كتاب البيع (الشرح الأول) - 15
عدد الزيارات 1147

حقًّا لشخص على شخص فهو جائز في حقِّ مَنْ له الحق ولازم في حقِّ مَنْ عليه الحق.
قال: (ويلزم في حقِّ الراهِنِ فقط، ويصحُّ رَهْنُ المُشاع)، (يَصِحُّ رَهْنُ المُشَاعِ) (المشاع) ما هو؟
يعني: ما فيه مساهمة على الشيوع؛ شركة على الشيوع يصح رهن الجزء المشترك؛ فإذا كان هذا البيت بيني وبين زيد نصفين، ثم إنني اشتريت من شخص سلعة، ورهنته نصيبي من هذا المشترَك، جائز ولَّا لا؟ نعم، جائز، بخلاف ما لو رهنت الجميع فإن الرهن يصح ولَّا لا؟ يصح في حقي فقط؛ فرهن المشاع جائز.
رهن المشترك غير المشاع؛ يعني المشترك المعيَّن، يجوز ولَّا لا؟ يجوز، كما مضى لنا في السلطة في باب الزكاة؛ مثلًا بيني وبينك غنم لي منها عشرون معينة ولك منها عشرون معينة، رهنت نصيبي منها جائز ولَّا غير جائز؟ هذا جائز ولا إشكال فيه.
لكن الإشكال في المشاع؛ لأن المُشاع يحتاج بعد حلول الدين إلى المطالبة بماذا؟ بالقسمة أو البيع؛ فنقول: وليكن ذلك، يطالِب بالقسمة أو البيع، ويكون المرتهن قائمًا مقام الراهن.
(...) راهن، ومرتهن، ومرهون، وصيغة؛ (...)، والراهن هو المطلوب، والمرتهن الطالب (...).
فالرهن لازم في حق المطلوب اللي أعطى الرهن.
طالب: (...) كلمة لازم في حق؟
الشيخ: لازم بمعنى لا يتمكن من (...)، وأما المرتهن فهو غير لازم، يتمكن منه.
طالب: (...).
الشيخ: (...).
وهذا اللزوم ما هو بلزوم تكليفي، إذا قلنا مثلًا: يلزم فعل الصلاة جماعة؟ تكليفي، لكن الرهن لازم؟ هذا واضح.
يقول المؤلف: إنه (يَصِحُّ رَهْنُ المُشَاعِ) (...).
قال: (ويجوز رَهْنُ المبيع غير المكيل والموزون على ثمنه وغيره) (يجوز رهن المبيع)؛ يعني: أنك إذا بعت شيئًا فلك أن ترهنه على ثمنه وغيره، سواء قبضت أم لم تقبض، إذا بعت شيئًا فإنه يجوز أن ترهنه على ثمنه وعلى غيره أيضًا، سواء قبضته أم لم تقبضه؛ مثال ذلك: بعتك هذا الكتاب بعشرة دراهم لمدة ستة أشهر بشرط أن ترهنني الكتاب، الآن رهنته على أيش؟
رهنت المبيع على ثمنه، أنا البائع رهنت على ثمنه.
وقوله: (وغيره) يعني: كما لو كان عند المشتري لي دَيْن سابق، فقلت: أبغي أبيع عليك هذا الشيء، وبعته رهنًا بدينك السابق، جائز ولَّا ما هو جائز؟ هذا جائز، وهذا رهن بعد الحق ولَّا قبله، ولَّا معه؟ الدين السابق، إذا رهنته بالدين السابق؟
طالب: قبل الحق.
الشيخ: لا، بعد الحق؛ يعني: أنا أطلب هذا الرجل، أطلب مئة ريال، فهمت؟ فبعت عليه هذا الكتاب بمئة ريال، وسلَّمني مئة ريال، كم باق اللي عنده؟
مئة ريال الدين السابق، فقلت له: أبغيك ترهني هذا الكتاب بدينك السابق، يجوز ولَّا لا؟ يجوز؛ هذا معنى قوله: (...) (وغيره)؛ (على ثمنه) في الصورة الأولى، (وغيره) في الصورة الثانية. هل يجوز رهن على ثمنه وغيره جميعًا؟
نعم، يجوز؛ أنا بعت مثلًا هذا الكتاب على هذا الشخص بعشرة ريالات ثمن مؤجل، وعنده لي من قبل عشرة ريالات، فقلت: أريد أن آخذ هذا الكتاب رهنًا بثمنه، على ثمنه وعلى الدين السابق. يجوز ولَّا لا؟ يجوز، وفائدتي أنا، أنك إذا أوفيتني عشرة ريالات، هل ينفك الرهن ولَّا يبقى مرهونًا بالدين السابق؟
يبقى مرهونًا بالدين السابق؛ فيجوز إذن رهن المبيع على ثمنه وغيره، سواء قبض الراهن أم لم يقبضه.
وقول المؤلف: (غير المكيل والموزون) هذا إنما يستثنى فيما إذا رهنه قبل القبض؛ إذا رهنته قبل قبضه، وهو لا يجوز في المكيل والموزون؛ لأن المكيل والموزون لا يجوز بيعهما إلا بعد القبض، وقد سبق لنا أن الرهن يصحُّ في كل عين يجوز بيعها، وهذا لا يجوز بيعه؛ فلا يصح رهنه؛ مثاله: بعت عليك مئة صاع من هذا البُر، فهنا لا يجوز أن أرهن هذا المبيع قبل أن أكيل لك وتقبض؛ لأنك لو أردت أن تبيعه وأنت المشتري، تبيع هذا الذي ما كيل، يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز.
بيع المكيل لا يجوز حتى يكال؛ إذن رهن المكيل لا يجوز حتى يكال؛ أيضًا بعتك عليك هذا السكر، كيس من السكر بعته عليك، كل كيلو بكذا وكذا، فهل يجوز أن أرهن هذا الكيس بثمنه، ولَّا ما يجوز؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟
لأنه لا يجوز بيعه، فلا يجوز رهنه؛ فالموزون لا يجوز بيعه ممن (...)، لا يجوز لمن اشتراه أن يبيعه حتى يزنه ويقبضه؛ إذن لا يجوز أن يرهنه حتى يزنه. هل مثل ذلك المعدود؟
نعم؛ لأنه سبق لنا أنه لا يجوز التصرف في المعدود حتى يعده. هل مثل ذلك المزروع؟ مثله؛ إذن كل ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه، فكل مبيع يرهنه الإنسان على ثمنه إن كان بعد القبض فلا بأس به إطلاقًا بدون تفصيل، وإن كان قبل القبض نظرت؛ فإن كان يصح بيعه قبل قبضه جاز رهنه قبل قبضه، وإن كان لا يصح بيعه إلا بعد قبضه فإنه لا يصح رهنه إلا بعد قبضه؛ لأن الرهن فرع على البيع، كل ما جاز بيعه جاز رهنه، وكل ما حَرُمَ بيعُه حرُم رهنه.
كلام المؤلف: (ويجوزُ رهنُ البيعُ غير المكيل والموزون) متى نحتاج إلى هذا الاستثناء؟
إذا كان الرهن قبل القبض، أما إذا كان الرهن بعد القبض فإنه يجوز سواء كان مكيلًا وموزونًا، أو غيرهما، ولنضرب لهذا أمثلة؛ بعت عليك هذا الكيس من البُّر؛ كل صاع بدرهم، فقبضته أنت، وكلناه، وتمَّ كلُّ شيء، فقلت: أرهني هذا البر بثمنه، ولا (...) الآن، يجوز ولَّا ما يجوز؟
طالب: (...).
الشيخ: المؤلف يقول: (غير المكيل والموزون
طالب: (...).
الشيخ: نقول: هذا قبل القبض، أما بعد القبض فيجوز ولو كان مكيلًا أو موزونًا؛ بعت عليك هذا الكيس من البُر بعشرة دراهم، وقلت لك: أعطني الدراهم وإلَّا أريد الرهن هذا الشيء، وهو إلى الآن ما كيل. ما يجوز؟ لماذا؟ لأنه ما قبض، وما لم يقبض لا يجوز بيعه، وما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه، هذا هو المذهب.
والقول الثاني: أنه يصح؛ يصح رهنه ولو قبل قبضه حتى بالمكيل والموزون؛ وحجة هؤلاء القائلين؛ قالوا: لأن هذا المكيل الآن لما رهنه توثق بشخص، بخلاف البيع، فقد نهي عن البيع لئلا يتوالى الضمانات، ولئلا يربح كما هو الغالب فيما لم يضمن، وأما هذه المسألة فهي عقد توثقة، ما فيه معاوضة ولا محظور؛ وعلى هذا فنقول: يجوز رهن المبيع على ثمنه وغيره مطلقًا، سواء كان قبل القبض أو بعده، وسواء كان مكيلًا وموزونًا ومعدودًا ومزروعًا، أو غير ذلك.
يقول: (وما لا يجوز بيعه لا يصح رهنه) صح، ما لا يجوز بيعه لا يصح رهنه؛ لماذا؟
لأن فائدة الرهن الاستيثاق؛ بحيث إذا حلَّ الدين ولم توف بعنا هذا الرهن، إن كان من غير جنس الدين بعنا هذا الرهن واستوفينا الثمن؛ هذه فائدة الرهن الذي لا يجوز بيعه، هل تتحقق هذه الفائدة؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؟
طالب: (...).
الشيخ: تحقق فيه الفائدة؟
طلبة: (...).
الشيخ: ما يتحقق؛ هذا إنسان عنده وقف، فرهنه عند شخص بدين استدانه منه، حل الأجل، أجَّل الدين، فقال الطالب: أوفني. قال: ما عندي شيء، هل يمكن أن يباع الوقف ليستوفي؟
طالب: لا يمكن.
الشيخ: ما يمكن، إذن ويش الفائدة من الرهن؟ لا فائدة.
طالب: أجره.
الشيخ: لا، التأجير هذا رهن منفعة، فيه اختلاف، لو (...) الرقبة؛ نقول: هذا لا يمكن، ليش؟ لأنه إذا حل الدين وامتنع المدين من الوفاء لم ينتفع الدائن بهذا الرهن فيكون لغوًا (...) العقود اللغوية لا يجوز.
أم الولد على المذهب لا يجوز بيعها، ويش أم الولد؟ يعني زوجتك إذا جابت ولد؟!
لا، الأمة إذا أتت من سيدها بولد، صارت أم ولد، والمذهب لا يجوز بيعها، فهل يجوز رهنها؟
طالب: لا.
الشيخ: لا يجوز؛ لأنه لا فائدة من ذلك، لكن على القول بجواز رهن المنفعة وهو الصحيح، يجوز أن يرهن منفعة الذي لا يجوز بيعه؛ لأن منفعته تملك، ويستفيد منها المرتهن
.
استثنى المؤلف، قال المؤلف: (إلا الثمرة والزرع الأخضر قبل بُدُوِّ صلاحهما بدون شرط القطع) يستثنِي هذين الأمرين؛ الثمرة والزرع الأخضر قبل بُدُو صلاحهما بدون شرط القطع، يجوز رهنهما، وبيعهما لا يجوز، هل بيعهما لا يجوز؟
طالب: يجوز.
طالب آخر: لا يجوز.
الشيخ: نعم، سبق لنا أنه لا يجوز؛ هذا إنسان عنده زرع أخضر ما بدا صلاحه حتى الآن ولم يشتدَّ، فاستدان من شخص دراهم ورهنه هذا الزرع، يجوز ولَّا لا؟
طالب: يجوز.
طالب آخر: لا يجوز.
الشيخ: يجوز الرهن، لكن لو باع الزرع، هل يجوز؟ لا يجوز.
إذن هذا مستثنى؛ فالزرع الأخضر لا يجوز بيعه إلا بشرط القطع، ويجوز رهنه بدون شرط القطع؛ وعليه فهذا شيء جاز رهنه ولا يجوز بيعه، يقال: هذا مستثنى، والسبب في وجه الاستثناء أن حق المرتهن لا يضيع؛ لأنه سينتظر حتى يصلح هذا الزرع ويبيعه.
الثمرة أيضًا؛ رجل رهنني ثمرة نخله، الآن النخل ما بعد (...)، فاستدان مني شيئًا ورهنني ثمر النخل، يجوز ولَّا لا؟ يجوز، لكن لو أراد أن يبيعه ما يجوز إلا بشرط القطع؛ وهذا يجوز -أي الرهن- بدون شرط القطع.
القاعدة الآن كل ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه؛ التعليل لأن العقد هنا لا فائدة فيه، والعقود التي لا فائدة فيها لغو، وليست على شرط الله ورسوله فلا تصح، هل يستثنى من هذه القاعدة شيء؟ نعم، ما هو؟
الزرع الأخضر، والثمر قبل بدو صلاحه بدون شرط القطع، وعُلِمَ من قول المؤلف: (بدون شرط القطع) أنه لو كان بشرط القطع إذا كان جاريًا على القاعدة لأن بيع الزرع الأخضر بشرط القطع كما لو اشتراه ليكون علفًا جائز، فرهنه إذن جائز؛ (بدون شرط القطع).
ثم قال: (ولا يلزم الرهن إلا بالقصد) (لا يلزم) وأيهما الذي يلزم في حقه؛ الراهن ولَّا المرتهن؟
طلبة: المرتهن.
طلبة آخرون: الراهن.
الشيخ: الراهن، المرتهن، الراهن؟ ثبتوا عليها الآن.
طالب: أي نعم.
الشيخ: الراهن، ما الفرق بينهما؟
الطالب: المرتهن هو الذي أخذ المال، والراهن هو الذي أعطى.
الشيخ: صح؟ صحيح؟
طلبة: لا.
طالب: العكس باين.
الشيخ: المرتهن هو الذي أخذ الرهن، والراهن هو الذي أعطى الرهن، صح؟
طالب: لا
طالب آخر: نعم
الشيخ: (...)؟
طالب: (...) قولك لم يقله.
الشيخ: تتفق مع ما أقوله؟
طالب: أي نعم.
الشيخ: على كل حال، يلزم في حق الراهن، لكن يقول المؤلف: (لا يلزم إلا بالقبض) يعني: لا يلزم بالعقد، لا يلزم بمجرد العقد؛ فإذا رهنتك بيتي ولم تستلمه فالرهن في حقي ليس بلازم، يجوز أبيعه.
رهنتك سيارتي وأنا أكُدُّها؟ الرهن ليس بلازم، يجوز أن أبيعها؛ لأيش؟ لأنه ما يلزم إلا بالقبض؛ فإذا رهنتك شيئًا ولم تقبضه لا أنت ولا وكيلك، فأنا حر؛ لو شئت بعته وإذا بعته بطل الرهن، ما هو الدليل؟
الدليل قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة: ٢٨٣] شوف مَقْبُوضَةٌ؛ إذن الرهان اللي هي ما مقبوضة ما تنفع، هذا وجه الدليل، أيضًا دليل آخر: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا» ، فإن الحديث واضح أنه في صورة ما إذا قبض المرتهن الرهن يركبه ويسلم العلف، وكذلك اللبن.
الدليل الثالث أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما رهن دِرْعَه لليهودي أقبضه إياه، فإذا كان كذلك فإنه لو لم يقبضه لم يكن الرهن لازمًا. هذا هو الدليل. والقول الثاني في المسألة..
طالب: الدليل الأخير (...).
الشيخ: إن الرسول أقبضه إياه، أقبضه الدرع.
والقول الثاني في المسألة: إنه لا يشترط للزومه القبض
؛ لأننا متفقون على أن الرهن يثبت بالعقد، أو لا، نعم ولَّا لا؟
يثبت، ما هو يلزم، يثبت بالعقد، فإذا اتفقنا على أنه يثبت بالعقد فقد قال الله تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: ١]، وهذا يشمل الرهن قبل قبضه؛ لأنه عقد.
وأيضًا، فإننا لو قلنا بعدم اللزوم لكان في ذلك فتح باب لكل المتحيلين؛ يتحيَّل عليه بعدم القبض، ثم إذا كمل العقد والرهن كل شيء ذهب فباعه، وما كان ذريعة إلى الباطل فهو باطل.
وأما الجواب عن الآية فإننا نقول: إن الآية دليل عليكم وليست دليل لكم، اقرأ الآية كلها حتى يتبين، قال الله تعالى: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [البقرة: ٢٨٣]، فإن آخر الآية يدل على أنه إذا حصل الائتمان بيننا، فإننا يجب علينا أن نعتمد على أداء الأمانة، سواء حصل القبض أو لم يحصل، وإلا لكانت هذه الجملة لا معنى لها.
أيضًا أنتم لا تقولون بالآية؛ لأن الآية لو أخذنا بظاهرها لكانت لا تجيز الرهن إلا في حال السفر، وأنتم ترون أنها تجوز في الحضر وفي السفر، وهو الحق. إذن ما الفائدة من قوله: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ؟
الفائدة أنه لا تحصل تمام التوثقة إلا بالقبض؛ لأننا الآن مسافرون، وليس معنا كاتب، وتبغي ترهن مالك، إذا لم أستلمه أنا فإنه من الجائز أن تغدر بي؛ لأن من جاز أن يغدر إذا لم يكن هناك شاهد ولا كاتب فإنه يجوز أن يغدر إذا أرهنني، ولم (...)، فبيَّن الله عز وجل أنه لا تحصل تمام التوثقة في هذه الصورة، أي في حال السفر وعدم الكاتب إلا بالقبض.
أما إذا لم أقبض وأمَّنتك فقد قال الله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ [البقرة: ٢٨٣].
وأما قول الرسول: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ»، «وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ» ، فليس فيه دليل على أن ذلك لازم، إنما دليل على أن ذلك واقع، ونحن لا ننكر وقوعه.
وكذلك نقول في المسألة الثانية؛ وهي رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه عند اليهودي ، وهذا القول الأخير هو الصواب بلا شك؛ لأن الآية يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: ١] تدل على وجوب الوفاء بعقد الرهن، ثم إن العمل عندنا على هذا، وهو خلاف المذهب؛ يعني عمل الناس الآن تجد الرجل الفلاح يستدين من هذا الشخص، ويرهنه أيش؟ مزرعته، وهو باقٍ في المزرعة.
يستدين صاحب السيارة -تاكسي مثلًا أو الحماليات- يستدين من شخص ويرهنه السيارة، والسيارة بيد صاحبها، وكل يعرف أن هذا المرهون لا يمكن أن يتصرف فيه الراهن، وأن الرهن لازم، عرفتم؟
في البيوت المرهونة، (...) العقارية عندنا؛ على المذهب هل الرهن لازم ولَّا غير لازم؟
طالب: لازم.
طلبة: غير لازم.
الشيخ: غير لازم؟ السبب؟
طالب: لأنه غير مقبوض.
الشيخ: لأنه ما قُبِضَ، بأيدي الراهنين، لكن قد يقال: إن الرهن لازم، ما هو بمقتضى الرهن، بمقتضى الشرط المشروط على المستفيد؛ لأن من بنود الشرط (...) ألا يتصرف فيه بنقل ملكه لأي واحد من الناس، ونفس المستفيد مُوَقِّع على هذا الشرط.
وعلى هذا فنقول: حتى على المذهب لا يجوز بيعها؛ لأن هذا الرجل التزم على نفسه ألا ينقل ملكها لأحد، فهي مرهونة بشرط، أما (...) الأخير، أخيرًا رخصوا للإنسان أن يبيعها لكن بشروط، بشروط معروفة؛ أن يكون له خمس سنوات، وألا يبيعها إلا لشخص لم يستفد من الصندوق.
طالب: شيخ، يعني الآن.
الشيخ: الصندوق.
طالب: الصندوق؟
طالب: عنده.
الشيخ: إي، ما يكفي (...) بله واشربه.
(...) وعدم من جواز (...).
والصحة معناه: (...)، هذا الفرق بينهما؛ فكل لازم صحيح، وليس كل صحيح لازمًا؛ الرهن قبل القبض صحيح وليس بلازم، وبعد القبض صحيح لازم.
مثال ذلك: استقرضت منك ألف درهم، ورهنتك سيارة، ولكن السيارة معي، الرهن صحيح غير لازم؛ لأنه ما قبض، فلا يلزم إلا بالقبض.
استقرضت منك ألف درهم، وأرهنتك سيارة زيد؟
طلبة: (...).
الشيخ: ليس صحيحًا.
طالب: ولَّا لازم.
الشيخ: ولَّا لازم.
استقرضت منك ألف درهم، ورهنتك سيارتي وسلمتها إليك.
طالب: صحيح لازم.
الشيخ: صحيح.
طالب: لازم.
الشيخ: لازم، لا يلزم الرهن إلا بالقبض؛ فلو رهنتك شيئًا وهو معي، فالرهن (...).
فيجوز لي أن أبيعه وأخسر فيه، وليس لك الحق في معارضتي، (...) هو في حقي جائز، ما هو الدليل؟
يقولون: إن لنا دليلًا وتعليلًا؛ الدليل قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة: ٢٨٣]، صحيح.
دليل ثانٍ من السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم رَهَن درعَه عند يهوديٍّ وسلمه له.
دليل ثالث أيضًا من السنة؛ أيش؟ «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» .
هذه ثلاثة أدلة؛ التعليل لا يتم الاستيثاق إلا بقبض الرهن؛ لأنني قبل أن أقبضه على وَجَلٍ؛ فإن صاحبه قد يتصرف فيه بأخذ شيء منه أو بيعه أو ما أشبه ذلك، وحينئذ فلا يلزم الرهن، وهذا هو المشهور من المذهب.
والقول الثاني أن الرهن يلزم بالعقد إذا صح، لكنه يلزم في حق مَنْ؟ (...) لأن الحق له.
يلزم بمجرد العقد، وأن القبض من تمام الرهن، وليس من الأمر الذي لا بد منه؛ دليل ذلك من القرآن ومن السنة ومن النظر؛ من القرآن يقول الله عز وجل: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [البقرة: ٢٨٣].
وأنا إذا ارتهنت منك شيئًا وأبقيته عندك مؤتمنًا إياك فواجب عليك أن تؤدي الأمانة، وهذا يعني: أن الرهن لازم في حقك ما تتصرف فيه، بل هو لي، أنا الذي أستحق بيعه إذا حل الأجل ولم توف.
وأما الدليل من السنة فقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» .
ومن المعلوم أن المرتهن إنما ارتهن هذا الشيء من أجل الاستيثاق بحقه، فقد شرط عليك شرطًا حكميًّا ألا تتصرف فيه بما يضره فيكون لازمًا عليك.
ومن الأدلة -وهو من القرآن- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواأيش؟
طالب: أَوْفُوا.
الشيخ: بِالْعُقُودِ [المائدة: ١]، وكلنا متفقون على أن الرهن يصح بالعقد؛ بمجرد العقد، فإذا صح بمجرد العقد لزم أن أوفي بما اقتضاه وهو حفظ هذا الرهن للمرهن، أما أرهنك وأروح (...) وأبيع وأخسر الرهن فليس هذا وفاءً بالعقد.
وأما العلة أو النظر فلأن المرتهن إنما ارتهن هذا الشيء لحفظ حقه وأبقاه عندك ائتمانًا بك، فإذا كان كذلك فإن مقتضى هذه الأمانة أن تؤدي الأمانة إلى من ائتمنك، وألا تخونه فيها.
وأما الجواب عن الآية الكريمة وعن الحديث (...) فنقول: إن الله سبحانه وتعالى إنما ذكر الرهان المقبوضة؛ لأنه لا يتم الاستيثاق في هذه الحال التي في الآية إلا بماذا؟
طالب: بالقبض.
الشيخ: إلا بالقبض؛ لأن المتعاملين على سفر، وليس عندهما كاتب، فإذا ارتهن شيئًا ولم يقبضه فإنه عرضة لسقوط هذه الوثيقة، لماذا؟ لأن ما فيه كاتب، وأيضًا على سفر، ما معه أحد يشهد من الناس، ثم نقول لهم: أنتم لا تقولون بالآية؛ لأنكم ترون القبض شرطًا حتى في الحضر وحتى مع وجود الكاتب.
فالآية الكريمة إنما ذكرت الرهان المقبوضة فيما إذا كنا على سفر ولم نجد كاتبًا، (...) الآية، ثم نقول: إن في الآية في آخرها ما يدل على فقدان الاستدلال بها على ما ذكرتم وهو قوله: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [البقرة: ٢٨٣]، فإذا ائتمن المؤتمن الراهن فمقتضى (...) أنه يجب على الراهن أن يؤدي الأمانة، فيبقى الرهن سليمًا سالمًا لصاحبه.
وأما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام فمعلوم أننا نقول معه بأن من تمام الاستيثاق أيش؟ (...) لا ننكره أنه من تمام الاستيثاق، أما أن نقول: إنه من شرط الاستيثاق فلا.
فالصواب إذن أن الرهن يلزم بمجرد العقد (...)، والعمل عندنا من أزمنة متطاولة على هذا (...) فإن الفلاح يرهن الفلاحة وهي في قبضته، أو لا؟ فصاحب السيارة يرهن السيارة وهي في قبضته يكدُّها؛ فالعمل إذن في هذه المسألة ماشٍ على قول صحيح، وهو أنه يلزم بمجرد العقد؛ تفريعًا على ذلك قال المؤلف: (واستدامته شرط أيضًا) استدامة القطع شرط لأيش؟ للصحة ولَّا للزوم؟ للزوم؛ يعني: يجب أن يبقى معه؛ فمجرد قبضه ثم الرد يبطل اللزوم، لا بد أن يبقى معه؛ فلو أن الراهن أقبضني الرهن ثم رددته إليه لا يلزمه؛ لأنه يشترط الإقباض في (...).
طالب: والاستدامة.
الشيخ: والاستدامة، فالاستدامة شرط لبقاء اللزوم؛ ولهذا قال: (استدامته) أي: القبض شرط للزوم القضاء، ليس المراد أن تقبضه ثم (...) تسترجعه؛ فإن المراد تقبضه إياه ثم يبقى.
قال المؤلف تفريعًا على ذلك: (فإن أخرجه إلى الراهن باختياره زال لزومه، فإن ردَّه إليه عاد اللزوم إليه).
(إن أخرجه): الفاعل مَنْ؟ المرتهن (أخرجه إلى الراهن)، المرتهن الذي له الدين، واستوثق بهذه العين؛ إذا أخرجها إلى الراهن باختياره زال اللزوم، إذا زال اللزوم صار للراهن أن يتصرف كما شاء، حتى لو باع كل شيء.
ولكن المؤلف اشترط قال: (باختياره)، (فإن أخرجه إلى الراهن باختياره)، فإنه يزول اللزوم، فإن أخرجه إلى الراهن مُكْرَهًا على ذلك فاللزوم باقٍ؛ مثاله: (...) الراهن إلى المرتهن بعد أن سلَّمه الرهن، وقال له: لتعطيني رهني أو لأقتلنك، فقال المرتهن: إذا وصل الحال إلى هذا الحد خذه؛ خذ الرهن، وهو قادر على تنفيذ ما هدده به هل يبقى اللزوم؟
طالب: لا.
طالب آخر: (...).
الشيخ: (...) اللزوم، لأيش؟
طالب: لأنه مُكْرَه.
الشيخ: لأنه مكره، لو أن المرتهن قال له أبوه: يا ولدي، أعط الراهن (...)، فمن أجل بره بوالده أعطى الراهن (...)، يبقى اللزوم ولا ما يبقى؟
طالب: ما يبقى.
طالب آخر: يبقى.
الشيخ: لا يبقى؟ اثنان مختلفان، ما يبقى اللزوم؛ لأن والده لم يكرهه.
طالب: (...) اختياره.
الشيخ: إيه اللي باختياره كيف؟ باختياره (...)، لو قال: يا أبت، أنا إذا أعطيته السيارة زال لزوم الرهن يتصرف فيها كما شاء وراح حقي، يمكن يقدر على الولد.
لكن في المسألة الأولى اللي جاء الراهن إلى المرتهن بالسيف قال: هات الرهن، وإلا شوف أجيب راسك قدامك، ويش يكون هذا؟ إكراه ولَّا لا؟
طالب: لا (...).
الشيخ: رجل ارتهن من شخص سيارة، فذهب الشخص إلى أمير ظالم؛ قال له: فلان أخذ سيارتي بالرهن وعطلني، وأنا أبغي سيارتي (...) انتفع بها، وإن كان أجرتها (...)، لكن (...) فجاء الأمير الظالم إلى المرتهن، وقال لك: أعط فلان سيارته، وكان يعلم أنه لو خالفه لحبسه أو ضربه، فأعطاه السيارة، ما تقولون؟ هل يبقى اللزوم أو يزول اللزوم؟
طالب: يبقى اللزوم.
الشيخ: رَدَّها على الراهن (...).
طالب: مَنِ الذي ردَّها؟
الشيخ: المرتهن.
طالب: لكن بإكراه (...).
الشيخ: وين الإكراه؟
طالب: من الأمير.
الشيخ: مَنْ هذا الأمير الظالم؛ هذا الأمير الظالم لو (...) بالحبس، أو يأخذ مني مالًا أكثر، أو يضعفني، إذن هذا إكراه، فالمؤلف قال: إن رده باختياره؛ لو فرض أن المرتهن أراد أن يسافر، فرد الرهن إلى الراهن على أنه وديعة عنده، وأنه نائب المنافع؟ ما تقولون؟
طالب: يبقى اللزوم.
الشيخ: ما ردَّه إليه على أنه له، ولو ردَّه إليه على أنه له، قد نقول: وجيه، لكن رده على أنه وديعة عنده، هل يزول اللزوم ولَّا لا؟
طالب: (...).
طالب آخر: يبقى اللزوم.
الشيخ: يبقى اللزوم؟
طالب: (...) كلام المؤلف.
الشيخ: كلام المؤلف يقول: إن أخرجه باختياره. هذا الرجل أخرجه باختياره؟
طالب: يبقى.
الشيخ: يبقى اللزوم؛ يعني: أنا ارتهنت من هذا الرجل سيارته، حطتها عندي في الجراج، جراج (...)، وأردت أن أسافر فخشيت على السيارة، فذهبت بها إلى صاحبها، وقلت: خذ، احرسها حتى أرجع نيابة عني، هل يزول اللزوم أو لا يزول؟
طالب: ما يزول، يبقى اللزوم.
الشيخ: لا، يزول، رأي المؤلف: يزول اللزوم، يا إخوان. كلام المؤلف يقول: إن ردَّه إلى الراهن. الآن رددته إلى الراهن، ولَّا لا؟
طالب: وديعة.
الشيخ: المؤلف أطلق، ما اشترط إلا شرطًا واحدًا وهو الاختيار، فأنا الآن رددته إليه، فيزول اللزوم؛ وعلى هذا نقول: يزول اللزوم، ولو كان نيابة عن المرتهن.
طالب: هل (...) اللزوم إلى (...)؟
الشيخ: لا؛ لأنه ملكه، يبقى الملك غير صحيح؛ اللزوم وغير اللزوم، لكن المودع يجب أن يحفظ الوديعة، لكن (...).
المهم أعطيته السيارة وأنا سافرت، ولما رجعت انتهت الوديعة (...)، ويش نقول للراهن؟ أثم؟ أثم ولَّا لا؟ على رأي المؤلف: لم يأثم؛ بيعها حلال، وثمنها حلال وهذا الرجل المسكين اللي ما راح (...) وجهه، أو (...) ثاني حتى عن صاحبها؛ لأنها أحفظ لها، نقول: (...)، يبقى دينه في ذمة الراهن، يجب (...) اللزوم، (...)، أفهمتم الآن؟ هذا مما يدل على بطلان هذا القول؛ لأن (...) إذا لزم منه شيء ينكر دل ذلك على بطلانه.
هذا الرجل الذي أحسن إلى السيارة وإلى الراهن بكونه يؤديها إليه ليحفظها، نقول: جزاؤه جزاء سِنِمَّار.
كما قال الشاعر:

جَزَى بَنُوهُ أَبَا الْغَيْلَانِ عَنْ كِبَرٍ وَحُسْنِ فِعْلٍ كَمَا يُجْزَى سِنِمَّارُ

أبو الغيلان هذا الشاعر يدعو الله عز وجل أن أبناءه يجازونه إذا كبر وأحسن إليهم، (...)، إما أن يتكسر عندما يبني وإلا يموت، فصعد به إلى السطح، وبينما هم واقفون دفعه حتى سقط على الأرض، هذا سنمار، ويش كان جزاؤه على هذا القصر المشيد الطيب الزين، ويش جزاؤه؟ الموت، أو التكسر.
فالحاصل من (...) أن هذا الرجل المرتهن الطيب (...) الذي جاء بالرهن عند صاحبه وديعة حتى يرجع من السفر، ويش صار جزاؤه؟
جزاء (...)، ما بقي إلا بالذمة بينما كان (...) بالذمة وقت الرهن، هذا أصبح بذمة هذا الرجل الذي قد يكون (...) في يوم من الأيام؛ إذا أتى إلى صاحب (...).
قال المؤلف: (فإن رَدَّه إليه عاد لزومه إليه) (فإن ردَّه) الفاعل مَنْ؟
طالب: الراهن.
الشيخ: الراهن.
(إليه): إلى مَنْ؟
طالب: المرتهن.
الشيخ: إلى المرتهن.
(عاد اللزوم) أي: لزوم الرهن.
(إليه) (...) هذا الرجل الراهن بعدما أعطاه مثلًا الرهن، بقي عنده يوم أو يومين، رده إليه، هل يحتاج لزومه مرة ثانية (...) العقد؟
طالب: لا يحتاج.
الشيخ: لا، يعود لازمًا بمجرد رده إلى المرتهن؛ فصار هذا الرهن يوم السبت لازم، ويوم الأحد غير لازم، ويوم الاثنين لازم، ويوم الثلاثاء غير لازم، ويوم الأربعاء لازم، ويوم الخميس غير لازم. ويش آخر أيام الأسبوع؟ يوم الجمعة، ويش صارت يوم الجمعة؟
لازم، أصبح عندي الآن (...)؛ يعني: صار الآن هذا الرهن يمكن نجعله كلتا اللازم و(...) الثانية غير لازم، إن أعطيناه ملكه إن أخرجناه، أخذه الراهن؟
طالب: صار غير لازم.
الشيخ: صار غير لازم؛ المؤلف -رحمه الله- يقول: (إن أخرجه إلى الراهن)، وقال: (وإن ردَّه إليه) أي: الرهن إلى المرتهن؛ لو أخرجه المرتهن إلى غير الراهن، هل يزول اللزوم؟
طلبة: لا.
الشيخ: يعني: لو أودعه ثقة يزول اللزوم ولَّا لا؟
طالب: لا.
طالب آخر: لا يزول.
الشيخ: ما يزول، لكنه لا يمكن أن يودعه أحدًا إلا بموافقة الراهن؛ لأن الراهن له حق (...)، والمرتهن له حق (...)، إنه يكون عند مَن اتفقا عليه، الراهن أخرجه إلى غير المرتهن، ما ردَّه للمرتهن (...)، يعود اللزوم، ولَّا لا؟
طالب: لا يعود.
الشيخ: أنا أخرجت للراهن (...)، الراهن أعطاه الشق الآخر.
طالب: ما يعود.
الشيخ: يعود اللزوم ولَّا لا؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا يعود اللزوم، ليش؟ لأن المؤلف يقول: (إن رده إليه)؛ إلى المرتهن، وهذا يقبل (...)، نعم لو كان هذا الشخص وكيلًا للمرتهن، وردَّه الراهن إليه.
طالب: يعود اللزوم.
الشيخ: يعود اللزوم، أو لا؟
المؤلف في المسألة الأخيرة قال: (فإن ردَّه إليه عاد اللزوم إليه)، ولم يقل: باختياره، فما قولكم فيما لو ذهب المرتهن إلى الراهن، وقال: أعطني الرهن، (...) الآن زال اللزوم. قال: أعطني الرهن وإلا فعلت وفعلت حتى خاف منه فرده إليه، هل يعود اللزوم ولَّا لا؟
طالب: نعم، يعود اللزوم.
الشيخ: لأن هذا الإكراه بحق؛ لأن حقي ما زال موجودًا في هذا الرهن، فأنا ما أكلتك على أمر ليس من حقي، هذا ظاهر كلام المؤلف، لكن قد يقال: إن المؤلف (...) أن يكون اختياريًّا.

***

يقول: (ولا يَنْفُذ تصرُّف واحد منهما فيه بغير إذن الآخر) لا ينفذ تصرُّف واحد منهما بغير إذن الآخر؛ الراهن لا ينفذ تصرفه في المرهون، والمرتهن لا ينفذ تصرفه في المرهون أيضًا إلا بإذن الآخر، فإذا أذن الثاني جاز؛ لماذا؟
أما عدم نفوذ تصرف المرتهن في الرهن؛ فلأنه ليس بمالك ولا قائمًا مقام المالك، (...) استسلفت منك مئة ريال، وأعطيتك هذا المسجل رهنًا، المسجل الآن في يد مَنْ؟
المرتهن، المرتهن لا يمكن أن يبيع المسجل، لماذا؟ لأنه ليس مالكًا له، صح؟
طلبة: (...).
الشيخ: ولا قائمًا مقام المالك؛ الراهن اللي هو أنا ينفذ التصرف فيه ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ما ينفذ؛ لتعلُّق حق المرتهن به، فتصرفي فيه يستلزم إبطال حق المرتهن، وحق المرتهن ثَبَت باختياري أنا، فلا يحل لي أن أبطل هذا الحق الذي التزمت به أمام المرتهن.
فصار المرتهن لا يملك التصرف فيه، لماذا؟ ليس بمالك ولا قائم مقام المالك، والراهن لا ينفذ تصرفه فيه لتعلق حق المرتهن به الذي التزمه نفس الراهن، فيجب عليه الوفاء به.
قول المؤلف: (لا ينفذ تصرف) ظاهره سواء كان هذا التصرف نقلًا لملكية عَيْنٍ، أو لمنافعها، صح؟ أو لا؟
طالب: (...).
الشيخ: يعني معناه: الراهن ما يبيع المرهون، ولا يؤجره، هكذا جاء كلام المؤلف؛ فلو أنني استسلفت منك شيئًا وأرهنتك البيت يبقى هذا البيت أنا لا أؤجره وأنت لا تؤجره، ولا أسكنه ولا تسكنه. صح؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم؛ يبقى معطلًا حتى نتفق على التصرف فيه، هذا ما يقتضيه كلام المؤلف.
والصحيح في هذه المسألة أنه لا يحل أن يبقى معطلًا، إذا طلب مالكه أن يؤجره؛ لأن تأجيره فيه مصلحة لمن؟
طالب: للراهن والمرهون.
الشيخ: (...)، للراهن والمرتهن
؛ فإذا كان هذا البيت الذي يساوي عشرة آلاف في السنة، فهذه العشرة (...) لكل من الطرفين؛ إلى الراهن اللي هو مالك البيت يستعين بها على سداد الدين، وإلى المرتهن يزداد وثيقة؛ لأن (...) تبعًا للرهن، لا يتصرف فيه الراهن، فينتفع كل من الطرفين، وتفويت منفعته لسنة أو سنتين أو أكثر من باب إضاعة المال الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ ولهذا الصحيح أنه إذا كان يمكن الانتفاع بالرهن فإن الممتنع منهما يجبر على استغلال هذا النفع، سواء كان الراهن أو المرتهن.
لو فرضنا (...) الراهن فأنا أتوقف في إجباره؛ يعني (...)، وهنا قد يتوقف الإنسان لأن الراهن مالك، وهو يقول: ربما إذا فاجأه شخص أن يدمر البيت به، وكثيرًا ما تدمر البيوت من المستأجرين حتى إن الأجرة لا تكفي (...) أحيانًا.
يقول المؤلف: (إلا عتق الراهن فإنه يصحُّ مع الإثم) (إلا عتق الراهن): كيف عتق الراهن؟ الراهن هو عبد؛ (عتق الراهن): هو (الراهن) عبد حقيقة؟
طالب: لا، الراهن، (...).
الشيخ: إذن (عتق) مصدر مضاف إلى الفاعل؛ يعني: (إلا عتق الراهن) المرهون (فإنه يصح)، لكن (مع الإثم) تؤخذ قيمته من الراهن رهنًا مكانه، تؤخذ قيمة الرهن مكانه. فعندنا الآن تصرف الراهن والمرتهن في الرهن فاسد ولَّا صحيح؟
حرام وفاسد إلا مسألة واحدة؛ وهي إذا أعتق الراهن المرهون فإنه يصح مع الإثم؛ فيتعلق بعتق الراهن المرهون ثلاثة أحكام؛ النفوذ، والتحريم، وأن تؤخذ قيمته من الراهن فتكون رهنًا؛ مثاله: استقرضت من شخص ألف درهم، ورهنته العبد، عبدًا لي (...) أخذ العبد؛ قبضه، الرهن لازم ولَّا غير لازم؟
طالب: لازم.
الشيخ: الرهن لازم.
ولكني ذهبت إلى كاتب العبد وقلت: اكتب بأني أعتقت عبدي فلانًا المرهون. فِعْلي هذا حرام؛ أناقض فأذهب إلى المرتهن، وأقول: (...) العبد رهن، هذا أفضل، أعتقته (...) عليه ولَّا لا؟ عليه، لكن يأتي المرتهن إليه يقول: (...) عبد، اضمن لي من الآن، ثمن العبد، وقَوِّم العبد، كم يسوى؟ وأعطاني القيمة رهنًا؛ ولهذا قال المؤلف: (وتؤخذ قيمتُه رهنًا مكانه) يعطيه القيمة رهنًا مكانه؛ الراهن قال -لما طلبت منه قيمة- قال: القيمة الرجل؛ أعتقت العبد والقيمة، يعني: ما عندي دراهم، ويش يقول المرتهن؟
طالب: (...).
الشيخ: يضيع حقه، (...).
إذن المؤلف يقول: عتق الراهن صحيح، عتق الراهن حرام، يؤخذ من المعتِق -وهو الراهن- قيمة هذا العبد؛ بمعنى أنه يقدره كم يساوي وتؤخذ قيمته، إن لم يوجد عنده مال فقد حق المرتهن؛ لماذا؟ كيف يصح عتق العبد ولا يصح بيعه؟! لو أراد الراهن أن يبيع العبد اللي عند المرتهن ما يستطيع، ما يمكن، لا يصح (...)، فكيف صح العتق؟!
قالوا: لأن العتق مبني على الاضطرار والتغليب، ولأن الشارع متشوف للعتق ويحض عليه ويرغِّب فيه، التعليل يهم ولَّا لا؟ ما فيه دليل، لكن فيه تعليل؛ أنه مبني على الاضطرار والتغليب.
وفيه أيضًا أن الشارع يتشوف للعتق وتحرير الرقاب؛ فلهذا نفذناه مع التحريم، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.
والقول الثاني أنه لا يصح عتقه، (...) لماذا؟ لأن فيه إسقاطًا لحق المرتهن الذي التزم به الراهن، وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: ١]، وهذا القول هو الصحيح المتعين الذي لا يجوز سواه
، والغريب أن الفقهاء رحمهم الله يقولون: يصح مع الإثم، وكيف يُتَقَرَّب إلى الله بمعصيته، (...) وأيش نقول؟ والعتق عبادة ولَّا لا؟ العتق عبادة من أجلِّ العبادات؛ ولهذا جاء تارة في (...)، تارة في الظهار، تارة في اليمين، تارة في الجِماع في نهار رمضان، فهو من أعظم العبادات، فكيف نتقرب إلى الله تعالى بما هو معصية له؟ هذا فيه تناقض، والصواب أن عتقه حرام وغير نافذ، والرهن باقٍ بحاله.
لو قال قائل: أنا أبغي توفق بين القولين، ويقول: إن كان عند الراهن قيمة الرهن نفذنا العتق وأخذنا القيمة؛ فإن كان معسرًا أو (...)لم ينفذ العتق.
لو قال قائل بهذا القول الوسط لم يكن بعيدًا؛ لأن هذا القول فيه ضمان للحقوق مع نفوذ العتق، لكنه قد يضعفه أن يقال: ما دام العتق حرامًا، فالحرام لا يمكن أن يكون نافذًا؛ لأنه مر علينا في القواعد أن التحريم إذا عاد إلى ذات العمل، قيل إنه، أيش؟
طالب: يكون (...).
الشيخ: يكون (...).
كل تحريم يعود إلى أصل العمل ما يمكن أن يكون صحيحًا؛ لأن التحريم معناه منع الناس منه، فإذا صححناه فقد نفذناه؛ فصار عندنا الآن في هذه المسألة قولان؟
طالب: القول الأول أن يصح الرهن، يصح (...).
الشيخ: وإلا فلا، يكون هذا فيه جمع بين تنفيذ العتق وحماية حق المرتهن.
طالب: شيخ، الجواب؟
الشيخ: الجواب أن نقول: إن الشارع يتشوف إلى العتق، لكن بشرط أن يكون في طاعة الله، أما أن يتشوف إلى العتق في معصية الله، فإن الشارع لا يتشوف له.
وأما قوله: إن بيع السيارة في الطريق، (...) كان حلالًا، أما إذا كان حرامًا فإنه يأثم؛ ولهذا لو أن أحدًا من الناس أعتق عبدًا مشتركًا؛ أعتق كل العبد، وهو الآن (...) حصة شركائه، فإن ذلك لا يجوز، ولا (...) عتقه، لكن إذا كان على سبيل المباح فنعم، هو مبنيٌّ على اضطراره.
ولذلك لو قال قائل لعبده حينما كتب هذا العبد؛ كتب كتابًا، فلما قرأه السيد وجده كتابًا جميلًا من أجمل الخطوط (...)؛ قال: هذا كتابك؟ قال: نعم. بماذا كتبته؟ قال: كتبته بالأصابع الثلاثة؛ الإبهام، والوسطى، والسبابة. قال: إذن أعتقت إبهامك وسبابتك والوسطى. كل الثلاثة (...).
طالب: لا يصح.
الشيخ: أيش يصير؟ (...)، يعتق كله.
نقول له: يا أخ جزاك الله خيرًا؛ لأنك أعتقت العبد كله، قال: يا جماعة ما أعتقت إلا الثلاثة (...) تقدر تقطعها (...).
لكن في مرة من المرات جاء إلى جاريته مملوكة، ووجد شعرها جميلًا، مصفصفة للشعر على وجه جميل فأعجبه، فقال: إن شعرًا كهذا لا ينبغي أن يكون مسترقًّا، فأنا الآن أعتقت شعرك، تعتَق؟
طلبة: لا.
الشيخ: لأيش؟
طلبة: لأنه يقطع.
الشيخ: لا، هذا في حكم المنفصل (...).

***

المرهون فهو مصدر بمعنى اسم المفعول، والمصدر بمعنى اسم المفعول يأتي كثيرًا في اللغة العربية؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» أي: مردود، وقال تعالى: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق: ٤]، والْأَحْمَالِ: جمع حمل، بمعنى: محمول؛ فالرهن بمعنى المرهون.
نماء الرهن يعني: ما يحصل منه من ثمر ودرٍّ ونسل؛ هذا النماء ما يحصل منه من ثمر، متى يكون ذلك؟ إذا كان المرهون أشجارًا. ونسلًا إذا كان حيوانًا، ودرًّا إذا كان الدر -اللبن يعني- حيوانًا أيضًا، حيوان يباح لبنه؛ فنماء الرهن ملحق به؛ يعني: يكون رهنًا معه.
مثال ذلك: رجل رهن شاةً لمدة سنة، وفي هذه المدة حملت الشاة وولدت، فجاء صاحبها يطالب بالولد ويقول: أنا آخذ الولد وأبيعه. نقول: لا؛ لأن هذا نماء للرهن، والنماء فرع، والفرع تابع للأصل؛ فيكون ولدها رهنًا معها.
لبنها الذي يسمنها، إذا بيع في السوق، فهل تكون قيمته رهنًا؟
الجواب: نعم؛ لأنه نماء، كذلك نخل رهنه شخص وأثمر النخل في هذه المدة، فقال الراهن: أنا أريد أن أبيع ثمر نخلي، وقال المرتهن: بل الثمر تبع للشجر. ماذا نقول؟
نقول: هو تبع للشجر؛ فيكون رهنًا معها.
كذلك أيضًا يقول المؤلف: (نماء الرهن وكسبه)؛ كسب الرهن وهذا فيما إذا كان الرهن يكسب؛ مثل: لو كان رقيقًا يتكسب ويتجر فإن كسبه يكون لسيده، لكنه رهن، وكذلك لو فرض أن هذه البعير يَحْمِل عليها ويؤخذ لها أجرة؛ فإن الأجرة تكون رهنًا أيضًا؛ لأنها كسب.
يقول المؤلف: (وأرش الجناية عليه) (أرش الجناية)، و يش الأرش؟
الأرش يعني ما يؤخذ عن الجناية؛ مثل هذا العبد، جنى عليه شخص، وأتلف أصبعًا من أصابعه، وأخذنا قيمة لهذا الأصبع، فالقيمة تكون تبعًا للرهن.
أو هذه بقرة مثلًا مرهونة، فجنى عليها جانٍ فأتلف عينها، وضمناه التلف، هذا الضمان يكون رهنًا؛ فأرش الجناية عليه معناه ما يؤخذ أيش؟ بسبب الجناية على الرهن، فإنه يكون تبعًا له؛ لأنه فرع والفرع يتبع الأصل.
قال المؤلف: (ملحق به)، هذه خبر المبتدأ، خبر (نماء) وما عطف عليه.
(ومَؤُونَتُه على الراهن وكفنه وأجرة مخزنه) (مؤونته) ويش معنى المؤونة؟ يعني: ما يُنْفَق عليه، هذه على الراهن، من الراهن؟ المدين ولَّا الدائن؟
طلبة: المدين.
طلبة آخرون: الدائن.
الشيخ: الراهن معطي الرهن، كيف يكون؟ المدين يا إخواني؛ الراهن هو المدين؛ لأنه هو الذي أعطى الرهن، والمرتهن: الذي أخذ الرهن وهو الدائن؛ المرتهن هو الدائن، والراهن: المدين، إذن مؤونته على الراهن.
أنا مثلًا أعطيتك ألف ريال قرضًا، كذا؟ أي نعم، اشهدوا عليه يا جماعة! (...) ألف ريال، فأعطيتني أنت رهنًا، الآن أنت الراهن.
طالب: (...).
الشيخ: لا، أنت الراهن؛ لأنك أعطيتني هذا الرهن؛ يقال: رهنه عنده، فهو راهنه.
طالب: يعني (...).
الشيخ: لا، أعطيتني إياه، أعطيتني الرهن؛ أعطيتني مثلًا مسجلًا رهنًا، فأنت الراهن، وأنا المرتهن؛ أخذته، ارتهنته، فإذن الدائن هو المرتهن، والمدين هو الراهن. مؤونة الرهن على من؟ على الراهن، لماذا؟ لأنه ملكه، فأنا ليس علي ذنب.
ولو قلنا: إن مؤونة الرهن على المرتهن لكان ربما مؤونته تستوعب الدين وزيادة، فمؤونة الرهن على من؟ على الراهن؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ؛ لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» ؛ فغرم الرهن إذن على الراهن، كذلك كفنه.
مات العبد المرهون، فالكفن على مَنْ؟ على الراهن ولَّا على المرتهن؟
طلبة: الراهن.
الشيخ: على الراهن؛ لأنه سيده؛ قال الراهن للمرتهن: أنت اللي تكفنه، وعليك أجرة تغسيله، وعليك أجرة حمله إلى المقبرة، وأجرة القبر، أنت؛ لأنك رهنته. فيقول المرتهن للراهن: لكن هذا الرهن ملك لك، فلك غنمه، وعليك غرمه.
(كفنه، وأجرة مخزنه) لو فرض أن الرهن يحتاج إلى مخزن، مثل أيش؟
طالب: الحبوب.
الشيخ: كالحبوب مثلًا، أو السيارات، أو المواشي؛ فأجرة المكان الذي تحفظ فيه هذه الأشياء تكون على الراهن؛ لأنها من المؤونة؛ فإذا قدر أن هذا الرجل رهنني سيارات، أعطاني رهنًا سيارات، السيارات تحتاج إلى جراج، أجرة الجراج، جراج السيارات هذه على من؟
طلبة: الراهن.
الشيخ: على الراهن؛ لأنها ملكه؛ قال: (وهو أمانة في يد المرتهن) (وهو) أي: الرهن (أمانة في يد المرتهن)؛ لأننا نعلم الآن أن الرهن يكون عند المرتهن يُعْطَى إياه؛ قال الله تعالى: فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة: ٢٨٣]، فإذا قبضه المرتهن صار أمانة في يده، لماذا صار أمانة؟
لأنه قبضه بإذن صاحبه؛ صاحبه هو الذي أعطاه إياه، وإن كانت المصلحة الآن للمرتهن لكن قبضه بإذن صاحبه، وكل مَنْ قبض المال بإذن من الشارع أو إذن من المالك فإن المال بيده يكون أمانة، وهذه قاعدة مهمة وهي أن مَنْ قبض المال بإذن من الشارع، أو إذن من المالك فإنه يكون عنده أمانة؛ بإذن من الشارع كولي اليتيم؛ فإن ولي اليتيم يَْقِبض مال اليتيم ويتصرف فيه بالتي هي أحسن بإذن ممن؟ من الشارع أو إذن من المالك: كالوكيل مثلًا؛ الوكيل يقبض المال بإذن من صاحبه فهو إذن أمين.
فالقاعدة في هذا كل مَنْ قَبَض مالًا بإذن من الشارع أو إذن من المالك فهو أمانة عنده ضد ذلك الغاصب؛ فإن الغاصب المال في يده ليس أمانة؛ ولهذا يضمنه مطلقًا.
أما هذا فيقول: (وهو أمانة في يد المرتهن، وإن تلف)؛ يعني: ينبني على هذا قوله: (وَإِنْ تَلَفَ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ ولا تَفْرِيط فلا شيء عليه).
(إن تلف) أي الرهن (من غير تعدٍّ ولا تفريط فلا شيء عليه)، وإن تلف بتعدٍّ أو تفريط فعليه الضمان، ما الفرق بين التعدي والتفريط؟
التعدي أن يفعل ما لا يجوز، والتفريط أن يترك ما يجب، هذا الفرق بينهما؛ مثال ذلك: هذا رجل رهن سيارة عند شخص؛ يعني: اقترض من شخص عشرة آلاف ريال، وقال: خذ سيارتي هذه رهنًا عندك؛ أخذ السيارة دخَّلها في الجراج، وأغلق عليها الباب، وقفلها، الآن: مفرِّط ولَّا غير مفرِّط؟
طلبة: غير مفرط.
الشيخ: غير مفرِّط؛ لأنه ما ترك الواجب؛ الواجب عليه حِفْظُ السيارة؛ وحفظها الآن، دخلها في الجراج، وأقفل الباب، فهو الآن غير مفرط.
لكنه في كل مساء يركب هو وأهله هذه السيارة ليخرج يتمشى عليها، يروح (...)، ويروح للمزارع، حصى وأودية، (...)، رجع عليها، ويش يكون هذا؟ متعد ولَّا لا؟
طلبة: متعد.
الشيخ: لأيش؟
طلبة: (...).
الشيخ: لأنه فعل ما لا يجوز، لا يجوز أن يستعمل مال غيره إلا بإذنه، فهذا الرجل نقول: إنه متعدٍّ.
لو حصل على هذه السيارة تلف ولو كانت في الجراج، يضمن ولَّا لا؟ يضمن؛ لأنه متعدٍّ؛ ولهذا يقول: (إن تلف من غير تعدٍّ منه) فهو يضمن؛ لأنه متعدٍّ.
رجل آخر ارتهن سيارة من شخص، وحطها عند الباب، ولم يقفل بابها، باب السيارة مفتوح، ووضع مفتاح السيارة على الدريكسون، ودخل ينام، لكنه محترم للسيارة، ما عمره ركبها أبدًا، فجاء شخص من الليل ووجد هذه السيارة أبوابها غير مغلقة، والمفتاح على الدريكسون، فركبها وشغل ومشى، يضمن ولا ما يضمن؟
طلبة: يضمن.
الشيخ: لأيش؟
طلبة: (...).
الشيخ: لأنه مفرِّط، كيف التفريط؟ ترك ما يجب؛ لأن الواجب أن يحفظ هذه السيارة في مثلها حفظًا لا يتعدى عليها أحد.
إذا تلفت هذه السيارة ومثلًا وراحت خربت ولَّا أُتْلِفَت فالضمان على مَنْ؟ على المرتهن؛ لأنه فرَّط؛ فالمؤلف يقول: (إن تلف من غير تعدٍّ ولا تفريط فلا شيء عليه)، لماذا؟ لأنه أمين؛ حيث حصل هذا المال بيده بإذن ممن؟ من صاحبه.
يقول: (ولا يسقط بهلاكه شيء من دينه) (ولا يَسْقُط بهلاكه) أي: بهلاك الرهن (شيء من دين): أي من دين المرتهن، الضمير في (هلاكه) يعود على الرهن، والضمير في (دينه) يعود على المرتهن؛ أي أنه: لو هلك الرهن أو بعضه فإنه لا يسقط ما يقابله من الدين؛ لأن الدين ثابت في الذمة، والرهن ما هو إلا توثقة فقط.
مثاله: استدان شخص من آخر على سبيل القرض ألف ريال، ورهنه -أي المقترض- رهن المقرض عشرة شياه، كل شاة بمئة ريال، والدين كم؟ ألف ريال، أخذ الشياه وحفظها في حفظ مثلها، وقام عليها بما يجب وتلف نصف هذه الشياه، تلف كم؟ خمس شياة. هل يسقط من دينه خمس مئة؟ لا، ولا قرش واحد؛ لأن الرهن في يده أمانة، ولم يتعدَّ ولم يفرط، والدين ثابت في ذمة المدين.
ولهذا قال: (ولا يسقط بهلاكه شيء) (شيء) هذه نكرة في سياق النفي؛ يعني: ما يسقط من الدين لا قليل ولا كثير إذا هلك الرهن كله أو بعضه، والعلة كما سمعتم؛ لأن الدين ثابت في الذمة، والمرتهن لم يتعدَّ ولم يفرط.
(وإن تلف بعضه فباقيه رهن بجميع الدين) معلوم، إن تلف بعض الرهن فباقيه رهن بجميع الدين، لا بما يقابل الباقي منه، بل هو رهن بالجميع.
لا نقول: إنه لما تلف البعض، بقي بعض الدين المقابل بدون رهن، بل كل الدين يكون رهنًا، يكون به رهن، واضح؟
مثال ذلك: رجل استقرض من شخص ألف درهم، ورهنه عشرة مسجلات، كل مسجل قيمته مئة ريال، صار الآن الألف يقابل عشرة مسجلات، تلف من هذه المسجلات خمسة بدون تعدٍّ ولا تفريط، هل الألف درهم كله يكون به رهن بما بقي، أو نقول: خمس مئة درهمٍ بقيت ليس بها رهن؟
طلبة: الأول.
الشيخ: نعم، الأول.
بمعنى أن المدين لو جاء لهذا الشخص وقال: الآن تلف من رهنك نصفه، وهذه الخمس مئة درهم مقابل الرهن الموجود اللي ما تلف وأعطاه رهنه، يطيعه ولَّا ما يطيعه؟
لما تلف نصف الرهن جاء الراهن إلى المرتهن وقال: نصف الرهن تلف، وأنا الآن أوفيك نصف الدين في مقابل ما بقي من الرهن، وأريد أن تفك الرهن عن هذا الموجود الباقي. فقال المرتهن: لا، الباقي رهن حتى توفي جميع الدين. أيهما الذي نأخذ بقوله؟
بقول المرتهن؛ ولهذا قال: (إن تلف بعضه فباقيه رهن بجميع الدين)، أظن واضح جدًّا؛ يتبقى الرهن بجميع الدين.
(ولا ينفك بعضه مع بقاء بعض الدين) هذه توكيد لما سبق؛ يعني: لا ينفك بعض الرهن مع بقاء بعض الدين، فإن بقي كل الدين؟
طالب: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى، فإن أوفى الدين كله انفك الرهن، كذا؟
على كل حال ما دام قد بقي من الدين درهم واحد فإن الرهن بحاله يشمل جميع المرهون.
قال: (وتجوز الزيادة فيه دون دينه) تجوز الزيادة في الرهن، ولا تجوز الزيادة في دين الرهن. أيش معنى العبارة؟
(تجوز الزيادة في الرهن) يعني: أنني لو استقرضت منك ألف درهم وأعطيتك فيها رهنًا، أعطيتك مثلًا سيارة، ثم إني رأيت أن السيارة قليلة؛ لأن السيارة ما تساوي إلا مئتين.
طالب: (...).
الشيخ: (...) ما تساوي إلا مئتين، فرجعت إليك وقلت لك: أنا بأعطيك سيارة أخرى بالدين الذي لك عندي، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، لماذا؟
لأنه زيادة توثقة، وجزاه الله خيرًا، يمكن (...) وقال: هذه سيارتين (...) ما يكفي، فأعطيك ثالثة، إي نعم، ورابعة، ما فيه مانع؛ لأن هذا لا يضر، لكن دين الرهن لا تجوز الزيادة فيه؛ بمعنى: أنني إذا رهنت شيئًا بدين فإنني لا أزيد على الدين، ولو بغرض الرهن؛ مثاله: استقرضت منك ألف درهم، وأعطيتك هذه السيارة رهنًا؛ الآن السيارة رهن بماذا؟ بألف درهم.
جئتك مرة أخرى وقلت: أقرضني خمس مئة درهم. فقلت: نعم، أقرضك، لكن أعطني رهنًا. قلت: دخلها في الرهن الأول، يجوز ولَّا ما يجوز؟
ما يجوز؛ لأن هنا زدنا في الدين، فلا يجوز أن ندخله في الرهن السابق، لماذا؟ قالوا: لأن الرهن السابق مشغول بالدين الأول؛ لأن الدين الأول يشمل جميع الرهن؛ فجميع الرهن الآن مشغول بالدين الأول، والمشغول لا يشغل.
أرأيت لو رهنتني هذه السيارة، ثم استدنت من شخص آخر ورهنته إياها، يصح ولَّا ما يصح؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: استدنت منك ألف درهم ورهنتك هذه السيارة، وذهبت إلى رجل آخر، واستدنت منه ألف درهم ورهنته السيارة نفسها، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ليش؟ لأنها مشغولة بالرهن الأول؛ كذلك إذا استدنت منك أنت، وأضفت هذا الدين إلى الدين السابق في الرهن؛ قالوا: لا يصح، لأنها مشغولة بماذا؟ بالدين الأول، فلا يصح.
طالب: شيخ، وإن رضي؟
الشيخ: وإن رضي، هذا ما ذهب إليه المؤلف، ولكن بعض العلماء يقول: إنه تجوز الزيادة في دينه بشرط أن يكون باتفاق من الطرفين.
وهذا هو الصحيح، ولا فرق بين أن تكون العين المرهونة تساوي الدينين جميعًا، أو لا تساوي إلا أحدهما، لا فرق ما دام رضينا فلا حرج
؛ يعني مثلًا: لو رهنتك سيارة تساوي عشرة آلاف ريال بألف درهم، وجئت واستقرضت منك ألف درهم أخرى وأرسلناها في الرهن، الرهن يتحمل، أو لا؟ لأنه يساوي كم؟
طالب: عشرة آلاف.
الشيخ: عشرة آلاف ريال، والآن ما أخذنا منهم إلا ألفين، واستدنت ثانيًا، وثالثًا، ورابعًا، وخامسًا إلى العاشر؟
يجوز، ما دام الرهن يتحمل، بل نقول: يجوز، وإن لم يتحمل الرهن؛ حتى لو استدنت منك مثلًا زيادة عشرة آلاف ريال، وهو ما يسوى إلا خمسة، فلا حرج ما دمنا اتفقنا على هذا.
وقولهم: إن المشغول لا يُشْغَل، صحيح، المشغول لا يُشْغَل إذا كان الشاغل أجنبيًّا، أما إذا كان الشاغل هو الشاغل الأول ورضي بذلك، فما المانع؟ ولهذا عمل الناس على جواز الزيادة في الدين، يعني خلاف المذهب، (...)، عمل الناس عندنا يأتي الفلاح ويستدين من التاجر، ويقول: أرهنك الفلاحة بالدين الحاضر اللي أعطيتني، ثم يأتي المرة الثانية ويستدين منه ويقول: هذا الدين داخل في الرهن الأول، ويمشي على هذا، والقضاة يحكمون بصحة ذلك، فعمل الناس عندنا على خلاف المذهب؛ أي أنهم: يزيدون في دين الرهن، ويعتبرون هذا أمرًا لازمًا ثابتًا، وهذا هو الصحيح.
الخلاصة الآن أن الرهن تجوز الزيادة فيه
..