كتاب البيع (الشرح الأول) - 32
عدد الزيارات 1002

(وإن أطعمه لمالكه أو رَهَنَه أو أودعه أو آجَرَه إياه لم يبرأ إلا أن يعلم، ويبرأ بإعارته).
مَن اللي يبرأ؟
طلبة: الغاصب.
الشيخ: الغاصب، (بإعارته) أي: إعارة المالك، فلو غصب ساعة وجاء المالك إلى هذا الغاصب وقال: أَعِرْنِي الساعة، فأعاره الساعة على أنها عاريَّة، ثم تلفت، هل يبرأ الغاصب أو لا؟
طلبة: يبرأ.
الشيخ: يبرأ، لماذا؟ لأن المذهب أن العاريَّة مضمونة على المستعير لكل حال، فنقول: أنت الآن مستعير، والعاريَّة إذا تلفت عندك فأنت ضامن، ولا فائدة من أن نقول: اضمن ونرد عليك القروش، ما لك هذا. إذن نقول: يبرأ الغاصب بالإعارة، فإن قلنا: إن المستعير لا يضمن إلا إذا تعدى وفرَّط، فإنه لا يبرأ الغاصب إلا إذا تعدَّى أو فرَّط، فإن لم يتعدَّ أو يفرِّط فإنه يرجع على الغاصب.
فإذا قال قائل: هل هذه الصورة ممكنة؟ يعني هل يمكن أن المالك يأتي إلى الغاصب ليستعير منه العين المغصوبة؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا يعلم من (...).
طلبة: (...).
الشيخ: إي نعم، يمكن بتغير الصفة، أو يأخذ منه مثلًا حيوانًا كشاة ويذبحه، ويمكن يعيره لحمًا.
طالب: أو يكبر.
الشيخ: ممكن يغير الجلد.
طلبة: يمكن.
الشيخ: يمكن، لكن اللحم أظنه ما يُسْتَعَار؛ لأن اللحم لا يُنْتَفَع به إلا بإتلافه، إلا بأكله، إذن نقول: هذه عدة صور؛ أولًا: إذا أطعمه لمالكه فهو يبرأ، ولّا لا؟
طلبة: إن علم المالك برئ.
الشيخ: نعم، إن علم المالك برئ الغاصب، وإن لم يعلم لم يبرأ.
إذا رهنه لمالكه؛ إن علم المالك أن هذا ملكه، نصف ملكه وقد (...) وبرئ الغاصب، وإن لم يعلم لم يبرأ، وكذلك لو أودعه إياه أو آجَرَهُ إياه؛ لأن المالك إذا لم يعلم فإنه يتصرف مع الغاصب على أنه مالك لا غاصب.
قال المؤلف: (وما تلف أو تغيَّب من مغصوب مِثْلِيٍّ غَرِمَ مثله إذن، وإلا فقيمته).
قوله: (وما تلف أو تغيَّب) (ما) هذه شرطية أو موصولة؟
طالب: يحتمل.
الشيخ: يحتمل، لكن ظاهر الجواب قوله: (غرم) أنها شرطية، يعني: أي مغصوب يتلف وهو مِثْلِيّ غرم الغاصب مثله، ولو زادت قيمته أضعافًا مضاعفة، ولو نقصت قيمته إلى أدنى شيء، المهم أن الْمِثْلِيّ يضمن بمثله.
ما هو الْمِثْلِيّ؟ استمع إلى تعريف المثلي في المذهب: كل مَكِيل أو موزون يصح السَّلَم فيه وليس فيه صناعة مباحة.
كل مكيل أو موزون، هذا الجنس ويش بعد؟
طلبة: يصح السَّلَم فيه.
الشيخ: يصح السَّلَم فيه ليس فيه صناعة مباحة، فخرج بقولنا: كل مكيل أو موزون، كُلُّ ما ليس بمكيل ولا موزون، مثل الحيوان والثياب والأعلاف والفواكه وما أشبهها؛ لأننا نقول: كل مكيل أو موزون يصح السَّلَم فيه، خرج بذلك ما لا يصح السَّلَم فيه وهو الذي لا يمكن انضباط صفاته، فالذي لا يمكن انضباط صفاته ولو كان مكيلًا أو موزونًا لا يعتبرونه مِثْلِيًّا.
وقوله: لا صناعة فيه، خرج به ما كان مصنوعًا، فالمصنوع ليس بِمِثْلِيّ، وإن كان له مثله في السوق، مثل الفناجيل مِثْلِيَّة ولّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، على المذهب ليست بمثلية، حتى لو كانت الشركة واحدة والمنتج واحدًا، بل لو كان من كرتون واحد نقول: هذا ليس بِمِثْلِيّ؛ لأن فيه صناعة مباحة، احترازًا مما فيه صناعة محرَّمة فهذا لا يخرج عن المثلية، مثاله: الْبُرّ التمر الشعير الذهب الفضة الحديد السكر، وما أشبه ذلك، اللحم مِثْلِيّ ولّا غير مثلي؟
طلبة: مثلي.
الشيخ: نعم، مثلي؛ لأن اللحم يصح السَّلَم فيه إذا عُيِّن موضع القطع ثم الذبيحة، وما أشبه ذلك، اللؤلؤ والجواهر وما أشبهها لا يصح، لماذا؟ لأنه لا يصح فيها السَّلَم، الفناجيل الأباريق الكؤوس الأقلام يقولون: ليست بمثلية، الآن مثلًا هذا القلم اللي معي معكم كثير من جنسه ولّا لا؟ لو أضعه هنا وتضع قلمك هنا وأنصرف، ثم تغير المكان، تحطها لي في المكان هذا وأرجع، ويش آخذ ؟
طالب: القلم.
الشيخ: آخذ القلم اللي في المكان اللي راح قلمي فيه؛ لأنهما سواء متماثلان، ما هما متشابهان، أيهما أشد تماثلًا؛ تماثل هذه الأقلام أو تماثل صاع بُرّ بصاع بُرّ، أيهما أشد؟
طلبة: الأقلام.
الشيخ: الأقلام بلا شك أشد، ولهذا التعريف للمثلي بهذا المذكور ضعيف جدًّا، والصواب أن المثلي ما كان له مماثل أو مقارب من أي شيء كان، هذا المثلي، حتى الحيوان مثلي، ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأخذ البعير بالبعيرين والثلاثة إلى إبل الصدقة ، ما يأخذها بالقيمة، يأخذها بالمماثلة، لكن نظرًا للتأخير يزيد المثل على المثل الأول في العدد.
إذن الصحيح في المثلي ما كان له مثيل أو مقارب فهو مثلي، ويدل على هذا:
أولًا: الاشتقاق، هذا مثل هذا، أي: نظيره على أي وجه كان.
ثانيًا: أن إحدى أمهات المؤمنين أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيت عائشة طعامًا بإناء، فلما جاء به الرسول إلى بيت عائشة، وكانت عائشة رضى الله عنها شديدة الغيرة على رسول صلى الله عليه وسلم لعِظَم محبتها له، لما جاء الرسول ضربت بيده حتى سقط الإناء وانكسر وانتثر الطعام، فماذا صنع الرسول عليه الصلاة والسلام؟ أخذ إناء عائشة وردَّه مع الرسول وقال: «إِنَاءٌ بِإِنَاءٍ، وَطَعَامٌ بِطَعَامٍ» ، والإناء فيه صناعة ولَّا ما فيه صناعة؟
طلبة: فيه صناعة.
الشيخ: فيه صناعة، وهذا دليل على أن المثلي ليس كما خصه الفقهاء رحمهم الله بهذه القيود التي ليس عليها دليل، لكن الحكم صحيح، وهو قوله: إن المثلي يضمن بمثله، سواء زادت القيمة أم نقصت، فإذا أتلف شخص لي شيئًا غصبه وأتلفه وكان يساوي حين ذاك مئة درهم، وعند المطالبة لا يساوي إلا عشرة دراهم، هل لي أكثر من ذلك؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ليس لي أكثر من ذلك، وعلى هذا فالمثلي يضمن بمثله؛ نقصت القيمة أم زادت، لو كان هذا الشيء الذي غصبه مني حين تلفه يساوي عشرة، وعند المطالبة يساوي مئة، هل أكون ظالِمًا له إذا ألزمته بإعطاء المثل مع الزيادة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن لي المثل، سواء زادت أم نقصت، لكن بعض أهل العلم رحمهم الله يقولوا: إن النقص بالسعر كنقص الصفة، فكما أنك لو أخذت بعيرًا ونقص عندك تضمن نقصه، فإذا نقص سعره ضمنت نقصه، وهذا القول متجه جدًّا، لا سيما إذا كان الغاصب غصب هذا الشيء في موسمه ثم رده مع الكساد، فلا يمكن أن نقول: إنك لا ترد النقص.
يعني هذا الإنسان مثلًا غصب من شخص فراشًا في موسم تزيد فيه الفُرُش، غصبه منه وهو يساوي مثلًا ألف درهم، ثم عند المطالبة لا يساوي هذا الفراش إلا مئة درهم، هل نقول: إنه إذا ضمن هذا الفراش لا يعطى شيئًا؟ لا نقول بهذا، هذا في الواقع ظلم، نقول: الآن غصبت مني الفراش وذهبت بِعْتَه في ذلك اليوم بألف، والآن تأتي إليَّ وتقول: هذا فراشك لا يساوي إلا مئة؟ والله أعلم. (...).
ثم قال المؤلف رحمه الله عندي بالشرح: و(ينبغي أن يستثنى منه الماء في المفازة، فإنه يضمن بقيمته في مكانه، ذكره في المبدع) يُسْتَثْنَى من هذا -على كلام المؤلف- الماء في المفازة، يعني: في المهلكة، (فإنه يضمن بقيمته في مكانه)؛ لأن الماء في المفازة يساوي قيمة كثيرة، فرجل مثلًا غصب قربة ماء في أرض مفازة من شخص، فلما وصلَا إلى البلد قال: أعطيك قربة ماء، ما تقولون في هذا؟
نقول: أما على القاعدة فإنه ماء بماء، وهو مثله ويكفي، ولكن هذا مستثنى، قالوا: بل يعطى قيمته في مكانه، القربة في المفازة تساوي مثلًا ألف ريال، في البلد ولا ريال، إي نعم، فكيف أنه أخذها منه في ذلك المكان وربما يكون باعها وانتفع بها، ثم يأتي ويقول: أعطيك مثلها في البلد، فهذا مستثنى حتى على المذهب.
قال: (وإلا فقيمته يوم تعذَّر) يعني: وإلا يمكن الضمان بالمثل فإنه يضمن بقيمته يوم تعذُّره.
مثال ذلك: غصب نوعًا من الحب، ولتكن ذرة، غصب صاعًا من الذرة، وانقطعت الذرة، ما صارت تُزْرَع، فهل نُلْزِم الغاصب بصاع من هذه الذرة التي انقطعت؟ الجواب: لا؛ لأنه لا يستطيع، لكن نقول له: قيمتها وقت التعذر، قيمتها يوم الغصب الصاع بعشرة، قيمتها يوم التعذر الصاع بعشرين، كم يضمن؟
طلبة: عشرين.
الشيخ: قيمتها وقت الطلب الصاع بمئة.
طلبة: عشرين.
الشيخ: عشرين، لاحظوا عندنا ثلاثة أوقات؛ وقت الغصب، ووقت التعذر، ووقت الطلب، هذا الرجل حين غصب الذرة يساوي الصاع عشرة، وحين تعذَّرت وانقطعت يساوي عشرين، وحين الطلب لما طلبه الغاصب به يساوي مئة، فقال الغاصب: أنا أريد أن يعطيني مئة؛ لأن الأصل أن الصاع باقٍ في ذمته تقديرًا، وأنا لا أقبل إلا مئة. نقول: نعم، لو كانت هذه الذرة موجودة الآن وارتفع سعرها إلى مئة فلك الحق أن تقول: أعطني صاعًا أو أعطني مئة؛ لأنه إذا أعطاك صاعًا فكما لو أعطاك مئة، أما وقد انقطعت فإنه بمجرد انقطاعها وتعذر تسليمها سقط المثل ووجبت؟
طلبة: القيمة.
الشيخ: القيمة، فنعتبر القيمة وقت أيش؟
طلبة: وقت التعذر.
الشيخ: وقت التعذر لا وقت الطلب، قيمتها وقت التعذر تساوي عشرين، فإذا قال الغاصب: أنا أخذت هذا الصاع منه وهو يساوي عشرة، ولا أعطيه إلا عشرة؛ لأني أخذت الصاع، وفي الحال طحنته وأكلته، ماذا نقول؟ نقول: لا؛ لأنك لما أخذته وطحنته وأكلته كان الواجب صاعًا، الواجب قيمته صاع إلا إن تعذَّر وانقطع، فيلزمك قيمة الصاع وقت؟
طالب: التعذر.
الشيخ: التعذر، وهذا القول الذي مشى عليه المؤلف هو القول الوسط، وهو الصحيح
؛ أن له قيمة المثلي المتعذِّر وقت؟
طلبة: التعذر.
الشيخ: وقت التعذر، قال: (وإلا فقيمته يوم تعذر).
(ويضمن غير المثلي بقيمته يوم تلفه).
طالب: يوم تعذر رده.
الشيخ: (ويضمن غير المثلي بقيمته يوم تلفه).
الطالب: اللي قبله.
الشيخ: اللي قبله، وإلا يمكن رد المثل يعني؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فقيمته يوم تعذر، بس.
طالب: رده.
الشيخ: يوم تعذر أيش؟
الطالب: رده.
الشيخ: يوم تعذر الرد؟ لا، عندنا يوم التعذر؟ ما هي موجودة ولا بالشرح، عندك بالشرح؟
طالب: (...) وإلا فقيمته يوم تعذر.
الشيخ: لكن ما فيها رد، الإخوان يقولون: إن فيها (يومَ تَعَذُّرِ رَدٍّ).
طالب: (...).
الشيخ: يوم تعذر.
الطالب: يوم تعذر رده.
الشيخ: لا، ما هي موجودة، غلط، ما هي موجودة لا بالشرح ولا بالمتن، اشطبوا عليها.
طالب: فيه ضمير يا شيخ.
الشيخ: رد، اشطبوا عليها.
طالب: وإلا فقيمته يوم تعذُّرِه.
الشيخ: هذه أهون، الضمير ما عندنا ضمير، لكن يوم تعذر ردا ما هو بصحيح، المهم الآن فهمنا أن الواجب في ضمان المثل ما هو؟
طلبة: المثل.
الشيخ: ضمان المثل ولو زادت قيمته لو كان حين الغصب يساوي مئة وصار حين الضمان يساوي ألفا فعليه أيش؟
طلبة: المثل.
الشيخ: عليه المثل عليه إعطاء المثل على كل حال وإن كان يساوي في الغصب ألفا وحين الرد مئة فليس عليه إلا المثل ولكن هل يضمن نقص السعر أو لا يضمن المذهب؟
طلبة: لا يضمن.
الشيخ: لا يضمن، والصحيح أنه يضمن
.
أما غير المثلي فقال بقيمته يوم تلفه، يضمن غير المثلي بقيمته يوم تلفه، ويش مثال غير المثلي؟ على المذهب غير المثلي أكثر من المثلي بكثير؛ لأن المثلي عندهم ضيق جدًّا، فالثياب مثلًا كلها عندهم غير مثلية، فإذا غصب ثوبًا وتلف الثوب فعليه قيمته وقت التلف؛ لأنه حين وجوده وهو باقٍ على ملك صاحبه، فإذا تلف زال ملك صاحبه، فلتثبت القيمة لصاحبه حين أيش؟ حين التلف.
مثال هذا: رجل غصب ثوبًا فلبسه، هذا الثوب يساوي خمسين ريالًا، تلف الثوب، احترق، وكان حين احتراقه يساوي مئة ريال، ثم طالب المالك بثوبه، وكان حين الطلب يساوي مئتي ريال، فما الواجب؟
طالب: مئة.
الشيخ: الواجب مئة ريال، مع أن الثوب له نظير في السوق الآن، نظيره في السوق يساوي مئتين، فلماذا لا يعطيه مئتين؟ نقول: لأنه لما تلف المغصوب بعينه ثبتت قيمته من حين؟
طالب: تلفه.
الشيخ: من حين تلفه، وليس الواجبُ مثلَه حتى نقول: اذهب الآن إلى السوق واشترِ لنا مثله، وإلا فأعطنا قيمة المثل الآن؛ لأن الواجب في المتقوَّم القيمة، وهذا المتقوَّم ما زال على ملك صاحبه إلى؟
طالب: أن تلف.
الشيخ: إلى أن تلف، لما تلف وجبت قيمته، فيجب قيمته وقت التلف، فيُعْطَى مئة ريال وإن كان الآن يساوي مئتين، وهكذا كل المتقوَّمات على الغاصب قيمتها وقت أيش؟
طلبة: التلف.
الشيخ: وقت التلف، لا وقت الغصب ولا وقت المطالبة، فتبيَّن الآن أن الفرق بين المثلي والمتقوَّم أنه لو كان هذا التالف له مثل إلى وقت المطالبة فإن كان من المثليات فإنه يُلْزَم بإحضار مثله بقيمته ولو زاد، وإن كان من غير المثليات فالواجب إحضار قيمته، متى؟ الآن، وقت الطلب؟ لا، وقت التلف.
في المثلي إذا تعذَّر المثل فعليه قيمته وقت التعذُّر؛ لأنه لما تعذَّر صار متقوَّمًا، وجبت قيمته، فتؤخذ قيمته وقت التعذر.
قال المؤلف رحمه الله: (وإن تَخَمَّر عصير)، في الشرح فائدة مهمة جدًّا، قال: ولو أخذ حوائج من بقال ونحوه في أيام ثم حاسبه، فإنه يعطيه بسعر يوم أَخْذِه. وهذه مفيدة جدًّا، يكون إنسان له بقال، البقال هذا الذي يبيع الحوائج البيتية ويعامله، كلما أخذ منه شيئًا قيَّده، فعند المحاسبة هل يحاسبه بسعره وقت المحاسبة؟
طالب: لا.
الشيخ: الجواب: لا، يحاسبه بسعره وقت الأخذ، وقت الشراء، ولهذا يجب على البقال؟
طالب: أن يقيِّد.
الشيخ: أن يقيِّد، يقول: في يوم كذا أخذت كذا وكذا، قيمته كذا وكذا، أما إنه يأخذه ثم عند المحاسبة يقدِّر قيمته بوقت المحاسبة فهذا لا يجوز؛ لأنه دخل في ملك المشتري متى؟ يوم الشراء، وخرج من ملك البائع يوم الشراء، فإن زادت القيمة أو نقصت بين يوم الشراء ويوم المحاسبة فهي على من؟
طلبة: البائع.
الشيخ: لا، على المشتري؛ لأنه دخل ملكه، هذه الحوائج التي آخُذُهَا أنا من البقال، في اليوم اللي أشتريها فيه تدخل ملكي، وتخرج من ملك البائع، زيادتها بعد ذلك أو نقصها؟
طالب: على المشتري.
الشيخ: على المشتري؛ لأنها خرجت من ملك البائع، فلو اعتبرنا قيمتها وقت المحاسبة فمعناه أننا نظلم البائع إن كانت القيمة نقصت، أو المشتري إن كانت القيمة زادت، وحينئذ أيضًا فيه محذور آخر وهو أنه يبقى ثمنها مجهولًا؛ لأنني حين العقد أخذتها على ثمن لا ندري ماذا يكون عند وقت المحاسبة، فيكون الثمن مجهولًا، ومعلوم أن من شروط صحة البيع العلم بالثمن.
فصار في اعتبار قيمتها وقت المحاسبة صار فيه محذوران؛ المحذور الأول الظلم إما للبائع وإما للمشتري، والمحذور الثاني الجهل بالثمن؛ لأننا لا ندري ماذا يستقر عليه السعر وقت المحاسبة، أعرفتم؟
ثم فيه أيضًا محذور ثالث، وهو التعويد على التحيل؛ لأن المشتري إذا علم أن المعتبَر في الثمن وقت المحاسبة يتحيل، إذا رخصت الأشياء جاء يحاسب قال: يلَّا حاسِبْنِي، وذاك إذا غلت الأشياء بحث عنه ليحاسبه، فيكون في هذا فتح باب للتحيل والمنازعات والخصومات، فالواجب الآن أن نقول لهذا الشخص: قَيِّد ما أشتريه منك كل يوم بثمنه.
لو اتفق شخص مع آخر قال: أنا أريد أن أجعل معك راتبًا كل يوم أريد منك رطل لحم قيمته خمسة ريالات، نقول: رطل، بدل الرطل كيلو؛ لأن ما تعرفون الرطل، كيلو لحم قيمته خمسة ريالات كل يوم، واتفقوا على هذا، وكتبوا بينهما عقدًا، هل يصح هذا العقد ولّا لا؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ليش؟
طالب: (...).
طالب آخر: يصح.
الشيخ: أنا اشتريته الآن.
طالب: الرضا.
الشيخ: رضينا.
طالب: يصح.
الشيخ: إن قلتم: يصح، خطأ، وإن قلتم: لا يصح، خطأ.
طالب: بسعر يومه.
الشيخ: لا، ما هو بسعر يومه، اتفقوا على هذا، الصورة هذه؛ اشترى منه كل يوم كيلو لحم بخمسة ريالات، اتفقوا على هذا لمدة سنة؛ لأن هذا الرجل عنده مقاولة أنه يعمِّم طعامًا مثلًا لمستشفى ولّا لغيره.
طالب: (...) إذا كان.
الشيخ: (...) الصحة أو عدمها غير صحيح، التفصيل هو أنه إن سلَّم الثمن نقدًا قبل التفرق فصحيح، وإلا فليس بصحيح
؛ لأن العلماء يجعلون هذا من باب السَّلَم، والسَّلَم لا بد فيه من قبض الثمن في مجلس العقد، إذن أيهما أريح؛ أن يتفق معه على أنه محتاج كل يوم كليو لحم بسعر أخذه، مثل ما قال المؤلف هنا: يشتري منه كل يوم كيلو لحم أو كيلوين، المهم بسعر أَخْذِه، أو أنه يقدِّر الثمن وينقده في وقت العقد؟
طالب: على حسب الحالة.
الشيخ: الظاهر أنه حسب الحالة؛ إن كان المشتري غنيًّا فالثاني أيسر له؛ لأنه يسلم من احتمال الزيادة في المستقبل، وإن كان المشتري ليس بغني فلا (...) طريقة إلا ما قال المؤلف أنه يتفق معه على أنه كل يوم يقدر بثمنه وقت العقد.

***

(...) والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ما هو الواجب في المثلي إذا تلف؟
طالب: المثلي إذا تلف (...).
(وإن تخمر عصيرٌ فالمثل) تخمر عصير يعني: رجل غصب عصير عنب، وبقي عنده خمسة أيام، عشرة أيام، فتحول إلى خمر؛ لأن العصير إذا لم يُصَبّ عليه الخل قبل تخمُّره يكون خمرًا إذا مضى عليه عدة أيام حسب الحر، حسب الجو، كلما كان الجو حرًّا كان إلى التخمر أسرع وأقرب، هذا رجل غصب عصير عنب من شخص، فتخمر، الآن ذهبت ماليته، عينه موجودة، لكن ماليته شرعًا مفقودة، كذا ولّا لا؟
لأن الخمر يجب شرعًا إراقته وإتلافه، ماذا يجب على الغاصب الذي غصب العصير ثم تخمر؟ يجب عليه رد مثله، فإذا قال: هذا عصير، هذا عين العصير، كيف تضمنه لمثله وعينه موجودة؟ أنا أعطيك إياه وأضمن النقص إذا كان نقصًا، أو أعطيك القيمة؛ لأنه الآن لا يمكن تملكه.
فالجواب: لأن تحوله إلى خمر بمنزلة تلفه؛ لأن المتعذَّر شرعًا كالمتعذَّر حسًّا، فلما تعذَّر الانتفاع به شرعًا صار كالمتعذر حسًّا، أي كأنه تلف، وإذا تلف فالواجب رد مثله، فيجب على هذا أن يعطيه عصير عنب على مثل العصير الذي تخمَّر، إذا كان ملء كأس يعطيه ملء كأس، إذا كان ملء (...).
طالب: زق.
الشيخ: (...) فيعطيه ملء (...)، على كل حال هي أعجمية معرَّبة.
(وإن تخمر عصير فالمثل، فإن انقلب خَلًّا دفعه ومعه نقص قيمته عصيرًا)، هذا العصير الذي تخمَّر انقلب بنفسه إلى خَلّ، فإنه يرده؛ لأن ماليته الآن عادت وصار مالًا شرعيًّا يُنْتَفَع به، ولكن ستنقص قيمته عن كونه عصيرًا؛ لأنه سيتغير طعمه، ولا شك أن الشيء الذي هو باكورة خير من الشيء الذي تخمَّر ثم عاد، فالعائد أنقص من الأصل بلا شك، فيُعْطَى هذا الخَلّ ويضمن النقص، فيقال: كم قيمة هذا الكأس إذا كان عصيرًا؟ قالوا: قيمته درهم، كم قيمته إذا عاد خَلًّا بعد التخمر؟ قيمته درهم، فيعطيه كأسًا ويعطيه درهمًا.
فإن قال مالك العصير: أنا لا أريده الآن، أنا أريد عصيرًا أصلًا، وأنت إذا أعطيتني درهمًا وهذا الكأس سوف أريق هذا الكأس، لا أريده؛ فأنا أطلب منك إما المثل أو قيمة المثل، فظاهر كلام المؤلف أنه لا يملك ذلك؛ لأن الغاصب يقول للمالك: هذا عين مالك، لم يكن مني إلا أنه نقص، فأنا أضمن النقص، كما لو غصبت بعيرًا وهزل فأنا أعطيك البعير وأضمن لك النقص، وكما لو غصبت ثوبًا فاتسخ أو انخرق، فأنا أعطيك الثوب وأضمن لك النقص، ليس عليّ أكثر من ذلك.
وقول المؤلف: (فإن انقلب خَلًّا دفعه) قال: (انقلب خَلًّا) ولم يقل: فإن قلب، وهل هناك فرق؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم هناك فرق؛ لأن الخمر إن تخلل بنفسه فهو حلال؛ لأن هذا بفعل الله وليس بفعلنا، وإن تخلل بفعلك فهو حرام؛ لحديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن الخمر تُتَّخَذُ خلًّا، قال: «لَا» ، ولأن الشارع أمر بإراقة الخمر، ولو كان يحل بالتخليل لأَمَرَ بتخليله؛ لأن تخليله إبقاء له، وإراقته إتلاف له، ولو كان يمكن أن تعود ماليته شرعًا لأرشد إليه الشارع، فلما لم يرشد إليه عُلِمَ أن التخليل حرام.
لكن لو خَلَّلَه من يعتقد حل التخليل من مسلم أو كافر فهل يَحِلّ؟
الصحيح أنه يحل؛ أنه لو خُلِّلَ مِن قِبَل مَن يرى حِلّ تخليله فالصحيح أنه حلال
؛ لأن هذا انقلب خَلًّا على وجه مباح ولّا حرام؟
طلبة: مباح.
الشيخ: على وجه مباح، فصار مباحًا، وعلى هذا فالخل الوارد من بلاد الكفار الذين يعتقدون حل التخليل يكون حلالًا للمسلمين وإن كان مخلَّلًا بفعل آدمي؛ لأنه مُخَلَّل بفعل آدمي يعتقد تحليله.
طالب: (...).
الشيخ: أقول لك هكذا، سواء قال: إن كان لم يَمُرّ، فلا إشكال فيه، لكن إن كان قد مَرَّ فهذا حكمه.
ثم قال: (فصلٌ: وتصرفات الغاصب الْحُكْمِية باطلة)
قوله: (تصرفات الغاصب) يعني: في المغصوب.
(الْحُكْمية) التي يلحقها حُكْم من صحة أو فساد؛ لا من حِلّ أو حُرْمَة؛ لأن تصرفات الغاصب من حيث الحل والحرمة كلها سواء، ما حكمها؟ حكمها أنها حرام، تصرفات الغاصب في المغصوب كلها حرام، تصرفات الغاصب من حيث الصحة والبطلان إن كانت حُكْمِيّة -بمعنى أنها توصف بالصحة والفساد- فتصرفاته باطلة لا تنفذ، مثلًا الأكل هل هو حكمي ولَّا غير حكمي، هل يقال: أكل صحيح وأكل فاسد؟
طلبة: ما يقال.
الشيخ: ما يقال؟ لكن يقال: أكل حلال وأكل حرام، إذن لو أكل الإنسان الغاصب وأكل المغصوب، هل نقول: إن هذا الأكل غير صحيح؟ لا يوصف لا بصحة ولا فساد، لكن لو باع المغصوب فالبيع تصرف حكمي، يقال: إنه صحيح، ويقال: إنه فاسد، يكون البيع فاسدًا.
طيب، أَجَّرَ؟
طالب: (...).
الشيخ: هذا تصرف حُكمي ولّا غير حُكمي؟
الطالب: حُكمي.
الشيخ: حكمي، تكون الإجارة؟
الطالب: فاسدة.
الشيخ: زَوَّجَ الأمة التي غصبها؟ تصرُّف حكمي لا يصح، وَقَّفَ المغصوب؟ تصرف حكمي لا يصح.
إذن كل تصرف يصح أن يوصَف بالصحة والفساد فإنه إذا وقع من الغاصب يعتبر فاسدًا، والأخ يعطينا مثالًا آخر.
طالب: ما أعرف.
الشيخ: ما تعرف.
طالب آخر: مثلًا ..
الشيخ: الهبة، لو وَهَبَهُ لم يصح.
طالب: والإعارة.
الشيخ: والإعارة، المهم كل تصرف يوصَف بالصحة والفساد فإنه إذا وقع من الغاصب لا يصح، ولهذا قال المؤلف: (تصرفات الغاصب الْحُكْمِيَّة)، لو حج بمال مغصوب؟
طالب: كذلك.
الشيخ: كذلك؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يصح، يكون صحيحًا ويكون فاسدًا، لو صلى في مكان مغصوب؟
طالب: صلاته فاسدة.
الشيخ: فصلاته فاسدة؛ لأن الصلاة يصح أن توصف بأنها صحيحة وأنها فاسدة، المهم كل تصرف في المغصوب يصح أن يوصف بالصحة والفساد فإنه يقع فاسدًا، ولهذا عندما يقول: أو التي لها حكم من الصحة والفساد، كالحج والطهارة ونحوهما، والبيع والإجارة والنكاح ونحوها باطلة، هذا المذهب.
وعلى هذا فلو دار المغصوب بين عدة أناس فالتصرف كله باطل، ولكن القول الصحيح في هذه المسألة أن تصرفات الغاصب إن كانت لا تتعلق بآخر فهي باطلة، مثل الحج والطهارة والصلاة -على القول بأن التصرف في المغصوب بهذه الوجوه يعتبر باطلًا- والمسألة خلافية وسبقت.
وأما إذا كان يتعلق بشخص آخر فإن كان عالِمًا بالغصب فالتصرف باطل، وإن كان غير عالم فالتصرف صحيح
، ولا يمكن استرداده من الثاني، لا سيما مع طول المدة، ولكن يضمن الغاصب على الوجه الذي يقتضيه الضمان؛ إما مثلي وإما متقوَّم، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
ولا يمكن العمل إلا بذلك؛ لأنه أحيانًا يغصب الإنسان الأرض ويبيعها، ثم يُعْمَر عليها ويتملكها الثاني والثالث والرابع، فلو قلنا بعدم الصحة لترتب على هذا مفاسد كثيرة، وأحيانًا يربح المشتري من الغاصب، وتكون أرباح طائلة، فكيف نضيِّع هذه الأرباح، مع أن الإنسان اللي تلقاها من الغاصب يمكن أنه عمل أعمالًا كثيرة فيها، والغاصب قد لا يمكن الرجوع إليه، وإن كان القرار على الغاصب إذا لم يَعْلَم الثاني.
فالمسألة في الحقيقة يترتب عليها مضار كثيرة، لهذا قال بعض العلماء: إنه إذا تصرف تصرفًا يتعلق بالغير الذي لا يعلم فالتصرف ماضٍ، ولكن على الغاصب الضمان، وهذا القول لا شك أنه أرجح من القول بالبطلان على كل حال.
ولو قال قائل بالتفصيل بأنه إذا سَهُل إبطالها أبطلناها وضَمَّنَّا الغاصب جميع ما يترتب على عمله بالنسبة للمنتقلة إليه، مثل لو كان الذي اشترى من الغاصب عمل فيها أعمالًا وخسر فيها فيُضَمَّن الغاصب ويرجع الملك إلى صاحبه، يعني لو قلنا بهذا بأن يُفَرَّق بين ما إذا شق إبطال التصرف وإذا لم يشق لكان هذا أيضًا قولًا لا بأس به، والله أعلم
.
(...) والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول في رجل غصب عصير عنب فصار خمرًا؟
طالب: عليه مثله.
الشيخ: عليه مثله عصيرًا ولّا خمرًا؟
الطالب: مثل العصير.
الشيخ: مثل العصير، أحسنت، هذا الخمر (...).
كل تصرفات الغاصب على المذهب باطلة يجب ردها، وهذا القول الذي ذهبوا إليه يعارض ظاهر ما نص عليه الإمام أحمد رحمه الله في أن الغاصب إذا اتَّجَرَ بمال مغصوب فالربح للمالك، مثل غصب سيارة وباعها، واشترى سلعة وربح، وصار يبيع ويشتري وربح، قيمة السيارة كانت أربعين ألفًا، وربح إلى أن بلغ أربع مئة ألف، فقد نص الإمام أحمد على أن الربح للمالك، وليس للغاصب شيء، الحقيقة أن هذا النص من الإمام أحمد يدل على أن التصرف صحيح ولّا باطل؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؛ لأنه لو كان باطلًا لبطل ما انبنى عليه، وهو الربح، لكنه قال: إن الربح للمالك، ولهذا اختلف الأصحاب رحمهم الله في تخريج هذا النص، ولكننا إذا قلنا بالقول الصحيح لم يكن في هذا النص إشكال، وهو صحة تصرف الغاصب مالم ينقضه؟
طلبة: المالك.
الشيخ: المالك، فإذا قلنا بهذا انتهى الإشكال، ولهذا بعض الأصحاب قال: إن هذا من الإمام أحمد يدل على صحة تصرف الغاصب، وقال بعضهم: إنه محمول على ما إذا كثرت التصرفات، وصار رد التصرف شاقًّا، فتُدْرَأ هذه المشقة، ويبقى التصرف صحيحًا والربح للمالك.
وقال بعضهم: إن هذا فيما إذا أجازه المالك، فيكون مبنيًّا على صحة تصرف الفضولي، المهم أنهم اختلفوا، ولكننا إذا مشينا على القول الراجح؛ وهو صحة التصرف ما لم ينقضه المالك، لم يبقَ في هذا إشكال
.
قال المؤلف رحمه الله: (والقول في قيمة التالف أو قدره أو صفته قوله، وفي رده وعدم عيبه قول رَبِّه).
هذه عدة اختلافات:
الأول: اختلاف المالك والغاصب في قيمة التالف المغصوب، الآن تالف؛ غصب سيارة واحترقت، فاختلف المالك والغاصب في قدر قيمتها، فقال المالك: القيمة عشرون ألفًا، وقال الغاصب: القيمة أربعون ألفًا، صح المثال؟
طلبة: ما يمكن.
الشيخ: ما يمكن؟
طالب: الأولى العكس.
الشيخ: إي نعم، إذن قال المالك: القيمة أربعون ألفًا، وقال الغاصب: القيمة عشرون ألفًا، فمَن القول قوله؟
يقول: القول قول الغاصب؛ لماذا؟ لنا في ذلك دليل وتعليل؛ أما الدليل فهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ، فهنا عشرون ألفًا متفق عليها، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الغاصب يقول: إنها عشرون ألفًا، والمالك يقول: أربعون ألفًا، إذن عشرون ألفًا متفق عليها ما فيها إشكال، يبقى العشرون الثانية يدَّعِيها المالك، نقول: أنت مُدَّعِي، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي»، هاتِ بينة تشهد بأن السيارة تساوي أربعين ألفًا، وإلا فليس لك إلا ما أَقَرَّ به المدَّعَى عليه، وهو الغاصب، واضح؟ هذا الدليل.
التعليل أن الغاصب غارم، والغارم قوله مقبول؛ لأن ما زاد على قوله الأصل براءته منه، الأصل براءة الذمة، فلا يمكن أن نخالف هذا الأصل إلا ببينة، ما أدري القاعدة واضحة ولَّا لا؟ الغاصب غارم ولَّا غير غارم؟
طلبة: غارم.
الشيخ: غارم؛ لأننا بنغرمه القيمة، الغارم قوله مقبول فيما يُطْلَبُ غُرْمُه؛ لأن الأصل براءته مما زاد على ما يُقِرُّ به، فمثل هذا الغاصب سنُغَرِّمُه قيمة السيارة، إذن فهو غارم ولّا غير غارم؟
طالب: غارم.
الشيخ: غارم، هو الآن مقر بعشرين ألفًا، نُغَرِّمه إياها، العشرون الأخرى الأصل براءة ذمته منها حتى يقوم دليل على أن ذمته مشغولة بها، وهذه قاعدة عند العلماء؛ أن كل غارم فقوله مقبول فيما غَرِم، أعرفتم يا جماعة؟ على أي أساس قلت هذه القاعدة؟
طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم..
الشيخ: نعم، على الحديث: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ، وعلى أن الأصل براءة الذمة، فما أقر به فقد أقر بأن ذمته مشغولة به، وما أنكره فالأصل؟
طلبة: البراءة.
الشيخ: براءة الذمة، المهم أن تأخذوا هذه القاعدة الفقهية: كل غارم فقوله مقبول، ولهذا دائمًا يعلِّلُون، يقول: القول قوله؛ لأنه غارم.
فإذا قال قائل: الفرق الآن كبير بين قول المالك والغاصب؛ إذ إن الفرق هو النصف، أفلا يمكن أن نلغي قول كل واحد منهم ونرجع إلى قيمة المثل؟ بمعنى أن نقول للمالك: تعالَ صِف السيارة، ونقول للغاصب: صف السيارة، فإذا اتفقا على وصفها نسأل أهل الخبرة، نقول: ما تقولون في سيارة صفتها كذا وكذا؟
أقول: إن هذا القول لا شك أنه أقرب إلى العدل، يعني إذا كان الفرق بين قول المالك والغاصب كبيرًا كهذا فيمكن أن نلغي القولين جميعًا، ونقول: أعطونا صفة السيارة، قالوا: هي سيارة موديلها كذا ونوعها كذا ولونها كذا، ويذكرون أوصافها، إذا اتفقوا على الوصف ويش بقي علينا؟ تقدير القيمة، نلغي قوليهما، ونرجع إلى أهل الخبرة، نذهب إلى أهل المعارض ونقول: ما تقولون في سيارة صفتها كذا وكذا وكذا، كم قيمتها؟ إذا قالوا: قيمتها أربعون، أخذنا بقول مَن؟
طلبة: بقول المالك.
الشيخ: بقول المالك، إذا قالوا: قيمتها عشرون، أخذنا بقول الغاصب، إذا قالوا: قيمتها ثلاثون، ألغينا قوليهما وأخذنا بالثلاثين، إذا قالوا: قيمتها عشرة، هل نرجع إلى العشرة أو نرجع إلى قول الغاصب؟
طلبة: إلى قول الغاصب.
الشيخ: هذا محل خلاف بين الفقهاء رحمهم الله؛ قال بعضهم: نأخذ بالعشرة؛ لأننا لما ألغينا قوليهما، صارت المسألة ابتدائية، وأهل الخبرة قالوا: تساوي عشرة.
وقال بعض أهل العلم: بل نأخذ بما قال الغارم، إي نعم، اللي هو الغاصب؛ لأن الغاصب أقرَّ على نفسه الآن بأن في ذمته عشرين للمالك، فكيف نسقط عنه العشرة؟ وهذا إلى الواقع أقرب، هذا أقرب إلى الصواب
؛ لأننا نأخذ الإنسان بما؟
طلبة: أقر به.
الشيخ: أقر به، هذه واحدة.
ثانيًا: (أو قَدْرِه)، القول في قدر المغصوب قول الغاصب، كيف قَدْر؟ مثل أيش؟ قال المالك: إنك غصبت مني شاتين، وقال الغاصب: لم أغصب إلا واحدة، مَن القول قولُه؟
طلبة: الغاصب.
الشيخ: قول الغاصب، هذا واضح؛ أن القول قول الغاصب، للدليل والتعليل؛ الدليل: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ، فشاة واحدة متَّفَق عليها الآن، الشاة الثانية مختلَف فيها، المالك يدَّعِيها، والغاصب ينفي هذه الدعوى، فنقول: أنت أيها المالك مُدَّعٍ، والغاصب مُنْكِر، والبينة على المدَّعِي، واليمين على مَن أنكر.
التعليل أن الغاصب غارم، والغارم قوله مقبول؛ لأن الأصل براءة ذمته مما لم يُقِرَّ به، هذه العلة.
ثانيًا: القول في صفته قول؟
طالب: الغاصب.
الشيخ: الغاصب، قال المالك للغاصب: غَصَبْتَنِي عبدًا كاتبًا مهندسًا، وقال الغاصب: بل غصبتك عبدًا أُمِّيًّا أخرق، الأول كم قيمته؟
طالب: كثير.
الشيخ: كثير، والثاني؟
الطالب: قليل.
الشيخ: ما يسوى نفقته، قليل، عبد، أُمِّي، أخرق، هذا لا أحد يشتريه، مَن القول قولًُه؟
طلبة: الغاصب.
الشيخ: قول الغاصب؛ لأن الجميع اتفقوا على غصب عبد، لكن ادَّعَى المالك وصفًا زائدًا على الذات، وهو أنه كاتب مهندس، والغاصب ينكره، قال المالك: غصبتني قمحًا جيدًا، وقال الغاصب: بل قمح رديء، مَن القول قولُه؟
طلبة: الغاصب.
الشيخ: القول قول الغاصب؛ للدليل والتعليل.
كذلك يقول: (قولُه)، يعني: قول الغاصب.
(وفي رده وعدم عيبه) -وعندي نسخة (تَعَيُّبه)- القول (قول ربه)، (في رده) قال المالك: لقد غصبتني عبدًا ولم ترده عليّ، فقال الغاصب: بل رددته عليك، القول قول مَن؟
طلبة: قول المالك.
الشيخ: قول المالك؛ للدليل والتعليل أيضًا، اتفق الجميع على أن العبد كان عند الغاصب، أليس كذلك؟ الغاصب يقول: نعم، غصبتُ لكن رددته، والمالك يقول: غصبته ولكن لم ترده، فاتفق الجميع على أنه عند الغاصب، ثم ادعى الغاصب أنه رده، نقول: أنت الآن مُدَّعٍ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» ، هاتِ بينة أنك رددته على مالكه، وإلا فهو عندك، أما التعليل فنقول: إن الأصل؟
طالب: براءة الذمة.
الشيخ: ما هو براءة الذمة، الأصل بقاء ما كان على ما هو عليه حتى يقوم دليل على انتفاء هذا الأصل، فالأصل أن هذا العبد لما كان عند الغاصب فهو باقٍ حتى تقوم بينة على أن هذا الأصل قد زال.
(في عدم تعيُّبِه) قال المالك: إنك غصبتني عبدًا سليمًا، وقال الغاصب: بل عبد معيب، مثاله: رد الغاصبُ العبدَ وعينُه قد فُقِئَت، أعور، العور عيب ولّا كمال؟
طلبة: عيب.
الشيخ: عيب، فقال المالك: إنك غصبته مني سليم العينين، وقال الغاصب: بل غصبته منك أعور، مَن القولُ قولُه؟
طلبة: المالك.
الشيخ: الأصل عدم العين أو الأصل وجود العين؟
طلبة: وجود العين.
الشيخ: عدم العين (...)، السؤال الآن: هذا الغاصب الآن رد العبد وهو أعور، فقال المالك: إنك غصبته مني وهو سليم العينين، وقال الغاصب: بل غصبته منك وهو أعور، ما حدث عندي شيء، مَن القول قوله؟
طلبة: المالك.
الشيخ: القول قول المالك، لماذا؟ لأن الأصل السلامة، وهو وجود العين، فيقول المالك: الأصل السلامة، هات بينة على أن العور كان موجودًا قبل الغصب، وإلا فعليك الضمان، إذا ضَمَّنَّا الغاصب، في المثال الذي ذكرت، فكيف نُضَمِّنُه؟ قال بعض العلماء: نُضَمِّنُه بنصف القيمة، وقال بعض العلماء: نُضَمِّنُه بما نقص، هل بينهما فرق؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم بينهما فرق، إذا قلنا: إن هذا العبد قيمته سليمًا عشرة آلاف ريال، فكم ضمانه على القول بأنه يُضَمَّن بنصف القيمة؟
طلبة: خمسة آلاف.
الشيخ: خمسة آلاف؛ لأن نصف القيمة بالنسبة للعبد هي نصف الدية بالنسبة للحر، والعين فيها نصف الدية بالنسبة للحر، إذا قلنا بما نقص نقوِّم العبد الآن سليمًا، ونقوِّمه أعور، قالوا: سليمًا يساوي عشرة آلاف، أعور يساوي ألفين، كم يَضْمَن؟
طلبة: ثمانية آلاف.
الشيخ: ثمانية آلاف، بدل ما قلنا في الأول: خمسة آلاف، أيهما أقرب للقواعد؟ الثاني أقرب للقواعد؛ لأن العبد مملوك يُبَاع ويُشْتَرَى، ليس كالحر، الحر ديته مقدَّرة من قِبَل الشرع، لكن هذا عبد مملوك يباع كما تباع البهائم، وحينئذ نقول: يلزم الغاصب على القول الثاني -وهو الراجح- كم؟
طالب: ثمانية آلاف.
الشيخ: ثمانية آلاف درهم لا خمسة آلاف
؛ لأنه يضمن بما نقص (...)، فلا بد من يمينه، يعني ما نقول: القول قولك، وفقط، ونعطيه ونأخذ بقوله، لا بد من اليمين، فمثلًا إذا قال الغاصب للمالك: إني رددته عليك، فقال المالك للغاصب: ما رددته عليّ، نقول للغاصب: ائت ببينة، قال: ما عندي بينة، نقول للمالك: احلف أنه لم يرده عليك، فإن حلف ألزمنا به الغاصب، وإن لم يحلف قضينا عليه بالنكول، وقلنا: الآن نحكم ببراءة الغاصب؛ لأنك نكلت، ولو كنت صادقًا في أنه لم يرده عليك لم يكن اليمين بِضَارٍّ لك، هل يضره اليمين إذا كان صدقًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، امتناعه من اليمين يدل على أنه كاذب، إذا امتنع هل نرد اليمين على المدَّعِي أو لا؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ بعضهم قال: إذا امتنع الْمُنْكِر نرده على المدَّعِي، والصحيح أننا لا نردها إلا إذا رأى الحاكم من المصلحة ذلك
، مثل أن يعرف أن هذا المدَّعَى عليه الذي هو الْمُنْكِر رجل وَرِع يهاب اليمين، فحينئذ لا بأس أن يردها على المدَّعِي، فالمهم أن هذا راجع إلى القاضي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن جهل رَبَّهُ تصدق به عنه مضمونًا) (إن جهل ربه) يعني: إن جهل الغاصبُ صاحبَ المال، (رَبُّ) بمعنى؟
طلبة: صاحب.
الشيخ: صاحب، بأن يكون قد غصب شيئًا من إنسان ولا يدري مَن هذا الإنسان، وهذا يقع كثيرًا، كرجل غريب وجد معه المواطن شيئًا أعجبه فأخذه منه قهرًا، هذا غصبه أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ذهب الغريب إلى بلده، ولا يعرف بلده ولا مَن هو، ثم إن هذا الغاصب مَنَّ الله عليه بالتوبة وتاب، وقال إنه قد تاب، ويريد أن يُنْقَذ من هذا الغصب، ولكنه لا يعرف صاحبه، فماذا نقول؟ يقول المؤلف: (تصدق به عنه)، (تصدق به) أي: بالمغصوب، (عنه) أي: عن ربه اللي هو المالك.
فإذا قال قائل: كيف يتصدق به عنه وهو مجهول؟ نقول: هو مجهول للمتصدِّق معلوم عند الله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل يعلمه، وسيُعْطَي أجر هذه الصدقة لِمَن؟
طلبة: لصاحبها.
الشيخ: لصاحب المال، فهو مجهول لك معلوم لله عز وجل، وسيوصل هذا إلى صاحبه.
وقول المؤلف: (مضمونًا) يعني أنه لا يبرأ منه البراءة الكاملة بحيث لو جاء صاحبه أو عرفه يومًا من الدهر فإنه يضمنه له ما لم يُجِز تصرفاته.
مثال ذلك: بعد أن تصدق هذا الرجل بهذا المغصوب لجهالة مالكه وجد مالكَه، نقول: الآن قل للمالك: إنك تصدقت بالمغصوب عنه، فإن أمضاه برئت منه، والأجر لِمَن؟
طالب: للمالك.
الشيخ: للمالك، وإن قال: لا أوافق أعطني مالي، وجب عليه أن يسلِّم له المال؛ مثله إن كان مِثْلِيًّا، وقيمته إن كان متقوَّمًا، والأجر لِمَن؟
طلبة: للغاصب.
الشيخ: يكون أجر الصدقة للغاصب، وهذا يُعْطَى عوض ماله؛ مثله إن كان مِثْلِيًّا، وقيمته إن كان متقوَّمًا، ولهذا قال المؤلف: (تصدق به عنه مضمونًا)، هذا الحكم ينسحب على كل مال جهل الإنسان مالكه، كل مال جهلت مالكه فإنك تتصدق به عنه مضمونًا يكون أجره لصاحبه، وإذا جاء خَيِّرْهُ، قل: أنا تصدقت به، إن شئت أمضيت الصدقة والأجر لك، وإن شئت ضمنت لك مالك، والأجر لِمَن؟ والأجر لي.
مثال ذلك: رجل أودعك وديعة، وبقيت الوديعة عندك، وقال لك هذا الرجل: اجعل هذه عندك، أنا بأصل مثلًا الرياض وآتي في خلال يومين، أودعها عندي وبقي يومين وثلاثة وشهرًا وشهرين وسنة وسنتين ما جاءني، فأنا الآن أَيِسْتُ منه، صح ولّا لا؟ لأن رجلًا حدد لي أنه بيجي في يومين، وبقي سنتين، معناه أنه لو كان على الوجود لجاء، يحتمل أنه راح وحصل له حادث أو مات، المهم أنني بعد مُضِيّ هذه المدة أَيِسْتُ منه، فماذا أعمل بهذه الوديعة؟
طلبة: أتصدق بها.
الشيخ: أتصدق بها عنه مضمونة ولَّا مع البراءة؟
طلبة: مضمونة.
الشيخ: مضمونة، تصدقت بها عنه ثم جاءني بعد مضي ثلاث سنوات، فماذا أقول؟
أقول له: الآن أنت بالخيار؛ إن شئت أمضيت الصدقة والأجر لك، وإن شئت ضمنت مالك والأجر لي، واضح هذا ولّا لا؟
رجل أعارك عاريَّة، مثل: أعطاك كتابًا، وأنت لا تعرف الرجل، ثم ضاع عنك ولم تعرفه، وأَيِسْتَ منه، ماذا تصنع؟
طلبة: (...).
الشيخ: أنا أَيِسْتُ منه، نقول: تتصدق به مضمونًا، فإذا جاء صاحبه قلت: إني أيست منك فتصدقتُ به، جعلته في مكتبة، أعطيته طالب علم، فإن شئت أمضيتَ، وإن شئت رجعت.
إذا قال: أنا أُمْضِي، فالأجر له، إذا قال: أنا أرجع، ننظر إذا كان الكتاب موجودًا رددناه عليه، إن كان غير موجود ضمناه بقيمته مستعمَلًا لا جديدًا، وعلى هذا فَقِسْ.
فالقاعدة إذن كل مال مجهولٌ صاحبُه مئيوس منه يتصدق به عنه مضمونًا، ولا تبقى المسألة معلَّقة؛ لأنه حتى الإنسان اللي عنده المال سيتعب، يبقى معلَّقًا لا يدري ماذا يصنع، نقول: ما من شيء إلا ويجعل الله له فرجًا ومخرجًا، فأنت الآن تصدق به، ثم إذا جاء فخَيِّرْهُ.
فإذا قال قائل: هذا التصرف يقتضي صحة تصرف الفضولي، وأنتم لا تقولون به، ويش معنى تصرف الفضولي؟
طلبة: (...).
الشيخ: تصرف الفضولي أن يتصرف الإنسان بمال غيره بدون إذنه، فإذا أجاز التصرف فهل يَنْفُذ أو لا يَنْفُذ؟ فيه خلاف.
مثال ذلك: أنا أخذت كتاب غانم وبعته بدون إذنه، هذا التصرف فضولي، يعني بغير وكالة وبغير إذن، لكن كانت البيعة طيبة، بعته وهو يساوي عشرة باثني عشرة، وجاب الثمن للأخ غانم، وقال: قد أَجَزْت البيع، يصح ولّا ما يصح؟
طلبة: على المذهب لا يصح.
الشيخ: على المذهب لا يصح ولو أجاز؛ لأنني تصرفت حين تصرفت وأنا لا أملك التصرف، والقول الثاني؟
طالب: الجواز.
الشيخ: أنه يصح، إذا أجازه صح البيع، وله (...)، هذه المسألة فيما إذا جهل مالكه، قلنا: إنه يتصدق به ويُخَيِّر مالكَه إذا وجده، أليس هذا إجازة للتَّصَرُّف الفضولي؟
طالب: نعم.
الشيخ: الجواب: نعم، لكن يقولون: إن هذا قد دعت الحاجة والضرورة إليه، وإذا دعت الحاجة والضرورة إليه فهو جائز للضرورة، كما قلنا في مال المفقود، مال المفقود اللي راح ولا ندري، ما عنه خبر، أليس يورَث ويُوَزَّع؟ يورَث ويُوَزَّع لدعاء الحاجة إلى ذلك.
وعلى هذا فنقول: إذا دعت الحاجة إلى ذلك ابتداءً أو دوامًا فإنه يصح -التصرف الفضولي-، وإذا لم تَدْعُ لم يصح.
والصحيح أنه يصح مطلقًا
، ويدل على ذلك حديث عروة بن الجعد رضى الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارًا يشتري به أضحية، فاشترى أضحيتين بدينار واحد، ثم باع واحدة بدينار، فجاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه دينار وأضحية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي بَيْعِكَ» ، فكان لا يشتري شيئًا ولو ترابًا إلا ربح فيه.
المهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أجاز تصرفه، ولو كان تصرف الفضولي ممنوعًا مطلقًا لنهاه الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يُقِرُّه على باطل، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولأن الحق حق آدمي ولَّا حق لله؟
طلبة: حق آدمي.
الشيخ: حق آدمي، فإذا أجازه الآدمي فالحق له، لماذا لا يَنْفُذ؟
لكن ما رأيكم بالذي طلَّق زوجته، فسمعته جارته فصاحت به: ويلك يا فلان، تُطَلِّق زوجتك؟ فقال: وأنت طالق على شور رجلك، ويش تقول هذا؟ الظاهر أن هذا لا يصح؛ أولًا: لأن هذا وقع في حال غضب شديد، كأنه يقول: ما لك دخل في الموضوع، لكن من شدة غضبه عليها طلَّقها على شور زوجها، إي نعم.
(ومَن أتلف محترَمًا، أو فتح قفصًا، أو بابًا، أو حَلَّ وِكَاءً، أو رباطًا أو قيدًا، فذهب ما فيه، أو أتلف شيئًا ونحوه ضمنه).
ذكر المؤلف هذه المسائل في باب الغصب؛ لأنها تشبه باب الغصب من حيث العدوان.
الأول قال: (مَن أتلف محترَمًا) فهو ضامن له، يعني: إذا أتلف الإنسان شيئًا محترَمًا فهو ضامن له، والمحترَمُ هو الذي لا يجوز إتلافه.
مثال ذلك: أتلف كتابًا لشخص، وهذا الكتاب لا يشتمل على بِدَع ولا على شيء مُنْكَر، إنما هو كتاب علم؛ إما ديني أو غير ديني، المهم أنه أتلف هذا الكتاب، فعليه؟
طلبة: الضمان.
الشيخ: الضمان مع الإثم، وكيف يضمن؟ إن كان مثليًّا فبمثله، وإن كان غير مثلي فبقيمته كما سبق، فإن عَفَا ربه فهل يضمن؟
طلبة: لا.
الشيخ: إذا عفا ربه فلا يضمن، بل ويسقط الإثم أيضًا؛ لأنه إذا عفا الإنسان فالله أحق بالعفو.
وقول المؤلف: (محترَمًا) احترزًا مما ليس بمحترَم، كما لو أتلف خمرًا فإنه لا يضمنه؛ لأن الخمر للمسلم ليس بمحترَم، وكما لو أتلف كتاب بدعة وضلالة فإنه لا يضمنه، لماذا؟ لأنه غير محترَم، وكما لو أتلف دخانًا -أي التبغ- فليس عليه ضمان؛ لأنه ليس بمحترَم، حيث إنه حرام لا يمكن الانتفاع به؛ لا بيعًا ولا هبة ولا استعمالًا ولا شيء أبدًا، فهو ليس بمحترم، فإذا أتلف ما ليس بمحترَم فليس عليه شيء، أتلف آلة لَهْو يضمن ولَّا لا؟
طلبة: لا يضمن.
الشيخ: لا يضمن؛ لأنها ليست بمحترمة، لكن إن أتلفها على وجه تفوت به ماليتها ضمن ماليتها فقط، يعني قد تكون خشبًا، فإذا أحرقها بالنار يضمن قيمة الخشب لا قيمة الآلة، وأما إذا كسرها بحيث يفوت منفعتها على صاحبها فليس عليه ضمان؛ لأن عينها موجودة، والذي أتلف هو المنفعة المحرَّمة، فهذا لا ضمان عليه.
يقول: (أو فتح قفصًا)، وإذا فتح القفص ماذا يكون؟
طلبة: فيه طير.
الشيخ: فيه طير، فتح القفص فطار الطير، فعليه الضمان، إذا قال: كيف أضمن وأنا لم أُطَيِّره، هو الذي طار؟ فالجواب: لما فتحت القفص صرت أنت السبب، ولا يمكن إحالة الضمان على الطير، كما لو أن شخصًا قذف بآدمي أمام الأسد فأكله الأسد، هل يضمن هذا القاذف؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لو قال: أنا لم أتلفه، الذي أتلفه الأسد، نقول: الأسد لا يمكن تضمينه، فإذا تعذَّر تضمين المباشر وجب الضمان على المتسبِّب، كذلك يقول: إذا قال الذي فتح القفص: أنا ما علمت أن الطير مطلَق، أنا أحسب أنه مربوط برجله في القفص، كما يفعله بعض الناس، مع كونه في القفص يربطه، فماذا نقول؟
نقول: عليك الضمان، لكن ربما لا نقول: إن عليك إثمًا، لا سيما إذا كان الغالب أن أهل الطيور يربطونها في الأقفاص، إنما الضمان لا بد؛ لأن حق الآدمي يستوي فيه العالم والجاهل، والذاكر والناسي، والعاقل والمجنون، لا بد من الضمان.
كذلك لو فتح بابًا، وماذا يكون؟ فتح بابًا مغلقًا على بهيمة، ولما فتح لها الباب خرجت، عليه الضمان؛ لأنه هو السبب، وإحالة الضمان على البهيمة متعذِّر.
(أو حل وكاء) يعني: وكاء وعاء فيه شيء مائع، كوكاء سقاء اللبن، إنسان أتى على وعاء لبن وحل وكاءه، ثم خرج اللبن، عليه الضمان؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الدهن لا، ليس كذلك، إن كان جامدًا فلا ضمان عليه؛ لأنه لن يخرج، وإن كان مائعًا؟
طالب: فعليه الضمان.
الشيخ: فعليه الضمان، إلا إذا حل وكاء الجامد وأبقاه بالشمس حتى ذاب وخرج فعليه الضمان.
يقول: (أو حل رباطًا أو حل قيدًا)، حل رباطًا يعني لدابة مربوطة، أو قيدًا لدابة مقيدة، ما الفرق بين القيد والرباط؟
الرباط يثبت في الأرض وتُرْبَط به البهيمة، والقيد تُقَيَّد اليد والرجل أو اليدان وهو يمشي غير ثابت، فهذا رجل أتى إلى بهيمة مربوطة فحل رباطها فهربت، عليه الضمان، وآخر وجد بهيمة مقيدة بيديها أو رجليها فحل القيد فهربت، فعليه الضمان.
قال: (أو قيدًا فذهب ما فيه، أو أتلف شيئًا ونحوه ضمنه)، إذا ذهب ما فيه فعليه الضمان، وهو واضح، إذا أتلف هذا الشيء شيئًا فعليه ضمانه، يعني حل قيد جمل، فذهب الجمل وأفسد الزروع وأكلها وتلف فعليه ضمان الجمل، وعليه ضمان الزرع الذي أتلفه الجمل، وذلك لأنه هو المتسبب، والمباشر لا يمكن تضمنيه إن كان هو الضامن.
(وإن ربط دابة بطريق ضيق فعثر به إنسان ضمن)، إذا ربط دابة بطريق فلا يخلو إما أن يكون الطريق واسعًا بحيث لا تضيق على المارة، فهذا لا ضمان عليه، لا سيما إذا جرت العادة بمثل ذلك، وإن ربطها بطريق ضيق فجاء إنسان فعثر بها، أو رمحته لما مَسَّهَا، فعليه الضمان، هل مثل ذلك السيارة؟
إذا أوقفها بطريق ضيق فجاء إنسان واصطدم بها فعليه الضمان، وكذلك لو أوقفها بطريق واسع ولكنه في غير الموقف المخصص فعليه الضمان، مثلًا أوقفها في الطريق وهو واسع، لكن في المسار، في الوسط، فعليه الضمان، والضابط لذلك هو الاعتداء، بأن يفعل الإنسان ما ليس له فعله.
وفُهِمَ من قول المؤلف: (بطريق ضيق) أنه لو ربطها بطريق واسع فلا ضمان عليه، ولكن المذهب أن عليه الضمان مطلقًا، قالوا: لأن الطريق لمنفعة المستقدر، ليس للإنسان الذي يوقف سيارته أو دابته به، فعليه الضمان مطلقًا، لكن ما ذكره المؤلف أصح، وهو أنه إذا كان الطريق ضيقًا أو واسعًا لكن أوقفها بمكان لم يُعَدّ للوقوف فعليه الضمان.
لو وضع حجرًا في الطريق فعثر به إنسان فمات أو انكسر هل يضمن؟
نعم يضمن؛ لأنه مُعْتَدٍ، لكن لو وضع الحجر لمصلحة السالكين، كما لو كانت الطريق وحلًا -يعني فيها طين انزلق- فوضع الحجر ليمشي الناس عليه، فنقول: إن كان له حق التصرف، كما لو كان من جهة المسؤولين عن الطرقات، فلا ضمان عليه.
وإن لم يكن له حق التصرف نظرنا؛ إن كان الطريق مشتركًا وجعل هذا بينه وبين جيرانه -والطريق المشترك هو الطريق المسدود- فهذا لا بأس به؛ لأن له حق التصرف فيه، وإن كان نافذًا فهذا محل نظر؛ لأننا نقول: إنه ليس لك الحق بأن تضع مثل هذه الأحجار، ودع الناس في الوحل ما عليك منهم، أما أن تضع حجرًا يكون سببًا لعثرة الناس فيه فهذا ليس إليك.
يقول المؤلف رحمه الله: (كالكلب العقور لمن دخل بيته بإذنه أو عقره خارج منزله)، إنسان عنده كلب عقور -كلمة عقور تدل على أن العقر من طبيعته وصفاته، بخلاف عقره إذا هُوجِم، فهذا لا يخلو منه كلب- فهذا إنسان عنده كلب عقور، فخرج الكلب إلى السوق وعقر الناس، فعليه الضمان، ولهذا قال: كالكلب العقور لمن عقره خارج المنزل، أو دخل المنزل بإذن رب المنزل، فإنه يضمن.
أما الأول الذي عقره خارج المنزل فظاهر؛ لأنه عقره في مكان لا يختص به صاحب الكلب، وكان على صاحب الكلب أن يربطه حتى لا يعقر الناس، وأما الثاني الذي عقره في المنزل لمن دخل بإذنه فلأن دخوله بإذنه يقتضي أن يكون في حمايته، ومن المعلوم أن كل صاحب مكان؛ أرض، بستان، بيت، إذا كان مستعدًّا لقدوم الضيوف وعنده كلب عقور فإن العادة أن يربط الكلب، فإذا لم يربطه ودخل إنسان بإذنه وعقره فعليه الضمان، فإن دخل بغير إذنه فليس عليه ضمان، لماذا؟ لأن الداخل مُعْتَدٍ، والكلب لم يخرج عن نطاق ملك صاحبه، فإذا دخل إنسان لهذا البيت ..