبد، وقلنا: إنه صحيح، فما فائدته من الشراء؟
طالب: الأجر والثواب.
الشيخ: الأجر والثواب والولاء؛ لأن هذا العبد ربما يغنيه الله، ويكون عنده مال كثير، ولا يكون له عاصب إلا من أعتقه، فيستفيد، ثم إن الولاء -فيما سبق- قد يكون مفخرة إذا كان مولى الإنسان عالِمًا نافعًا، أو غنيًّا نافعًا، أو ما أشبه ذلك يكون مفخرة، مولى فلان، فالحاصل أنه إذا شرط على المشتري أن يعتق العبد، فإن فيه مصلحة للمشترِي، ولو أعتق العبد.
طالب: (...).
الشيخ: أيش؟ ففي الكفارات أن يكون العتاق مؤمنًا، بل إن ظاهر حديث معاوية بن الحكم أنه لا يُعتق إلا المؤمن؛ لأنه لما ذكر أن له جارية لطمها، وأنه يريد أن يعتقها فكاكًا من إثمه دعاه الرسول عليه الصلاة والسلام، دعا الجارية، وقال: «أَيْنَ اللَّهُ؟». قالت: في السماء. قال: «مَنْ أَنَا؟» قالت: رسول الله. قال: «أَعْتِقْهَا؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» .
وذكر أهل العلم أنه إذا كان يخشى من العبد أن يرجع إلى الكفار إذا أعتق؛ فإنه لا يعتق.
طالب: الولاء، ولكن لمصلحة.
الشيخ: ما يجوز. طيب لو أن أحدًا رأى شخصًا له ولد مُهذَّب، وعالم ونافع الناس بعلمه، وغني ونافع الناس بماله، شجاع ونافع الناس بشجاعته، قال: تعالَ أنا بعطيك مئة مليون، وخلِّ الولد لي، ما يحصل، فالولاء لُحمة كلُحْمة النسب، ما يمكن يتغير.
طالب: شيخ، إذا صححها (...).
الشيخ: عدم التصحيح، أما إذا قلنا بالصحة فإنه يترتب على ذلك أنه إذا لم يفِ بها، فلمن هي له الفسخ، وأما إذا قلنا بعدم الصحة، فلا حق للمشترط لها، لكن هل له حق الخيار أم لا؟ سيأتينا في كلام المؤلف -إن شاء الله- أن له حق الخيار؛ يعني لمن اشترط شرطًا فاسدًا أن يفسخ العقد، إذا فات عليه شرطه، هذا الفرق.
طالب: (...)، وإعتاق العبد، هل هذا فيه (...)؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنه هو الذي التزم به، هذا الرجل التزم به، أنا ما ألزمته، تبغي تشتريه بشرط أن تعتقه أهلًا وسهلًا، ما أنت مشتريه، خليه راكن عندي، فإذا التزم بذلك.
طالب: هل هذه المسألة واقعة؟
الشيخ: واقع؟ (...) من الدراهم، ويحب أن يتحرر هذا العبد، أو ربما أن المشتري مثلًا جاء إليه، وهو كان يريد أن يعتقه، فقال: جزاك الله خير، بعه عليَّ؛ لأني أنا محتاج إلى كفارة، عليَّ كفارة يمين، أو كفارة ظهار، وقال: لا بأس، فخاف أن يكون في ذلك خديعة له، البائع خاف أن هذا المشتري لما يجي يقول: أنا أبغي أعتق عبدك؛ لأني عليَّ حاجة لكفارة، خاف أن يكون كاذبًا عليه مثلًا، أو خاف أنه إذا رأى في العبد ما يعجبه ألا يعتقه، وأن يطلب عبدًا آخر يعتقه، فاشترط عليه ذلك.
يقول: (إلا إذا شرط العتق)؛ يعني فإنه يصح، والسبب في ذلك قلت: لأن الشرع يتشوف للعتق وتحرير الرقاب.
(وبعتك على أن تنقدني الثمن إلى ثلاث، وإلا فلا بيع بيننا صح) عندنا صورة نذكرها قبل، قال: بعتُك إن رضي زيد، ويش تقولون في هذا؟ سيذكره المؤلف، ما يصح، بعتك إن جئتني بكذا، ما يصح؛ لأن العقد مُعلَّق، والعقد المعلق لا يصح، لكن الصورة اللي معنا (بعتُك على أن تنقدني الثمن إلى ثلاث، وإلا فلا بيع بيننا)، قال: بعتك هذا الشيء بألف ريال بشرط أن تنقدني الثمن في خلال ثلاثة أيام، فإن مضت ثلاثة الأيام، ولم تنقدني الثمن فلا بيع بيننا، واضح هذا ولَّا لا؟ يصح هذا ولَّا ما يصح؟
يقول المؤلف: إنه يصح؛ لأن التعليق هنا ليس للعقد، ولكنه للفسخ؛ ولهذا قلت: فلا بيع بيننا، بعتك: هذا إثبات، لا بيع: هذا فسخ؛ فالْمُعَلَّق هنا الفسخ، وفيه مصلحة ولَّا لا؟ فيه مصلحة للبائع، أنا خشيت أن هذا الرجل يماطِل بي، فقلت: إن نقدتني الثمن إلى ثلاث، أو أربعة أيام، أو أسبوع حسب ما أريد وإلا فلا بيع بيننا، نقول: هذا جائز ولا بأس به؛ لأن فيه مصلحة، ولا يخالِف شرْعًا، وإذا كان فيه مصلحة، ولا يخالف الشرع فهو جائز، لكننا نقول: إن هذا تعليق فسخ، وليس تعليق عقد.
طالب: (...) الطلاق يا شيخ؟
الشيخ: الطلاق؟
طالب: (...).
الشيخ: يصح؛ لأنه تعليق فسخ.
طالب: (...).
الشيخ: بعتك إن جئتني بكذا، فقال: قبلت. يقول المؤلف: هذا لا يصح؛ لأنه تعليق عقد، وتعليق العقد لا يصح، هذه القاعدة في المذهب أن جميع العقود لا يصح تعليقها، هذا هو الأصل إلا أنهم استثنوا من ذلك عقود الولايات والوكالات، فإنه جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحاب غزوة مؤتة: «أَمِيرُكُمْ زَيْدٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَجَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ» . فعلَّق الولاية بالشرط، قالوا: كل الولايات التي يكون فيها الإنسان نائبًا عن غيره يجوز تعليقها، مثل: الوكالة، وأما بقية العقود المحضة، فالأصل فيها عدم جواز التعليق مع أنهم -رحمهم الله- في بعض الأحيان يجيزون تعليق العقوبة، ومن ثَمَّ اختلف أهل العلم الفقهاء: هل يجوز تعليق العقود أو لا يجوز؟ فجادة المذهب أنه لا يجوز تعليق العقود إلا ما استُثني، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية يرى جواز تعليق العقود إذا كان المعلَّق عليه أمرًا ممكنًا معلومًا، وهذا الذي ذهب إليه الشيخ هو الصحيح؛ أن تعليق العقود إذا كان الْمُعلَّق عليه أمرًا ممكنًا معلومًا.
وقولنا: ممكنًا؛ يعني شرعًا وقدرًا، فإنه جائز؛ لأن ذلك فيه مصلحة، وكوننا نفرق بين عقد وعقد، هذا تناقض إلا بدليل واضح يقتضي التفريق، بل كوننا نفرق بين العقد والفسخ؛ الأصل أنه إذا جاز تعليق الفسخ جاز تعليق العقد.
لكن نقرر ما ذكره المؤلف قال: (إن جئتني بكذا) ويش مثال: (إن جئتني بكذا) أيش؟
بعتك إن رضي زيد، وظاهر كلام المؤلف سواء كان زيد أبًا للبائع أو أخًا كبيرًا ممن يحب أن يرضى بتصرفه، لا فرق، قال: بعتُك هذا إن رضي أبي، أو بعتُك هذا إن رضي أبوك، أو بعتك هذا إن رضي فلان من الناس، هذا لا يجوز، لماذا؟
لأنه تعليق للبيع، والبيع لا بد أن يكون منجزًا، والصحيح أنه جائز
؛ لأن ذلك تدعو المصلحة إليه أحيانًا، قد يأتيني مثلًا شاب، ويلزم عليَّ أن أبيع عليه بيتي، فأقول: بعتُك بيتي إن رضي أبوك، وأنا عارف إن أبوه ما براضٍ، وأن المصلحة تقتضي ألا يشتري هذا الشاب البيت، ولَّا لا؟ فأقول: إن رضي أبوك ما عندي مانع، بعتك إياه، فهذا ما فيه مانع، ويش المانع من هذا؟ قلت: بعتك بيتي بعشرة آلاف ريال إن رضي أبوك، ليس فيه مانع شرعي؛ فالصواب جوازه، ولكن لا بد أن تحدد بمدة لئلا تطول، فيحصل الضرر؛ لأن كلمة: إن رضي، أو إن جئتني بكذا، إذا جعلناها مطلقة إلى متى؟
طالب: إلى ما شاء الله.
الشيخ: ما ندري؛ ولهذا لا بد أن تُحدَّد بمدة حتى يزول الخلاف والنزاع. (أو يقول للمرتَهِن: إن جئتُك بحقك)؛ يعني في وقت كذا، وإلا فالرهن لك لا يصح البيع. (يقول: للمرتهن) من الذي يقول للمرتهن؟ الراهِن، من الراهِن؟ هل الراهن الطالب ولَّا المطلوب؟
طلبة: المطلوب.
الشيخ: المطلوب، هذا الراهن، وعند العوام أن الراهن هو الطالب، والحقيقة أن الراهن هو المطلوب، والطالب مرتهن، مثال ذلك: أنا مثلًا في ذمتي لفلان ألف ريال، وطلب مني رهنًا، أعطيته سيارة رهنًا، نسمي هذا الرجل مرتهنًا وأنا راهِن، قلت لهذا المرتهن: إن جئتك بألف ريال في خلال أسبوع وإلا فالسيارة لك، يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز، لماذا؟
على المذهب لا يجوز؛ لأنه بيع مُعلَّق؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ، لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» . وهذا إغلاق للرهن من صاحبه.
نشوف التعليل والدليل؛ القول الثاني في هذه المسألة: أنه يصح أن يقول الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك في وقت كذا، وإلا فالرهن لك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، بل إن أحمد -رحمه الله- فعله بنفسه، فقد اشترى حاجة -أظنها من بقال- وليس معه فلوس فقال للبقال: خذ نعليَّ، إن جئتك بحقك في وقت كذا وإلا فالنعال لك، فأخذ نعليه (...)، هل جاب فلوس ولا راحت نعلاه؟
على كل حال، الإمام أحمد نفسه فعلها، وفعله له يدل على جوازه عنده؛ لأن مثل الإمام أحمد رحمه الله لا يمكن أن يفعل شيئًا لا يراه جائزًا حسب حاله، والعصمة بيد الله عز وجل.
المهم أن هذه المسألة اختلف فيها العلماء؛ وهو أن يقول الراهن للمرتهِن: إن جئتك بحقك في وقت كذا وإلا فالرهن لك، فالمشهور من المذهب أنه لا يجوز، والقول الثاني أنه يجوز.
على المذهب إذا لم يأتِ الراهن بحق المرتهن في الوقت المحدد، ماذا يصنع المرتهن؟
طالب: (...).
الشيخ: ما يملك الرهن، يبقى عنده رهنًا حتى يأتي ذاك بحقه؛ لأن هذا العقد غير صحيح، وما ليس بصحيح، فإنه لا أثر له.
أما على القول الثاني، فإنه إذا تمت المدة، ولم يأتِ الراهن بحق المرتهن يكون الرهن ملكًا للمرتهِن.
القول الثاني: الذين يقولون بالتصحيح يقولون: إن هذا شرط لا ينافي العقد، وشرط فيه مصلحة لكلا الطرفين، وأما التعليل بأنه عقد مُعلَّق فإننا نمنع من صحة هذا التعليل، ونقول: إن الأصل جواز الشرط، ولو كان تعليقًا للعقد
، وأما الحديث: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» ، فلا ينطبق على هذه المسألة؛ لأنه ما دام صاحبه قد رضي بذلك، هل أُغلِق عليه؟ أبدًا ما أُغلق عليه، ثم إن تفسير قوله: «لَا يَغْلَقُ» بقوله: «لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ»، يدل على أن الغلق معناه أن المرتهِن يستغل الرهن، وإذا تلف يُضمِّن الراهِن، فيكون هنا أخذ الغنم، ولم يقُم بالغرم، وهذا لا شك أنه إغلاق على صاحب الرهن.
طالب: (...).
الشيخ: على كل حال، إذا كان الراهن يرى أن هذا الرهن أكثر مما يُطلب لا يفرط فيه أبدًا.
طالب: ممكن يا شيخ عذر؟
الشيخ: أحسنت، إذا كان عذر يكون هذا محل نظر؛ يعني لو فُرض أن الراهن توجه بحقه إليه، لكن تعطَّلت السيارة مثلًا، أو كان هناك عُذر، هذا ينظر فيه في وقته، إنما الأصل الصحة، يمكن بعضكم لا يدري ماذا يُسمَّى، في عرفنا يسمونه بيع الخيار، إذا سمعت بيع الخيار فهو هذا، يقولون مثلًا: إن قطع له، أو أنه اشتراه من هذا بيع خيار؛ بيع الخيار هو الذي يقول: إن جئتك بحقك، وإلا فالرهن لك، وسموه خيارًا؛ لأن البائع بالخيار إذا جاء بحقه ما صار بيعًا.
قال المؤلف: (وإن باعه، وشرط البراءة من كل عيب مجهول لم يبرأ) (باعه وشرط البراءة) (باعه) كيف باعه، هو عبد حتى يباع؟
طالب: باع عليه.
الشيخ: إي، نقول: (باع) هذه تتعدى بنفسها وبحرف الجر، فتقول: بعته البيت، وتقول: بعتُ عليه البيت أو لا؟ وتقول: بعتُ زيدًا على البيت.
طلبة: لا،..
الشيخ: ما تقول؟ إذن (باع) تتعدى إلى المعقود عليه بنفسه، وإلى العاقِد بنفسها تارةً، وبـ(على) تارة، وبـ(من) تارة أيضًا، بعت منه كذا، فهنا (باعه) يعني وإن باعه شيئًا، فالمفعول الثاني محذوف، والتقدير: وإن باعه شيئًا؛ أي باع عليه شيئًا.
(وشرط) من؟ البائع (شرط البراءة من كل عيب مجهول لم يبرأ) إذا شرط في العقد في نفس العقد أنه بريء من كل عيب مجهول، ما هو معلوم، فإن البائع لا يبرأ بذلك، مثاله: باع عليه السيارة، قال: بعتك هذه السيارة بخمسة آلاف على أنني بريء من كل عيب فيها، فقال: قبلت، وأخذ السيارة، ومشى، ثم ذهب المشتري، فوجد في السيارة عيبًا، فجاء إلى البائع، وقال له: وجدت فيها عيبًا، له أن يطالبه؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، المؤلف يقول: لم يبرأ، وعلى هذا فله أن يطالبه؛ لأن هذا الشرط غير صحيح، لماذا غير صحيح؟
قالوا: لأنه لا يبرأ من العيب إلا بعد ثبوت البيع، فإن خيار العيب فرع عن ثبوت العقد، ولهذا لو أبرأه بعد العقد برئ، لو بعد أن باع عليه السيارة قال: بعتُك هذه السيارة بخمسة آلاف، ثم قال: اصبر، ترى ما تردها عليَّ بعيب، أنا بريء من جميع العيوب اللي فيها، على المذهب يصح؛ لأنه أبرأه من العيب بعد ثبوته؛ إذ إن الخيار فرْع عن العقد، فإذا أسقط الخيار بعد العقد صح، وإذا أسقطه قبل العقد أو مع العقد فإنه لا يصح، هذا ما ذهب إليه الفقهاء رحمهم الله، وعلى هذا فهم يُفرِّقون بين الإبراء من العيب إذا كان في العقد أو قبله أو بعده، فإذا كان قبله لم يصح، إذا كان معه لم يصح، إذا كان بعده صح.
طالب: لو كان مع البيع يعتبر شرطًا ولَّا أيش؟
الشيخ: شرط، إي نعم، هذا شرط براءة.
طالب: مثاله يا شيخ؟
الشيخ: هذا المثال، الآن جاء رجل إليَّ ليشتري مني سيارة قال: أبغي أشتريها منك بخمسة آلاف ريال، قلت: طيب، لكن ترى بريء من جميع العيوب التي فيها، فقال: لا بأس، ثم بعد ذلك عقدنا البيع، هذا الإبراء متى؟ قبل العقد.
الصورة الثانية: قال: أريد أن أشتري (...) الذي فيها وهو كذا وكذا، ووصفه، يصح؛ لأن العيب معلوم الآن، وكأنه قال: بعتُك هذه السيارة بوصفها معيبة، لا أنه شيء سيُسقط، هذا جائز، ولا بأس به، وسواء أعلمه به أو كان العيب ظاهرًا يُشاهَد، يمكن يكون العيب ظاهرًا مشاهَدًا؟ نعم، يمكن، كما لو بعت عليه السيارة، وفيها آثار الصدم ظاهرة، هذا عيب ظاهر، أو بعت عليه بيتًا، وآثار القِدم عليه بادية، فيه مثلًا شقوق، وفيه أبواب مكسرة، وما أشبه ذلك، هذا واضح معلوم، وقد رضِيَ به المشتري، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.
والصحيح في هذه المسألة أنه إذا أبرأه من العيوب المجهولة، فإما أن يكون عالِمًا بها، لكن كتمها، فهذا لا يبرأ؛ لأنه قد خدعه وغشَّه، وإما أن يكون جاهلًا بالعيوب، فهذا يبرأ
؛ لأن هذا هو الذي يقدر عليه، وهو يريد أن يسلم من مطالبة المشتري، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا هو المعروف عن الصحابة رضي الله عنهم أن البراءة من العيوب المجهولة إن كان البائع عالِمًا بها فإنه لا يبرأ، لماذا؟
طالب: لأنه غشه.
الشيخ: لأنه غاش، ولا نمكن أهل الغش والخداع من أعمالهم، وإن كان جاهلًا فإنه يبرأ، لكن كيف يكون جاهلًا بعيوب سلعته؟ كيف ذلك؟
طالب: قد يكون خلل بالسيارة من داخلها، لا يعلمه.
الشيخ: ربما يكون البائع قد اشتراها من جديد، ولا يدري عن العيوب التي فيها، وربما تكون السيارة يُنادى عليها في السوق، ولا يعلم عنها المنادي.
المهم أنه ممكن، هذا كثير، ومنه ما يكون فيما سبق لما كان الناس فقراء إذا مات الميت يُؤتى بتركته، وينادى عليها في الأسواق فيها بعض الأجهزة ما يُدرى عنها، فيشترط البائع البراءة من عيوبها، هذا جائز؛ لأن هذا هو منتهى قدرته وهو يريد أن يَسلم من المطالبة، والمشتري قد أسقط حقه؛ إذ لو شاء المشتري لقال؟
طالب: لا (...).
الشيخ: لا أُقِرّ بذلك، ولا أرضى، بل إذا وجدت عيبًا فسأردها عليك، فإذا رضي بذلك والبائع ليس عنده غش ولا خداع، فالصواب أن هذا جائز ولا بأس به.
وعلى هذا فما يفعله بعض الناس اليوم في بيع السيارات ينبني على هذا، تجد البائع يعرف أن فيها عيبًا معينًا، لكن يجي يقول: شوفوا يا جماعة، تراها خشب على كفرات، علشان أيش؟ علشان يبرأ وهو يعلم أن فيها العيب المعين، هذا لا شك أنه غاش، ولا يبرأ من ذلك إذا علمنا أنه قد علم بالعيب، لكن ما هو الطريق إلى العلم بأنه علم بالعيب؟
طالب: إذا كان حقه.
الشيخ: إي، لا، حقه، وقد يخفى عليه، لكن إذا علمنا أنه أسرَّ لأحد أو تكلم عند أحد وقال: والله السيارة الآن بدأت تُخبِّط، وأبغي أبيعها، علم أنه عالم بالعيب.
طالب: ممكن يقولها مُحرِّج يا شيخ، كل سيارة بيقول هذا.
الشيخ: إي نعم، لكن هل المحرِّج هذا يعلم بالعيب..
طالب: لا ما يعلم، بس النهاية اللي بيشتري..
الشيخ: إي، لكن يجب على البائع صاحب السيارة إذا كان يعلم بها عيبًا أن يقول للدلال: فيها العيب الفلاني؛ لأنه لاحظ الآن إذا كانت السيارة فيها عيب معلوم، وبيَّنه فهي تساوي عشرة، فإذا بينه كم تساوي لنفرض أنها تساوي ثمانية، كذا؟ فإذا كانت سليمة من العيب مئة بالمئة تساوي عشرة، وإذا باعها هكذا ترى ما تردونها عليه، وترى كل عيب فيها وما أشبه ذلك، كم تساوي؟
طالب: عشرة.
الشيخ: تساوي تسعة، لا، ما تساوي عشرة، تنقص القيمة، لكن ما تنقص كما لو عُيِّن العيب، تساوي تسعة، هذا هو المعروف، وعلى هذا ففيه غش، وأكل للمال بالباطل، ولا يمكن أن نمكن أهل الغش وأكل المال بالباطل من تماديهم في أعمالهم.
طالب: (...).
الشيخ: (وإن باعه دارًا على أنها عشرة أذرع، فبانت أكثر أو أقل صح) ويش اللي يصح؟
طلبة: البيع.
الشيخ: يصح البيع، وهذه دائمًا تقع، وقول المؤلف: (دارًا) هذا على سبيل المثال، مثاله: بعتُ عليكَ بيتي على أنه مُسطَّحُه كذا وكذا من الأمتار، فتبين أنه أكثر؛ فالبيع صحيح؛ لأن البيع الآن على هذا الشيء المعين من الأرض، أنا ما بعت عليك عشرة أمتار مثلًا، بعتُ عليك بيتًا، وقلت: إنه عشرة فتبين أنه أحد عشرة أو أنه تسعة، فالبيع صحيح، ولا يضر، عرفتم؟ فإن باعه عشرة أمتار من هذه الأرض، وتبيَّنت أقل، فإن البيع يكون غير صحيح؛ لأنه لم يتم له ما عقد عليه، لكن هذا باعه دار على أنها عشرة أذرع، فبانت تسعة، أو بانت أحد عشر، فالبيع صحيح، ولكن لو بانت أكثر وقال المشتري: أنا شاريه منك عشرة، والآن صارت إحدى عشر (...).
طالب: (...).
الشيخ: له أن يرجع؟ شوف المؤلف يقول: (ولمن جهله وفات غرضه الخيار) (لمن جهله) أي: جهل المقدار، وفات غرضه له الخيار، فأفادنا المؤلف أن الخيار يثبت بشرطين: أحدهما: أن يكون جاهلًا بحقيقة الأمر، والثاني: أن يفوت غرضه، فإن باعني دارًا على أنها عشرة أذرع، وأنا أدري أنها تسعة، ثم لما تم العقد جئت إليه، وقلت: أنت بعتني إياها على أنها عشرة، والآن تبين أنها تسعة، فلي الخيار، نقول: لا خيار لك، لماذا؟ لأنك عالم بأنها ناقصة، ولا خيار لك، أو باعه على أنها عشرة أذرع، فبانت أحد عشر ذراعًا، فجاء البائع للمشتري، وقال: تبين أن البيت أكثر مما قلنا، فلي الخيار، والبائع يعلم أنها أحد عشر، فماذا نقول؟ لا خيار له؛ لأنه عالِم.
الشرط الثاني: قال: (وفاتَ غرضه)، فمفهومه إذا لم يفُت الغرض فلا خيار أيضًا، وفوات الغرض أن يُطالِب من له الزيادة بعوضها، فإذا لم يطالِب فإنه لم يفت غرض الذي حصلت له الزيادة، مثال هذا: اشترى هذه الأرض على أنها عشرة أذرع فبانت أحد عشر ذراعًا، وهبطت قيمة الأرض، فجاء المشتري للبائع، وقال له: أنا اشتريت منكَ الأرض على أنها عشرة أذرع، فبانت أحد عشر (...)، صارت أكثر مما وقع عليه العقد، (...)؛ لأن الأرض هبطت، هو اشتراها بألف، ما تسوى إلا خمس مئة الآن، لكن البائع قطع عنه خط الرجعة، وقال له: شاري على أنها عشرة والآن صار إحدى عشر، قال: نعم. قال: الحادي عشر لك مجانًا، يصير له الخيار ولَّا لا؟ ما له خيار الآن، الآن ليس له خيار، لماذا؟ لأنه لم يفُت غرضه.
طيب عكس هذا، اشتراها على أنها عشرة، فبانت تسعة، فجاء المشتري إلى البائع، وقال: إني اشتريتها على أنها عشرة، فبانت تسعة (...)، قال: تعالَ كم اشتريت منه؟ بمئة، يكون الذراع بكم؟ بعشرة، قال: لا، لا تعطه إلا تسعين فقط، هل عليه نقص؟
هو الآن ما عليه نقص من حيث الثمن؛ لأنه سقط من الثمن بقدر ما نقص من المساحة، لكن قد يفوت غرض المشتري، ويقول: أنا اشتريتها على أنها عشرة؛ لأني أبغي أُفصِّل بيت على أنه عشرة، فيه الحجرة بكذا، وفيه الحجرة بكذا، والآن لما نقص يفوت غرضي، ستصغر الحجر مثلًا، هل له الخيار أم لا؟
طلبة: نعم له.
طالب: له الخيار.
الشيخ: طيب نشوف، قد نقول: له الخيار؛ لأن هذا أمر ممكن، وقد نقول: لا خيار لك؛ لأنك تشاهد الأرض، وكوننا نُقدِّرها بالعشرة أو بالتسعة، هذا بناءً على ظننا أو أننا مترنا وغلطنا، لكنك أنت اشتريت مني أرضًا محدودة، فلا خيار لك، وعلى هذا فنقول: المسألة فيها تفصيل إذا علمنا أن هذا الرجل اشتراها للبناء، وأن غرضه يفوت إذا نقصت أمتارها فله الخيار، وإلا فلا خيار له، والله أعلم
.
طالب: (...).
الشيخ: لو أُعطِي قيمة النقص، لكن هذا، لا يفوته غرض، إذا أُعطِي حصة الزائد ما فيه شيء، لكن لو كانت الأسعار تغيَّرت؛ يعني أنا بعت عليك مثلًا ألف متر بألف درهم، المتر بكم يكون؟ ألف متر بألف درهم، المتر بدرهم، لكن عندما متَّرناها وزادت صار المتر بدرهمين، هل أعطيك ثمن الزيادة الآن ولَّا ثمنها باعتبار الشراء؟ لأن البائع قد رضي بأن هذا هو الثمن.
طالب: المسألة ما يصير بها إجحاف للبائع؟
الشيخ: أبدًا ما فيها إجحاف؛ لأنه راضٍ بالبيع.
باب الخيار
01:01:32

ثم قال المؤلف: (باب الخيار)
الخيار: اسم مصدر (اختار)، لماذا؟ يعني دائمًا يمر علينا اسم مصدر، وأحيانًا مصدر، ما الفرق بينهما؟ أن المصدر ما وافق الفعل في الحروف والترتيب، واسم المصدر، ما دل على المصدر مع عدم موافقة الفعل، هذا اسم المصدر، فمثلًا: (كلَّم- يُكلِّم- تكليمًا- كلامًا)، أيهم اسم المصدر؟ (كلامًا)؛ لأنه ما يوافق الفعل (كلَّم)، ولا (كلام)، لكن المصدر (تكليمًا)، ومثلها: (سلَّم- يُسلِّم- تسليمًا- وسلامًا) ومثلها هنا: (اختارَ- يختار- اختيارًا- وخيارًا)، خيار هنا ما يوافق الفعل.
وعلى هذا فنقول: إن الخيار اسم مصدر (اختار)، وما معنى اختار الشيء؟ أي أخذ بخير الأمرين باعتبار الواقع ولَّا باعتبار نظره؟
طالب: باعتبار نظره.
الشيخ: باعتبار نظره؛ لأن الإنسان قد يختار أحد الأمرين، وليس هو الاختيار في الواقع، فإذن الخيار معناه الأخذ بخير الأمرين، وإن كان بعضهم يُعبِّر بقوله: طلب خير الأمرين، ولكن قولنا: الأخذ هو الأولى؛ لأنه قد لا يكون هناك طالب ومطلوب، نعم، الأخذ بخير الأمرين، واعلم أن أحب شيء إلى الإنسان ما مُنع، يقولون: إن الصيد وهو يطير في الجو أشد ما يكون الصائد إليه شوقًا، فإذا رماه فوقع صار عنده زهيدًا. ويقولون: إن الملك الذي للغير تتعلق به النفس أكثر من الملك الذي عنده، أليس كذلك؟
ومن أجل هذا ثبت الخيار الذي هو القسم الأول من أقسام الخيار، وهو خيار المجلس؛ لأن الإنسان قد يشتري الشيء من صاحبه ومعه رغبة شديدة فيه، فإذا وقع في ملكه انحطت هذه الرغبة وزهد فيه، وهذا شيء مشاهَد ومجرَّب، ومن أجل هذا أثبت الشارع للمتبايعين خيار المجلس.
قال المؤلف: (الأول خيار المجلس) والمجلس مكان الجلوس؛ أي الخيار الذي يثبُت للمتعاقِدين ما داما في المجلس، وهل المراد بالمجلس حقيقته أو المراد بالمجلس الاجتماع؟ يعني ما داما مجتمعين؟ الأخير هو المراد، وإنما قال الفقهاء: خيار المجلس بناء على الغالب؛ أن المتبايعين يتفرقان من المجلس، وإلا فلو قاما جميعًا من مجلس العقد ومشيا جميعًا، ولو طالت المدة فإن الخيار ثابت، لو قاما من المجلس فإن الخيار ثابت، فلو فُرِض أنهما تبايعا وهما عند الطائرة، وركبا الطائرة، وبقِيت الطائرة في الجو لمدة ساعتين أو ثلاثة يبقى الخيار ولَّا ما يبقى؟
طلبة: يبقى.
الشيخ: يبقى الخيار إلا إذا قطعه كما سيأتي، ما هو الدليل بثبوت هذا القسم من الخيار؟
الدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» إلى آخر الحديث، فهذا هو الدليل لثبوت خيار المجلس، قال: «كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا -أي من البائع والمشتري- بِالْخِيَارِ». لكن قال: «مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ وَإِنْ تَفَرَّقَا -يعني قبل أن يخير أحدهما الآخر- فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ». أيضًا، فبين الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث أن كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا.
وقوله: «وَكَانَا جَمِيعًا» هذا تأكيد لقوله: «مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا»؛ لأن معنى عدم التفرق أن يكونا جميعًا. وقوله: «أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ» معناه: أو يجعل أحدهما الخيار لصاحبه فقط، فإن جعله لصاحبه فقط صار الخيار له وحده دون الثاني «فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» فأفاد النبي عليه الصلاة والسلام أنه يلزم بواحد من أمرين؛ إما بالإسقاط وإما بالتفرق.
والحكمة من خيار الشرط -كما قلت لكم قبل قليل- هي أن الإنسان قد يتعجل في بيع الشيء أو شرائه، ويقع ذلك منه من غير تروٍّ، فيحتاج إلى أن يُعطَى هذه الفسحة، وإنما أُعطِيَ هذه الفسحة؛ لأنه كما قلت أيضًا: إذا وقع الشيء في ملك الإنسان فإن الرغبة التي كانت عنده قبل أن يتملكه تقل، فجعل الشارع له الخيار، وهذه من حِكمة الشارع، وقد ذهب بعض أهل العلم -رحمهم الله- إلى أنه لا خيار في المجلس، وأن معنى الحديث: «مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا» المراد بذلك الإيجاب والقبول، وقالوا: إن المراد أن البائع إذا قال: بعت عليك هذا الشيء، فهو قبل أن يقول المشتري: قبلتُ بالخيار، إن شاء أبقى الإيجاب، وإن شاء قال: هونت، وكذلك المشتري إن شاء قال: قبلت، وإن شاء رفض، لكن هذا القول من أضعف الأقوال؛ لأنه قبل القبول هل يكون تبايع؟ لا تبايع، الرسول يقول عليه الصلاة والسلام: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ». وهنا لا تبايع، وهذا وإن كان هو المعروف من مذهب مالك؛ أعني القول بأن المراد بالتفرق التفرق بالأقوال، وأن الخيار هو هذا الزمن القصير، متى؟ ما بين الإيجاب والقبول، فنقول: إن هذا لا بيع، لم يحصل بيع حتى نقول: إنه داخل في الحديث؛ فالصواب أنهما بالخيار ما داما لم يتفرَّقا.
طالب: هل للبائع أن يشترط لا خيار.
الشيخ: (...) (يثبت في البيع) (يثبت) الضمير يعود على أيش؟ على خيار المجلس (يثبت في البيع) والدليل؟ «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ» .
قال: (والصلحِ بمعناه) ولَّا (والصلحُ بمعناه) بالجر ولا بالضم؟
طالب: بالضم.
طالب آخر: بالجر.
الشيخ: (والصلحُ) بمعنى البيع يعني؟ أو بالجر؟ بالجر يتعين الجر؛ يعني ويثبت في الصلح بمعنى البيع؛ لأن الصلح نوعان -كما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الصلح- صلح بمعنى البيع فله حكمه، وصلح لفك النزاع، فليس حكمه حكم البيع، مثال الصلح بمعنى البيع: ادَّعيت عليكَ أن هذا الكتاب الذي بيدك لي فأقررت قلت: نعم، هذا صحيح أنه لك، لكن أبغي أصالحك على هذا الكتاب بأن أعطيك عنه عشرة دراهم، هذا صلح، لكنه بمعنى البيع؛ لأن حقيقة هو البيع، ولهذا قال المؤلف: الصلح الذي بمعنى البيع، فأما الصلح الذي ليس بمعنى البيع كالصلح على الإنكار، فإنه لا يدخل في هذا، مثل أن تدعي عليَّ بأن هذا الكتاب الذي بيدي لك، فأقول: ليس لكَ، ثم أصالحك على الدعوى، أقول: بدل من أن يتعبني هذا الرجل كل يوم يجي (...) ويقول: هذا لي، خذ هذه عشرة ريالات عن دعواك، وفي أمان الله. هذا صلح، لكنه ليس بمعنى البيع؛ لأنني أنا ما أقررت أن هذا لك.
(الصلح بمعناه وإجارة) (وإجارة)؛ يعني ويثبت أيضًا في الإجارة، إذا اتفقت أنا وأنت على أن أوجرك بيتي لمدة سنة بألف درهم، ما دمنا في المجلس، فلكل واحد منا الخيار، ويش الدليل؟ الدليل الحديث: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ» . ووجه دلالته على ذلك أن نقول: إن الإجارة إما أن تدخل في الحديث بالشمول اللفظي، أو تدخل في الحديث بالشمول المعنوي، إن كانت الإجارة بيعًا، فهي داخلة في الشمول اللفظي، وإن كانت الإجارة بمعنى البيع، وليست بيعًا فهي داخلة بالعموم المعنوي؛ لأنه لا فرْق بينها وبين البيع، الكل منهما عقْد معاوضة، هذا بدل أجرة، وهذا بدل مُؤْجر، وهذا بذل ثمنًا، وهذا بذل مبيعًا، فكلها عقد معاوضة، فيكون الحديث شاملًا لها من حيث أو لا؟
طالب: الشمول المعنوي.
الشيخ: الشمول المعنوي. طيب الإجارة سواء كانت في الذمة أو على مدة؟ الجواب: نعم، سواء كانت في الذمة، أو على مُدَّة، وسواء كانت المدة تلي العقد أو لا تلي العقد، الكلام مفهوم ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ويش مثال الإجارة في الذمة؟ (...).
أن تبني لي بيتًا، هذه إجارة في الذمة، الإجارة على مدة: استأجرت منك البيت لمدة سنة بكذا وكذا، الإجارة اللي تلي العقد، واللي لا تلي العقد، تأتينا -إن شاء الله- في خيار الشرط؛ لأن المؤلف ذكرها هو بنفسه.
(والصرف) ويش هو الصرف؟ الصرف يعني أن الاسم ينقسم إلى قسمين: اسم منصرف، واسم غير منصرف، لا.
طالب: بيع النقد.
الشيخ: (الصرف) بيع النقد بالنقد؛ يعني بيع الذهب بالفضة، هو بيع ولَّا غير بيع؟ بيع، لكنه سُمِّي بهذا الاسم الخاص لعَدِّ الدراهم والدنانير صريفًا؛ يعني صوتًا يُسمع فتميز بهذا الصوت عن بقية المبيعات، وإلا فهو بيع لا شك، بل سماه النبي عليه الصلاة والسلام بيعًا في قوله: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» . فهو بيع، لكن له أحكام خاصة، كما سيأتي -إن شاء الله- في باب الربا والصرف؛ فلهذا نص عليه المؤلف.
(والسَّلَم) السلم مأخوذ من الإسلام، إسلام الشيء؛ يعني تسليمه، فما هو السَّلَم؟ السَّلَم هو تعجيل الثمن، وتأجيل الْمُثْمن، المعروف أن الذي يُؤجَّل غالبًا هو الثمن، ويُعجَّل الْمُثْمَن، لكن هذا يُعجَّل الثمن، ويُؤَجَّل الْمُثْمن، صورة المسألة، أو مثاله: يأتي شخص إلى آخر، ويقول: أنا محتاج إلى دراهم فأسْلِم لي دراهم بكذا وكذا من المتاع مثلًا أو من البُرِّ، أو ما أشبه ذلك، هذا جائز كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يُسْلِفون في الثمار. يسلفون من هم؟ المشترون أو البائعون؟ وهم يُسْلِفون في الثمار. أيهم اللي يسلف البائع ولَّا المشتري؟
طلبة: المشتري.
الشيخ: المشتري إي نعم، المشتري يا إخوان، من اللي يسلف ويقدم؟ المشتري يُسلفون في الثمار، السنة والسنتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» ، فإذن الإسلاف والإسلام يكون من المشتري.
السَّلَم إذن بيع ولَّا لا؟ بيع، لكن له أحكام خاصة كما سيأتي -إن شاء الله- في بابه؛ فلهذا نص عليه المؤلف.
يقول: (دون سائر العقود) سائر العقود ما فيها خيار مجلس، النكاح فيه خيار مجلس؟ إذا قال الزوج: هونت في مجلس العقد، ويش نقول؟ نقول: طلِّق، لكن إذا قالت الزوجة: هونت، أو أبو الزوجة في نفس المجلس؟
طالب: الزوجة (...).
الشيخ: أن الإنسان لا يقدم عليه إلا عن تروٍّ ونظر وبحث، لا الزوج ولا الزوجة، ثم إنه ليس معاوضة مالية، صحيح أن فيه عاقد ومعقود عليه، وفيه -على القول الراجح- مهر، والصحيح أن المهر ركن في النكاح، وأن النكاح لا يصلح بدون مهر، لكن يعني لو شُرط عدمه، فإن النكاح ما يصح، أما لو سُكِت عنه فالنكاح يصح بمهر المثل.
أقول: النكاح ما يصح، ما فيه خيار مجلس، المساقاة، تعرفون المساقاة؟ المفالحة، أنا عندي حائط نخل، فأعطيته هذا الرجل بجزء من ثمره لمدة ثلاث سنين، أربع سنين، عشر سنين، حسب ما نتفق عليه، هذا لا خيار فيه، ليس فيه خيار، لماذا؟ على المذهب يرون أن عقد المساقاة عقد جائز، ما هو لازم، وإذا كان عقدًا جائزًا فإننا نستغني بجوازه عن الخيار؛ لأنه متى شاء فسخه، العقد الجائز هو الذي متى شاء العاقد فسخه، فإذا كان عقدًا جائزًا فلا حاجة أن نقول: فيه الخيار؛ لأنه حتى لو تفرقا من المجلس فالخيار باقٍ، عرفتم؟
لكن في المسألة قول آخر -يأتينا إن شاء الله في باب المساقاة- أن المساقاة عقد لازم.
طيب الوكالة؟ رجل وَكَّل شخصًا أن يبيع له شيئًا في نفس المجلس، هل لهما الخيار؟ لا خيار، لماذا؟ لأنه عقد جائز، فيُستغنى بجوازه عن الخيار في المجلس؛ لأن لكل منهما أن يفسخ هذا العقد ولو كان بعد المجلس، وعلى هذا فيُمكن أن نتخذ من ذلك قاعدة، وهي أنه لا خيار في العقود الجائزة، كل عقد جائز؛ فإنه ليس فيه خيار مجلس، لماذا؟ لأنه يُستغنى بجوازه عن الخيار، ما دام أنك لك أن تفسخ هذا العقد ولو بعد التفرق، ما حاجة أن نقول: فيه خيار مجلس؛ لأن معنى قولنا: خيار مجلس أنه بعد المجلس لا خيار، وهذا العقد الجائز فيه الخيار دائمًا دون سائر العقود.
ثم قال المؤلف: (ولكل من المتبايعين الخيار ما لم يتفرقا) نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع (...).
شُرع، والحكمة الثانية: لماذا لم يكن طويلًا كاليومين والثلاثة؟ عرفتم؟ الحكمة الأولى: قلنا: لأن الإنسان قبل أن يملك الشيء تتعلق به نفسه تعلقًا أكثر، فإذا ملكه زالت تلك الرغبة، فشُرع له الخيار، ولم يكن طويلًا لانتفاء الضرر نفيًا للضرر (...).
أن يترتب عليه مقتضاه بمجرده؛ بمجرد ما يحصل العقد يترتب مقتضاه، خُولف في البيع لورود النص فيه، فيبقى ما عداه على الأصل؛ يعني تعليل في ذلك، فيقال في ذلك التعليل: بقية العقود؛ إما جائزة أو لازمة، إن كانت جائزة فليس فيها خيار مجلس استغناءً بجوازها عن خيار المجلس، وما المراد بالجائزة؛ هنا يعني اللي ليست حرامًا؟ الجائزة ما ليست لازمة.
وإن كانت لازمة لكنها غير معاوضة، فالتعليل أن نقول: الأصل في العقد ترتُّب مقتضاه عليه بمجرده، خُولِف في البيع لورود النص به، فيبقى ما عداه على الأصل، المؤلف رحمه الله ذكر أنه يثبت في الإجارة (...).
(لكل من المتبايعين الخيار) (لكل من المتبايعين) وهما البائع والمشتري، وسُمِّيا متبايعين؛ لأن كل واحد منهما يمد باعه إلى الآخر بتسليم ما انتقل عنه، البائع يمد يده لتسليم الْمُثْمَن، والمشتري يمد يده لتسليم الثمن، وكذلك لاستلام ما آل إليه.
يقول: (الخيار ما لم يتفرقا عُرْفًا بأبدانهما) (ما لم) هذه (ما) يسمونها مصدرية ظرفية -يعني مدة عدم- تُقدَّر بمدة لتكون ظرفية، وتُؤوَّل إلى مصدر لتكون مصدرية؛ يعني مدة عدم تفرقهما، كلمة عدم غير موجودة بالكتاب، لكنها مفهومة منين؟ من النفي (لم) (ما لم يتفرقا)، أي مدة عدم تفرقهما، يعني ما لم يتفرقا عُرفًا بأبدانهما، فجعل المؤلف التفرق عائدًا إلى العرف؛ لأن عند أهل العلم قاعدة ينبغي للإنسان أن يعرفها، وهي أن ما ورد مطلقًا في النصوص، وليس له حد شرعي، فإنه يُرجع فيه إلى العرف، وقد أنشدتكم من قبل بيتًا في هذا وهو:
وُكُـــــــلُّ مَــــــــــا أَتَى وَلَمْ يُحَـــــــــــــــــدَّدِ بِالشَّرْعِ كَالْحِرْزِ فَبِالْعُرْفِ احْدُدِ

كل شيء يأتي بالشرع مطلقًا ما حُدِّد فإنه يُرْجع فيه إلى العرف؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» . ولا عيَّن نوع التفرق، فيُرجع في ذلك إلى العُرْف، ولهذا المؤلف يقول: (ما لم يتفرقا عُرْفًا) (عُرْفًا) يعني حسب العادة التي عند الناس (بأبدانهما) نص على قوله: (بأبدانهما)؛ لأن بعض أهل العلم يرى أن المراد التفرُّق بالأقوال، أعرفتم؟
وقد سبق لنا بيان ذلك، فالصحيح أن المراد التفرق بالأبدان
(ما لم يتفرقا عرفًا بأبدانهما) فإن تفرقا بأبدانهما وجب البيع؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» «وَجَبَ» بمعنى؟ ثبت ولزم.
وقوله: (ما لم يتفرقا عرفًا) هل يجوز للإنسان أن يُفارِق صاحبه لإسقاط خياره؟
الجواب: لا، لا يجوز، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أهل السنن: «وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ» .
ما يجوز أن الإنسان من يوم باعه قال: خلاص، مشينا في أمان الله، وراح يركب علشان ما يهون، ومن ذلك ما يفعله بعض الناس -نسأل الله العافية- فيما إذا اشترى شِقْصًا من شخص؛ يعني نصيبًا من ملك، فإن الشريك له حق الشفعة، تدرون ما هي الشفعة؟
الشفعة أنا وأنت مشتركان في عقار، لك نصفه، ولي نصفه، فبعت نصفه على شخص، فلك أنت يا شريكي أن تأخذ هذا الذي أنا بعتُ من الذي اشتراه قهرًا بثمنه. عرفتم؟
بعض الناس إذا اشترى الشقص من هذا المشترك من يوم يتم العقد يقول: قد وقَّفت هذا الشرك، وقفته يعني سبَّلته، سبلت هذا الشيء؛ لأجل أن يُبطل حق الشريك في الشفعة؛ لأنه إذا وُقِّف ما عاد يؤخذ بالشفعة. العلماء -رحمهم الله- قالوا: هذا حرام، ويحرم التحيل لإسقاط الشفعة، فإن فعل لم تسقط الشفعة، وبطل الوقف، هذا أيضًا لا يحل للإنسان أن يفارقه خشية أن يستقيله، أما لو فارقه؛ لأنه انتهى العقد، ويريد يذهب إلى أهله، فإن هذا لا بأس به، الأعمال بالنيات، وليست بصورها.
قال: (وإن نفياه أو أسقطاه سقط) (نفياه أو أسقطاه) (نفياه) قبل ثبوته (أو أَسْقطاه) بعد ثبوته، هذا الفرق بين النفي والإسقاط؛ مثال النفي: أن يقول بِعتكَ هذا الشيء على ألا خيار بيننا، الآن نُفِي قبل الثبوت؛ لأنه نفي في صلب العقد، فإذا نفياه على ألا خيار بينهما، أو قال: بعتك هذا على ألَّا خيار لك، أنت فقط، فإن الخيار ينتفي عمن نُفِيَ عنه.
(أو أسقطاه) كيف أسقطاه؟ يعني بعد ثبوته؛ يعني بعد أن باع عليه الشيء قد ثبت الخيار الآن، فأسقطاه، كيف أسقطاه؟ يعني قالتا: ألغينا الخيار بيننا بيجوز ولَّا لا؟ يجوز، لماذا؟ لأن الحق لهما، والشارع إنما شرع خيار المجلس لمصلحة المتعاقِدَيْن، فإذا أسقطاه برضاهما جاز وسقط، الدليل؟
الآن علَّلنا؛ لأنه من حقهما، لكن ما هو الدليل؟ الدليل حديث ابن عمر اللي أشرنا إليه قبل قليل: «مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» . فهذا دليل على أنه إذا أسقط أحدهما خيار صاحبه، أو أسقطاه جميعًا سقط.
(وإن أسقطه أحدهما بقي خيار الآخر) إذا أسقطه أحدهما، يعني قال: أسقطت خياري، يبقى خيار الآخر، وإن أسقط أحدهما خيار صاحبه يسقط ولَّا لا؟
طالب: برضا الآخر.
الشيخ: لا، بدون رضاه، تبايعا، ثم قال: أسقطت خيارك.
طالب: لا يسقط.
الشيخ: ما يسقط؟ لماذا؟
طلبة: (...).
الشيخ: لأن الحق له، ولهذا قال المؤلف: (وإن أسقطه أحدهما) يعني عن نفسه (بقي خيار الآخر) وإن أسقطاه جميعًا كما في أول الكلام سقط.
(وإذا مضت مدته لزم البيع). قول المؤلف: (وإذا مضت مدته) توهم طالب العلم أن خيار المجلس له مُدَّة معينة، إذا مضت بطل، ولكن هذا ليس مُرادًا للمؤلف، بل مُرادُه إذا كان التفرق، فإن التفرق معناه إنهاء المدة.