بثلثي العشرة، ثلثي العشرة ستة وثلثان؛ يعني: سبعة إلا ثلثًا. إذن يأخذ نصيبه
الآن..، النصيب يأخذه سبعة إلا ثلثًا.
فإذا قال المشتري: يا جماعة، أنتم
قدرتموها بخمسة عشر والأرض ثلثين، والسيارة ثلث، أظن عشرة، ما جوابنا عليه؟
أن
الشفعة تؤخذ بالثمن، لا بالقيمة، الحين واضح ولَّا ما هو واضح بعد؟
طلبة: واضح.
الشيخ: أو (...)
السيارة.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (أو تلف بعض المبيع فللشفيع أخذ الشقص
بحصته من الثمن) إذا تلف بعض المبيع فللشفيع أخذ حصته بقسطه من الثمن؛ مثل لو
كان زيد وعمرو شريكين في أرض عليها بناء، وقبل الأخذ بالشفعة تلف البناء، فإن
للشفيع أن يأخذ الباقي بماذا؟ بحصته من الثمن، فتقدَّر الأرض وعليها البناء، ثم
تقدر وهي خالية منه، فيأخذها الشفيع بالحصة.
وكذلك لو قُدِّر أنه باع أرضًا
عليها غراس، وقد سبق أن الغراس يؤخذ بالشفعة تبعًا للأرض، فإذا تلف الغراس قبل أن
يأخذ بالشفعة فله الأخذ بالشفعة في الباقي بقسطه من الثمن.
ونضرب مثالًا لذلك؛
إذا كان بين زيد وعمرو أرض فيها غراس، فباع عمرو نصيبه من هذه الأرض بعشرة آلاف
ريال، ثم إن الغراس تلف، فإنه من المعلوم أن القيمة سوف تنقص، فينظر مقدار ما نقصت،
فيقال: تُقَدَّر هذه الأرض وفيها الغراس بعشرة آلاف ريال، وتُقَدَّر خاليةً من
الغراس بسبعة آلاف ريال، فبكم يأخذ الشفيع؟ يأخذ بسبعة آلاف ريال؛ لأنه تلف بعض
المبيع المعقود عليه، فيُنَزَّل من الثمن بمقدار ما نقص، هذا معنى قوله: (أو تلف
بعض المبيع فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن).
قال: (ولا شفعة بشركةِ
وقفٍ، ولا بغير ملك سابق، ولا لكافر على مسلمٍ) هذه ثلاث مسائل ذكرها المؤلف،
يقول: ليس فيها شفعة.
(بشركة الوقف) ليس فيها شفعة، لماذا؟ قالوا: لأن
الوقف لا يُؤْخَذ بالشفعة، فلا يكون فيه شفعة؛ يعني: أن أحد الشريكين لو وقف نصيبه
لم يكن لصاحبه أن يشفع، فكذلك إذا باع صاحب الوقف نصيبه من هذه الأرض فليس لشريكه
أن يشفع.
ولنضرب لهذا مثلًا، بل مثلين؛
المثال الأول: زيد وعمرو شريكان في أرض قد أوقفاها، فباع عمرو نصيبه من هذه الأرض
لسبب اقتضى بيعها، فإنه ليس لزيد أن يشفع، لماذا؟ لأن شريكه لو وقف الأرض لم يكن له
أن يشفع، فكذلك إذا باعها وهي وقف فليس له أن يشفع، هذه العلة، هذا الحكم واضح
ولَّا غير واضح؟ المثال واضح ولَّا غير واضح؟
الطلبة:
غير واضح.
الشيخ: غير واضح، طيب، زيد وعمرو شريكان في
أرض وقف بينهما وقف -تعرفون الوقف معناه؟ يعني أنها مسبَّلة- فباع عمرو نصيبه من
هذه الأرض على بكر، فهل لزيد أن يشفع؟ يقول المؤلف: لا، لماذا؟ لأن عمرًا شريكه لو
وقف نصيبه -لو فرض، مثال آخر يعني غير هذا- لو وقف نصيبه فليس لزيد أن يشفع فيه؛
يعني: لو كان بيني وبين شخص أرض ووقفت نصيبي منها فليس لهذا الشخص أن يشفع؛ لأن
الشفعة انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه، بماذا؟ بعوض مالي، والوقف انتقال بغير
عوض.
قالوا: فإذا كان الوقف لا شفعة فيه فبيع الموقوف كذلك لا شفعة فيه؛ لأن
الوقف لا يؤخذ بالشفعة، فإذا بيع لم يؤخذ بالشفعة أيضًا، اتضح الأمر ولَّا ما
اتضح؟
طالب: (...).
الشيخ:
ما هو إحنا قلنا: لسبب اقتضى ذلك؟ قلنا: لسبب اقتضى ذلك، افرض أن الرجل أراد أن
ينقلها إلى ما هو أصلح، يجوز؛ ولهذا قيدت أنا في المثال في أول كلامي قلت: لسبب
اقتضى ذلك.
أعيد المثال مرة ثانية، ولا ثالثة؛ زيد وعمرو شريكان في أرض بينهما
وهي وقف، إلى هنا معروف؟
طالب: نعم.
الشيخ: فباع عمرو نصيبه من هذه الأرض على بكر، معروف هذا ولَّا
لا؟ فقام زيد يطالِب بالشفعة، فنقول لزيد: لا شفعة لك. يا جماعة انتقل الملك ببيع،
قالوا: ما فيه شفعة، لماذا؟ لأن الوقف لا يؤخذ بالشفعة؛ يعني أن شريكه لو وقف نصيبه
لم يأخذه بالشفعة، فكذلك إذا بيع الوقف لا يؤخذ بالشفعة، واضح هذا ولَّا لا؟ طيب.
هذا ما ذهب إليه المؤلف.
المثال الثاني: أرض مشتركة بين شخصين؛ زيد وعمرو، وزيد
قد وقف نصيبه، فباع عمرو نصيبه على بكر، فليس لزيد أن يأخذه بالشفعة؛ لأن شركته
شركة وقف؛ نصيبه موقوف، وملك الموقوف ناقص؛ ولهذا مالك الوقف لا يتصرف فيه بالبيع
والرهن وما أشبه ذلك، وإذا كان ناقصًا لم يقوَ على أخذ نصيب الشريك بالشفعة. المثال
الثاني هو الأول ولَّا غيره؟
الطلبة: غيره.
الشيخ: غير الأول؛ المثال الثاني الوقف نصيب الشريك الذي لم يبع،
وأما الشريك الذي باع فنصيبه طِلق ليس وقفًا، ومع ذلك فليس للشريك أن يشفع؛ لأن
ملكه ناقص، كيف لأن ملكه ناقص؟ لأن الوقف لا يملكه الموقوف عليه ملكًا تامًّا،
بدليل أنه لا يجوز له بيعه ولا رهنه، فنقول: لا شفعة في ذلك.
والصحيح أن الشفعة
ثابتة في الصورتين؛ في الصورة الأولى وفي الصورة الثانية. أما الصورة
الأولى فنقول: صحيح أن الإنسان إذا وقف نصيبه لم يكن فيه شفعة، ولكن إذا باع الوقف
فقد انتقل الملك بماذا؟ بعوض مالي، والضرر الحاصل بالشركة الجديدة في الوقف أشد من
الضرر الحاصل بالشركة الجديدة في الطِّلق، لماذا؟ لأن شريك الطلق يستطيع التخلص
ببيعه، وشريك الوقف لا يستطيع التخلص، فكان أخذ الشفعة بشراكة في الوقف أولى من
أخذها بالشركة في الطِّلق.
الحكم أن
القول الراجح ما هو؟ ثبوت الشفعة بشركة الوقف، كذا ولَّا لا؟ في الصورة الأولى التي
كان فيها الملك وقفًا فباع أحد الشريكين نصيبه من هذا الملك لسبب يقتضيه جواز
البيع، كيف كان الراجح الأخذ بالشفعة؟ نقول: لأن الشقص الآن انتقل بعوض مالي، وهو
لما جاز بيعه صار كالطِّلق ولا فرق، فنقول: انتقل الشقص الآن بعوض مالي، فكان
للشريك أن يشفع، بل نقول: إن الشفعة هنا أولى من الشفعة في الملك الطلق الذي ليس
وقفًا.
كيف كانت أولى؟ لأن المالك ملكًا ليس وقفًا يستطيع أن يهرب من
الشركة الجديدة، بماذا؟ ببيع نصيبه، لكن المشكلة الوقف لا يمكن بيعه، أواضح هذا أم
لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: في
الصورة الثانية أيضًا؛ إذا كان الشريك الذي باع نصيبه لم يوقف نصيبه، بل كان نصيبه
طلقًا فباعه، لكن شريكه قد وقف نصيبه، فثبوت الشفعة في ذلك أظهر من ثبوتها في
الصورة الأولى، لماذا؟ لأن الشريك حينئذٍ قد باع نصيبه، ونصيبه وقف ولَّا طلق؟ طلق،
إذا كان نصيبه طلقًا فإن الشفعة ثابتة فيه؛ لأنه انتقل بعوض مالي.
وقولهم: إن
الوقف ملكه ناقص، نقول: لكن الضرر بالشركة حاصل في الوقف كما هو حاصل في الطلق، بل
إن الضرر في الوقف أشد؛ لأن الوقف لا يمكن بيعه، والطلق يمكن بيعه، فمثلًا إذا كانت
الشركة في ملك ليس بوقف، ورأى الشريك أن في الشريك الجديد صعوبة، وأنه رجل سيئ
الأخلاق، يستطيع أن يتخلص منه ولَّا لا؟
الطلبة:
يستطيع.
الشيخ: بماذا؟
الطلبة: ببيعه.
الشيخ: يبيع نصيبه
ويستريح، لكن إذا كان وقفًا ورأى من الشريك الجديد سوء معاملة، هل يستطيع أن يتخلص؟
لا؛ لأن الوقف لا يُبَاع إلا لمصلحة تعود للوقف.
الحاصل أن القول الراجح في هذه المسألة: ثبوت الشفعة في شركة الوقف
بالصورتين. وما ذكره المانعون فإنه تعليل لا يستقر، بل الصواب العموم،
ونحن نستدل على ذلك بحديث أيضًا: قضى النبي صلى الله عليه وسلم
بالشفعة في كل ما لم يقسم . وهذا عام في
الشركة في ملك مطلق وفي الشركة في ملك موقوف (...).
(ولا غير ملك) هذه
واحدة، (سابق) هذه اثنان، انتبهوا؛ على غير ملك، والثاني: سابق، فلا شفعة في
شركة إجارة، كما لو استأجر شخصان بيتًا، فأجَّر أحدهما نصيبه، فإنه ليس لشريكه أن
يشفع، لماذا؟ لأنه غير مالك للرقبة، وإنما هو مالك للمنفعة.
اشترك رجلان في
استئجار بيت، فاستأجراه من مالك، ثم إن أحد المستأجرينِ أجر نصيبه إلى شخص آخر، فهل
لشريكه الأول أن يشفع؟
الجواب: لا، لماذا؟ لأن هذا الشريك غير مالك، فرقبة الملك
لمن؟ لصاحبه، أما المستأجران فليس لهما إلا المنفعة فقط، وحينئذٍ لا يملك الشريك
أخذ النصيب بالشفعة؛ لأنه لا شفعة إلا بملك -كما سبق- ممن انتقل إليه، وهنا لم
ينتقل الملك، الملك باقٍ على الملك الأول؛ المؤجِّر.
كذلك: ملكٍ سابقٍ، فلا بد
من أن يسبق ملك الشريك ملك المشتري، فإذا باع شخص هذه الأرض على شخصين دفعة واحدة،
فهل لأحدهما أن يشفع على الآخر؟ لا؛ لأنه إن قال زيد: أنا أشفع على عمرو، قال عمرو:
وأنا أيضًا أشفع عليك، فصارت المسألة دورية.
فمن شروط الشفعة أن يسبق ملك الشفيع
لملك من؟ لملك المشتري؛ ولهذا قال: (ولا على غير ملك سابق)، ثم قال: أو ملك
الشريكان دارًا صفقة واحدة -يقول في الشرح- فلا شفعة لأحدهما على الآخر؛ لأن هذا
دور، يقتضي كل واحد يقول: لي الشفعة.
بعت بيتي على شخصين صفقة واحدة، فليس
لأحدهما أن يشفع على الآخر، بينما لو بعت نصف البيت على زيد، ثم بعد ذلك بعت نصف
البيت على عمرو، فلزيد أن يشفع؛ لسبق ملكه، أما الآن فلا.
لي بيت فبعت نصفه على
زيد فمَلَكَه، فيه شفعة ولَّا ما فيه شفعة؟ ما فيه شفعة، أنا اللي بعت عليه، بعت
نصف ملكي، ما فيه شفعة. ثم بعت النصف الباقي على عمرو، فيه شفعة لمن؟ لزيد على
عمرو. حضر إليَّ زيد وعمرو جميعًا وقالا: بعْ علينا بيتك، فقلت: بعته عليكم، فبعته
عليهم، هل لأحدهما شفعة على الآخر؟
الطلبة:
لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنهما ملكاه جميعًا صفقة واحدة،
فزيد لو قال لعمرو: أنا أشفع عليك، قال عمرو: وأنا أيضًا أشفع عليك، فهذا يقول
الصبح: أشفع عليك، يقوله زيد، وعمرو يقول بالنهار: أشفع عليك، بالنهار الثاني: زيد
يقول: أشفع عليك، وآخر النهار يقول عمرو: أشفع عليك، على كل حال هذا دور ولا
يمكن.
قال: (ولا لكافر على مسلم) يعني: ولا شفعة لكافر على مسلم؛ يعني لو
كانت هذه الأرض بين رجلين؛ أحدهما مسلم، والثاني كافر، أو كلاهما كافران، فباع
أحدهما نصيبه على مسلم، فهل للشريك الكافر أن يشفع على المسلم؟ يقول المؤلف: لا
يشفع، المثال بيِّن؟
طالب: إي.
الشيخ: طيب.
هذان كافران مشتركان في أرض، فباع أحدهما نصيبه
منها على رجل مسلم، فهل لشريكه الكافر أن يشفع؟
يقول المؤلف: لا يشفع؛ لأننا لو
مكناه من الشفعة لجعلنا له سلطانًا على المسلم، ولا يمكن أن يكون للكافر سلطان على
مسلم؛ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء: ١٤١]، والإسلام يعلو ولا يعلى، وعلى هذا
فلا يمكن أن يأخذ هذا الكافر نصيب هذا المسلم بالشفعة. وهذا ما ذهب إليه المؤلف
رحمه الله.
وقال بعض العلماء: بل له أن يأخذ بالشفعة؛ لأن هذه المسألة ليست من
حقوق المالك، بل هي من حقوق الملك، فالكافر أخذه لا باعتبار كونه كافرًا، ولكن
باعتبار أن نصيبه مستحِقٌّ لأنْ يضمَّ إليه نصيب البائع، فهو من باب حقوق الملك لا
من حقوق المالك، كما يجب علينا إذا بعنا مع الكافر واشترينا معه أن (...) حقوق
الملك.
لو أن رجلًا كافرًا باع على مسلم شيئًا، ثم جاء يطلبه حقه، البائع الكافر
يقول للمسلم: أعطني الثمن، والمسلم يماطل، هل له أن يشكيه إلى القاضي؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: وهل للقاضي أن
يلزم المسلم بأداء حقه؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: وهل له أن يحبسه إذا امتنع؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب، إذن
المسألة حقوق الملك لا فرق فيه بين المسلم والكافر، فيرى بعض أهل العلم أن هذه ليست
من باب حقوق الشخص على الشخص حتى نقول: إننا لا نسلط الكافر على المسلم، ولكنها من
باب حقوق الملك؛ كما يملك الكافر مطالبة المسلم بالثمن، ومطالبة المسلم لبقائه في
البيت ثمن الإجارة، وهكذا.
طالب: والراجح؟
الشيخ: الراجح دعوه، المسألة فيها قولان، ولكل منهما تعليل.
***
قال: (فصل: وإن تصرف مشتريه بوقفه أو هبته أو رهنه لا بوصية سقطت الشفعة).(إن تصرف مشتريه) أي: مشتري الشقص بهذه التصرفات سقطت الشفعة، (بوقفه) يعني: لو أن المشتري وقف الشقص الذي اشتراه سقطت الشفعة.
مثال ذلك: رجل عنده دراهم، فاشترى نصيب هذا الرجل من هذه الأرض بهذه الدراهم ووقفه؛ سواء وقفه بعد الشراء، أو كانت هذه الدراهم عوضًا عن وقفٍ بِيعً، فإن الدراهم التي تكون عوضًا عن وقفٍ بِيعَ إذا اشتُرِيَ بها البدل صار البدل وقفًا بمجرد الشراء؛ يعني لا حاجة إلى أن يقول المشتري: إني وقفت هذا الشيء.
إذن الوقف -وقف المشتري- سواء كان وقفًا بمجرد الشراء، أو كان وقفًا بإيقافه بعد الشراء؛ هاتان صورتان، فمتى يكون وقفًا بمجرد الشراء؟ إذا كانت الدراهم عوضًا عن وقفٍ بِيعَ، فاشترى بها ما يكون بدلًا عنه، فإن هذا المشترَى يكون وقفًا بمجرد الشراء.
المثال الآن: زيد وعمرو شريكان في أرض، فجاء بكر ومعه دراهم؛ دراهم عوض عن وقفٍ باعه، فاشترى بكرٌ من عمرو نصيبه من هذه الأرض المشتركة بين عمرو وزيد، بمجرد شراء بكرٍ لهذه الأرض تكون وقفًا، لماذا؟ لأنها عوض عن وقف، والعوض يثبت له حكم المعوَّض في الحال.
المثال الثاني قلنا: أو يكون وقفًا بعد الشراء؛ يحصل توقيفه بعد الشراء، مثاله: زيد وعمرو شريكان في أرض، فاشترى بكرٌ من عمرو نصيبه، ثم قال: هو وقف لله عز وجل يُصْرَف في المساجد، الآن صار النصيب وقفًا، بمجرد الشراء ولَّا بإيقافه بعد الشراء؟ بإيقافه بعد الشراء.
قام زيدٌ على بكرٍ، قام زيدٌ الذي هو شريك مَن؟ عمرو، على بكرٍ الذي هو المشتري، وقال: أخذته بالشفعة، فقال بكرٌ: إنه وقف، حينئذٍ يسقط حق زيدٍ من الشفعة، ونقول له: الآن الشقص صار وقفًا، والوقف لا يمكن بيعه، والأخذ بالشفعة نوع من البيع، فقد فاتك الآن الأخذ بالشفعة.
طالب: (...).
الشيخ: هذا المثال، الآن نقول لزيد: ليس لك شفعة على بكرٍ، لماذا؟ لأن بكرًا وقف النصيب الذي اشتراه، والوقف لا يمكن أخذه بالشفعة.
لكن يُشْتَرط في هذا ألَّا يوقفه تحيلًا لإسقاط الشفعة، فإن أوقفه تحيلًا لإسقاط الشفعة فقد سبق أن التحيل لإسقاط الشفعة حرام، وأن الشفعة لا تسقط به، فإذا علمنا أن بكرًا وقفه بعد شرائه خوفًا من أخذ الشريك للشفعة فإننا لا نحرم الشريك من الشفعة.
كيف نعلم أنه وقفه تحيلًا؟
بالقرائن أو بالصريح؛ قد يقول بكرٌ الذي اشترى الشقص يذهب إلى كاتب العدل يقول: تعالَ، جزاك الله خيرًا، اكتب أن هذا وقف، يلا قبل يجي الشريك يشفع، طيب قاله: ليش؟ قال: ما ودي يشفع علي، إن شفع عليَّ حرمني منه، وأنا ملزوم أكون شريكًا في هذه الأرض، هذا صريح أنه أراد ذلك تحيلًا.
أما القرينة فأن نعلم بقرائن الأحوال بأن هذا الرجل إنما وقفه ليس قصده القربى، ولكن قصده حرمان هذا الرجل من الأخذ بحقه في الشفعة.
الثاني قال: (أو هبته) يعني: أن المشتري وهب الشقص الذي اشتراه فورًا أو بعد زمن، المهم أن الشريك لم يطالب بالشفعة إلا بعد ثبوت الهبة، فنقول للشريك: فاتتك الشفعة الآن، لماذا؟ لأن الشقص الآن انتقل بغير عوض، ومعلوم أنه لو انتقل بغير عوض فلا شفعة، وحينئذٍ كما أنه لو أن الشريك وهبه لشخص فلا شفعة فهذا المشتري لما وهبه لشخص فلا شفعة.
وهذا أيضًا مقيد بما إذا لم يكن ذلك حيلة، فإن كان حيلة لإسقاط الشفعة لم تسقط.
مثال ذلك: زيدٌ وعمرٌو شريكان في أرض، فباع عمرو على بكر نصيبه منها، فجاء بكرٌ إلى خالدٍ، وقال له: أنا اشتريت نصيب عمرٍو، وأخشى أن زيدًا يأتي إليَّ فيقول: إنه شفع، فبكتب بيني وبينك عقد هبة، أنني وهبته لك، وتعطيني ورقة بأن الملك الذي بيدك لي، وأننا كتبنا وثيقة الهبة للتخلص من الشفعة، واتفقوا على هذا، فهل تسقط الشفعة حينئذٍ؟
طلبة: لا تسقط.
الشيخ: ليش؟ لأن الهبة حيلة، وهب المشتري بكرٌ نصيبه إلى خالدٍ من أجل أن يظهر للناس أن الشفعة سقطت، وهو لا يريد هبته لخالدٍ، يمكن يأخذ ثياب خالدٍ منه، ما يريد أن ينفع خالدًا بشيء، ولكن نظرًا إلى أنه يحب أن تسقط الشفعة أظهر هذه الحيلة، نقول: لا تصح.
المهم على كل حال نقول: الشفعة لا تسقط؛ لأن القاعدة عندنا أن الحيل لا تسقط الواجبات ولا تبيح المحرمات، كل حيلة على إسقاط واجب فإنها لا تسقطه، كل حيلة على فعل محرم فإنها لا تبيحه؛ لا في العبادات، ولا في المعاملات؛ لأن دين الله تعالى حقٌّ وجِدٌّ، والحيل كلها هزل ولعب، استهزاء وسخرية، إي نعم (...).
***
(وإن تصرف مشتريه بوقفه) هذا مبتدأ المناقشة، أو قبل؟ طيب (...).***
إذا تصرف تصرفًا لا تثبت به الشفعة ابتداء فإن الشفعة تسقط، وهذه القاعدة يدخل بها غير الصورة اللي ذكرها المؤلف، يدخل -مثلًا- لو جُعل صداقًا؛ لو أن الرجل هذا الذي اشتراه جعله صداقًا لامرأته، أو المرأة التي اشترته جعلته عوضًا عن خُلع، أو جعله جانٍ عوضًا عن قتل عمد صلحًا.المهم الضابط هو أن يتصرف المشتري فيه تصرفًا لا تثبت به الشفعة ابتداءً، ومعنى قولنا: ألَّا تثبت به الشفعة ابتداء؛ أي: أنه لو أن الشريك تصرف هذا التصرف فلا شفعة لشريكه، فكذلك المشتري من الشريك إذا تصرف هذا التصرف فإن الشفعة تسقط.
هذا ما ذهب إليه المؤلف؛ أن المشتري إذا تصرف فيه تصرفًا لا تثبت به الشفعة ابتداء -كالوقف والهبة وجعله صداقًا أو خلعًا أو ما أشبه ذلك- فإن الشفعة تسقط، والتعليل هو أنه لو تصرف الشريك به هذا التصرف فلا شفعة لشريكه، فكذلك إذا تصرف هذا التصرف فرع الشريك -وهو من؟ المشتري- فإنه لا شفعة له.
القول الثاني في المسألة: أن هذا التصرف لا يُبطِل حق الشفيع، حتى لو أوقفه المشتري أو وهبه، أو جعله صداقًا، أو جعلته المرأة خلعًا؛ عوضًا عن الخلع؛ فإن ذلك لا يسقط حق الشفيع، لماذا؟ لأن هذا الشقص انتقل من شريكه على وجه تثبت به الشفعة، أليس كذلك؟ انتقل من شريكه على وجه تثبت به الشفعة، فكان ثبوت الشفعة سابقًا على تصرف المشتري، وإذا تزاحمت الحقوق أخذ بالأسبق، فنقول: حق الشفيع سابق على تصرف المشتري، فكان أحق من تنفيذ تصرف المشتري.
وعلى هذا فإذا تصرف المشتري بوقفه، ولو على أناس معينين، ثم أخذ الشريكُ بالشفعة فإن الوقف يبطُل؛ لأن العين الآن انتقلت إلى غير الواقف بحق سابق على الوقف.
كذلك في الهبة؛ إذا وهب المشتري نصيبه لشخص فإننا نقول: للشفيع أن يأخذه بالشفعة؛ لأن حقه سابق على تصرف المشتري، فإذا أخذه بالشفعة بطلت الهبة ولَّا لا؟ بطلت الهبة، فهل للموهوب له أن يطالب الواهب -وهو المشتري- بقيمة هذه الهبة؟
الجواب: لا يطالبه؛ لأنه لما أخذ بالشفعة انسحب الحكم على ما قبل الهبة، فصادفت الهبة شيئًا مملوكًا لغير الواهب.
وعلى هذا فنقول: إن القول الراجح في هذه المسألة أنه إذا تصرف المشتري بهبته أو وقفه أو جعله صداقًا أو ما أشبه ذلك فإن للشفيع أن يشفع.
في مسألة الوقف ومسألة الهبة لا حق للموقوف عليه ولا للموهوب له في الرجوع على الواهب أو الواقف، ولكن إذا جعله الزوج صداقًا، وقلنا بالقول الراجح؛ وهو أن للشريك أن يشفع، فشفع؛ بطل كونه صداقًا ولَّا لا؟ ولكن المرأة الآن هل نقول: يسقط صداقها، أو نقول: لها صداق المثل، أو نقول: يقوم هذا الشقص وتُعطَى قيمته؟ الأخير؛ الحكم هو الأخير، فنقول: الزوجة الآن عُيِّنَ لها مهرٌ لم يتم تسليمه، فلها قيمة ذلك المهر، فتُقَوَّم الأرض وتُعطَى الزوجة ما قُوِّمَت به.
لو قال قائل: أفلا ترجع إلى الثمن الذي اشتراه به زوجُها الذي أصدقها إياه؟
فالجواب: لا؛ لأن الثمن قد يكون فيه محاباة من البائع، فينقص عن القيمة، وقد يكون فيه محاباة من المشتري فيزيد على القيمة، ولكن ما هي اللغة التي أتكلم بها الآن؟
الطلبة: العربية.
الشيخ: العربية، معلومة لكم ولَّا غير معلومة؟
الطلبة: معلومة.
الشيخ: معلومة. طيب، ممكن لمن كان عالمًا أن يمثل لنا بالمثال؟ طيب مثاله (...).
***
قال: (أو رهنه) تصرف مشتريه؛ أي: مشتري الشقص برهنه؛ يعني بعد أن اشترى الشقص رهنه عند شخص بدين عليه، يقول المؤلف: إن الشفعة تسقط، مع أن المشتري الآن لم ينقل ملكه، وإنما رهنه رهنًا، والرهن لا يوجب نقل الملك؛ لأن الملك في المرهون لمن؟ للراهن ولَّا للمرتهن؟الطلبة: للراهن.
الشيخ: للراهن، إذن فالشقص لم ينتقل؛ ولهذا يعتبر كلام المؤلف رحمه الله خلاف المذهب؛ لأن المذهب أنه إذا تصرف المشتري في الرهن -أي تصرفًا لا ينقل الملك- فإن الشفعة لا تسقط.
إذا تصرف المشتري برهنه، مثال ذلك: زيدٌ وعمرٌو شريكان في أرض، فباع عمرٌو نصيبه على بكرٍ، ثم إن بكرًا رهن هذا النصيب عند شخص رابع، فهل يبطل حق زيدٍ من الشفعة؟
الجواب: أما كلام المؤلف فإنه يسقط حقه من الشفعة، وأما المذهب فإنه لا يسقط حقه من الشفعة؛ لأن الرهن لا يوجب انتقال الملك، إذن فهو باق على ملك المشتري، وحينئذٍ لا تسقط الشفعة، والمذهب لا شك أنه أصح، مع أننا صححنا فيما قبل أنه لو تصرف فيه بما ينقل الملك فالشفعة باقية.
إذن نقول: القول الراجح في هذه المسألة -فيما إذا تصرف برهنه- أن الشفعة لا تسقط، وأن للشفيع أن يأخذه بالشفعة.
ولكن إذا قلنا: للشفيع أن يأخذه بالشفعة، فهل نقول: ينتظر حتى يُوفَى الدين ويُفَك الرهن أو يأخذه الآن؟
الجواب: يأخذه الآن، وحينئذٍ ينفسخ الرهنُ، ولا يكون للمرتهن حق في هذا المرهون؛ لأنه إنما رهن عينه، وعينه استُحقت للغير، فيبطل الرهن.
فإن قال قائل: وإذا بطل الرهن فهل للمرتهن أن يطالب الراهن بعوض عن ذلك الرهن؟
لا؛ لأن الرهن متعلق بعين المرهون، وعين المرهون الآن صارت مستحَقة للغير، فهو كما لو رهن مغصوبًا، ثم جاء مالكه فأخذه، فإن المرتهن لا يطالب بعوضه.
إذن يَنفسخ الرهن، ويبقى حق المرتهِن في ذمة الراهن؛ يعني الدين الذي رهن به هذا الشيء يبقى في ذمته.
لو تصرف المشتري فيه بإجارة -يعني: المشتري للشقص آجره- هل تسقط الشفعة ولَّا لا؟
نقول: لا تسقط؛ لأن الإجارة لا تنقل الملك.
فتبين الآن عندنا تصرفان للمشتري: تصرف ينقل الملك لكن بلا عوض؛ وهو الوقف والهبة، وتصرف لا ينقل الملك؛ وهو الرهن والإجارة.
بقي قسم ثالث: تصرف ينقل الملك بعوض؛ وهو ما أفاده قوله: (وببيع فله أخذه بأحد البيعين).
طالب: (لا بوصية).
الشيخ: نعم، (لا بوصية)، خلينا نمشي على ما قلنا، (وببيع فله أخذه بأحد البيعين) فتصرفات المشتري بالشقص تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم على وجه لا تَثبت به الشفعةُ؛ وهو الوقف والهبة، وإن شئت فقل: تصرف بلا عوض؛ كالوقف والهبة، تصرف بعوض ينقل الملك؛ وهو البيع، وسيأتي حكمه، تصرف بعوض لا ينقل الملك؛ وهو الرهن والإجارة.
فالمؤلف رحمه الله يرى أن التصرف بالرهن يُسقِط الشفعة، والصحيح أن التصرف بالرهن وبالإجارة لا يسقط الشفعة، وأن للشفيع أن يأخذ الشقص وتبطُل الإجارة ويبطل الرهن.
إذا بطل الرهن هل يسقط حق المرتهن الثابت في ذمة الراهن؟ سبحان الله!
طلبة: (...).
الشيخ: إي، يبقى في الذمة، يبقى دينًا مرسلًا ليس فيه رهن.
وإذا كان بإجارة وقلنا بأن له أن يأخذ بالشفعة وتنفسخ الإجارة، فهل يملك المستأجِر مطالبةَ المشتري هذا بالأجرة إذا كان قد سلمها؟
الجواب: نعم، يطالبه بذلك، وإن كان لم يسلمها فليس للمؤجر شيء.
***
(...) محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ما تقول في مشترٍ شقصًا اشتراه فأوقفه، هل يكون للشريك الشفعة؟طالب: (...).
الشيخ: لا، دعنا من الصحيح، السؤال إذا لم يُقَيَّد؟
الطالب: على كلام المؤلف لا يكون له شفعة.
الشيخ: نقول: ليس له شفعة، لماذا؟
الطالب: لأن الوقف لا يؤخذ بالشفعة.
الشيخ: نعم.
الطالب: لذلك (...).
الشيخ: تمام، وكما لو أقره الشريك، فإنه لا يملك شريكُه الأخذ بالشفعة.
إذا تصرف فيه بهبة؟
طالب: (...).
الشيخ: تسقط الشفعة، نعم؛ لأن الهبة لا تؤخذ بالشفعة فإذا وُهِبَ (...).
في أرض، فباع عمرو نصيبه على بكرٍ، فرهن بكرٌ هذا المشترَى عند خالدٍ، ثم إن زيدًا طالب بالشفعة، له ذلك ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: على كلام المؤلف ليس له ذلك، سقطت الشفعة، والرهن بحاله، وعلى المذهب -وهو القول الراجح- أن له المطالبة، فيأخذ الرهن ممن؟ من خالدٍ، وحينئذٍ يبطل الرهن.
هل يرجع خالدٌ على بكرٍ بشيء؟ لا؛ لأن عَين الرهن تبيَّن أنه مستحَق للشفيع؛ اللي هو الشريك الأول، فلا يطالب.
ومثله أيضًا، مثله إذا تصرف المشتري بإجارة؛ مثاله زيدٌ وعمرٌو شريكان في أرض، فباع عمرٌو على خالدٍ نصيبه من هذه الأرض، ثم إن خالدًا أجره على بكرٍ؛ أجر نصيبه لمدة سنة أو سنتين، فإن الشفعة لا تسقط، فللشفيع -الذي هو زيدٌ- أن يأخذ من بكرٍ هذه الأرض.
هل يرجع المستأجر على المشتري بالأجرة؟
قلنا: نعم، يرجع عليه بالأجرة، ويُنَزَّل منها أجرة ما سبق.
فيه قول في هذه المسألة؛ أن للشفيع أن يأخذها بالشفعة، ولكن يبقى المستأجِر على أجرته إلى أن تنتهي المدة، ويكون للشفيع من الأجرة بقدر تملكه؛ يعني يُحْسَب من حين أخذ بالشفعة إلى منتهى المدة، وتكون أجرته لمن؟ للشفيع؛ لأنه ملكه.
المثال الآن: زيدٌ وعمرٌو شريكان في أرض، فباع عمرٌو نصيبه على خالدٍ، وأجَّر خالدٌ نصيبه على بكرٍ الذي اشتراه، فالشفعة لا تسقط، فإذا أخذ زيدٌ بالشفعة بطلت الإجارة فيما بقي، على المذهب، وهو الصحيح، فيأخذ الشريك الشفيع نصيب شريكه، ويبطل حق المستأجِر، ويقال للمستأجر: روح، ما لك شيء.
القول الثاني: أن الشريك يأخذ بالشفعة، ولكن يبقى المستأجر على أجرته حتى تنتهي المدة، ويكون للشفيع من الأجرة بقدْره، فيقال: مضى من الأجرة ثلاثة أشهر، وهي ستة أشهر، كم للشفيع؟ نصف الأجرة.
لكن القول الأول أنها تنفسخ الإجارة من حين أن يأخذ الشفيع، إلا إذا شاء، إذا شاء الشفيع أن يبقي الإجارة فعلى ما أراد.
طالب: (...)؟
الشيخ: (...) للمشتري الذي أجَّر.
قال المؤلف: (لا بوصية) يعني: لا إن تصرف المشتري بوصية فإنها لا تَبْطُل؛ وذلك لأن الوصية لا ينتقل فيها الملك إلا بعد موت الموصي.
مثاله: زيدٌ وعمرٌو شريكان في أرض، فباع عمرٌو نصيبه على بكرٍ، فأوصى بكرٌ بهذا النصيب من بعد موته، قال: أوصيت بنصيبي الذي اشتريته من عمرٍو أن يُجعل وقفًا يبنى عليه مسجد بعد وفاتي.
هل تسقط الشفعة؟ يقول المؤلف: لا، لماذا؟ لأن الوصية لا ينتقل فيها الملك إلا بعد موت الموصي؛ ولهذا لو أراد المشتري -الذي هو بكرٌ- أن يغير الوصية وأن يفسخها فله ذلك، حتى وإن كان أوصى بأن تكون مسجدًا؛ لأن الوصية لا ينتقل فيها الملك إلا بعد الموت، وعلى هذا فيقول الشريك؛ الذي هو الشفيع: أنا مشفع، فنقول: نعم، إذا كنت مشفعًا فهي لك ولا حرج.
طالب: (...)؟
الشيخ: المسألة الأخيرة؛ اشتريت أنت نصيب زيدٍ، ثم أوصيت به أن يكون مسجدًا بعد موتك، فيأتي الشريك الأول؛ الشريك اللي باع عليك، ويأخذه منك بالشفعة، فله ذلك؛ لأن الملك لم ينتقل، أنت ما زلت على ملكك، أنت أيها المشتري ما زال الملك ملكك، وإذا كان لم ينتقل الملك فله أن يأخذ بالشفعة.
بهذا يتبين أن تصرف المشتري بالشقص الذي اشتراه، ينقسم إلى أقسام:
قسم: يتصرف فيه تصرفًا ينتقل به الملك على وجه لا تثبت به الشفعة ابتداءً.
والقسم الثاني: تصرف لا ينتقل به الملك.
والقسم الثالث: تصرف ينتقل به الملك على وجهٍ تثبت به الشفعة ابتداءً؛ وهو قول المؤلف: (وببيع فله أخذه بأحد البيعين)، كم من الأقسام الآن؟
الطلبة: ثلاثة.
الشيخ: القسم الأول: أن يتصرف المشتري بما اشتراه تصرفًا لا تثبت به الشفعة ابتداءً.
والقسم الثاني: أن يتصرف فيه تصرفًا لا ينتقل به الملك.
والقسم الثالث: أن يتصرف فيه تصرفًا تثبت به الشفعة ابتداءً؛ وهو البيع، وسيذكره المؤلف.
القسم الأول؛ وهو ما إذا تصرف فيه تصرفًا ينتقل به الملك ولا تثبت به الشفعة ابتداءً، نقول: إن هذا التصرف يسقِط الشفعة، مثاله؟
طلبة: الوقف.
الشيخ: كالوقف، والهبة، وجعله صداقًا، أو خلعًا، أو صلحًا عن دم عمد، أو ما أشبه ذلك من التصرفات التي ينتقل بها الملك على وجه لا تثبت به الشفعة ابتداء.
ووجه ذلك -على من يرى هذا الرأي- أن هذا التصرف لا تثبت به الشفعة ابتداءً، فلم تثبت به انتهاء.
والصحيح في هذه المسألة أن الشفعة لا تسقط؛ لسبق حق الشفيع، ولأن الملك انتقل إلى هذا الشريك الجديد على وجه تثبت به الشفعة.
القسم الثاني: أن يتصرف تصرفًا لا ينتقل فيه الملك؛ مثل الرهن والإجارة والوصية، فالشفعة حينئذٍ لا تَسقط؛ لأن هذا الشقص لم يزل باقيًا على ملك مَنْ؟ على ملك المشتري، فإذا تصرف بالرهن فللشفيع أن يأخذه بالشفعة ويبطل الرهن.
في الإجارة للشفيع أن يأخذه بالشفعة وتبطل الإجارة.
الثالث: الوصية؛ للشفيع أن يأخذه بالشفعة وتبطل الوصية؛ لأن هذا التصرف لم ينتقل به الملك.
القسم الثالث: أن يتصرف فيه تصرفًا ينقل الملك وتثبت به الشفعة ابتداءً، فما هو؟ البيع، وأن يجعله عِوضًا في إجارة؛ لأن العوض عوض مالي. المهم نأخذها بالبيع عشان ما نشتت المسائل.
قال: (وببيع فله) أي: للشفيع، (أخذه بأحد البيعين) إذا تصرف المشتري فيه ببيع فللشفيع أخذه بأحد البيعين. ما هما البيعان؟ بيع شريكه وبيع المشتري. بأيهما يأخذ؟ سيأخذ بالأنقص، لا شك، ولَّا لا؟
مثال ذلك: زيدٌ وعمرٌو شريكان في أرض، فباع عمرٌو نصيبه على بكرٍ بألف، تثبت به الشفعة ولَّا لا؟ تثبت. ثم باع بكرٌ نصيبه الذي اشتراه على خالدٍ بألف ومئتين، زيدٌ اللي هو الشريك الأول أخذ بالشفعة، بأي بيع سيأخذ؟ يأخذ بالأول، ولَّا لا؟ لأن الأول بألف، والثاني بألف ومئتين، يأخذ بالأول.
أخذ الشقص من الذي اشترى من الشريك.. اللي اشترى من المشتري من الشريك، نعم؛ اللي هو خالد، طيب، خالد سلَّم ألف ومئتين، وهو يقول: ما بأخذه إلا بألف، يعطي الألف من؟ يعطيها بكرًا؛ لأنه أخذ بالبيع الأول، والبيع الأول صدر من عمرٍو إلى بكرٍ بأيش؟ بألف، قال: أنا الآن آخذ بالبيع الصادر من عمرٍو إلى بكرٍ، خذ يا بكر ألفًا، طيب وماذا يصنع خالدٌ؟ يرجع على بكر بما أعطاه؛ يأتي خالدٌ إلى بكرٍ ويقول: أنت بعت علي هذا النصيب بألف ومئتين، والآن النصيب أُخذ مني، أعطني ألفًا ومئتين، يعطيه ولَّا لا؟ يعطيه، هل خسر أحد؟ ما خسر أحد، كلٌّ جاءه ما سلَّم.
مثال آخر: زيدٌ وعمرٌو شريكان في أرض، فباع عمرٌو نصيبه على بكرٍ بألف ومئتين، ثم باع بكرٌ نصيبه الذي اشتراه على خالدٍ بألف فقط؛ لأن الأراضي رخصت، الشريك بأيهما يأخذ؟ بالبيع الثاني ولَّا بالأول؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: بالبيع الثاني، فيأخذ ببيع بكرٍ على خالدٍ، يجيء لخالدٍ يقول: أنا أخذت الشقص بالشفعة، وأنت مشتريه بألف، هذه ألف ريال، ويأخذهم منه. بكرٌ الأول قد قدَّم إلى عمرٍو ألفًا ومئتين، ويش يعمل؟
طالب: (...).
الشيخ: ما ربح، هو خسر مئتين، نقول: أنت ما خسرت شيئًا؛ خسرانك المئتين ما هو من أجل الشفعة؛ من أجل نقص السوق، وأنت راضٍ بأن تبيعه بمئتين، فلا ترجع عليه بشيء؛ يعني لو قال بكرٌ الذي اشتراه بألف ومئتين، لو قال لي أنا حينما ما أخذته بألف: أعطني ألف ومئتين أقول: ما أعطيك، أعطني مئتين، أقول: لا أعطيكها، السبب: لأن المئتين ما نقصت من قِبَلِي؛ نقصت من قِبَلِ نقص الأراضي وأنت أسقطتها بنفسك اختيارًا، فلا خسرت من جهة الشفعة شيئًا أبدًا.
فصار إذا تعدد البائعون فالشفيع أخذه بأحد البيعين، وطبعًا سوف يأخذ بالنقص، فإذا كان النقص في البيع الأول فإن المشتريَ الثانيَ يأخذ من الذي باع عليه ما دفعه له، كما في المثال الأول، وإذا كان الأنقص في الثاني فإنه يأخذ بما وقع عليه العقد ولا يرجع أحد على أحد بشيء.
طالب: (...)؟
الشيخ: المثال راجع للشريك.
***
(...) العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، سبق لنا أن تصرف المشتري بالشقص الذي اشتراه هل يُسْقِط الشفعة أو لا يُسْقِطها؟ قلنا: في أصل المسألة قولان:القول الأول: أنه لا يُسْقِط الشفعة، أي تصرف كان فإن لا يُسْقِط الشفعة؛ لسبق حق الشفيع، سواء تصرف المشتري بما تثبت به الشفعة ابتداءً أو بغيره.
والقول الثاني: أن تصرف المشتري على ثلاثة أقسام: قسم يُسْقِط الشفعة. وقسم لا يُسْقِطها. وقسم يُخيَّر فيه الشفيعُ بين إبطال التصرف وعدمه (...).
***
(وللمشتري الغلةُ والنماءُ المنفصلُ والزرعُ والثمرةُ الظاهرةُ) للمشتري أي مشترٍ؟ مشتري الشِّقص، له هذه الأشياء الأربعة: الغلة، والنماء المنفصل، والزرع، والثمرة الظاهرة.يعني مثلًا: زيدٌ وعمرٌو شريكان في بيت، فباع عمرٌو نصيبه من هذا البيت على بكرٍ، وبقي سنتين أو ثلاثًا والشريك ما علِم بالبيع، والبيت يُؤجَّر كل سنة بعشرة آلاف ريال، وبقي سنتان على نصيب المشتري لم يعلم الشريك بالبيع، كم الإجارة مدة سنتين؟ عشرون ألفًا، نصيب المشتري منها عشرة آلاف؛ لأن له النصف، فيكون للمشتري عشرة آلاف، وإذا أخذ الشريك بالشفعة فإن عشرة آلاف من الأجرة تكون للمشتري.
كذلك لو فُرِضَ أن زيدًا وعمرًا شريكان في أرض تؤجَّر، وبقيت سنتين لم يعلم الشريك بالبيع، واسْتُغِلَّ من هذه الأرض -من إجارتها- عشرون ألفًا، ثم علم الشريك بالبيع فشفع، فكم للمشتري من هذه الغلة؟ عشرة آلاف أيضًا. المهم أن الغلة للمشتري.
ثانيًا: (النماء المنفصل) النماء المنفصل للمشتري، مثل أيش؟ مثل الثمرة الظاهرة نماء منفصل، الفسيل -فسيل النخيل والأشجار- نماء منفصل، تعرفون الفسيل؟ الفسيل: الفرخ؛ النخلة يكون لها أفراخ، هذا نماء منفصل، يكون لمن؟ للمشتري؛ لأنه إما أن يكون أصله قبل المبيع فيكون داخلًا في المبيع، وإما أن يكون بعد المبيع، بعد البيع، فهو قد نما على ملكه فيكون له.
وعُلم من قول المؤلف: (النماء المنفصل) أن النماء المتصل ليس له، ولو نما على ملكه؛ لأن المتصل تابع للأصل، هو على اسمه متصل.
مثاله: زيدٌ وعمرٌو شريكان في حائط؛ بستان لم يغرس إلا قريبًا، فباع عمرٌو نصيبه على بكرٍ، ولم يعلم شريكه، وبقي خمس سنوات، ثم علم الشريك بذلك، النخل أو الشجر المغروس في مدة خمس سنوات زاد ولَّا لا؟ زاد، هذه الزيادة على ملك المشتري، فإذا أخذ الشفيع بالشفعة فإن الزيادة لا تُقَوَّم للمشتري، يأخذه بزيادته، لماذا؟ لأن الزيادة متصلة، فتتبع الأصل، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن الزيادة حصلت على ملك المشتري، ولا فرق بين الزيادة المتصلة والزيادة المنفصلة.
فإن قالوا: الفرق بأن الزيادة المنفصلة يأخذها المشتري ويذهب بها، وأما المتصلة فلا يمكن أخذها؟
قلنا: لكن يمكن معرفتها بالقيمة، هذا النخل كان يساوي عند الشراء قبل خمس سنوات؛ تساوي كل نخلة -مثلًا- ألف ريال، الآن تساوي كل نخلة ألف ريال أو ثلاثة آلاف ريال، فلماذا لا نقوِّمها على الشفيع مع أنها نماء ملك المشتري؟
فالقول الصحيح في هذه المسألة: أن النماء المتصل يكون للمشتري. وفائدة هذا القولِ أننا نقوِّم هذا الشقص المبيع حين الشراء ونقوِّمه حين الأخذ بالشفعة، ويدفع الشريك الفرق بين القيمتين.
ويدل لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» ، فإن مفهومه أن العرق غير الظالم له حق، والمشتري عرق ظالم ولَّا غير ظالم؟ غير ظالم، فله الحق.
نعيد المثال مرة ثانية: زيدٌ وعمرٌو شريكان في بستان، نخله غُرس قريبًا، فباع عمرٌو نصيبه من هذا البستان على بكرٍ بعشرة آلاف ريال، وبقي خمس سنوات لم يعلم شريكه زيدٌ بالبيع، ثم علم بالبيع فأخذ بالشفعة، كان البستان قد بِيعَ بعشرة آلاف ريال، النصيب هذا بعشرة آلاف ريال الآن يساوي ثلاثين ألفًا. على كلام المؤلف يأخذه الشريك زيدٌ بكم؟ بعشرة آلاف ريال، مع أنه الآن يساوي ثلاثين ألفا، وعلى القول الراجح يأخذه بثلاثين ألفًا؛ لأن الزيادة التي حصلت ملك لمن؟ ملك للمشتري، فكيف نضيعها عليه والله عز وجل يقول: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة: ١٨٨]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ»؟!
إذن للمشتري الغلة والنماء مطلقًا، سواء كان متصلًا أم منفصلًا.
كذلك له الزرع، الزرع يعني لو باع الشريك نصيبه من هذه الأرض وزُرعت، ثم علم الشريك بذلك فأخذها بالشفعة، فالزرع الذي حدث يكون لمن؟ يكون للمشتري، ولا يدخل في الشفعة، لماذا؟ قالوا: لأن الزرع في حكم المنفصل، وقد سبق أن الزرع لا يؤخذ بالشفعة، فيكون ملكًا لمن؟ للمشتري، ويبقى في الأرض إلى الحصاد.
كذلك الثمرة الظاهرة؛ لو اشترى البستان قبل أن يثمر، ثم خرج ثمره قبل أن يأخذ الشريك بالشفعة، فإن هذا الثمر الذي خرج يكون لمن؟ يكون للمشتري؛ لأنه نماءٌ منفصلٌ، والنماء المنفصل يكون للمشتري.
وما قاله المؤلف حقيقةٌ؛ يعني قوله: إن الزرع يكون للمشتري والثمرة تكون للمشتري، هذا صحيح، بل إننا صححنا أن جميع النماء المتصل والمنفصل يكون للمشتري. والله أعلم.
***
(...) بيتًا فأُجِّر، فالأجرة غلة، لو كان أرضًا أُجِّرت فالأجرة غلة.يقول: (والزرع والثمرة الظاهرة)، ثم قال المؤلف: (فإن بنى أو غرس فللشفيع تملكه بقيمته وقلعه) يعني: وله قلعه، ولكن إذا قلعه يغرم نقصه، (ولربه أخذه بلا ضرر) إذا بنى أو غرس؛ (بنى) الضمير يعود على المشتري؛ يعني: بنى في الأرض، (أو غرس) أيضًا يعود على المشتري، غرس أي شيء؟ غرس شجرة، ولم يقل: أو زرع؛ لأن الزرع له؛ للمشتري، ما يتبع، لكن إذا بنى أو غرس، ثم بعد ذلك أخذ الشفيع.
فإذا قال قائل: كيف يبني أو يغرس والشفيع موجود؟
قلنا: نعم، يمكن، يبني ويغرس والشفيع موجود، لكن لم يعلم بالبيع فظن أن هذا المشتري وكيل لشريكه، ألا يمكن هذا؟ يمكن؛ يعني هذا المشتري يغرس ويبني، ولكن ظن أنه يفعل ذلك على أنه وكيل لشريكه، ولم يعلم بالبيع.
علم الشريك بالبيع فله الخيار، قال المؤلف: (فللشفيع تملكه بقيمته) له أن يتملكه بقيمته، فكيف يتملكه بقيمته؟ تُقَوَّم الأرض خالية من البناء، ثم تُقَوَّم وهي مبنية، فقيمته ما بين القيمتين، فيقال مثلًا: هذه الأرض تساوي غير مبنية مئة ألف، وتساوي مبنيةً مئة وخمسين ألفًا، كم قيمة البناء؟ خمسون ألفًا.
كذلك في الغرس، هذه الأرض تساوي مغروسةً مئة وخمسين ألفًا، وغير مغروسة مئة ألف، تكون القيمة خمسين ألفًا.
قال: (وقلعه، ويغرم نقصه) (قلعه) يعني: يقلع الغرس، ويمكن قلعه ولَّا لا؟ نعم، يمكن؛ تُقلع النخلة، تُقلع الشجرة، لكن يقول: (يغرم نقصه) من اللي يغرم نقصه؟ الشفيع.
فإذا قال قائل: كيف يغرم نقصه وهو إنما أخلى أرضه منه؟
نقول: نعم؛ لأن لصاحبه حقًّا؛ والدليل أن لصاحبه حقًّا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ»، ومفهومه أن غير الظالم له حق، وهذا المشتري غير ظالم؛ لأنه بنى في ملكه وغرس في ملكه، ولكن لما كان حق الشفيع سابقًا قلنا: للشفيع أن يقلع هذا الغرس والبناء.
لو قال قائل: قلع الغرس والبناء إفساد للمال، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال ؟
فالجواب: أما بالنسبة للباني والغارس فليس فيه إضاعة للمال، لماذا؟
طالب: (...).
الشيخ: لا. لأنه سيأخذ، سَيُعَوَّض؛ لأن المؤلف يقول: (قلعه ويغرم نقصه) فالذي وضع البناء أو وضع الغراس لم يضع عليه المال؛ لأنه سوف يُضْمَن له النقص، أما بالنسبة لصاحب الأرض الذي هو الشفيع، والذي قلع الغرس أو البناء، فإنه لا يمكن أن يقلعه ويغرم نقصه إلا وهو يرى أن الأرض سوف تزيد إذا خلت من هذا الغرس والبناء، وقد يكون له نظر آخر، قد يريد أن يبنيها على غير هذا الشكل، فيقول: اهدم البناء اللي بنيت، أنا أريد أن أبنيها على صفة معينة، فيكون له فيه غرض ولَّا لا؟ يكون له فيه غرض، وحينئذٍ لا يكون في ذلك إفساد، أليس كذلك؟
يقول: (ولربه أخذه بلا ضرر) يعني: لو اختار صاحب الغراس والبناء أخذه فله ذلك، لكن اشترط المؤلف ألَّا يكون في ذلك ضرر، على من؟ على الشفيع، على رب الأرض اللي أخذها بالشفعة، فإن كان عليه في ذلك ضرر فإنه ليس له أخذه؛ لأن الضرر لا يُزَال للضرر، كيف الضرر؟ نعم، الضرر بأن تنقص الأرض إذا أُخِذَ منها هذا الشيء تنقص نقصًا أكثر من قيمة هذا البناء أو الغراس؛ لأنها إذا نقصت بقدر قيمة البناء أو الغراس فلا ضرر، لكن إذا كانت تنقص أكثر فإن ذلك ضرر، فيمنع؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» .
فإذا قال قائل: هذا واضح إذا لم يكن لصاحب الشجر والبناء غرض، ولكنه اختار القلع أو الهدم مضارةً لصاحب الأرض -الشريك- من أجل أنه أخذ بالشفعة، قال:هذا الذي أخذ بالشفعة وحرمني ما اشتريت سأضاره وأهدم البناء أو أقلع الغرس، هذا ممكن ولَّا لا؟ نعم.
نقول: إذا علمنا أن هذا قصده فلا شك أننا نمنعه، ونقول: ما يمكن تقلع الغراس ولا البناء، ولك قيمته، أما إذا كان له غرض في ذلك بأن قال: أنا أريد أن آخذ هذه الأشجار لأغرسها في أرض عندي وتكون كبيرة الآن، أو آخذ أنقاض البناء لأنها أحجار يَقِلُّ وجودها، فأنا أريد أن أنقض البناء لأجل أن أبني في مكان آخر، فهنا له غرض في أخذها ولَّا لا؟ نعم، له غرض في أخذها، فحينئذٍ نقول: له أن يأخذها؛ سواء تضرر رب الأرض، أم لم يتضرر، أما إذا لم يكن له غرض واختار رب الأرض أن يبقى البناء ويبقى الغراس ويدفع القيمة فإننا نمنع صاحب الغراس والبناء من أخذه؛ لأننا نعلم أن ذلك على سبيل المضارة.
الخلاصة الآن أن المشتري إذا غرس أو بنى فإن الشفيع يُخَيَّر، أو صاحب الغراس والبناء هو الذي يخيَّر؟
أولًا صاحب الغراس والبناء، وقال: هل أنت تريد أن تأخذ غراسك وبناءك؟ إذا قال: نعم، أنا أريد أخذه، قلنا: لا نحول بينك وبين مالك، خذه، إلا إذا كان في ذلك ضرر على الشفيع فلا.
إذا قال: لا، أنا لا أريد، وماذا ينفعني أن أهدم البيت، ولا آخذ إلا الأنقاض؟ ما أستفيد منها، وكذلك الغراس لا أريد أن أقلعه؛ لأني ربما لو قلعته وغرسته في مكان آخر ربما يموت، أريد أن يبقى. نقول: الآن أنت أيها الشفيع لك الخيار بين أمرين، ما هما؟ أن يتملكه بقيمته، وأن يقلعه ويغرم نقصه. نقول: أنت الآن إن شئت أبقه وادفع القيمة، وإن شئت اقلعه واغرم النقص.
فإن قال: لا أقلعه وأغرم النقص، ولا أريد (...)، أنا أريد أن أقلعه ولا نقص عليَّ، قلنا: إذن تسقط شفعتك، ما لك حق أبدًا، يبقى الغراس والبناء والملك للمشتري.
(ولربه أخذه بلا ضرر)..
***
(...) والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.إذا زرع المشتري في الأرض التي ثبتت فيها الشفعة، فما الحكم؟ (...).
***
(مات الشفيع قبل الطلب بطلت، وبعده لوارثه) يقول المؤلف رحمه الله: (إن مات الشفيع قبل الطلب) من هو الشفيع؟ الشريك، إذا مات قبل الطلب بالشفعة فإنها تسقط، وإن مات بعده فإن لوارثه أن يأخذ بها.مثال الأول: رجل باع نصيبه من أرض مشتركة، وإن شئنا نمثل بالتعيين..





