كتاب البيع (الشرح الأول) - 26
عدد الزيارات 912

عناصر المادة :
باب المزارعة
باب الإجارة

لأن هذا يحفظ الأصل.
كذلك أيضًا: إجراء الأنهار إذا كانت البلاد تشرب من الأنهار فإن إجراء ماء النهر إلى المكان على المالك.
ومثل أيضًا: حفر الآبار تكون على المالك، وكذلك الدولاب ونحوه تكون على المالك، الدولاب ويش؟ دولاب الكتب اللي عندي؟
طلبة: لا.
الشيخ: الدولاب الذي يُستخرج به الماء، والأخ يمكن يشرحه لنا.
طالب: المكائن.
الشيخ: لا، المكائن ما هي بدواليب.
الطالب: لا، لكن هو (...).
الشيخ: إي هذا هو، اشرحه لإخوانك.
طالب: هو فيه يا شيخ حاجات تسمى (...).
الشيخ: المؤلف، اللي ما ذكره هو. عرفتم الدولاب الآن؟
الدولاب: عبارة عن صفائح مثل التنك، مربوط بعضها ببعض بالجنزير، وفيها تدور على ترس، هذا الترس اتجاهه إلى البئر، أنا شاهدته في بعض الآبار عندنا قديمًا، اتجاهه إلى البئر؛ الترس، يعني قال هكذا يدور، وهذا اللي فيه الصفائح اللي كالتنك في الترس تدور طبعًا.
الترس هذا المستقيم هكذا على البئر فيه ترس آخر قال هكذا، واضح الآن؟ هذا الترس اللي هكذا قائل على البئر الذي تدوره إما إبل ولا بغال ولا حمير له خشبة على الدائر، فإذا استدارت استدار هذه المكرة اللي فيها الأتراس، ثم الأتراس هذه متداخلة بالأتراس التي على البئر، إذا دارت هذه دارت الأخرى، ثم هذه السلسلة من الصفائح تنزل إلى البئر وتغرف الماء، تخرج ممتلئة وتنزل فاضية، هذه الممتلئة تكب في حوض مجبى ماء، تكب فيه الماء ويمشي.
طالب: مثل السواني.
الشيخ: لا ما هي مثل السواني، أحسن من السواني؛ لأنها تحمل أكثر من السواني ماء، وتدور.
على كل حال هذا الدولاب، بدلًا من الدولاب الآن ما يعرفه الأخ وهي؟
طالب: المكائن.
الشيخ: المكائن الآن تكون على من؟
طالب: المالك.
الشيخ: على المالك، هو الذي يؤمن المكائن، هذا ما قاله المؤلف في هذا الباب.
والصحيح أنه يلزم كل واحد منهما ما جرى به العرف، هذا الصحيح
.
فنبدأ أولًا بالعرف: فما جرى به العرف فهو الذي يلزم كل واحد منهما؛ لأن الشرط العرفي كالشرط اللفظي، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» ، فما جرى به العرف أنه على العامل فهو على العامل، وما جرى به العرف أنه على المالك فهو على المالك.
والمعروف عندنا الآن أن المكائن على من؟ على المالك ولَّا على العامل؟
طلبة: على المالك.
الشيخ: إي على المالك، إذن ماشي على ما قال المؤلف، اللقاح؟
طلبة: على العامل.
الشيخ: على العامل، ما هو التلقيح، اللقاح على العامل هذا اللي جرى به العرف، واضح؟
فالصواب أن ما جرى به العرف يرجع إليه، فإن لم يوجد عرف فحينئذٍ ربما نرجع إلى ما قاله الفقهاء -رحمهم الله- ونقول: إن ما يعود بحفظ الأصل يكون على المالك، وما تعود مصلحته إلى الثمرة يكون على العامل.
طالب: يقدم الشرط.
الشيخ: يقدم الشرط؛ لأن هذا ما له حد شرعي، يرجع إلى ما اعتاده الناس وما شرطوه (...).
سبق لنا في (باب المساقاة) ما يلزم العامل وما يلزم المالك، وأن ذلك يعود إلى أمرين؛ فما يحفظ الأصل ويصلح الأصل فهو على المالك؛ لأن الأصل له وسيبقى، وما يحفظ الثمرة فهو على العامل؛ لأن العامل ينمي الثمرة، وله منها نصيب بقدر ما اشترط، وليس له نصيب في الأصل.
سبق لنا أنه لا بد أن يكون السهم جزءًا مشاعًا معلومًا، وأنه لو ساقاه على أنه له ثمر السكري والآخر ثمر الشقر مثلًا فإن المساقاة لا تصح، وعلى أن له هذا الجانب وللآخر الجانب الآخر لا تصح؛ لأن المشاركة مبناها على الاشتراك في الغنم والغرم، فإذا عين لأحدهما جزءًا فإنه لا يكون الآخر شريكًا له في غنمه وغرمه، فيكون فاسدًا.

***

باب المزارعة
00:06:20

المزارعة هي: دفع أرض لمن يزرعها بجزء من الزرع، ولا بد أن يكون جزءًا مشاعًا معلوم النسبة، فخرج بقوله: (بجزءٍ) ما لو دفع الأرض لمن يزرعها بدون جزء، فهذا على ظاهر كلام المؤلف لا يصح.
وهو نعم لا يصح على سبيل المزارعة، لكن على سبيل المنحة يصح بلا شك، فإذا كان عند شخص أراض بائرة لا تزرع، وجاءه صديق له أو فقير وقال: خذ هذه الأرض ازرعها لمدة سنة أو سنتين، أو ازرعها ولا يقيد بسنة ولا سنتين فإن هذا جائز بلا شك، وهو يشبه المنيحة التي جاءت بها السنة أن يعطي الإنسان شاته أو بقرته أو بعيره لمن ينتفع بدره.
لو جعل الزرع كله للمالك يجوز أو لا؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: نعم، ظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز؛ لأنه لا بد أن يكون بجزء، فإن جعل كله للمالك لم تصح.
فنقول: نعم هي لا تصح المزارعة؛ لأن المزارعة نوع من المشاركة، لكن تصح استخدامًا، بمعنى أن هذا الرجل يقول: أنا ما لي شغل وأنا أحسن الزراعة وأنت رجل غالٍ عندي ورجل لا تستطيع أن تبث بأرضك وتحرثها، فأنا سأقوم بها مجانًا كرامة لك ومعونة لك على الفائدة، فهل يمكن أن نقول: إن هذا حرام؟ لا، نقول: هذا رجل تبرع بعمل لهذا الشخص جزاه الله خيرًا، لكنها لا تصح على سبيل المزارعة؛ لأن المزارعة مفاعلة لا بد فيها من اشتراك.
قال المؤلف: (بجزء معلوم النسبة) يعني بأن يقال: ثلث، ربع، خمس، وما أشبهه، فإن قال: خذ هذه الأرض ازرعها ولك بعض الزرع، الآن بجزء -المزارعة بجزء- لكن غير معلوم النسبة فلا تصح، لا بد أن يكون معلوم النسبة.
فإن قال: خذ هذه الأرض مزارعة بمئة صاع مما يخرج منها لك والباقي لي؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأنه ليس بمشاع، ولا بد أن يكون مشاعًا كنصف وثلث وربع ونحوه، لماذا لا يصح بمئة صاع لك والباقي لي؟ لأن هذه الأرض قد تنتج آلاف الأصواع، فيكون العامل إذا كانت مئة الصاع له يكون غارمًا وخاسرًا، وقد لا تنتج إلا مئة الصاع، فيكون المالك خاسرًا غارمًا، لكن إذا قلت بنصف ما يخرج منها وأنتجت مئة صاع استوى المالك والمزارع في النقص، وإذا جاءت مئات الأصواع استوى المالك والمزارع بالمغنم.
يقول المؤلف رحمه الله: (بجزء) مشاع (معلوم النسبة مما يخرج من الأرض لربها أو للعامل والباقي للآخر) يعني يشترط الجزء إما لرب الأرض أو للعامل، فيقول: أعطيتك هذه الأرض مزارعة بالثلث لك، شرط الآن لمن؟
طلبة: للعامل.
الشيخ: للعامل، يكون الثلثان الباقيان لرب الأرض.
أعطيتك هذه الأرض مزارعة بالثلثين لك، يكون شرط الآن للعامل، والباقي وهو الثلث للمالك.
المهم ما دام الحق بين شخصين فإنه إذا عين حق أحدهما فالباقي للآخر، وهذا نظير قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» ، فإذا كان هذا صاحب الفرض معينًا له نصيبه نعطيه إياه والباقي يكون لصاحب التعصيب.
قال: وإن شُرط للعامل فالباقي لرب الأرض. عندكم هذا متن ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: شرح الظاهر.
قال: (ولا يُشترط كون البذر والغراس من رب الأرض وعليه عمل الناس).
قوله: (ولا يُشترط) إذا قال قائل: لماذا نفى المؤلف أن يكون هذا شرطًا، مع أن مجرد سكوته عن اشتراطه يدل على أنه ليس بشرط، انتبه لهذه الفائدة! يعني أحيانًا تأتي في كتب الفقهاء، نفي شيء السكوت عنه معلوم لأنه لو كان ثابتًا لذكروه، يقال: إن هذا يؤتى به فيما إذا كان هذا المنفي مثبتًا عند بعض العلماء، فيأتي بنفيه لئلا يتوهم واهم أن السكوت عنه لا يدل على انتفائه، أما فهمتم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يعني لو أننا ما قرأنا العبارة، وقال لنا قائل: هل المؤلف يرى أنه يشترط أن يكون البذر في المزارعة والغرس يعني الشجر في المغارسة على رب المال أو لا يرى ذلك؟ قلنا: لا يرى ذلك، لماذا؟ لأنه لم يذكره شرطًا، فعدم ذكره شرطًا يدل على أنه لا يرى، لكن فيه احتمال أنه يراه، أما إذا نفى وقال لا يشترط فهو صريح في أنه لا يراه.
هنا يقول المؤلف: (ولا يُشترط كون البذر من رب الأرض) وهذا في المزارعة، فإذا أعطيتك الأرض لتزرعها على النصف فمن الذي يأتي بالحب؟ الذي يأتي بالحب هو المزارع، يعني العامل، أما رب الأرض فلا يشترط أن يأتي بالبذر، فإن جاء به فلا بأس لكنه ليس بشرط.
في المغارسة، المغارسة: أن أبتاع الأرض لشخص يغرسها بأشجار وله جزء من هذه الأشجار، هل يشترط أن آتي أنا بالأشجار أو يجوز أن يأتي بها العامل؟ يرى المؤلف أنه يجوز أن يأتي بها العامل ولا بأس بذلك.
يقول: (لا يُشترط كون البذر والغراس من رب الأرض)، (كون البذر) في أيها؟ في المزارعة، والغراس: في المغارسة، وهذه المغارسة غير المساقاة، لا يشترط أن يكون من رب الأرض.
قال: (وعليه عمل الناس) يعني أن الناس ما زالوا يدفعون أراضيهم لمن يزرعها ولا يعطونه الحب الزرع، ويدفعون الأرضين لمن يغرسها ولا يعطونه الغراس، وعمل الناس على هذا من غير نكير يدل على أنه ليس بشرط، وقد يدعى فيه الإجماع ما دام عمل الناس منذ زمن قديم على هذا من غير نكير، فقد يدعى فيه الإجماع، إنما كون الناس يتعاقبون على العمل به من غير أن ينكر عليهم يدل على قوته.
ولنأتِ بالدليل على ما قال المؤلف؟ الدليل على ما قال المؤلف سلبي وإيجابي:
ما هو السلبي؟ السلبي: أن نقول: الأصل عدم الشرط، وأن العقود بين المسلمين جائزة بدون شرط، هذا هو الأصل، ولهذا من منع عقدًا من العقود نقول: ائتِ بالدليل، ومن منع عقدًا من العقود إلا بشرط قلنا أيضًا: ائتِ بالدليل؛ لأنه إذا كان منع العقد من أصله يحتاج إلى دليل، فمنع وصف في العقد يحتاج أيضًا إلى دليل؛ لأن منع العقد إلا بوصف أو شرط هو في الحقيقة منع لكنه ليس منعًا مطلقًا، بل منعًا مقيدًا بحالة، وهي عدم وجود الشرط. ما أدري الكلام هذا مفهوم ولَّا لا؟
لو جاءنا جاءٍ وقال: المزارعة حرام ممنوعة، ماذا نقول له؟ نقول: هات الدليل؛ لأن الأصل في غير العبادات الحل، نقول: هات الدليل.
ولو جاءنا جاءٍ وقال: المزارعة جائزة ولكن بشرط أن يكون البذر من المالك، من رب الأرض؟ نقول أيضًا: هات الدليل، لماذا؟
أولًا: لأن الأصل إذا ثبت جواز العقد فالأصل عدم الشرط فيه، هذه واحدة.
ثانيًا: أننا إذا أضفنا شرطًا إلى حله معناه أو مقتضاه أننا نمنع هذا العقد عند عدم وجود الشرط، وهذا يقتضي أن هذا العقد ممنوع في بعض الأحوال، صح ولَّا لا؟
فنقول: منعك إياه في بعض الأحوال، وهو عند تخلف هذا الشرط يحتاج إلى دليل، فصار من اشترط شرطًا للعقود فإننا نطالبه بالدليل من وجهين:
الوجه الأول: نقول: الأصل عدم الشرط، فهات دليل على إثباته.
ثانيًا: نقول: إنك إذا وضعت شرطًا فإنك تمنع هذا العقد في حال تخلف الشرط، وهذا يقتضي أن العقد ممنوع عندك أنت في بعض الأحوال، فهات الدليل على منعه.
إذن نقول: اشتراط أن يكون البذر من رب الأرض يحتاج إلى دليل. ودليلنا هنا سلبي ولَّا إيجابي؟
طلبة: سلبي.
الشيخ: سلبي؛ لأننا نقول: الدليل أنه لا يشترط عدم الدليل، الدليل عدم الدليل، يعني الدليل عدم الشرط عدم الدليل على أنه يشترط.
فيه دليل إيجابي على أنه لا يشترط أن يكون البذر والغراس من رب الأرض، الدليل الإيجابي: أن الرسول صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر حين فتحها بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع .
وهل أعطاهم البذر والغراس؟ لا، ما أعطاهم ذلك، ولو كان شرطًا لأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم البذر والغراس، وهذا دليل إيجابي.
الدليل الإيجابي فيما دليله سلبي: نحتاج إليه للتقوية من جهة، وللتنصيص عليه من جهة أخرى، لماذا؟ لأن الدليل السلبي دليل عام، قد يأتي متحذلق مجادل فيحاول أن يخرج هذا العقد من العموم، الدليل الإيجابي: نص لا يمكن لأي متحذلق أو مجادل أن ينفي هذا الدليل الإيجابي.
خلاصة القول الآن: المزارعة: أن يدفع الإنسان أرضًا لمن يزرعها بجزء معلوم النسبة مما يخرج منها، واضح؟ هي عقد جائز ولَّا لازم؟
طالب: جائز.
طالب آخر: لازم.
الشيخ: على كلام المؤلف هي عقد جائز، والصحيح أنها عقد لازم كالمساقاة، وبناء على أنها عقد لازم لا بد من تحديد مدة
.
ثانيًا: هل يشترط أن يكون البذر من رب الأرض؟ فيه خلاف: المذهب عندنا المشهور من مذهب الحنابلة أنه شرط، والصحيح أنه ليس بشرط، وهو الذي مشى عليه صاحب المتن، ولهذا أشار إلى نفي هذا الشرط؛ لأن المشهور من المذهب اشتراطه.
الحكمة من جواز المزارعة والمساقاة وما أشبه ذلك؟ الحكمة ظاهرة وهي أن الإنسان قد يعجز عن تصريف ماله والقيام عليه، فيدفعه لمن يقوم بذلك، وقد يكون هناك رجل عامل قادر لكن ليس عنده أرض ولا مال، فيحتاج إلى أن يأخذ الأرض من غيره ليبثها ويعمل فيها.
طالب: الدليل الإيجابي؟
الشيخ: الدليل الإيجابي أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يعط أهل خيبر شيئًا من البذر أو الغراس.
لدينا غراس، مساقاة، مزارعة، الفرق بينهم المساقاة على الثمر، والمغارسة: على الشجر، والمزارعة: على الزرع، هذا الفرق بينهما.
فإذا دفعت إليك أرضًا لتغرسها بجزء من الغراس، قلت: اغرس هذه الأرض ولك نصف النخل، نسمي هذه مغارسة.
عندي نخل أو سأبث نخلًا في هذه الأرض، وقلت: اعمل في هذا النخل بثلث ثمره، هذه مساقاة، المزارعة أن أعطيك أرضًا لتزرعها أو أعطيك أرضًا قد نبت زرعها على أن تقوم عليه بجزء منه، هذه تسمى مزارعة، وكلها لا بد أن يكون الجزء المشروط معلوم النسبة.
هل تجوز إجارة الأرض بدراهم معلومة لمن يزرعها والزرع كله له؟ يجوز؛ لأنني أجرت له الأرض على أن يستغل منفعتها، كما لو أجرت له السيارة ليركبها يومًا أو يومين أو ليوصل بها حملًا إلى مكان معين، وتسمى هذه إجارة ولا مزارعة؟
طلبة: إجارة.
الشيخ: تسمى إجارة، هل يجوز أن أوجر شخصًا النخل بدراهم معلومة والثمر كله له؟
طلبة: لا يجوز.
طلبة آخرون: يجوز.
الشيخ: يجوز جزمًا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: إي، هذه فيها خلاف، فالمشهور من المذهب أنه لا يجوز، قال: لأنه يؤدي إلى بيع الثمرة قبل ظهورها وقبل بدو صلاحها، ولأن الثمرة مجهولة، قد يعطيه هذا العامل عشرة آلاف ريال ثم لا يخرج من النخل إلا شيء قليل لا يساوي خمسة آلاف ريال، فيكون المسكين غارمًا وأنا الذي غنمت.
وقال بعض العلماء: إن كان البياض من الأرض أكثر من النخل جاز؛ لأنه يجوز تأجير الأرض لمن يزرعها، فلما كان الأكثر البياض -الذي يكون زرعًا- صار الحكم للأكثر، وهذا اختيار ابن عقيل من أصحابنا رحمهم الله.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: يجوز مطلقًا سواء كان الشجر أكثر أم بياض الأرض أكثر
. واستدل لذلك بأن الأصل في العقود الحل، وبأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضمن حديقة أسيد بن الحضير، ضمنها شخصًا يقوم عليها بدراهم معلومة أوفى بها غرماء أسيد . واضح؟
أسيد بن الحضير كان مدينًا، فجاء أهل الديون يطلبونها منه وليس عنده شيء، قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان عند أسيد بستان، وضمنه شخص، قال: خذ هذا البستان مثلًا عشر سنوات بعشرة آلاف، أعطني عشرة آلاف الآن لنوفي بها ديون أسيد وأنت استغل هذا البستان لمدة عشر سنوات، والفاعل هذا هو عمر، وعمر رضي الله عنه له سُنة متبعة، ثم لم يظهر معارض يعارض عمر في ذلك.
فاستدل شيخ الإسلام على هذا بدليلين: الدليل الأول: عام، والدليل الثاني: خاص.
وقولهم: إن النخل قد يثمر وقد لا يثمر، نقول: وكذلك الزرع، ألستم تجيزون أن يؤجر الأرض من يزرعها بدراهم معلومة قالوا: بلى، طيب ربما يزرع ويتعب ويحرث ثم لا تنبت، وربما تنبت ثم يفسد الزرع، وربما تنبت ويحصل على الزرع آفة من برد أو ماء كثير يغرقه، فالخطر الموجود في الثمر -ثمر النخل- كالخطر الموجود في زرع الأرض ولا فرق. فالصواب إذن ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
وقد بدأ الناس أخيرًا يفعلون ذلك وإلا فإنهم كانوا بالأول لا يفعلون؛ بناء على المشهور من المذهب، فإن المذهب يفرقون بين تأجير الأرض للزراعة وبين تأجير النخل للاستثمار (...).

***

وأصحابه أجمعين.
سبق لنا ثلاثة أمور فيما يتعلق بالزروع والأشجار، وهي: المغارسة، والمساقاة، والمزارعة.
فما الفرق بين كل واحدة والأخرى؟ (...).
مقدار الحد المزروع، خسر المزارع بدنيًّا وماليًّا، ولنفرض أنه زرع خمس مئة صاع، وجاء الزرع يعني خمس مئة صاع من الحب، وجاء الزرع خمس مئة صاع فقط، كم بيروح من الخمس مئة؟ بيروح مئتين وخمسين مثلًا لصاحب الأرض، وهذا خسر -المزارع- خسر مئتين وخمسين، وخسر أيضًا العمل والتعب، فيكون ربح هذا المالك بغير حق؛ لأنه أخذ من المزارع جزءًا من ماله بدون أي عمل، ما عمل شيئًا، ويكون هذا المالك غانمًا، والمزارع غارمًا، يكون غارمًا.
وهذا الحقيقة لولا الحديث -حديث معاملة خيبر- لكان القول قول من يقول بأنه لا بد في المزارعة من أن يكون الحب من صاحب الأرض. عمل الناس اليوم ليس إلا على ما مشى عليه المؤلف.

***

باب الإجارة
00:30:12

ثم قال المؤلف: (باب الإجارة).
الإجارة مأخوذة من الأجر، وهو العوض المقابل بعمل يسمى أجرًا.
ولهذا يسمى ثواب العمل أجرًا، قال الله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران: ١٨٥].
وهي نوع من البيع، الإجارة نوع من البيع، ولهذا يحرم عقد الإجارة في المسجد كما يحرم عقد البيع، ويحرم عقد الإجارة بعد نداء الجمعة الثاني كما يحرم عقد البيع؛ لأنها نوع من البيع، فهي بيع المنافع في الواقع.
الإجارة تكون على أعيان، أي: على منافع الأعيان وعلى أعمال.
مثال الأول: استأجرت منك السيارة لمدة عشرة أيام أو للحج عليها، هذا عقد على أيش؟ على منفعة عين.
عقد على عمل: استأجرتك على أن تعمل بمزرعتي لمدة يومين أو ثلاثة أو شهر أو شهرين، هذا عقد على أيش؟ على عمل. وسيأتي أقسامها إن شاء الله تعالى في كلام المؤلف.
عقد الإجارة: جائز بدلالة القرآن والسنة وإجماع الأمة:
أما القرآن فإن الله سبحانه وتعالى يقول عن المرأتين اللتين سقى لهما موسى: إنهما قالتا لأبيهما: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص: ٢٦].
وأما في السنة فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم استأجر عبد الله بن أريقط على أن يدله على الطريق من مكة إلى المدينة.
وأما إجماع المسلمين فمعلوم.
وأما النظر والقياس فلأن الحاجة داعية إلى ذلك، قد أحتاج إلى سيارة تحملني إلى الرياض وليس عندي قيمتها، لكن عندي أجرتها، أملك خمس مئة ريال أستأجر بها هذه السيارة، لكن قيمة السيارة، كم قيمتها؟ عشرون ألف ريال، ليس عندي عشرون ألف ريال، فالحاجة داعية إلى ذلك.
الذي يحتاج هو المستأجر ولَّا المؤجر؟
طلبة: المستأجر.
الشيخ: المستأجر والمؤجر، المستأجر حاجته معلومة، والمؤجر أيضًا حاجته معلومة؛ لأنه يقول: كوني أؤجر مثل هذه السيارة ولا تبقى معطلة ليس فيها فائدة، فلما كانت المصلحة أو الحاجة داعية إليها من الطرفين أباحها الشرع.
فيكون الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، كلها دالة على جواز الإجارة.
لكن لا بد لها من شروط، وكل عقد من العقود يذكر له شروط فإنه لا بد أن نستدل لكل شرط من هذه الشروط، وإلا فإن الأصل عدم الشروط.
الأصل حل الشيء على الإطلاق، هذا الأصل، ولهذا كل من ادعى في عقد بيع أنه حرام، قلنا له: هات الدليل؛ لأن الأصل في عقد البيع الحل، وكل من ادعى حرمة في عقد إجارة نقول له: هات الدليل؛ لأن الأصل في العقود الحل.
ولهذا أقول لكم: إن الشروط التي يقولها العلماء -رحمهم الله- في العقود لا بد لها من دليل وإلا فإنها لا تقبل.
الإجارة لها شروط، يقول المؤلف: (تصح بثلاثة شروط) أفادنا المؤلف بقوله: (تصح) إلى أن الإجارة تقع صحيحة وتقع فاسدة، فما وافق الشرع منها فصحيح، وما خالف الشرع ففاسد، وإذا فسدت الإجارة فإنه لا يترتب عليها ما جاء في العقد، بل يثبت فيها أجرة المثل.
ثم هل تكون يد المستأجر يد أمانة أو يد غصب؟ سبق لنا هذا في القواعد قواعد ابن رجب، وذكرنا أن الصحيح أن يده يد أمانة
؛ لأنه قبضها من صاحبها برضاه.
يقول: (تصح بثلاثة شروط).
أحدها: (معرفة المنفعة) لا بد أن تكون المنفعة المعقود عليها معلومة، أما إذا كانت مجهولة فإنها لا تصح، ما الدليل؟
الدليل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ [المائدة: ٩٠، ٩١].
وجه الدلالة: أنه إذا كانت المنفعة مجهولة صارت من الميسر؛ لأن المستأجر وكذلك المؤجر بين غانم وغارم للجهالة، ثم إنها إذا كانت مجهولة ستحدث الخصومة أو المخاصمة والمنازعة المؤدية إلى العداوة والبغضاء.
أما دلالتها من السنة فهو حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر ، وكل مجهول فهو غرر، والإجارة -كما أسلفنا- نوع من البيع.
العلم يكون إما بالعرف وإما بغير العرف، بالعرف مثل سكنى الدار: استأجرت منك هذا البيت للسكنى، كيف السكنى، ويش هي السكنى هذه؟
طلبة: الإقامة.
الشيخ: ما هي السكنى؟ السكن، لكن ويش معناها: إني أستعمل المطبخ مطبخًا، والمعشى معشى، والقهوة قهوة وإلى آخره، ولا أخلي المعشى مربط حمير؟!
طالب: على العرف.
الشيخ: على العرف هذا، لو مثلًا استأجر مني البيت، لما دخلت عليه ولا حاط من المحل مجلط، حاط مثلًا حوش غنم، وحاط لي القهوة حاطها مربط حمير، وحاط من الصالة حوش بقر، يصلح هذا ولَّا لا؟
لو قال: أنا استأجرت منك البيت فملكت منفعته، ولي أن أنتفع فيه بما شئت، ويش أقول له؟
أقول: استأجرت مني البيت للسكنى، والسكنى يرجع فيها إلى العرف، فهل من عرف الناس أن هذا الرجل الذي استأجر مني البيت يسكن فيه الدواب والمواشي؟
لا، لكن لو استأجرت مني حوشًا تبغي تحط فيه الغنم، وجيت ولقيتك حاطت فيه غنم أو حاطت بقر أو حاطت إبل يصلح؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ لأن هذا هو العرف، لكن لاحظوا أنه لو استأجره مني أن يكون حوش مثلًا للغنم وحط فيه بقر هل يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: أيهما أشد تأثيرًا على الحوش؟
طلبة: الغنم.
طلبة آخرون: البقر.
الشيخ: أيهم أشد؟ من اللي عنده بقر وغنم منكم؟ أنت عندك شيء؟
طالب: نعم.
الشيخ: أيهم أشد؟
الطالب: الغنم يا شيخ.
الشيخ: أشد الغنم ليش؟
الطالب: (...).
الشيخ: كيف ذلك؟
طالب: البقر أهدى.
الشيخ: البقر أهدى! والله ما أدري، أنا أخشى أن البقر (...) الباب من..
طالب: تكسر الباب.
الشيخ: وتكسر الباب.
طالب: يقولون: البقر بقرة (...).
الشيخ: على كل حال تأملوا هذا (...).

***

السلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
تقدم لنا أن الإجارة هي العقد على منفعة العين أو على عملها، وأنها جائزة بالكتاب والسنة والإجماع، والقياس يعني النظر الصحيح، وبينا أدلة ذلك، فمن القرآن؟ (...).
طيب يخدمه بأيش؟ لازم يبين ويش الخدمة هذه، تخدمني مثلًا تذهب معي إلى المسجد، تذهب معي إلى السوق، تذهب معي إلى المكتبة وما أشبه ذلك أو ما حاجة نبين هذا؟
طالب: لا حاجة.
الشيخ: نقول: لا حاجة؛ لأن مرجع ذلك إلى العرف (...).
إلى بيانه، فلو استأجره للخدمة قال: يلا الآن عندي مزرعة احرثها، وعندي مصنع اصنع فيه، وعندي ورشة صلح فيها السيارات هل يملك ذلك؟
طلبة: لا يملك.
الشيخ: انتبهوا يا جماعة، هو استأجره للخدمة، وصار يشغله بالمزرعة، والورشة، وبالمصنع، وبكل شيء، نقول: لا يملك هذا؛ لأن هناك فرقًا بين العامل والخادم، فإذا استأجره للخدمة فإنه لا يمكن (...).
لأن هذا مما لم تجر العادة به، لا سيما إذا نص على شيء معين من العمل فإنه لا يملك أن يجعله في غيره؛ لأن بعض الناس عاد يأتون بالعمال الآن -كما يجري الشكوى كثيرًا من العمال- يأتون به ليكون مهندسًا لأنه يجيد الهندسة، ثم يقول: يلا (...) في المزرعة، يقول: ما أعرف في المزرعة، ما أعرف كيف (...) ما أعرف كيف أعدل ولا أعرف كيف أحرث، نقول: لا، هذا نقول: حرام عليه ولا يجوز لأنه دخل معه بعقد على شيء معين فلا يمكن أن يلزمه بغيره.
الثالث: قال (وخدمة آدمي، وتعليم علم) هذا أيضًا مما تصح الإجارة عليه، ولكنه عمل، يقول: استأجرتك على أن تعلم ولدي مادة الحساب لأنه أكمل فيها، فأبغي استأجرك على أن تعلمه هذه المادة يجوز ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز ولا بأس به، ولكن كيف نقدر هذا العمل؟ هل نقدره بالزمن، أو نقدره بالعلم؟
نقول: يجوز أن نقدره بالزمن وهو أحوط، أو أن نقدره بالعلم، لكن تقديره بالعلم فيه صعوبة؛ لأن هذا المعلَّم -الولد- ربما يهمل فيحتاج في تعليمه إلى زمن طويل، لكن إذا قدر بالزمن بأن أقول: استأجرتك تعلم ابني مادة الحساب كل يوم ساعتين، فهذا يكون أضبط وأسلم من النزاع، واضح؟
كذلك أيضًا يجوز أن يستأجره للدلالة على شيء معين، بأن يقول: استأجرتك لتدلني طريق مكة، طريق المدينة، هذا أيضًا جائز؛ لأنه عمل، استأجرتك لتبني هذا الجدار يجوز، لتسلك هذا البيت يجوز، المهم أنه لا بد من معرفة أيش؟ المنفعة المعقود عليها، وذكرنا الأدلة في ذلك.
(الثاني: معرفة الأجرة) ودليل ذلك هو دليل اشتراط معرفة المنفعة؛ لأن الأجرة أحد المعقود عليها، فالإجارة فيها عقد على المنفعة بأجرة، فالأجرة إذن معقود عليها فلا بد من العلم بها.
فلو قال: استأجرت منك هذا البيت بما في هذا الكيس من الدراهم، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لأن الأجرة مجهولة فلا تجوز (...).
(...) مثلًا أسلاك أو تمزق فيه شيء فعليك إصلاحه؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟
طلبة: مجهولة.
الشيخ: مجهولة صحيح؛ لأنه قد يتلف منه شيء كثير، وقد يتلف منه شيء قليل، وقد لا يتلف منه شيء، واضح؟ فالأجرة إذن مجهولة فلا تصح.
قال: (وتصح في الأجير والظئر بطعامهما وكسوتهما).
(وتصح في الأجير والظئر)، الأجير واضح، الرجل المستأجر أو المرأة المستأجرة (بطعامهما وكسوتهما).
الظئر هي المرضعة، يصح أن نستأجر امرأة لترضع ولدي بطعامها وكسوتها؛ انتبهوا الآن فعندنا الطعام والكسوة هل هو معلوم ولَّا غير معلوم؟ هو معلوم بالعرف وليس معلومًا بالتعيين، فإذا استأجرت أجيرًا بطعامه قلت: اعمل عندي اليوم بغدائك وعشائك يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، لكن هذا الرجل قد يأكل كثيرًا وقد يأكل قليلًا؟
طلبة: العرف.
الشيخ: نعطيه كفايته، ولكن هل نعطيه من أعلى أنواع الطعام أو من أدونه أو مما جرت به العادة؟ نقول: مما جرت به العادة، فلو طلب أعلى الطعام ما نعطيه، ولو أعطيناه أدنى الطعام لكنا ظلمناه، فنعطيه ما جرت به العادة للعمال ويكفي.
طيب والمرأة المرضعة؟ كذلك، إنسان استأجر امرأة ترضع طفله على أن يقوم بطعامها وكسوتها، نقول: هذا أيضًا لا بأس به، والمرجع في ذلك إلى العرف، فكما رجعنا إلى العرف في تقدير المنفعة فيما سبق كخدمة آدمي وسكنى الدار نرجع أيضًا إلى العرف في تقدير الأجرة.
هل يجوز أن نستأجر حيوانًا لأخذ لبنه بطعامه والقيام عليه؟ ظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز؛ لأنه خص الأجير والظئر بطعامهما وكسوتهما، وظاهره أن ما سواهما لا يصح، وهذا هو المشهور من المذهب.
والصحيح أن ذلك جائز وأنه يجوز للإنسان أن يستأجر بهائم غيره بطعامها وشرابها وما يصلحها
؛ لأنه لا فرق بين استئجار هذه المرأة لترضع الطفل بطعامها وكسوتها أو استئجار هذه الشاة لأخذ لبنها لمدة أسبوع مثلًا بالقيام عليها بعلفها وسقيها وما أشبهها.
فالصواب أن ذلك جائز كما هو جائز في الظئر.
قال المؤلف: (وإن دخل حمامًا، أو سفينة، أو أعطى ثوبه قَصَّارًا، أو خياطًا بلا عقد؛ صَحَّ بأجرة العادة).
إذا دخل الإنسان حمامًا بلا عقد فإنه يصح بأجرة العادة؛ وذلك لأن صاحب الحمام لم يضع هذا الحمام إلا من أجل أن ينتفع الناس به ويأخذ عليهم الأجر، ولو شاء ألا يدخله أحد لأغلق بابه، وهكذا كل المصالح العامة المفتوحة لعموم الناس، إذا دخلها الإنسان بلا عقد فإنه يصح لكن بأجرة المثل.
فهذا مثلًا حمام قد بناه صاحبه يأتي الناس إليه فيتحممون به، فجاء رجل فدخل وجد الباب مفتوحًا ودخل وتحمم وخرج بدون عقد، هل هذا جائز أو لا؟
الجواب: جائز، وعلى هذا الذي استعمل الحمام عليه أجرة المثل، فإذا كان الرجل البالغ بعشرة، والصغير بخمسة، وهذا رجل بالغ يأخذ عشرة منه، فإن قال: أريد خمسة عشر لم يعط ذلك؛ لأن هذا يرجع فيه إلى العادة والمثل.
كذلك سفينة، سفينة راسية على الميناء يريد صاحبها أن إلى مصر مثلًا، فالناس يأتون ويدخلون بدون عقد للسفر إلى مصر، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز ويعطى أجرة المثل.
ومثل هذا عندنا النقل الجماعي، النقل الجماعي: يقف ويأتي الناس يدخلون ويركبون ويحاسبهم على أجرة المثل.
وكذلك أصحاب التاكسي، وجدت مثلًا صاحب تاكسي في المكان الذي يسافر منه الناس وركبت ولم تقطع معه أجرة ولا عقدًا، فيصح بأجرة المثل.
وهذه قاعدة عامة، في كل من وضع شيئًا ينتفع به الناس على سبيل العموم بالأجرة فإنه يصح أن ينتفع به الإنسان بدون عقد، ولكن عليه أجرة المثل.
(أعطى ثوبه قصارًا) القصار هو الغسال، الذي يغسل الثياب، هذا رجل جاء إلى الغسال فرمى إليه ثوبه -ثوبه الوسخ- فغسله الغسال بدون أن يتفق معه على عقد، فهذا صحيح، ويكون ذلك بأجرة المثل.
طلب القصار من صاحب الثوب عشرة، قال: يا أخي، ثوبي كله ما يسوى عشرة، كيف أعطيك عشرة ريالات، قال: هذه عادتي، شوف القوائم، أنا أغسل الناس الثوب بعشرة، فمن الذي نأخذ بقوله؟
طلبة: القصار.
الشيخ: قول القصار، قال صاحب الثوب: خذ ثوبي لك، خذه، لا أنا معطيك ولا أبغي ثوبي. قال: أنا لا أريده، ثوبك هذا ما يساوي خمسة ريالات، يلزم بأخذ الثوب؟
طلبة: لا يلزم.
الشيخ: لا يلزم، فإذا جاءنا هذا يتظلم صاحب الثوب، قال: أنا لو علمت أنه بعشرة ما أعطيته إياه، نقول له: أنت الذي فرطت، فلماذا لم تسأله؟ أما هذا الرجل فكان معدًّا نفسه لغسل الثياب كل ثوب بعشرة، فإن قال: أنا قد وجدت قصارًا أو غسالًا غسله لي بريالين، نقول: لماذا لم تذهب إلى ذاك؟ وهذه مغسلة راقية، والمغاسل تختلف بلا شك، هل يمكن أن نجعل هذه المغسلة الراقية الذي يخرج منها الثوب كالجديد كمغسلة يخرج منها الثوب كما دخل وربما أسوأ، تجده يخرج متعرفط مثلًا، وكان معطيه إياه متسيبًا، ومع ذلك جاءني متجعدًا كرأس الجارية، هذا يختلف الحكم.
(أو خياطًا) أعطى ثوبه خياطًا جاء إلى الخياط، وقال: خذ هذا الثوب خطه لي، ولم يتفق معه على عقد ولا على أجرة، فخاطه الخياط وطلب منه الأجرة، يلزمه تسليمها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فإذا قال: أنا ما عقدت معه على هذا القدر، قلنا: هذه هي العادة، وإذا كان كثيرًا لم تكن تتوقع أن يبلغ هذا المبلغ فأنت الذي فرطت.
القاعدة في هذه المسائل الأربع -اللي هي: الحمام، والسفينة، والقصار، والخياط-: أن من أعد نفسه للعمل على وجه العموم فإنه يصح استخدامه أو الانتفاع بهذا العمل بأجرة المثل وبدون عقد، وما زال الناس يفعلونه، ولا سيما في مسألة ما يشبه السفينة كالنقل الجماعي وغيره، تجد الإنسان يدخل ويحاسب كما يحاسب غيره.
قال المؤلف: (الثالث: الإباحة في العين)، قوله: (الإباحة في العين) يعني أن تكون عينًا مباحةً أو يكون نفع العين مباحًا؟
طلبة: كلاهما.
الشيخ: إحنا نتكلم الآن على المنافع، فيكون الإباحة في العين: إباحة في نفع العين، وإن كانت هي محرمة، فالحمار مثلًا محرم ولَّا لا؟
طلبة: محرم.
الشيخ: عينه محرمة لا شك، لكن نفعه مباح، فيكون المراد الإباحة في نفع العين، إي نعم (...).

***

نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أنه من شروط الإجارة العلم بالأجرة، وما دليل هذا الشرط (...).
قد دعاني إلى بيته لوليمة، قلت له: أنا ودي أتحمم، قال: تفضل ادخل الحمام، لما أردت الخروج بعدما أكلت الوليمة قال: الأجرة عندك، لي أجرة، ويش الأجرة؟ قال: أجرة الحمام، الناس يتحممون بخمسين ريال. له ذلك ولَّا لا؟
طلبة: لا، ما له ذلك.
الشيخ: ليش؟
طلبة: ما أعده لهذا.
الشيخ: لأنه ما أعده لهذا العمل، وإذا كان يريد مني شيئًا فليقل، والحاصل أنه يجب أن ننتبه لعبارة المؤلف: (إن دخل حمامًا) يعني معدًّا لذلك، سفينة معدة لذلك، والسفينة معروف أنها معدة للركوب بالأجرة.
(أو أعطى ثوبه قَصَّارًا) ولم يقل: أعطى ثوبه رجلًا فقصره، قال: (قصارًا) يعني معدًّا نفسه لذلك، (خياطًا) مثله، خياط معد نفسه للخياطة، أما لو أعطيت ثوبي رجلًا من أصحابي وخاطه لي ثم جاء يطلب الأجرة فإنه لا يستحق؛ لأنه لم يعد نفسه لذلك العمل.
ثم قال المؤلف رحمه الله: الثالث يعني من شروط الإجارة (الثالث: الإباحة في العين)، قال: (الإباحة في العين) والمراد: الإباحة في نفع العين، وإنما قلنا ذلك لأن الباب باب الأجرة، والمعقود عليه في الأجرة النفع أو العين؟
طلبة: النفع.
الشيخ: النفع هذه من جهة، ومن جهة أخرى أن المقصود الإباحة في النفع، لا في العين، ولهذا يجوز استئجار الحمار للعمل عليه مع أن عينه محرمة، فهنا يتعين أن نعرف أن المراد بقوله: (في العين) أي في نفع العين.
استأجرت بيتًا لأسكنه، سكنى البيت مباح ولا غير مباح؟
طلبة: مباح.
الشيخ: مباح، استأجرت هذا البيت لأجعله مسجدًا، يعني مصلى للناس يصلون فيه، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن هذا نفع مباح، بل هذا نفع مشروع، استأجرته لأجعله مدرسة أعلم فيها القرآن، والسنة هذا جائز ولَّا لا؟ جائز.
غير الجائز قال: (فلا تصح على نفع محرم، كالزنا، والزمر، والغناء) يعني: استأجر امرأة يزني بها -والعياذ بالله- فهذا حرام، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ» ، يعني حرامًا، ولأن الله يقول: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: ٢]، والاستئجار للعمل المحرم تعاون على الإثم والعدوان.
(الزمر) استعمال المزمار، استأجرت إنسانًا ليزمر عندي يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، سواء كانت الآلة من عندي أو من عنده؛ لأن الزمر حرام.
استأجرته ليضرب بالعود عندي؟
طلبة: كذلك.
الشيخ: كذلك لا يجوز؛ لأن هذا النفع محرم.
(الغناء) أطلق المؤلف ولم يفصل، ولكن يجب التفصيل؛ فالغناء المحرم لا يجوز الاستئجار له؛ لأنه نفع محرم، فلو استأجرت مغنيًا يغني عندي بآلته التي معه كالموسيقا، فهذا حرام ولا يجوز. استأجرت مغنيًا يغني بهجاء قوم، قوم لا يستحقون الهجاء فهذا حرام. استأجرت مغنيًا يغني بمدح قوم لا يستحقون المدح فهذا حرام ولا يجوز. استأجرت مغنية تغني في العرس غناء مباحًا، جائز ولَّا لا؟
طلبة: جائز.
الشيخ: جائز، وعلى هذا يُعلم ما في إطلاق المؤلف من النظر. استأجرت حاديًا يحدو لإبلي، يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأنه نفع مباح. استأجرت مغنيًا يغني أمام القوم الذين يحرثون أرضي حتى يخلي الواحد منهم يضرب على الأرض وهو يعني ما يشعر، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن الغناء على العمل للتقوي عليه جائز كما كان الصحابة رضي الله عنهم يغنون للتقوي على حفر الخندق، فالإنسان الذي يغني ليتقوى على العمل لا بأس به.
ومنه، بل هو من الحداء في الواقع، ما يفعله الناس لما كانوا يحدون على الإبل، كان فيه بعض العمال يسمونه عاملًا، اللي يسوق الإبل للسواني يسمى العامل عندنا، فيه ناس من العمال عندهم صوت وأداء إذا سمعته الإبل صارت تمشي وكأنها مجنونة حتى تبدى تخرج من المشي العظيم، تسرع في الانحدار وفي الرقي وتخرج ماء عظيمًا، فلو استأجرنا هذا العامل وزدنا في أجرته من أجل حسن حدائه للإبل فإن هذا جائز ولا بأس به.
والمهم العمل هل هو حرام ولَّا حلال؟ إذا كان حرامًا فالاستئجار عليه حرام، وإذا كان حلالًا فالاستئجار عليه حلال.
(وجعل داره كنيسة) جاء نصراني يستأجر مني الدار ليسكنها، وجاءني نصراني آخر يستأجر هذه الدار ليجعلها كنيسة، معبد نصارى، ماذا نقول في الإجارتين؟ الأولى: صحيحة وإن كانت مكروهة عند بعض أهل العلم، والثانية حرام بلا شك، استأجرها ليحولها إلى كنيسة هذا لا يجوز؛ لأن هذا إعانة على الإثم والعدوان.
فإن قال قائل: أليست الكنيسة جائزة للنصارى؟ قلنا: ولكنها ليست مرضية لله ولا لرسوله، ولا يجوز لنا أن نمكنهم من إقامة عباداتهم في بلادنا.
(أو لبيع الخمر) استأجر مني هذا البيت ليبيع فيه الخمر -خمار- يبغي يصنع الخمر في البيت ويبيعه يجوز ولَّا ما يجوز؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأن هذا عمل محرم، والتأجير من أجله تعاون على الإثم والعدوان وقد نهينا عنه: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: ٢].
وكلام المؤلف هنا لا يعني أن من باع الخمر يقر عليه، أو من صنع الخمر يقر عليه، لكن لبيان الواقع، وبيان الواقع لا يدل على الإذن والحل، ألم تر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» وهذا يدل على الإذن والإباحة ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يدل على الإذن والإباحة، كلام المؤلف يريد أن يبين الواقع، فإذا وقع مثل هذا فهو لا تصح الإجارة عليه.
إذا اشتراها لبيع الدخان؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: الدخان مثل الخمر؟
طلبة: هو محرم.
الشيخ: الدخان مثل الخمر يا شيخ؟!
طلبة: إي نعم، هو محرم.
الشيخ: إي نقول: كما لا يصح لبيع الخمر لا يصح أيضًا لبيع الدخان، العلة: التحريم في كل منهما، فإذا جاءني إنسان يريد أن يستأجر هذا الدكان ليكون محلًّا لبيع الدخان، قلنا: حرام لا يجوز، وأجرته حرام لا يحل لي أكلها ولا الانتفاع بها.
استأجره مني ليجعله مخزنًا مستودعًا للدخان، ما يبيع فيه؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: حرام ولَّا لا؟
طلبة: حرام.
الشيخ: حرام أيضًا. استأجره مني ليجعله بقالة؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، كذا؟ لكن إذا قال: من شرط حياة البقالة أن يكون فيها دخان، والناس إذا قلت: هذه بقالة ما فيها دخان ما يشترون منه يروحوا للبقالة الأخرى، وأنا أعرف أنه سيجعل فيها هذا الدخان يجوز ولَّا لا؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لكن لو استأجرها مني على أنه سيبيع فيها أشياء مباحة وبعد ذلك صار هو يجعل فيها أشياء محرمة، فالعقد صحيح، كما لو استأجر مني البيت ليسكنه ثم صار يصلي فيه يتعبد عبادة النصارى كما يتعبدون في الكنائس، فهذا يكون العقد صحيحًا، لكن إذا انتهت مدة العقد فإنه لا يجوز لي أن أجدد العقد في حقه، وأنا أعلم أنه سيبيع فيه الشيء المحرم، واضح يا جماعة؟
استأجر مني دكانًا ليجعله بنكًا ربويًّا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، كذا؟ وهل نقول: إن المؤجر ملعون؟ نقول: أما الرسول عليه الصلاة والسلام فقد لعن آكله وموكله وشاهديه وكاتبه ، والمؤجر أشد عونًا على الربا من الكاتب والشاهد؛ لأنه مشارك مشاركة فعلية، لكن الجزم في دخوله في اللعنة لا نجزم به، نخشى أن نكون افترينا على الله كذبًا، إنما نقول: نحن نخشى أن يكون داخلًا في اللعنة لأن معاونة المرابي على الربا في إجارته هذا الدكان أشد من كاتب يكتب أو شاهد يشهد.
خلاصة الكلام: كل نفع محرم فإنه لا يجوز التأجير له، الدليل قوله تعالى: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة: ٢].
(وتصح إجارة حائط لوضع أطراف خشبه عليه) من اللي بيستأجر؟ الجار، يستأجر هذا الحائط ليضع أطراف خشبه عليه، نقول: هذا يجوز، لكن إذا كان يتعين على الجار أن يمكنه من وضع أطراف الخشب عليه، وقال: لا يمكن أن تضع أطراف الخشب إلا بأجرة صارت الأجرة حرامًا، حرامًا على من؟
على صاحب الجدار، أما الجار الذي يضع الخشب فليست حرامًا عليه؛ لأنه مظلوم، وذلك هو الظالم، لكن إذا كان الجدار لا يلزم صاحبه أن يمكن جاره من وضع الخشب عليه وأجره إياه حينئذ يجوز ذلك.
وإنما نص المؤلف على هذا مع كونه أمرًا معلومًا؛ لأن المدة هنا غير معلومة؛ إذ إن صاحب الخشب سيملك الوضع على الجدار حتى ينهدم، فهنا المدة غير معلومة لكن سقط وجوب تعيينها للحاجة.
ثم قال المؤلف: (ولا تؤجر المرأة نفسها بغير إذن زوجها) المرأة لا تؤجر نفسها بغير إذن زوجها لأنها إذا أجرت نفسها فوتت على زوجها الاستمتاع بها.
فلو أن امرأة تزوجت رجلًا، وبعد عقد النكاح تعاقدت مع وزارة التعليم لتكون مدرسة، فإن هذا حرام، ولا يجوز لها أن تفعل ذلك إلا بإذن الزوج، فإذا قالت: أنا أملك نفسي وأنا حرة، قلنا: ليس كذلك، أنت الآن مملوكة المنافع، لمن؟
طلبة: للزوج.
الشيخ: للزوج، ولهذا قال الله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [النساء: ٢٤]، فلا يمكن أن تؤجري نفسك إلا بإذن الزوج.
فإن اشترطت عليه عند العقد أن يمكنها من التدريس وقبل؛ صح ذلك، ولزمه الوفاء بالشرط.
وعلم من قول المؤلف: لا تؤجر نفسها؛ أنها لو استؤجرت على عمل -ما هو تأجير النفس- على عمل، مثل الخياطة، أعطيتها ثوبًا لتخيطه، فلها أن تعقد الأجرة معي بدون إذن الزوج، ولكن ليس لها الحق في أن تضيع حق زوجها لتقوم بخياطة هذا الثوب، واضح؟
الفرق واضح؛ لأن تأجير النفس يملك المستأجر نفس المرأة تعمل عنده، وهذه المرأة تبغي تعمل في بيتها، استأجرها لخياطة الثوب تخيطه في أول النهار، في آخر النهار، في أول الليل، إذا غاب زوجها ما تضيع حق الزوج، لكن إذا أجرت نفسها فقد ضيعت حق الزوج.
هل يجوز أن تكون خادمًا عند الناس بدون إذن زوجها؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأن هذا إجارة نفس، بخلاف ما إذا استؤجرت على عمل تعمله وهي في بيت زوجها، فهذا جائز، لكن ليس لها الحق في أن تضيع حق زوجها.
فإن قال قائل: قد يغريها هذا العقد فتضيع حق زوجها، يعني أننا إذا أبحنا لها أن نستأجرها لخياطة الثوب يمكن يغريها هذا العقد، تبدأ تأخذ الثياب من الناس وتشتغل بالخياطة وتنسى حقوق الزوج، قلنا: إذا أدى هذا إلى هذه الحال وجب منعه وإلا فالأصل الجواز (...).

***

(ويشترط في العين المؤجرة) إلى آخره.
سبق أنه يشترط لصحة الإجارة أن يكون في العين نفع مباح، أن يكون في العين نفع، والثاني: مباح.
فإن لم يكن لها نفع فإن الإجارة لا تصح كما سيأتي إن شاء الله تعالى في شروط إجارة العين.
وإن كان فيها نفع محرم واستأجرها لهذا العمل المحرم كذلك أيضًا لا يصح، وهو حرام؛ لأنه تعاون على الإثم والعدوان.
مثاله في المحرم: استئجار العين المحرم (...).
(ويشترط في العين المؤجرة: معرفتها برؤية أو صفة) يشترط في العين المؤجرة معرفتها لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر ، ولأن عدم معرفتها يفضي إلى النزاع، وما أفضى إلى النزاع فإن الشارع يمنع منه.
فإذا قال قائل: النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر، وهذا إجارة؟
فالجواب: أن الإجارة نوع من البيع فهي بيع المنافع، يشترط أن تكون معروفة.
(برؤية) بأن يقول: آجرتك هذه الدار يدخل في الدار ويشوفها وينظر لها، آجرتك هذه السيارة وينظر للسيارة.
(برؤية أو صفة) يعني أن للعلم طريقين: الرؤية والصفة، لكن الصفة فيما ينضبط بالوصف، مثل أن أقول: آجرتك سيارة نوعها كذا، وموديلها كذا، وأصفها بوصف تام لتحج عليها، يجوز هذا ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: السيارة تنضبط بالوصف ولَّا ما تنضبط؟
طلبة: تنضبط.
الشيخ: تنضبط بالوصف، فيجوز عقد الإجارة على علم بالصفة.
قال: (في غير الدار ونحوها) أما الدار ونحوها مما لا يمكن ضبطه بالصفة فإنه لا يصح تأجيره بالصفة، بل لا بد من الرؤية، فلو استأجرت منك بيتًا ووصفته لي أنت وصفًا دقيقًا تامًّا فإن الإجارة لا تصح.
لو قلت: عندي لك بيت فيه حوش كذا وكذا مترًا عرضًا وطولًا، فيه حجرتان طولهما كذا، عرضهما كذا، فيه مطبخ طوله كذا، عرضه كذا، فيه حمام وتصفه بكل أوصافه، هل تصح الإجارة لهذا البيت ولَّا لا؟
لا تصح، حتى تذهب وتراه بعينك، لماذا؟
لأن الوصف في هذا لا يضبطه بالكلية أبدًا، لا بد أن يكون هناك ميل من الإنسان لما استأجره، أحيانًا تدخل البيت من حين ما تدخله ينشرح صدرك وتطمئن إليه، أحيانًا تدخل البيت من حين ما تدخله يضيق صدرك وتحب أن تخرج منه، حتى وإن كان فيه مثلًا حجر وفيه حمامات وفيه كل منافعه لكن هذا شيء يتوقف على الرؤية، ولهذا لا يجوز تأجير البيوت بالوصف، بل لا بد من الرؤية.
إذا قال قائل: هل يجوز أن أوكل شخصًا يقوم بالرؤية عني؟ الجواب: نعم، ولهذا يجوز أن أوكل شخصًا فأقول: استأجر لي بيتًا فيه كذا وكذا وكذا، فيذهب ويستأجر، والوكيل يقوم مقام الموكل.
يقول المؤلف: والثاني: (أن يعقد على نفعها دون أجزائها) أن يعقد على نفعها، أي نفع العين، دون أجزائها، البعير مثلًا ويش نفعها بماذا؟ بالركوب والحمل. الدار: نفعها بالسكنى. الدكان: نفعه بعرض البضاعة فيه، وهكذا، فلا بد أن يكون العقد على النفع دون العين.
فإن عقد على العين بأن قال: بعت عليك داري مدة سنة بكذا وكذا، فإنه على المذهب لا يصح العقد؛ لأنه أضيف إلى العين، ومورد العقد في الإجارة النفع.
فإذا قلت: بعتك داري لمدة سنة بألف ريال مثلًا، قلنا: هذ العقد لا يصح، ليش يا جماعة؟ قال: لأنه قال: بيع، أضاف البيع إلى العين.
لو قال: بعتك منافعها أو بعتك سكناها لمدة سنة، يصح، هذا يصح؛ لأنه ورد العقد على المنفعة، فلا بد أن يعقد على النفع دون الأجزاء.
لو قال: آجرتك هذا التمر لتأكله.
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنه على العين.
الشيخ: على العين، تقول: يا بني ويش يبقى لك؟
طالب: النوى.
الشيخ: بخلاف الدار إذا سكنتها بقيت لك الدار، فلا بد أن يكون العقد على المنافع.
قال: (فلا تصح إجارة الطعام للأكل) معلوم مثلًا ياسر قال للأخ نصر: أجرتك هذه الخبزة لتأكلها بدرهم، فأكلها نصر، ويش بقي لياسر؟ ما بقي شيء، إذن لا يصح.
إجارة الطعام للأكل، الثوب للبس؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يصح؛ لأنه ينتفع به مع بقاء العين، فالثوب للبس لا بأس به، الشراب للشرب؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، آجرتك لبنًا لتشربه، ما يجوز.
يقول: (ولا الشمع ليشعله)، نعم آجرتك الشمع لتشعله بعشرة ريالات، يقول المؤلف: لا يصح، لماذا؟ لأن الشمع يذوب ويزول إذا أشعل، فلا يبقى شيء.
وقال شيخ الإسلام: هذا صحيح، أنه يصح أن يؤجره الشمع ليشعله، فإذا آجره هذه الشمعة أو هذا العمود من الشمعة بعشرة ريالات صح، إن أتلفه كله فقد تلف كله واستحق الأجرة كاملة، وإن أتلف بعضه فإنه يستحق من الأجرة بقسطه، هذا إذا كان استأجره لعمل، بأن قال: استأجرت منك الشمعة للضيوف، أما إذا قال: استأجرتك مطلقًا فإن الباقي يكون على المستأجر.
شيخ الإسلام -رحمه الله- يقول: إن هذا من جنس البيع، كما أنه يجوز أن أقول: بعتك هذه الصبرة (...) من الطعام كل صاع بكذا، كذلك الشمع أجرتك إياه كل ساعة بكذا وكذا، ولا مانع (...).
إي نعم يذوب (...) إي نعم يعني يمكن يستعمل مرة ثانية، لكن تكرر الاستعمالات يحترق، يذوب.
طالب: القلم يا شيخ.
الشيخ: القلم إذا كان قلم رصاص فهذا ما يصح؛ لأنه بيتلف بالاستعمال، أما إذا كان قلم حبر فلا بأس، ما فيه مانع.
(ولا الشمع ليشعله، ولا حيوان ليأخذ لبنه إلا في الظئر) يعني: ولا يصح أن يستأجر حيوانًا لأخذ لبنه إلا في الظئر.
ما هي الظئر؟ المرضعة، أما الظئر فيجوز استئجارها لأخذ لبنها، بأن تستأجر امرأة لإرضاع طفلك لمدة سنة، هذا جائز، ودليل ذلك من القرآن قال الله تعالى: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الطلاق: ٦]
فصرح الله تعالى بأن هذا أجر، وهو يدل على صحة هذه الإجارة.
استأجر شخص حيوانًا ليرضع طفلًا صغيرًا عنده من الحيوان، يقول المؤلف: إنه لا يصح، يعني مثلًا إنسان عنده شاة ذات لبن، وأنا عندي سخلة صغيرة تحتاج إلى لبن، ماتت أمها فاستأجرت شاة فلان لإرضاع هذه السخلة الصغيرة، يجوز، على رأي المؤلف لا يجوز، لماذا؟ قال: لأنه لم يرد استئجار شيء تذهب عينه إلا في الظئر.
بل قال: إن استئجار الظئر ليس لأجل اللبن، شوف -سبحان الله- استئجار الظئر ليس لأجل اللبن ولكن لخدمة الطفل، أخذ الطفل ووضعه على الفخذ وإلقامه الثدي وتهدئته إذا صاح عند الرضاع هذا هو الذي استؤجرت الظئر من أجله، ماذا تقولون في هذا التعليل؟
نقول: هذا التعليل عليل، إن لم يكن ميتًا، لو تأتيني امرأة عجوز ليس في ثديها لبن تقول: تعال أنا باهدي لك ها الصبي هذا إذا صاح علي حطيته على رجلي وهدأته وألقمته هذا الثدي اليابس، يعطيها إياه ولَّا لا؟
طلبة: لا يعطيها.
الشيخ: ما يعطيها إياه، ويش أخليه بس يمصمص شيئًا ما فيه لبن.
إذن ما هو المعقود عليه حقيقة في الظئر؟ المعقود عليه حقيقة هو اللبن بلا شك، ولا أحد يشك في هذا، فإذا كان المعقود عليه هو اللبن فلا فرق بين الظئر وبين حيوان آخر الذي أستأجره لأخذ لبنه.
ولهذا صحح شيخ الإسلام ابن تيمية جواز استئجار الحيوان لأخذ لبنه، وقال: إن الله عز وجل أباح استئجار المرضع لأخذ لبنها، ولا فرق، ثم أخذ من هذا قاعدة وقال: إن الأعيان التي يخلف بعضها بعضًا بمنزلة المنافع، الأعيان التي يخلف بعضها بعضًا يعني معناه إذا ذهبت عين جاء بدلها أنها تكون بمنزلة المنافع، فاللبن إذا خلا الضرع منه امتلأ مرة أخرى وهكذا، فيجعل هذه الأعيان الذي يخلف بعضها بعضًا بمنزلة المنافع.
وما قاله شيخ الإسلام رحمه الله هو الصواب
، وعلى هذا فيجوز استئجار الحيوان لأخذ لبنه، وله صورتان:
الصورة الأولى: أن يكون عندي سخلة صغيرة تحتاج إلى رضاعة، وليس عندي أم ترضعها، فآتي إلى هذا الرجل عنده أم ترضعها وأقول: خذ هذه السخلة أرضعها ولك في كل شهر كذا وكذا، وهذه كما تعلمون نظير الظئر من كل وجه، حتى صاحب الشاة والماعز الذي عنده شاة أو ماعز سوف يأخذ هذه السخلة ويذهب بها ويلقمها الثدي ويقوم عليها نوعًا من القيام، فهي تشبه تمامًا الظئر لا شك في هذا.
الصورة الثانية: أن أستأجر منك الحيوان لمدة أسبوع لأخذ لبنه، وهذه تقع أحيانًا، يأتي إلى الإنسان ضيوف وليس عنده من اللبن ما يكفيهم، فيقول: بدل ما أذهب أشتري من السوق لبنًا آخذ غنمًا من جاري أستأجرها منه كل يوم بكذا وكذا، هذا جائز أيضًا، وإن كان هذا يخالف الظئر من بعض الوجوه لكنه بمعناه؛ لأن المقصود من استئجار الظئر هو اللبن، هذا أيضًا المقصود منه اللبن، فيجوز أن أستأجر الحيوان لأخذ لبنه على الصورتين.
وهذا القول هو الراجح؛ لأن الأعيان التي يخلف بعضها بعضًا بمنزلة المنافع.
قال المؤلف: (وماء الأرض ونقع البئر يدخلان تبعًا) الله أكبر، هذا جواب سؤال مقدر، وهو أن الإنسان يؤجر أرضًا مثلًا ولنقل: إنه البيت، أجر بيتًا وفيه بئر يدخل استعمال الماء -ماء البئر- في الإجارة ولَّا لا؟
طالب: يدخل.
الشيخ: يدخل تبعًا، مع أن الماء لا ينتفع به إلا بذهاب عينه.
يقول المؤلف: إنه يدخل تبعًا، وعلى هذا فإذا استأجرت أرضا وفيها بئر فإن ماء البئر الذي فيها يدخل تبعًا.
ويغتفر في التوابع ما لا يغتفر في الأصول؛ لأن الشيء قد يدخل تبعًا لا استقلالًا، قد يدخل في الشيء لغيره تبعًا، وإن يكن لو..