كتاب البيع (الشرح الأول) - 34
عدد الزيارات 1206

عن القصاص، بماذا؟ بنصيبه من الأرض، فهل لشريكه زيد شفعة؟ لا؛ لأن النصيب انتقل إلى ملك أولياء المقتول عِوضًا عن دم.
وعُلم من قول المؤلف: (صلحًا عن دم عمد) أنه لو كان صلحًا عن دم خطأ، فإن ذلك فيه شفعة، وذلك لأن دم الخطأ يُوجب الدية، والدية مال، فإذا كان زيد وعمرو شريكين في أرض، وقتل عمرو شخصًا خطأً، وصالحهم عن الدية بنصيبه من هذه الأرض، فإن لشريكه الشفعة؛ لأنها انتقلت إلى أولياء المقتول بعِوض مالي؛ لأنها مُصالَحَة عن دية، والدية مال، والله أعلم.

***

الطالب: وتثبت لشريك في أرض تجب قسمتها، ويتبعها الغراس، والبناء، لا الثمرة والزرع فلا شفعة لجار، وهي على الفور وقت علمه، فإن لم يطلبها إذن بلا عذر بطلت، وإن قال للمشتري: بعني، أو صالحني، أو كذب العدل، أو طلب أخذ البعض سقطت.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ما تقول في رجل وهب نصيبه من أرض لشخص، فهل لشريكه أن (...)؟
إن الإجارة فيها شفعة لا سيما إذا كانت المدة طويلة؛ لأن الشريك قد يتورَّط بالمستأجر، فإذا كانت المدة طويلة مثل عندنا الآن يُؤجِّرونها إلى خمسين سنة، طيب يبقى مع هذا الشريك الجديد خمسين سنة، كل صباح وكل مساء، أخد ورد هذا فيه تعب، فالقول بأنه إذا تحققت المضرة بهذا التأجير فإن فيه الشفعة قول قوي، لكن المذهب لا شفعة.
قال المؤلف رحمه الله: (ويحرم التحيل لإسقاطها) يحرم على من عليه حق الشفعة أن يتحيل لإسقاط الشفعة، والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» هذا واحد.
الدليل الثاني: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ لَمَّا حُرِّمَتْ شُحُومُهَا أَذَابُوا الشَّحْمَ، ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» فتحيلوا على المحرم.
الدليل الثالث: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ» . وهذا الحديث جوَّده شيخ الإسلام ابن تيمية، قال: إن إسناده جيد، وأما التعليل فلأن في هذا التحيل إسقاطًا لحق المسلم، والتحيُّل لإسقاط حق المسلمين حرام؛ لأنه من باب العدوان عليهم، ولأن فيه شبهًا بحال المنافقين، الذين يتحيَّلون على بقائهم كمسلمين مع أنهم من أكفَر الناس.
فإذا قال قائل: كيف التحيل لإسقاطه؟
الجواب: أن له صورًا كثيرة؛ منها: أن يُظهر الشريك والمشتري أن الانتقال بغير عِوض، فيقول الشريك لشريكه: إني قد وهبت فلانًا نصيبي من الأرض. وإذا قال: وهبتُ، فهل في انتقالها بالهبة الشفعة؟ لا، إذن سوف يمتنع الشريك عن المطالَبة بالشفعة؛ لأنها انتقلت بغير عِوَض.
أو تقول المرأة: إني أعطيت نصيبي من هذه الأرض لزوجي عوضًا عن خُلع وهي كاذبة، ما خالعته، هذا من باب التحيُّل لإسقاطها؛ لأنها انتقلت بعِوض غير مال.
الصورة الثالثة: أن يُظهر البائع -الذي هو الشريك- والمشتري أن البيع بثمن كثير، مثل أن يبيعها بعشرة آلاف، وهي لا تساوي إلا عشرة، ويقول: إنني بعتها بخمسين، فإن الشريك في هذه الحال لن يطالب بالشفعة؛ لأنه إذا طالب بها سيأخذها بماذا؟ بالثمن الذي استقر عليه العقد، وهو يقول: لا أريدها بخمسين ألفًا، وهي لا تساوي إلا عشرة.
الصورة الرابعة: أن يُوقِف المشتري النصيب فورًا؛ لأن المشتري إذا تصرف فيه تصرفًا لا تثبت به الشفعة سقطت الشفعة، فهذا المشتري من حين ما اشتراه قال: جعلته وقفًا، نقول: إنه بهذه الحال تسقُط الشفعة، لكن إذا فعل ذلك من باب التحيُّل لإسقاطها فإنها لا تسقط، ويأخذ الشريك بها، ويبذل الوقت، المهم القاعدة عندنا أنه لا يجوز أن يتحيَّل الشريك، أو المشترِي على إسقاط الشفعة بأي صورة من الصور، والأدلة عرفتموها.
قال: (وتثبُت لشريكٍ في أرض تجب قسمتها)، هذه ثلاثة شروط؛ يعني الشفعة -بتعريفها السابق- لا تثبت إلا لشريك في أرض، لشريك في أرض تجب قسمتها، فإذا لم يكن شريكًا -كالجار مثلًا- فإنه لا شفعة له، فإذا بعتُ بيتي فليس لجاري أن يشفع، إذا بعتُ أرضي فليس لجاري أن يشفع؛ لقول جابر رضي الله عنه قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يُقْسم .
الثاني: قال: في أرض، فالشريك في غير الأرض لا شفعة له، مثل أن يكون شريكًا له في سيارة، فإنه لا شفعة له، فزيد وعمرو شريكان في سيارة، فباع عمرو نصيبه على بكر، فهل لزيد أن يُشفِّع؟ لا، لماذا؟ لأنها ليست أرضًا، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إن الشفعة في كل شيء، كل شركة ففيها شفعة، سواء أرض، أو عقار، أو منقول، أو غير ذلك لعموم حديث جابر: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يُقسم. إلا في منقول تمكن قسمته، فهذا لا شفعة فيه لإمكان إزالة الضرر، بماذا؟ بقسمته.
نعود إلى المثال، قلت: زيد وعمرو شريكان في سيارة، فباع عمرو نصيبه على بكر، فليس لزيد أن يُشَفِّع؛ لأنها ليست أرضًا، والقول الثاني: له أن يُشفِّع لعموم حديث جابر: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم.
ولأن المعنى الموجود في الأرض موجود في السيارة، بل قد يكون أشد، يأتي شريك إن قلت له: سنؤجر السيارة، قال: لا، إن قلت له: نؤجِّرها للرياض؟ قال: لا، أبغي نؤجرها لمكة، إن قلت: نؤجرها لمكة؟ قال: لا، أبغي نؤجِّرها للشام، للشام؟ قال: نبغي نؤجرها للعراق، وأبقى أنا وإياه في نزاع إلى أن نبيع السيارة، إذا خرب منها شيء قلت: بدنا نصلحه حتى لا يزيد العيب، قال: لا، خليه يبقى (...)، كل ما أقول شيء يقول: لا، هذه مشكلة هذه، الإشكال هذا يمكن أشد من إشكال الأرض، فالصحيح أن الشفعة تثبت في هذا
.
أما إذا كان المنقول يمكن قسمته فلا شفعة، مثل زيد وعمرو شريكان في كيس من القمح أنصافًا، فباع عمرو نصيبه من هذا القمح على بكر، فليس لزيد أن يُشفِّع، لماذا؟ لأن قسمته ممكنة، نقول: إذا كنتَ لا ترضى بهذا الشريك فاقسم، لكن قد يقول: إن القسمة ربما تنقص فيها القيمة؛ لأن الناس لا يرغبون مثل هذه السلعة إلا إذا كانت كاملة؛ يعني مثلًا أكثر الناس ما يشترون نصف كيس رز، أو نصف كيس قمح، يريدون كيسًا كاملًا، فإذا قاسمته نقص نصيبه، فربما في هذه الحال نقول: لك الشفعة ما دامت القسمة يحصل بها ضرر عليك فلك الشفعة.
الشرط الثالث -على كلام المؤلف-: تجب قِسمتها، يعني إن قسمتها قسمة إجبار تجب، معناها أنها تجب قسمتها عند طلب الشريك، وهذه ما يسميها أهل العلم بقسمة الإجبار؛ لأن قسمة الأراضي والعقارات نوعان: نوع إجباري، ونوع اختياري؛ فإذا كان في القسمة ضرر أو رد عوض فالقسمة اختيارية، وإذا لم يكن فيها ضرر فالقسمة إجبارية، مثال ذلك أرض كبيرة بين زيد وعمرو، طلب زيد من عمرو أن يقاسمه إياها لينفرد بنصيبه، هل يُجاب لذلك أو لا؟
يُجاب ويُجبر الشريك ولَّا ما يُجبر؟ يُجبر، لماذا؟ لأن قسمتها ليس فيها ضرر، أرض واسعة متساوية، لا تحتاج إلى دفْع عِوض، ولا تحتاج إلا إلى (...) فقط بالأمتار، فهذه قِسمتها إجبار، إذا باع أحدهما نصيبه منها ثبتت الشفعة لصاحبه؛ لأن القسمة فيها قِسمة إجبار.
مثال آخر لِمَا قسمته تراضٍ: زيد وعمرو شريكان في أرض تصلح أن تكون بيتًا، فإذا قُسِمت لم تصلح أن تكون بيتًا؛ لأنها صغيرة، ما نوع القسمة في هذه؟ قسمة تراضٍ، إن رضي الطرفان بقسمتها فالحق لهما، وإن لم يرضيا فإنها لا تُقْسم وتُباع إذا طلب أحدهما البيع، ويُقسم الثمن.
طيب في هذا المثال باع أحد الشريكين نصيبه، فهل فيه شفعة؟ على كلام المؤلف ليس فيه شفعة، لماذا؟ لأن هذه الأرض لا تجب قسمتها، والمؤلف يقول: إنما تثبت الشفعة (في أرض تجب قسمتها) تصوروا الآن تصورًا كاملًا، أيما أولى أن نقول: إن الشفعة واجبة في هذه أو في المثال الأول؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا إله إلا الله! تأملوا يا جماعة.
طالب: في الثاني أولى.
الشيخ: في الثاني أوْلَى، في الأول أولى، فيهما أولى!
طالب: (...).
الشيخ: المثال: زيد وعمرو شريكان في أرض كبيرة واسعة يمكن قسمتها بلا ضرر، فباع عمرو نصيبه منها على بكر، فهل لزيد أن يُشفِّع؟
طلبة: نعم.
الشيخ: له أن يُشفِّع؛ لأن الأرض قسمتها إجبار؛ يعني لو طلب أحد الشريكين من الآخر قسمتها وجبت إجابته.
مثال ثانٍ: زيدٌ وعمرو شريكان في أرض صغيرة، لو قُسمت لحصل الضرر بقسمها، فباع عمرو نصيبه منها على بكر، هل فيها شفعة؟
طلبة: لا.
الشيخ: على كلام المؤلف لا شُفعة فيها؛ لأن الشفعة إنما تثبت في أرض تجب قسمتها، وهذه الأرض لا تجب قسمتها. فأسألكم الآن: أيما أوْلى أن تثبت فيه الشفعة، المثال الأول، أو المثال الثاني؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني الآن بالاتفاق؟!
طلبة: إي.
الشيخ: صح، حقيقة الأمر أن نقول: إن ثبوت الشفعة في الأرض التي لا تجب قسمتها أوْلَى من ثبوتها في الأرض التي تجب قِسمتها، لماذا؟ لأن الأرض التي تجب قسمتها يمكن انفكاك الشريك عن الشركة، بماذا؟ بالمقاسمة، فينفرد بنصيبه، وينفرد المشتري بنصيبه، لكن الأرض التي لا تجب قسمتها، ولا تُقسم إلا بالاختيار لوجود الضرر في القسمة، كيف لا نقول بثبوت الشفعة فيها مع أن الشريك ملزم بأن يبقى هذا شريكًا؟ له لو طلب الفكاك في القسمة يُطاع؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لو طلب ما يُطاع إلا إذا رضي، والمشتري يقول: أبدًا، ما أقاسمه، أنا بيصير غصة في حلقي، ما يمكن أقاسمه، يا بن الحلال، قاسمه. قال: ما ينفع، قال: إذن أنا مُشفِّع، ويش يقول؟ ما لك شفعة. فتضيق به الأرض ذرعًا، يضطر في هذه الحال إلى أي شيء؟ إلى أن يترك ولَّا يبيع باللي يسوى؟ نعم، يفتك منه، ولكن هل له أن يختار أصعب الناس، وأشكس الناس، وأسوأ الناس خلقًا يبيع عليه علشان يضايق المشتري؟ أما غانم يقول: نعم، فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ [البقرة: ١٩٤]، ويش المصلحة؟ هذا أخرجه من ملكه.
طالب: (...).
الشيخ: إي، ويقول: إن الحديد بالحديد يفلح، والله ما أدري عن جواز هذه المسألة، الآن أخشى أن يقع في الحديث الذي فيه: «مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ» . والحقيقة أن الضرر ما هو من المشتري، الضرر اللي أصابك الآن، قد لا يكون من المشتري، من الشريك اللي باع على هذا الرجل الشكس.
على كل حال الآن القول الراجح في هذه المسألة: أن الشُّفعة تجب في كل شيء، إلا ما أمكن قسمته من المنقولات، فإنه لا شُفعة فيه لإمكان القسمة بدون ضرر.
فإذا قال قائل: إذا قلتم بهذا، فقولوا أيضًا: لا شفعة في أرض تجب قسمتها، عكس ما قال المؤلف؛ لأنه يمكن للشريك أن يتخلص من المشتري بالقسمة.
فالجواب على هذا أن نقول: هذا القول، وإن كان القياس يقتضيه، لكنه يخالف ظاهر النص؛ وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث جابر، وهو ما قاله جابر رضي الله عنه: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشُّفْعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصُرِّفت الطرق، فلا شُفْعة .
وهذا يدل على أن الشفعة ثابتة في أرض يمكن قسمتها، فالأوْلى إبقاء النص على عمومه، بخلاف المنقول، فإن قسمته ممكنة، وحتى لو بقِي شريكًا فإن مدته لا تطول؛ لأنه سيفنى، فإنه إما طعام يُؤكل، أو شيء يُستعمل ويفنى، والله أعلم.
(...) والثور والبعير. لو قال لك إنسان: شريكان في بعير، باع أحد الشريكين نصيبه من البعير، فللثاني أن يُشفِّع. لو قال: قاسم، ما يمكن يقاسم؟
طلبة: (...).
الشيخ: نعم، فيه يُذكر عن شخص أنه أعطى شخصًا آخر عجلًا وهو والشخص الآخر فلَّاح، وصاحب العجل، يريد أن يكون هذا العجل عنده حتى يكبر ويُباع، فقال: خُذ هذا العجل على النصف، يقول للفلاح، فأخذه الفلاح، وبعد مدة ساعة، ساعتين، جاء بنصف العجل مذبوحًا، نصف اللحم، فاندهش صاحب العجل، كيف؟! أنا قلت لك: (...) على النصف، وهذا ما يمكن يُقسم إلا بهذا الوجه، فأنا ذبحته وجبت لك نصفه. لكن على كل هذه واقعة، ما هي مسألة.. واقعة، إلا أن الرجل الذي ذبح العجل كان ثريًّا فأعطاه قيمة العجل كاملًا مع نصفه الذي وصل إليه.
على كل حال أنا أقول: إن الذي لا تمكن قسمته من المنقولات فيه الشفعة، والذي تمكن لا نحتاج إلى الشفعة؛ لأنه لا ضرر في القسمة، كما لو كان كيس من البر بين شخصين، فباع أحد الشخصين نصيبه من هذا الكيس، فإنه لا شفعة للثاني، لماذا؟ لأنه يمكن أن يقاسمه، كما أن صاحبه الذي باعه لو شاء أن يقول: اقسم الكيس لوجب عليه أن يقسمه.
قال المؤلف رحمه الله: (ويتبعها) يعني يتبع الأرض. والدليل على أن الضمير يعود على الأرض قوله: تجب لشريك في أرض (يتبعها) أي الأرض (الغراس والبناء)؛ لأن الغراس والبناء يتبع الأرض في البيع، فيتبعها في الشفعة، فإذا باع شخص نصيبه من الأرض، وفيها نخل مغروس، أو شجر مغروس، أو بناء قصر فللشفيع أن يأخذ الأرض، وما عليها من البناء والشجر، لا يقول قائل: إن للشريك أن يأخذ الأرض فقط، ويبقى نصيب المشتري في الشجر وفي البناء؛ لأن في ذلك ضررًا على مَنْ؟
على الشريك، ما هو على المشتري، المشتري قد يرغب أن يبقى له شيء في هذه الأرض، مثال ذلك، أنا قلت: رجل باع أرضًا، هذه الأرض فيها شجر من النخل، وشجر من العنب، وشجر من الرمان، وغيره، وفيها أيضًا قصر، وكان البائع له نصف هذه الأرض بما فيها من الأشجار والبناء، فباعها على رجل ثالث، نقول: للشريك أن يُشفِّع في كل الأرض، وما عليها من البناء والغراس، فإن قال المشتري: الشفعة في الأرض، وأبقى شريكًا للشريك الأول في الغراس والبناء، نقول له: نوافق ولَّا ما نوافق؟
طلبة: لا نوافق.
الشيخ: لا نوافق، نقول: الغراس (...)، والبناء (...)؛ وذلك لأن مدة البناء والغِراس تطول، فيحصل فيها الضرر في المشاركة، يمكن يختار الشريك أن يجتث هذا الشجر، ويغرس بدله شجرًا مفيدًا، فيقول المشتري: لا أوافق، أو يمكن للشريك أن يختار هدْم البناء السابق والبناء على الطِّراز الجديد، فيأبى المشتري، ويحصل النزاع والأذية بهذه الشركة.
يقول المؤلف: (ويتبعها الغِراس والبناء، لا الثمرة والزرع) الثمرة والزرع ما تتبع في الشُّفعة، بل تكون للمشتري، مثال ذلك: شريكان في أرْض، زرعاها زرعًا سواء من القمح، أو من الشعير، أو من الرز، ثم باع أحدهما نصيبه من الأرض والزرع على شخص، فأراد الشريك أن يُشفِّع، نقول: إنك تُشفِّع، لكن في الأرض فقط، أما الزرع فهو للمشتري.
طيب ما الفرق بين الزرع والشجر؟ لأن الزرع لا تطول مُدته، نهايته أربعة أشهر خمسة أشهر، وينتهي، الثمرة مثل أن يبيع أحد الشريكين نصيبه من الأرض، وما فيها من النخل، والنخل قد ظهرت ثمرته، فإذا أراد الشريك الأول أن يُشفِّع شفَّع في الأرض وفي النخل، طيب والثمرة؟ لا يُشفِّع فيها، تكون الثمرة للمشتري.
فإذا قال قائل: لماذا؟ قلنا: لأن مدتها لا تطول، بخلاف البناء والغراس.
فعندنا الآن ثلاثة أشياء: أرض مفردة، أرض عليها شجر وبناء، أرض عليها زرع أو ثمرة في شجر؛ الأرض المفردة إذا باعها الشريك فلشريكه أن يُشفِّع فيها كلها ولا إشكال، أرض عليها غراس وبناء، إذا باع الشريك نصيبه فلشريكه أن يُشفِّع في الأرض والغراس والبناء، أرض فيها زرع، أو فيها شجر عليه ثمرة، باع الشريك نصيبه منها على شخص، فللشريك أن يُشفِّع في الأرض والغِراس والبِناء دون الثمرة والزرع.
طيب لمن تكون الثمرة والزَّرْع؟ تكون للمشترِي، ما الفرق بين الثمرة والزَّرْع وبين الغِراس والبناء؟ قال: الفرق أن مدة الغراس والبناء طويلة، وأما مدة الزرع والثمرة فقصيرة، يعني إذا طالت تكون ستة أشهر أو ثمانية أشهر، وهي مدة وجيزة. والأصل أن مال المسلم محترم، وأن هذا المشتري ماله محترم، ليس لأحد سلطة أن يأخذه قهرًا منه؛ فلهذا أبقينا الثمر، وأبقينا الزرع ملكًا للمشتري؛ لأن الأصل احترام الملك.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الثمرة والزرع يتبع، قالوا: لأن الثمرة فرْع الشجر، والشجر فيه الشفعة، والزرع فرْع الأرض، والأرض فيها شُفعة، ويثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، والمضرَّة الحاصلة بالشريك الجديد، ولو كانت المدة وجيزة، كل يحب أن يتلافاها ويبتعد عنها، ولهذا منع الشرع من بيع الحب قبل أن يشتد خوفًا عليه من الآفات التي تُؤدي إلى النزاع والخصومة، وهذا القول أصح؛ أن الزرع والثمرة تتبع لِمَا سمعنا.
أولًا: لأنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا، والثمرة فرْع الشجر، والشجر فيه شفعة، والزرْع فرْع الأرض، والأرض فيها شفعة.
ثانيًا: أنه قد يحصل ضرر، ولو كان يسيرًا من هذا الشريك الجديد، أليس كذلك؟ حتى في الثمرة والزرع، قد يؤدي النزاع إلى شيء كثير، والدليل على هذا أن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها وعن بيع الحب حتى يشتد ؛ لئلا يحصل النزاع والخصومة بين البائع والمشتري.
الثالث: أن يُقال: إننا إذا منعنا الشفعة بالثمرة والزرع صار في ذلك تشقيق على مَنْ؟ على الشريك؛ يعني شققنا عليه الصفقة، فقلنا: بعضها فيه الشفعة، وبعضها ليس فيه الشفعة، وهذا قد يتضرَّر به، ثم إنه قد يتضرر به المشتري أيضًا، المشتري لو قال: إذا لم يحصل لي النصيب كاملًا، فأنا لا أريد الثمرة، ولا الزرع، فإذا قال الشريك الأول: أنا لا أريدها أيضًا، صار في ذلك شيء من الضرر حتى على المشتري، فإذا قلنا بأنها تتبع الأصل استرحنا من هذا الضرر.
بقي علينا سؤال: على المذهب إذا قلنا: إن الثمرة والزرع لا تثبت في الشفعة، وقلنا: إن الشريك يأخذ النصيب بثمنه الذي استقر عليه العقد، فهنا إذا أخذه بثمنه الذي استقر عليه العقد مع أنه سينزع منه الثمرة والزرع، يكون فيه ضرر على مَنْ؟ على الشريك، أليس كذلك؟
يظهر بالمثال: زيد وعمرو شريكان في أرض، فيها زرع، وفيها شجر مثمر، فباع عمرو نصيبه على بكر، باعه بمئة ألف، فأراد الشريك أن يُشفِّع، فالقاعدة في الشفعة أن يأخذه بكم؟ بمئة ألف؛ لأنه الثمن الذي استقر عليه العقد، ولكن لا شك أن مئة ألف هذه قِيمة للأرض والغراس والثمرة والزرع.
فإن قلنا بأن الشريك يلزمه الثمن كاملًا صار في ذلك ظلم عليه، فماذا نفعل؟ نقول: يُقدَّر ثمن الزرع، وثمن الثمرة، ويُنزَّل من القيمة، بل يُنزَّل من الثمن، فإذا قالوا: إذا بِيع هذا النصيب بمئة ألف ريال مع الثمرة والزرع، وبدون الثمرة والزرع بتسعين ألف ريال، فبكم يأخذه الشريك؟ بتسعين ألفًا؛ يعني أنه إذا أخذ الشريك بالشفعة يُخصم من الثمن عشرة آلاف في المثال، لكن إذا أخذناها كقاعدة عامة يُخصم من الثمن قيمة الزرع، وقيمة الثمرة لئلا نظلم الشريك بإضافة ثمن شيء لم يحصُل له.
طالب: (...).
الشيخ: لا، ثمن؛ لأنه إذا أخذ بكل الثمن فقد أضفنا عليه ثمن الزرع.
يقول المؤلف: (ويتبعها الغراس، والبناء، لا الثمرة والزرع) قال: (فلا شُفعة لجار) هذا محترز قوله أيش؟
طلبة: لشريك.
الشيخ: لشريك، فالفاء هنا للتفريع (فلا شفعة لجار) سواء كان هذا الجار مشاركًا لجاره في الطريق وفي مصالح الملك؛ كالماء والسيل وما أشبه ذلك، أم لم يكن مشاركًا؛ لأن المؤلف قال: لا شُفعة لجار، كلمة جار نكرة في سياق النفي، فتكون عامة، كل الجيران إذا باعوا فلا شفعةَ لجيرانهم، الدليل: حديث جابر رضي الله عنه: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشُّفعة في كل ما لم يُقْسم . والجار ليس بينه وبين جاره شركة؛ لأن جاره منفصل منفرد، وعلى هذا فلا شُفعة للجار، وقال بعض أهل العلم: بل للجار الشفعة، واستدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ» . أي بما جاوره، وعلى هذا، فإذا باع الجار أرضه أو بيته فلجارِه أن يشفع بهذا الحديث.
وجمع بعض أهل العلم بين النصوص، وقال: إن الجار إذا كان له شركة مع جاره في مصالح الملك، فإن له أن يشفع، وإذا لم يكن له شركة في مصالح الملك، فليس له أن يشفع، وقال: إن حديث جابر لا ينافي ما قلت، وكذلك حديث: «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ» لأننا نقول: «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ» يُحمل على الجار المشارك لجاره في مصالح الملك، وقضى في كل ما لم يُقسم في آخر الحديث: فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق .
فعُلم من هذا أنه لو وقعت الحدود، ولم تُصرَّف الطرق فالشفعة باقية، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح
، فإذا كان جاري بيني وبينه سوق مشترَك، السوق المشترك اللي يسميها الناس (...)، سوق مشترك، وباع فلي أن أشفع، وإذا كان جاري مشاركًا لي في الهاتف، يعني أنا وإياه سِلْك الهاتف واحد، فهل نقول: إن هذا من باب مصالح الملك، أو نقول: هذا كالفراش وغيره منفصل؟ الظاهر أنه منفصل لإمكان الانفصال.
الماء، لو اشتركنا في الماء بأن كان البئر بيننا جميعًا، كما يوجد فيما سبق، يوجد بئر بين البيتين يُدلي أصحاب البيت على هذا البئر بدلوهم، وأصحاب البيت الآخر عليه بدلوهم، فيه الشفعة ولَّا لا؛ لأنهم اشتركا في مصالح (...).
كذلك لو كان جاران لهما حائطان يأتيهما السيل، والسيل مشترك بينهما، فلجاره أن يشفع. وفي هذا القول جمع بين الأدلة.
والخلاصة في قول المؤلف: (فلا شفعة لجار) أن المؤلف رحمه الله يرى أنه لا شفعة للجار مطلقًا، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، والقول الثاني: أن له الشفعة مطلقًا، والقول الثالث: التفصيل؛ وهو أنه إن كان بين الجارين مصالح مشتركة فله الشفعة، وإن لم يكن بينهما مصالح مشتركة، لا طريق، ولا ماء، ولا غيره، فلا شفعة، والله أعلم.
(...) (وهي على الفور وقت علمه، فإن لم يطلبها إذن بلا عذر بطلت)
(وهي) أي الشفعة.
(على الفور) يعني حالًا، تطلب وقت العلم، من يوم يعلم يطالب، من الذي يطالب؟ الشريك الذي هو الشفيع؛ يعني يجب أن يطالب بالشفعة فورًا ولا يؤخِّر، فإن كان يستطيع أن يذهب إلى المشتري ويقول: إني مُشفِّع فعل، وإلا اتصل به في عصرنا هذا بماذا؟ بالهاتف، وإلا أبرق له برقية، وإن لم يمكن ذلك، وكان المشتري غائبًا أشهد، قال: أشهد شاهدين بأنه مطالِب بالشفعة مُشفِّع. والدليل ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَهَا» ، «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ الْعِقَالِ» . وهذان الحديثان ضعيفان جدًّا، وإلا فلو لو ثبتا لكان فيهما دليل على أنه تجب المبادرة بطلب الشفعة.
قالوا: ولنا تعليل أيضًا، وهو أن تأخير الطلب يُضر بمن؟ بالمشتري؛ لأنه ربما يؤخر حتى يبث ذلك في الأرض ويعمل، نعم، فيكون في تأخير الطلب ضرر.
قال المؤلف: (وقت علمه، فإن لم يطلبها إذن بلا عُذر بطلت) وعُلِم من قوله (بلا عُذر) أنه لو أخَّرها لعذر فلا بأس، لو علِم وهو يأكل، جالس على الأكل، فحدثه الذين معه في الأكل بأن شريكه باع على فلان، لا يلزمه أن يقوم من الأكل ليذهب إليه، ويقول: أنا مُشفِّع، لا يلزمه؛ لأن هذا عذر، أو أخبر وهو يصلي بأن شريكك باع، فلا يلزمه أن يقطع الصلاة ليذهب، أو أُخبِر وهو نائم على فراشه، نعم، فلا يلزمه أن يقوم من فراشه ليخبر المشتري بأنه مطالب؛ لأن هذا عُذْر، لكن إن كان ليس له عذر، وأُخْبِر مثلًا في الصباح، فقال: إن شاء الله، العصر أذهب إليه وأقول، يقولون: إن الشفعة تبطل؛ لأنه لا بد أن يطالب بها فور علمه.
وما ذهب إليه المؤلف -كما رأيتم- مبني على دليل ضعيف، وعلى تعليل يمكن التسليم به، ولهذا كان القول الراجح أن الشفعة كغيرها من الحقوق لا تسقط إلا بما يدل على سقوطها بقول صريح، أو قرينة ظاهرة؛ القول الصريح أن يقول لما بلغه أنه شريكه قد باع يقول: الله يبارك للمشتري، أنا لست بمطالب للشفعة، ما دام فلان هو المشتري فإنني لن أطالبه بالشفعة، هذا إسقاط ولَّا لا؟ بلفظ صريح. أو بقرينة ظاهرة بأن يسكت، ويرى أن المشتري قد تصرف وعمل وهو ساكت، فإن هذا قرينة ظاهرة تدل على أنه راضٍ، أما كونه يأتيه الخبر اليوم، ويؤجل الطلب إلى الغد لينظر في أمره، وهل عنده دراهم يوفي بها، أو ليس عنده؟ وهل من المصلحة أن يأخذ الشفعة، أو ليس من المصلحة، أو ينظر ليشاور ذوي الرأي؟ فإن هذا لا يسقط الحق؛ لأن هذا أمر قد يكون لا بد منه، فإذا أُخبر مثلًا بأن شريكه باع نصيبه من الشيء المشترك بمئة ألف، وقال: بشوف إن حصَّلت مئة ألف من إخواني قرضًا، أو بعت سيارتي وحصلت الثمن، فأنا سآخذ بالشفعة، وإلا فلا، هل نقول: إن مثل هذا يسقط حقه؟
الجواب: لا، على القول الراجح لا، أما على المذهب فإنه يسقط حقه، ولكن لا بد على القول الراجح من أن يطلب بها في وقت لا يتضرر فيه المشتري بالتأخير، فإن سكت، وقال: أنا بشوف، أبغي أعرض النصيب للبيع، فإن ربح فأنا آخذ بالشفعة، وإن لم يُربِّح لم آخذ، فإنه لا يُمكن من هذا
، فهمتم المثال هذا ولَّا لا؟
يعني الشفيع الشريك لما أُخبر أن شريكه باع على شخص بمئة ألف ريال قال: بروح أشوف أعرضه على الناس، إذا قالوا: نأخذه بمئة ألف وعشرة آلاف أخذت بالشفعة، وإن لم يُربِّحني، فأنا لا آخذه، فإننا نقول في هذه الحال: تسقط شفعته؛ لأن الرجل تصرف تصرفًا يضر بالمشتري، أما إذا كان على الأمر الأول الذي قلت لكم: إن الرجل بيشاور، وبيستخير، بينظر هل يحصل على الثمن أو لا؟ فهذا لا يسقط حقه.
قال المؤلف: (وإن قال للمشتري: بعني، أو صالحني، أو كذَّب العدل، أو طلب أخذ البعض سقطت) (وإن قال) مَنْ؟ الشفيع، (قال للمشتري: بعني) سقطت الشفعة، مثاله: لما علم أن شريكه باع على زيد، ذهب إلى زيد، وقال: سمعت أن شريكي باع عليك، بِعْ عَلَيَّ. قال: ما أنا ببايع (...). قال: أجل، أنا مشفع. ماذا يقول له المشتري؟ ليس لك شفعة؛ لأن قوله (...).
على أنه لا نية له للتشفيع، لكن لما أبى أن يبيع عليه، قال: أنا مطالِب بالشفعة، أو قال: صالِحني، ذهب الشريك إلى المشتري، وقال: سمعت أن شريكي باع عليك، فأنا أريد أن أُشفِّع وإلا صالحني؛ يعني مثلًا أعطاني فلوس، وقال: أشفع. قال المؤلف: تسقط الشفعة. لماذا؟ لأنها على الفور، وإذا قال: صالحني لم يكن طالَب بها على الفور.
(أو كذَّب العدل) ويش معنى كذَّب العدل؟ يعني أخبره شخص عدل، قال: إن شريكك قد باع على فلان، قال: تكذب، ما باع عليك، شريكي ما عنده نية للبيع، لو كان عنده نية للبيع لعرض عليَّ قبل كل الناس، والرجل الذي أخبره عدْل ثقة، فإن شفعته تسقط.
وظاهر كلام المؤلف: ولو ظن أنه يمزح عليه؛ لأن الواجب عليه أن يتأنَّى. طيب فإن كذَّب الكاذب أو الكذوب؛ يعني جاءه إنسان معروف الكذب، قال: إن شريكك باع على فلان، فقال: كذبت، ليش؟ لأنه ليس بعدل متهم في كلامه. طيب وإن كذب الفاسق فمِثله؛ لأن الفاسق لا يلزم قبول خبره؛ لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ [الحجرات: ٦].
إذن إذا كذَّب العدل سقطت، ولكن إن ظن أنه يقول ذلك مزحًا، فالظاهر أنها لا تسقط، ولكن لا يمكن أن يظن أنه يقوله مزحًا إلا إذا كان هناك قرينة، القرينة قد تكون حالية في الْمُخبِر، وقد تكون حالية في المخْبَر؛ قد تكون قرينة في المخبِر بأن يُلقي الخبر وهو يتبسم مثلًا، أو يشير إلى رجل ثالث، يعني بنزعجه (...)، هذه قرينة حالية بمن؟ بالمخبِر. قرينة حالية بالمخبَر -اللي هو الشريك- بأن يكون الشريك سليم القلب، يمزح الناس عليه كثيرًا، وأظنكم تعرفون بعض الناس يكون سليم القلب، يُكثر الناس عليه من المزح، فقال هذا الرجل الشريك الذي هو سليم القلب: إن هذا يريد أن يزعجني، وهو ليس بصحيح.
فعلى كل حال نقول: إذا كذب العدْل فإنه على كلام المؤلف تسقط الشفعة؛ لأنه يُشترط فيها المطالبة على الفور، إلا إذا ظن أنه مازح، ولا يظن أنه مازح إلا بقرينة بالمخبِر أو المخبَر. جعل الشارع للشريك، أليس كذلك؟
فهي إذن حق من حقوقه، هذا الحق لا يسقط إلا بما يدل عليه بلفظ صريح أو قرينة، فما دام الشارع جعل لي الحق حتى يوجد ما يدل على سقوطه، أو على إسقاطه، إما بلفظ صريح أو قرينة، ولكن إذا تأخر حتى صار ذلك سبًبا لضرر المشتري، فمعلوم أنه لا يجوز إثبات الضرر.
على المذهب (...) كذب المخبِر بالبيت، جاء إليه شخص، وقال: إن شريكك قد باع، فقال: كذبت، ولا يمكن يبيع، تسقط. السؤال: كذَّب المخبِر، إن كان المخبر عدلًا سقطت.
طيب الآن، قال المؤلف: (أو طلب أخذ البعض سقطت) شفعته، معنى طلب أخذ البعض أنه ذهب إلى المشتري، وقال: إنني قد شفَّعت في نصف ما اشتريتَ؛ فالشفعة تسقط.
فإذا قال قائل: لماذا تسقط؟ قلنا: لأنه فوَّت على نفسه الفورية.
فإذا قال قائل: إنه لم يفوِّت على نفسه الفورية، بل طالب ببعض الشقص؟ قلنا: في مطالبته ببعض الشقص تشقيص على المشترِي، وذلك إضرار به، فلا يملك أخذ البعض، ويسقط أخذه بالكل، لا يملك أخذ البعض، لماذا؟ لأن في ذلك إضرارًا بالمشتري بالتشقيص عليه، ولا يملك أخذ الكل؛ لأنه لم يبادر بطلب الشفعة، فتسقط الشفعة حينئذٍ.
فإذا قال قائل: إذا قال الشفيع -يعني الشريك-: أنا ليس عندي إلا نصف ثمن المبيع، وأنتم تطالبونني بجميع الثمن؟
فالجواب: إذن لا تُطالِب بالشفعة، ما دام الثمن ليس عندك، فلا تطالب، دَعْها ودعِ المشتري على شرائه.
قال المؤلف: (والشفعة لاثنين بقدْر حقَّيْهما) عندكم حقيهما ولَّا حقهما؟ (حقَّيْهما)، فالشركة إذن لا تقل عن ثلاثة، ولنفرض أن الشركاء أربعة؛ شريك له النصف، وشريك له الثلث، نفرقهم ثلاثة؛ شريك له النصف، وشريك له الثلث، وشريك له السدس، فباع صاحب السدس نصيبَه على شخص، نقول: للاثنين الباقين الشفعة بقدْرِ حقيهما، كم يكون لصاحب النصف؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا، ثلاثة أخماس السدس، ولصاحب السدس خُمسان؛ لأن المسألة واضحة الآن؛ المسألة من ستة؛ الملك الآن بين ثلاثة، لأحدهم النصف، وللآخر الثلث، وللثالث السدس، فكم المسألة؟ مِنْ كم؟ مِنْ ستة، لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب الثلث اثنان، ولصاحب السدس واحد، فباع صاحب السدس، كم بقي؟ بقي خمسة ولَّا لا؟ السهم السادس راح لصاحب النصف منها ثلاثة، ونسبة الثلاثة للخمسة ثلاثة أخماس، ولصاحب الثلث اثنان نسبتهما للخمسة خمسان. نقول: يشتركان في هذا السدس الذي باعه شريكهم، فلصاحب النصف كم؟ ثلاثة أخماس، ولصاحب الثلث خمسان.
أعيد المثال مرة ثانية: ثلاثة رجال بينهم أرض، لأحدهم نصفها، وللثاني ثلثها، وللثالث سدسها، فكم تصح المسألة؟ من ستة، طيب لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب الثلث اثنان، ولصاحب السدس واحد، باع صاحب السدس نصيبه كم بقي؟ بقي خمسة؛ لأن السدس راح، أخذ الشريكان بالشفعة من المشتري، كيف يُوزَّع السدس عليهما؟ على قدْر ملكيهما، الآن ملكهم خمسة، ولَّا لا؟
لصاحب الثلث اثنان، ولصاحب النصف ثلاثة، يأخذانِ السدس أخماسًا؛ لصاحب النصف ثلاثة أخماسه، ولصاحب السدس الخمس، ولصاحب الثلث الخمسان.
إذن لا، ما هو على قدْر (...) على قدر نصيبه من الملك.
الآن كم يقسم الملك بعد الأخذ بالشفعة؟ أخماس، يقسم الملك بدل ما كان بالأول نقسمه من ستة، الآن نقسمه من خمسة، لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب الثلث اثنان.
إذا باع صاحب الثلث، فكيف يقتسمان نصيبه؟ شوفوا يا جماعة إذا باع صاحب الثلث، صاحب الثلث كم نصيبه من ستة؟ اثنان، كم يبقى.
طلبة: أربعة.
الشيخ: يبقى أربعة، إذن يقتسمان نصيبه أرباعًا، لصاحب النصف ثلاثة أرباع، ولصاحب السدس ربع، واضح ولَّا لا؟ الأولى واضحة ولَّا لا؟ طيب الثانية إذا باع صاحب الثلث نصيبه، الثلث من الستة كم؟
طلبة: اثنان.
الشيخ: اثنان كم يبقى بعد..؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: يبقى أربعة، لصاحب النصف من الأربعة ثلاثة، ولصاحب السدس واحد، واضح ولَّا لا؟
كيف يأخذان نصيبه للشفعة؟ يأخذانِه أرباعًا، اللي راح منهم اثنان الآن، أرباعًا لصاحب النصف ثلاثة أرباع، كم أربعة من اثنين؟ واحد ونصف ولصاحب السدس الربع، وهو نصف واحد، الآن كم يُقسم الملك عليه بعد دفع الشفعة؟ يُقسم أرباعًا، لصاحب النصف ثلاثة أرباع الملك، ولصاحب السدس ربع الملك. إذا باع صاحب النصف نصيبه كم بقِي معنا؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، كيف يأخذان نصيبه؟
طلبة: أثلاثًا.
الشيخ: أثلاثًا، لصاحب السدس الثلث، ولصاحب الثلث الثلثان، فيقسم الملك الآن على ثلاثة؛ لصاحب الثلث اثنان، ولصاحب السدس واحد، واضح ولَّا غير واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: إذن الشفعة لاثنين أو لثلاثة أو أكثر بقدْر ملكيهما لا بقدر رؤوسهما، والمثال عرفتموه الآن، مثال: عرفتم مثالًا بين ثلاثة أنفار، لواحد النصف، ولواحد الثلث، ولواحد السدس، إذا باع صاحب السدس أخذ شريكاه نصيبه أخماسًا، وإذا باع صاحب الثلث أخذاه أرباعًا، وإذا باع صاحب النصف أخذاه أثلاثًا، فيعود الْمُلك بين الشريكين الباقيين فيما إذا باع صاحب السدس يعود الملك بينهما أخماسًا، يعني يُقسم على خمسة، وفيما إذا باع صاحب الثلث يُقسم على أربعة، وفيما إذا باع صاحب النصف يُقسم على ثلاثة.
طالب: (...).
الشيخ: يبقى النظر إذا كان جاهلًا، هل يُعذر بالجهل؟ قال: أنا ما دريت أن لي شفعة، لو علمت ما طلبتني فيه، لو علمت لقلت: أنا مشفِّع، ولا جعلت له منة؛ لأنه إذا قال: بعني فباع عليه صار فيه مِنة، لكن إذا قال: أنا مشفِّع صار هو (...). فإذا قال: أنا ما علمت أن لي شُفعة، فهذه المسألة فيها خلاف، هل إذا ترك المطالبة بها جهلًا هل يُعذر أو لا؟
ينبغي أن يقال: إذا قامت القرينة على صدقه بأن كان عاميًّا بحتًا، فهنا لا نُسقط حقه، أما إذا كان يحتمل أنه ادَّعى ذلك وهو كاذب فلا (...).
طالب: (...).
الشيخ: والله ما أدري يا حبيب هذا، الناس يعرفون أم لا؟ أما فيما سبق لما كان الأملاك يعني دائمًا يكون فيها النزاع، فهم يعرفون، أما الآن ما أدري.
طالب: (...).
الشيخ: لا، ذكرنا، قلنا: الصحيح أنها ما تسقط؛ لأن هذا لا يدل على الإسقاط، بل يدل على أنه يُحب أن يكون مثلًا من باب المصالحة لا من باب المشاقة.
طالب: (...).
الشيخ: هي مرت علينا، يعني إذا أسقط الشريك الشُّفْعة قبل البيع بأن جاء إليه شريكه، أو جاء الذي يريد أن يشتري منه، قال: فلان عرض عليَّ نصيبه، وأنا بشتريه، ويش قلت: أنت بتشفع؟ فلا فائدة من الشراء. قال: لا، أبدًا، ما أنا مشفع، أنا مُسقط للشفعة، فهل تسقط أو لا؟ المذهب لا تسقط شفعته؛ لأنه أسقط حقًّا قبل وجود سببه، ويش سبب الشفعة؟
طالب: البيع.
الشيخ: البيع، وهنا لم يحصل، فقد أسقط الحق قبل وجود سببه، ولكن الذي يظهر لي أنه إذا أسقط الشُّفعة لمعنًى يختص بالمشتري فإنها تسقط بالنسبة إليه، أما إلى غيره فلا تسقُط، مثال ذلك: جاء إليَّ صديق لي، وقال: إن فلانًا عرض عليَّ نصيبه، وأنا أبغي أشتريه، فإن كان قد تشفع فلا حاجة، وإلا فأنا بشتريه، فقلت: لا، أنا بالنسبة لك بأسقط الشفعة، لكن شريكي باعه على غير الرجل اللي أسقط الشفعة من قِبله، فهل تسقط الشفعة؟ الجواب: لا؛ لأن إسقاطي إياها لشخص بعينه مراعيًا به ذلك الشخص الذي أرغب أن يشاركني أكثر مما أرغب من شريكي الأول، أما أن يبيعها على شخص سليط اللسان، كثير الخصومة، فهذا لا أسقطها، هذا هو القول الراجح؛ أنه إذا أسقطها لمعنى يختص بالمشتري سقط، ولا تسقط بالنسبة إلى غيره.
(والشفعة لاثنين بقدر حقيهما) (وإن قال للمشتري: بِعْني، أو صالِحني، أو كذَّب العدْل، أو طلب أخذ البعض سقطت) مثال: طلب أخذ البعض؟
طالب: (...).
الشيخ: ولهذا تقسم على قدْر الملك، لا على قدر رؤوس المالكين، إي نعم، لأن إذا قلنا: من حقوق الملاك صار المالك هو الذي يستحق؛ لأنه مالك، لا لأن ملكه كذا. وسيأتينا -إن شاء الله- في آخر كلام المؤلف ما يوضح ذلك.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فإن عفا أحدهما أخذ الآخر الكل أو ترك)، هذه مشكلة، إذا عفا أحدهما أخذ الآخر الكل، أو ترك، مثال ذلك: الملك الذي بين ثلاثة لأحدهم النصف، وللثاني الثلث، وللثالث السدس، باع صاحب النصف، يكون لشريكيه الشُّفعة على قدْر ملكهما، كم لصاحب السدس من أسهم المبيع؟ لصاحب السدس واحد، ولصاحب الثلث اثنان، صاحب الثلث قال: لا أريد الشفعة، مرحبًا بالشريك الجديد، ولا أريد أن أشفِّع عليه، صاحب الثلث قال: أنا أريد الشفعة، فهل لصاحب الثلث أن يُشفِّع بقدر نصيبه فقط، أو نقول له: إما أن تأخذ الكل وإما أن تدع الكل؟
يقول المؤلف: يُقال لك: إما أن تأخذ الكل، وإما أن تدعَ الكل، فإذا قال: أنا ليس لي إلا الثلث الآن، قلنا له: لو أعطيناك ثلث المبيع فقط لحصل في ذلك ضرر على المشتري، كيف ذلك؟ لأن المشتري الآن يتشقص عليه النصيب بدل ما كان عنده ثلاثة، سيبقى عنده اثنان فقط، وهذا قد يضر به، قد تكون دراهمه مثلًا عوضًا عن وقْف المبيع، وقد يختار هو نصف الملك، وإذا صار له أقل من ذلك لا يريده.
المهم أننا نقول لصاحب السدس: إما أن تأخذ بالجميع، وإما أن تدع الجميع، والعِلَّة: الإضرار على المشترِي بتشقيص النصيب عليه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . طيب إذا أخذ بالكل، كم يكون نصيبه من الملك؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: لا، أربعة، يكون نصيبه من الملك أربعة، ونصيب الآخر الذي لم يُشفِّع اثنين، فيصير نصيب المشفِّع أربعة، ونصيب غير المشفِّع اثنين.
المهم أن الاشتراك في استحقاق الشفعة اشتراك تزاحم، ومعنى اشتراك تزاحم أنه إذا عفا أحدهم فإنه يتوفر نصيب العافي على الباقين، وليس اشتراك ملك؛ لأننا لو قلنا: إنه اشتراك ملك لكان إذا عفا أحدهما بقِي نصيبه غير مُشفع فيه، ولا ملزم فيه بقية الشركاء؛ لأنه اشتراك ملك، لا اشتراك تزاحم.
والعلماء يفرقون بين اشتراك التزاحم وبين اشتراك الملك؛ اشتراك التزاحم إذا اجتمع المتزاحمون، ولو كانوا مئة، فحقهم لا يزيد عن حق الواحد منهم، ومن أبرز الأمثلة له: اشتراك العصَبة في التعصيب، إذا هلك هالِك عن بنت وأخ شقيق، كم نصيبه؟ إي كم؟ النصف، للبنت النصف، وللأخ الباقي، وهو النصف. إذا كانوا أخوين؟
طلبة: الربع.
الشيخ: له الربع، يكون له الربع، هنا عندنا المثال الآن بنت وأخ شقيق، الأخ الشقيق له النصف، إذا كان معه أخ شقيق آخر، فله الربع. شقيق ثالث؟
طلبة: (...).
الشيخ: السدس يا إخوان، شقيق رابع؟ الثمن، وهكذا كلما زادوا نقص، كلما زاد عدد الإخوة نقص نصيبهم، إذا كانوا مئة.
طلبة: (...).
الشيخ: له واحد من مئتين، صح ولَّا لا؟ بينما كان في الأول له مئة من مئتين، إذا كانوا واحدًا فله مئة من مئتين، وإذا كانوا مئة فله واحد من مئتين؛ يعني أن نصيبهم لا يزيد بزيادتهم؛ لأن اشتراكهم اشتراك تزاحم. طيب وإذا نقصوا، لو كانوا بالأول مئة، الإخوة، رجل له بنت ومئة أخ، ماتوا هؤلاء الإخوة واحدًا بعد واحد حتى لم يبقَ إلا خمسة، فما نصيب الخمسة بعد نصيب البنت؟
طلبة: يزيد.
الشيخ: يزيد، يكون له خمسة من عشرة، عشرين من مئة، بل عشرين من مئتين، باعتبار المجموع. المهم أن هذا النوع يسميه العلماء اشتراك تزاحم.
الشُّفْعة إذا قدَّرنا أن زيدًا وعمرًا شريكان في أرْض، وباع زيد نصيبه على بكْر، فأخذ عمرو بالشفعة، أنا قلت: باع زيد نصيبه على بكر، أخذ عمرو بالشفعة، كم النصيب الذي شفع فيه؟ النصف.
أعيد المثال: زيد وعمرو شريكان في أرض، فباع زيد نصيبه على بكر، فشفَّع عمرو فيه، كم أخذ من الأرض؟ النصف. طيب هذه أرض بين عشرة أنفار، باع زيد نصيبه منها فشفع الباقون في هذا النصيب، كم يأتي كل واحد؟
طلبة: (...).
الشيخ: لكن التسع تسع المبيع، يأتي كل واحد تسع المبيع؛ يعني واحد من ثمانية عشر، إجبار الكل، شوف نقص الآن النصيب ولَّا لا؟ نقص نصيب كل واحد؛ لأن الاشتراك اشتراك تزاحم، لا يزيد الملك بزيادة المشتركين، اشتراك التزاحم أن النصيب لا يزيد بزيادة المشتركين فيه، يكون نصيب الواحد والعشرة والمئة والألف واحدًا، لا يزيد، كيف (...)؟
إن سبق لنا أن الشفعة إذا كانت لجماعة متعددين فإنها تكون لهم بقدر أملاكهم، لا على رؤوسهم.
قال المؤلف: (فإن عفا أحدهما أخذ الآخر الكل أو ترك) فإذا وجبت الاثنين، وقال أحد الشريكين اللذين ثبت لهما الشفعة: أنا لا أريد الشفعة، قلنا لشريكه: إما أن تأخذ بالكل، وإما أن تدع الكل، فإذا قال: أن الأصل أنه لم يثبت لي إلا بقدر ملكي، قلنا: إن شريكك الثاني يشاركك اشتراك تزاحم لا اشتراك ملك، فإذا سقط حقه ثبت لك الحق كاملًا، وبينا بالأمس الفرْق بين اشتراك التزاحم واشتراك الملك، وأن اشتراك الملك إذا انتفت الشركة في أحد الشريكين لم يثبت حقه للآخر، واشتراك التزاحم إذا انتفت الشركة في أحد الشريكين ثبت حقه للآخر.
ثم قال المؤلف: (وإن اشترى اثنان حقَّ واحد أو عكسه) أو عكسه، يعني أو وقع عكسه (أو اشترى واحد شِقصين من أرضين صفقة واحدة فللشفيع أخذ أحدهما) هذه المسألة تتبعض الشفعة، يقول: إن اشترى اثنان حق واحد فللشريك أن يأخذَ نصيب أحد الاثنين، مثال ذلك: زيد وعمرو شريكان في أرض، فباع عمرو نصيبه على بكر وخالد، إذن باع على اثنين، فلزيد الشريك أن يأخذَ مِنْ بكر وحده، أو من خالد وحده، أو منهما جميعًا، ولهذا قال: (فللشفيع أخذ أحدهما)، لماذا؟ لأن التشقيص هنا ليس فيه ضرر على أحد؛ إذ إن أحد المشتريين قد عرف أن له نصف المبيع، فإذا أخذ الشفيع نصيب أحد الشريكين المشتريين لم يكن على الآخر ضرر؛ لأنه من الأصل لم يملك إلا نصفه، مثال هذا ما أثبتناه سابقًا، زيد وعمرو شريكان في أرض، لزيد الثلث، ولعمرو الثلثان، كم تقسم عليه؟ على ثلاث؛ لزيد واحد، ولعمرو اثنان.
باع عمرو نصيبه على بكر وخالد، فصار لبكر واحد، ولخالد واحد، إذن الملك أثلاث الآن، ثلث لزيد، وهو الشريك الأول، وثلث لبكر، وثلث لخالد، كذا ولَّا لا؟ زيد له أن يأخذ من خالد دون بكر، وإذا أخذ من خالد دون بكر، هل يتضرر بكر؟ لا، وله أن يأخذ من بكْر دون خالد، وإذا أخذ من بكر دون خالد لم يتضرر خالد، وله أن يأخذ منهما جميعًا؛ لأن نصيبه باع شركته، فأخذها بالشفعة، وله أن يدعهما جميعًا، فتكون الصور أربع صور.
ثانيًا أيضًا: أو أكثر بأن اشترى واحد حق اثنين، فللشفيع أخذ أحدهما؛ لأن تعدد البائع كتعدُّد المشتري، مثاله: زيد، وعمرو، وبكر شركاء في أرض، لزيد الثلث، ولعمرو الثلث، ولبكر الثلث، فباع عمرو وبكر نصيبيهما على خالد.
لزيد أن يأخذ من خالد بالشفعة في الجميع، وله أن يأخذ بالشفعة في حق عمرو، وله أن يأخذ بالشفعة في حق بكر، فإذا قال هذا المشتري: إذا أخذ بنصيب أحد الشريكين فشقص علي الملك، فماذا نقول له؟ نقول: أنت ألم تكن اشتريت من الشخصين؟ كل واحد منهما منفرد عن الآخر، فأنت قد شقَّصت على نفسك من الأصل، فللشفيع -وهو الشريك الأول- أن يأخذ منك بأحد البيعتين دون الأخرى، وله أن يأخذ منك في البيعتين جميعًا، وله ألا يأخذ بالبيعتين.
إذن إذا تعدد المشتري، أو تعدد البائع فللشريك -الذي هو الشفيع- أن يأخذ بأحدهما دون الآخر، ووجهه ظاهِر بخلاف ما لو كان البائع واحدًا، والمشتري واحدًا، وأراد الشفيع أن يأخذ البعض، فإن هذا جائز ولَّا ممنوع؟ فإن هذا ممنوع.
فيه أيضًا تعدد الملك، نحن الآن في تعدد البائع، وفي تعدد المشتري، وفي تعدد المبيع، ولهذا قال: (أو اشترى واحد شقصين من أرضين صفقة واحدة فللشفيع أخذ أحدهما)، مثاله: زيد وعمرو بينهما شركة في أرض تقع شرق البلد، وأرض تقع غرب البلد، عرفتم؟
الملك متعدد ولَّا واحد؟ متعدد، أحد الملكين في الشرق، والثاني في الغرب، فباع عمرو -وهو شريك زيد في الأرضين- نصيبه على بكر، المتعدد الآن البائع أو المشتري؟ لا البائع ولا المشتري، البائع واحد والمشتري واحد، لكن المبيع متعدد، فللشفيع -وهو زيد- أن يأخذ بالشفعة في الأرض الشرقية، أو في الأرض الغربية، أو فيهما جميعًا، أو يدع فيهما جميعًا واضح؟
فإذا قال المشتري: أنا اشتريت الأرضين صفقة واحدة، فالبيع واحد. قلنا: لكن المبيع متعدد. فإذا قال: هذا تشقِيص عليَّ، قلنا: التشقيص واقع. كيف ذلك؟ لأن كل أرض متميزة عن الأخرى، والتشقيص الممنوع -والذي قد يكون فيه ضرر- إذا كان في أرض واحدة، أما في أرضين، فإن التشقيص ثابت بنفس الوقت.
والخلاصة الآن أن المسألة لها أربع صور:
اتحاد البائع والمشتري والمبيع، فإذا طلب الشفيع أخذ البعض، مُكِّن من ذلك ولَّا لا؟ لم يمكن، بل إن شفعته على المذهب تسقط.
الصورة الثانية: تعدد البائع؛ بأن يبيع رجلان نصيبيهما على رجل واحد من أرض واحدة، فهنا للشفيع أن يأخذ بأحدهما.
الثالث: تعدُّد المشترِي بأن يبيع الإنسان نصيبه من أرضٍ واحدة على شخصين، فللشفيع أن يأخذ من أحد الشخصين.
الرابع: تعدد المبيع، بأن يكون للشريك شركة في أرضين، فيبيع شركته في الأرضين على شخص واحد صفقة واحدة، فللشفيع الأخذ بالشفعة في أحد الأرضين، الصور أظن واضحة الآن.
ما هي الصورة التي يمتنع فيها أخذ البعض؟ مع اتحاد البائع والمشتري والمبيع، يعني إذا كان المشتري واحدًا، والبائع واحدًا، والمبيع واحدًا، فهنا لا يمكن أن يتبعض الأخذ بالشفعة، فإن تعدد البائع أو المشتري، أو المبيع فللشفيع أن يأخذ بواحد من هذا المتعدد.
قال: (فللشفيع أخذ أحدهما، وإن باع شقصًا وسيفًا، فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن) شقصًا وسيفًا، هذا على سبيل التعيين أو سبيل التمثيل؟ التمثيل، يعني ومثله، لو باع شقصًا وسيارة فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن، مثال ذلك: زيد وعمرو شريكان في أرض، فباع عمرو نصيبه من هذه الأرض وسيارته على بكر بمئة ألف، باع النصيب والسيارة، فأراد زيد أن يشفع، هل يُشفِّع في كل ما وقع عليه العقد من الأرض والسيارة؟ لا، لماذا؟
طالب: (...).
الشيخ: لا.
طالب: (...).
الشيخ: لأن السيارة ليست مشتركة، السيارة هنا غير مشتركة. باع عمرو -شريك زيد- نصيبه من الأرض وهذه السيارة، يعني السيارة كلها ملك له، باعها بمئة ألف، أقول: للشفيع أن يأخذ بالشفعة في الأرض فقط، ولا يأخذ بالسيارة لا لأنها منقولة، ولكن لأنه ليس له فيها شركة، فيأخذ النصيب بقسطه من الثمن، كيف قسطه من الثمن؟ نقول: تُقوَّم الأرض وتقوم السيارة، فإذا قالوا: الأرض تساوي مئة ألف، والسيارة تساوي عشرين ألفًا، فبكم يأخذ النصيب؟
طالب: (...).
الشيخ: الأرض تساوي مئة، والسيارة تساوي خمسين، السيارة من السيارات الفخمة تساوي خمسين، فأخذ الأرض بالشُّفْعة، فبكم يأخذها؟
طالب: (...).
الشيخ: باع نصيبه من الأرض وسيارته بمئة ألف، كلاهما بمئة ألف، فعند الأخذ بالشفعة قالوا: قيمة الأرض مئة، وقيمة السيارة خمسون، فبكم يأخذ الشفيع الشقص؟
طلبة: (...).
الشيخ: خمسين ألفًا؟
طلبة: (...).
الشيخ: خطأ.
طلبة: ثمانين.
الشيخ: ولا بثمانين.
طلبة: (...).
الشيخ: افرض أنها زادت القيمة، أو افرض أن الرجل قد حابى المشتري، ما هو ممكن هذا؟ يمكن حاباه وهو يعرف أن يصل لمئة وخمسين، لكن باعه بمئة أو أنه باعه بمئة، ثم زادت القيمة، قيمة الأرض ولَّا قيمة السيارة، المهم زادت القيمة، هذا ممكن ولَّا غير ممكن؟
طلبة: ممكن.
الشيخ: طيب هذه الصورة الآن أمامك، باع الشقص والسيارة بمئة، وعند أخذه بالشفعة قلنا: لك الشقص بقيمته، قدره، قالوا: قيمة الشقص مئة، وقيمة السيارة خمسون، فكم يدفع؟
طلبة: (...).
الشيخ: يدفع سبعًا وستين وثلثين، إي نعم (...) ريالًا، سبعًا وستين ألفًا؛ لأن نسبة قيمة الأرض إلى السيارة الثلثان، أليس كذلك؟
ما هو قلنا: قيمة الأرض مئة، وقيمة السيارة خمسون، نسبة المئة إلى الخمسين: الثلثان، أعطه ثلثي المئة، كم ثلثا المئة؟ سبع وستون وثلثا ألف؛ يعني ثمان وستون ألفًا إلا ثلاث مئة وثلاثة وثلاثين.
طالب: (...).
الشيخ: ما يخالف، أنتم إلى الآن ما أنتم فاهمين النسبة.
طلبة: (...).
الشيخ: نصيبه، باع الثلث والنصف والربع، ما علينا منه، المهم أنه باع هذا النصيب والسيارة بمئة ألف، ثم أخذ نصيبه بالشفعة، نقول: يُنظر بالتقويم، قوَّمنا، فقالوا: الأرض تساوي مئة، والسيارة تساوي خمسين، كم نسبة المئة إلى مئة وخمسين؟ ثلثان، يأخذ النصيب بنسبته من الثمن، كم ثلثا مئة؟
طلبة: ثمان وستون..
الشيخ: ثمان وستون إلا ثلاث مئة وثلاثة وثلاثين ريالًا. على كل حال اقسم مئة على ثلاثة، وشوف ويش يخرج، الآن عندك اقسم مئة على ثلاثة.
طلبة: (...).
الشيخ: اقسِم مئة ألف على ثلاثة.
طلبة: (...).
طلبة آخرون: ثلاث وثلاثين (...).
الشيخ: ثلاث وثلاثين، وكم؟
طلبة: (...).
الشيخ: هو ثَمن الأرض، يكون الباقي معروف يا أخي (...)، يعني الآن ما دمنا قلنا: إن قيمة الأرض مئة، وقيمة السيارة خمسين، تبيَّن أن نسبة قيمة الأرض إلى السيارة الثلثان، أعطه ثلثي المئة، يعني نقول للشريك: الآن خذ نصيبك وخذ نصيب صاحبك..