كتاب البيع (الشرح الأول) - 7
عدد الزيارات 1251

أنا أريد أن تبقى وآخذ الأرش، يعني: مقابل ما زاد بالثمن من هذه الصفة اللي حصل بها التدليس، فإنه لا يلزمه؛ لأن هذا فوات صفة مطلوبة، فلما لم تكن الصفة موجودة فليس له إلا الرد فقط، بخلاف خيار العيب، كما سيأتي إن شاء الله.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، حتى ولو (...)، اللهم إذا عَلِمْنَا أنه عَلِمَ بالتدليس وجَامَعَهَا فإن هذا قد يُسْقِطُ خياره؛ لأن هذا التصرف يدل على رضاه بها.
طالب: (...)
الشيخ: (...).
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، ما لها أرش؛ لأن هذا فوات صفة مقصودة، إما أن تأخذها بما هي عليه، وإلا اتركها.
طالب: لو طلب ذلك؟
الشيخ: لأن الأرش حتى في العيب -كما سيأتي- شيخ الإسلام يرى أنه ما هو بواجب، يقول: لأن الأرش معاوضة جديدة فلا بد أن يتفقَا عليها.
طالب: لو طلب البائع؟
الشيخ: طلب أيش؟
الطالب: قال له: خذها (...).
الشيخ: والله ربما نقول: إنه لا بأس إذا تعاوضَا، أو إذا تعاقدَا على عِوَض معلوم فلا بأس به؛ لأن الحق لهما، وليس فيه محذور شرعي، أما أن نُلْزِمه فلا نلزمه.
طالب: (...).
الشيخ: ليس فيه بأس؛ لأن أقل ما نقول فيه أنه أسقط حقه من الرد بهذا العِوَض.
الخامس من أقسام الخيار: (خيار العيب)، وخيار العيب هنا من باب إضافة الشيء إلى سببه، والعيب ضابطه، كما قال المؤلف: (وهو ما يُنَقِّصُ قيمة المبيع)، هذا الضابط؛ كل صفة أو حال تُنَقِّص قيمة المبيع فإنها عيب.
مثاله: يقول: (كمرضه)، اشترى الإنسان حيوانًا فوجده مريضًا، هذا عيب لا شك؛ لأنه يُنَقِّصُ قيمة المبيع، وظاهره ولو كان المرض مما يُرْجَى برؤه؛ لأن الذي يُرْجَى برؤه قد لا يبرأ، فله أن يرد، كما سيأتي.
الثاني: (وفَقْدِ عضو أو سِنّ)، العضو مثل فَقْد أصبع من الأصابع، أو يد أو أذن، أو ما أشبه ذلك، أو سِنّ، سواء كانت سِنُّها من الأسنان أو من الأضراس، فإذا وُجِدَ المبيع قد فَقَدَ سنًّا واحدًا أو أكثر فإنه عيب، حتى لو كان من الفك الأعلى في الشاة؟!
طالب: إن كان في الأضراس.
الشيخ: إن كان في الأضراس، إذن فيه تفصيل؛ إن كان أضراسًا فيمكن، المهم فوجدنا أن هذا المبيع قد فَقَدَ سنًّا، لو فرض أنه فقد السن لكن رُكِّب، جعل تركيبةً، هل هذا عيب؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، هذا عيب؛ لأن المركَّب ليس كالأصلي.
(وزيادتهما) زيادة العضو وزيادة السن، الزيادة مثل: لو كان له ستة أصابع، والسن مثل لو فرض أن أحدًا من الناس نبت له سنّ قبل أن تسقط أسنان اللبن، فتكون السن مرادفة للسن الأولى، نقول: هذا عيب، فإذا قال البائع: الزيادة فيها خير، تزيد القوة بدل ما أمسك بخمسة أصابع يمسك بستة، إذا أخذ مثلًا فناجيل (...) يأخذ ستة، وكذلك أيضًا لو قال بالنسبة للأسنان، فماذا نقول له؟
طالب: هذه شبهة ولَّا بيع؟
الشيخ: لازم نجيب عن الشبهة، نقول: إنها تنقص القيمة، ونحن ما لنا من منفعة، ما دام تنقص القيمة فإنها تعتبر عيبًا، وبهذه المناسبة هل يجوز أن تقطع الأصبع الزائدة أو لا؟
الفقهاء يقولون: لا يجوز، ويعلِّلون ذلك بالخطر، ولكن بناءً على تقدم الطب الآن فإن الصحيح جواز ذلك؛ لأن هذا إزالة عيب، وليس من باب التجميل، وإلا لو كان من باب التجميل لكان حرامًا
.
ولهذا لعن النبي عليه الصلاة والسلام النامصة والْمُتَنَمِّصة ؛ لأنها تزيل شيئًا خلقه الله من أجل التجميل، أما هذا فإنه يقطع أصلًا زائدة من باب إزالة العيب.
وأنت الآن قدِّر نفسك قد أُصبت بهذا الأمر، ألست تحب ألَّا يراك الناس؟
نعم ما فيه شك، يحب ألَّا يراه الناس، ويحصل عنده انتفاضة نفسية إذا شاهد الناس هذا الشيء الزائد.
والصواب أن إزالة الأصبع الزائدة في وقتنا الحاضر جائز، ولا شيء فيها، وهذا نظير ما قال العلماء في قطع البواسير.
قالوا: إن قطع البواسير حرام؛ ليش؟ قالوا: إنه يمكن ينزف الدم حتى يموت، فيكون متسببًا في قتل نفسه.
ولكنه في الوقت الحاضر أصبحت هذه العملية عملية بسيطة، وليس فيها أي نوع من الخطأ، فلكل مقام مقال، والحكم يدور مع علَّته وجودًا وعدمًا.
(وزِنَا الرقيق)، زنا الرقيق معناه أن يكون الرقيق زانيًا، سواء كان رجلًا أو امرأة.
وهل المراد أن يثبت زناه ولو مرة، أو لا بد أن يكون الآن على ما هو عليه؟
ظاهر كلام المؤلف أن يثبت ولو مرة، إلا أن يتوب توبة نصوحًا، ونعلم أنه استقامت حاله، هذا ليس بعيب، وأما إذا زنى ولم نعلم أنه تاب فإنه ربما يَحِنُّ إلى هذا الأمر ويعود إليه.
وقوله: (زِنَا الرقيق) خرج به زنا الْحُرّ، فليس بعيب.
طالب: الْحُرّ لا يباع.
الشيخ: إي نعم، الْحُرّ لا يباع.
إذن ويش خرج بها؟ زنا البهيمة؟ أو هذا لبيان الواقع.
(زنا الرقيق وسرقته) إي نعم، السرقة هذه مشكلة، إذا كان هذا الرقيق قد سرق ولو مرة واحدة، ما لم نعلم أنه تاب، فإن هذا عيب يثبت به الرد للمشتري.
(وإباقه)، ويش معنى إباقه؟ يعني هربه، إذا عُرف بأن هذا الرقيق يهرب عن سيده ولا يبقى عنده، فإن هذا عيب، ولو كان مرة؟
طالب: ولو كان مرة.
الشيخ: ولو مرة، يعني إذا علمنا أنه أبق عند البائع ولو مرة فإنه عيب.
طالب: يجوز بيعه؟
الشيخ: إي نعم يجوز، إلا أنه يجب أن تُبَيَّن حالُه.
(وبوله في الفراش) بول مَن؟
طالب: بول الرقيق.
الشيخ: بول الرقيق في الفراش، معناه أنه إذا نام وأحسَّ بالبول يبول، هذا عيب.
لكنه قيَّده في الشرح بأن يكون قد بلغ عشر سنين، فأما إذا كان صغيرًا فإن بوله في الفراش ليس بعيب.
لو مثلًا اشترى رجل رقيقًا له سنتان قد فُطِم، وأبقاه عنده، فلما كان صباح اليوم الثاني جاء إلى البائع وقال له: هذا الرقيق يبول في فراشه، وأنت ما شرطت عليه أنه يبول، ماذا يقول له؟
يقول: هذا عادة الصبيان، هذا ليس بعيب، ولهذا لا ينقص قيمته، والمدار كله على تنقيص القيمة.
ويأتي إن شاء الله تعالى حكم هذا الخيار (...) الثمن فيما إذا ما وقع العقد على عين الثمن، وسبق لنا أن العيب ما يُنَقِّص قيمة المبيع.
قال بعضهم: أو يُنَقِّص عين المبيع؛ فالخصاء في الرقيق عيب، وهو يزيد قيمته ولّا ينقص؟
طالب: يزيد.
الشيخ: وهو يزيد في قيمته، لكنه عيب؛ لأن صاحبه قد يريد أن يكون فحلًا.
وقال بعض أهل العلم: إن الْخِصَاء في الرقيق إن كان المشتري له غرض في كون المبيع فحلًا فله الخيار، وإن لم يكن له غرض فلا خيار له؛ لأننا نقول له: لا يخلو إما أنك قد اشتريته للتكسب، أو اشتريته للخدمة، إن كنت قد اشتريته للتكسب فكونه خصيًّا أكسب لك، وإن كنت اشتريته للخدمة فكونه خصيًّا أسلم لأهلك، ولَّا لا؟ لأن الغالب أن الخَصِيّ ما يكون عنده شهوة، فإذا قال: أنا قد اشتريته لأجل التنمية، وإذا لم يكن فحلًا فكيف يكون منه تنمية؟ ماذا نقول له؟
نقول: نعم، في هذه الحال نشوف، إذا كان مثلًا عندك إماء وعبيد، وتريد أن تشتري عبيدًا من أجل أن تزوِّجهم بهذه الإماء، صار لك غرض، فإذا كان خصيًّا فإنه يفوت غرضك.
وأما إذا لم يكن لك غرض فإنه لا ينفع، حتى لو زَوَّجْتَه بأمة غيرِك، فإن أولاده لا يكونون لك، لمن يكونون؟ لمالك الأم، وإن زوَّجْتَه بحرة فأولاده أحرار.
فيه (زنا الرقيق) عيب؟
طالب: يعد عيبًا نعم، ثبت مرة واحدة، أما إذا تاب ورجع إلى الله عز وجل وثبتت هذه التوبة الصادقة فلا تعد عيبًا.
الشيخ: نعم، هذا العيب يعود إلى الخِلْقة ولَّا الْخُلُق؟
الطالب: الْخُلُق.
الشيخ: نعم، بوله في الفراش؟
طالب: نقول: فيه تفصيل، إن كان صغيرًا فلا عيب، أما إذا كان..
الشيخ: فليس بعيب؟
الطالب: فليس بعيب، وإن كان كبيرًا فهو عيب.
الشيخ: ويش حد الكبر؟
الطالب: حد الكبر بعد البلوغ.
الشيخ: إلى البلوغ؟
الطالب: بعد البلوغ.
الشيخ: بعد البلوغ؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يعني إذا كان يبول على الفراش وهو له ثلاث عشرة سنة، أو أربع عشرة سنة ليس بعيب؟
الطالب: في سن الرضاع.
الشيخ: الرضاع؟
الطالب: إذا كان في الرضاع ليس بعيب.
الشيخ: ليس بعيب، وبعده؟
الطالب: وبعده عيب.
الشيخ: يعني معناه إذا تم له سنتان، وفي الثالثة يبول في فراشه فهذا عيب.
طالب: ليس بعيب.
الشيخ: ليس بعيب؟
طالب: إذا كان قبل الرضاع ليس بعيب.
الشيخ: هو في الثالثة، انتهى الرضاع، السنة الثالثة.
الطالب: ثلاث سنوات في الغالب يبول.
الشيخ: لماذا تحده بالرضاع؟
الطالب: لأنه الغالب الصغير اللي بيرضع يبول.
الشيخ: هذا اشترى رقيقًا له أربع سنوات، ووجده يبول في فراشه، عيب ولَّا لا؟
طالب: نعم.
طالب آخر: ليس بعيب.
الشيخ: ليس بعيب؟ هذا تعدى الرضاع بسنتين.
الطالب: إنه صغير.
الشيخ: حدِّد لي يا شيخ، البلوغ؟
طالب: (...).
الشيخ: كم؟ سبع سنوات، يعني معناه وهو ثماني سنين إذا بال في فراشه فهو عيب؟
طالب: نعم.
طالب آخر: في الغالب أنه..
طالب آخر: حده بعشر.
الشيخ: نعم، حدده الفقهاء بعشر سنوات، ولكننا إذا قلنا: إن العيب ما ينقص قيمة المبيع عرفًا، فإنا نرجع في ذلك إلى العرف، وفي ظني أن عشر سنوات يعتبر قدرًا كبيرًا.
طالب: يعتبر عيبًا يا شيخ، ما زاد عن السبع عيب.
الشيخ: إي، أقول: لو حُدِّد بأقل من عشر كان أحسن.
طالب: (...).
الشيخ: الظاهر أن الناس إذا كان الطفل يبول وله ثماني سنوات يعتقدون هذا من العيب.
الطالب: لأن فيه أطفالًا ما يتعدى ثلاث سنين (...).
الشيخ: إي نعم، هذا الغالب، يقول المؤلف..
طالب: البيع في المجلس (...) نقول بصحة البيع (...).
الشيخ: نقول بصحته مع الخيار.
طالب: ما نقول: إنه ورد النهي في (...)؟
الشيخ: هذا ما هو نهي عن البيع، نهي عن الغش، ما ورد على ذات البيع، لو قال: لا تبيعوا ما غششتم فيه، صح، صار واردًا على عين العقد.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (فإذا علم المشتري العيب بعد)، أي: بعد العقد.
(إذا علم)، أفادنا المؤلف بقوله: (إذا علم) أنه لو كان المشتري عالِمًا بالعيب عند العقد فإنه لا خيار له؛ لأن عقده عليه مع علمه بعيبه يدل على رضاه به، وإذا رضي بالعيب فقد لزم البيع، لكن إذا لم يعلم ثم علم فله، يقول: إذا علم (العيب بعدُ أمسكه بأرشه)، أو رده وأخذ الثمن، يعني يخيَّر بين أمرين؛ بين أن يمسكه بأرشه، أو يرده ويأخذ الثمن.
(أمسكه بأرشه) الأرش، يقول: قسط ما بين قيمة الصحة والعيب، هذا الأرش، قسط ما بينهما، فيقوَّم المبيع سالِمًا من العيب، ثم يقوَّم وهو معيب، فما بين القيمتين فهو الأرش.
فإذا باع شيئًا بخمسين ووجد المشتري به عيبًا وأراد الأرش فقوَّمْنَاه ووجدناه سليمًا يساوي مئة ومعيبًا يساوي ثمانين، كم الأرش؟
طالب: عشرون.
الشيخ: عشرون؟
طالب: عشرة.
طالب آخر: مئة وثمانون.
الشيخ: لا، هو قال: هو اشتراه بخمسين، وطلب الأرش، وقوَّمْنَاه سليمًا بمئة ومعيبًا بثمانين.
طالب: يدفع هو ثلاثين.
الشيخ: كم الأرش؟
طالب: لا شيء.
طالب آخر: عشرة.
الشيخ: الفرق بين القيمتين كم؟
طلبة: عشرون.
طالب آخر: يقوَّم بمئة.
الشيخ: إي، ربما زادت السلع، أو نعرف أنه قد حاباه، البائع ما بيدعي الغبن.
نقول -انتبه للتعبير-: إن الأرش هنا خمُس؛ لأن العشرين بالنسبة للمئة خُمس، فيكون الأرش الْخُمس ونُسْقِط عنه من الثمن الأصلي، ما هو الثمن الأصلي؟ خمسون، نُسْقِط منه الْخُمس، كم؟
طالب: عشرة.
الشيخ: عشرة، ما تقُل: نُسْقِط عشرين؛ لأنك لو أسقطت عشرين من الخمسين صار الأرش أربعين من المئة، انتبه.
ولهذا قال: (قسط ما بين قيمة الصحة والعيب)، ولم يقل رحمه الله: وهو الفرق ما بين قيمة الصحة والعيب، بل قال: قسط؛ لأجل أن تضيف تلك النسبة إلى قسطها فلا تقدِّرها بالعدد، بل قَدِّرْها بالنسبة دائمًا، فقل الآن: نسبة العيب عشرون في المئة، أي الخمس، فينقص من الثمن كم؟ الخمس، سواء زاد أو نقص.
طالب: الثمن الأصلي ولَّا الثمن المقدَّر؟
الشيخ: الثمن المقدَّر، ننسب النقص إليه نسبة، ثم نأخذ نسبة كالنسبة من الثمن الأصلي.
الطالب: عشرون في المئة نطلّعها من المئة.
الشيخ: إي، نطلّعها من المئة تكون الْخُمس.
الطالب: نطلّع الْخُمس من الخمسين.
الشيخ: نطلّع الْخُمس من الخمسين.
الطالب: ثم بعد ذلك؟
الشيخ: بس، نقول: الآن عليك ..
الطالب: هذه تكون الأرش؟
الشيخ: تكون هي الأرش، فيلزم المشتري من الثمن أربعون درهمًا فقط.
(أو رده وأخذ الثَّمَن)، نقول أيضًا: لك أن ترده، ترد أيش؟ ترد البيع، تفسخه وتأخذ القيمة، فأنت أيها المشتري بالخيار، هذا ما ذهب إليه الفقهاء رحمهم الله.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الأرش ليس بلازم للبائع، يعني لا يُلْزَم به البائع، إن وافق وإلا فإن للمشتري أن يرد المبيع فقط؛ لأن الأرش كما ترون معاوضة، ولَّا لا؟ إذ يُنَقَّص من الثمن، البائع يقول: أعطوني سلعتي أديكم دراهمكم، وإلَّا تنقصون الثمن أنا ما أوافق على هذا.
وما قاله الشيخ رحمه الله وجيه، إلا إذا علمنا أن البائع غاشّ، وأنه كاتم للعيب، فإن الغاشّ ينبغي أن نعامله بأضيق الأمور وأشد الأمور، فصارت المسألة -هذه المسألة- فيها قولان لأهل العلم:
القول الأول: أنه إذا ظهر عيب في المبيع فللمشتري الخيار بين الإمساك والرد فقط، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، والمذهب أن للمشتري الخيار بين الإمساك مع الأرش وبين الرد.
فنقول للمشتري: إن شئت أبقيناها عندك ويسقط عنك ما يقابل نقص العيب، وإن شئت فارددها على صاحبها وخذ الثمن.
وأقول: إنه لو فُصِّل في هذه المسألة وقيل: إذا كان البائع غاشًّا معتديًا فإننا نعامله بأضيق الأمرين، فنقول: إنه يخيَّر المشتري بين الأرش وبين الرد، وأما إذا لم يكن غاشًّا؛ مثل أن يكون لا يعلم بالعيب، هو بنفسه لا يعلم بالعيب، فإنا لا نلزمه بالتعويض، ونقول للمشتري: إن كنت تريد السلعة بما فيها من العيب وإلا فردها على صاحبها.
طالب: كيف نعلم أنه غاشٌّ.
الشيخ: إذا علمنا أن هذا العيب كأن يتحدث به البائع مثلًا، يقول: إن السلعة فيها كذا وكذا وأنا ببيعها مصلحة لي، مثلًا لأن هذه الدابة حَرُون أو عَضُوض، أو تمنع اللبن، ولكنه كتمه على المشتري.
باقي عندنا -سَبَق خيار العيب- خيار الغبن وخيار التدليس.
وذكرنا أن المذهب ليس فيه إلا أن يرد أو يبقي بلا أرش، وأن الصواب أنه يرد أو يُؤَرَّش له
.
لكن أنا قلت في الأرش مثل ما قلنا في أرش العيب؛ إذا كان البائع عالِمًا، وهو الغالب في مسألة التدليس أنه عالم، فإنه يُؤَرَّش عليه.
فيقال: لك الخيار بين أخذها على ما هي عليه، ويقدَّر لك الفرق بين قيمتها على وجه التدليس وقيمتها على وجه السلامة منها.
وأما إذا كان غير غاشٍّ فإنه لا شيء عليه، وكذلك نقول في خيار الغبن.
والحديث كما عرفنا في مسألة الْمُصَرَّاة يدل على أنه ليس له أرش، وهو إما أن يرد معها صاعًا من تمر، وإما أن يأخذها وليس له أرش.
طالب: يا شيخ البائع ما له اختيار في الأرش؟
الشيخ: لا.
الطالب: إذا قال: ما أعطيك أرشًا، يرد البضاعة ولَّا ..
الشيخ: أما المذهب فلا خيار له، المذهب أن المشتري يخيَّر، رضي البائع أم كره؛ لأن شيخ الإسلام هو الذي يقول: إن البائع ما يُلْزَم بالأرش، ولكني قلت كما سمعت: إن الصواب التفصيل في ذلك.
طالب: يا شيخ، الأرش ما يخالف الحديث؟
الشيخ: مخالف؟! الحديث ما تعرَّض للأرش؛ لأنه ما طلبه صاحب الـ.. ، وإن كان ظاهر الحديث أنه لا أرش، فإن شاء أمسكها، وإن شاء ردها؟ فظاهره أنه يمسكها بلا أرش، ولكن قد يقال: إنه إذا لم يطالب بالأرش.
وأما إذا طالب فيُنْظَر في الموضوع، والذي أرى أنه إذا ثبت غش الرجل فإن الغاشَّ لا ينبغي أن يُفْتَح له الباب، بل يعامَل بأشد الأمور وأضيقها.
طالب: شيخ، بالنسبة للعيب، إذا كان العيب واضحًا في المبيع، لكن غير ظاهر يعني جدًّا، والمشتري إذا تفحص ودقق هيجد العيب، ولكنه اشترى ولم يفحص في العيب، والبائع لم يقصد مثلًا إن هو يخفي عليه شيئًا.
الشيخ: إذا كان العيب ظاهرًا فلا خيار له.
الطالب: يقول: ما رأيته، مثلًا، ولكن هو لو تحرى الدقة شوية في البحث مثلًا أو إنه مسك الحاجة أو قلبها أو شيء يراه، لكنه لم يفعل ذلك.
الشيخ: الظاهر أن له الخيار، لأن الواجب على البائع أن يبيِّن له، إلا إذا كان ظاهرًا، مثل لو فُرِضَ إن فيه مثلًا قلم قد انكسر الرباط اللي يربطه بالجيب، (...) المنكسر، وما أشبه ذلك، أو ساعة زجاجتها منكسرة، وقال: ما شوفتها.
طالب: شيخ، الأصل السلامة في السلعة التي يشتريها.
الشيخ: هذا هو الأصل، الأصل السلامة.
الطالب: الأصل سلامتها فلا (...) سلامتها.
الشيخ: إي نعم، لكن إذا كان عيبًا بيِّنًا، قال: شوف هذا ما فيه مسَّاكة القلم مثلًا، شاهد ما فيه إشكال عندك، أما إذا سيارة منكسرة زجاجها مثلًا، أو ساعة منكسرة زجاجتها، هذا شيء واضح، أما الشيء الذي خفي ولكنه بالتدقيق يمكن تعرفه، فهذا الأصل السلامة، يثبت له الخيار.

***

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (أمسكه وهو قسط ما بين الصحة والعيب وأخذ الثمن، أو رده وأخذ الثمن، وإن تلف المبيع أو عتق العبدُ تعيَّن الأرش).
لو قال المؤلف: إن تعذَّر الرد تعيَّن الأرش، لكان أعم في العبارة، تلف المبيع هنا يتعين الأرش، لماذا؟
طالب: (...).
الشيخ: لأنه ما يمكن الرد، تلف المبيع، احترق، يعني مثلًا هذا إنسان اشترى هذا التسجيل، مسجل ووجد به عيبًا وأشهد عليه، على أنه سيرده على صاحبه، أو يأخذ الأرش، فاحترق هذا المسجل، ويش يتعين؟
طالب: الأرش.
الشيخ: يتعين الأرش؛ لأن الرد هنا متعذِّر، وكذلك لو ماتت البهيمة فإنه يتعين الأرش؛ لأن الرد متعذِّر.
ومثله أيضًا لو عتق العبد، الرجل الذي اشترى هذا العبد أعتقه، وبعد أن أعتقه وجد أن به عيبًا، فهنا لا مكان للرد، والسبب لأنه عتق، فلا يعود رقيقًا بعد عتقه، وحينئذ نقول: يتعين الأرش.
الطالب: (...).
الشيخ: القاعدة هذه مطَّردة، إن تعذَّر الرد تعيَّن الأرش.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، يعني هو الذي أتلفها؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: إذا كان هو الذي أتلفها فنقول له: أما على المذهب فلا يرد علينا، هذا كما قلت، وأظنك ما فهمت المذهب زين.
المذهب أن الإنسان بالخيار بين الرد والأرش مطلقًا، حتى لو السلعة عنده الآن حاضرة ويمكن يردها، قال: ما أنا برادّه، أنا لازم أتَثَمَّن.
طالب: معروف هذا.
الشيخ: خلاص، فالمؤلف رحمه الله يقول: إذا تعذَّر الرد، ما بقي عندنا إلا الأرش يتعين الأرش، أما على الرأي الثاني اللي يقول: لا أرش إلا برضا البائع فهنا نقول: إنه لا أرش إلا برضا البائع، لكن إن تعذَّر الرد فلا بد من الأرش؛ لأنه لا يمكن أن نضيع حق المشتري، وسبق لك أنني قلت: إنه ينبغي أن يقال: إن كان البائع قد غش فإننا نخيِّر المشتري بين الأمرين؛ بين الرد والأرش، وأما إذا كان غير غاش فإن القول بإلزامه بالأرش فيه نظر
.
يقول: (وإن اشترى ما لم يُعلم عيبُه بدون كسره كجَوْز هند وبَيْض نعام فكسَرَه فوجده فاسدًا فأمسكه فله أرشه، وإن رده رد أرش كسْرِه، وإن كان كبيض دجاج رجع بكل الثمن).
هذا الإنسان اشترى شيئًا لا يعلم عيبه بدون كسره، ولا يمكن الانتفاع به إلا بكسره، مثل: بيض النعام، ما يمكن أن يُنتفع به حتى يُكسر، هذا الرجل لَمَّا كسر البيضة وجد أن الذي كان داخلها فاسد، ففي هذه الحال له الخيار بين الإمساك بالأرش وبين الرد، لكن إذا ردها فإنه يرد أرش الكسر.
هو نفسه عليه أرش الكسر، ما هو أرش الكسر؟
يعني نقص هذا البيض؛ لأن بيض النعام يُنتفع به بعد إزالة ما في جوفه، ينتفع به كأواني، يُجْعَل أواني ينتفع بها هذا الرجل، يقول: الآن إن كسرته على وجه ينقص به فإن عليك أرش الكسر، فنقول: ماذا تساوي هذه البيضة لو لم تُكسَر، وماذا تساوي بعد كسرها؟ الفرق بين القيمتين يكون الأرش على المشتري، هذا إذا رد، أما إذا أمسك فإن له الأرش كما سبق.
أما إذا كان الشيء لا يمكن أن ينتفع به بعد كسره مثل بيض الدجاج، كسر بيض الدجاج ووجده فاسدًا، ماذا يصنع المشتري، ويش يجب للمشتري يعني؟
طالب: الرد.
الشيخ: الرد؟
الطالب: نعم.
طالب آخر: لا يجوز الرد هنا.
الشيخ: قال: ما يخالف، الرد.
الطالب: بس ما يدفع الأرش.
الشيخ: قال البائع: أنا إذا رددته أبغيك ترد القشور أيضًا، نقول: القشور لا فائدة منها، وكذلك نفس البيض؛ لُبّ البيض لا فائدة منه بالنسبة لبيض الدجاج، والسبب أنه إذا كان فاسدًا لا يمكن أكله ولا الانتفاع به.
ولهذا قال المؤلف: (وإن كان كبيض دجاج رجع بكل الثمن)، إن كان كبيض دجاج فإنه يعود بكل الثمن، يأخذ الثمن كله من البائع، وهذا إذا كان قد سَلَّم الثمن.
أما إذا كان لم يسلمه فإنه لا يرجع بشيء.
(...) أو عينه وإن لم تنقص القيمة كالخصاء للرقيق فإنه ينقِّص عينه، ولكنه لا ينقص القيمة، (...).
يقابله جزء من السلعة، فإذا فُقِد جزء من السلعة لزم أن يُفْقَد به جزءٌ من الثمن، وهذا هو الأرش.
شيخ الإسلام يقول: لا، إن الأرش عبارة عن معاوضة جديدة؛ لأنه للبائع الخيار أن يقول: أنا ما أريد هذا؛ إما أن تعطوني سلعتي كاملة وأعطيكم الثمن كاملًا، وإما أن تأخذوها كاملة ولي الثمن.
وذكرت لكم أن الأقرب عندي أنه إذا كان البائع..؟
طالب: غاشًّا.
الشيخ: غاشًّا فإن الصحيح ما ذهب إليه أصحاب المذهب، وإن لم يكن غاشًّا فإننا لا نُلْزِمه بهذا التعويض الجديد. (...)
(خيار عيب مُتَرَاخٍ)، يعني أنه على التراخي وليس على الفورية، فلا نقول: إنه بمجرد أن يعلم المشتري العيب يجب أن يرد، فإن لم يفعل فلا خيار له، لا، نقول: له أن يتأخر يومًا أو يومين ثم يرد؛ لأن هذا حق له فلا يسقط بتأخر المطالبة به، فإن الحق الثابت لشخص لا يسقط إلا بإسقاطه إياه، وأما مجرد تأخير المطالبة به فلا يدل على إسقاطه، هذا هو التعليل.
أن نقول: التعليل بأن هذا حق ثابت له، فلا يسقط إلا بإسقاطه، فإذا أسقطه وقال: إني علمت العيب ولكن اشهدوا أنني راضٍ بهذا المبيع معيبًا سقط حقه.
وأما إذا قال: علمت العيب وسكت، فله الحق في المطالبة، ما يقول البائع: ليش ما طالبت من أول ما علمت؟ نقول: لأنه ليس على الفور، فهو حقه، فمتى شاء طالب به، اللهم إلا أن يؤدي ذلك إلى إضرار بصاحب الحق، مثل أن يسكت حتى يزول الموسم، أو حتى تنزل الأسعار، ثم بعد ذلك يقول: أنا أريد رده، فهذا لا يجوز؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» ، ولا يجوز للإنسان أن يتصرف تصرفًا يضر بأخيه المسلم.
يقول المؤلف: (ما لم يوجد دليل الرضا)، فإن وُجِدَ دليل الرضا فإنه لا خيار، ويش علامة دليل الرضا؟
علامة دلالة الرضا أن يبيعه أو يتصرف فيه بإجارة أو برهن، أو ما أشبه ذلك، فإنه يدل على أنه راضٍ به، تصرفه في هذا المبيع يدل على أنه راضٍ بالعيب، ولولا أنه راضٍ لطالب بحقه في العيب.
هل التجربة تدل على الرضا؟
طالب: ما تدل.
الشيخ: ما تدل؛ لأن التجربة لا بد منها.
وقوله: (ما لم يوجد دليل الرضا)، فإن وُجِدَ دليل الرضا فلا خيار، فإذا تصرف، ثم بعد أن باع الشيء جاء المشتري الثاني ووجد العيب فرده بعيبه، هل للمشتري الأول أن يرده على البائع الأول بعيبه أو لا؟ لا؛ لأنه تصرف به تصرفًا دليلًا على رضاه به.
أما لو قال: أنا والله ما علمت، وبعته غير عالم بعيبه، ولولا أن المشتري الثاني نبَّهني على ذلك ورده عليَّ من أجله.. (...)
الأصل علمه، لا سيما إذا كان العيب ظاهرًا.
يقول: (ولا نفتقر إلى حكم ولا رضا ولا حضور صاحبه)، لا يفتقر إلى حكم الحاكم، يعني: لا يُشْتَرَط لشخص وجد المبيع معيبًا أن يذهب إلى القاضي ويقول: احكم لي بصحة الخيار، لماذا؟
لأن هذا حق من الحقوق ثابت لصاحبه، فلا يحتاج إلى محاكمة، وليس شيئًا مختلَفًا فيه حتى نقول: إن الحاكم يرضى وحُكْمُه الخلاف، بل هو أمر متفَق عليه.
ولا يحتاج أيضًا إلى رضا ولا حضور صاحبه، فلو أن صاحبه لم يرضَ، كَلَّمَه قال: والله أنا وجدت المبيع معيبًا، (...)، قال: لا أبدًا، ما أرضى، ما تقولون؟
طلبة: يلزم.
الشيخ: يلزم بقبول الرد، يقول: هذا مالك والرجل لا يريده، ولا سيما إذا كان هذا البائع معروفًا بالغش والخيانة فإنه يُجْبَر ويُلْزَم، ويُؤَدَّب على كتمه للعيب.
وهل يُشْتَرَط أن يحضر صاحبه أم لا؟
يقول المؤلف: (لا يُشْتَرَط)؛ لأنه ليس عقد بيع يحتاج إلى وجود العاقد من بائع ومشترٍ، ولكنه فسخ عقد ثبت بالطرفين، فلمن له الحق أن يفسخ وإن لم يَرْضَ الآخر.
طالب: صاحبه الأول يا شيخ.
الشيخ: البائع؛ صاحبه يعني البائع.
قال: (وإن اختلفا عند مَن حدث العيب فقولُ مُشْتَرٍ مع يمينه).
هذه المسألة انتبهوا لها، اتفق البائع والمشتري على العيب، لكن قال البائع للمشتري: إن العيب حدث عندك، وقال المشتري للبائع: إن العيب حدث عندك، فلا يخلو من حالين؛ إحداهما أن يمتنع صِدْق أحدهما، والثانية أن يحتمل صدق أحدهما، فإن امتنع صدق أحدهما فالقول قول مَن؟ قول الثاني الذي لا يحتمل قوله الكذب.
مثاله: اشتريت غلامًا، ولما ذهبت به إلى البيت نظرت وإذا فيه أصبع زائدة؟ اشتريت الغلام وذهبت به إلى البيت، ووجدت أصابع رجليه اثني عشر أصبعًا، يعني فيه زيادة أصبعًا لكل قدم، فرجعت به على البائع، وقال: العيب حدث عندك، أيش تقولون؟
طالب: يمتنع.
الشيخ: يمتنع صدقه، مَن القول قوله الآن؟
طالب: قول المشترِي.
الشيخ: قول المشتري، قال المشتري: كيف حدث هذا عندي؟ نقول للمشتري: احلف أنه ما حدث عندك وإنما حدث عند البائع، ما يحلف أيضًا؛ لأن الحلف هنا لغوٌ لا فائدة منه، وحينئذ يكون القول قول المشتري بدون يمين.
الصورة الثانية: اشترى شاة، فلما ذهب بها إلى البيت وجد فيها دُمَّلًا، أتدرون الدُّمَّل؟ وجد فيها دمَّلًا.
فرجع إلى البائع وقال له: إن الشاة فيها دُمَّل، وقال: إن الدُّمَّل حدث عندك، مَن القول قوله؟
يُنْظَر إذا كان الدُّمل تَوُّه ناشئ ويمكن نشوؤه في ملك المشتري فعلى ما يأتي إن شاء الله في الحالة الثانية، وإذا كان لا يمكن فإنه لا يُقْبَل قول البائع.
الجرح؛ حصل فيها جرح قريب، جرح يثعب دمًا، فجاء المشتري للبائع، لما باع عليه الضحى جاء إليه بعد الظهر، وقال: وجدت الشاة معيبة، ويش اللي فيها؟
قال: وجدت فيها عِرْقًا يثعب دمًا، وهذا يُخِلُّ بها، وجدنا فيها جرحًا من سكين لكن جرح طارئ، ما فيه دليل على.. ما تجمد الدم، ولا فيه دليل على أنه سابق، فقال البائع: هذا منك، فقال المشتري: ليس مني، مَن القول قوله؟
طلبة: قول البائع.
الشيخ: قول البائع، يحتاج إلى دليل؟ ما يحتاج إلى دليل؛ لأن هذا أمر ظاهر؛ أن القول قول المشتري.
طالب: يحتمل.
الشيخ: لا، ما يحتمل، ولو كان؛ لأن الجرح الطارئ، المعروف أن الجروح هذه يثعب الدم منها خمس دقائق ست دقائق ويقف، وهذا إلى الآن تَوُّه ما فيه لا تجمد الدم ولا توقف، ومثل هذا يدل على أنه لم يحصل إلا في ملك المشتري يقينًا.
طالب: (...).
الشيخ: قلنا، لكنه ما يحتمل، ما يحتمل حدوثه عند البائع، أما شيء يحتمل فعلى الصورة الثانية التي تأتي في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
(...) إن القول قول المشتري؛ لأن هذا العيب جزء فائت في العين المبيعة، والأصل عدم وجوده، فإذا ادَّعاه المشتري كان القول قوله.
ولنفرض أن العيب قطع أذنه، يقولون: إن الأصل أن المشتري لم يستلم هذه الأذن، ولَّا لا؟ الأصل أن المشتري ما استلم هذه الأذن، فيكون القول؟
طالب: قول المشتري.
الشيخ: قول المشتري، وكذلك العيب، كل العيوب حتى العيوب المعنوية، يقولون: إن الأصل عدم استلامها، فإذا كان الأصل عدم استلامها فإن القول فيها قول المشتري.
هذا هو حجتهم، ولكن الصحيح أن القول قول البائع
؛ لأن الأصل السلامة، والعيب طارئ حادث، فنقول لمن ادعى أن هذا معيب: اثبت أنه معيب، فإذا كنا لا نقبل قوله: إنه معيب، فكذلك لا نقبل قوله: إنه معيب، قبل العقد، المشتري لو ادعى أن المبيع معيب، وقال البائع: ما فيه عيب أبدًا، مَن القول قوله؟ قول البائع بلا شك، لكن البائع لم يُقِرّ بالعيب، لكن اختلفوا، فاختلف البائع والمشتري هل كان قبل العقد أو بعده، فالبائع يقول: بعد العقد، والمشتري يقول: قبل العقد.
فما هو الأصل؛ السلامة، أو الأصل العيب؟
طلبة: السلامة.
الشيخ: نعم السلامة، فإذا كان لا يُقْبَل قول المشتري في أصل وجود العيب، فكذلك لا يُقْبَل قول المشتري في زمن العيب، والقول الصحيح أن القول قول البائع، ولكن لا بد من اليمين، فيقول: والله ما بعته معيبًا بهذا العيب، وإنما بعته سليمًا منه، وإذا حلف على هذا الوجه نقول للمشتري: لا خيار لك.
هذا هو الصواب
، وعليه فقول المؤلف رحمه الله: (فقول مُشْتَرٍ مع يمينه) هذا الحكم، فما عِلَّتُه؟
لأن العيب جزء فائت، والأصل عدم تسلُّم المشتري له، فيُقْبَل قوله بيمينه في أن هذا الجزء الفائت كان قد فات قبل العقد.
وأما الذين يقولون: إن القول قول البائع، فنقول: إن الأصل السلامة وعدم العيب، فلا يُقْبَل قول مُدَّعِيها -أي مدعي العيب- إلا ببينة.
ونقول أيضًا: إذا كنا لا نقبل قول المشتري في أصل العيب، فلا نقبله في زمن العيب؛ لأن الأصل عدم وجود هذا العيب.
وهذا القول هو الصواب في هذه المسألة
؛ لأن الأصل السلامة، وأن هذا المبيع تام الأعضاء وتام الصحة حتى يقوم دليل وبينة على أنه فاقد ذلك.
طالب: (...).
الشيخ: لا، (...)؛ لأن البائع إذا أنكر أصل العيب فإنه لا يُقْبَل إلا ببينة، فإذا ثبت العيب بعد إنكاره فلا يُقْبَل إنكاره أنه حدث بعدها؛ لأنه أنكر الأصل، ثم تبين أنه كاذب في إنكاره، فلا يُقْبَل منه، أما إذا (...) أن أقول: إن هذا معيب بلا شك، لكن هذا العيب ما حدث عندي، فنقول: الأصل السلامة.
قال المؤلف: (السابق بالخيار في البيع بِتَخْبِير الثمن)، قوله: (بتخبير الثمن) متعلق بالبيع، يعني السادس خيارٌ فيما إذا باع بتخبير الثمن.
طالب: بتخيير.
الشيخ: لا (بتخبير) يا أخي، اقرأ وعدلوها (بتخبير) بالباء.
و(تخبير) مصدر خَبَّرَ يُخَبِّر تخبيرًا، أي: أخبر يُخْبِر إخبارًا، أي: نَبَّأ يُنَبِّئ تَنْبِئَة، أو أَنْبَأَ يُنْبِئ إِنْباءً، أي: أَعْلَم يُعْلِم إعلامًا، وعَلَّمُ يُعَلِّم تعليمًا (...).
فمعنى تخبير الثمن يعني أن يُخَبِّر البائعُ بالثمن، وعلى هذا فيكون قوله: (بتخبير الثمن) متعلق بالبيع، والبيع مصدر يعمل عمل فعله.
يعني السادس خيار فيما إذا باع السلعة بالتخبير عن ثمنها، فتبين أن خَبَره كاذب، فيقول مثلًا: اشتريتها بألف، ثم تبين أنه اشتراها بتسع مئة مثلًا، الآن هذا للمشتري الخيار بأي سبب؟ ويش سببه؟
طالب: التخبير.
الشيخ: سببه التخبير الكاذب بالثمن؛ لأن البائع خَبَّرَه خبرًا كاذبًا بثمن هذه السلعة، عرفتم الآن؟ وهو نوع من الغش والتدليس، فإنه أظهر أن السلعة بثمن كثير، وهي في الواقع بثمن قليل، فهو حرام، أي: الإخبار بخلاف الواقع حرام، ولهذا جُعل للمشتري الخيار.
قال المؤلف: (بتخبير الثمن متى بَانَ أقلَّ).
وأما قوله: (وأكثر) فإنها لم توجد في كتب الأصحاب رحمهم الله، وهي عند التأمل لا وجه لها.
( متى بَانَ أقل)، فإذا أخبره بالثمن فبَانَ أقل فله الخيار، وإن بَانَ أكثر ما له خيار، لكن هل للبائع الخيار؟ نقول: أنت الذي جَنَيْت على نفسك، لكن لو قال: أنا نسيت، أحسب أنني قد اشتريته بخمسين، وأنا مشتريه بمئة، لكن نسيت فأخبرت بأقل مما كان عليه في الواقع، نقول: إن نسيانك لا يكون سببًا لغُرْم غيرك، يقول: بماذا يثبت؟ يثبت في أمور أربعة:
في التولية والشركة والمرابحة والمواضعة، والبيع بالتخبير يقابله البيع بالمساومة، كيف ويش معنى البيع بالمساومة؟
يجي يَمّ إنسان يريد أن يشتري مني سيارة (...) فين السيارة؟ أبيع عليك أو ما أبيع، لكن البيع بالتخبير بالثمن أن أقول: أبيعها عليك بمثل ما اشتريتها به، هذا فيه نوع من التقييد، والأول فيه نوع من التحرر، يكون البائع والمشتري غير متقيدَيْنِ بثمن، إن جاز لي ما سمح به بعت، وإلا فلا.
والبيع في المساومة أسلم من وجه، ولكنه أخطر من وجه آخر؛ أسلم من جهة إنه ما يكون فيه كذب بالإخبار بخلاف الواقع، لكنه أخطر من حيث إن البائع ربما يطمع ويزيد في ثمن السلعة كثيرًا، ففي كل منهما سهولة من وجه، وخطورة من وجه آخر، وأيهم أشد طمأنينة للمشتري، المساومة ولَّا التخبير؟
طالب: التخبير.
الشيخ: الغالب أن التخبير أشد طمأنينة له؛ لأنه يقيِّد الثمن فيما اشتريت به، يقول: (يثبت في التولية والشركة والمرابحة والمواضعة).
التولية هي البيع برأس المال، يسمى تولية، وسميت تولية لأن الإنسان البائع يجعل المشتري متوليًا ما تولاه داخلًا مدخله، فلهذا نسميها تولية، مثل أن يقول: بعتك هذا الشيء برأس مالي، وثمنه عليّ مئة، هذه نسميها تولية.
الشركة أن يبيع بعض المبيع برأس ماله، مثل أن يقول: بعتك نصف هذه الأرض بمثل ما اشتريتها به، فقد اشتريت الأرض بعشرة آلاف ريال، كم تكون قيمة النصف؟
طالب: عشرة.
الشيخ: يلّا، ما الحساب؟
طالب: ما تبقى حساب.
الشيخ: لماذا لم تقبض، قال: بعتك نصف هذه الأرض بمثل ما اشتريتها به، وقد اشتريتها بمئة، أو بقسط ما اشتريتها به، وقد اشتريتها بمئة، كم تكون؟
طالب: خمسين.
الشيخ: بخمسين، هذه يسميها العلماء البيع بالشركة، لكن لاحظوا أن البيع بالشركة قد يكون تولية، وقد يكون مرابحة، وقد يكون مواضعة.
المرابحة أن يبيعه برأس ماله وربح معلوم، مثل أن يقول: بعتك هذه السيارة بما اشتريتها به، مع ربح عشرة دراهم، نسميها أيش؟
طالب: مرابحة.
الشيخ: مرابحة، ولا فرق بين أن يكون الربح معينًا أو مشاعًا؛ معين بأن يكون مئة درهم، مئتين، وما أشبه ذلك، مشاعًا كأن يقول: على أن أربح العُشر أو الرُّبع أو الْخُمس، أو ما أشبه ذلك.
المهم لا بد أن يكون الربح معلومًا.
المواضعة عكس المرابحة؛ بأن يبيعه السلعة برأس مالها ونقصان معلوم أو خسران معلوم، على أن أخسر بالعشرة واحدًا، مثلًا: بعتك إياها برأس مال على أن أخسر بالعشرة واحدًا.
فإذا كانت بألف تكون بتسع مئة، وسواء كان نقص معلوم بالمشاع أو معلوم بالتعيين، كأن يقول: على أن أخسر فيها مئة درهم، بدون أن ينسبه إلى الثمن، أو يقول: على أن أخسر فيها بالمئة عشرة، فصارت الأنواع الآن أربعة: التولية والشركة والمرابحة والمواضعة.
واعلم أن المرابحة والمواضعة تأتي في التولية والشركة؛ لأن من الممكن أن يبيع عليه الكل بالمرابحة، أو البعض بالمرابحة، أو الكل بالمواضعة، أو البعض بالمواضعة، أو يبيعه تولية أو شركة؛ تولية بمعنى يبيعه كله برأس ماله، أو شركة بأن يبيع نصفه برأس ماله، هذه الأنواع الأربعة تسمى البيع بتخبير الثمن.
يقول المؤلف رحمه الله: (ولا بد في جميعها من معرفة المشتري رأسَ المال) معلوم، للذي لم يعرفه صار مجهولًا، لا بد في جميعها من معرفة المشتري رأس المال، فلو قال: بعتك هذا البيت برأس مالي، والمشتري لا يعلم، فإن البيع غير صحيح، السبب؟ لأن الثمن مجهول، ومن شروط البيع أن يكون الثمن معلومًا.
المؤلف بيقول: (لا بد في جميعها من معرفة المشتري رأس المال)، والبائع ما يُشْتَرَط معرفته رأس المال؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا، هو ما عرف، ربما يكون باع له وكيل، يبيع له ويشتري، ولَّا لا؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، افرض أنه له وكيل مثلًا في معرض سيارات، وجاءه واحد وقال: أبغي أشتري منك برأس المال بالتخبير بالثمن من هذه السيارات، وأنا ما زلت لمن اشتراها وكيلًا، ويدري، ولكن أنا ما أدري، ممكن ولَّا غير ممكن؟ ممكن، لكن المؤلف لم يذكر علم البائع؛ لأن الغالب أن البائع يعلم هذا السبب، وإلا لا بد من علم البائع والمشتري برأس المال، فإذا كان أحدهما جاهلًا به فإنه لا يصح البيع؛ لأن من شروط البيع العلم بالثمن لكل من البائع والمشتري.
قال: (وإن اشترى بثمن مؤجَّل ولم يبيِّن ذلك في تخبيره بالثمن فللمشتري الخيار)، الآن هذه الأنواع الأربعة إذا تم البيع فيها وكانت موافقة للواقع، هل للمشتري الخيار؟
طلبة: لا.
الشيخ: يعني قال: بعتك برأس مالي، ورأس مالي ألف، وتبيَّن أن رأس ماله ألف، ما له خيار، وكذلك في الشركة والمرابحة والمواضعة، ما دام تبين الأمر أنه على الواقع فلا خيار، لكن إذا تبين على خلاف الواقع فله الخيار والثمن الآن.
(إن اشترى بثمن مؤجَّل ولم يبين ذلك للمشتري فللمشتري الخيار).
خدوا بالكم، البائع اشترى هذا البيت بمئة ألف لمدة سنتين، فجاء إليه شخص آخر ليشتريه منه، قال: ببيع عليك برأس مالي، ما أنا بكسب عليك، أنت رجل طيب وحبيب، كم رأس مالك؟ قال: مئتي ألف، فباعه بمئتي ألف، ونقل له مئتي ألف، المقدار سليم؟
طالب: نعم.
الشيخ: سليم، مئتي ألف، لكن هناك صفة تستلزم زيادة الثمن لم يبينها البائع للمشتري، ما هي الصفة؟ تأجيل الثمن، غالبًا يزيد به الثمن، لكن البائع ما أخبر المشتري قال: وأخبره إني مشتريه بمئتين إلى أجل، إلى سنتين، ما اشتراه مني بمئتين، ولكن أنا بقول: أنا ببيع عليك برأس مالي بمئتين، وأنا صادق فيما قلت: إني شاريه بمئتين، للمشتري الخيار ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: له الخيار، فإذا قال البائع: أنا ما كذَبتك، اشتريته بمئتي ألف، وبعته عليك برأس المال مئتي ألف، ويش يقول؟
طالب: اشتريته مؤجَّلًا.
الشيخ: نعم، يقول: كذبتني؛ لأنك اشتريته مؤجَّلًا، والثمن المؤجَّل غير الثمن الحاضر، هذا واحد، لهذا قال: (إن اشترى بثمن مؤجل).
(أو ممن لا تُقْبَل شهادته له)، مين اللي ما تُقْبَل شهادته له: الأصول والفروع والزوج والزوجة.
هذا رجل اشترى بيتًا من زوجته بمئتي ألف ريال، وجاءهم إنسان وقال: أبغيك تبيعوه عليّ برأس مالي، قال: نعم، أبيع عليك بمئتي ألف ريال، لأن هذا رأس ماله (...)، ولم يخبره أنه من زوجته، فله الخيار ولَّا لا؟
يكون له الخيار، ويش الخيار؟ قال: لأن الغالب أن الإنسان يحابي زوجته، قد يشتري منها ما يساوي مئتين وهو لا يساوي إلا مئة وثمانين مثلًا، وكذلك بالعكس، وكذلك لو كان اشتراه من ابنه بمئتي ألف، وجاء إنسان وباعه عليه برأس ماله بمئتي ألف، ولم يخبره أنه اشتراه من ابنه، فله الخيار، لماذا؟ لأن الإنسان إذا اشترى من ابنه فربما يحابيه ويشتري منه بمئتين ما يساوي مئة وثمانين.
إذن إذا اشتراه ممن لا تُقْبَل شهادته له وهم الأصول والفروع وأحد الزوجين فإن للمشتري الخيار، إلا إذا بُيِّنَ له؟
وظاهر كلام المؤلف أن له الخيار وإن لم يكن محاباة، يعني لو فُرِضَ أن الثمن هو الثمن، وأنه لو اشتراه من غير زوجته مثلًا لكانت هذه قيمته، فإن له الخيار؛ لأنه يقال: لماذا لم تُخْبِر، يقول: اشتريته من زوجتي، اشتريته من أبي، اشتريته من ابني، حتى يكون المشتري على بصيرة.
أو اشتراه أيضًا (بأكثر من ثمنه حيلةً) يعني: مثل أن يشتريه تحيُّلًا لاستخلاص حقه.
هذا واحد أطلبه بعشرة آلاف ريال وأبى أن يوفيني؛ إما لفقره أو مماطلته، فوجدت معه سيارة تساوي ثمانية آلاف ريال، قلت: أعطني هذه السيارة بعشرة آلاف ريال، اشتريتها بعشرة آلاف ريال، ويش لأجله؟ أستوفي بها، فجاءني رجل وقال: أريد أن تبيع لي السيارة برأس مالها، فقلت بعتها عليك برأس مالها وهو عشرة آلاف ريال، وهذه وثيقة البيع، ولكني ما بَيَّنْت له أنني اشتريتها استيفاءً، فله الخيار، السبب؛ لأن قيمتها كم؟
طلبة: ثمانية.
الشيخ: ثمانية آلاف، وأنا اشتريتها بعشرة استنقاذًا لحقي، ولهذا قال: (أو بأكثر من ثمنها حيلةً).
وهذه صورة من صور الحِيَل، وإلا قد يكون هناك أشياء أخرى (...) راعيته فيها لمصلحتي، كما لو اشتريتها بأكثر من ثمنها من أجل أن يُؤْجِرَني بيته مثلًا، أو من أجل أن يُزْرِعَنِي مزرعته، أو ما أشبه ذلك.
فإنه في هذه الحال إذا تبيَّن أنه أكثر من قيمة المثل فإن للمشتري الخيار.
طالب: (...).
الشيخ: إي، لكن هل يبيعها برأس مال؟ أحسن له أن يبيعها مساومة ما هو بتولية.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، ما يجوز هذا، هذا حرام عليه.
الطالب: (...).
الشيخ: أعوذ بالله. (...)
(أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن ولم يبيِّن ذلك في تخبيره بالثمن، فللمشتري الخيار) (باع بعض الصفقة) يعني اشترى مثلًا ثلاث سيارات، اشتراها بستين ألفًا، كم ثمن كل سيارة؟
طالب: عشرون.
الشيخ: عشرون ألفًا، هو باع سيارة منها من الثلاث باعها بقسطها من الثمن بعشرين ألفًا، ثم باع الثنتين توليةً بكم؟
طالب: بأربعين ألفًا.
الشيخ: بأربعين ألفًا، قال: بعت عليك هاتين السيارتين برأس مالي، وهو أربعون ألفًا، ثم تبيَّن أنه قد اشترى ثلاث سيارات وباع واحدة، فللمشتري الخيار، وهذا معنى قوله: (أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن).
فنقول: للمشتري الخيار، لماذا لم تقل له: إنني بعت عليك سيارتين من ثلاث توليةً برأس المال؟ لا بد أن تبيِّن.
وهذه المسألة اختلف فيها المؤلف والمذهب؛ فالمذهب يقولون: إنه إذا كان الثمن ينقسم على المبيع بالأجزاء فلا خيار؛ لأنه ما فيه ضرر، وإن كان ينقسم عليه بالقيمة ففيه الخيار؛ لأنه إذا كان ينقسم بالقيمة فإن القيمة قد تزداد إذا ازداد المبيع، وقد تنقص كما هو معروف من بيع الجملة والتفريد.
أما إذا كان الثمن ينقسم عليه بالأجزاء، بحيث كل جزء له قسط من الثمن، فإنه إذا باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن، وباع الباقي توليةً ولم يذكر أنه باع منها شيئًا، فلا خيار له؛ لأنه لا ضرر عليه.
فهذه السيارات الثلاث قيمتها مجموعة ومتفرِّدة واحدة؛ ستون ألفًا، كل سيارة بعشرين ألفًا، فإذا باع واحدة بعشرين ألفًا فإنه بالضرورة يكون الباقي بكم؟ بأربعين، ولا ضرر على المشتري.
بخلاف ما إذا اشترى كيسًا من القمح، اشتراه بتسعين درهمًا، ثم باع ثلثه بثلاثين درهمًا، فإنه في هذه الحال ربما يكون الباقي يساوي ستين، وقد لا يساوي الستين، وقد يساوي أكثر من الستين، فإذا كان الثمن ينقسم بالقيمة على المبيع فإنه إذا باع بعضه ولم يُخَبِّر به فللمشتري الخيار، وإن كان الثمن ينقسم على المبيع بالأجزاء فإنه لا حرج أن يبيع البعض، أو أن يبيع الباقي بقسط من الثمن، وإلا لم يُخَبِّر المشتري.
وهذا التفصيل أقرب إلى الصواب
؛ لأن المشتري لا ضرر عليه إطلاقًا.
أما ظاهر كلام المؤلف فإن فيه الخيار مطلقًا، سواء كان الثمن ينقسم على المبيع بالأجزاء، أو ينقسم عليه بالقيمة.
طالب: (...).
الشيخ: إي، هنا الثمن ينقسم بالقيمة بلا شك.
الطالب: بس مُجَزَّأة.
الشيخ: هي مُجَزَّأة لكنهم قالوا من ثلاث مئة ريال كلها على سبيل ما يسمونه بالتعديل، فإنه أهون عليهم؛ لأنه يقول: هذه بمئة وخمسين، وهذه بثلاث مئة وخمسين، وهذه بثلاث مئة، وما أشبه ذلك.
إنما حقيقة الأمر أن قيمها تختلف، فعلى هذا إذا باع شيئًا منها فلا بد أن يُخَبِّر به؛ لأن الثمن ينقسم عليها بالقيمة لا بالأجزاء، بخلاف السيارات، السيارات هي هي ما تختلف، كل سيارة بعشرين ألفًا.
طالب: (...).
الشيخ: الفرق بينهما أنَّ تَفَرُّق الثمن على المبيع بالأجزاء أن يكون كل جزء يساوي قسطه من الثمن، مثلًا إذا كانت ثلاث قطع، فإن كل قطعة تساوي تلك القيمة، لكن بالقيمة مثل ثلاثة أجزاء أو ثلاث قطع، لكن كل قطعة تختلف عن الأخرى بالقيمة، اشترينا هذه القطع الثلاث مثلًا بثلاث مئة، لكنها تختلف؛ هذه تساوي مئة وعشرين، وهذه تساوي ثمانين، وهذه تساوي مئة.
طالب: (...).
الشيخ: ما يجوز؛ لأنه قد يختلف التقدير.
طالب: (...).
الشيخ: لا بد أن يخبره، يقول: بعت عليك هذه برأس مالي، وقد بعت منها كذا وكذا.
أما كلام المؤلف ففيه الخيار مطلقًا، حتى الذي ينقسم عليه الثمن بالأجزاء يكون للمشتري الخيار؛ لأنه ما أخبره بالواقع.
طالب: العلة عدم إخباره؟
الشيخ: إي، العلة عدم إخباره، وهذا قد يؤدي إلى الغش.
الطالب: وإن كان لم يضره شيئًا؟
الشيخ: وإن كان لم يضره شيئًا.
الطالب: ما يعتبر تدليس؟
الشيخ: لا، ما فيه تدليس؛ لأنه باعه القطعة بقسطها من الثمن.
الطالب: أبيع بالقيمة.
الشيخ: إذن لا يجعلها تولية، لا يبيعها تولية، يبيعها مساومة وينتهي الموضوع.

***

يقول المؤلف رحمه الله: (وما يُزَاد في ثمن أو يُحَطُّ منه في مدة خيار، أو يؤخذ أَرْشًا لعيب أو جناية عليه يُلْحَق برأس ماله ويُخْبَر به).
هذا من ضيق البيع بالتولية وشبهها، ما يُزَاد في ثمن في مدة الخيار أو يُحَطّ منه في مدة الخيار يجب أن يُخْبَر به.
مثال ذلك: بعتُ عليك هذه الدار بعشرة آلاف ريال، وفي مجلس الخيار أسقطتَ عني ألف ريال، كم صارت؟
طالب: تسعة آلاف.
الشيخ: تسعة آلاف، إذا بعتها توليةً لا بد أن أقول: إني اشتريتها بعشرة، وأَسْقَطَ عني ألفًا، لا بد من ذلك، هذا إذا كان الإسقاط في زمن الخيار.
أما إذا كان الإسقاط بعد التفرق مثل أن اشتريت هذه البيت بعشرة آلاف ريال، وتفرقنا، وأتيت بالدراهم إلى البائع، فقال: إني الآن أُسْقِط عنك ألف ريال، فهنا لا يجب الإخبار، ولهذا قال: في مدة الخيار، فهنا لا يجب الإخبار؛ لأن إسقاط بعض الثمن متى كان؟
طلبة: بعد البيع.
الشيخ: بعد لزوم البيع، ولذلك لو أن الرجل أبرأني من جميع الثمن وبعتها توليةً هل هذا حرام ولَّا لا؟
ليس بحرام؛ لأن الرجل أبرأني بعد تمام البيع، وهكذا إذا أبرأني من البعض بعد تمام البيع وانقضاء الشرط.
والحاصل الآن أن ما يُزَاد في الثمن أو يُحَط منه إن كان في مدة الخيار؛ خيار المجلس، أو خيار الشرط، وجب الإخبار به، وإن كان بعد لزوم البيع لم يجب الإخبار.
كذلك ما يُزَاد في الثمن؛ اشتريت منك هذا البيت بعشرة آلاف، ثم لما أردت أن أسلمك العشرة قلت لي: إن العشرة قليلة، لا بد يكون بإحدى عشر.
فهنا يجب علَيَّ أن أُبَيِّن، أقول: اشتريته بعشرة، وزاد عليَّ ألفًا، وإن شئت فقلت: اشتريته بأحد عشر، ولا حرج، لكن الأول أَبْيَن وأَحْسَن، أن أقول: اشتريته بعشرة ثم زاد عليَّ ألفًا في مجلس الخيار.
طالب: (...).
الشيخ: العلة أنه في زمن الخيار يعتبر العقد قائمًا، ولا يستقر الثمن إلا بعد انقضاء زمن الخيار، فإذا اشتريته بعشرة ثم نزَّل لي واحدًا في زمن الخيار ما يجوز أني أقول: رأس مالي عشرة، ولا أُبَيِّن.
طالب: إن نزَّل من نصيبه أو كله..
الشيخ: كله واحد، إذا نَزَّل لا بد أن أُخْبِر، هذا إذا كان في زمن الخيار، أما بعده فلا يلزمنا.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، لو أبرأه، لكن إذا أبرأه ما عنده عِوَ ض، يقول: بعتك تولية.
طالب: اشتريتها أنا بالعشرة.
الشيخ: اشتريتها بعشرة ثم أبرأك، فأنت الآن ستقول: بعتها برأس المال الذي أبرأني به، إي ما فيه مانع، لا بأس.
طالب: (...).
الشيخ: الذي اشترى مِن الذي أُبْرِئ، إي نعم، إذا لم يُخْبِره بالواقع لا بد أن يخبره، ويقول: إنه كان بكذا ثم أبرأني؛ لأنه الآن إذا باعه.. بس في مسألة الإبراء لا تَرِد علينا في الواقع؛ لأن مسألة الإبراء ما هي (...) عند رأس المال؛ إذ لا مال عنده، ولا .. ما فيه رأس مال أبرأه منه، لكن لو أبرأه من بعضه يمكن.
يقول: (وما يُزَاد في ثمن أو يُحَطّ منه في مدة خيار، أو يُؤْخَذ أرشًا لعيب أو جناية عليه يُلْحَق برأس ماله ويُخْبَر به).
ما يُؤخذ أرشًا لعيب، مثل: اشتريتُ سيارة بعشرة آلاف ريال، ثم تَبَيَّن بها عيبٌ قُدِّر بألف ريال، فأخذتُ الأرش، أردت أن أبيعها توليةً، فقلت للذي يريد شراءها: إنها تَحَصَّلَت علَيَّ بأحد عشر ألفًا، هذا ما يجوز، ويش السبب؟
لأن (...) ما فيه عشرة، والألف هذا جاء أرشًا لعيب، فيجب أن أُخْبِرَ بالواقع وأقول: اشتريتها بعشرة، وصار بها عيب قُوِّمَ بألف، فصارت علَيَّ بأحد عشر.