وقوله: (لزم البيع) يعني لا خيار لأحدهما الآن؛ اللهم إلا أن يكون هناك
سبب آخر يقتضي الخيار كما يُعْلم من أقسام الخيار الباقية.
وعُلِم من قول
المؤلف: (لزم البيع) أن البيع من العقود اللازمة، وهو كذلك؛ فإنه من العقود
اللازمة، والعقود ثلاثة أنواع: لازم من الطرفين، وجائز من الطرفين، ولازم من طرف
دون الآخر؛ اللازم من الطرفين: لا يمكن فسخه إلا برضاهما، أو بسبب آخر شرعي،
والجائز من الطرفين يجوز فسخه برضاهما أو بغير رضاهما من الطرفين؛ حتى لو لم يرضَ
الآخر، واللازم من طرف دون طرف يجوز في الطرف الجائز في حقه دون الآخر.
مثال
اللازم من الطرفين: البيع. مثال الجائز من الطرفين: الوكالة جائزة من الطرفين؛ فإذا
وكلتك أن تبيع لي هذا الشيء، فلك أن تفسخ الوكالة، ولي أن أفسخ الوكالة. اللازم من
أحد الطرفين: كالرهن، الرهن لازم في حق الراهن، جائز في حق المرتهن.
لا ما هو
عكس، فالمرتهن له الحق، الحق له لو شاء لفسخ الرهن، والراهن الحق عليه، فلا يمكن أن
يفسخه، مثال ذلك: أعطيتك هذا الجهاز رهنًا، أنا راهن وأنت مُرتهِن، بالنسبة لك أنت،
يجوز أن تفسخ الرهن، بالنسبة لك أنت أيها المرتهن يجوز؛ لأن الحق لك، لكن بالنسبة
لي لا يجوز.
فإذن أقسام العقود ثلاثة، أو أنواعه ثلاثة :لازم من الطرفين، وجائز
من الطرفين، ولازم من طرف واحد.
(الثاني) يعني القسم الثاني من أقسام
الخيار (أن يشترطاه في العقد مدة معلومة)، قال المؤلف: (أن يشترطاه)
الفاعل هنا يعود على مَنْ؟ البائع والمشتري، يعني لا بد أن يكون الشرط من البائع
والمشتري؛ فلو تبايعتُ أنا وأنت، واشترط واحد آخر الخيار، فهل ينفع؟
طالب: لا.
الشيخ: ما ينفع، لا بد أن
يكون شرط الخيار للمتعاقدين. وهذا القسم دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ
بَاطِلٌ» .
فمفهوم هذا الحديث: كل شرط في كتاب الله فهو صحيح. وفيه أيضًا حديث آخر على
سبيل المنطوق، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ
عَلَى شُرُوطِهِمْ» .
وربما يُستدل أيضًا على ذلك من القرآن في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: ١]. لأن الأمر
بالوفاء بالعقد أمر بالوفاء بالعقد وبما يُشترط فيه؛ لأن الشروط اللي في العقد
أوصاف في العقد أو لا؟
فإذا كانت أوصافًا فيه، فإن الأمر بالوفاء بالعقد يتضمن
الأمر بالوفاء بها، إذن: اشتراط الخيار لمدة جائز بمقتضى هذه النصوص، فإن قلت: إن
هذا قد يمانع فيه من يمانع، ويقول: إن هذا الشرط ليس في كتاب الله؛ لأن هذا الشرط
يستلزم أن يكون العقد اللازم عقدًا جائزًا؛ لأنه في مدة الخيار لو في شهر مثلًا،
فلكل منا أن يفسخ؛ فهذا يكون منافيًا لمقتضى العقد فيكون باطلًا.
لو قال قائل
هذا، فإن جوابنا على ذلك أن نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز للمتعاقدين
إسقاط خيار المجلس، وفي إسقاط خيار المجلس تنقيص للمدة التي يكون العقد فيها
جائزًا، هذا أيضًا فيه زيادة المدة التي يكون فيها العقد جائزًا، ولا فرق بين
الزيادة وبين النقص، بل قد يُقال: إن الزيادة أرفق بالمتعاقدين من قطع ما هو لهما،
فيكون حينئذٍ خيار الشرط جائزًا بمقتضى دلالة الكتاب والسُّنة على ذلك، ولكن يقول
المؤلف: (أن يشترطاه في العقد) و(في) للظرفية، بمعنى في صلب العقد،
فيقول: بعتُك هذا الشيء على أن لنا الخيار لمدة كذا وكذا، فإن شرط الخيار بعد
الإيجاب والقبول -يعني بعد أن قال: بعت واشتريت- فهل يثبت أو لا؟
ظاهر كلام
المؤلف أنه لا يثبت، وأنه لا بد أن يكون شرط الخيار في صلب العقد، ولكن غير المؤلف
رحمه الله، قالوا: إنه يجوز شرْط الخيار في صلب العقد، ويجوز شرطه أثناء خيار
المجلس؛ لأن حال الخيار كحال العقد، حال خيار المجلس كحال العقد، فيجوز مثلًا وهما
جالسان بعد البيع أن يشترط أحدهما أو كلاهما، يشترط أيش؟ خيار الشرط، فيقول: مثلًا
الآن ترانا نريد أن نضع خيار شرط بيننا لمدة شهر أو سنة أو أسبوع أو ما أشبه ذلك.
يقول المؤلف رحمه الله: (مدة معلومة)، أفادنا أنه لا بد أن تكون معلومة،
فإن كانت مجهولة فإنها لا تصح، لا يصح الشرط؛ مثل أن يقول: على أن لي الخيار حتى
أشتري بيتًا، بيدوَّر بيت إن وجد بيتًا أمضى البيع، وإن لم يجد البيت فسخ البيع،
هذه مصلحة مقصودة لا شك فيها، لكن فيها جهالة؛ لأن وجود البيت، هل يتحدد بمدة؟ يمكن
يجد البيت بعد شهر، يمكن ما يجده إلا بعد سنة.
طالب:
(...).
الشيخ: بس، تزيد الأسعار وتنقص، نخليه
(...).
الطالب: (...).
الشيخ: إي، ما عندك فلوس يعني.
المهم على كل حال المدة
مجهولة، وإذا كانت المدة مجهولة دخل ذلك في الغرر، وقد صح عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه نهى عن بيع الغرر .
ولأن المدة مجهولة
يحصل فيها نزاع، كل واحد تجده يقول مثلًا: يلَّا نشتري بيت مثلًا، يلا نجز، ويحصل
فيها نزاع وخصومة، وكل شروط أو عقود تستلزم ذلك فإنها ملغاة في الشرع.
فإن شرط
إلى مُدَّة مجهولة، وتبايعا على ذلك، وقلنا بأن هذا الخيار فاسد، فهل لمن فات غرضه
الخيار؟ نعم، سبق لنا في (باب الشروط في البيع) أن كل شرط فاسد لا يُفسد
العقد، فإن من اشترطه فله الخيار إذا فات عليه.
قال المؤلف: (ولو طويلة)
لو كانت المدة طويلة. وظاهر كلامه: (ولو طويلة) حتى فيما لا يَبقى تلك
المدة، فلو اشتريت منك شحنة حبحب تعرفون الحبحب؟ الجح.
طالب: البطيخ.
الشيخ: لا، البطيخ
عام، اشتريت وقلت لي: على أن لنا الخيار لمدة ستة أشهر، ويش تقولون؟ كلام المؤلف
يقول: (ولو طويلة) ما قيَّده، ما قال: إلا أن يُخشى فساد المعقود عليه، قال:
(ولو طويلة) يصح هذا ولَّا لا؟ على كلام المؤلف يصح.
ولكن ماذا نعمل؟
نخلي الشحنة لمدة ستة أشهر؟ لا.
يقولون: إذا خاف فسادها تُباع، ويُحفظ الثمن،
وشاف هذا يهون أو ما يهون. أعتقد أنه إن باعها بأقل من الثمن يبغي يهون، وإن باعها
بأكثر يبغي يهون البائع أو لا؟
ولهذا قال بعض الأصحاب رحمهم الله: إنه إذا كانت
المدة الطويلة يُخشى منها فساد المعقود عليه، فإنها لا تصح، وهذا القول له وجه أن
الذي يُخشى فسادُه ما يمكن أن يُضرب له مدة يفسد فيها؛ لأن هذا شبه تلاعب.
قال..
طالب: لماذا ترك (...)؟
الشيخ: لماذا أيش؟
الطالب: نية
المتعاقدين ما تكلم عليها مع أنه مهم جدًّا؟
الشيخ:
ويش النية؟
الطالب: مثل لو شرط شرطًا (...).
الشيخ: أن؟
الطالب: (...).
الشيخ: مثل أيش؟
الطالب:
(...).
الشيخ: هذا ذكروه، بعضهم قال: لا بأس، ويحفظ
الثمن إن فُسخ البيع فهو للبائع، وإن لم يفسخ فهو للمشتري، وبعضهم قال: ما
يصح.
طالب: (...).
الشيخ:
هذا تقدم لنا في باب الشروط في البيع.
يقول: (وابتداؤها من العقد)
ابتداء المدة من العقد، وعلى هذا فيجتمع في المجلس كم خيارًا؟ خياران؛ خيار المجلس
الثابت بأصل الشرع، وخيار الشرط، ولا مانع من أن تتعدد الأسباب على مسبب واحد.
وقال بعض أهل العلم: ابتداؤها من التفرق من المجلس، وعللوا ذلك بأن خيار المجلس
ثابت بالشرع لا بالشرط، وينبني على الخلاف: ما لو قلت: بعتك هذا الشيء على أن لنا
الخيار لمدة ثلاثة أيام، وبقينا في المجلس لمدة نصف يوم؛ فعلى القول بأن ابتداءها
من العقد إذا مضى يومان ونصف من التفرُّق انتهى الأجل. وعلى القول بأن هناك تفرقًا،
إذا مضى يومان ونصف لم ينتهِ حتى يأتي النصف الأخير. هذا مما يترتب على الخلاف،
ولكن المؤلف يرى أن ابتداءها من العقد، وأنه لا مانع من أن يجتمع سببانِ للخيار.
(وإذا مضت مدته أو قطعاه بطل) (إذا مضت مدته) يعني مدة الخيار.
(أو قطعاهُ) أيش معنى قطعاه؟ يعني أسقطاه؛ فإنه يبطل، يعني ينتهي، المراد
بالبطلان هنا الانتهاء.
فإذا قُدِّر أنهما تبايعا على أن يكون الخيار لهما لمدة
عشرة أيام، وبعد مُضيِّ خمسة أيام اتفقا على إلغاء الشرط، وأسقطاه، يجوز ولَّا لا؟
ويسقط الشرط؛ لأن الحق لهما، فإذا رضيا بإسقاطه فإنه يسقط، كما أن ابتداءه بهما،
فإن إنهاءه بهما أيضًا.
قال: (ويثبت في البيع والصلح بمعناه، والإجارة
بالذمة، أو على مدة لا تلي العقد) شوف الآن المؤلف رحمه الله، خيار الشرط يوافق
خيار المجلس في بعض الأمور ويخالفه في بعض الأمور.
قال: (يثبت في البيع)
يوافق خيار المجلس ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، (والصلح بمعناه) كذلك يوافقه، وما هو الصلح
بمعنى البيع؟
طالب: أن يصالح على الإقرار.
الشيخ: نعم، أن يصالح على الإقرار، مثل؟
الطالب: يقول: هذا الكتاب لي، وأقول: نعم، أعطيك عشرة ريالات.
الشيخ: نعم، أصالحك عليه بعشرة ريالات، هذا الصلح
بمعنى البيع.
يثبت (الصلح بمعناه)، ويثبت (في الإجارة في الذمة، أو
على مدة لا تلي العقد) يثبت في الإجارة في الذمة يوافق خيار المجلس؟
طلبة: الإجارة.
الشيخ: بس بعضكم
الظاهر ما يدري ويش الإجارة بالذمة والإجارة على مدة؟
الإجارة في الذمة: أن
تكون على عمل مثلًا، أجَّرتك على أن تبني لي هذا الجدار؛ هذه إجارة الذمة، أجرتك
على أن تخيط لي هذا الثوب؛ هذه إجارة الذمة؛ يثبت فيها خيار المجلس وخيار الشرط
ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، (أو على مدة لا تلي العقد)، يعني يثبت في
الإجارة على مدة كما لو استأجرتك لمدة عشرة أيام، لكن بشرط أن لا تلي العقد، ولو
قال المؤلف: أو على مدةٍ ابتداؤها بعد انتهاء الخيار لكان أوضح. هذا يخالف المجلس
ولَّا خيار المجلس.
طالب: يخالف.
الشيخ: هذا يخالفه؛ لأن خيار المجلس يثبت في الإجارة على المدة
مطلقًا، أما خيار الشرط فإنما يثبت في إجارة المدة بشرط على رأي المؤلف، ألا تلي
العقد، والمراد بالشرط أن يكون ابتداء المدة بعد انتهاء زمن الخيار.
وقوله:
(على مدة لا تلي العقد) عُلِم منه أنه إذا كان على مدة تلي العقد صحَّ فيها
خيار الشرط، وخيار المجلس أيضًا، فصارت الإجارة الآن إن كانت على عمل بالذمة ثبت
فيها الخياران، إن كانت على مدة تلي العقد ثبت فيها الخياران، إذا كان على مدة تلي
العقد، إذا كان على مدة لا تلي العقد ثبت فيها خيار المجلس دون خيار الشرط.
الآن نضرب مثلًا للمدة التي تلي العقد، والمدة التي لا تلي العقد: أجَّرتك بيتي
هذا سنةً بألف درهم من الآن، هذه إجارة على مدة، تلي العقد، هل يجوز أن أجعل فيها
خيار الشرط؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يا إخوان، مدة تلي العقد.
طلبة: يجوز.
طالب: لا
يجوز.
الشيخ: أو على مدة تلي العقد، ولا يقول: لا تلي
العقد.
طالب: تلي العقد.
طالب
آخر: (...).
الشيخ: الخيار يثبت في مدة لا تلي
العقد، يثبت الخياران إذا كان في مدة لا تلي العقد، أما إذا كان تلي العقد فيثبت
فيها خيار واحد، وهو خيار المجلس.
الآن نعود إلى المثال لنصحِّح فنقول: هذا رجل
آجَر شخصًا بيته لمدة سنة بألف درهم من الآن، فيها خيار مجلس؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فيها خيار مجلس؟
فيها خيار شرط؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، ما فيها خيار شرط.
طالب:
على قول المؤلف.
الشيخ: على قول المؤلف، وعلى قول غير
المؤلف، نشوف الآن، هذه المسألة، لماذا؟
الآن لو قلت: أجَّرتك بيتي لمدة سنة
بعشرة آلاف على أن لنا الخيار شهران، هذا الشهر الذي يمضي، ما ندري هل يكون لصاحب
البيت، أو يكون للمستأجر؛ لأنه إن بقِيت الإجارة صار لمن؟ صار للمستأجر، وإن فُسخت
الإجارة صار لصاحب البيت، وحينئذٍ تكون هذه المدة اللي فيها الخيار ما يُعلم لمن
هي، ولَّا لا؟
ما ندري لأنه إن فسخت الإجارة صارت لمن؟ لصاحب البيت، وإن لم
تفسخ فهي للمستأجر، فكان الأمر الآن مترددًا بين أن تكون الإجارة في مدة الخيار
للمؤجر أو للمستأجر، وهذا يؤدي إلى الغرض، وما أدى إلى الغرض فهو باطل.
أما إذا
كانت المدة لا تلي العقد، والمثال لها كما يلي: أجَّرتك بيتي هذا سنةً تبتدئ من
شوال على أن لنا الخيار لمدة عشرة أيام، ويش تقولون؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؟
طلبة: (...).
الشيخ: الآن إحنا كم في
الشهر؟
طالب: اليوم ثلاثة عشر.
الشيخ: ما هو بثلاثة عشر؟ طيب قلت: أجَّرتك بيتي لمدة سنة بألف
درهم تبتدئ من شوال على أن لي الخيار لمدة عشرة أيام، يجوز ولَّا لا؟
طالب: ما يجوز.
طالب آخر: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؟ يجوز هذا؛ لأن مدة الخيار تنتهي قبل
ابتداء مدة الإجارة ولَّا لا؟ أليس كذلك؟ المدة التي بين العقد وبين ابتداء مدة
الإجارة لمن؟
طلبة: لصاحب البيت.
الشيخ: نعم، لصاحب البيت، مُتيقَّن ولا مشكوك فيها؟
طالب: متيقَّن.
الشيخ: متيقَّن،
ولهذا صح الشرْط؛ لأن ابتداء مدة الإجارة بعد انتهاء مدة الخيار، ولهذا أنا قلت
لكم: لو قال المؤلف: أو على مدة لا تبتدئ إلا بعد انتهاء مدة الخيار؛ لأن قول
المؤلف: (أو على مدة لا تلي العقد) ليس على ظاهره، لو أردنا على ظاهره نشوف؛
لو قال: أجَّرْتك بيتي هذا لمدة سنة، ابتداؤها من الخامس والعشرين من رمضان، ونحن
الآن في سبعة عشر من رمضان، هل تلي العقد المدة ولَّا لا؟ على أن لي الخيار لمدة
عشرة أيام.
طالب: تلي العقد.
الشيخ: أسالكم الآن، لا يا أخي، المدة لا تلي العقد أو لا؟ فلو
أخذنا بظاهر كلام المؤلف لقلنا: إن شرط الخيار هذا صحيح؛ لأن المدة لا تلي العقد،
وأنا شرطت الخيار في مدة لا تلي العقد.
طلبة: (...).
الشيخ: ما نقول: نظر المغشي عليه من الموت.
الآن
انتبه! أجَّرتك بيتي لمدة سنة، ابتداؤها من الخامس والعشرين من رمضان، هذا صحيح،
تبدأ المدة من الخامس والعشرين من رمضان على أن لي الخيار لمدة عشرة أيام.
طالب: من الآن ولَّا؟
الشيخ: من الآن من سبعة عشر، شوف المدة تلي العقد ولَّا لا؟ مدة
الإجارة.
طالب: ما تلي العقد.
الشيخ: ما تلي العقد، فظاهر كلام المؤلف أن هذا الشرط صحيح؛
لأننا شرطنا خيارًا في إجارة على مدة لا تلي العقد، أو لا يا إخوان؟
طلبة: تلي العقد.
الشيخ: زين، وهل
هذا صحيح؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟ لأن مدة الخيار تمتد إلى ما بعد ابتداء مدة
العقد، والمحظور ما زال موجودًا، وعلى هذا فالعبارة السليمة أن نقول: أو على مدة لا
تبتدئ إلا بعد انتهاء زمن الخيار، لتكون العبارة مُحكَمة، وهذا مراد المؤلف بلا شك،
هذا مراده أن يكون خيار الشرط في إجارة على مُدَّة لا تبتدئ إلا بعد انتهاء زمن
الخيار.
إذا قلت لهذا العامل: أريد أن تبني لي هذا الجدار بعشرة ريالات، ولي
الخيار إلى الليل إحنا الآن الضحى، يجوز ولَّا لا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، لماذا؟
طالب: قبل العرْض هذا.
الشيخ: لا يا أخي، ما هو على مدة هذا، الإجارة في الذمة جائزة
بكل حال، ما استأجرتك لمدة معينة، استأجرتك لعمل معين، هذا جائز أو لا؟
استأجرت منك بيتك لمدة سنة، فهمت؟ تبتدئ من الآن، ولكن لي الخيار
لمدة عشرة أيام، ويش تقول؟
طالب: غير جائز يا
شيخ.
الشيخ: تقليدًا، أقول: قلتها تقليدًا ولا قلتها عن
اقتناع؟
الطالب: يقينًا.
الشيخ: لماذا لا يجوز؟
الطالب:
المؤلف يقول: دليل عام.
الشيخ: هو ما يصح، هذا صحيح،
هذا كلام المؤلف، لكن تعليل كلام المؤلف؛ لأن كلام المؤلف ما هو بنص شرعي نقبله،
إذا لم يذكر له دليلًا أو تعليلًا قلنا: ما نقبل منك، من يُعلِّل؟
طالب: لأن هذه الْمُدَّة المطلوبة (...).
الشيخ: العقد فإنها تُقوَّم بأُجرة الْمِثل على المستأجر، وإذا
لم يُفسخ العقد فهي بالأجرة، يمكن قد يقول قائل هذا، وهو الصحيح؛ ولذلك الصحيح أنها
تصح في الإجارة حتى على مدة تلي العقد، فإن أبقى العقد فإن الأجرة بقيت
كما هي، وإن فسخاه، فإن على المستأجر أجرة المثل في هذه المدة، الله يعين على
تصورها وتصويرها.
طالب: واضحة.
الشيخ: واضحة؟ أجَّرتك بيتي لمدة سنة، ابتداؤها من الآن بألف
ومئتي درهم، كم الشهر؟
طلبة: مئة.
الشيخ: مئة درهم، الشهر مئة درهم على أن لي الخيار لمدة شهر، مضى
الشهر ما فسخنا الإجارة، كم يلزم المستأجر؟
طلبة: ألف
ومئتان.
الشيخ: كم يلزم من الأجرة؟
الطلبة: ألف ومئتان.
الشيخ: ألف
ومئتان، ما اتفقنا عليه؛ يعني بقيت الإجارة على ما هي عليه؛ لأننا ما فسخناها. طيب
على أن لي الخيار لمدة شهر، لكن لما مضى من الشهر خمسة عشر يومًا فسخناه، فسخت
الإجارة، كم أستحق من الأجرة بالنسبة لما عقدنا عليه؟
طالب: خمسين درهمًا.
الشيخ: خمسين
درهمًا، لكنها في الحقيقة الخمسة عشر اليوم هذه تساوي مئة درهم؛ لأن الوقت وقت
موسم، وهذا الرجل استأجر الدكان لمدة سنة على أن له الخيار لمدة شهر، وانقضى
الموسم، قال: ما أنا مستفيد من هذا الدكان هونت، نقول: خمسة عشرة اليوم، ما نأخذ
منك خمسين ريالًا فقط، كم نأخذ؟
طالب: مئة.
الشيخ: مئة؛ لأن أجرة الْمِثل في الخمسة عشر يومًا هذه مئة. اتضح
الآن ولَّا ما اتضح؟ يقينًا؟ تصور هذا (...).
على مدة تلي العقد فيها قولان:
المذهب؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، والعلة كما سمعتم.
طالب: (...).
الشيخ: هو التغرير؛
لأن ما ندري هل المدة تكون للمؤجر ولا للمستأجر؟ والقول الثاني: أنها تصح، ولكنها
إن استمر العقد فهو على ما اتفق عليه من الأجرة، وإن فُسخ فإنه يُنظر إلى أجرة
المِثل في المدة التي فاتت.
طالب: المستأجر قد ما
يستفيد من البيت يعني.
الشيخ: قد إيه (...)؟ أن الخيار
فيها ما هو إلا تأكيد فقط، والإنسان له الخيار فيها مطلقًا، لكن الهبة والوقف
والرهن، العقود اللازمة هذه عند شيخ الإسلام يجوز فيها الخيار حتى النكاح.
وقد
مر علينا أظن في النكاح، وذكرنا أن كلام الشيخ له وجه في بعض الأحوال، كما لو قالت
المرأة مثلًا: زَوَّجوه على أن لي الخيار إذا ما صلح لي الجلوس مع أهلك فأفسخ
النكاح، ذكرنا أن هذا جائز. طيب رجل (...).
(إن شرطاه لأحدهما دون صاحبه
صح) (إن شرطاه) عندنا فيه ضميران: ضمير الفاعل، وضمير المفعول، ضمير
الفاعل يعود على مَنْ؟ المتبايعان، وضمير المفعول لخيار الشرط.
(إن شرطاه
لأحدهما دون صاحبه صح) مثل أن يقول البائع: بعتك هذا البيت على أن لي الخيار
لمدة شهر، فيقول المشتري: قبِلت، أو يقول البائع: بعتُك هذا البيت، فيقول المشتري:
قبلتُ على أن لي الخيار لمدة شهر، هذا أيضًا جائز، ويش الدليل؟
الدليل على ذلك:
قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى
شُرُوطِهِمْ» .
وفي حديث ابن عمر: «أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا
الْآخَرَ» .
فهذا هو الدليل على أنه يجوز أن ينفرد أحد المتبايعين بالشرط.
قال: (إلى
الغد أو الليل يسقط بأوله) يعني إذا شرطاه إلى الغد يسقط بأوله. (الغد)
ما هو؟ اليوم الذي يلي يومك، كذا؟ تقول: أمس، اليوم، غدًا، فالغد اليوم الذي يلي
يومك، فإذا اشترطت الخيار إلى الغد، وإحنا نقول في اللغة العامية: إلى باكِر، قال
له: إلى باكر.
يقول المؤلف: (يسقط بأوله) ما
نقول: إلى الغد، كل اليوم لك الخيار، لا، إذا دخل أول اليوم خلاص، انتهى الزمن،
هُنا، ما فيه دليل، لكن فيه التعليل بمقتضى اللغة العربية.
يقولون: إن ابتداء
الغاية داخل لا انتهاؤها، فما بعد (إلى) لا يدخل؛ لأن انتهاء الغاية ما
يدخل، إلا بقرينة لو قلت لك: مِن هذا إلى هذا، هذا اللي بعد ما يدخل، كذا؟ فإلى
الغد، ما يدخل الغد كله، بل ينتهي بأول لحظة من دخوله، كذلك إلى الليل ينتهي بأول
الليل، بغروب الشمس؛ لأن الله لما قال: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة: ١٨٧] صار ينتهي بأول الليل بغروب
الشمس.
هذا ما ذهب إليه المؤلف، وهو صحيح بناءً على الحقيقة اللغوية في
مدلول (إلى)، ولكن لو كان هناك عُرف بين الناس يخالف ذلك، فهل تُغلَّب الحقيقة
اللغوية أو الحقيقة العُرفية؟
طلبة: العرفية.
الشيخ: الصواب أنه تُغلَّب الحقيقة العرفية في كل ما
تختلف فيه الحقيقتان اللغوية والعرفية، فالصواب أنها تُغلَّب العرفية؛ ولهذا لو
قلت: بعتُ عليك شاةً، سِنُّها كذا وكذا، إلى آخره، فأتيت لك بتيس، ويش تقولون؟
طالب: ما يصح.
الشيخ:
عُرفًا ما يصح، وإن كان شرعًا يُطلق عليه اسم شاة، لكن عُرفًا لا.
إذن الصواب في هذا أنه إذا قال: إلى الغد، فإن
المرجع إلى العرف، فإذا جرى في العرف إلى الغد، يعني إلى أن يفيض السوق، ويفتح
الناس، فإننا نعمل به (إلى الليل)، إذا جرت العادة إلى الليل، يعني إلى فتح
السوق في الليل، وهو ما يفتح إلا بعد العشاء، فالمعنى؟ إلى فتح السوق، فالصحيح في
هذا أنه يُعمل بالعرف، فإن لم يكن عرف أو كان العرف مختلفًا في هذا الحي، فإننا
نرجع إلى اللغة؛ لأن ما لا يمكن انضباطه يرجع فيه إلى اللفظ.
طالب: نحن، جاء الغد من طلوع الشمس يعني؟
الشيخ: لا، الغد من طلوع الفجر.
قال المؤلف: (يسقط بأوله،
ولمن له الخيار الفسخ، ولو مع غيبة الآخر وسخطه) (لمن له الخيار) من
بائع أو مشترٍ، له الفسْخ سواء كان الآخر غائبًا أو حاضرًا، إذا كان حاضرًا واضح،
ترى شوف يا فلان هونت فسخت العقد؛ إذا كان غائبًا؟
طالب: يُشهد.
الشيخ: كيف؟
الطالب: يُشهد.
الشيخ: إي نعم،
يُشهد، يقول: أنا فسخت العقد حتى لو كان غائبًا، كما أن الطلاق فسْخ للنكاح، فلو
طلَّق الإنسان زوجته وهي غائبة وقع الطلاق، ولو كانت غائبة؛ لأن هذا حقه، فإذا كان
حقه فله أن يسقطه متى شاء، ولو مع غيبة الآخر.
(لمن له الخيار) الثاني
يجب أن يفسخ؟
طالب: ليس له.
الشيخ: لو قال الثاني: أنت ما دام أنك هونت، ولك تهون أنا بهون
بعد، ويش نقول؟ نقول: ما جاء كذلك (...).
(ولو مع سخط الآخر) الآخر
عيَّن، هذا واحد باع بيته على أن له الخيار لمدة شهر البائع هو اللي له الخيار،
فزادت الأشياء وارتفعت القيم.
وبعد عشرين يومًا جاء إلى المشتري، قال له: هونت،
فسخت البيع، قال: ما يصير، ما لك، وزعل عليه، ويش تقولون؟ ينفسخ ولَّا لا؟ لو سخط
ذاك ولو زعل؟ نعم، ولو زعل؛ لأن الحق له، أنت الذي مكَّنته من الحق، لو شئت لقلت
عند العقد: أنا ما أقبل، ما لك خيار، نبيع من الآن.
(ولو مع غيبة الآخر
وسخطه) ثم قال: (والملك مدة الخيارين للمشتري) (الملك) يُطلق على
المعنى، وعلى الفِعْل، إن قلت: مُلْك فهو مصدر: (مَلَكَ يَمْلِكُ مُلْكًا)، ولو
قلت: الْمِلك فالمعنى معنى الملكية.
(الْمِلك مدة الخيارين) ويش
الخيارين؟ ويش اللي تقدمنا من الخيارات؟ المجلس والشرط.
(فالملك مدة
الخيارين للمشتري) لا للبائع لماذا؟ يعني ما هو الدليل؟ وما هو التعليل؟
الدليل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا
وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ
الْمُبْتَاعُ» .
وجه
الدلالة من ذلك: أنه قال: «مَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ»،
وهذا يشمل ذلك من حين العقد، من حين البيع، فإذا كان مال العبد للبائع دلَّ ذلك أن
العبد لمن؟
طالب: للبائع.
الشيخ: لا، للمشتري يا أخي؛ لأنه قال: «مَنْ
بَاعَ عَبْدًا فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَ».
إذن والعبد للمشتري بمجرد
البيع، فدل ذلك على أن الْمُلك ينتقل إلى المشتري بمجرد العقد. ما أدري بعضكم ما هو
بواضح؛ واضح؟ طيب «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ
لِلَّذِي بَاعَ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ».
التعليل: أن
الملك للمشتري؛ لأنه بالإيجاب والقبول انتقل الملك إلى كل منهما، فالثمن انتقل
الملك للبائع، والملك انتقل ملكه للمشتري، وإلا لما كان هناك فائدة.
وقال بعض أهل العلم: إن الملك مدة خيار المجلس
للبائع؛ لأنه ما بعد لزم البيع، ولكن الصواب أنه للمشتري كما دل عليه
الحديث. ويش ينبني على هذا؟ ينبني على هذا عدة مسائل:
أولًا: لو تلف
المبيع، هل يتلف على البائع أو على المشتري؟
طالب:
المشتري.
الشيخ: المشتري؟ البائع؟ نشوف الآن هذا رجل
باع بعيرًا، واشترط المشتري الخيار له لمدة أسبوع، في أثناء هذه المدة مات البعير،
على مَنْ يكون؟
طلبة: على المشتري.
الشيخ: على المشتري يضمن ثمنه للبائع ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يضمنه؛ لأن
الملك له، فما دام له، فإذا (...) فهو عليه.
طالب: ما
هو باختياره؟
الشيخ: إي، بالخيار، لكن الملك له،
بالخيار له أن يفسخ، أما الآن ما يمكن.
أيضًا يترتب على ذلك قال: (وله نماؤه
المنفصِل وكسبه)
(وله) الضمير يعود على المشتري.
(نماؤه) يعني نماء المبيع.
(المنفصل وكسبه)
(المنفصل) يعني الذي ينفصل عن ذات المبيع، فهو للمشتري، (كسبه) الذي
يحصله المبيع.
مثال النماء: باع إنسان شاة على شخص، واشترط هذا المشتري الخيار
لمدة أسبوع، اللبن نماء منفصل أو لا؟ لمن يكون؟
طالب:
للمشتري.
الشيخ: للمشتري، كذلك لو قُدِّر أنه اشترى شاة
ليس فيها حمل حائلًا، وجعل له الخيار لمدة سنة، في أثناء المدة حملت الشاة وولدت،
لمن يكون الولد؟
طالب: للمشتري.
الشيخ: للمشتري؛ لأنه نماء منفصل. طيب بعتُ عليه بيتًا، وجعلت
الخيار لمدة شهر، البيت مؤجر كل شهر بمئة ريال، لمن تكون الأجرة في هذه المدة؟ تكون
للمشتري.
طالب: الصوف؟
الشيخ: الصوف الغالِب أنه يقع عليه العقد، يكون تابعًا
لها.
الطالب: (...).
الشيخ:
هو وقع عليه العقد من الأصل، يعني ما هو بنماء حادث، من الأصل وقع عليه
العقد.
المنفصل احترازًا من المتصل، النماء المتصل يكون تابعًا للعين، مثاله:
اشترى شاة هزيلة، ما فيها لحم، واشترط الخيار لمدة ستة أشهر، وصار يعلفها علفًا
جيدًا، فلما تمت الستة أشهر لقاها منتفخة من أسمن ما يكون، قال: هونت، وهو المشتري.
طالب: لا، البائع.
الشيخ:
البائع؟ الذي له الخيار فسخ (...).
ستة أشهر، والعبد هذا ما يعرف يكتب يوم
اشتريته، فعلمته القراءة والكتابة في هذه المدة، فقال البائع: هوَّنت، والخيار
للبائع، كما قلتم، قال البائع: فسخت البيع، فرجعنا العبد عليه. العبد الآن يكتب
ويقرأ، كان بالأول لا يكتب، ولا يقرأ، تزيد القيمة بذلك ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: لمن هذه
الزيادة؟
طلبة: للبائع.
الشيخ: للبائع؛ لأنها متصلة، ولا يمكن فصلها. وذهب
بعض أهل العلم، وهو أيضًا قول في المذهب: إلى أن النماء المتصل للمشتري؛ لأنه حدث
بسببه، ولا فرْق بينه وبين المنفصل.
فعلى هذا القول إذا رجعت للبائع تُقدَّر
قيمتها وهي خالية من هذه الزيادة، وتُقدَّر قيمتها وهي متصفة بهذه الزيادة، فالفرْق
بين القيمتين يدفعه البائع للمشتري، وهذا القول أصح؛ أن المشتري له
النماء المتصل والمنفصل ولَّا كيف (...) على هذه الشاة حتى تسمن وتزيد قيمتها، ثم
يقول: (...) شيء؟
وأما الكسب، انتبه! الكسب بنتكلم عليه؛ لأنه تابع، الكسب
معناه: إذا اشتريتُ عبدًا، واشترطت الخيار لمدة ستة شهور، هذا العبد خليته ينزل في
السوق، يتكسب إما بتحميل أمتعة وإلا ببيع وشراء، وكسب في خلال خمسة أشهر، كسب خمسة
آلاف ريال، وأنا شاريه بأربعة آلاف ريال، ثم قلت للبائع: فسخت البيع، ورديته عليه،
يصح ولَّا ما يصح؟
يصح؛ لأن الخيار لي، لكن خمسة آلاف ريال اللي أكثر من قيمته
الآن، لمن تكون؟
طالب: للمشتري.
الشيخ: للمشتري، إذن المشتري الآن ربح ألف ريال، نعم، ألف ريال
ولا ربح؟ ربح خمسة آلاف ريال، يعني هو دفع الأربعة، ثم رده ربح خمسة آلاف
ريال.
إذا قلنا: إن الكسب يكون للمشتري، ألا يمكن أن يتخذ الإنسان ذلك
حيلة؟
طلبة: نعم.
الشيخ:
يشتري شيئًا يتكسب، ولما تكسب وجاءه ربح كثير أو قليل، قال: هوَّنت، أو بعير يكده
أو سيارة يكده، ويش تقولون؟ ما يمكن هذا؟ نقول: نعم، يمكن هذا، ولكن هل البائع
مجبر؟
طالب: غير مجبر.
الشيخ: غير مجبر، نقول للبائع: إذا قال لك المشتري: لي الخيار
شهر، وأنت ظان أنه يكده، وبعدين يرده عليك تقوله: لا، فقل: ما لك خيار، تبغي من
الآن، ولا بكيفك، ولا لك الخيار لمدة شهر على أن يبقى عندي مرهونًا، أليس
كذلك؟
ما دام الرجل اشترط على نفسه الخيار فليس له حق (...).
تقدم لنا أن
الخيار في البيع أقسام: القسم الأول: ما يثبت بمجرد العقد، وهو خيار المجلس. وذكرنا
الدليل والحكمة منه، دليل خيار المجلس (...)، لكن إذا بيعت أمه تبعها.
يقول
المؤلف رحمه الله: (ويحرم، ولا يصح تصرف أحدهما في المبيع) (يحرم ولا
يصح) كلمة (يحرم) غير كلمة (لا يصح)؛ لأنه لا يلزم من التحريم عدم
الصحة، ويلزم من عدم الصحة التحريم، ويش الدليل؟ الدليل: قوله عليه الصلاة والسلام:
«لَا تَلَقَّوُا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّى فَاشْتَرَى
مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ» .
فهذا تحريم، والعقد صحيح؛ لأن قوله: «فَإِذَا أَتَى
سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ» يدل على صحة العقد؛ إذ لا خيار إلا
بعد صحة العقد؛ لأن الخيار فرْع عن الصحة، أفهمتم يا جماعة؟ هنا صار تحريم مع
الصحة.
أما إذا كان الشيء لا يصح، فإنه لا يلزمه من عدم الصحة التحريم، كل شيء
لا يصح فهو حرام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ
شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ
شَرْطٍ» . قال
ذلك محذرًا من الشروط التي ليست في كتاب الله.
المؤلف رحمه الله يقول: (يحرم
ولا يصح)، فجمع بين أمرين، فلا يجوز للبائع، ولا المشتري، ولا يصح منهما أن
يتصرفا في المبيع. لماذا؟ لأن تصرفه في المبيع يستلزم سقوط حق الآخر؛ فهو إذن ظُلم
وعدوان.
مثاله: اشتريتُ منك بيتًا، واشترطت الخيار لمدة ستة أشهر، هل يجوز لك
أن تبيع هذا البيت؟ أنت البائع، ما يجوز، ولو فعلت لم يصح، وهل يجوز لي أنا -أيها
المشتري- أن أبيع هذا البيت؟ لا، ولو فعلت لم يصح؛ لأن البائع لو تصرف، وأنكرنا
تصرفه جنينا على مَنْ؟ على المشتري، والمشتري لو تصرف، وأنكرنا تصرفه جنينا على
البائع، وعلى هذا فتقول: لا يصح أن يتصرف لا
البائع ولا المشتري في المبيع في مدة الخيار.
وظاهر كلام المؤلف أن (...)
مطلقًا حتى في التأجير، وأن ما يمكن تأجيره يبقى معطلًا؛ فالبيت مثلًا يبقى لا
يؤجر؛ لأن التأجير نوع من التصرف؛ ولأنه إذا أجره، ثم اختار البائع مثلًا الفسخ،
وإذا حق المستأجر قد تعلق به، فيمنعه بعض الحق، ولكن الصحيح أنه يصح تأجيره؛
لأن تأجيره خير من بقائه هدرًا، ثم إن أُمضِي البيع فالأجرة للمشتري، وإن فسخ
فالأجرة للبائع، فيوصى به للبائع بمجرد الفسخ.
يقول: (وعوضه المعين
فيها). وقوله: (فيها) أي: في مدة الخيار.
كيف عوض المعين؟ هل هناك
عوض معين وعوض غير معين؟ الجواب: نعم، إذا قلت: اشتريت منك هذا البيت بألف درهم،
العوض معين ولَّا لا؟ لا، غير معين (...) في ذمتي، فإذا قلت: اشتريت منكَ هذا البيت
بهذا الألف، هذا معين، عرفتم الفرق بينهما؟
مثال، نعيد مرة ثانية، قلت: اشتريتُ
منك هذا البيت بألف درهم وأنا عندي في البيت ألف درهم، العِوض معين الآن ولَّا لا؟
طلبة: غير معين.
الشيخ:
غير معين، فلي أن أتصرف -أنا المشتري- بألف الدرهم، وإن كان ليس عندي سواها، لماذا؟
لأن هذه الدراهم لم يتعلق بها حق البائع ما تعلق بها حق البائع؛ حق البائع متعلق
بماذا؟ بذمتي (...) بالذمة.
فأما إذا قلت: اشتريتُ منكَ هذا البيت بهذه
الدراهم، وهي ألف درهم، صار العوض الآن معين، فهل يجوز لي أنا -أيها المشتري- أن
أتصرف في هذا الألف؟ لا؛ لأنه وقع العقد على عينه، فهو كالمبيع الذي هو البيت
مثلًا، لما وقع العقد على عينه صار لا يجوز التصرف فيه.
وفُهم من قول المؤلف:
عِوض المعين؛ أن عوض غير المعين يجوز للمشتري أن يتصرف فيه.
وقول المؤلف:
(عوضه) يشمل ما إذا كان العوض نقدًا، كما لو قلت: اشتريت هذا البيت بهذه
الدراهم، أو غير نقد، كما لو قال: اشتريت هذا البيت بهذه السيارة أو لا؟
ولهذا
المؤلف رحمه الله قال: (وعوضه) ولم يقل: والدراهم المعينة لأجل أن يشمل ما
إذا كان العوض دراهم، أو كان أعيانًا أُخر.
وقوله: (بغير إذن الآخر) فإن
إذن الآخر يجوز؟
طالب: جائز.
الشيخ: جاز، لو أن المشتري الذي اشترى هذا البيت، وجعل لنفسه
الخيار، أو جعل الخيار بينهما لمدة سنة جاء إلى البائع وقال: ائذن لي أن أبيعه،
فأذن له، يجوز ولَّا لا؟ يجوز؛ لأنه أذِن له، والحق له، فإذا أسقط حقه جاز.
وفي
هذه الحال إذا أذن له ببيعه يبطل الخيار؛ لأن المبيع الذي وقع الخيار فيه انتقل عن
المشتري، فيبطل الخيار.
قال المؤلف: (بغير تجربة المبيع) هذا متعلق
بتصرف؛ يعني يحرم التصرف بغير تجربة المبيع، أما إذا كان لتجربته، فإن هذا لا بأس
به، لأنه قد يكون قصد المشتري بالخيار لأجل التجربة.
فأنا اشتريت من هذا الرجل
سيارة بعشرة آلاف ريال، واشترط الخيار لي لمدة أسبوع، وبدأت أخرج عليها أُجرِّبها،
يجوز ولَّا ما يجوز؟
يجوز؛ لأن هذا من مقصود الشرْط، فإذا كان لتجربة المبيع،
فإنه لا بأس به، ولهذا قال: (بغير تجربة المبيع).
هل يصح التصرف مع
الآخر؟ يعني أنا أجرت البائع، أو بعت عليه المبيع، يجوز ولَّا لا؟ نعم، يجوز؛ لأنني
إذا تصرفت معه فإن قبوله لهذا التصرف إذن لا شك فيه، فصار التصرف الجائز في ثلاثة
أمور: إذا أذن من له الحق، وإذا كان التصرف مع من له الحق، وإذا كان التصرف بتجربة
المبيع.
ثلاث مسائل يجوز فيها التصرف:
أما المسألة الأولى والثانية فظاهر؛
لأنني تصرفت بعد إذن من له الحق.
وأما الثانية: فوجهها أن الإنسان من أكبر
أغراضه في الشرط هو أن يجرب الشيء.
قال المؤلف:
(إلا عِتْق المشتري) عتق المشتري يصح مع التحريم.
يعني عتق المشتري أن
نعتق المشتري، أو أن يعتق المشتري العبد الذي اشتراه؟ أيهم؟ الأخير.
إذن فعِتْق
هنا مصدر مضاف إلى الفاعل لا إلى المفعول، يعني: إلا إذا أعتق المشتري العبد الذي
اشتراه، فإنه يحرم ويصح العقد، مثاله: اشتريت منك عبدًا بخمسة آلاف ريال، وجعلت
الخيار بيننا لمدة أسبوع، في أثناء هذه المدة أعتق المشتري ذلك العبد، ما حكم
عِتْقِه؟
حرام، ويأثم به، ولكن العِتْق يصح، ما هو الدليل أو التعليل على هذين
الحُكميْن؟ أي على تحريم العتق مع صحته؟
يقولون: إنه يحرم العِتق؛ لأنه تصرف
بغير إذن صاحبه، فهو إسقاط للحق؛ لأنه إذا أعتقه لا يمكن الآن أن يفسخ
البيع.
ويقولون: إنه يصح مع التحريم لقوة نفوذ العتق، وتطلُّع الشارع له، فالعتق
له نفوذ قوي؛ ولهذا لو قال السيد لعبده: أعتقت أنملة الخنصر من يدك اليمنى فقط، ويش
يعتق؟ يعتق كل العبد، ولو أن الإنسان أعتق حصته من عبد مشترك، فإن العتق يسري إلى
حصص شركائه، ويُلزَم المعتِق بدفع قيمة حِصص شركائه إليهم، كل هذا من أجل تحقيق
العتق وتحرير الرقاب. فعللوا صحة العتق بأن للعتق نفوذًا قويًّا، فنفذ مع التحريم.
والقول الثاني في المسألة: أن عتق المشتري حرام، ولا يصح، أما كونه حرامًا، فما
هو السبب؟
طالب: لأنه تصرف في غير ملكه.
الشيخ: لا، ملكه، حرام؛ لأن هذا يوجب إسقاط حق صاحبه. ولا يصح
-على القول الراجح- لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ
عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
وكيف يصح أن يعتق شيئًا قد تعلق
به حق الغير، فأفسده عليه، وما دُمنا قُلنا: إنه حرام، فإن الواجب أن نقول: إنه لا
يصح، وهذا القول هو الصحيح.
وعلى هذا فنقول: (إلا عتق المشتري)،
الصواب أن عتق المشتري كغيره، يكون حرامًا، ويكون باطلًا، فيبقى العبد على ما هو
عليه.
وقول المؤلف: (إلا عتق المشتري) طيب عِتق البائع؟ لو أن البائع
هو الذي أعتق العبد، يصح ولَّا لا؟
طلبة: ما
يصح.
الشيخ: لا يصح، ما الفرق بين البائع والمشتري؟
الفرق بينهما أن المشتري قد انتقل إليه الملك؛ وأما البائع فليس له ملك في هذا
المبيع، ولهذا صح عِتق المشتري دون عتق البائع.
طالب:
شيخ، أعتق البائع وهو الذي يملك؟
الشيخ: ما يصح حتى
يقول: فسخت البيع.
قال: (وتصرف المشتري فسخ لخياره) معلوم تصرف المشتري
فسخ لخياره، متى يكون ذلك؟ إذا كان الخيار له وحده فإنه يكون فسخًا لخياره، لماذا؟
لأن تصرف المشتري في المبيع الأصل فيه الجواز، وما دام أن الخيار له وحده فإنه
إذا تصرف صار التصرف صحيحًا، وبطل خياره.
مثال ذلك: إذا اشتريت هذه السيارة
بعشرة آلاف ريال، وجعلت الخيار لي أنا المشتري لمدة أسبوع، ثم جاء شخص فبعتها عليه
في هذه المدة، فإن خياري ينفسخ، وليس لي حق أن أطالب البائع بالرجوع.
ثم قال: (وَمَنْ مات منهما بطل خياره)
الضمير يعود على مَنْ؟ على البائع أو المشتري.
(بطل خياره) لأن الخيار
يتعلق به شخصيًّا، فإذا مات بطل.
وقال بعض العلماء: إنه لا يبطل خياره بموته؛
لأنه إذا مات انتقل الملك إلى مَنْ؟
إلى الورثة، فينتقل الملك إلى الورثة
بحقوقه، وحينئذٍ لا يكون الموت مبطلًا.
وهذا هو القول الراجح في هذه
المسألة؛ لأن الموت لا يُبطل حقًّا ثابتًا في ملك يعود إلى الورثة،
الورثة يقولون: الملك لنا ما يمكن يبطل، ومثاله؟ ما تصورت المسألة؟
مثال ذلك: إنسان باع على شخص بيتًا بعشرة آلاف ريال، وجعل الخيار
لمدة شهر، وبعد مضي عشرة أيام تُوفي المشتري، المذهب: يبطل الخيار، ولا خيار
للورثة. والقول الصحيح: أن خياره؟
طلبة: ينتقل
للورثة.
الشيخ: كيف هذا مشتري، المشتري مات في أثناء
المدة، فالمذهب أن الخيار يبطل، ويبقى البيت ملكًا للورثة بدون خيار لهم؛ لأن من له
الخيار فد تُوفي.
والقول الثاني في المسألة: أن الخيار يبقى للورثة؛ لأن الورثة
تلقوا هذا المبيع عن مورثهم بجميع حقوقه، ومن حقوقه الخيار، فعلى هذا لا يصح، وهذا
هو القول الصحيح.
أما إذا كان الموت في خيار المجلس، فهنا يتوجه القول
بأن من مات منهما بطل خياره، وجه ذلك: أن الموت أعظم فُرقة، والرسول عليه الصلاة
والسلام يقول: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ
يَتَفَرَّقَا» .
والموت أعظم فرقة، فإذا مات في المجلس فإنه يبطل خياره في هذه الحال؛ لأن هذا هو
أعظم فراق يكون (...).
***
غبنًا يخرج عن العادة، ويسمى هذا الثالث خيار الغبن. الغبن ويش معناه؟ الغلبة، يعني أنه غُبن وغُلب، وزِيد عليه الثمن، فإذا غُبن في البيع غبْنًا يخرج عن العادة فإن له الخيار، كيف ذلك؟ اشترى شيئًا يساوي عشرة بعشرين، هذا غبن يخرج عن العادة؛ لأن زيادة نصف الثمن، هذا غبن لا شك ولَّا لا؟ إذا اشترى شيئًا يساوي عشرة بأحد عشر.طالب: ليس غبنًا.
الشيخ: هذا ليس غبنًا؛ لأن العادة جرت بأن أهل السوق يختلفون فيما بينهم في واحد من عشرة، أو نصف من عشرة أو ما أشبه ذلك، العشرة بإحدى عشر ما يكون غبنًا.
طيب واحد باثنين، غبن ولَّا لا؟ اشترى شيئًا يساوي درهمًا بدرهمين.
طالب: غبن.
الشيخ: غبن ليش؟ إذا اشترى ما يساوي عشرة بأحد عشر ليس بغبن، وإذا اشترى شيئًا يساوي واحد باثنين فهو غبن؟
لأن الزيادة في واحد مع اثنين زيادة كبيرة نصف الثمن، لكن واحد مع عشرة قليلة، ولهذا لو سُئلت: لو غبن الإنسان في مبيع بألف درهم، هل يُعتبر غبنًا أم لا؟
يُنظر القيمة مثلًا، إذا صار يساوي عشرة ملايين وغبن بألف درهم، هذا ما هو غبن، لكن إذا صار يساوي خمس مئة وغبن بألف درهم، هذا غبن، ولهذا يقول المؤلف: (يخرج عن العادة).
قد ترون بعض العلماء اجتهادًا من عنده بأن يكون مقدار الغبن عشرين في المئة؛ يعني الخُمس، فإذا غبن بمقدار الخمس فهو غبن يثبت له بالخيار، وبأكثر من ذلك لا.
ولكن هل كل غبن يثبت به الخيار؟ لا، بل هو في ثلاث صور على المذهب فقط، الغبن: وهو زيادة الثمن زيادة تخرج عن العادة، هذا ما يثبت إلا في ثلاث صور فقط: الأول: بزيادة الناجش، الباء هذه للسببية؛ أي: غبن بسبب زيادة الناجش، والناجِش: اسم فاعل من النجش، وأصل النجش في اللغة: الإثارة، إثارة الشيء، والمراد به شرعًا: أن يزيد الإنسان في السلعة وهو لا يريد شراءها، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النجش وقال: «لَا تَنَاجَشُوا» . فماذا يريد الناجش؟
طالب: رفع السلعة.
الشيخ: قد يريد نفع البائع، وقد يريد ضرر المشتري، وقد يريد نفع البائع وضرر المشتري ولَّا لا؟
البائع صديق له، والمشتري عدو له، فيريد أن ينفع صديقه، ويضر عدوه، هذا هو الناجش، الناجِش: هو الذي يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها، وإنما يريد زيادة الثمن على المشتري، إما بنفع البائع، أو ضرر المشتري، أو لهما جميعًا.
وقد يريد الناجِش نفع نفسه، ما هو نفع المشتري ولا البائع، قد يريد نفع نفسه كما لو كان عنده سلعة مثل هذه، وزاد في ثمنها لأجل أن يزيد الثمن في سلعته، هو ما يريد نفع البائع ولا المشتري، ما يعرف لا البائع ولا المشتري، لكن زادها لأجل أن تزيد سلعته، ممكن هذا ولَّا لا؟
يمكن، هذا أيضًا حرام؛ لدخوله في نهي النبي صلى الله عليه وسلم. هذا رجل اشترى سلعة، وزاد ثمنها بسبب النجش، هي تساوي عشرة، ومع النجش وصلت إلى خمسة عشر، واشتراها، هل له الخيار؟ نعم، له الخيار؛ لأنه زِيد عليه على وجه مُحرَّم غير مأذون فيه، فكان له الحق في أن يرد هذه الزيادة المحرمة.
(المستَرْسِل) مأخوذة من استرسل في الشيء، إذا تابع فيه واطمأن إليه. والمسترسل: هو الرجل الذي يجهل القيمة، ولا يحسن الْمُماكسة، ما يدري عن قِيم الأشياء، ولا يُحسن المماكسة، ويش معنى المماكسة؟
طالب: المكاثرة.
الشيخ: هي المكاثرة.
طالب: التنزيل.
الشيخ: التنزيل، نعم، يعني ما يحسن مكاس الناس، ويطلب التنزيل، رجل سليم القلب، إذا قال له صاحب الدكان: هذه بمئة، قال: بس ما هو هذا ثمنها الحقيقي، قال: نعم، هذا ثمنها الحقيقي. قال: تفضل، هذه مئة، رجل سليم القلب، ما يعرف، ولا يحسن يماكس أبدًا، هذا هو المسترسل، كم هذه من صورة؟ صورتان.
الصورة الثالثة: تلقِّي الركبان، والركبان هم الذين يجلبون إلى البلد، وليسوا من أهل البلد، فهؤلاء لا يجوز للإنسان أن يتلقاهم ويشتري منهم؛ لأن في ذلك إضرارًا بهم وإضرارًا بالسوق، إضرارًا بهم؛ لأن الذي خرج إليهم وتلقاهم ربما يخدعهم أو لا؟
ربما يخدعهم يشتري منهم ما يساوي مئة بخمسين، وفيه إضرار بالسوق أيضًا؛ لأنه يحرم أهل السوق من الكسب في تجارة هؤلاء القادمين؛ إذ يشتريها من الذين قدموا، ثم يبدأ يبيعها للناس بالسعر الذي يريد؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَلَقَّوُا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّى فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ» .
فصار الغبن يكون في ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يكون بسبب زيادة الناجش.
الثاني: أن يكون بسبب الاسترسال.
والثالث: تلقي الركبان. الدليل في المسترسل: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» . فكون الرسول عليه الصلاة والسلام يجعل هذا من الغش، يجعل الغاش متبرأ منه، يدل على تحريم الغش، وأنه من الكبائر، ولا يجوز أن نوافق العاصي على معصيته، ونمكِّنه من بلوغ مأربه.
ولكن لاحظوا الآن أنه لو غُبن الإنسان بهذه الطريقة، فإنه لا خِيار له، فلو غبن الإنسان بجهلِه بالقيمة مع كونه يُحسن المماكسة، لكن ما يدري أن القيم تغيرت، هو جيد ويحسن المماكسة، لكن ما علم أن الأسعار تغيَّرت، واشترى، فهل له الخيار؟
يقول الفقهاء: لا خِيار له؛ لأن هذا يُحسن المماكسة، لماذا لم يُماكس أو يتحرى أو ينظر؟ ولا سيما إذا كان الأسواق غير ثابتة، يومًا ترتفع، ويومًا تنزل، الواجب عليه أن يتحفظ لنفسه.
مثاله: جاء رجل يحسن المماكسة إلى صاحب دكان، فاشترى منه سلعة بمئة ألف، وإذا صاحِب الدكان قد علم أن الأسعار تغيرت، وأن التي تساوي مئة الآن لا تساوي إلا خمسين، لكن هذا الرجل الشاطر الجيد ما علِم بتغير الأسعار، فهل له الخيار أم لا؟
الفقهاء يقولون: لا خيار له، والصحيح أن له الخيار إذا علمنا أن صاحبه قد غشه، إذا علمنا أن الرجل هذا قد جاءه خبر بتغير الأسعار ونزولها، فخدع الناس وباع عليهم بالأسعار الحاضرة فإن مَنْ غُبِن له الخيار.
ودليل ذلك أن هذا من الغش والخيانة لإخوانه المسلمين، وكل إنسان غش فإنه يجب أن يحال بينه وبين مأربه وإرادته، وأن يمنع مما يستلزم على غشه.
إذن على هذا نقول: (المسترسل) كل من يجهل القيمة سواء كان يحسن المكاثرة، أو لا يحسن، لكن إذا كان يحسن المماكسة نزيد شرطًا آخر؛ أن يكون البائع عالمًا بتغير الأسعار، ولم يخبره.
ويقع الغبن كثيرًا في البيع على الصبيان وعلى النساء، فإن بعض الناس -والعياذ بالله- ممن لا يخافون الله يأتي إليه الصبي اللي ما يعرف يبيع عليه السلعة اللي تساوي درهمًا بدرهمين، وتأتي إليه المرأة أيضًا، ويبيع عليها ما يساوي عشرة بعشرين، وهذا -والعياذ بالله- من باب أكل أموال الناس بالباطل، والواجب على المرء أن يكون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» .
طالب: (...).
الشيخ: إي، نفس الشيء؛ لأن الغبن كما يكون على المشتري يكون على البائع أحيانًا، فهو شامل الغبن لهذا ولهذا، فإذا علمنا أن هذا الرجل قد علم بارتفاع الأسعار، وذهب إلى السوق، وراح كل اللي في السوق، فهذا يُمنع لمن غُبنوا أن يفسخوا البيع.
طالب: (...).
الشيخ: كيف ما خسر؟
الطالب: (...).
الشيخ: خسر خسرانًا عظيمًا، هو الآن اشترى بثمانية عشر، وهو يعلم أنها الآن تساوي خمسة وثلاثين، فقد غبنه بلا شك، هل هذا من النصح أنك تري الناس سلعة زادت مثلًا في الميناء مثلًا، وتيجي للناس الغريرين اللي ما تم على الزيادة وتقول: يلَّا أبغي أشتري منكم؟!
طالب: (...).
الشيخ: ما يخالف، لكن الزيادة هذه لمن تكون لو بقي في ملكه؟ تكون لهم، وكل يعرف أن هذا العمل غش. نعم، لو جاء لهم، وقال: يا جماعة، وقال لهم: إن السلع قد زادت أثمانها حتى وصلت إلى خمسة وثلاثين، وأنا بشتري منكم بمثل ما تبيعون بثمانية عشرة.
طالب: ما يبيعون.
الشيخ: ما يبيعون، طيب، هذا هو النصح.
طالب: (...).
الشيخ: على أيش؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، ما أظن. إنما على كل حال إذا كانت تلزمهم، فهل إذا اشترى منهم بثمانية عشر، كم يبيعه؟ إن كان بيبقى السعر بثمانية عشر لا بأس، ولكن يبيعها بخمسة وثلاثين.
طالب: (...).
الشيخ: إذا علم النزول ما يجوز يعبث بقيمة الولد، ما وجد في السوق اللي هو فيه، ويش تقولون في هذا؟ يعني هذا الرجل علم أن السلعة نزلت في الميناء، لكن إلى الآن النزول ما وصل إلى بلده، هل يجوز أن يبيع هذه السلعة بثمنها الحاضر، أو بثمنها المعتقد؟
طالب: الحاضر.
الشيخ: الظاهر وجوبه، يعني يبيعها بثمنها الحاضر. وقد جاء في الآثار أن ما يسلم نزول البلد إلا بعد مُدة.
قال: (الرابع خيار التدليس) التدليس مصدر (دَلَّسَ يُدَلِّس)، وهو مأخوذ من الدِّلْسة، وهي الظلام، والمراد به التعمية، وعدم إخراج الشيء على حقيقته، وذلك بأن يظهره مظهر السليم، وهو غير سليم، أو يظهره مظهر الأجود وهو جيد، وليس بأجود، فله صورتان التدليس: إما أن يُظهِر الشيء على وجه أكمل مما كان عليه، أو أن يظهره على وجه كامل وفيه عيب، والفرق بينهما ظاهر.
الأول: ليس في المبيع عيب، بل هو سليم، لكن أظهره على مظهر أجود وأكمل، والثاني فيه عيب، لكن أخفاه، وأظهره بمظهر السليم.
مثال ذلك: ما ذكره المؤلف بقوله: (كتسويد شعر الجارية) الجارية يعني: الأَمة، هذا إنسان عنده أمة شعر رأسها أبيض، نعم، فذهب فسوَّده علشان أيش؟
طالب: يزور.
الشيخ: التزوير، تزويرًا؛ لأجل يظن من رآها أنها شابة، أو أنها غير معيبة لو فُرض أن بياض الشعر كان من آفة أو عاهة وهي شابة، لكن صار فيها عاهة فابيض شعرها، ويقولون: إن الإنسان إذا توحش إنه يبيض شعره سريعًا، ما أعرف صحيح ولَّا لا، الذي يستوحش ويخاف أنه يبيض شعره فليعلم، والله أعلم.
لكن -على كل حال- تسويد شعر الجارية سواء كانت كبيرة في السن وابيض شعرها من الكِبر، أو كانت صغيرة وابيضَّ شعرها بآفة، فإذا سوَّدَهُ وباعها وثبت أنه قد سوَّدَه فللمشتري الخيار، ماذا نسمي هذا الشيء؟ خيار التدليس؛ فله الخيار.
(وتجعيده) تجعيد شعر الجارية، والتجعيد هو أن يجعل في الشعر مادة تجعله يتكسَّر، يكون له حدود كحد الرمل، وهو الرمل الذي هبَّت عليه الرياح، يكون له حدود، الشعر الجعد مرغوب عند العرب بخلاف الشعر اللين المسترسل، فهذا الذي عنده جارية شعرُها مسترسل، لكنه أضاف إليه مادة جعلته يتجعد، والجعد مرغوب عند الناس، فهذا تدليس؛ لأنه أظهر الجارية بمظهر أكمل مما كانت عليه. إذا وضع فيها مكياجًا مثله؟ تدليس ظاهر.
طالب: تدليس.
طالب آخر: إذا ظاهر ليس تدليسًا.
الشيخ: إذا ظاهر ليس تدليسًا، ويبان في الوجه، ويجعل هذه المرأة مثلًا الجارية، يجعلها كأنها جميلة وهي ما هي جميلة، ويجعلها (...) وهي ليست (...). المهم أن هذا من جنس تسويد شعر الجارية.
الكحل تدليس؟ هذا ظاهر ما هو تدليس.
(وجمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها) هذه جملة واحدة، ما هو بجمع ماء الرحى وحده وإرساله وحده. لا، جمع ماء الرحى مع إرساله عند عرضها.
ويش هي الرحى؟ وجمع ماء عند العرب، فيه رحى طواحين على جريان الماء؛ يعني بحيث تُجعل المروحة تنغمس معظمها بالماء، كالريش حقته، الريشة التي لها تنغمس في الماء، ويُجعل لهذه المروحة طير يستخرج الرحى، طاحون، فإذا دارت هذه المروحة تدور الرحى ولَّا لا؟
إذا كان الماء قويًّا ازداد قوة دوران الرحى أو لا؟ وإذا كان ضعيفًا قل دورانها مثلًا. هذا الرجل أراد أن يبيع هذه الرحى أو الطاحون، فجمع الماء كثره، فلما أراد بيعها أطلق الماء، معلوم إذا جاء الماء مُنطلقًا بعد حبس، ويش يكون؟ قويًّا، يلزم من قوته سرعة دوران المروحة، ويترتب على ذلك سرعة دوران الرَّحى، فإذا رآها المشتري يظن أن هذه طبيعته، والأمر ليس كذلك، نقول: هذا من باب التدليس، فيكون للمشتري الخيار، هل يستعمل عندكم في النيل؟
طالب: (...).
الشيخ: (...) أراك تسافر مع حجاج إلى القاهرة ويوريك إياها، في الفيوم أظن؟
طالب: نعم، في الفيوم.
طالب آخر: (...)؟
الشيخ: تقرير الدليل أننا إذا مكنا الغاش من تنفيذ مآربه فقد أعنَّاه على غشه، والتعاون على الإثم والعدوان مُحرَّم.
لو أن رجلًا عنده سيارة مصدومة، وضرب عليها بوية وعرضها للبيع، هل هذا تدليس؟
طالب: تدليس.
الشيخ: إذا صار ما يجوز.
طالب: ما يمكن له.
الشيخ: لا يمكن يا أخي، أنت ما فهمت (...)، ما يمكن يبيع؟ يبطل.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: على كل حال، إذا كان التدليس ظاهرًا.
طالب: (...).
الشيخ: (...) هل من التدليس أن يسود شعر اللحية لأجل أن ترغبه النساء؟
طالب: تدليس.
الشيخ: إي، هذا تدليس (...)، لكن الأحسن أن المرأة المخطوبة إذا جاءها هذا المدلِّس، تقول له: يلَّا ارقَ هذا الجبل، خليه يصعد الجبل، إن كان صاعدًا بدون مشقة، وإن كان وقف في أثناء الطريق، خلاص.
طالب: ممكن يا شيخ مثلًا الشعر الأبيض؟
الشيخ: يمكن..





