أما العيان فلا حوالة، اشترط المؤلف أن يكون الدين مستقرًّا؛ يعني ثابتًا، أما
غير الثابت فلا تصح الحوالة عليه، مثاله عند الفقهاء: مال الكتابة؛ يعني إذا كاتبت
عبدي على عشرة آلاف ريال؛ يسلم خمسة منها بعد الشهرين، وخمسة أخرى بعد أربعة أشهر،
أصبح في ذمة عبدي كم؟
طالب: (...).
الشيخ: عشرة آلاف ريال، رجل يطلبني عشرة آلاف ريال حولته بها على
مال الكتابة، يقولون: إن ذلك لا يصح، لماذا؟ لأنه غير مستقر؛ إذ إن هذا العبد قد
يعجز عن تسليم المال المكاتب به أو عليه، وحينئذٍ يضيع حق المحتال، فلا تصح إلا على
دين مستقر.
كذلك المهر؛ مهر المرأة قبل الدخول مستقرٌّ على الزوج ولَّا
لا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا
يا.
طلبة: غير مستقر.
الشيخ: ما يستقر إلا بالدخول، فإذا أحالت المرأة به على الزوج
صارت الحوالة غير صحيحة، لماذا؟
طلبة: (...).
الشيخ: لأنه غير مستقر، مادام لم يدخل يجوز أن يجد فيها عيبًا
فيفسخ النكاح ويأخذ المهر كاملًا، يجوز أن يطلقها فتستحق نصف المهر، يجوز أن يدخل
بها فتستحق المهر كاملًا، إذن فالمهر هنا دين غير مستقر، فلا تصح الحوالة
عليه.
المحال به هل يعتبر استقرارًا ولَّا لا؟
طالب:
لا.
الشيخ: لا؛ ولهذا قال
المؤلف: (ولا يعتبر استقرار المحال به) مثل: لو أحال الزوج زوجته بمهرها قبل
الدخول على شخص يطلبه، يجوز ولَّا لا؟ يجوز.
مثال ذلك: تزوجت امرأة بعشرة آلاف
ريال، وأطلب رجلًا عشرة آلاف ريال، فأحلتها بالعشرة آلاف ريال على الرجل الذي أنا
أطلبه، يجوز ولَّا لا؟ يجوز؛ لأن طلبي على فلان مستقر، لكن طلب المرأة عليَّ غير
مستقر، لكنه لا يضر؛ لأن استقرار المحال به ليس بشرط، هل تملك المرأة أن تطالب ذلك
الرجل الذي أحلتها عليه تطالبه بالمهر قبل الدخول؟ لا، لا تطالبه بذلك، لكنها تعرف
الآن أن حقها عند هذا الرجل، استمع للشروط، الآن الشرط الأول ما هو؟ أن تكون على
دينٍ مستقرٍّ، فإن كانت على عين فتوكيل، ما تسمى حوالة، وإن كانت على دين غير مستقر
لم تصح، وإن كانت على غير دين ولا عين فهذه أيضًا لا تصح حوالة، لكنها توكيلٌ في
الاستقرار.
قلت -مثلًا-: روح لفلان خذْ منه عشرة آلاف ريال، وهو لست أطلبه
شيئًا، ويش معنى هذا؟ أنني وكلته من استقرض، إي نعم.
طالب: (...) اثنين.
الشيخ:
أيهم؟
الطالب: الدين والاستقرار.
الشيخ: إي نعم، أو شرط واحد بوصفين.
فيه أيضًا شروط
(ويُشْتَرط اتفاق الدَّيْنين جنسًا ووصفًا ووقتًا وقدرًا، ولا يؤثر الفاضل)
يشترط أن يتفق الدَّيْنان، ما هما الدَّيْنان؟ المحال به والمحال عليه،
(جنسًا) يعني: أنني أُحِيلك بذهبٍ على ذهب، وبفضةٍ على فضة، وقرطاسٍ على
قرطاس، وببُرٍّ على برٍّ، وبتمرٍ على تمرٍ، وما أشبه ذلك.
فإن أحلتك بذهبٍ على
فضة لم يصح؛ مثل: أن تكون تطلبني مئة دينار، وأحلتك على شخص أطلبه ألف درهم، هذا لا
يصح؛ لأن هذه الحوالة ليست حوالة، هي في الحقيقة بيع؛ كأنني بعتك مئة الدينار اللي
في ذمتي بكم؟ بألف درهم في ذمة فلان، ومعلوم أن البيع لا يصح على هذه الصورة، فإذن
لا يصح.
أحلتك بمئة صاع من البر على مئتي صاع من الشعير؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح، أحلتك
بالروض المربع على شرح ابن عقيل على الألفية؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا يا إخوان،
أنت اشتريت مني بالوصف الروض المربع أعطيتني دراهم (...) ريالات على نسخة
من الروض المربع صفتها كذا وكذا، وأنا شاري من الرجل هذاك شرح ابن عقيل
بكذا وكذا بدراهم، ذاك في ذمته لي شرح ابن عقيل، وأنا في ذمتي لك
الروض المربع، هذا ما يصح؛ لأنه بيع دين بدين على غير من هو عليه.
يُشْتَرط
أيضًا اتفاق الدينين (وصفًا)، (وصفًا) يعني مثلًا في الطيب، في الجودة
والرداءة، فإن لم يكونا متفقين وصفًا لم يصح.
فلو أحلتك بتمرٍ من السكر على تمرٍ
من الشكر؟
طلبة: لم يصح.
الشيخ: ما صح؛ لأن الوصف مختلف، فإن النوع نوع من
الوصف.
أحلتك بذهبٍ عيار ٢٤ على ذهب عيار ٢١؟
طالب:
لا يصح.
الشيخ: ليش؟
طلبة:
لأن الوصف..
الشيخ: لأن الوصف يختلف، صح.
أحلتك
ببرٍّ طيب على برٍّ رديء؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: ما يصح؛ لأنه يُشْتَرط اتفاق الدينين وصفًا.
يقول المؤلف: (ووقتًا) يعني: أن يتفقا في الحلول
والتأجيل، فلا يصح أن أُحِيل بحالٍ على مؤجل، ولا بمؤجلٍ على حال، هذا كلام المؤلف،
ولا يصح أن أُحِيلك بمؤجلٍ بعد شهر على مؤجلٍ بعد شهرين؛ لأن الحلول والتأجيل وصف،
ونحن اشترطنا أن يتفقا في الوصف.
ولنضرب لذلك مثلًا: هذا رجلٌ يطلبني دراهم الآن
حالها، وأنا أطلب رجلًا آخر نفس الدراهم وعدد الدراهم، لكنها مؤجلة إلى شهر إذا
أحلته.
طالب: (...).
الشيخ:
لماذا؟
طالب: لا يصح؛ لاختلاف الوقت.
الشيخ: صح.
الطالب: (...).
الشيخ: لا يصح؛ لاختلاف الوقت؛ لأن هذا حال وذا مؤجل، ولكن ما
رأيكم لو أن المحتال رضي، وقال: أنا راضٍ أن تحولني على هذا الرجل
ولو كان دينه مؤجلًا؛ لأنه إذا حلَّ الأجل سيسلمني إياه الآن عند حلول الأجل، وأنت
الآن لي أربع سنين وأنا أطلبك وحال ولم تعطني أنا ما (...)، أعطني لو كان مؤجلًا،
يقول المؤلف: إن هذا لا يصح، ولكن الصحيح أنه جائز، كما لو أحلتك بجيدٍ على رديء،
فإن هذا لا بأس به، بالعكس؛ لو أحلتك بمؤجلٍ على حال؛ مثل أنت تطلبني مئة درهم تحل
بعد شهرين، أحلتك على رجل عنده لي مئة درهم حالة، يجوز ولَّا لا؟
طالب: على رأي المؤلف لا يجوز.
الشيخ: على رأي المؤلف لا يجوز، والصحيح؟
الطالب: أنه يجوز.
الشيخ: أنه يجوز،
ولا حرج في ذلك؛ لأني أنا الآن عندما أحلتك على حال زدتك خيرًا، كما لو
أوفيتك من عند نفسي الآن يصح ولَّا ما يصح؟ يصح.
يقول: (وقدرًا) هذا
صحيح؛ لا بد أن يتفقا قدرًا، فلو أحلتك بمئة على مئة وعشرين ما صح؛ لأن هذا يشبه
البيع، والبيع مع التفاضل لا يصح، ما يجوز، البيع مع التفاضل لا يجوز.
أحلتك
بمئة على ثمانين؟
طالب: كذلك.
الشيخ: كذلك لا يجوز؛ لأنه ربا، لكن لو أسقطت عنك عشرين وقلت
أنت: أعطني أنا بأسقط عنك عشرين، أحلني على فلان بثمانين ولا (...) أسقط عنك الآن
عشرين، يجوز ولَّا لا؟ يجوز؛ لأني لما أسقطت العشرين صار الذي عندك ثمانين، إذا
أحلتني به على من تطلبه ثمانين؟
طلبة: تساووا.
الشيخ: تساووا.
يقول: (ولا يؤثر الفاضل) معنى قوله:
(لا يؤثر الفاضل) أنه لو أحاله بأقل على قدره من الأكثر فإنه لا يضر، أحاله
بدينٍ أقل على قدره من الأكثر فلا بأس به.
مثاله: تطلبني مئة درهم، وأنا أطلب
زيدًا مئتي درهم، فأحلتك بمئة درهم على مئة درهم من المئين يجوز ولَّا لا؟ يجوز؛
لأن المؤلف يقول: (ولا يؤثر الفاضل) معناها: إذا كان المحال عليه أكثر فإن
الزائد لا يؤثر، لكن بشرط ألَّا تقع الحوالة عليه، فإن وقعت الحوالة عليه لم يصح،
كما سبق.
إن أحلتك بمئة على ثمانين فإن هذا لا يصح، ولكن عرف الناس الآن إذا
أحلتك على البنك بمئة وعنده ثمانين لي، فإنه أحيانًا يقول: إذا أحلتك بشيء ليس فيه
رصيد لي فأقرضني وسدِّدْ، فمثل هذا يكون أيش؟ يكون جائزًا.
صورة ذلك: أحلته على
البنك بمئة درهم، تعرفون الشيكات اللي تكتب بها الحوالة؟ ذهب الذي معه الشيك إلى
صاحب البنك قال: واللهِ، ما عندي لفلان إلا ثمانين، فقال الذي بيده الشيك: تكفيني
الثمانين، وأنا أكتب لك توقيع على أني أخذت مئة، يجوز ولَّا لا؟ ما يجوز يا إخواني؛
لأني الآن أحلت بمئة على ثمانين، لكن لو كنت أنا قائل للبنك: إذا جاءك شيك زائد عن
الرصيد الذي لي فأقرضني الزائد قرضًا وسدِّدْ، فذهب رجل إلى البنك وقال: واللهِ،
هذه حوالة بمئة درهم، قال: ما عندي إلا ثمانين، إذا كنت قد قلت للبنك: أقرضني إذا
لم يكن لي رصيد معناها بيقرضني البنك الآن عشرين ويسلمها لهذا الشخص، ولَّا لا؟
فتكون الثمانون حوالة صحيحة، والعشرون قرضًا، هذا معنى قول المؤلف: (ولا يؤثر
الفاضل).
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، يصح.
طالب:
(...)؟
الشيخ: لا، تكون حوالة في الدين المستقر اللي هو
الثمانين، ويكون قرضًا أو توكيلًا في الاستقراض بما زاد، إي نعم.
قال المؤلف
رحمه الله: إذا أحاله بخمسة على عشرة.
طالب:
يجوز.
الشيخ: أحاله بخمسة على عشرة، على رأي
المؤلف؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: أحاله بخمسة على عشرة؟
طلبة:
(...).
الشيخ: على رأي المؤلف لا يجوز؛ لأن القدر
مختلف.
أحاله بخمسةٍ على خمسةٍ من عشرة؟
طلبة:
يجوز.
الشيخ: يجوز، يعني أنني أطلب هذا الرجل عشرة،
وواحد يطلبني خمسة، فأحلته بخمسته على خمسة من العشرة اللي في ذمة الرجل ذاك، يجوز
ولَّا لا؟ إي، هذا معنى قوله: (ولا يؤثر الفاضل).
طالب: هذه (ولا يؤثر الفاضل) ما في (...)؟
الشيخ: يعني أنه إذا كان الدين المحال عليه أكثر من الدين الذي
حاله فإنه لا يضر، ويبقى الفاضل لصاحبه ما يُعْطَى المحتال.
طالب: (...).
الشيخ: هذا المثال:
محمد نور عنده للأخ محمد واصل مئة ألف، وصالح يطلبك ثمانين ألفًا، فأحلته بثمانين
ألفًا على محمدٍ، بيأخذ ثمانين ألفًا، ويبقى؟
طلبة:
عشرون.
الشيخ: عشرون، ما يؤثر هذا ما يضر؛ لأنك الآن
أحلته بثمانين على ثمانين من مئة، وهذا ما يضر، فالفاضل سيبقى لك أنت فلا يضر.
***
(...) رحمه الله تعالى: (وإذا صحت نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبرئ المحيل) إذا صحت الحوالة؛ يعني" بأن تمت شروطها.واعلم أن هنا شرطًا لا بد منه في كل عقد؛ وهو أن يكون العاقد جائز التصرف، كل عقد لا بد أن يكون فيه جائز التصرف؛ وهو البالغ، العاقل، الرشيد، الحر، وكل عقد لا بد أن يكون فيه من مالك للعقد أو من يقوم مقامه، هذان شرطان اصطحبوهما معكم في كل عقد، وهما: جواز التصرف، وملك العقد عليه، هذا لا بد أن يكون في كل عقد؛ في البيوع، والأوقاف، والرهون، والهبات، وكذلك الأنكحة وغيرها.
(إذا صحت نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه) من أي ذمة؟
طلبة: من المحيل.
الشيخ: من ذمة المحيل، (وبرئ المحيل) (برئ) يعني: يكون كأنه سلَّم الحق، ولا يحق للمحتال أن يطالبه؛ لأنها برئت ذمته نهائيًا.
هل يشترط رضا المحيل؟
نشوف يقول المؤلف رحمه الله: (ويعتبر رضاه) (رضاه) وهذا أيضًا شرط في كل عقد، كل العقود لا بد فيها من الرضا، إلا من أكره بحق.
فصار عندنا ثلاثة شروط لا بد منها في كل عقد: جواز التصرف، وملكه، والرضا به، إلا من أكره بحق.
يعتبر رضا المحيل؛ يعني: يُشْتَرط لصحة الحوالة رضا المحيل، فإن أكره لم تصح.
مثال ذلك: رجل يطلب شخصًا مئة ريال، والمطلوب له طلب على آخر مئة ريال، فجاء الطالب وقال: أوفني، قال: واللهِ، ما عندي شيء الآن، قال: حولني على فلان، أنت تطلبه، وفلان أحسن منك وفاءً، حولني عليه، قال: لا، هل يملك إجباره؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يملك إجباره؛ لأنه لا بد أن يرضى، فلو ألزمه أن يحيله ما صحت الحوالة، إذن رضا المحيل شرط.
(لا رضا المحال عليه) معلوم، المحال عليه ما يُشْتَرط رضاه، فلو أننا أحلنا عبد الرحمن بن داود على فهد بدراهم، قال فهدٌ: أنا ما أقبل عبد الرحمن، ما أقبل أتحول عليه، أنا بوفيك أنت؛ يعني اللي يطلبه هل يُعْتَبر رضاه ولَّا لا؟
طلبة: لا يُعْتَبر.
الشيخ: يقول: يا ناس، فكوه من عبد الرحمن، عبد الرحمن إلى (...) إن جاء يطلب يقعد عند عتبة الباب من أول ليلة إلى آخرها، أنا لا أريد هذا، ويش نقول؟ نقول: إذا كان (...) على عتبة الباب من أول الليل إلى آخره أعطه وانفك منه.
إذا قال قائل: لماذا لا يُشْتَرط رضا المحال عليه؟
فالجواب: لأن المحيل له أن يستوفي الحق بنفسه وبنائبه، والمحتال كأنه نائب عن المحيل، إذن رضا المحال عليه ليس بشرط، هذان طرفان؛ المحيل يُشْتَرط؟
الطلبة: رضاه.
الشيخ: المحال عليه؟
الطلبة: لا يشترط.
الشيخ: لا يشترط.
بقي ثالث من هو؟
طلبة: المحتال.
الشيخ: المحتال هل يُشْتَرط رضاه أم لا؟
طلبة: لا يُشْتَرط.
الشيخ: نشوف، قال: (ولا رضا المحتال على مليء) إذن المحتال فيه تفصيل؛ إن أُحِيل على مليءٍ لم يشترط رضاه، وإن أُحِيل على غير مليءٍ اشترط رضاه، فالمحتال إذن في اشتراط رضاه تفصيل؛ إن أحلناه على مليء فإنه لا يُشْتَرط رضاه؛ لأنه يجب عليه أن يتبع، وإن أُحِيل على غير مليءٍ اشترط رضاه، ما هو الدليل؟
الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ بِدَيْنِهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» أي: فليحتل، «إِذَا أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» مفهوم، إذا أُحِيل على غير مليءٍ لا يلزمه الاحتيال، وإنما يحتال إذا أُحِيل على مليءٍ.
وقوله عليه الصلاة والسلام: «فَلْيَحْتَلْ» اختلف فيها العلما هل الأمر للوجوب أو هو للاستحباب؟
فقال بعضهم: إنه للوجوب، وقال آخرون: إنه للاستحباب، والأصل في الأمر الوجوب، وعليه فنبقى على الأصل إلا إذا تضمن ذلك ضررًا على المحتال، فإنه لا يلزمه أن يقبل.
من هو المليء؟ المليء: هو القادر بماله، وقوله: وبدنه. هذا المليء؛ المليء: هو القادر على الوفاء بماله وقوله وبدنه. فالقادر بماله: أن يكون عنده قدرة على الوفاء عنده مال، وبقوله: أن لا يكون مماطلًا؛ يعني ما يقول: ائت بكرة، ائت بعد بكرة، إلى آخره، وببدنه: أي تمكن محاكمته شرعًا وعادة؛ يعني يمكن إحضاره لمجلس الحكم، والمراد محاكمته شرعًا وعادةً، إذن من هو المليء؟
طالب: هو الذي قادر في ماله وقادر..
الشيخ: قادر على أيش؟
الطالب: (...).
الشيخ: قادر على الوفاء في ماله.
الطالب: وقوله..
الشيخ: وبدنه، القادر في ماله: أن يكون عنده من المال ما يوفي به، في قوله: ألا يكون مماطلًا، في بدنه: أن تمكن محاكمته شرعًا وعادةً.
أحلت شخصًا يطلبني دراهم على شخص أطلبه لكنه فقير، يلزمه أن يقبل؟
طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: يجوز أن يقبل؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، وجزاه الله خيرًا، إذا قبل الحوالة على الفقير (...) معاملته.
أحلته على شخصٍ مماطل عنده مال، لكن تأتي إليه اليوم يقول: بكرة، ائتنا بكرة، قال: علشان (...) بعد يومين، أتيته بعد يومين قال: علشان أتأكد أكثر ائت بعد أربعة أيام، وكلما جيت ضاعف المدة، يصح الحوالة عليه ولَّا ما يصح؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ما تصح الحوالة عليه؛ لأن هذا يتعبني.
وكذلك أيضًا ربما نقول: إذا كان المحال عليه يحتاج إلى سفر؛ مثل هو يطلبني هنا مئة ريال وقال: أعطني المئة، قلت: أحلتك على فلان الذي أطلبه أنا في الرياض بمئة ريال أحلتك عليه، قال: طيب، السفر (...)؟
طلبة: (...).
الشيخ: يكلف مئتي ريال، كيف أنا أسافر؟ قال: تقدح بفلان، قال: لا، فلان ما عنده، هو عنده مال، لكن ما هو اللي يصل إليه؟ قال: وَكِّل إنسانًا، وكَّلت إنسانًا، يقول: طيب، أنا آخذ لك المال من فلان، لكن ما أعطيك إلا تسعين، عشرة ريال أجرة للتاكس وما أشبه ذلك، عليه ضرر ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: عليه ضرر، ما يلزمه القبول.
الثالث: أن يكون قادرًا ببدنه بمعنى أن يمكن محاكمته شرعًا وعرفًا أو عادةً، فإن لم تمكن محاكمته شرعًا لم يلزم قبول الحوالة؛ مثل: الأب، الأب لا تحاكمه شرعًا، ليس لك أن تحاكم أباك أبدًا، إلا فيما تتوقف عليه حياتك؛ وهي النفقة، أما غيره لو يقصد مالك يأخذه أو تسلفه فلوسًا ولا يوفيك ما تطالبه أبدًا؛ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» .
هذا رجل أطلبه ألف ريال، قال: واللهِ، أبغي (...)، لكن أنا أطلب أباك ألف ريال، أبغي أحولك على أبيك، تقول: ما أقبل، لك الحق أن تقول: ما أقبل، قال: ما تقبل أباك -أعوذ بالله- لو أحد يقول: أنا ما أقبل الحوالة على أبيك هوشته، وأنت تقول: ما أقبل الحوالة على أبي، ويش جوابه؟ قال: نعم؛ لأنك إذا أحلتني على أبي ما أستطيع أن أطالب أبي، معنى ذلك أنها ضاعت فلوسه، صح، هذا لا تمكن مطالبته أيش؟
طلبة: شرعًا.
الشيخ: شرعًا.
لا تمكن مطالبته عادةً؛ أنت -مثلًا- في بلد تطلب إنسانًا عشرة آلاف ريال، قال: بحولك على رئيس الجمهورية، تقبل ولَّا ما تقبل؟
طلبة: لا.
الشيخ: يلزمك تقبل ولَّا ما يلزمك؟
طلبة: ما يلزم.
الشيخ: ليش ما يلزمك؟
طلبة: لا يمكن مطالبته عادةً.
الشيخ: لا يمكن مطالبته عادةً، صح ولَّا لا؟ هل يمكن تروح تشكيه على من؟
طالب: على نفسه.
الشيخ: تشكوه على وزير الداخلية، وزير الداخلية ما يقدر يجيبه.
طالب: أقل منه.
الشيخ: أقل منه.
طالب: القاضي يجيبه.
الشيخ: إي، لكن من الذي يحوله على القاضي؟ مشكل. المهم الذي لا تمكن مطالبته عادة لا يلزم التحول عليه.
نعود إلى أصل المسألة: هل يشترط رضا المحتال أو لا يشترط؟
فيه التفصيل؛ إن أُحِيل على غير مليء فرضاه شرط، وإن أُحِيل على مليء فرضاه غير شرط، بناءً على أن الأمر في قوله صلى الله عليه وسلم: «فَلْيَتْبَعْ» للوجوب.
أما على قول جمهور أهل العلم -أن الأمر للاستحباب- فإن رضا المحتال شرط بكل حال؛ لأن الجمهور يرون أن اللام في قوله: «فَلْيَتْبَعْ» أن اللام للأمر الذي يُرَادُ به الاستحباب، وبناءً على ذلك فإن تحوله يشترط فيه الرضا بكل حال.
يقول: (وإن كان مفلسًا ولم يكن رضي رجع به) (إن كان) الضمير يعود على المحال عليه، (مفلسًا) وهو ما رضي فإنه يرجع به؛ يعني مثلًا أحالني على فلان، أنا أطلب هذا الرجل مئة ريال، وأحالني على فلان، لما ذهبت إلى فلان قبلت الحوالة، ذهبت إلى فلان فوجدت الرجل فقيرًا، لي أن أرجع ولَّا لا؟ لي أن أرجع؛ لأنه تبين أنه فقير وأنا لم أعلم.
فإن علمت أنه فقير ورضيت بالحوالة عليه، ثم عجزت عن الاستيفاء، فهل أرجع ولَّا لا؟ لا؛ لأنني رضيت به؛ ولهذا قال: (ولم يكن رضي) رضي بأن يتحول على هذا الفقير، فإن رضي أن يتحول على هذا الفقير فليس له أن يرجع.
لو تعذر الوفاء فيما بعد يرجع ولَّا لا؟ ما يرجع؛ لأن الرجل رضي، والحوالة إذا تمت برئ من؟ بريء المحيل؛ ولهذا قال: (وإن كان مفلسًا ولم يكن رضي رجع به) فإن رضي لم يرجع.
وإن قال: رضيت به إن كان مليئًا؛ قيد الرضى، رضيت به إن كان مليئًا، ثم ذهبت إليه فلم أجده مليئًا؟
طالب: فله أن يرجع.
الشيخ: فله أن يرجع.
والخلاصة الآن: أنه إذا أُحِيل على غير مليءٍ فهل له الرجوع أم لا؟
نقول: إن رضي به وهو يعلم أنه غير مليءٍ فلا رجوع، وإن رضي به وهو لا يعلم فله الرجوع، وإن اشترط الملاءة فله الرجوع إن تبين أنه غير مليء.
(ومن أُحِيل بثمن مبيع) انتبهوا للمسألة هذه؛ لأن فيها معركة بيننا وبين بعض الطلبة تحتاج إلى تفهم، (من أُحِيل بثمن مبيع أو أُحِيل به عليه) هاتان صورتان؛ أُحِيل بثمن المبيع، أو أُحِيل به -أي: بثمن المبيع- عليه، صورتان.
الصورة الأولى: اشتريت منك شيئًا بعشرة، ثم أحلتني على فلان الذي تطلبه عشرة، فالآن أنا أحلت بثمن مبيع أو لا؟ أليس كذلك؟ أحلت بثمن مبيع.
أو أُحِيل بثمن المبيع عليه، عكس المسألة الأولى؛ يعني أن البائع أحال عليًّ شخصًا لتسلم ثمن المبيع، الصورة الأولى المشتري هو الذي أحال البائع، وهنا أحال البائع المشتري، هذا معنى (أُحِيل به عليه).
وأيضًا من المصلحة أن ندع هذه المسألة إلى درس جديد حتى (...).
***
من أركان العقد (...) أن الصيغة في العقود من أركان العقد فتكون الأركان ستة، فيه محيل ومحتال ومحال عليه من الذي يعتبر رضاه؟ (...).***
(ومن أُحِيل بثمن مبيع أو أُحِيل به عليه) (أُحِيل بثمن مبيع) يعني: أن المشتري أحال البائع بالثمن، مثال ذلك: اشتريت منك كتابًا بعشرة ريالات، وأنا أطلب فلانًا عشرة ريالات، فأحلتك بثمن الكتاب على فلان، أنت الآن محال بثمن مبيع.(أو أُحِيل به عليه) أُحِيل بثمن المبيع عليه؛ يعني أن البائع أحال شخصًا يأخذ الثمن من المشتري، البائع لما باع عليَّ الكتاب بعشرة ريالات ثبت في ذمتي له عشرة ريالات، كذا ولَّا لا؟ البائع مطلوب لشخص عشرة ريالات، فقال البائع للذي يطلبه: حوَّلتك على محمد بثمن الكتاب، هذا ويش نقول؟ أُحِيل به عليه؛ يعني أُحِيل بثمن المبيع على شخص، فهنا البائع أحال فلانًا عليَّ بثمن المبيع، فهمتم الصورة؟ الصورة الأولى: من أُحِيل بثمن المبيع تكون الحوالة من المشتري للبائع على مدينٍ لمن؟ للمشتري، أُحِيل به عليه، تكون الحوالة من البائع لغريمٍ على المشتري، البائع مدين لشخص، فيحيله على المشتري هذه الصورة، أظن الصورة واضحة.
طالب: ما فهمتها.
الشيخ: ما فهمتها، اشتريت من ياسر كتابه بعشرة ريالات.
طالب: كتابه؟
الشيخ: كتابه بعشرة ريالات، ويش ثبت لك عليه؟
طالب: ثبت لي عليه عشرة ريالات.
الشيخ: عشرة ريالات، عبد الله يطلبك عشرة ريالات، فقلت لعبد الله: حوَّلتك على ياسر، الآن عبد الله أُحِيل بثمن مبيع، واضح ولَّا لا؟ هكذا (...).
طلبة: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، المشتري أنا أخطأت هذه الصورة الثانية، المشتري يا ياسر اشترى منك الكتاب بعشرة، كان يطلب عبد الله عشرة، فقال لك: خذ ثمن الكتاب من عبد الله، الآن أنت محال؟
طالب: على عبد الله.
الشيخ: محال إلى عبد الله في ثمن المبيع.
طالب: ثمن الكتاب.
الشيخ: اللي هو الكتاب ثمن بيع الكتاب، هذه واضحة ولَّا غير واضحة؟
طالب: واضحة.
الشيخ: أُحِيل به عليه، أنت -مثلًا- عبد الله يطلبك عشرة ريالات، وبعت الكتاب على ياسر، ثبت لك في ذمة ياسر عشرة ريالات، فقلت لعبد الله: خذها من ياسر، خذ العشرة من ياسر، فهنا عبد الله محال بثمن المبيع على ياسر.
(فبان البيع باطلًا فلا حوالة) إذا تبين أن البيع باطل فلا حوالة؛ يعني تبين في المثال اللي ذكرنا أن الكتاب الذي باعه طلال ليس له، وإنما هو كتاب عبد الرحمن بن داود، صار مغصوبًا الآن ولَّا غير مغصوب؟
طلبة: مغصوب.
الشيخ: مغصوب، يصح بيع المغصوب؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يصح، إذن البيع؟
طلبة: باطل.
الشيخ: باطل، إذا بطل البيع بطلت الحوالة؛ لأن الدين المحال به أو المحال عليه صار غير ثابت، إذا بطل الأصل بطل الفرع؛ ولهذا يقول المؤلف: (فبان البيع باطلًا فلا حوالة) السبب: لأنه لما بطل الأصل بطل الفرع، ويبقى كل إنسان على حقه؛ الصاحب الذي باع الكتاب يأخذ الكتاب، والمشتري لا يلزمه شيء، والديون اللي أُحِيل بها أو عليها باقية على ما هي عليه.
(وإذا فُسِخ البيع لم تبطل) إذا فُسِخ البيع لم تبطل؛ لأن البيع باقٍ، والفسخ باختيار المتبايعين فلا تبطل الحوالة، فاهمون؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، إذا فُسِخَ البيع لم تبطل في مثال، خلينا على المثال الأول؛ باع طلال على ياسر كتابًا بعشرة ريالات، ياسر يطلب عبد الله عشرة ريالات، فأحال ياسر طلالًا على عبد الله بالثمن، تمام الآن ولَّا لا؟
طالب: تمام.
الشيخ: زين، تبين أن الكتاب مغصوبٌ بطل البيع، تبطل الحوالة ولَّا لا؟ الآن طلال يستطيع يأخذ من عبد الله عشرة ولِّا ما يستطيع؟
طلبة: لا، ما يستطيع.
الشيخ: ما يستطيع؛ لأن الحوالة؟
طلبة: باطلة.
الشيخ: بطلت، إذا فسخ البيع لم تبطل الحوالة، كيف فسخ البيع؟ يعني -مثلًا- ياسر لما اشترى الكتاب ونظر إلى الكتاب ما أعجبه، فجاء إلى طلال وقال: جزاك الله خيرًا، أنا أريد أن أفسخ البيع، فقال: أهلًا وسهلًا، أعطني الكتاب، أعطاه الكتاب، هل تبطل الحوالة ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ما تبطل، طلال الآن يستطيع أن يأخذ الدراهم من عبد الله أو ما يستطيع؟
طلبة: يستطيع.
الشيخ: يستطيع؛ لأن الحوالة باقية (...)، طلال الآن أخذ الكتاب، لما فسخ العقد وراح لعبد الله وأخذ عشرة ريالات الثمن، وياسر الآن ويش يسوي؟
طالب: يرجع على طلال.
الشيخ: يرجع على طلال ولَّا لا؟ يرجع على طلال، فيقول -مثلًا- ياسر لطلال (...) بكرة، جاءه من باكر، قال: بعد بكرة، جاءه من بعد قال: واللهِ، أنا عندي نية زيارة الأهل لمدة أسبوع، فرجع من زيارة الأهل، قال: واللهِ، عندي نية أن أصل الشام، أبغي أشوف الشام والخضر والفواكه إن كان فيه خضر وفواكه، راحت العشرة على ياسر ولَّا ما راحت؟
طالب: راحت.
الشيخ: أظن أنها راحت نشتكيه، المهم الآن الحوالة تبطل ولَّا لا؟
الطلبة: ما تبطل.
الشيخ: الحوالة لا تبطل، ومعنى قولنا: (لا تبطل) أن المحتال يجوز أن يأخذ من المحال عليه، ولكن (...) تمام الآن، هذا معنى قول المؤلف: (وإذا فسخ البيع لم تبطل).
قال: (ولهما أن يحيلا) هذا عاد، نشوف أيش المعنى: (لهما أن يحيلا)، إحنا قلنا الآن: ياسر رَدَّ الكتاب على طلال، طلال له أن يأخذ الحق منين؟ من عبد الله، في هذه الحال يجوز لطلال أن يحيل ياسر على عبد الله أو لا؟ له أن يحيله، يقول: تعالَ، أنا الآن ثبت لي على عبد الله بمقتضى الحوالة عشرة ريالات، أبغي أحولك عليه، هل لياسر يقول: ما أقبل؟
طلبة: لا (...).
الشيخ: لا، له أن يقول، إذا كان غير مليء له أن يقول، إذا قدَّرنا عبد الله أنه افتقر -مثلًا- فله ألَّا يقبل؛ ياسر: واللهِ، أنا ما أقبل، قال: أنا قبلت الحوالة عليه في الأول، ليش أنت ما تقبلها الآن؟ قلت: واللهِ، أنت -جزاك الله خيرًا- رجل طيب، وقبلت الحوالة على معسر، وأنا رجل شحيح، ولا أقبل الحوالة على معسر، أو لا؟
إذن هذا معنى: (ولهما أن يحيلا) فهنا يحيل البائع المشتري على من أحاله عليه بالثمن، الصورة التي ذكرنا الآن يحيل البائع -اللي هو طلال- المشتري -وهو ياسر- على المحال عليه -وهو عبد الله-.
الصورة الثانية تكون بالعكس، فقول المؤلف: (لهما أن يحيلا) يعني: أن هذا جائز، لكن هل يلزم لو أن -مثلًا- ياسرًا لما رد الكتاب على طلال قال له: أعطني، عد الدراهم (...)، أعطني دراهمي، قال: لا، اصبر، قال: حولني على عبد الله (...).
***
من الطرفين، وأظن هذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أن كل فسخ لا يتم إلا بالتراض من الطرفين إلا برضاهم، وبناءً على هذا القول الراجح نقول: إن طلالًا يُلزم؛ إما بالتسليم، وإما بالإحالة إذا قبل، إذا قبل مَنْ؟ ياسر أن يتحول، أما المذهب يقول: (لهما) ولم يقل: يلزمهما، قال: (لهما أن يحيلا)، والصواب أنه إذا طالب من له الحق بالتحويل أو التسليم فإنه يُلْزَم بذلك، وإلا لضاعت الحقوق.طالب: وإن لم يستلم طلالٌ من عبد الله؟
الشيخ: أنه ما استلمها، المفروض ما يستلمها؛ لأنها إذا اسْتُلِمَت فإن المحال عليه برئ، الآن يعني لو أن طلالًا استلم الحوالة قبل أن يفسخ البيع ما فيه شك، ما نرجع على المحال عليه، المحال عليه برئت ذمته.
***
ثم قال المؤلف: (باب الصلح) الصلح هو في اللغة: قطع النزاع، قطع النزاع يسمى صلحًا، وقد قال ربنا عز وجل في كتابه: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء: ١٢٨]، وهذه عبارة شاملة عامة، الصلح في كل الأمور خير؛ لأنه يقطع العداوات والحزازات ونصل به إلى المقصود برضا الطرفين؛ ولهذا قال الله عز وجل: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء: ١١٤]، وجاز شرعًا أن يكذب الإنسان من أجل الوصول إلى الصلح والمصالحة بين الناس، وحثَّ الشرع على الإصلاح بين الناس.
لكن يمتنع الإصلاح في حالة واحدة؛ وهي ما إذا تبين للقاضي أن الحق مع أحد الخصمين فإن الصلح هنا ممتنع، ما لم يبين لصاحب الحق أن الحق له ويطلب منه الصلح؛ يعني فيه قضاة علمهم ضعيف؛ كل مسألة ترد عليهم يجعلونها صلحًا، وهذا حرام، ما يجوز؛ ولهذا إذا تبين للقاضي أن الحق مع أحد الخصمين حَرُمَ عليه طلب الصلح، إلا إذا أعلم صاحب الحق وقال: إن الحق لك، نعم، ولكن لو تصالحتما لكان أحسن، فإذا رضي بالصلح فحينئذٍ فلا بأس.
الصلح يكون في أمور كثيرة، في كل مشاكل الحياة؛ الحقوق والأموال والأعراض، داخل في كل شيء؛ ولهذا أطلق الله سبحانه وتعالى هذا في قوله: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ.
كلام الفقهاء هنا في هذا الباب يريدون به الصلح في الأموال، ويذكرون الصلح في باب النزاع بين الزوج وزوجته في باب عِشْرَة النساء، وفي كل موضعٍ بحسبه، وذكروا الصلح في باب أهل الزكاة في الغارم لإصلاح ذات البين، والمهم هنا أن الذي معنا الآن هو الصلح في الأموال.
الصلح في الأموال على نوعين: صلح على إقرار، وصلح على إنكار، بمعنى أن الصلح يكون على شيء أقرَّ به مَنْ عليه الحق، ويكون الصلح على شيء أنكره من عليه الحق، فهو إما في إنكار، وإما في إقرار.
(إذا أقرَّ له بدين أو عين فأسقط أو وَهَبَ البعض وترك الباقي يصح) قوله: (إذا أقر له بدين أو عين فأسقط أو وهب) هذا من باب اللف والنشر المرتب ولَّا المشوش؟
طلبة: المرتب.
الشيخ: المرتب؛ يعني يذكر شيئين، ثم يثنِّي بذكر حكمهما مرتبًا، فيُسَمَّى لفًّا ونشرًا مرتبًا، يوجد القسمان في القرآن؛ قال الله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ [آل عمران: ١٠٦، ١٠٧]، هذا لف ونشر؟
طلبة: مشوش.
الشيخ: مشوش أو لا؟ مشوش.
طالب: غير مرتب.
الشيخ: إي، غير مرتب، صح، هذا لفٌّ ونشرٌ غير مرتَّب، لماذا؟ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، لو كان مرتبًا لقال: (فأما الذين ابيضت وجوههم)، لكنه بدأ فقال: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ، هذا لف ونشر غير مرتب.
مرتب قال تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ [هود: ١٠٥، ١٠٦]، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا [هود: ١٠٨]، هذا لفٌّ ونشر مرتب.
كلام المؤلف الآن يقول: (إذا أقر له بدَيْنٍ أو عين فأسقط أو وهب) (أسقط) عائد على (الدَّيْن)، (أو وهب) عائد على (العين)؛ لأن العين إذا أعطيتك إياها ما يقال: أسقطت، بل يقال: وهبت، والدين إذا أبرأتك منه أو من بعضه يقال: أسقطت.
مثال الدَّيْن: أقر له بمئة ريال، قال: واللهِ، أنت الوجه مبارك، أقررت لي بمئة ريال، قال: نعم، الحق أحق أن يتبع، قال: أسقطت عنك خمسين ريالًا، يجوز ولَّا ما يجوز؟ يجوز.
لكن قد تقول: أين هذا من الصلح؟ هل حصل نزاع حتى يحصل صلح؟ ما حصل، لكن الفقهاء يقولون: لو وقع هذا بلفظ الصلح ما صح، هذا وجه مناسبة إدخاله في باب الصلح؛ يعني لو أن صاحب الحق قال للمقر: قد صالحتك على بعض الدين، يقولون: ما يصح، لماذا لا يصح؟ قال: لأنه لا يمكن أن يصالحه عن ماله ببعضه؛ لأن هذا (...) الآن، فلا وجه للصلح معه، لكن القول الثاني أنه يصح بلفظ الصلح، وأن المقصود المعنى.
وهب في العين؛ جاءني رجل قال: واللهِ، أنا أقر لك بأن هاتين الشاتين لك، ملكك، أعرف أنهما ملكك، جاءتا من غنمك إلى غنمي، فهما لك، هنا أقر بماذا؟
طلبة: بعين.
الشيخ: بعين، قال: واللهِ، جزاك الله خيرًا، أن جيت أنت بنفسك تخبرني بأن عندك لي شاتين لك إحداهما، الآن وهب بعضها بعدما أقر به، يصح ولَّا ما يصح؟ يصح، فيه إشكال ولَّا ما فيه إشكال؟
ما الذي جاء به إلى باب الصلح؟
قالوا: لأنه لو قال: صالحتك على إحدى الشاتين لك فإنه لا يصح، ولو قال: وهبته إحدى الشاتين صح، فهذا وجه إدخاله في باب الصلح، والصحيح أنه يصح حتى وإن وقع بلفظ الصلح؛ لأن المقصود هو المعنى.
الخلاصة الآن: هذا النوع من الإقرار ويش يسمى؟ صلحًا.
لو أن المقر قال: لا أقر إلا أن تسقط عني بعض الدين أو تهب لي بعض العين؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: يصح؟
طالب: اشترطه.
الشيخ: أنا أطلبه مئة ريال، (...) أعطني مئة ريال (...)، أعطني المئة ريال، قال: ما يمكن، أقله ما عندي لك شيء، اتقِ الله، قال: إن (...) عن عشرين أقررت لك، فصالحته على هذا، صالحته على أنه يقر لي بالمئة، وأجزئ عنه عشرين غصبًا علي، ما يصح؛ لأنه مكرهني، وإذا أكرهني فالإكراه منافٍ لصحة العقود، وقد مر علينا -أظن قبل يومين- أن جميع العقود يُشْتَرط فيها أن تكون من جائز التصرف، ومن مالك للتصرف، ومن راضٍ للتصرف، إذن ما يصح.
جئت إليه وعنده كتابي، قلت: يا أخي، أعطني كتابي، قال: ما عندي لك، اتقِ الله، قال: ما عندي لك كتاب، إن كنت تبغي أن أقر لك فأنا أبغي نصف الكتاب وأقر لك، وصالحته على هذا، يجوز؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز، ليش؟ لأني صالحته على ذلك مكرهًا، فلا يصح الصلح، ما أعطى لي حقي (...) إلا بذلك الآن.
طالب: (...).
الشيخ: إي، لو لم أقر لذهب مالي (...)، هذا ما يصح، إي نعم، لأنه في الحقيقة لا يتوصل إلى ماله أو (...) لبعض ماله إلا بهذا، فهو مكره، أنا لو اختار ما أعطيته ولا قرشًا من الدين ولا قرشًا من العين.
لو وقع الأمر هكذا، فالمقر هل يُلْزَم بالكل؟ يعني في الحكم الظاهر هل يلزم بالكل ولَّا لا؟
طالب: يلزم.
الشيخ: ظاهرًا؟
طالب: ظاهرًا ما يلزم.
الشيخ: ظاهرًا ما يلزم؛ لأنه ما أقر له به، قال: أنا أقر لك ببعضه فقط إلا إذا ثبت أصل الدين ببينة، فحينئذٍ لو تصالحوا على هذا ما يقبل؛ لأن البينة (...) ذلك.
طالب: (...).
***
الشيخ: عندكم (شرط) ولَّا (شرطاه)؟طلبة: (شرطاه).
الشيخ: (شرطاه) أي: المتنازعان، (أو إن لم يكن شرطًا) أي: إن لم يكن هذا الإسقاط أو الهبة شرطًا؛ بأن قال: أقر لك بشرط أن تضع عني من الدين كذا وكذا، أقر لك بهذه العين بشرط أن تهب لي بعضها، إن كان شرطًا فهذا لا يجوز؛ لأنه لا يحل له أن يمنعه حقه إلا إذا تنازل عن بعضه، هذا حرام، هذا من أكل المال بالباطل.
كذلك قال بعض العلماء -وهو المذهب-: ألَّا يقع بلفظ الصلح، فإن وقع بلفظ الصلح لم يصح، كأن يقول: نعم، عندي لك ألف ريال، لكن (...) تصالحني على ثمان مئة، فقال: ما يخالف، أنا صالحتك باختياري، المذهب أنه لا يصح، لماذا؟ قال: لأنه لا يصح أن يصالح ببعض ملكه عن بعضه، ما يمكن.
ولكن القول الثاني يقول: يصح، ما دامت المسألة باختياره فالخلف الآن اختلاف في اللفظ؛ لأن (صالحتك) و(أسقطت عنك) معناهما واحد، والعبرة في العقود بمقاصدها لا بألفاظها، هذا هو الصحيح؛ أن العبرة في العقود بمقاصدها؛ لأن الله تعالى ورسوله أطلقها، فيُرْجَع فيها إلى ما تدل عليه عرفًا، انتبهوا للشرط، الشرط الأول ويش قلنا؟ ألَّا يُشْتَرط ذلك؛ بمعنى أن يقول: أقر لك بشرط أن تعطيني كذا أو تسقط كذا، الثاني على المذهب ألَّا يكون بلفظ الصلح، فإن كان بلفظ الصلح لم يصح.
الشرط الثالث يقول: (وممن لا يصح تبرعه) يعني: وبشرط أن يكون ممن لا يصح تبرعه.
طالب: (...) لا يصح.
الشيخ: (ولا يصح)؟
طلبة: (...).
الشيخ: أنا عندي: (وممن لا يصح). إذن نقول: ويُشْتَرط أيضًا ألَّا يكون ممن لا يصح تبرعه، كما قلنا: (إن لم يكن شرطاه) وإن لم يكن ممن لا يصح تبرعه، فقوله: (وممن لا يصح) معطوفة على (شرطاه) يعني: وإن لم يكن ممن لا يصح تبرعه، فإن كان ممن لا يصح تبرعه لم يصح.
ومعنى التبرع: الإعطاء بلا عوض، وهو أضيق من التصرف، يعني إذا قلنا: هذا لا يصح تصرفه، وهذا لا يصح تبرعه، أيهما أضيق؟
طالب: التبرع.
الشيخ: الثاني أضيق؛ لأن الذي يصح تصرفه يصح تصرفه تبرعًا ومعاوضة، والذي لا يصح تبرعه لا يصح تبرعه ويصح معاوضة، فمثلًا ولي اليتيم يصح تصرفه في مال اليتيم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ويصح تبرعه؟ لا، الوكيل يصح تصرفه فيما وكل فيه، ولا يصح تبرعه، إذا صالح ولي اليتيم أو إذا أسقط ولي اليتيم بعض دينه وأخذ الباقي هل يصح الإسقاط؟ لا؛ لأن ولي اليتيم لا يصح تبرعه، الوكيل إذا أسقط بعض الثمن وأخذ الباقي؛ يعني: باع السلعة وثبت ثمنها عند المشتري، فقال للمشتري: أعطني بعض الثمن، والباقي أسمح عنك، يصح ولَّا لا؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: لأن الوكيل لا يصح تبرعه، وهذا واضح.
ولكن قد يقال: إنه إذا لم يتمكن إلى الوصول إلى حقه إلا بالإسقاط فإن الإسقاط جائز؛ لما في ذلك من المصلحة.
يعني -مثلًا- هذا رجل مماطل، وأنا بعت عليه على أنه رجل موفٍ وأنه مليء، ثم تبين الأمر بالعكس، ثم صالحته على إسقاط بعض الشيء، فهنا استدراك بعض الشيء خير من فوات الكل، فيدخل في عموم قوله تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام: ١٥٢]، فإذا كان إسقاط بعض الشيء من مصلحة اليتيم فلا بأس من الإسقاط حينئذٍ.
وهل يضمن الولي في هذه الحال؟
يُنظر؛ إن كان مفرِّطًا في أصل التصرف ضمن، وإن كان غير مفرط لم يضمن؛ يعني -مثلًا- باع على إنسانٍ غني وَفِيٍّ، لكن أصابت هذا الرجل المشتري جائحة اجتاحت ماله، فأصبح فقيرًا، فهنا لا ضمان عليه، أما لو باع على شخص لا يعرفه ولا يدري عن حاله، ثم تبين أنه مماطل أو معسر، فإذا أسقط شيئًا فعليه الضمان؛ لأنه مفرِّط.
يقول المؤلف: (وإن وضع بعض الحال وأجَّل باقيه صح الإسقاط فقط) يعني: دون التأجيل، صح الإسقاط دون التأجيل.
مثال ذلك: أطلب زيدًا ألف ريال حالًّا، فجاء إليَّ وقال: أنا -واللهِ- ما عندي شيء، والدنيا حياة وموت، وأنا أبغي -جزاك الله خيرًا- أن تجعل الألف ثمان مئة وتؤجلها إلى سنة، فقال: أهلًا وسهلًا، أسقطت عنك مئتين، وبقي ثمان مئة، وهي مؤجلة عليك إلى ذي الحجة في ١٤٠٨، يصح الإسقاط؛ لأنه أسقط باختياره، فصح، دون التأجيل فلا يصح، ما يصح التأجيل، ليش؟ قالوا: لأن الحال لا يتأجل، هذه قاعدة عندهم.
وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إن الحال إذا أُجِّل تأجل؛ لأن أقل ما نقول فيه: إنه وعد، والوفاء بالوعد واجب، فإني إذا أجلت إلى سنة معناه أني وعدتك بألَّا أطالبك إلا بعد سنة، وهذا الذي قلته هو الصواب، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
أما الحال لا يتأجل بالتأجيل؛ لأنه عهدٌ ووعد، وقد قال الله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ [الإسراء: ٣٤]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام في آيات المنافق: «إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ» ، ولأن هذا الذي أجلته عليه ربما يبني على تأجيلك إياه تصرفًا يتصرفه، لولا أنك أجلته ما تصرفه، فإذا قلت: أعطني إياه الآن، تضرر.
ونظير ذلك: جئت إلى رجل وقلت: أنا الآن محتاج عشرة آلاف ريال، اشتريت سيارة بعشرة آلاف ريال ولا عندي شيء، أقرضنيها وأجلها عليَّ إلى سنة؛ لأن ما بيدي شيء، فقال: تفضل، هذه عشرة آلاف ريال وقتي مؤجلة عليك إلى سنة، أخذها الرجل واشترى السيارة، فلما اشترى السيارة أتيت إليه من الغد وقلت: أعطني عشرة آلاف ريال، لي أن أطالبه؟ على المذهب: لي أن أطالبه؛ لأن القرض حال، والحال لا يتأجل، ويش اللي ترتب من الضرر على المسكين؟ يمكن لولا أني عطيته ما اشترى السيارة (...) الأمر، أما أني أروح أقرضه قرضًا مؤجلًا إلى سنة، ومن غد آتي وأطالبه، فلا شك أن هذا حتى الفطرة السليمة ما تقبله.
أما على رأي شيخ الإسلام فيرى أنه يتأجل، وأن المسلمين على شروطهم، وما دمت اشترطت له أنه مؤجل فليكن مؤجلًا، من الذي أجبرك على أن تؤجله؟ لا أحد، إذن يكون متأجلًا.
المهم المذهب الآن إذا وضع بعض الحال، أجيبوا.
طلبة: صح.
الشيخ: إذا أجل الحال؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، بناءً على ذلك.
طالب: الدليل على صحته؟
الشيخ: الدليل أنه يخالف مقتضى العقد؛ لأن مقتضى العقد الحلول، ولا يمكن أنك تشترط ما يخالف المقتضى.
قال: (وإن صالح عن المؤجل ببعضه حالًّا أو بالعكس فإنه لا يصح) وهذه المسألة انتبهوا لها، صالح عن المؤجل ببعضه حالًّا فهو لم يصح، كيف ذلك؟
أطلب هذا الرجل عشرة آلاف ريال مؤجلة إلى سنة تحل في ذي الحجة عام ١٤٠٨، فجاء هذا الرجل إليَّ وقال: أنا الآن توفر عندي دراهم، بدي أني أعطيك إياهم، أعطيك بعض المؤجل هذا، وتسقط الباقي، فقال الطالب: وأنا -واللهِ- محتاج الآن دراهم، أنا محتاج بعض الدراهم،كم المبلغ؟ ألف ريال، فقلت: أعطني ثمان مئة الآن، وأسقط عنك الباقي، أنا انتفعت بماذا؟ بالتعجيل، وأنت انتفعت بالإسقاط، فصار النفع للطرفين.
المذهب يقولون: لا يصح، ما يجوز، يقولون: لا يجوز، لماذا؟ قال: لأن هذا ربًا، أنت الآن اشتريت أو بعت ألف ريال بكم؟
طلبة: بثمان مئة.
الشيخ: بثمان مئة، بعت ألف ريال بثمان مئة، والبيع محرم؛ بيع نقدٍ بنقدٍ مع التفاضل حرام، إذن هو ربًا فلا يصح. يقول المؤلف: وإن صالح المؤجل ببعض الحال لم يصح.
ولكن القول الثاني في المسألة: أنه يصح، أن ذلك جائز، وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال للأنصار: «ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا» في دينٍ لهم، «ضَعُوا» يعني: أسقطوا، «وَتَعَجَّلُوا» المؤجل، وهذا نص في الموضوع.
وأيضًا فإن الربا في هذا بعيدٌ جدًّا؛ لأن المدين لم يطرأ على باله حين استدان أنه سوف يرده على هذا عن قصد معجلًا، ولا طرأ على باله، فالمحظور الربا بعيدٌ جدًّا، وهذا اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله؛ أنه يجوز أن يصالح عن المؤجل ببعضه حالًّا؛ لانتفاع الطرفين.
يقول المؤلف: (أو بالعكس) أيش العكس؟ صالح عن الحال ببعضه مؤجلًا، هذه المسألة هي الأولى، هي قوله: وإن وضع بعض الحال وأجل باقيه، فهذا عليه دين ألف ريال حالًّا، فقال للدائن: أريد أن نجعلها ثمان مئة مؤجلة إلى سنة، ما الذي يصح؟
طالب: الإسقاط.
الشيخ: يصح الإسقاط دون التأجيل، لكن يصح الإسقاط إذا كان بلفظ الإسقاط والإبراء، أما إذا كان بلفظ الصلح فلا يصح؛ ولهذا هنا قال: (لم يصح) وأطلق؛ لأنه إذا وقع بلفظ الصلح فقد صالح عن ملكه ببعضه، وهذا لا يجوز.
(أو أقر له ببيت فصالحه على سكناه) أقر له مَنْ؟ الذي عنده البيت، جاء (...) مثلًا وقال: هذا البيت اللي أنت فيه هذا بيتي، قال: نعم، هذا بيتك، الحق يقال، لكن أبغيك تصالحني على الإقرار به على أن أسكنه لمدة سنة، يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز؛ لأنه صولح عن ملكه بمنفعته بمنفعة الملك، وهذا لا يجوز، ما دمت أقررت بأن البيت بيتي اطلع أنت ما تقر ولا ساعة، قال: هذا بيتك صحيح، وهو لك، وأبغي أصالحك على أن أبني فوقه غرفة، وصالح على ذلك، يصح؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنه (...).
الشيخ: إذا قال: اللي فوق ما هو لك، أقول: لي، نعم، لي إلى السماء، إذا مرت الطيارة من فوق أمنعها من فوق بيتي، ما هو لي إلى السماء، ولي إلى الأرض السابعة ولَّا لا؟
أنا بين بيتي رجل وجاء من أسفل يحفر خندق لأجل يطلع على بيته الثاني، لي أني أمنعه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أمنعه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لا، ما يصير، شوف الآن ما شفت النفق في مكة، الأنفاق فوقها جبال عظيمة، (...) نفق تحت بيتك، له يمنعه ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ويش الدليل؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» قال: أنا لي إلى الأرض السابعة، ما لك حق أنك تدخل من تحت أرضي.
هذا الرجل قال: أصالحك على أن أبني فوقه غرفة والبيت بيتك، يقول المؤلف: إنه؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن هذا ملكي، كيف تصالحني على ملكي؟!
(أو يبني فوقه غرفة، أو صالح مكلفًا ليقر له بالعبودية) قال: تعالَ، فيه ملك يشتري العبيد، وأبغي أصالحك على أنك تكون أنت عبدي وأبيعك عليه، ونأخذ الدراهم، والثمن بيننا، وأنت (...) عنده اهرب (...)، فاهمون الصورة هذه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: قال: أنا عبدك (...) على هذا الملك، وخليه يعطيك العوض، وأنا -إن شاء الله- (...) هربت ففعل، هذا يصح ولَّا لا؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش ما يصح؟
طالب: لأنه مكلف.
الشيخ: لأنه مكلف حرٌّ، وقد قال الله تعالى: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» .
ومن الغرائب -غرائب الصدف- أن رجلين اتفقا على هذا؛ على أن يكون أحدهما عبدًا للآخر ويهديه على ملك من الملوك، هذه واقعة من مدة يمكن (...) أكثر من ثمانين سنة، اتفق وإياه وراحوا للأمير، وقال: واللهِ، يا طويل العمر، أنا رأيت أنك محتاج إلى خادم وإلى عبد، وعندي هذا العبد عبدٌ طيب وشهم وهمام وخفيف (...)، والآن هو هدية لك، فقال الأمير: قبلت، بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، ويش (...) نعطيك اللي يرضيك، يا فلان ادع لي بالحلاق علشان يخصاه؛ لأننا نحب أن يكون عند النساء، فإذا خصيناه ما عاد يأتي النساء.
الآن وقعت ورطة كيف يتخلص؟ هذه وقعت يحكيها لنا الكبار يقولون: فعلًا وقعت هذه، فورط الرجل الآن ماذا يقول؟ هل يقول: هذا كذب؟ هل يقول: (...) بالشفاعة والوساطة، يا اللهِ، يصل إلى أن يسمح عنه، ويعلمونه بالقضية، وإنا كلنا محتاجين، أنا محتاج، وهذا أيضًا محتاج، واتفقنا على أن يقر بأنه عبد لي، وأنت تعطينا ما شاء الله وبعدين يهرب، لكن كان الأمير -الله يغفر له- كان الأمير حليمًا، فلما علم أن هذه الحيلة مدبرة من أجل الحاجة سمح عن الجميع، وأعطى كل واحد منهم ما تيسر وخلاهم يروحون، إي نعم.
طالب: (...)؟
الشيخ: يعني يبيعه؟
الطالب: لا، يعني (...).
الشيخ: هذا أمير ما (...) ولَّا عاد العلماء يقولون: لو أنه فعل هذا عتق العبد أو أنه حرام ويعتق العبد؛ لأنه تمثيل، لكن الشاهد من هذا المكر، شوف اللي يمكر دائمًا يُمْكَر به (...).
(أو امرأة لتقر له بالزوجية) فهو ما يجوز؛ يعني: أمسك امرأة وقال: هذه ألف ريال وأقري بأنك زوجتي، هذا حرام، ما يجوز؛ لأن الزوجية لا تثبت إلا بعقدٍ شرعيٍ صحيح، والمرأة لا تملك أن تبيع نفسها، كما لا تملك أن تهب نفسها إلا للنبي صلى الله عليه وسلم.
ما الذي يريد الإنسان من امرأة أن تقر له بالزوجية؟ يمكن يكون هناك راتب من الدولة لا يُعْطَى إلا لمن له زوجة، وهذا رجل ما عنده زوجة حقيقة، فأتى بامرأة وقال: تعالِ، أقري لي بالزوجية؛ بأنك زوجتي، وما حصل من الدولة فهو بيننا، أو أقري لي وأعطيك كذا وكذا، ويكون ما يحصل له هو وحده.
فالمهم أن هذا أمر واقع، كما أنه يقع من بعض الناس (...) تكون الدولة ترتب راتبًا لمن ليس له زوجة، فيأتي ويكتب طلاق زوجته، ويشهد على ذلك وهو كاذب، أو يطلقها فعلًا، وإذا حصل من الحكومة ما رتب على عدم الزوجية راجعها.
طالب: (...)؟
الشيخ: الآن موجود، هذا حرام، لا يجوز، وهو من التلاعب بآيات الله عز وجل. المهم إذا صالح امرأة لتقر له بالزوجية فالصلح غير صحيح.
لو كانت المرأة زوجته حقيقة وأنكرت أنها زوجته، وقالت: أبدًا، ما أعرفك ولا تعرفني، قال: أنا متزوجك (...)، فين الشهود؟ الشهود قد ماتوا، ووثيقة النكاح ضاعت، ما بقي الآن إلا أيش؟
طلبة: إقراره.
الشيخ: إلا إقراره.
طالب: العقد في المحكمة ما يجوز؟
الشيخ: على كل حال، هذا اللي إحنا نقوله، نحن نفرض الآن أن الوثيقة ضاعت والشهود ماتوا، ما يثبت النكاح الآن إلا بإقرارها، فصالحها لتقر له بالزوجية، فما حكم هذا الصلح؟
طلبة: (...).
الشيخ: هذا جائز بالنسبة للرجل، أما بالنسبة للمرأة.
طالب: حرام.
الشيخ: فحرامٌ عليها، حرامٌ عليها أن تأخذ عوضًا عن هذا الإقرار؛ لأنها امرأته، ولكن بالنسبة له يجوز أن يبذل العوض؛ لأن فيه استنقاذًا لحقه.
ونظير ذلك لو أن أحدًا أخذ منك شيئًا، أخذ منك مالًا وأبى أن يقر أنه لك إلا بعوض تعطيه إياه، فأعطيته العوض، فهنا بالنسبة لك جائز، وبالنسبة له محرم.
قال المؤلف: (وإن بذلاهما له صلحًا عن دعواه صح) (إن بذلاه)؟
طالب: (بذلاهما).
الشيخ: (إن بذلاهما) عندكم، (وإن بذلاهما له صلحًا عن دعواه صح) (بذلاهما) الفاعل في (بذل) يعود على العبد والمرأة، والضمير المثنى في (هما) يعود على العوضين؛ يعني: وإن بذلت المرأة عوضًا لمن ادعى أنها زوجته صلحًا عن دعواه صح، وإن بذل العبد العوض صلحًا عن دعوى العبودية صحَّ.
مثال ذلك: رجل أمسك امرأة وقال: أنتِ زوجتي، امشِ أقري عند القاضي أنكِ زوجتي، قالت: أبدًا، لست زوجة لك، فصالحته هي على دعواه قالت: دعني، وأنا أعطيك كذا وكذا من المال، يصح ولَّا ما يصح؟ يصح للزوجة؛ لأنها تدفع عن نفسها باطلًا، ولا يصح بالنسبة للزوج؛ لأنه زوج مدعٍ وهو كاذب.
إذا كانت زوجته حقيقة وأنكرت وبذلت صلحًا عن دعواه؟
طلبة: (...).
الشيخ: يصح من جهته هو، ولا يصح من جهتها هي.
لو أنها قالت: خذ هذا وطلقني، صار هذا من باب الخلع، فلا بأس به، أما أن تعطيه مصالحة عن دعواه فإن هذا لا يصح إذا كانت هي زوجته حقيقة.
والحاصل أن من ادعى زوجية امرأة؛ فإما أن تقر، أو تنكر، إن أقرت فهي زوجته، وإن أنكرت؛ فإما أن تكون زوجة له في الواقع، أو لا، إن كانت غير زوجة له فإنكارها صحيح وجائز، وأخذ عوض على ذلك يُعْتَبر حرامًا، وإن أنكرت وهي صادقة فإنكارها جائز، وأخذ المدعي عليها عوضًا عن ذلك يُعْتَبر حرامًا؛ لأنه أكل للمال بالباطل.
طالب: (...)؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: (وإن بذلاهما صلحًا عن دعواه صح).
الشيخ: معناه: لو ادعى شخص على إنسان بأنه عبده، وقال: ما أنا بعبدك ولا شيء، ولا أعرفك، فألح عليه وأراد أن يخاصمه ويراجعه إلى القاضي، فقال المدعى عليه: أنا أبغي أصالحك على ها الدعوة، هذه مصالحة، هذه -مثلًا- خمس مئة ريال وفكني وأفكك، يكون جائزًا هذا؟
طالب: كيف يجوز؟! هذا ظلم.
الشيخ: ما هو على كل حال ظلم، قد يكون صادقًا في دعواه، إي نعم.
طلبة: (...).
الشيخ: ما عنده شهود، الآن المسألة متوقفة على إقرار هذا العبد، والعبد ما هو بمقر العبد، وإذا كان هذا المدعي كاذبًا وبذل صلحًا عن دعواه صح بالنسبة للمدعى عليه، أما بالنسبة للمدعي فهو حرام، وسيأتي إن شاء الله.
طالب: (...)؟
الشيخ: صح بذهاب المعروف؛ لأنه سيأتينا -إن شاء الله- في باب الصلح على إنكار أن الكاذب لا يصح الصلح في حقه.
طالب: (...)؟
الشيخ: يقول: (وإن بذلاهما له صلحًا عن دعواه صح، وإن قال: أقر بديني وأعطيك منه كذا ففعل صح الإقرار لا الصلح) رجل منكرٌ دينه؛ الدين الذي عليه، فقال صاحب الدين: أقر به وأعطيك كذا وكذا، يقول المؤلف: (صح الإقرار لا الصلح) صح الإقرار؛ لأنه وقع من أهله، ولا يصح الصلح؛ لأنه أكل للمال بالباطل.
مثال ذلك: إذا قدرنا أن ياسرًا يطلب طلالًا عشرة آلاف ريال هكذا؟
طالب: ما أطلبه.
الشيخ: إي، هو اللي يطلبك.
الطالب: هو ما يطلبني.
الشيخ: ما يطلبك؟ طيب أنا بفرض أنه يطلبك عشرة آلاف ريال، فجاء ذات يوم ياسر وقال: أعطني العشرة آلاف ريال، قال: ما عندي لك شيء أبدًا، عندك بينة، ياسر ما عنده بينة؛ لأنه رجل واثق من زميله، في هذه الحال يضيع حق ياسر؟ إي، يضيع، يضيع حق ياسر؛ لأنه لو ترافع إلى القاضي سيحلف طلال أنه ما عنده له شيء ويمشي، لكن كان ياسرٌ ذكيًّا وقال له: أقر بديني عشرة آلاف ريال وبعطيك ألف ريال، هذا أزيد لك، تزيد ألف ريال، وتبرأ ذمتك، وبدأ يحسن له الإقرار، فأقر قال: نعم، عندي لك عشرة آلاف ريال، يصح هذا الإقرار ولَّا ما يصح؟ يصح، أما الصلح فلا يصح.
ماذا يلزم طلال؟ يلزمه العشرة كاملة، يقول: يعطني زي ما أعطى العشرة الكاملة، قال: اتق..





