ممكن نقول: أنا ما وفيت ياسرًا، إذا ما وفيت ياسرًا يأخذ حقه من فهد ولَّا لا؟
يأخد حقه من فهد، وسامي يرجع على ياسر، لكن يقول سامي: لماذا (...) أنا ما
أعطيته.
طيب، جاء ياسر إلى سامي وقال له: محمد موكلني أقبض الدين الذي له عليك،
فقال الأخ سامي: كذبت، ما وكلك، قال ياسر لسامي: افرض أنه ما وكلني (...)، عرفت؟ هل
يلزم سامي أن يحلف؟
طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه، السبب لأنه لو (...) لليمين ما هو قضينا عليه
بالنكول (...)، يلزمك تحلف ولَّا ما يلزمك؟
طلبة: ما
يلزمه.
الشيخ: ما يلزمه (...)؛ فلهذا نقول: لا يلزمه
دفعه إن صدَّقه، علِّل؟ لاحتمال أن ينكر (...) ولا اليمين إن كذبه؛ لأنه لو امتنع
عن اليمين لم نلزمه بالدفع، والقاعدة الفقهية: أن كل من لا يُحْكَم عليه بالنكول
فإنه لا يُحَلَّف، هذه القاعدة لهذا المثال.
يقول المؤلف: (فإن دفعه) مين
اللي دفع؟ سامي اللي دفع، (إن دفعه) أي: دفع الحق، (فأنكر زيدٌ الوكالة
حلف) من اللي يحلف؟
طلبة: الموكل.
الشيخ: اللي يحلف (...) يحلف أنه ما وكله، ليش يحلف أنه ما وكله؟
لأنه يحتمل أن مدعي الوكالة -وهو ياسر- يحتمله صادق ولَّا لا، فنقول: احلف أنه ما
وكلك (...).
طيب، قال حمد: أنا بأحلف، لكني سأحلف على نفي العلم أو على نفي
الذكر، سأقول: واللهِ لا أذكر أني وكلتك، يصير ولَّا ما يصير؟
طلبة: ما يصير.
الشيخ: ما يصير،
نقول: احلف على (...) فيحلف، فإنه في هذه الحال نقول له: (...) يقضى عليك بالنكول
أو تكون أنت موكل ياسر (...)، إي نعم.
قال: (حلف وضمنه عمرو) (...) طيب
حلف حمد قال: واللهِ ما وكلت ياسرًا (...)، قال: واللهِ ما وكلت ياسرًا، نقول:
خلاص، الآن الوكالة لا تثبت، وخذ حقك من سامي من (...).
(حلف وضمنه
عمرٌو) وهو المطلوب (...) ضمنه سامي، فصار (...) الآن ياسر ظهر (...) ولزمه
الضمان، فإذا قال ياسر: يا جماعة (...) أنا قد دفعت الحق (...)، نقول (...) ما
وفيته (...)، هل فهمتهم؟
طيب، أتى ببينة أنه دفعه إليه، نقول لسامي: الآن لك أن
ترجع على ياسر أو على حمد؛ إن كان ياسر فقيرًا (...) حمد، إن كان حمد فقيرًا
(...).
قال المؤلف: (وإن كان المدفوع وديعة أخذها) ويش معنى الوديعة؟
تسمى عند الناس الوديعة، تسمى عندهم أمانة، (أخذها) مين اللي يأخذها؟ المودع
هو الذي يأخذها ولَّا لا؟ أو الدافع اللي يأخذها؟ الدافع.
(فإن تلفت ضمن
أيهما شاء) الآن مثلًا (...) هذا -مثلًا- حمد أودع سامي ساعة قال: خذ هذه
الساعة عندك، ثم إن ياسرًا جاء إلى سامي وقال له: إن حمدًا وكَّلني في قبض السلعة
منك وهي وديعة، سامي صدَّق ياسرًا وأعطاه الساعة، وفي اليوم الثاني جاء حمد إلى
سامي وقال: أعطني الساعة اللي أنا أودعتك، فقال: إنها أخذها وكيلك، فقال: ما وكلت
ياسرًا (...) سامي ليش أعطى ياسر هذه؟ قال: تصديقًا له وإحسانًا للظن به، حلف حمد
أنه ما وكَّل ياسرًا في قبض الساعة، الآن تلزم من؟
طلبة: سامي.
الشيخ: تلزم سامي، لكن
الساعة موجودة في بيت ياسر، يقول المؤلف: (وإن كان المدفوع وديعةً أخذها)
أخذها أي: حمد.
(فإن تلفت ضمن أيهما شاء) فإن تلفت فلحمد -اللي هو
المودِع- أن يضمن أيهما شاء، أي منهم؛ ياسر لأنه قبضها، أو سامي لأنها كانت عنده
(...).
الشَّرِكة، ويقال: شِرْكة، ويقال: شَرَكة، فيها ثلاث لغات: شَرِكة، شِرْكة، شَرَكة.
الشركة معناها: الاجتماع في شيء، كل اجتماع في شيء يسمى شركة، لكنها في الاصطلاح يقول المؤلف: (هي اجتماع في استحقاق أو تصرف)، (اجتماع في استحقاق) يعني: أن يجتمع شخصان فأكثر في استحقاق شيء معين، أو اجتماع في تصرف؛ يعني: لا يجتمعان في استحقاق هذا الشيء، لكن يجتمعان في التصرف، وتسمى الثانية شركة عقود، والأولى شركة أملاك. الاجتماع في الاستحقاق: شركة أملاك، والاجتماع في التصرف: شركة عقود.
مثال ذلك: ورث رجلان من أبيهما دارًا، نقول: هذه اجتماع في استحقاق؛ يعني: هما استحقاها من ميراث والدهما، فهما مشتركان في ملكها.
وُهب لرجلين كتابًا، ما نوع الشركة؟ استحقاق، هذه شركة استحقاق.
وقد تكون في المنافع لا في الأعيان؛ كما لو منحت رجلين الانتفاع بهذا البيت فقلت لهما: انتفعا بهذا البيت ما دمتما في هذا البلد. هذا اجتماع في استحقاق ولَّا في تصرف؟
طلبة: في استحقاق.
الشيخ: في استحقاق؛ لأنهما استحقا منفعة هذا البيت، استحقاه فيكون هذا الاجتماع في الاستحقاق.
إذن كل شريكين في عين أو منفعة على سبيل الملك؛ أي: أن ذلك ملك بينهما نسميه شركة استحقاق. أما شركة التصرف فهي التي تحتاج إلى تعاقد بين الشريكين، وهي التي قسمها المؤلف إلى الأقسام الخمسة الآتية. هذه تسمى شركة العقود؛ لأنها ثبتت بالتعاقد بين الطرفين.
واعلم أن من رحمة الله عز وجل وتوسيعه على عباده أن أباح عقود الشركة؛ وذلك أن الإنسان قد لا يستطيع الاستقلال باستغلال ملكه.
هذا رجل عنده أموال كثيرة، لكنه مشلول، أو زمِن، أو أعمى، أو مريض، فيعطي غيره من هذا المال لينتفع به ويتجر به ويكون الربح بينهما، فالإنسان لما كان قد لا يستطيع الاستقلال بالتصرف في ماله أباح الشارع للعباد جميعًا أن يشتركا بينهما.
وهل المشاركة أفضل أم الانفراد؟
يرى بعض العلماء أن المشاركة أفضل؛ لما فيها من التعاون والتآخي، وكل واحد منهما يحب لأخيه ما يحب لنفسه. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ» . ولأن كل واحد منهما ينتفع بما عند الآخر من مال أو عمل، فكان الاشتراك أفضل.
ويرى آخرون أن الانفراد أفضل؛ لأن الإنسان إذا انفرد بملكه والتصرف فيه كان حرًّا؛ إن شاء عمل وإن شاء ترك، وإن شاء عمل في هذا النوع من التجارة وإن شاء عمل في غيره، وإن شاء تبرع من المال وإن شاء لم يتبرع، بخلاف الشركة؛ فإنها مقيدة بما يتفق عليه الشريكان، ولا يمكن لأي واحد أن يتبرع بشيء منها، لكن الانفراد الإنسان فيه حر؛ له أن يتبرع بما شاء من ماله، وله أن يبيع برخص، وله أن يشتري بغلاء، أما الشركة فهي مقيدة.
والحقيقة أن كل واحد من الانفراد والاشتراك له مزية على الآخر، لكن المزية التي قد لا يعدلها شيء هي السلامة في مسألة الانفراد، فالإنسان إذا كان منفردًا في تصرفه في ماله أسلم؛ لأن الشريكين يصعب على الإنسان مراعاة واجب الشركة، ولأن الشريكين أيضًا لو جاءك شخص من أقاربك أو من أصحابك يريد أن يشتري منك سلعة مشتركة يجب عليك أن تبيعها بماذا؟ بثمن المثل، لكن لو كنت منفردًا لأمكنك أن تبيعها بأقل.
وكذلك لو اشتريت شيئًا بأكثر من ثمنه محاباةً للبائع؛ فإنك إذا كنت منفردًا تكون حرًّا، إذا كنت مشاركًا لا تكون حرًّا في ذلك، فهي من ناحية السلامة أسلم؛ الانفراد أسلم، أما من ناحية التعاون والتفاعل وما ينتج من الاشتراك فالاشتراك أفضل وأكمل، وعلى هذا فيكون كل واحد منهما أكمل من الآخر من وجه.
ثم قال: (وهي أنواع) ظاهر كلام المؤلف: (وهي) أنه يعود إلى الشركة بقسميها؛ أي: شركة الأملاك وشركة العقود، ولكن هذا غير مراد، وهو إنما يريد شركة العقود؛ يعني (وهي) أي: الاجتماع في التصرف التي هي شركة العقود، (أنواع) والأنواع في الشركة هذه خمسة:
الأول: شركة عِنان؛ وهي اشتراك في المال والعمل، وسميت شركة عنان لأن الشريكين كالمتسابقين، كل واحد منهما قد أمسك بعنان فرسه، وهذه التسمية وإن كانت بعيدة الأخذ لكن المهم أنها عُرفت عند الناس بأنها شركة عنان.
هي (أن يشترك) يقول: (بدنان بماليهما ليعملا فيه ببدنيهما)، إذن هي اشتراك في مال وعمل، (يشترك بدنان) أي: رجلان أو امرأتان، (بماليهما ليعملا فيه ببدنيهما).
مثال ذلك: أنا عندي عشرة آلاف ريال، ورجل آخر عنده عشرة آلاف ريال، واتفقنا على أن نفتح محلًّا أو محلين، ونشتري بضاعة بالدراهم التي اشتركنا فيها، وهي عشرون ألفًا، وصار كل واحد منا يعمل بهذا المحل، نعمل فيه جميعًا، نسمي هذه شركة عنان، لكن يقول المؤلف: لا بد أن يكون المال معلومًا، فإن كان مجهولًا -كما لو قلت: سأشترك أنا وإياك فيما عندي من هذا المال، وهو في صرة مجهول العدد، وفيما عندك من هذا المال، وهو في صرة مجهول العدد- يقول: هذا لا يصح، لماذا؟ لأنه مجهول، والمجهول لا يمكن الرجوع إليه عند فسخ الشركة؛ لأنا إذا فسخنا الشركة فإلى أي شيء نرجع؟ ما ندري إلى أي شيء نرجع، فلا بد أن يكون المال معلومًا.
هل يُشْتَرط أن يكون متساويًا؟ لا يُشْتَرط؛ ولهذا قال: (ولو متفاوتًا) يمكن أن تحضر عشرة آلاف ريال وأحضر أنا عشرين ألف ريال، ونشترك، ويكون الربح بيننا كم؟ نصفين ولَّا ثلث وثلثان؟ إن رجعنا إلى المال فالربح يكون ثلثًا وثلثين، لكن قد نجعله نصفًا ونصفًا، بمعنى أن صاحب الثلثين يجعل الربح أنصافًا؛ لأن صاحب الثلث أقوى منه في العمل وأعرف منه، فيزيد في نسبته من أجل عمله، وهذا ممكن، لكن لو جعلناه بالعكس وقلنا: لصاحب الثلث أقل من الثلث، يصح ولَّا ما يصح؟ هل يصح ولَّا لا؟ يصح، يعني معناه سواء جعلنا نسبة كل واحد منهما من الربح بقدر ماله أو أكثر فلا بأس؛ لأن هذا يعتمد على قوة العمل والتجارة والمعرفة بأحوال التجار، وقد يكون أحدهما أعلم من الآخر.
قال: (ليعملا فيه ببدنيهما) فإن قالا: يعمل فيه أحدنا فقط، أنت تأتي بعشرين ألفًا وأنا آتي بعشرين ألفًا وتعمل فيه أنت؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: يقول في الشرح: إنه من العنان، وظاهر كلام الماتن أنه ليس من العنان.
والواقع أن هذا فيه شبه من العنان وفيه شبه من المضاربة؛ فبالنظر إلى أن هذا يعمل بماله وبدنه -أحدهما يعمل بماله وبدنه- يكون شبيهًا بالعنان، وبالنظر إلى أن أحدهما لا يعمل ببدنه وإنما العمل في ماله يشبه المضاربة، فيمكن أن نقول: إن هذا جامع بين المضاربة وبين العنان، ولكن يُشْتَرط في هذا النوع أن يكون له من الربح أكثر من ربح ماله؛ لأجل أن يشتمل على شيء من المضاربة.
أتيتَ بعشرة آلاف ريال، وأتيت أنا بعشرة آلاف ريال وقلت لك: اعمل أنت، أما أنا لا أستطيع العمل، ولك من الربح النصف، يصح ولَّا ما يصح؟ ما يصح، لا بد أن يكون له أكثر من ربح ماله؛ يعني لك من الربح الثلثان.
لماذا لا تصح المسألة الأولى؟ لأن الذي دفع المال ولم يعمل يكون أتاه ربح ماله كاملًا، والذي جمع بين المال والعمل لم يأته إلا ربح ماله فقط، فيكون عمله هباء لا ينتفع منه بشيء.
هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، وعندي أنه لا مانع من هذا العمل؛ أن يكون له بمقدار ماله؛ لأن صاحب المال الذي لم يعمل إذا أُعطي ربح ماله كاملًا فهو إحسان من العامل، ومن يمنع الإحسان؟! أليس يجوز أن أعطيك مالًا لتعمل فيه ويكون الربح كله لي؟ يجوز، وتكون أنت متبرعًا لي بالعمل، فالصواب في هذه المسألة أنه يجوز أن يُعْطَى من الربح بقدر ماله؛ وذلك لأنه يكون بهذا محسنًا إلى صاحبه.
شركة العنان إذن لها صورتان؛ الصورة الأولى: أن يشترك البدنان بماليهما وبدنيهما، ويكون الربح بينهما على ما اشترطاه.
الصورة الثانية: أن يشترك بدنان بماليهما دون بدنيهما، فيختص أحدهما بالعمل، والثاني لا يعمل.
في هذه الصورة يُشْتَرط أن يُعْطَى العامل من الربح أكثر من ربح ماله؛ على المذهب، لئلا يضيع عمله هباءً؛ لأننا لو أعطيناه بقدر ماله صار عمله هباء، ما استفاد منه، والصواب أنه لا بأس به؛ لأنه يقول: أنا مستعد أن أتبرع لأخي بعمل بدني، وأكون كأني اشتغلت بماله وجعلت جميع الربح له، وهذا لا بأس به.
يقول المؤلف رحمه الله: (فينفذ تصرف كل منهما فيهما) أي: في المالين، (بحكم الملك في نصيبه وبالوكالة في نصيب شريكه).
الآن اشتركنا في هذا المال، وبدأنا نبيع ونشتري، إذا كان المال نصفين؛ مني عشرة آلاف، ومنك عشرة آلاف، فإن تصرفي في نصيبي بالأصالة، وتصرفي في نصيبك بالوكالة، وأنت كذلك مثلي، تصرفك في نصيبي بالوكالة وفي نصيبك بالأصالة؛ ولهذا يقول: (بحكم الملك في نصيبه وبالوكالة في نصيب شريكه).
فإذا قال قائل: كيف تقولون: إنه بالوكالة وهو لم يوكله؟
نقول: لأن مقتضى عقد الشركة أن يتصرف في هذا المال المشترك، والوكالة تنعقد بما دل عليها من قول أو فعل، فعلى هذا يغني عقد الشركة عن الإذن الصريح في التوكيل؛ لأنه من لازم عقد الشركة أن يتصرف في المال المشترك بطريق الوكالة في نصيب شريكه وبطريق الأصالة في نصيبه.
(ويُشْتَرط أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين) هذا الشرط الأول بالإضافة إلى ما سبق أن يكون المالان معلومين. الشرط الثاني: أن يكونا من النقدين المضروبين، المراد بالنقدين: الذهب والفضة، المضروبين: المجعولين سكة ونقدًا؛ احترازًا مما لو كانت حليًّا من الذهب أو كان تِبرًا من الذهب؛ يعني قطعًا من الذهب أو من الفضة فإن ذلك لا يصح، لماذا؟ لأن القيمة تختلف في غير النقد.
لو أن هذين الرجلين أحضرا سيارات، قال: هذه عشر سيارات داتسون، والآخر جاء عشر سيارات مازدا، واشتركا فيهما، فعلى المذهب لا يصح، لماذا؟ لأن المال المشترك ليس من النقدين، ولأنه من الجائز أن تكون قيمة السيارات عند عقد الشركة متساوية، وعند فسخ الشركة مختلفة، فمثلًا عند عقد الشركة كانت المازدا تساوي عشرين ألفًا والداتسون عشرين ألفًا، هذه ما فيها إشكال، ولَّا لا؟ لكن عند فسخ الشركة كانت المازدا تساوي تسعة عشر والداتسون خمسة وعشرين أو أكثر، أيهما أرغب عند الناس؟
طالب: المازدا.
الشيخ: المازدا.
طالب: على حسب.
الشيخ: على كل حال، عند عقد الشركة قدَّرنا أن الثمن متساوٍ، عند انفساخ الشركة زادت الداتسون على المازدا بخمسة آلاف، كيف نقسم المال إذن؟ هل نقسمه على الأول عند عقد الشركة؛ يعني أنصافًا، أو نقسمه عند فسخ الشركة بحيث يزيد هذا الخمس؟ لذلك قال العلماء: إنه لا يجوز إلا أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين.
وقال بعض العلماء -وهو الصحيح-: يجوز أن يكون رأس المال من العرض؛ يعني: ليس نقدًا، لكنه يُقَوَّم عند عقد الشركة بنقد، ثم عند انفساخ الشركة يحول المال إلى النقد الذي يكون به في ذلك الوقت.
مثال هذا: أتيت أنت بسيارات وأتيت أنا بإبلٍ، بينهما فرق ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، الإبل والسيارات بينهما فرق، لكن على القول الراجح نقدر كم قيمة الإبل وكم قيمة السيارات، قالوا: قيمة السيارات مئة ألف، وقيمة الإبل خمسون ألفًا، إذن نجعل رأس المال مئة ألف لصاحب السيارات وخمسين ألفًا لصاحب الإبل، وعند فسخ الشركة نعود إلى رأس المال هذا، فنقول: لصاحب الإبل الثلث، ولصاحب السيارات الثلثان، وحينئذٍ لا يحصل ضرر.
صحيح أننا لو قلنا: إنه عند فسخ الشركة نعطي صاحب السيارات سيارات وصاحب الإبل إبلًا، هذا جهل عظيم جدًّا، ليش؟ لأنه ربما تستوعب قيمة السيارات عند فسخ الشركة أكثر من الثلثين، أو بالعكس، وربما تستهلك قيمة الإبل أكثر من الثلث، فصار مجهولًا. هذه الجهالة بماذا تزول؟ تزول بتقويم هذه العروض عند عقد الشركة، فيقال لصاحب الإبل: إبلك تساوي خمسين ألفًا، ولصاحب السيارات: سياراتك تساوي مئة ألف، إذن يكون رأس المال مئة وخمسين ألفًا، منها خمسون ألفًا لصاحب الإبل، ومئة ألف لصاحب السيارات، ويمشون على هذا.
العمل الآن على القول الأول الذي هو المذهب، أو على القول الثاني؟
طلبة: على القول الثاني.
الشيخ: العمل الآن على القول الثاني؛ يعطي الإنسان الشخص أراضي ويقول: خذ هذه الأراضي مضاربة، فيقدر قيمتها -مثلًا- عند العقد بمئة ألف ويقول: رح وبعها، يبيعها -مثلًا- بمئة وخمسين ألفًا، يكون رأس المال مئة ألف لصاحب الأرض يؤخذ من الأصل، والخمسون ألفًا تقسم على حسب ما اشترطاه.
يقول المؤلف رحمه الله: (أن يكون رأس المال من النقدين المضروبين) لو جعلنا رأس المال فلوسًا يصح؟ لا، هم يقولون: لا؛ لأن الفلوس عندهم تزيد وتنقص، ما هي مثل وقتنا الآن، الفلوس وقتنا الآن مقررة، كم الريال من قرش؟ عشرون قرشًا؛ يعني: مئة هللة ما تزيد ولا تنقص، فالعروض في وقتنا الحاضر كالنقود لا تزيد، لكن في وقتهم تزيد وتنقص، سلعة، يمكن يكون الدرهم بعشرة فلوس، ويمكن يكون من بكرة بعشرين، أو بأكثر أو بأقل؛ لذلك قالوا: إنه لا يصح أن يكون رأس المال فلوسًا؛ ولهذا قال ابن القيم رحمه الله: إن الدراهم والدنانير يجوز الاتجار بها، ولا يجوز الاتجار فيها.
طالب: (...)؟
الشيخ: بينهما فرق؛ يعني يُتَّجَر بها جائز، يُتَّجَر فيها لا.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، يقول: يُتَّجَر بها ولا يُتَّجَر فيها، ويش الفرق بينهما؟
طالب: يعني أن تكون السلعة هذا جائز (...) لا يُبَاع ولا يُشْتَرى.
الشيخ: لا، (...) يجعلها سببًا للتجارة؛ يشتري بها الأشياء ويبيعها. يتجر فيها: يجعل التجارة فيها هي نفسها، هذا يقول: لا يجوز؛ لأنه يضر بالناس ضررًا عظيمًا، كيف يضر بالناس؟ يأتي تجار النقود في هذا اليوم يقول: يلَّا اشتروا كل اللي في السوق بالنقود، تصبح السلع رخيصة ولَّا غالية؟
طلبة: غالية.
الشيخ: لا، رخيصة؛ لأن الدراهم إذا قلَّت صارت غالية، إذا غلت الدراهم رخصت السلع، فمثلًا إذا أخذوا جميع اللي في السوق تجد اللي يساوي أمس عشرة يؤخذ اليوم بخمسة أو بريالين يتضرر الناس، في اليوم الثاني بعدما أخذوا كل اللي في السوق من الدراهم قال: يلَّا نزِّلوا الدراهم، يتضرر الناس ولَّا لا؟ يعني: تزيد قيمة العشرة ولَّا تنقص؟ تزيد قيمة العشرة؛ لأنهم لما رجعوا الدراهم إلى الأسواق زادت الدراهم؛ زادت بأيدي الناس، إذا زادت بأيدي الناس اشتروا بها السلع بزيادة ولا يهمهم؛ لأن الدراهم موجودة، فتجد لو اتجروا في الدراهم أو اللي اتجروا في النقود صاروا سببًا لإفلاس كثير من الناس ولتضخم كبير في الأموال.
طالب: هذا ما يفعله اليهود الآن.
الشيخ: إي نعم، يفعلون اليهود الآن في الدولارات؛ يلعبون بالناس بالدولارات.
المهم أن ابن القيم رحمه الله يقول: إن الدراهم والدنانير يُتَّجَر بها ولا يُتَّجَر فيها، يُتَّجَر بها؛ يعني: تجعل وسيلة للتجارة، أما هي يُتَّجَر فيها لا؛ يعني: ما تجعل شيئًا محل تجارة هي؟
طالب: تجارة العملات.
الشيخ: متاجرة العملات الآن، بالنسبة لنا ما فيه متاجرة الظاهر، الدراهم ثابتة، لكن بالنسبة للدولار فيه متاجرة، وأظن العملات الأخرى أيضًا فيها متاجرة.
فالمهم أن الاتجار في الدراهم والدنانير يضر بالناس إضرارًا كبيرًا، ووجهه كما شرحت لكم.
لهذا نقول: إن الفلوس لا يجوز أن تُجْعَل رأس مال في الشركة، لماذا؟ لأنها تزيد وتنقص، وهذا بناءً على ما كان معروفًا في عهد العلماء الذين اشترطوا هذا الشرط، أما في وقتنا الآن فإن عشرين قرشًا تساوي ريالًا، ولا يزيد ولا ينقص، لكن على فرض أن الفلوس قد تزيد وتنقص ممكن نحول المسألة إلى القول الراجح؛ أنه يجوز أن يكون رأس المال عرضًا، وتُقَدَّر قيمته عند العقد ليرجع إليها.
قال المؤلف رحمه الله: (ولو مغشوشين يسيرًا) النقدان الأصل أن الدنانير ذهب خالص وأن الدراهم فضة خالصة، لكن يوجد بعض الناس يغش؛ يخلط مع الذهب معدنًا آخر لا يتغير به لونه، لكن ذات الدينار مخلوطة، وكذلك يقال في الدراهم، فهل يصح أن تُجْعَل الدنانير المغشوشة رأس مال في الشركة؟
نقول: في هذا تفصيل؛ إن كان الغش يسيرًا فلا بأس، وإن كان الغش كثيرًا فإنه لا يجوز؛ لأن الدراهم والدنانير المغشوشة تُتَّخَذ سِلعًا يُتَّجَر فيها؛ لأن الناس ما هم مأمونون، فلا يصح أن تكون الدنانير والدراهم مغشوشة كثيرًا، أما اليسير فإنه لا بأس به، قالوا: لأنه لا يخلو الذهب منه ولا الفضة غالبًا؛ لأن الذهب لو جُعِلَ خالصًا ما صار بهذه المتانة، لصار لينًا؛ كل شيء يؤثر عليه، فلا بد أن يُدْخَل معه أجزاء تجعله صلبًا لا يتثنى، كل هذا الذي قاله المؤلف غير موجود عندنا الآن؛ لأن ضبط النقود الآن أقوى بكثيرٍ من ضبطها فيما سبق قديمًا، فإنه قديمًا يدخلها الغش؛ يمكِن أي واحد من التجار يجي ويسك له دنانير أو دراهم يقلد بها الدنانير والدراهم التي في أيدي الناس ويُدخِل فيها الغش، أما الآن فالمسألة مضبوطة، وهذا غير وارد، وهو قوله: (ولو مغشوشين يسيرًا).
(أن يشترطا لكل منهما جزءًا من الربح مشاعًا معلومًا) هذا يتضمن ثلاثة شروط في الواقع: أن يشترطا لكل منهما جزءًا من الربح، فإن شرط الربح لأحدهما فقط فإنه -على كلام المؤلف- لا يصح.
لو قال قائل لشخص (...) مثلًا في ماله، نعمل فيه والربح كله لك، فعلى كلام المؤلف لا يصح، ليش؟ قال: لأن الشركة مبناها على المساواة، وأنت إذا جاءك ربح مالك وربح ماله، وكذلك ربح مالك أنت لهذا الرجل، فليس هناك مساواة، فلا بد أن يكون لكل منكما شيء من الربح.
وأنت إذا نظرت إلى هذا الشرط وجدت أن فواته لا يؤثر من الناحية الشرعية، فمن الجائز أن يقول هذا الرجل: أنا أريد أن أنشط هذا الرجل على العمل، هذا رجل خامل ما يعمل، فقلت: جب مالك وأجيب مالي ونشترك والربح كله لك، فأنا قصدي بهذه الشركة أن أنفع هذا الرجل وأحركه، ولماذا تحولون بيني وبين الإحسان إلى هذا الرجل؟ أنا الآن محسن إليه، بماذا؟ بالربح؛ حيث جعلت ربح مالي له، وربح عملي أيضًا له، ويش المانع من هذا؟
فالذي يترجح عندي أن الأصل في المعاملات الحل، وألَّا يُدخَل عليها شروط إلا إذا دلَّ الدليل على وجوب هذه الشروط.
(مشاعًا) هذا صحيح، لا بد أن يكون الربح مشاعًا؛ يعني: غير معين، المشاع يعني اللي يكون شائعًا في جميع المال، أو في جميع الربح؛ مثل: الثلث، والربع، والخمس، والثلثان، وثلاثة الأرباع، وما أشبهها.
فإن كان غير مشاع؛ بأن قال: لك من الربح مئة درهم، والباقي لي، يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز.
قال: لك ربح هذا المال، ولي ربح هذا المال؛ يعني نحن نتجر بالسكر والشاي والقماش، فقال: لك ربح السكر والشاي، ولي ربح القماش، يجوز؟ لا يجوز، لماذا؟ لأنه غير مشاع، ففيه جهالة عظيمة.
لو قال: نحن نتجر الآن في السفر إلى بلاد أخرى نجذب منها الأموال، فلك ربح السفرة الأولى، ولي ربح السفرة الثانية، يجوز؟ لا يجوز؛ لأنه غير مشاع.
(معلومًا) يعني: لا بد أن يكون هذا المشاع معلومًا؛ كالثلث والربع والنصف، أما لو قلت: لي بعض الربح ولك بعضه، يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز، ليش؟ لأن البعض قد يكون أقل من النصف، وقد يكون أكثر من النصف، وقد يكون بمقدار النصف، فهو مجهول.
فصار على كلام المؤلف يشترط أربعة شروط، بل خمسة شروط: أن يكون المالان معلومين، أن يكونا من النقدين المضروبين، أن يشترطا لكل منهما جزءًا من الربح، أن يكون هذا الربح مشاعًا، أن يكون معلومًا. خمسة شروط (...).
***
لك ربح السلعة التي تباع في مكة ولي ربح السلعة التي تباع في المدينة؟ لا يصح.لك ربح الشهر الأول ولي ربح الشهر الثاني، يصح ولَّا لا؟ لا يصح.
لك ربح الطعام، ولي ربح الأواني؟ لا يصح.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فإن لم يَذكرا الربح)، وعندي: (فإن لم يُذْكَر الربح)، لكن الصواب: (فإن لم يَذكرا الربح)، بدليل قوله: (أو شرطا لأحدهما).
إن لم يذكرا الربح فإنها لا تصح الشركة؛ يعني بأن قال: اشتركنا جميعًا شركة عنان، يقول: فإنها لا تصح؛ لأنه يبقى الأمر مجهولًا، فيحصل النزاع والعداوة بين الناس.
(أو شرطا لأحدهما جزءًا مجهولًا) مثل: لك بعض الربح، فإن هذا لا يصح؛ لأنه مجهول، أو شرطا لأحدهما (دراهم معلومة) كعشرة ومئة وألف، فلا يصح، لماذا؟ لأنه ليس مشاعًا، ولأنها ربما لا تربح إلا هذا القدر من الربح، فيكون الآخر مهضومًا حقه.
(أو ربح أحد الثوبين) على التعيين لم يصح، يقول: (لم تصح) العلة في ذلك: لأنه قد ينحصر الربح فيما شُرِطَ لأحدهما دون الآخر، والشركة أصلها مبنية على العدل؛ وهو تساوي المشتركين في المغنم والمغرم، هذه هي قاعدة الشركة الأصيلة؛ أن يشترك الطرفان في المغنم والمغرم، إذا عرفت هذه القاعدة التي تُبنى عليها الشركة فإنه يسهل عليك أن تحكم على كل شيء ورد عليك من أنواع الشركة بأنه صحيح أو فاسد.
يقول المؤلف: (وكذا مساقاة ومزارعة ومضاربة) (كذا): أي كشركة العنان، (مساقاة ومزارعة ومضاربة) المساقاة: هي دفع الشجر لمن يقوم عليه بجزء من ثمره، وتسمى عندنا الفلاحة، أنا لي بستان ولا أستطيع القيام عليه، فدفعته إلى رجل يعمل فيه بجزء من ثمره، ما الذي يُشْتَرط في هذا الجزء؟ أن يكون مشاعًا (...)، يصح ولَّا ما يصح؟ يصح.
لك ثمرة هذا العام، ولي ثمرة العام المقبل؟ لا يصح.
لك ثمر العنب، ولي ثمر النخل؟ لا يصح؛ لأنه لا بد أن يكون جزءًا مشاعًا معلومًا.
خذ هذا الثمر أو هذا البستان اعمل به ولا شيء لي؟
طلبة: لا تصح.
الشيخ: إي نعم، نقول: لا تصح مساقاة؛ لأنه لم يشترطا الربح لكل منهما.
بالعكس لو قال: خذ هذا البستان اعمل به وليس لك شيء، هذا لا يصح، على أنه من باب الشركة، لكن لو أنه تبرع لك وقال: أنا أريد أن أعمل على هذا البستان مجانًا، لا على أنه من باب المساقاة، فلا بأس به.
المزارعة: دفع أرض لمن يقوم بزرعها بجزء من الزرع، إذن فرق بينها وبين المساقاة؛ المساقاة على شجر، والمزارعة على أرض؛ أدفع له الأرض وأقول: خذ هذه الأرض ازرعها، ولك نصف الزرع أو ربعه أو ما أشبه ذلك. هذا يصح، ولكن لا بد أن يشترطا لكل منهما جزءًا مشاعًا معلومًا، فلو دفعت الأرض إليه وقلت: لك زرع هذا العام ولي زرع العام الثاني؟ لا يصح.
لك زرع الشعير، ولي زرع الحنطة؟ لا يصح.
لك الجانب الشرقي، ولي الجانب الغربي؟ لا يصح.
لا بد أن يكون مشاعًا معلومًا؛ لأنه -كما أسلفنا قريبًا- مبنى جميع الشركات على العدل؛ وهو التساوي في المغنم والمغرم.
وكذلك المضاربة، المضاربة: أن يدفع الإنسان مالًا لشخص يتجر به بجزء من ربحه.
مثاله: أعطيت هذا الرجل مئة ألف وقلت: اعمل بها ولك نصف الربح، جائز ولَّا لا؟ جائز.
وقد ذكرنا أن هذا من العقود التي كانت في الجاهلية وأقرها الإسلام، وأن فيها مصلحة للناس؛ لأن من الناس من يكون عنده طاقة بدنية ومن الناس من يكون عنده مال، صاحب المال لا يستطيع أن يتصرف، وصاحب الطاقة لا يستطيع أن يتصرف، صاحب المال لأنه زمِن قاصر ضعيف مريض، وما أشبه ذلك، وصاحب البدن قوي لكن ليس بيده مال، كيف يمكن أن ينتفع الطرفان؟ بالمضاربة، يدفع صاحب المالِ المالَ إلى هذا الرجل القوي العامل ويقول: اتجر به ولك نصف الربح، أو ربع الربح، أو ثلثه، حسب ما يتفقان عليه، فجوازها من محاسن الشريعة في الواقع.
إذا قال: خذ هذا المال مضاربة، على أن لك ربح هذا الشهر ولي ربح الشهر الثاني؟ لا يصح.
لك ربح السكر، ولي ربح الشاي؟ لا يصح.
لك مئة درهم من الربح، والباقي لي؟ لا يصح. لا بد أن يكون مشاعًا معلومًا.
قال المؤلف: (والوضيعة على قدر المال) (الوضيعة): يعني الخسارة، (على قدر المال) في شركة أيش؟ الآن نتكلم على أي شركة؟ العنان.
(الوضيعة على قدر المال) يعني: الخسران على قدر المال، بخلاف الربح؛ الربح على ما اشترطاه، والوضيعة على قدر المال، لا يمكن أن يحمل أحدهما خسارة أكثر من قدر ماله، فإذا قدَّرنا أن أحدهما أتى بمئة ألف، والثاني أتى بمئتين، وصارا يتجران، فصار كم اللي معنا من الآلاف؟ ثلاث مئة ألف، وصارا يتجران، وعند التصفية لم يكن لديهما إلا مئة وخمسون ألفًا، كيف نوزع الخسارة؟ نقول: على كل واحد منهما نصفها؟ لا، على قدر المال، أصل المال المشترك ثلاث مئة ألف، وخسر مئة وخمسين، يكون على صاحب المئتين خسارة مئة، وعلى صاحب المئة خسارة خمسين، ولا يمكن أن نقول: إن الخسارة بينهما أنصافًا، لماذا؟ لأننا نحمل الناقص أكثر مما يستحق.
يقول: (الوضيعة على قدر المال) الربح على ما شرطاه؛ لأن الربح مبني على العمل والقدرة والمهارة، فيكون على ما شرطاه، فإذا أتى أحدهما بمئتي ألف والثاني أتى بمئة، وقالا: الربح بيننا أنصافًا، يجوز ولَّا لا؟ يجوز؛ الربح على ما شرطاه.
إذا قال: الربح بيننا؛ لك ربعه، ولي ثلاثة أرباعه، يصح ولَّا لا؟ يصح؛ لأن مبنى الربح على العمل والقدرة والمهارة، بخلاف الخسارة، فصارت الوضيعة -التي هي الخسارة- على قدر المالين والربح على ما شرطاه، سواء كان ذلك أكثر من قدر ماله أو أقل.
علل العلماء ذلك بأنه -أي: الربح- مبني على القدرة والمهارة، وربما يكون أحدهما أقدر من الآخر وأمهر في تسويق السلع وشرائها، فكان الربح على حسب ما اشترطاه.
قال: (ولا يُشْتَرط خلط المالين) في شركة العنان -كما عرفتم- يأتي كل واحد منهما بمال ويكون من كل واحد منهما عمل، أو يأتي كل واحد منهما بمال ويكون العمل من واحد.
هل يُشْتَرط خلط المالين؟
يقول المؤلف: لا يُشْتَرط؛ لأن المقصود هو الربح، وعليه فيجوز أن أتجر أنا بمالي في دكاني وحدي، وأنت كذلك بمالك في دكانك وحدك، ويجوز أن أكون أنا في بلد وأنت في بلد آخر، ويجوز أن أتجر أنا في نوع من المال وأنت في نوع من المال، فخلط المالين ليس بشرط.
وذلك قالوا: لأن المقصود هو الربح لا الخلط، لكن لو خلطناهما جميعًا يجوز ولَّا لا؟ معلوم يجوز من باب أولى؛ لأنه إذا كان خلط المالين ليس بشرط، فليس المعنى أن خلطهما مؤثر، بل إن خلطهما أبلغ في الاشتراك، خلطهما بأن نأتي بالدراهم، ثم نشتري سلعة بهذه الدراهم، ثم نتصرف، فهنا المالان صارا مختلطين.
قال: (ولا كونهما من جنس واحد) فيجوز أن يأتي أحدهما بإبل والثاني بسيارات؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: يقول: لا يُشْتَرط كونهما من جنس واحد، (ولا كونهما من جنس واحد) يعني: في النقدين، فيجوز أن يأتي أحدهما بالدراهم والثاني بدنانير. انتبهوا لهذه النقطة، يجوز أن يأتي أحدهما بالدراهم والثاني بدنانير، فيأتي أحدهما بمئة دينار والثاني بألف درهم. كيف نعمل عند التصفية؟ نعطي صاحب الدنانير دنانير وصاحب الدراهم دراهم، كلٌّ يرجع إلى أصل ماله، لكن إذا تأملت هذا وجدت أنه قد يكون فيه غرر؛ لأنها قد ترتفع قيمة الدنانير فيحيط بالربح كله، وقد يكون بالعكس؛ ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أنه يجب أن يكونا من جنس واحد، وهو أحد القولين في المسألة.
وعللوا ذلك بأنهما إذا كانا من جنسين مختلفين فقد يرتفع أحد الجنسين حتى يحيط بالربح.
ولنفرض الآن أن أحدهما أتى بمئة دينار والآخر أتى بألف درهم، وقيمة مئة الدينار ألف درهم؛ يعني: كل دينار بعشرة، لكن عند التصفية صار كل دينار بعشرين، معناه أنه يحيط بالربح كله، أو بالعكس؛ صار الدينار بخمسة، معناه أن صاحب الفضة -الدراهم- ربح، وصار الربح كله له، ولكن الصحيح ما ذهب إليه المؤلف بشرط ألَّا يزيد سعر الدنانير ولا ينقص؛ بأن يكون مقررًا من قبل الدولة، فإن كان يمكن فيه الزيادة والنقص فإنه لا يجوز.
في الوقت الحاضر هل الدنانير مقدرة من قبل الدولة؟ لا، الذهب غير مقدر؛ ولهذا أحيانًا يرتفع، وأحيانًا ينخفض، وبناء على ذلك فإنه لا يصح أن يكون أحدهما دنانير والثاني دراهم، إلا على القول الذي أشرنا إليه فيما سبق؛ أنه يجوز أن يكون رأس المال من الأعراض، عرضًا، ولكن يُقَدَّر بقيمته، فحينئذٍ نعم، إذا قلنا: يُعْطَى بالدنانير والدراهم، لكن تُقَدَّر الدنانير بدراهم، فيقال: الآن أتيت بمئة دينار، وقيمتها ألف درهم، فنكتب بأن رأس مالك الذي أتيت به أيش؟ ألف درهم، وحينئذٍ يتساويان عند انتهاء الشركة.
طالب: الراجح يا شيخ؟
الشيخ: هذا القول هو الراجح؛ أنه إذا كانت الدنانير تختلف فإن الواجب أن تُقَدَّر بقيمتها أو أن تحول إلى دراهم.
***
(...) والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.في شركة العنان (...).
بعض العلماء يقول: يُشترط أن يكونا من جنس واحد، ما هو القول الذي رجحناه في هذه المسألة؟ (...).
ولهذا نص المؤلف على نفيه، قال: لا يُشْتَرط خلط المالين، فإن بعض أهل العلم يقول: إنه يُشْتَرط خلط المالين؛ لأن الشركة لا تتحقق إلا بالخلط، فنجمع المالين في متجر واحد، أو نقول: إن هذين المالين كلٌّ منا يتصرف فيها، بمعنى أنك تأتي أنت إلى متجري وتبيع وتشتري، وأنا آتي إلى متجرك وأبيع وأشتري.
***
ثم قال المؤلف رحمه الله: (الثاني: المضاربة) الثاني من أنواع شركة العقود، ولَّا لا؟ ولَّا شركة الأملاك؟
الطلبة: العقود.
الشيخ: العقود.
(الثاني: المضاربة) وهي من: ضَارَبَ يُضَارِبُ، مأخوذة من الضرب في الأرض، وهو السفر؛ لأن الغالب أن التجارة تكون بالسفر، يذهب الإنسان إلى بلد ويأتي بسلع من هذا البلد ويبيعها، ثم ينصرف إلى بلد آخر، وهكذا، كما قال تعالى: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [المزمل: ٢٠].
المضاربة هي أن يشترك بدنان؛ المال من أحدهما والعمل من الآخر، وهي جائزة، وجوازها من محاسن الشريعة، لماذا؟ لأن من الناس من يكون عنده المال لكن لا يقدر على التصرف فيه، ومن الناس من ليس عنده مال وهو قادر على التصرف، فكان من محاسن الشريعة أن نقول لمن عنده المال: ادفع المال لهذا الشخص ليعمل فيه، فيحصل لهذا الفقير الذي ليس عنده مال يحصل له عمل وربح، ويحصل لهذا العاجز الذي عنده مال يحصل له ربح، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: فما هو تعريفها؟ يقول: (المضاربة لمتجر به ببعض ربحه) يعني هي أن يدفع مالًا لمتجر به؛ أي لمن يتجر به ببعض ربحه، وكلمة (بعض) هنا سبق أنه لا بد أن يكون مشاعًا معلومًا، فيقول: هذه ألف درهم اتجر بها والربح بيننا، أو ولك ربع الربح، أو لي ربع الربح، أو ما أشبه ذلك، على حسب ما يتفقان عليه.
المضارب الآن يتصرف في المال بحكم الوكالة ولَّا لا؟ نعم، بحكم الوكالة، فإن ظهر ربح صار يتجر فيه بحكم الوكالة والشركة أيضًا؛ لأن تصرفه فيه بعد أن ظهر الربح تصرف بالأصالة، ويش بعد؟ والوكالة.
قال: (لمتجر به ببعض ربحه) ويش بعده؟ (فإن قال: والربح بيننا فنصفان) لأن البينية تقتضي التسوية، هذا الضابط.
فإذا قال: خذ هذا المال اتجر به والربح بيننا فإن الربح يكون بينهما نصفين.
إذا قال: الربح بيننا أثلاثًا وقيده فعلى ما شرط، لكن عند الإطلاق تقتضي التسوية.
قال: (وإن قال: ولي أو لك ثلاثة أرباعه أو ثلثه صح) إذا قال: خذ هذا المال اتجر به ولي ثلاثة أرباعه يصح، والربع الباقي للعامل، لي ثلثه يصح، والثلثان للعامل، لك ثلاثة أرباعه يصح، والربع لصاحب المال، لك ثلثه يصح، والثلثان لصاحب المال. المهم أنهما إذا عينا لأحدهما جزءًا فالباقي للآخر.
(قال: ولي أو لك ثلاثة أرباعه أو ثلثه صح والباقي للآخر) كيف علمنا أن الباقي للآخر؟ لأن المال بين اثنين، فإذا حُدِّدَ نصيب أحدهما تبين حق الآخر.
إذن لا يُشْتَرط أن أقول: لك ثلاثة أرباع الربح ولي ربعه، أو يُشْتَرط؟ لا يُشْتَرط؛ لأننا إذا علمنا نصيب واحد فالباقي للآخر، ولا إشكال فيه.
قال: (وإن اختلفا لمن المشروط فلعاملٍ) أعطاه المال مضاربة وقال: لك الثلث، ثم عند الحساب قال العامل: إن الثلث المشروط لك أنت يا صاحب المال، وقال صاحب المال: بل لك أنت أيها العامل، من يكون له؟ يقول: للعامل، فيكون له ثلث الربح، ولصاحب المال الثلثان، لماذا؟ قالوا: لأن الربح تبع للمال، فإذا ادَّعى صاحب المال أن الثلثين له -مثلًا- فهذا هو الأصل، والعامل يستحق الربح بعمله، فهو مدعٍ، فلا يُقْبَل قوله.
إذا قال العامل: اشترطنا الثلثين فهي لي، وقال صاحب المال: اشترطنا الثلثين لي أنا، فمن القول قوله؟ للعامل، المؤلف يقول: (إن اختلفا لمن المشروط فللعامل) سواء كان المشروط هو الأقل أو هو الأكثر.
هذا ما ذهب إليه المؤلف، ولكن القول الراجح في هذه المسألة أن ينظر إلى القرائن، فإذا كانت العادة أن الذي يُشرط له هو العامل وأن هذا النصيب أو الجزء مطابق للواقع أو مقارب فالقول قول العامل، وأما إذا كان الأمر بالعكس والذي جرت به العادة أن الذي يُشرط له جزء هو صاحب المال، وكان هذا الجزء أيضًا كبيرًا لا يمكن أن يُشرط للعامل مثله، فإنه يكون لصاحب المال.
مثال ذلك: كان الجزء المشروط ثلثين، ادَّعى العامل أنه له، وادَّعى صاحب المال أنه له، والعادة أن المضاربة لا يُعْطَى فيها العامل إلا الثلث فأقل، فهنا العرف يشهد لمن؟ لصاحب المال، فيؤخذ بقول صاحب المال.
مثال آخر: المشروط ثلاثة أرباع، قال العامل: إنه لي، وقال صاحب المال: إنه لي، فعلى كلام المؤلف القول قول العامل، وعلى القول الراجح يُنظر: إذا كانت العادة جارية بأن المضارَب لا يُعْطَى إلا ربعًا أو شبهه، ثم يأتي يدعي ثلاثة أرباع يقول: إن المشروط لي أنا، فهنا لا نوافقه؛ لأن العرف يكذبه.
وهو نظير ما سبق لنا في باب الرهن أن الراهن والمرتهن إذا اختلفا في قدر الدين فإنه يُرْجَع إلى الرهن، إذا كان الرهن كثيرا والمَدين يدعي أن الدين قليل فإن القول قول صاحب الحق، الذي هو المرتهِن، وهذه المسألة مثلها، فنقول: إذا ادَّعى العامل ما يمكن أن يكون مشروطًا له في العادة فالمشروط للعامل، وإن ادعى شيئًا بعيدًا عن العادة فالقول قول المالك.
يقول: (وكذا مساقاة ومزارعة) يعني: إذا اختلفا لمن المشروط فهو للعامل، ما هي المساقاة؟ أن يدفع شجرًا لمن يقوم عليه بجزء من ثمره.
مثال هذه المسألة: دفعت هذا الشجر إلى عامل -أي: فلاح- قلت: خذ قم على هذا النخل ولك نصف الثمر، أخذه وعمل فيه، فإذا حصلت الثمرة نقسمها نصفين؛ للعامل نصف، ولصاحب الأصل النصف.
أعطيت شخصًا آخر هذا النخل ليقوم عليه وقلت: لك ربع الثمرة، وعند الجذاذ قال العامل: إن الذي شرط له ربع الثمرة صاحب النخل، وقال صاحب النخل: بل العامل، من القول قوله على المذهب؟ يكون المشروط للعامل، وعلى القول الراجح ننظر: إذا كان هذا النخل يمكن أن يُسَاقى عليه بالربع أو قريب من الربع فنعم، أما إذا كان لا يمكن فإننا لا نجعله للعامل، لو كان هذا النخل لا يمكن أن يُسَاقى عليه إلا بثلاثة أرباع فأكثر فإننا نقبل قول العامل، ويكون الربع لمن؟ لصاحب النخل.
المزارعة: أن يدفع الإنسان أرضًا لمن يزرعها بجزء من الزرع، فعند التصفية اختلفا لمن المشروط؟ فالمذهب أنه للعامل، والقول الثاني أنه للعامل إن كانت دعواه مقاربة، أما إذا كانت بعيدة من الواقع فإن القول قول صاحب الأرض.
قال المؤلف: (ولا يُضارب بمالٍ لآخر إن أضر الأول ولم يرض، فإن فعل ردَّ حصَّتَه في الشركة) لا يضارب من؟ المضارَب، الذي هو العامل لا يضارب بمال لآخر بشرطين؛ يعني: المنع لشرطين إن أضر الأول ولم يرض.
مثاله: أعطيتك مئة ألف على أن تتجر بها في الكتب، أخذت أنت المئة ألف وبدأت تتجر بها في الكتب، ثم جاءك إنسان آخر وقال: الكتب رابحة وأنا بأعطيك خمسين ألفًا لتتجر بها أيضًا في الكتب، هذا يضر بالأول ولَّا لا يضر به؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كيف؟ لأنه إذا كثرت الكتب رخصت، فيكون فيه ضرر على الأول، فهنا لا يجوز أن يأخذ هذا المال ليضارب به في الكتب؛ لأنه يضر الأول. فإن استشار الأول وأذن له؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن الحق له.
أعطيتك دراهم مئة ألف تتجر بها بالسيارات مضاربة، وجاءك إنسان وقال: خذ هذه الخمسين ألفًا اتجر بها في الطعام في البر والرز وما أشبه ذلك مضاربة، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: (...).
الشيخ: نشوف، هو الأصل ألَّا يضر، لكن ربما يضر بحيث إنه يتفرغ للطعام أكثر مما يتفرغ للسيارات فيضر به، فإذا كان يضر بالأول منع إلا برضا الأول.
فإن قُدِّر أنه فعل وأخذ المضاربة مع إضراره بالأول بدون إذنه قال: (فإن فعل رد حصته في الشركة) ويش معنى رد حصته في الشركة؟ يعني: أخذ المال مضاربة من شخص آخر وربح فيه عشرة آلاف ريال نقول: هذه العشرة تدخل في الشركة الأولى، لماذا؟ لأن وقت المضارب مستحق لصاحب المال الأول، فإذا ذهب يتجر بمال آخر فإن الربح الذي حصل له يدخل في الشركة.
أعطيتك مئة ألف ريال تتجر بها واتجرت فيها، وجاءك إنسان وأعطاك خمسين ألف ريال تتجر فيها بجزء من الربح مضاربة ثانية بدون إذن مني، والمضاربة هذه تضرني؛ لأنها ستأخذ وقتًا كثيرًا من وقت هذا العامل، أو لأن السلعة نفس السلعة التي يتجر بها لي، المهم أن العامل أخذ المضاربة وربح فيها، ولنقل: إنه ربح فيها عشرة آلاف ريال، يقول المؤلف: إن هذا الربح يضم إلى الشركة الأولى، فيكون الربح الذي ربحه من مالي يضاف إليه الربح الذي ربحه هذا من مال الرجل الآخر، فإذا كان قد ربح بمئة ألف من مالي ربح عشرة آلاف ريال وربح من الثاني خمسة آلاف ريال كم يكون الربح؟ خمسة عشر ألف ريال.
وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يحل لصاحب المال الأول أن يأخذ شيئًا من ربحه؛ لأن هذا الربح الذي حصل عليه ليس من ماله وليس من تعبه، فكيف يحل له؟ نعم، نقول للعامل: أنت أخطأت في كونك أخذت مال مضاربة لشخص آخر مع إضرار الأول، أما أن نقول: إن الربح الذي حصلته لازم تضيفه إلى الربح الأول فهذا يقولون: إنه أكل للمال بالباطل؛ لأنه ليس من صاحب المال الأول لا عمل ولا مال، فيكف يستحقه؟
وإذا كانت المضاربة لا تضر بالأول يجوز ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز، مثل أن تكون العادة أن عمله في المال الأول في النهار وعمله في المال الثاني في الليل وجنس المال مختلف، فهذا لا يضره، فيجوز أن يضارب بمال للآخر، على أن في المسألة قولًا آخر أنه يجوز أن يضارب بمال للآخر؛ لأنه حر في نفسه وليس للأول أن يمنعه.
طالب: طيب على فرض هذا (...)؟
الشيخ: فالمشهور من المذهب أن الربح يرد إلى الشركة الأولى كأنه ربح من الشركة الأولى، والصحيح أنه لا يرد، لكنه آثم، إي نعم.
يقول المؤلف: (ولا يُقْسَم مع بقاء العقد إلا باتفاقهما) (ولا يُقْسَم) الضمير يعود إلى الربح.
فإن قلت: كيف تقول: إنه يعود إلى الربح ولم يسبق له ذكر؟
فالجواب: أن الذي يقسم بين المضارِب والمضارَب هو الربح، أما رأس المال فهو لمن؟ لصاحبه للمضارب، ما يمكن يقسم، فيتعين أن يكون الضمير في (يُقْسَم) يعود إلى الربح.
(لا يُقْسَم مع بقاء العقد) أي: المضاربة، (إلا باتفاقهما) باتفاق المضارِب والمضارَب، فلو أن هذا المال الذي أعطيتك إياه مضاربة قلت: خذ هذا المال مضاربة إلى سنة، لما مضى نصف السنة ربح المال النصف، مثل: أعطيتك عشرة آلاف ريال، فلما مضى نصف السنة بلغت خمسة عشر ألف ريال فقال المالك: اقسم الربح، فقال المضارب: لا، أيهما الذي يطاع؟ الممتنع؛ المضارب في هذا المثال، ليش؟ لأن المضارب يقول: أنا أريد أن يبقى الربح هنا؛ لأني بأشتري به سلعة بدل ما أشتري بألف، لو قسمنا الربح أبغي أشتري قصدي بعشرة آلاف، أبغي أشتري الآن بخمسة عشر ألف، وهذا يُرْجَى فيه الربح أكثر من عشرة آلاف.
لو طلبه المضارب لو قال المضارب لرب المال: اقسم الربح، نقول: لا يقسم إلا إذا رضي صاحب المال، لماذا؟ لأن المال قد يخسر في النصف الأخير من العام، فإذا كان الربح قد قسم صارت الخسارة على رأس المال، لكن لو بقي الربح صارت الخسارة على الربح.
مثال ذلك: الآن أعطيتك عشرة آلاف ريال مضاربة، وفي نصف السنة صارت خمسة عشر ألف ريال؛ ربحت خمسة، فقال المضارب لصاحب المال: اقسم الربح، لو قسم كم يبقى معنا؟ عشرة، عمل فيها المضارب فنقصت خمسة، خسر خمسة آلاف، صار النقص على صاحب المال، لكن لو بقي الربح غير مقسوم وخسرت خمسة لم يخسر صاحب المال شيئًا، صح ولَّا لا؟ إي نعم.
إذن نقول: لا يُقْسَم الربح ما دام العقد باقيًا إلا باتفاق الطرفين؛ لأنه قد يكون فيه ضرر على أحدهما، إذا اتفقا جميعًا على أن يقسما ربح كل شهر؛ يعني: في أصل العقد، قال: أعطيتك هذا مضاربة لمدة سنة على أن نقسم الربح على رأس كل شهر، يجوز ذلك؟ نعم يجوز؛ لأن الأمر على ما شرطاه.
قال: (ولا يُقْسَم مع بقاء العقد إلا باتفاقهما، وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد التصرف أو خسر جُبِر من الربح قبل قسمته أو تنضيضه) إن تلف رأس المال فلا يخلو من حالين: إما أن يكون قبل التصرف، وإما أن يكون بعده، فإن كان قبل التصرف انفسخت الشركة؛ لأن المال المعقود عليه تلف.
مثال ذلك: أعطيتك عشرة آلاف ريال مضاربة، وقبل أن تعمل أي عمل سرقت الدراهم، الحكم تنفسخ الشركة، لو جاء العامل المضارب قال لصاحب المال: المال سُرِق، أعطني بدله، لا يلزمه؛ لأن المال الذي جرى الاتفاق عليه قد سُرِق فتلف عليَّ وعليك.
أما بعد التصرف فيقول رحمه الله: إنه يجبر من الربح؛ إذا تلف رأس المال أو بعضه فيجبر من الربح، لكن بشرط أن يكون قبل القسمة، أما بعد القسمة فكلٌّ أخذ حقه.
مثال ذلك: أعطيتك عشرة آلاف ريال مضاربة، ضاربت بها فبلغت عشرين ألفًا، ثم تلف منها عشرة، ماذا نقول؟ يجبر منين؟ من الربح، يكون الربح الباقي هو رأس المال كأنه رأس المال؛ لأن الربح وقاية لرأس المال حتى يُقْسَم.
طالب: فيه تفصيل إذا فرق..
الشيخ: لا، دعنا من التفريق، هذا تلف من الله عز وجل أو خسر.
مثاله، أعيد المثال مرة ثانية: أعطيتك عشرة آلاف ريال مضاربة، فتلفت قبل أن تتصرف، ماذا يكون؟ تنفسخ الشركة، أعطيتك عشرة آلاف ريال مضاربة، فعملت فيها وربحت عشرة آلاف ريال، ثم تلف منها عشرة تلفًا لا ضمان فيه؛ يعني: العامل ما فرَّط ولا تعدَّى ولا شيء، تلف منها عشرة فماذا يكون؛ تنفسخ الشركة ولَّا لا؟ ما تنفسخ الشركة تبقى، لكن هل نقول: إن هذا الربح يكون الآن رأس مال؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هو ما صار قسم، ما قسمنا الربح ولا شيء، ما قسمنا الربح ولا نضيناه.
الجواب: نعم؛ ولهذا قال المؤلف: (جُبِرَ من الربح) فيجبر التالف من الربح،
طيب، خسر؛ يعني: أعطيتك عشرة آلاف ريال مضاربة، وبدأت تتصرف فيها، فربحت عشرة في النصف الأول من العام، ثم استمر التصرف، وفي آخر العام خسرت عشرة، أقول: يُجْبَر من الربح؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: ولَّا نقول: لا، الربح اللي ربحناه يُقْسَم، والخسارة تكون على رب المال؟
طالب: لا.
الشيخ: نقول: لا، لازم يكون من الربح؛ لأنه ما دامت الشركة موقتة فالعقد باقٍ حتى يتم الوقت، فما حصل من زيادة أو نقص فإنه يكون في الربح، طيب إن خسرت اثني عشر ألفًا؟
طالب: ألفين على المالك.
الشيخ: يكون ألفين على المالك.
أعطيتك عشرة وربحت عشرة أخرى، ثم خسرت في آخر العام اثني عشر ألفًا على المالك، كم نعطي المالك الآن؟ ثمانية آلاف ريال، كذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، إذا قال المالك: ليش أخسر؟ أنا ما يمكن أخسر مالي اللي تبقى ألفين في ذمة المضاربة.
طالب: (...).
الشيخ: نقول: والعامل أيضًا خسر، المسكين خسر عمله؛ عمل سنة كاملة في هذا المال ما جاءه ربح، صح ولَّا لا؟ فإذن أنت وإياه مشتركان في المغنم والمغرم، فما دمت أنت خسرت ألفين من مالك فهو أيضًا قد خسر كل عمل السنة، يمكن لو راح يشتغل في شركة أو عند الحكومة بمرتب ربح أكثر من هذا.
قال المؤلف رحمه الله: (وإن تلف رأس المال أو بعضه بعد التصرف أو خسر) هذه المسألة الثانية وقد عرفناها.
(جُبِرَ من الربح قبل قسمته أو تنضيضه) التنضيض هو اللي يسمى عندنا التصفية، فإذا قُسِمَ ناضًّا؛ معناه: صفينا المال وبعناه، وبقيت عندنا الدراهم وقسمنا الربح فإن الخسارة لا تكون من الربح، تكون على رأس المال.
طالب: على الربح؟
الشيخ: قسمناه يا إخوان، نضضناه وقسمناه، تكون على رأس المال، والمثال: أعطيتك عشرة آلاف ريال مضاربة لمدة سنة، فصرت تشتري وتبيع بها، وبعد مضي ستة أشهر ربحت عشرة آلاف أخرى، كم صارت؟ عشرين، صفى الرجل المضارب المال وعادت الدراهم، صارت دراهم الآن، فقسمنا الربح ثم خسرت بعد ذلك الخسارة، على من؟ على رأس المال؛ ولهذا قال: (قبل قسمته أو تنضيضه) ولكن يُشْتَرط في القسمة أن يكون ناضًّا؛ يعني بمعنى أنه يحاسب عليه ويعود إلى أصله؛ إن كان ذهبًا فذهب، وإن كان فضة ففضة.
وخلاصة الكلام الآن أنه إذا تلف المال قبل التصرف؟ أجيبوا.
طلبة: انفسخت الشركة.
الشيخ: انفسخت الشركة، إذا تلف المال قبل القبض؟
طلبة: (...).
طالب: على المالك.
الشيخ: إي، تنفسخ، معلوم لو قال: شوف هذا المال عندك -مثلًا- مضاربة دراهم معينة بالكيس، هذه مضاربة لك لمدة سنة، وفي أثناء ذلك جاء سارق فخطفها من بين أيديهم تنفسخ، معلوم، من باب أولى، أما إذا كان بعد التصرف فإنه يجبر منين؟ من الربح.
فإن قُسِمَ الربح باتفاقهما ثم جاء الخسران بعد ذلك فعلى رأس المال.
طالب: ويش معنى التنضيض؟
الشيخ: التنضيض يعني: التصفية، مثلًا أنا أخذت هذه الدراهم منك مضاربة إلى مدة سنة، وفي نصف السنة ربحت صارت العشرة آلاف ريال عشرين ألفًا، لكن هي إلى الآن بضاعة ما بعد نضيناها، فهنا لو قسمناها فلا تعتبر هذه القسمة حتى تباع السلعة، وبعد بيعها وتنضيضها يُقْسَم الربح، هذا معنى التنضيض؛ يعني التنضيض يسمى عند العامة عندنا يسمونه تصفية؛ يصفي البضاعة، أما ما دامت أعيانها باقية فإن الخسارة لا تزال باقية على الربح.
طالب: إذن حكمها غير (...).
الشيخ: ما فيه إذا صفى كل واحد منهما أخذ نصيبه من..





