كتاب البيع (الشرح الأول) - 22
عدد الزيارات 1548

الشيخ: فقير.
طالب: الموكّل.
الشيخ: الموكّل اللي معي، لكن أنا واثق من هذا الرجل، أليس يجوز أن أوكل شخصًا في شراء شيء غائب عني ولو اشتريته أنا وهو غائب عني؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز، لكن يجوز إني أوكل، فمعنى هذا إني لو باشتري ذراعًا (...) مدة، معناه على كلامك ما يجوز؛ لأني ما شفته، لكن يجوز إني أوكل واحدًا يشتريها لي، إذن هذا مستثنى.
رجل ما يشم الرائحة، يبغي يشتري طِيبًا، قطعًا اللي ما يشم يمكن يجيبوا له خبيزة أسود، وجابوا له مثلًا..
طالب: دهن عود.
الشيخ: لا، دهن العود فيه سواد شوي، لكن ماء الورد أبيض، قالوا: هذا خبيزة، هذا دهن عود طَيِّب، وهو أسود مر، وهذا (...) ويش اللي يشتري؟
طالب: يشتري خبيزة.
الشيخ: نعم، بيشتري خبيزة، هذا الرجل قال: ما أشتري، أبغي أوكل واحدًا بيشم علشان يشتري لي طِيبًا، يجوز ولّا لا؟
طلبة: نعم يجوز.

الشيخ: يجوز، على هذا إذن هذه مستثناة من قوله: (ومن له التصرف في شيء فله التوكيل فيه). نقول: يُسْتَثْنَى من ذلك ما يُشْتَرَط لعلمه الرؤية، فإن الأعمى يجوز أن يوكِّل فيهم بصيرًا يشتري له، وما يشترط لصحة بيعه الشم فلمن لا يشم أن يوكِّل، وما يُشْتَرَط لصحة بيعه العلم به، هو لا يعلم بهذه الأشياء، لكن وَكَّلَ شخصًا في ذلك فإنه جائز، المهم أن مثل هذه المسائل تجوز؛ لأن هذه من الْحِكَم، (...).
(وله التوكُّل فيه)، يعني مَن له التصرف في شيء فله أن يتوكَّل فيه، فمن ليس له أن يتصرف في شيء فليس له التوكل، هذه قاعدة عامة ولا يُسْتَثْنَى منها شيء؟
طالب: يُسْتَثْنَى منها.
الشيخ: يُسْتَثْنَى منها شيء؛ من ليس له التصرف في شيء فليس له أن يتوكل فيه، لكن يُسْتَثْنَى من هذا شيء، مثلًا فقير وَكَّلَ غنيًّا في قبض الزكاة له، الغني يجوز يأخذ الزكاة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لكن لو وَكَّلَه الفقير في قبض الزكاة له يجوز، إذن هذا جاز أن يتصرف لغيره بالوكالة، ولا يجوز أن يتصرف لنفسه، امرأة يجوز أن تطلِّق نفسها؟
طالب: لا.
الشيخ: وكَّلها زوجها بطلاق نفسها.
طالب: يجوز.

الشيخ: يجوز، لماذا؟ لأن هذا لمعنى يتعلق بالزوج، والزوج قد أذن فيه، بخلاف ما إذا طلقت هي نفسها، فصارت القاعدة هذه يُسْتَثْنَى منها شيء، ثم قال المؤلف (ويصح للتوكيل).
طالب: التوكيل والتوكل ويش معناه؟
الشيخ: التوكيل هو الصادر من الموكِّل، والتوكُّل الصادر من الوكيل، يعني أتوكل أكون وكيلًا لك، أُوَكِّل يعني أقيم غيري مقامي.
يقول المؤلف: (ويصح التوكيل في كل حقِّ آدميٍّ من العقود والفُسُوخ والعتق والطلاق والرجعة وتملُّك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه، لا الظِّهار).
حقوق الآدميين تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم يصح التوكيل فيه مطلقًا.
وقسم لا يصح مطلقًا.
وقسم يصح عند العذر.
القسم الذي يصح مطلقًا، يقول: (يصح التوكيل في كل حق آدمي من العقود)، سواء كانت العقود عقود تبرعات، أو معاوضات، أو أنكحة، أو توثيقات، أو غير ذلك، مثال عقود المعاوضات: وكَّلْتك تبيع لي شيئًا أو تشتري، أو لا؟
الدليل؛ أولًا: قلنا إن الأصل في العقود الحل، فلا يطالَبَنَا أحد بالدليل؛ لأن المانع هو الذي عليه الدليل، وعلى هذا فنقول: الدليل هو عدم الدليل، فإذا قال لنا قائل: ما هو الدليل على الحل؟ نقول؟
طالب: الدليل عدم الدليل.
الشيخ: الدليل عدم الدليل، أي: عدم الدليل على المنع؛ لأن الأصل في العقود الحل؛ هذه العقود.
قال: (والفسوخ)، كيف أُوَكِّل في الفسخ، الفسوخ مثل الْخُلع، الْخُلع فسخ للنكاح، مَن الذي يُوَكِّل في الخلع؟ الزوج أو الزوجة؟
طلبة: الزوج.
الشيخ: كيف ذلك؟
طالب: أن يقول الزوج: أنا موكلك على الطلاق بالنسبة (...).
الشيخ: لا، هذا طلاق.
الطالب: الْخُلع.
الشيخ: الْخُلع غير الطلاق.
الطالب: الْخُلع اللي هي يخلع الطلاق.
الشيخ: يخلع الزوجة يعني؟
الطالب: إي.
الشيخ: لا، يخلعها بأيش.
الطالب: بالطلاق. (...)
الشيخ: فيذهب الوكيل إلى الزوجة ويقول: إن زوجك قد وَكَّلَنِي في خلعك، فكم تفديني من الدراهم مثلًا؛ لأن الخلع هو فراق الزوجة بعِوَض، قالت: أنا بعطيك مثلًا عشرة آلاف ريال، قال: هاتيها، فيكتب الوكيل: خالعت زوجة موكلي فلان فلانة على عِوَض قدره كذا وكذا.
هنا التوكيل منين؟ من الزوج، ولا بد أن نقول: هذا زوجة موكلي فلان فلانة، يسميها.
يكون أيضًا التوكيل من الزوجة، كيف؟ تقول لإنسان: وكلتك تخالعني من زوجي بعشرة آلاف ريال، فيذهب هذا الوكيل إلى الزوج ويقول: إن زوجتك وكلتني في مخالعتك، فخالعها، فيقول الزوج: خالعت زوجتي فلانة على عِوَض قدره كذا وكذا، سلَّمَني إياه وكيلُها، وإذا لم يكن سلَّمها الوكيل ما فيه مانع، المهم أنه يجوز التوكيل في الخلع من الزوج ومن الزوجة، الإقالة يجوز التوكيل فيها ولّا لا؟
طالب: ويش الإقالة؟
الشيخ: ويش الإقالة؟ الإقالة هي فسخ عقد البيع أو الإجارة أو غيرها، مثاله: اشتريت منك سيارة، ثم إن السيارة ما جزتني، فرجعت إليك وأنت البائع، وقلت: السيارة ما جزتني، ودِّي تقيلني البيع، فقلت: نعم أقيلك، هذه الإقالة، لو وَكَّلْت إنسانًا يقيلني في الإقالة يجوز ولّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: سواء من البائع أو من المشتري، هذا فسخ، هذا نسميه فسخًا، ما الفرق بين العقد والفسخ؟
العقد هو إيجاد العقد، والفسخ إزالة العقد، فالعقد إيجاد، والفسخ إزالة، والله أعلم.
(...).
يقول المؤلف رحمه الله: (العتق)، يعني أن أُوَكِّل فلانًا يعتق عبدي فلانًا، ما فيه مانع، وكَّلْت العبد نفسه في عتق نفسه، يجوز ولّا لا؟
طالب: نعم يجوز.
الشيخ: يجوز كذلك أيضًا الطلاق، يجوز أن أوكِّل شخصًا يطلق زوجتي مثلًا، حتى الزوجة؟
طالب: نعم.
الشيخ: حتى الزوجة يجوز أن أوكلها في طلاق نفسها، مثل أن تقول مثلًا المرأة لزوجها: طلِّقْنِي، أتعبتني وفعلت وفعلت وفعلت، فقلت لها: أنت وكيلة في طلاق نفسك، متى شئت طَلِّقِي نفسك، فيجوز، وماذا تقول عند إيقاع الطلاق؟ تقول: طلقت زوجي فلانًا؟
طلقتُ نفسي من فلان، كذا؟
طالب: من زوجي.
الشيخ: من زوجي فلان.
طالب: أو موكلي.
الشيخ: أو موكلي فلان، لكن لا تقول: طلقت فلانًا، ما يصلح؛ لأن الطلاق إنما يقع من الزوج على زوجته.
والثالث: (والرجعة )، الرجعة يكون رجل قد طلق زوجته طلاقًا فيه رجعة، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما هو الطلاق اللي فيه الرجعة، فوكَّل إنسانًا يراجع زوجته، قال لرجل: أنت ذاهب إلى البلد الفلاني الذي فيه زوجتي، فأنت وكيلي في مراجعتها، فيذهب الوكيل إلى الزوجة ويقول: قد راجعتك بالوكالة عن زوجك، تصح ولّا ما تصح؟ تصح، هذه الرجعة.
(وتملُّك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه)، وكَّلت إنسانًا في تملُّك المباحات من الصيد، ورأيت صيدًا شارعًا على ماء، يعني قد وقع على الماء يشرب منه، فقلت لشخص: خذ هذه البندقية واذهب اصطده بالوكالة عني، فذهب الرجل وصاد الصيد، يصح ولّا لا؟
في ماء للطيور أو للأسماك، إذا كان في البحر فقلت لشخص جالس على الماء اللي فيه الشبكة، قلت: إذا جاء صيد من طيور أو سمك فأنت وكيلي في إمساكه، فجلس هذا الرجل عند الشبكة، فإذا جاء الصيد أمسكه بالشبكة، أو الحيتان أمسكها بالشبكة، يجوز ولّا لا؟ يجوز؛ لأن هذا فعلٌ مباح اسْتَنَبْتُ فيه غيري، فهو جائز.
كنت أريد أن أحش حشيشًا؛ لأنه قال: (من الصيد والحشيش)، حشيشًا لإبلي، ولكن عندي شغل بعد الظهر، فقلت لشخص: وكَّلتك أن تحش عشاء إبلي، يجوز ولّا لا؟ يجوز، وإذا حش الحشيش يكون لي ولّا له؟ يكون لي؛ للموكِّل، فإذن يجوز التوكيل في تملُّك المباحات؛ الحشيش.
وقول المؤلف: (المباحات) يعني بالمباحات هي التي لم تكن على ملك الغير، يعني اللي تأتي من الله ما هي بعلى ملك الغير، أما مثل الدجاج لفلان، والظباء لفلان، والعلف الذي يسقى لفلان، فهذا هو مباح، لكن لا يسمى عند العلماء مباحات، المباح هو الذي حصل من غير صنع آدمي، مثل الكلأ اللي هو الحشيش، أو الصيد؛ سواء كان الصيد بريًّا أو بحريًّا، عرفتم المباحات ما هي؟
ويش هي المباحات؟ الذي ليس فيها صنع آدمي، إنما هي من الله عز وجل، يقول: (تملُّك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه)، مثل إحياء الموات، معلوم إن الأرض الموات اللي ما لها مالك لا يملكها الإنسان إلا بإحيائها، فوكَّلت إنسانًا يحييها عني، يعني يضع عليها جدارًا أو يزرعها، هذا جائز ولّا لا؟ هذا جائز.
قال: (لا الظِّهار واللِّعان والأيمان)، الظِّهار لا يصح فيه التوكيل، مثاله: رجل عنده زوجة سيئة العِشْرة، فقال لشخص آخر: يا فلان، جزاك الله خيرًا، هذه المرأة أتعبتني، وَكَّلْتُك في أن تظاهِر عني منها، الظِّهار أن يقول الرجل لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي، فقال الرجل الوكيل: نعم، ثم ذهب إلى الزوجة فقال لها: أنت على زوجك كظهر أمه، يصلح ولّا ما يصلح؟
طالب: ما يصلح.
الشيخ: هذا لا يصلح؛ لأن الظهار مما يتعلق بنفس الشخص، كاليمين والقسم بين الزوجات، وما أشبه ذلك.
اللعان أن توكِّل شخصًا يلعن شخصًا، تقول: يا فلان، من فضلك روح العن فلانًا عني، يصلح ولّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ما يصلح؟
طالب: ليس هذا.
الشيخ: ليس هذا المراد، المراد باللعان ما يكون بين الزوج وزوجته، وهي أيمان مؤكَّدة بشهادات سببها قذف الزوج زوجته بالزنا، يعني إذا قال رجل لزوجته -والعياذ بالله-: زنيتِ، هذا قذف بالزنا، يقال له: الآن إما أن تأتي ببينة، أو تُقِرّ المرأة بالزنا، أو نجلدك ثمانين جلدة، أو تلاعِن، يُخَيَّر بين أمور أربعة، يعني لا بد من واحد من أحوال أربعة؛ إما أن يأتي ببينة بأنها زنت، فماذا نصنع؟
أجب على هذا السؤال.
طالب: ماذا نصنع؟
الشيخ: إي.
الطالب: (...).
الشيخ: لا لا.
الطالب: الملاعنة.
الشيخ: انتهينا من التخيير.
الطالب: هو اختار الملاعنة؟
الشيخ: ما أدري، أجب عن سؤالي.
الطالب: تُرْجَم المرأة.
الشيخ: تُرْجَم المرأة إن كان قد جامعها، وإن كانت بكرًا فإنها تُجْلَد وتُغَرَّب، المهم يقام عليها الحد، نقول: إذا أتى بالبينة وهي التي سألت عنها يقام عليها الحد، إذا أقرَّت.
طالب: إذا أقرَّت يقام عليها الحد.
الشيخ: يقام عليها الحد، صح، إذا لاعن سقط الحد عنه وعنها، إن أبى أن يلاعن جُلِدَ ثمانين جلدة؛ حد القذف، المهم أن هذا الزوج قذف زوجته ولم يأتِ ببينة، ولم تُقِرّ الزوجة، واختار اللعان، اللعان يقول: أشهد بالله أن زوجتي فلانة قد زنت، أربع مرات، ويقول في الخامسة: وأن لَعْنَة الله عليه إن كان من الكاذبين، فقال لرجل من الناس، وكان هذا الزوج في نفسه رفيعًا وشريفًا، قال: ما أنا برايح للقاضي علشان فلانة اللي فيها ما لا فيها، ولكن يا خادم روح لاعن عني، هذه ما هي بكفء إني أنا أحضر عند القاضي من أجلها، روح أنت لاعن عني، الخادم يأبى ولّا يمشي، يمشي، خادم، يجوز ولّا ما يجوز؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟ لأن اللعان يتعلق بالإنسان نفسه، الخادم اللي بيقول: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين؟! ما يقول هذا، والخادم أيضًا ما قذف فلا يجوز أن يوكَّل في اللعان.
المرأة؛ المرأة قالت لأبيها: أنا أستحيي أن أذهب إلى القاضي، وأنت وكيلي يا أبي في الملاعنة عني، يجوز؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، ليش؟ لأن هذا يتعلق بالشخص نفسه، يهودي عليه جزية، أو نصراني عليه جزية، وكان موعد أخذ الجزية من النصارى في يوم الاثنين، تعرفون كيف نأخذ الجزية منهم؟ عن يد وهم صاغرون، فقال اليهودي لخادمه، أو النصراني قال لخادمه: اذهب أَعْطِ المسلمين الجزية، أنا ما يمكن أذهب إليهم، اذهب أنت، فذهب الخادم وأعطى الجزية، يصح التوكيل ولّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ هذا يتعلق بالإنسان نفسه، ولهذا إذا جاء بها لا بد أن يسلِّمها عن يد، يعني من يده أو عن يد، أي عن قوة منا عليه، وهو أيضًا صاغر، لو جاء يعطي الجزية على سيارة كاديلك، والخدم بين يديه، وربما نقول: يضربون الطبول أمامه، يقول الناس: تفرقوا عن سيدنا، تفرقوا عن سيدنا، وعلى رأسه ريشة النعام، حتى جاء ووقف على الوالي أو الجابي للجزية، وقال في أنف شامخ: خذ يا ولد، يجوز ولّا لا؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: لا، ما يجوز طبعًا، ما نُمَكِّنُه من هذا أبدًا، العلماء يقولون: يأتي إلينا ليسلم الجزية، ولا نأخذها على طول، خليه يبقى واقفًا، حتى نعلم أنه تعب من الوقوف، نطوّل وقوفه حتى لو ما عندنا شغل، ثم إذا أخذناها منه ما نأخذها بسهولة، نأخذها ونجر إيده حتى ربما تملكَنْ إيده من كتفه، لماذا؟ يقولون: هذا معنى عن يد.
لا بد يكون عندنا قوة، ونريه أننا أعزة، لكن لا وَكْس ولا شطط، لا نقول بالأول اللي جاء يزمر علينا بسياراته وخدمه وفخمه، ولا نقول بالثاني، المهم أن يأتي بها ذليلًا ويسلمها إلينا، هذا المهم، ونسأل الله تعالى أن يعيد للمسلمين هذا المجد الذي فقدوه بفقدهم كثيرًا من دينهم.
إذن نقول: الجزية لا يجوز فيها التوكيل؛ لأنها تتعلق بمن؟ بنفس الشخص.
(والأيمان) أيضا ما فيها توكيل، ويش معنى الأيمان؟
الأيمان اليمين، سواء كانت في خصومة أو في غير خصومة، اليمين لا بد من نفس الحالف، فلو ادعى رجل عند القاضي على شخص بمئة درهم، قال القاضي للمدَّعِي: ألك بينة؟ قال: لا، ماذا يقول للخصم؟ يقول: عليك اليمين، إذا رضي الخصم بيمينه يحلف، قال: علي اليمين؟ قال: عليك اليمين. قال: فأنا وكلت فلانًا يحلف عني، يصلح؟
طلبة: ما يصلح.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنها ما تتعلق به.
الشيخ: لأن هذا يتعلق بشخص الإنسان؛ لأن اللي بيحنث أو يَبَرّ باليمين هو الحالف الذي تتعلق به بشخصه، فلا يجوز أن يوكّل في الأيمان.
القاعدة في هذا: كل شيء يتعلق بشخص الإنسان أو بنفس الإنسان شخصيًّا فإنه لا يجوز أن يوكّل فيه، رجل عنده زوجتان، وكانت الليلة لفلانة، فقال لأخيها: أنا عندي شغل، واذهب الليلة لها بدلًا عني، طبعًا في غير الفراش؛ لأن القسم ما هو لازم الفراش، القسم المهم أن يبقى عندها، فقال: اذهب لأختك بدلًا عني، يجوز ولّا لا؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: لا يجوز، نعم لو قال مثلًا: أنا عندي شغل واذهب لأختك لإزالة الوحشة عنها فقط، لا باعتبار أنه عن القسم، فإن هذا لا بأس به، وأنا الآن ما وكلته عني، ولكنني طلبت منه أن يتفضل بأن يذهب إلى أخته ليؤنسها فقط، إي نعم.
قال: (وفي كل حق لله تَدْخُلُه النيابةُ من العبادات).
(كل حق لله) قيَّدَه المؤلف بقوله: (تَدْخُلُه النيابةُ)، أما في الأول فقال: (في كل حقِّ آدميٍّ)، وقسم المؤلف حق الآدمي إلى قسمين: قسم تدخله النيابة، وقسم لا تدخله، فما يتعلق بشخص الإنسان لا نيابة فيه، ولا وكالة فيه، وما لا ففيه الوكالة.
حق الله أيضا ينقسم لا إلى قسمين، بل إلى ثلاثة أقسام:
قسم تدخله النيابة مطلقًا.
وقسم لا تدخله مطلقًا.
وقسم تدخله بتفصيل، ولننظر، قال:
(وفي كل حق لله تدخله النيابة من العبادات)، فالضابط أن كل العبادات المالية تدخلها النيابة، كتفريق زكاة، وصدقة، وكفارة، هذه كلها تدخلها النيابة، العبادات المالية تدخلها النيابة؛ تفريق زكاة؛ وكَّلت إنسانًا أن يفرِّق الزكاة، جائز ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: جائز أن أوكِّله لتفريق الزكاة؛ لقبض الزكاة، فقير وكَّل شخصًا يقبض الزكاة له؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، كفارة، إنسان عليه كفارة يمين؛ إطعام عشرة مساكين، نقول: يجوز أن توكِّل مَن يطعم عشرة مساكين.
القاعدة إذن أو الضابط: جميع الحقوق المالية تدخلها النيابة، يعني جميع العبادات المالية تلحقها النيابة،
العبادات البدنية لا تصح فيها الوكالة، مثل الصلاة والصيام والوضوء والتيمم، وما أشبهها، هذه عبادة بدنية تتعلق ببدن الإنسان فلا يمكن أن تدخلها النيابة.
أقول: كل عبادة بدنية لا تدخلها النيابة، مثل: الصلاة، الطهارة، والصوم؛ لأن هذه تتعلق بنفس الفاعل، عبادة تكليفية يكلَّف بها الفاعل نفسه، فلا تصح أن يقوم بها غيره، لو قلت لشخص مثلًا: اذهب فَصَلِّ عني، هذا لا يُقْبَل ولا يصح، تَطَهَّر عني وأنا أصلي، لا يصح؛ لأن هذه عبادة بدنية، والعبادة البدنية لا يصح فيها التوكيل.
لو وكَّلت شخصًا يستفتي عني، هذا لا بأس به؛ لأن هذا نقل علم، وهو يقصد به الإخبار فقط، ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم يوكِّل بعضهم بعضًا في استفتاء النبي صلى الله عليه وسلم.
فإن قلت: يرد على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» ، فإن هذا يدل على أن العبادة البدنية تكون فيها نيابة؟
فالجواب: إن هذا ليس عن طريق التوكيل، ولكن هذا تشريع من النبي عليه الصلاة والسلام، فهو في الحقيقة أصيل وليس بوكيل، ولهذا يصوم الإنسان عن ميته، سواء أوصى به أم لم يُوصِ به، فالمسألة هنا ليست من باب الوكالة، لكنها من باب القيام مقام الشخص بأمر من الشرع.
القسم الثالث من العبادات هو الذي يصح فيه التوكيل على التفصيل، وهو العبادة المركَّبة من البدن والمال، مثل الحج، الحج يجوز فيه التوكيل في الفرض للذي لا يستطيع أن يحج، يعني معناه أنه عاجز عن الحج عجزًا مستمرًّا، هذا يجوز أن يوكِّل في فرض الحج، فإن كان غير عاجز فإنه لا يجوز أن يوكِّل، ولولا أن الحديث ورد بذلك ما أجزناه حتى في العاجز، الحديث الوارد في هذا، في جواز توكل الإنسان في الحج عن العاجز.
طالب: (...) المرأة الَّتِي استفتت النبي صلى الله عليه وسلم على أن والدها لا يستطيع أن يركب الراحلة (...) صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: إي نعم، فصارت الحقوق كلها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم تجوز فيه الوكالة مطلقًا، وضابطه في العبادات المالية.
وقسم لا يجوز مطلقًا، وضابطه في العبادات البدنية.
وقسم يجوز على تفصيل في ذلك، وهو العبادة المركَّبة كالحج، على أن الحج مَرَّ علينا أن القول الراجح أنه من العبادات البدنية، أما الذي يكون عبادة بدنية ومالية فهو الجهاد، فإن الله تعالى أمر بالجهاد بالمال وبالنفس، أما الحج فإنه عبادة بدنية في الواقع، والمال ليس شرطًا به ولا ركنًا، بدليل أنه يمكن للإنسان أن يحج على قدميه، سواء من مكة أو من بلده، فإن من الناس من يحج على قدميه من بلده حتى يرجع إليهم.
(...).
ويصح التوكيل في الحدود، الحدود سبق لنا قريبًا تعريفها، وقلنا: إنها جمع حد، وهو في اللغة: المنع، وفي الاصطلاح: عقوبة مقدَّرة شرعًا في معصية لتمنع من الوقوع في مثلها، وتكفِّر ذنب صاحبها، كحد الزنا مثلًا، فيصح أن توكِّل شخصًا في حضورك في إثباتها واستيفائها؛ في إثباتها بأن يقول الحاكم لشخص: اذهب إلى فلان ليُقِرَّ بما يقتضي الحد، هذا في إثباتها، واستيفاؤها يكون المذنب قد اعترف وثبت الحد، فيوكِّل مَن يقيم هذا الحد، نقول: هذا لا بأس به.
الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لأنيس -رجل من الأنصار-: «اذْهَبْ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» ، هذا فيه توكيل في إثبات الحدود وفي استيفائها؛ «فَإِنِ اعْتَرَفَتْ» هذا إثبات، «فَارْجُمْهَا» هذا استيفاء، إذن يجوز أن يُوَكَّل في الحدود لإثباتها واستيفائها.
في القصاص؛ لو أن أهل الميت الذين وجب لهم القصاص وَكَّلُوا شخصًا يقتص منه، يجوز ولّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن أولياء المقتول هم الذين يباشرون قتل القاتل، ما هو الحاكم، الحاكم والسلطان يباشر قتل القاتل في الحدود، لكن في الحقوق الذي يباشر هو صاحب الحق، قال الله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ [الإسراء: ٣٣]، فَلَا يُسْرِفْالضمير يعود على مَن؟
طالب: الولي.
الشيخ: الولي، إذن هو اللي بيقتل، فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا [الإسراء: ٣٣].
هل يجوز الاستيفاء؛ استيفاء الحدود في غيبة الموكِّل؟ قلنا: لا بد من حضور الموكِّل، يجوز في غيبة الموكل؛ لأن الوكيل يقوم مقام موكله، وهو ظاهر الحديث الذي أشرنا إليه آنفًا، حيث قال: «إِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» ، ولم يقل: فأت بها، أو فَآذِنِّي حتى أحضر، فدل ذلك على جواز الاستيفاء بحضرة الموكِّل وغيبته.
ثم قال: (وليس للوكيل أن يوكِّل فيما وُكِّلَ فيه إلا أن يجعل إليه)، الوكيل هو مَن أَذِنَ له في التصرف، إذا كان تصرف الوكيل معتمدًا على الإذن وموقوفًا عليها فإنه لا يجوز أن يتصرف الوكيل في أمر لم يؤذَن له فيه، وعلى هذا فليس له أن يُوَكِّل فيما وُكِّل فيه إلا أن يُجْعَل إليه.
مثال ذلك: وَكَّلْتُكَ أن تبيع لي هذا الكتاب، ليس لك الحق في أن تأخذ مني الكتاب وتُوَكِّل شخصًا آخر، إلا إذا جعل ذلك إليه، ويش معنى جعل إليه؟ بأن قال له: ولك أن تُوَكِّل مَن شئت.
فإذا قال: ولك أن تُوَكِّل، جاز أن يُوَكِّل، لماذا لا يجوز؟ لأن تصرف الوكيل موقوف على أيش؟
طالب: إذن الموكِّل.
الشيخ: على الإذن، فوجب أن يتقيَّد فيما أذن له فيه وألَّا يتعداه، وأنا عندما قلت: خذ بِعْ هذا (...) يستثنى من ذلك، إذا كان الشيء كثيرًا يعجزك، إذا كان شيء كثير يُعْجِز الوكيل فله أن يستعين بغيره يقوم فيه.
مثل: لو وَكَّلَه في بيع هذه الأموال، وقال: لا تغب الشمس إلا وقد بعتها، وهذه الأموال لا يتمكن من بيعها بنفسه في يوم واحد، فهنا يجوز أن يوكِّل غيره ولّا لا؟ نعم يجوز؛ لأن كون الموكِّل يقول: بِعْ هذا قبل أن تغيب الشمس، وهي أموال كثيرة يعرف أنني لا أستطيع أن أقوم ببيعها وحدي، معناه أنه قد أذن لي في أن أُوَكِّل غيري، فيكون هنا الإذن معلومًا من قرينة الحال، هذا في المسألة الثانية تُسْتَثْنَى.
الثالثة: إذا كان مثله لا يتولاها، إذا كان مثل الوكيل لا يتولى هذا العمل فله أن يوكِّل.
مثال ذلك: قلت لشخص: يا فلان، وَكَّلْتُك تنظف المجاري، مجاري بيتي، وكان هذا الوكيل وزيرًا، المراد أن هذا الوكيل يأخذ المكنسة وينظف المجاري؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
طالب: ما يتولاها.
الشيخ: لا يتولاها مثله، مثل هذا العمل اللي وكلته فيه ما يمكن يتولاه، إذن وَكَالَتِي تتضمن أن يأمر مَن ينظف هذه المجاري، فإذا كان مثله لا يتولاه فإنه بالضرورة سوف يقيم غيره مقامه، فصار الوكيل لا يُوَكِّل غيره إلا في ثلاث مسائل؛ الأولى: أن تُجْعَل إليه، والثاني؟
طالب: الضرورة.
الشيخ: أن يعجز عنه، وهذا ضرورة، والثالث: أن يكون مثله لا يتولى هذا العمل، ففي هذه الأحوال الثلاث يجوز للوكيل أن يوكِّل فيما وُكِّلَ فيه.
يقول: (إلا أن يجعل إليه، والوكالة عقد جائز) إلى آخره، اعلم أن الجائز يراد به الحكم التكليفي، ويراد به الحكم الوضعي، يعني الأحكام الشرعية قسمان: تكليفية ووضعية، الجائز الذي يراد به الحكم التكليفي يقابله الحرام، وهي الأحكام الخمسة التي تعرفونها: واجب، وحرام، ومكروه، ومستحب، وجائز، مباح.
الجائز باعتبار الحكم التكليفي هو الذي ليس بحرام، وأما الجائز باعتبار الحكم الوضعي فهو الذي ليس بلازم؛ لأن العقود باعتبار الأحكام الوضعية ثلاثة أقسام: جائز من الطرفين، ولازم من الطرفين، وجائز من طرف لازم من طرف.
مثلًا البيع هل هو جائز ولّا لا يجوز؟
طالب: لا يجوز.
طلبة آخرون: جائز.
الشيخ: جائز؟
طالب: لازم من الطرفين.
الشيخ: إن قلت: جائز، فهو خطأ، وإن قلت: لازم، فهو خطأ.
طالب: تفصيل.
الشيخ: وإن قلت: فيه تفصيل فهو خطأ، نقول: جائز باعتبار الحكم التكليفي، يعني ليس بحرام، وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة: ٢٧٥] لازم باعتبار الحكم؟
طلبة: الوضعي.
الشيخ: الوضعي، فلو سألت أي واحد: ما تقول في البيع، أجائز هو أم لا؟
إن قلت: جائز؛ أخطأت، لازم؛ أخطأت، جائز باعتبار ولازم باعتبار، هذا صح، لكن أنا أقول: عندما تسأل أي إنسان عن البيع هل هو جائز أم لا، سوف يتبادر إلى ذهنه أنه الحكم؟
طالب: التكليفي.
الشيخ: التكليفي، صفة شرعية، لكن هذا تكليفي، وهذا وضعي
، قلت: إن الوكالة عقد جائز باعتبار الحكم التكليفي أو الوضعي؟
طلبة: التكليفي.
الشيخ: لا يا أخي، الوضعي.
طالب: ويش الفرق بين الوضعي؟
الشيخ: لأن التكليفي سبق في أوله تصح بكل قول.
طالب: (...) الفرق بين التكليفي والوضعي؟
الشيخ: التكليفي هو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، والوضعي وصف للعقد نفسه هل هو من العقود اللازمة أو الجائزة أو ما أشبه ذلك، الشروط مثلًا والموانع والأسباب كلها؟
طالب: أحكام وضعية.
الشيخ: أحكام وضعية، فالأحكام التكليفية هي التي يُثَاب عليها الإنسان أو لا يثاب، يعاقَب أو لا يعاقَب، فهي تعود إلى نفس العامل، أما هذه فتعود إلى نفس العقد، فالوكالة مثلًا باعتبار كون الإنسان مُثَابًا عليها أو غير مثاب.
طالب: حكم تكليفي.
الشيخ: حكم تكليفي، جائزة بهذا الاعتبار، فتكون الأحكام تكليفية باعتبار هل هي عقد لازم أو عقد جائز؟
طالب: جائز، حكم وضعي.
الشيخ: هذه باعتبار الحكم الوضعي، أقول: العقود باعتبار الحكم الوضعي تنقسم إلى ثلاثة أقسام من حيث الجواز وعدمه: جائز من الطرفين، ولازم من الطرفين، ولازم من أحدهما جائز من الآخر، فاللازم ما لا يمكن فسخه إلا برضا الآخر، ما هذا؟
(...).
فقد وجب البيع (...) الرهن لازم من أحد الطرفين، في حق مَن لازم؟
طالب: الراهن.
الشيخ: في حق الراهن، جائز في حق المرتهن، الضمان؟
الطالب: كذلك.
الشيخ: الكذلكة في مقام الإجابة لا تنفع، كذلك يعني؟
الطالب: الضامن.
الشيخ: إي، باعتبار الضامن، لازمة باعتبار المضمون له، باعتبار الضامن لازمة؛ ما ينفع يتخلص الضامن، باعتبار المضمون له جائز؛ لو شاء المضمون له لقال للضامن: أبرأتك من الضمان.
الوكالة عقد جائز من الطرفين، فيجوز للوكيل أن يفسخ الوكالة، فيذهب إلى الموكِّل ويقول: والله أنا توكلت، يعني: على هذا العقد، لكن فسخت، ما أبغي تتوكل، يجوز ولّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يجوز، ويجوز أيضًا للموكِّل يفسخ الوكالة، فيذهب للوكيل ويقول: والله أنا وكَّلْتُك بالأمس، ولكن الآن فسخت الوكالة، ولهذا قال المؤلف: الوكالة عقد جائز، يعني من الطرفين، التعليل، لماذا؟ لماذا كانت عقدًا جائزًا؟ نقول: لأنها من جهة الموكل إذْن، ومن جهة الوكيل بذْل نفس، وكلاهما جائز، ما فيه معارضة.
وبناء على ذلك إذا كانت الوكالة بعِوَض فهل تكون عقدًا لازمًا لأنها إجارة، أو يُنْظَر إلى أصلها؛ لأنها وكالة؟ مرت علينا هذه في القواعد قبل أيام قليلة.
إذا تضمن الفسخ ضررًا على أحد الطرفين فإن العلماء يقولون: إن العقود الجائزة تنقلب لازمة درءًا للضرر. (...)
الأول قال: (تبطل بفسخ أحدهما)، إذا فسخ أحدهما الوكالة فإنها تبطل، سواء كان الموكِّل أو الوكيل، فإذا وكلتك أن تبيع سيارتي مثلًا ثم بعد يوم أو يومين فسخت الوكالة، قلت: إني فسخت وكالتك، يجوز ولّا لا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، وكذلك لو أن الوكيل رجع إلى الموكِّل في المثال اللي ذكرنا وقال: أنا والله توكَّلْت في بيع سيارتك، ولكني هوَّنْت، فسخت الوكالة، يجوز ولّا لا؟ يجوز، وظاهر كلام المؤلف أن الفسخ جائز، سواء تضمن ضررًا على الآخر أم لا.
ولكن هناك قول آخر: إنه إذا تضمن ضررًا فإما أن نقول بعدم الجواز، ونلزمه بإتمام العمل، وإما أن نقول بالجواز مع ضمان الضرر، وهذا القول هو الصحيح
؛ لأنا قلنا قبل: الوكالة عقد جائز، افسخها، لكن إذا تضمن ضررا فعليك ضمان هذا الضرر.
مثال ذلك: وَكَّلتُ شخصًا في أن يبيع سيارتي في الموسم، فقال: نعم أبيعها لك، ثم إنه بعد ذلك فسخ الوكالة، وجاء إليّ وقال لي: فسخت الوكالة، معناه: إنه فوَّت عليّ، ويش فَوَّت؟
طلبة: الموسم.
الشيخ: الموسم، على المذهب تنفسخ الوكالة ولا عليه شيء، ولكن الصحيح أنها تنفسخ وعليه ضمان الضرر
؛ النقص الذي حصل، وقال: تباع اليوم وتُقَدَّر قيمتها في الموسم، فيضمن النقص؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَا ضَرَرَ، وَلَا ضِرَارَ» ، وعمل هذا الرجل كم هو ضَرَّنِي، هذا غَرَّني قبل الوكالة، ولما ذهب وقت الموسم جاءني وقال: لقد فسخت وكالتك مِن قِبَلِك.
وقول المؤلف: (تبطل بفسخ أحدهما)، ظاهره سواء عَلِم الوكيل أم لم يعلم، فإذا وَكَّلْت هذا الرجل على أن يبيع بيتي، ثم في اليوم الثاني أشهدتُ رجلين بأني فسخت الوكالة، ثم باع البيت في اليوم الثالث ولم يعلم، على المذهب البيع غير صحيح، لماذا؟
وَكَّلْته يوم الأحد، وعزلته يوم الاثنين، وباع يوم الثلاثاء، وهو معنا، على المذهب أن البيع غير صحيح؛ لأني فسخت وكالته قبل أن يبيع، فباع وهو لا يملك العقد عليه فلا يصح.
القول الثاني: أنه لا ينفسخ إلا بعد العلم، ليش؟ لأن تصرفه مستنِد إلى إذن سابق لم يعلم زواله، فكان تصرفًا صحيحًا، وهذا القول هو الصحيح
، ويقال للموكِّل: أنت الذي فرَّطت، لماذا لم تُخْبِره بفسخ الوكالة من فَوْرِها، أو من فَوْرِك؟ فأنت المفرِّط، فعلى نفسها جنت براقش، وهذا القول هو الراجح، لا سيما وأنه في هذه الحال تعلق به حق أيش؟
طالب: المشتري.
الشيخ: المشتري، وهو طرف ثالث، فلا يمكن أن يبطل حقه، فإن باع قبل العزل فالبيع صحيح، البيع صحيح على كل حال.
وقول المؤلف: (تبطل بفسخ أحدهما) يشمل الفسخ بالقول والفسخ بالفعل؛ الفسخ بالقول مثل أن يقول: فسخت وكالة فلان على كذا وكذا.
الفسخ بالفعل أن يفعل فعلًا ينافي تصرف الوكيل، مثل: وكلتك أن تبيع عبدي، وبعد أن ذهبت تحرج على العبد، أعتقت العبد، إعتاقي إياه يتضمن فسخ التوكيل في البيع؛ لأنه لا يمكن بيعه بعد عتقه، وحينئذ نقول: هذا فسخ بالقول ولّا بالفعل؟
طلبة: بالفعل.
الشيخ: بالفعل، وكلتك في طلاق امرأتي.
ثم إن الموكل جامع زوجته بعد أن وكَّله في طلاقها، فهذا فسخ بماذا؟ بالفعل؛ لأن وطأه إياها معناه العدول عن الطلاق، وكلتك أن تبيع بيتي، ثم أَجَّرْتُه إنسانًا لمدة سنة؟
طالب: ما تنفسخ.
الشيخ: وكلتك لتبيع بيتي، ثم أجرته سنة بعدما وكلت على بيعه؟
طالب: ما تنفسخ.
الشيخ: فنقول: هذا ليس فسخًا للوكالة، لماذا؟ لأن عملي هذا لا يقتضي بطلان ما وكلته فيه، فإن بيع المؤجَّر جائز ولّا غير جائز؟
طلبة: جائز.
الشيخ: جائز، فلما لم يفعل التنافي بين وَكَالَتِي وبين فعلي لم يكن ذلك فسخًا.
رهنته بعد أن وكلتك في البيع، تنفسخ ولّا ما تنفسخ؟
طلبة: تنفسخ.
الشيخ: ليش؟
طالب: لأنه مرتهن.
الشيخ: لأن بيع المرهون لا يصح، فلما رهنته أنا عُلِمَ بذلك أني عدلت عن بيعه؛ إذ إن بيع المرهون لا يصح.
الخلاصة الآن أن الوكالة تبطل بفسخ أحدهما القولي والفعلي، والقولي مثل أن يقول: فسخت وكالة فلان، الفعلي مثل أن يتصرف تصرفًا يتنافى مع ما وكَّله فيه، ما رأيكم في العزل بالكتابة، هل هو من الفسخ القولي أو الفعلي؟
طالب: القولي.
طالب آخر: قولي وفعلي.
الشيخ: واحد كتب: بسم الله الرحمن الرحيم، لقد وَكَّلت فلانًا في بيع بيتي، وإني فسخت هذه الوكالة، وأرسل، هذا؟
طلبة: قولي.
الشيخ: إي نعم، هذا قولي مُؤْذِن بالفعل وهو الكتابة، هذا الفسخ.
قال: (وموته) ليش إذا مات الوكيل أو الموكل انفسخت الوكالة؟ لأنه إن مات الموكِّل بطل تصرفه في ماله؛ لأن المال ينتقل إلى مَن؟
طلبة: إلى الورثة.
الشيخ: إلى الورثة، وهم ما وَكَّلُوه، وإن مات الوكيل فإن الموكِّل لم يوكِّل إلا إياه، ولّا لا؟ ما تنتقل لورثته، والله ما وَكَّلْت هؤلاء، أنا مُوَكِّل هذا الرجل، فتنفسخ إذن بموت الموكِّل وموت الوكيل.
لو أن الورثة -ورثة الوكيل- كان عندهم علم بأن مُوَرِّثهم قد وُكِّلَ في بيع هذا الشيء فباعوا بعد موته، فما حكم البيع؟ غير صحيح؛ لأن الوكالة بطلت بموت الوكيل.
قال المؤلف: (وتبطل أيضًا بعزل الوكيل)، ويش معنى عزل الوكيل؟ يعني أني أعزله، ما أقول: فسخت الوكالة، أكتب إليه وأقول: قد عزلتك، بهذا اللفظ، فإذا عزله انفسخت الوكالة، ونقول: وعزل الموكِّل ولّا لا؟ ما يمكن يعزل الموكِّل؛ لأن الموكِّل هو صاحب الحق الأصلي.
طالب: هذا للوكيل.
الشيخ: هذا الوكيل يقول: عزلت فلانًا، ما يقول: فسخت الوكالة.
الطالب: الثاني اختلاف لفظي.
الشيخ: اختلاف لفظي، لكن المعنى واحد، لكن لو عزلت الوكيل (...) قد عزلتك؟ قال: لا، يمكن ولّا ما يمكن؟
طالب: جائز هذا.
طالب آخر: ما ينفسخ.
الشيخ: أنا قلت لهذا الرجل: يا فلان وكلتك أن تبيع لي هذا الشيء، ولكن عزلتك الآن، قال: أبدًا ولا (...) يمكن؟
طالب: ما يمكن.
الشيخ: ما يمكن؛ لأنه ما يعتبر رضاه، كما أن الرجل لو قال لزوجته: طلقتك، قالت: لا، قبول، يمكن ولّا ما يمكن؟
طلبة: ما يمكن.
الشيخ: ما يمكن؛ لأن هذا لا يُشْتَرَط فيه رضا العاقد الآخر، انتبه، فنحن نقول: ينعزل، سواء رضي أم لم يَرْضَ.
قال: (وبِحَجْر السَّفَه) يعني تبطل أيضًا إذا حُجِرَ عليه حَجْرَ سَفَهٍ، على مَن؟ على الموكِّل أو على الوكيل، وقوله: حَجْر السفه، لم يقل: حَجْر الصِّغَر ليش؟ لأن الكبير ما يصغر، ولّا لا؟ لكن الرشيد يمكن يسفه ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يمكن يكون بالأول يحسن التصرف، ثم بعد ذلك تصيبه آفة لا يحسن التصرف، حجر الجنون يمكن ولّا ما يمكن؟
طالب: يمكن.
الشيخ: يمكن، لكن الجنون نوعان: مُطْبِق وغير مُطْبِق، فتبطل بدون المطبِق، يعني معناه الدائم، أما الذي يُجَنّ ساعة من نهار فهذا لا تنفسخ الوكالة في حقه، إنما تنفسخ بالجنون المطبق، فالحجر إما للصغر أو للجنون أو للسفه، السفه وارد على كل حال، ولّا لا؟ الصغر غير وارد على كل حال، ليش؟ لا يمكن للكبير إنه يصغر، لكن أنا أقول: يمكن للكبير أن يصغر، يمكن عمره بالتابعية خمسون، لكن الحقيقة لم يبلغ الأربعين، لكن زود ستين في التابعية، صغر ولّا ما صغر؟
طالب: لا، ما صغر.
الشيخ: مكتوب العمر في التابعية، تعرفون التابعية؟ العمر خمسون سنة، نعم مولود عام سبع وخمسين، عرفتم هذا في التابعية، وهو لم يولد إلا سبع وستين، صغر ولّا ما صغر؟
طالب: صغر.
طالب آخر: في الظاهر.
الشيخ: أجيبوا.
طلبة: ما صغر.
الشيخ: هل صغر ولّا ما صغر؟ لأن حقيقة عمره ليس هو المكتوب في التابعية، حقيقة عمره ما أمضاه في الدنيا بعد ولادته، إذن الحجر للصغر غير وارد أبدًا، الحجر للجنون وارد ولّا غير وارد؟ فيه التفصيل؛ إن كان مطبِقًا انفسخت الوكالة، وإن كان غير مطبِق فإنها لا تنفسخ، انتبهوا، فثلاثة أسباب للحَجْر تنقسم هذا التقسيم الثلاثي؛ سفه يمكن؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: بكل حال تنفسخ به الوكالة بكل حال، صغر؟
طالب: لا يمكن.
الشيخ: لا يمكن بكل حال، جنون فيه تفصيل؛ إن كان مطبِقًا انفسخت الوكالة وإلا فلا.
وقول المؤلف: (حجر السفه) احترازًا من الحجر لحظ الغير، وهو حجر الفلس، فإن الوكالة لا تنفسخ به إلا إذا كانت الوكالة في أعيان مال الموكِّل، فإنها تنفسخ إذا حجر على الموكِّل.
حجر الفلس وهو الحجر للفقر، لا تنفسخ به الوكالة، إلا إذا كانت الوكالة في أعيان ملك الموكِّل وحُجِر على الموكِّل فإنها تنفسخ الوكالة.
مثال ذلك: وكَّلْتُ شخصًا أن يبيع سيارتي، فافتقر الوكيل، افتقر وحُجِرَ عليه في ماله، تنفسخ الوكالة ولّا لا؟
طلبة: ما تنفسخ.
الشيخ: لا تنفسخ، إذن الحجر على الوكيل لفلس لا تنفسخ الوكالة على كل حال، حجر على الموكِّل فيه التفصيل؛ فإن كانت الوكالة في أعيان المال انفسخت الوكالة، إن كانت في ذمته لم تنفسخ، وكَّلْتُك أن تبيع سيارتي، ثم حُجِر عَلَيّ لفلس، تنفسخ الوكالة ولّا ما تنفسخ؟ تنفسخ، ما يمكن تبيع سيارتي الآن؛ لأني أنا شخصيًّا لا أتمكن من بيعها، ووكيلي فرع عني، فإذا لم يتمكن الأصل لم يتمكن الفرع، واضح يا جماعة؟
أما لو قلت: وكَّلْتُك أن تشتري لي سيارة، ثم حُجِرَ علَيَّ لفلس، فإن الوكالة لا تنفسخ؛ لأن هذا ليس تصرفًا في مالي، ولكنه تصرف في ذمتي.
إذن الْحَجْر نوعان؛ حجر لقصور المحجور عليه؛ وهو المحجور عليه لحظه، وحجر لحق الغير؛ وهو الحجر لأيش؟
طالب: لفلس.
الشيخ: لفلس، الحجر لأمر يعود إلى المحجور عليه قلنا: إنه ثلاثة أشياء؛ حجر لسفه، وحجر لصِغَر، وحجر لجنون، الحجر للصغر غير وارد، للجنون فيه تفصيل؛ إن كان مطبِقًا انفسخت الوكالة وإلا فلا.
الحجر لسفَهٍ يَرِد ولّا ما يَرِد؟ يَرِد في كل حال، كل إنسان يمكن أن يكون سيئ التصرف بعد أن كان رشيدًا، هذا الأخير إذا وُجِدَ السفه بعد الرشد سواء من الوكيل أو من الموكِّل فإنها تنفسخ.
الحجر لفلس إن كان المحجور عليه الوكيل، أجيبوا؟
طلبة: لا تنفسخ.
الشيخ: لم تنفسخ مطلقًا، وإن كان المحجور عليه الموكِّل ففيه تفصيل؛ إن كانت الوكالة في أعيان ماله انفسخت، وإلا فلا هذا خلاصة البحث.
قال المؤلف رحمه الله: (ومن وُكِّل في بيع أو شراء لم يبع ولم يشتر من نفسه)، إذا وُكِّل في بيع فإنه لا يبيع على نفسه، وإذا وُكِّلَ في شراء فإنه لا يشتري من نفسه، لماذا؟ لأنني إذا وَكَّلْتُك أن تبيع لي هذا لو كنت أريد أن أبيعه عليك لقلت: اشتر مني هذا، بدل ما أقول: بِعْه، أقول: اشتر مني، فكوني أقول: وَكَّلْتُك في بيعه، يعني أني لا أريد أن تشتريه أنت، لو كنت أريد أن تشتريه أنت لقلت: اشتر مني هذا، واستغنيت عن الوكالة، هذا تعليل.
العلة الثانية: أن بيع الإنسان على نفسه محل اتهام، كيف محل اتهام؟ يعني لأن الإنسان إذا أراد أنه بيشتري السلعة هو سوف لا يستقصي في طلب الزيادة، ولّا لا؟ لأنه يحابي نفسه، فمثلًا قلت له: بع هذا الكتاب، ما يجوز إنك تشتريه أنت؛ لعلَّتين:
العلة الأولى: أن مقتضى الوكالة ألَّا تشتريه أنت؛ لأني لو أردت أن تشتريه لقلت: اشتر مني الكتاب، فكوني وَكَّلْتُك معناه لا أريد أن تشتريه أنت، هذه واحدة.
ثانيًا: أنك مُتَّهَم في محاباة نفسك، بحيث لا تستقصي في طلب الزيادة، فربما هذا الذي وكَّلْته في بيع الكتاب يحرج عليه عند الناس مَن يشروه، قال: واحد بعشر، قال الثاني: بأحد عشر، قال الثالث: باثنى عشر، قال هو: بأربعة عشر، بس خلاص بعناه، وقف وخلّيه عليّ، بينما لو رد (...) لكان يمكن يصل إلى أكثر من ذلك، إلى عشرين وثلاثين، ولّا (...) هذا وارد، خصوصًا إذا كان الإنسان ما (...).
كذلك لا يشتري من نفسه، يعني: وكَّلْتُك أن تشتري لي كتابًا، وكان هذا الكتاب عندك، فقيَّدته عليَّ بقيمته، نقول: هذا لا يجوز للعلَّتين السابقتين، لو كنت أريد أن تبيع أنت عليَّ لقلت: بِعْ عليَّ كذا وكذا، ما أقول: اشتر لي.
ثانيا: أنك متهم، ربما تقيد علي الشيء الذي لا يساوي عشرة بكم؟ بعشرين، وأنا ويش يدريني، فإذن لا تبِع على نفسك إذا وكَّلتك في البيع، ولا تشتري منها إذا وكلتك؟
طالب: في الشراء.
الشيخ: في الشراء، وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يكون ذلك في المزاد العلني أو لا، ولا بين أن أزيد على الثمن في مسألة البيع ولا أن أنقص منه في مسألة الشراء.
يعني مثلًا إذا قلت: بِع هذا الشيء وكانت قيمته عشرة، فقيدته على نفسي بعشرين، يصح ولّا لا؟ على كلام المؤلف لا يصح، في المزاد العلني حَرَجْت عليه من (...) قيل: بعشرة، بعشرة، بعشرة، مَن يزيد مَن يزيد، ما زاد أحد، روحت يمين ويسار في السوق ما زاد أحد، فقلت: آخذه بأحد عشر، أو زدت على السائم الأول اللي بيقول: عشرة، قلت: بأحد عشر، قال: بأحد عشر ونصف، قلت: باثني عشر، قال: باثني عشر ونصف، خمسة عشر (...) علشان أقف، لما وصل لخمسة عشر، قال: خلاص ما لي رغبة، دَوَّرْنا أحد يزيد ما لقينا، قيدته لنفسي بخمسة عشر، يجوز ولّا ما يجوز؟
طالب: على المذهب لا يجوز.
الشيخ: على رأي المؤلف لا يجوز، مع أن المصلحة الآن لمن؟ للموكِّل، لو رجعنا إلى الناس لكان ما زاد على اثني عشر ونصف، لكنهم يقولون: لا، نمنع ذلك سَدًّا للباب، ولئلا يؤدي إلى النزاع.
بالعكس لو وَكَّلَنِي في الشراء، فذهبت إلى المكاتب بشراء كتاب، ذهبت للمكاتب، كل المكاتب ما نقصت عن عشرة، وأنا قيدته لي من عندي بخمسة، فيه مصلحة له ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فيه مصلحة، لكن مع ذلك على المذهب لا يصح، لماذا؟ سَدًّا للباب.
ويزول المحظور على المذهب بشيء واحد، وهو أن أقول له عندما وَكَّلَنِي: أرأيت لو كان هذا من عندي تقبل؟ فإذا قال: نعم ما فيه مانع، حينئذ يجوز أن أبيع عليه إذا وَكَّلَنِي في الشراء، وأن أشتري منه إذا وَكَّلَنِي في البيع، ولا حرج في ذلك.
(...)
مطلقًا ولو في المزاد العلني، ولو زاد على الثمن الذي انقطع به السعر؛ لأن كلامه عامّ، لكن يُسْتَثْنَى من ذلك:
أولًا: إذا قال له: اشترِ ولو من نفسك، أو بِعْ ولو من نفسك، يعني إذا أَذِنَ في ذلك.
ثانيًا: إذا قطع الثمن، يعني الموكِّل قطع الثمن بأن قال: بِعْهُ بعشرة مثلًا، وحرج عليه والناس ساموا وساموا، حتى وقف على عشرة عليه هو نفسه، يجوز ولّا لا؟ قال العلماء: إنه يجوز إذا عَيَّن الثمن، يجوز أن الإنسان يشتريه لنفسه؛ لأن أصل منع بيع الإنسان على نفسه وشرائه منها خوف المحاباة التي تضر الموكِّل، فإذا عَيَّن الموكِّل الثمن زال هذا المحذور.
إذا عيَّن الثمن ورأى الوكيل أن السلعة تزيد على هذا، وذلك بأن يكون الموكِّل خِبْرَتُه بالأثمان قليلة، أو كان يحضرها من زمان، فهل يجوز للوكيل في هذا الحال أن يبيع بما قدر أو لا يجوز؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: الجواب: لا يجوز، وسيأتي في كلام المؤلف.
قال: (ولا يبيع من ولده)، ما يبيع من ولده، يعني ولا يَشْتَرِ منه.
وَكَّلْتُكَ أن تبيع هذا الكتاب، فذهبت بعته على ولدي، على ولدك أنت، يجوز ولّا لا؟ يقول المؤلف: لا يجوز.
حتى ولو في المزاد العلني؟ نعم، ولو في المزاد العلني، لماذا؟ قالوا: لأن الإنسان متهم في حق ولده، ويش لون متهم، كيف يكون متهمًا.
أقول: هذا رجل قال له شخص: خذ هذا الكتاب فبعه، فباعه على ولده، يجوز ولّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، يبيع على ولده ليش؟ لأنه متهم في حقه، قد لا يحتاط في طلب الزيادة؛ لأن ولده هو الذي اشتراه، أليس كذلك؟
مثاله: أعطاني الكتاب، ولقيت في السوق مَن يَسُوم الكتاب، وقال واحد: بعشرة، قال واحد: بخمسة عشر، قال واحد: بعشرين، قال ابني: باثنين وعشرين، على طول بعت عليه، يمكن هذا ولّا ما يمكن؟
طالب: ما يمكن.
الشيخ: لا، أقول: يمكن يقع ولّا ما يمكن؟
طلبة: يقع.
الشيخ: يمكن يقع كثيرًا، إذا سام ولده ما راح يجيب آخرين؛ لأنه يحابي ولده، لهذا لا يجوز أن يبيع على ولده.
على ولد ولده؟
طالب: كذلك.
الشيخ: ولد بنته؟
طلبة: كذلك.
الشيخ: إي نعم، مثل ولد البنت كولد الابن؛ لأنه أيضًا يُخْشَى أن يحابيهم، ولو كان أبا الأنثى.
إذن لا يبيع على ذريته من قِبَل أبنائه أو من قِبَل بناته، ما يبيع لأنه متهم.
هل يبيع على والده؟ نقول: لا، البيع على الوالد كالبيع على الولد، بل أشد، ربما يحابي والده أكثر مما يحابي ابنه؛ لأنه يهاب والده، فإذا زود أبوه بأن زاد في الثمن على طول باع عليه؛ لأنه يخاف من أبيه، فلهذا لا يبيع على والده ولا جده ولا جده من قِبَل أمه، إذن لا يبيع على الأصول ولا على الفروع؛ لأنه متهم، لكن يُسْتَثْنَى من ذلك ما إذا عَيَّن الموكِّل؟
طالب: الثمن.
الشيخ: الثمن؛ لأنها تزول التهمة حينئذ، وكذلك قال بعض العلماء: إن الصواب أنه يبيع على ولده، ويبيع على والده، وعلى أمه وجدته وبنته وبنت بنته، وغير ذلك، إلا إذا ظهرت المحاباة، وإلا فإنه يبيع؛ لأني وَكَّلْتُه في البيع، ولم أقل: لا تبع على ولدك، فاللفظ يشمل هؤلاء وهؤلاء.
وهذا القول هو الصحيح؛ أنه يجوز البيع على ولده، وعلى والده، إلا إذا كان شريكًا لهم، فإذا كان شريكًا لهم فل
ا؛ لأن حقيقة الأمر أنه باع على مَن؟ على نفسه.
هل يبيع على إخوته؟
طالب: لا.
الشيخ: نعم يبيع على إخوته وأعمامه وبني إخوته، ما لم يكن شريكًا لهم.
طالب: على المذهب يا شيخ.
الشيخ: لماذا نفرق بين الأب والأخ؟ قالوا: لأن الأب أصل، والأخ ليس أصلًا ولا فرعًا، ولكن قد يقال: إن بعض الإخوة يحابيه الإنسان أكثر مما يحابي والده، ولّا لا؟ يكون أخًا أكبر منه شقيقًا شفيقًا رفيقًا به، فيحبه أكثر، فالتهمة لا تزال موجودة.
وهذا القول هو الصحيح
؛ أن الحكم يدور مع علَّته، فإذا وُجِدَت التهمة مُنِعَ البيع، وإذا لم توجَد لم يُمْنَع البيع، هذا هو الصواب.
قال المؤلف: (ولا يبيع بعَرَض)، العَرَض ما سوى النقد، يعني ولا يبيع أيضًا بعَرَض، فإذا وَكَّلْتُك على أن تبيع سيارتي هذه، فذهبت إلى المعرض ووجدت هناك سيارة أحسن، فبعت السيارة بالسيارة، وجئت إليك بهذه السيارة أقودها، قرعت الباب: السلام عليكم، وعليكم السلام، وإذا الرجل قد تأهب وأتى بالكيسة ليجعل فيها الدراهم، فقلت له: افتح باب الكراج لأدخل السيارة، يجوز هذا ولّا لا؟
طالب: هذا تصرف فضولي.
الشيخ: هذا تصرف فضولي، ما يجوز، على المذهب نقول: هذا لا يجوز؛ لأني إنما وَكَّلْتُك أن تبيع، والعادة أن الوكالة تنصرف إلى النقد، ما هو إلى العَرَض، فلا يصح.
طالب: ولو رَضِي الموكِّل؟
الشيخ: لو رضي، إلا على القول بجواز تصرف الفضولي.
(ولا يبيع نَسَاءً)، ويش معنى (نَسَاء)، أي: بثمن مؤخَّر، سواء كان مؤجَّلًا أو غير مؤجَّل، فهو لا يبيع نَسَاء أي: بثمن مؤخَّر، سواء كان مؤجَّلًا أم غير مؤجَّل، فإذن الوكيل لا يبيع إلا نقدًا، فإذا وَكَّلْتُك أن تبيع هذه السيارة، بعتها بعشرين ألفًا، لازم تأخذ الثمن نقدًا، لا تبعها نَسَاءً، فإن بعتها مؤجَّلَة بثمن مؤجَّل فإن ذلك لا يصح، ولو كان الثمن المؤجَّل أكثر، فلو قلت: بعها بعشرة آلاف، فذهبت إلى السوق وبعتها بخمسة عشر ألفًا مؤجَّلة، صح البيع ولّا لا؟ خمسة عشر ألف (...).
السؤال مرة ثانية: قلت: بع هذه السيارة بعشرة آلاف ريال، فذهبت إلى السوق وبعتها بخمسة عشر ألف ريال، يصح ولّا ما يصح؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح؛ لأن المؤلف يقول: (ولا يبيع نَسَاءً)، أي مؤخَّر القبض.
(ولا بغير نقد البلد)، نحن الآن في السعودية، قلت: خذ هذه السيارة بعها، فبعتها بدولارات، وجئت بالدولارات، يصح البيع ولّا لا؟
طالب: سهل يحوِّلها.
الشيخ: ما هو بسهل يحوِّلها، المهم جاء لي بالدولار، قلت: هذه قيمة السيارة دولارات، ما أذنت إنك تبيعها بدولار، قال: يا مسكين، هذا الدولار عملة صعبة، كل الناس يبغونها، ويش الجواب؟
نحن الآن لسنا في أمريكا، ولكننا في البلاد السعودية، ونقدنا هو النقد السعودي، فأنت الآن بعت بغير ما ينصرف الإطلاق إليه، وهو النقد السعودي، فالبيع إذن لا يصح.
أعطيتك هذه السيارة تبيعها هنا في السعودية، فأتيت إليّ بدل الورق بدراهم فضة سعودية؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؟
طالب: لا يعد نقدًا يا شيخ.
الشيخ: لا؛ لأنه إذا تعدَّد النقد اعتبر أكثره رواجًا، والأكثر رواجًا الآن هو هذه الأوراق (...).
قال: (ولا بغير نقد البلد، وإن باع بدون ثمن المثل أو بدون ما قدَّره له أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل، أو مما قدره له صح، وضمن النقص والزيادة) هذه أربع مسائل.
أولًا: باع بدون ثمن المثل، وَكَّلْتُك أن تبيع هذه السيارة، وثمن مثلها عشرون ألفًا، فبعتها بخمسة عشر ألفًا، البيع صحيح، ولكن تضمن النقص، ما هو النقص؟ خمسة آلاف، لماذا كان البيع صحيحًا؟
كان البيع صحيحًا لأنه تعلَّق به حق امرئ ثالث وهو المشتري، فلا نبطل حقه بسوء تصرف غيره، ويضمن النقص؛ لأنه دون ثمن المثل، ومن المعلوم أن الإذن المطلَق ينصرف إلى ما يتعارفه الناس، وهو ثمن المثل.
وظاهر كلام المؤلف أنه ضامن مطلقًا، حتى وإن اجتهد وتصرف تصرفًا تامًّا، لكن تبيَّن أن السلع قد زادت وهو لا يعلم، ظاهر كلام المؤلف أنه يضمن حتى في هذه الحال.
والصحيح أنه لا يضمن في هذه الحال
؛ لأنه مجتهد غاية الاجتهاد، وحريص، وكون السلع تزيد وهو لا يعلم هو معمول فيه، وهذا يحدث أحيانًا، أحيانًا تأتي الزيادة طفرةً، الغالب أن الزيادة تكون شيئًا فشيئًا، لكن أحيانًا تأتي طفرة (...)، فمثل هذا الرجل كيف نضمنه؟ نفس الموكِّل لو باع في هذه الحال لعذر نفسه، ولّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: عذر نفسه، فهكذا أيضًا الوكيل، ولو قلنا بأنه يضمن في هذه الحال ما استقامت الوكالة أبدًا؛ لأن كل وكيل يقول: يحتمل أن تكون الأمور قد زادت وأنا ما دريت، فإذن ما أتصرف، فإذا كان الرجل قد اجتهد وتحرى، ولكن أتى أمر بغير اختياره ولا بسبب التفريط، فالصواب أنه لا ضمان عليه.
أما المسألة الثانية: إذا باع بدون ما قدَّرَه له، هذا لا شك أنه يضمن بكل حال، قلت: خذ هذه السيارة بعها بعشرين ألفًا، خذها، حَرَج عليها يومين ثلاثة أربعة، عشرة، ما قدر الثمن إلا خمسة عشر ألفًا، فقال (...) تزيد ببيعها بخمسة عشر ألفًا، وباع، يصح البيع؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: البيع يصح يا إخوان، قلنا: إن البيع يصح؛ لأن الطرف الثالث وهو المشتري ما أذن، هو معذور، ولكن يضمن النقص، كم يضمن في المثال؟
طلبة: خمسة.
الشيخ: يضمن في هذا المثال خمسة آلاف.
لو أنه باعها بما قدَّره الموكِّل، ولكن السلع قد زادت حتى صارت تساوي خمسة وعشرين، والموكِّل ما علم، فهل يضمن أو لا يضمن؟
طالب: لا يضمن.
طالب آخر: يضمن.