كتاب البيع (الشرح الثاني) - 16
عدد الزيارات 1933

عناصر المادة :
باب الربا والصرف

فإذا فسخ البيع فليس له إلا الثمن، وإذا لم يفسخه رجع بالبدل.
مثال ذلك: اشترى شخص كيسًا من الحنطة، كل صاع بكذا، فجاء آدمي فأتلفه؛ بإحراق أو أكل أو غير ذلك، نقول للمشتري الآن: أنت بالخيار؛ إن شئت فسخت البيع ورجعت على البائع بالثمن، هو قال: اشتراه بمئة ريال، فإذا قال: أنا فسخت البيع، كم يعطيه البائع؟ مئة ريال، أو نقول: أبق البيع على ما هو عليه، وارجع على المتلف بالبدل، فإذا كان الآن عند إتلافه يساوي مئةً وعشرين، فالمشتري في هذه الحال سوف يختار الإمضاء أو الفسخ؟ الإمضاء، ويرجع على المتلف بالبدل؛ أي: بمثله إن كان مثليًّا، وقيمته إن كان متقوَّمًا.
الحنطة من المثليات أو من المتقومات؟ من المثليات، فيرجع عليه بمثل الحنطة التي أتلفها.
طيب، الساعة؟
طلبة: متقومة.
الشيخ: متقومة على المذهب، فيرجع عليه بقيمتها، انتبهوا للمثال هل هو صحيح أو لا؟ هل الساعة من المكيل ونحوه؟
الطلبة: لا.
الشيخ: إذن لا يصح بها التمثيل، وعلى هذا فلا يمكن أن يكون إلا مثليًّا ما لم ينتقل هذا الطعام إلى صنعة؛ يصنع خبزًا أو طبيخًا، فحينئذٍ يكون غير مثلي.

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: وما عداه يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه، وإن تلف ما عدا المبيع بكيل ونحوه فمن ضمانه ما لم يمنعه بائع من قبضه.
ويحصل قبض ما بِيعَ بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع بذلك وفي صبرة، وما يُنْقَل بنقله، وما يُتَنَاول بتناوله، وغيره بتخليته
.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هي الأشياء التي لا يصح تصرف المشتري فيها قبل قبضها؟
طالب: (...) كيل ونحوه.
الشيخ: لا تقل: ونحوه، عدها.
الطالب: كيله أو وزنه أو ذرعه أو عده.
الشيخ: لا.
الطالب: كيل أو وزن أو ذرع أو عد.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: جزافًا.
الشيخ: لا.
طالب: ما بيع برؤية (...) لا يتغير فيها البيع أو صفة (...).
الشيخ: سابقة للعقد.
الطالب: (...).
الشيخ: لا.
الطالب: ما بيع برؤية (...) سابقة على العقد.
الشيخ: ستة.
الطالب: برؤية.
الشيخ: هي ستة؛ ما بيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع أو رؤية سابقة أو صفة، هذه لا يجوز التصرف فيها قبل قبضها.
وهل جميع التصرفات ممنوعة أو بعضها؟
طالب: ظاهر كلام المصنف أنها كلها ممنوعة، ولكن الصواب التفصيل؛ التصرف بعوض لا يجوز، التصرف من غير عوض جائز.
الشيخ: جائز، أحسنت
.
ما هو الدليل على هذا القول أن الممنوع هو التصرف بمعاوضة؟
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ» .
الشيخ: «فَلَا يَبِعْهُ»، ولم يقل: فلا يتصرف فيه.
المكيل إذا بيع جزافًا فهل يصح فيه التصرف؟
طالب: نعم، يصح فيه التصرف؛ لأنه صار للمشتري (...).
الشيخ: هل هذا ظاهر كلام المؤلف؟
الطالب: لا، ليس ظاهر كلام المؤلف.
الشيخ: ما هو ظاهر كلام المؤلف؟
الطالب: ظاهر كلام المؤلف أنه إذا كيل كيلًا أو وزن وزنًا.
الشيخ: لا يا أخي، اقرأ: (ومن اشترى مكيلًا ونحوه صح ولزم بالعقد، ولم يصح تصرفه).
طالب: لا يصح تصرفه.
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح التصرف.
الطالب: (...).
الشيخ: اصبر، ما بعد، أنا أريدك تتكلم عن ظاهر كلام المؤلف؛ أنه لا يصح.
هل هذا الظاهر هو المذهب عند المتأخرين؟
طالب: المذهب أنه يصح التصرف فيه.
الشيخ: إذا اشْتُرِي جزافًا، طيب، وهو كذلك.
أيهما أرجح؟
طالب: أنه لا يصح التصرف.
الشيخ: أنه لا يصح التصرف.
ما هو الدليل على رجحانه؟
الطالب: حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه: أنهم كانوا يبيعون الطعام جزافًا، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى (...) .
الشيخ: نعم، أحسنت، هذا هو الصحيح؛ أنه عام، سواء بيع بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع أو جزافًا
.
ما معنى قول المؤلف: (صح ولزم بالعقد)؟ وهل شيء يصح ولا يلزم بالعقد؟
طالب: إذا كان هناك خيار.
الشيخ: نعم، إذا كان هناك خيار فالبيع صحيح وينتقل فيه الملك إلى المشتري، ولا يلزمه إلا بانتهاء الخيار.
أما قوله: (حتى يقبضه) فسيأتي إن شاء الله.
طالب: ما فهمت.
الشيخ: يعني مثلًا: إذا بعت شيئًا وتمت الشروط وانتفت الموانع صح البيع، وهل يقع لازمًا أو جائزًا؟ إن كان في الخيار يقع جائزًا؛ لأن لكل من المتخيرين أن يفسخ، وإن لم يكن خيار فهو لازم بالعقد.
إذا تلف المبيع فهل هو من ضمان المشتري أو من ضمان البائع؟
طالب: الأصل أنه من ضمان البائع إلا إذا كان ذات المبيع يتلف يعني.
الشيخ: وغير الأصل؟
الطالب: إذا كان ذات المبيع يتلف بكثرة المدة.
الشيخ: كل شيء يتلف، ما يبقى إلا وجه الله.
الطالب: لا، إذا كان يعلم أنه يتلف بكثرة..
الشيخ: أنا أعلم أن جميع الأشياء تتلف إلا الله عز وجل؛ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [الرحمن: ٢٦].
ما تقول: إذا تلف المبيع فهل هو من ضمان المشتري أو من ضمان البائع بعد أن يتم العقد ويصح؟
طالب: على الحالات المذكورة.
الشيخ: ما نعرف الحالات المذكورة، أنت قُلْ لي، قل: نعم، أو: لا، أو: فيه التفصيل.
الطالب: فيه التفصيل.
الشيخ: فيه التفصيل، فصل.
الطالب: إذا كان التلف بفعل البائع فمن ضمانه.
الشيخ: لا.
طالب: إن كان التلف قبل القبض..
الشيخ: هو قبل القبض، بعد القبض ما فيه إشكال.
الطالب: قبل القبض على البائع.
الشيخ: البائع مطلقًا؟
الطالب: إلا إن كان تلف بآفة سماوية فإنه ينفسخ.
الشيخ: توافق على التفصيل، ولَّا الجواب بالنفي والإثبات؟
الطالب: التفصيل إلا إن كان (...) على البائع.
الشيخ: يا رجال ما أجبت جيدًا.
الطالب: على البائع.
الشيخ: لا حول ولا قوة!
طالب: في المسألة التفصيل؛ إن تلف بآفة سماوية..
الشيخ: أنا أسأل ترى ما هو عن المبيع بكيل أو وزن، مطلقًا، هل إذا تلف المبيع هل هو من ضمان المشتري أو ضمان البائع؟ مطلقًا، فأريد التفصيل اللي إحنا قرأنا وفي المتن أيضًا؛ في نفس المتن.
طالب: إن كان قبل القبض من ضمان البائع، وإذا كان بعد القبض..
طالب آخر: في فصل ذكرنا إن تلف بتفريط من المشتري..
الشيخ: لا، يا شيخ، غير المكيل والموزون والأشياء اللي ذكرها المؤلف يكون من ضمان المشتري؛ ولهذا قال: (إن تلف ما عدا المبيع بكيل ونحوه فمن ضمانه) أي: من ضمان المشتري الموجود بالمتن، إلا إن كان ما شرحناه، ما أدري.
طلبة: ما شرحناه.
الشيخ: ما شرحناه؟
طالب: ما شرحناه.
الشيخ: طيب، يقولون: إن الشركاء لا تُقْبَل شهادة بعضهم لبعض، وأنتم الآن شركاء!
الآن فهمنا -يا إخوان- أن الذي يكون من ضمان البائع كم؟ ستة أشياء: ما بيع بكيل، أو وزن، أو عدٍّ أو ذرع، أو صفة، أو رؤية سابقة. هذه من ضمان البائع.
وكذلك أيضًا -سيأتينا إن شاء الله- الثمر على رؤوس النخل يكون من ضمان البائع، الثمر على رؤوس النخل؛ يعني مثلًا: لو اشتريت ثمرة نخلة بعد بدو صلاحها ثم تلفت، فهي من ضمان البائع؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟» . إذا أضفناه إلى الستة كانت سبعة.
بعد أن عرفنا أن هذه السبعة تكون من ضمان البائع نعود إلى مسألة أخرى، وقبل أن نعود أود أن أحصر لكم المسألة أكثر: وما منعه البائع من قبضه؛ يعني أنه باع عليه -مثلًا- سيارة ما فيها لا كيل ولا وزن، ولكن أبى أن يسلمه السيارة بدون سبب، المشتري نقد الثمن، ولكن البائع قال: ما أعطيك السيارة، اصبر، ثم تلفت السيارة، فعلى من؟ على البائع، لكن ضمانها هنا ضمان غصب؛ بمعنى أنه يضمن السيارة ويضمن أجرتها ما دامت في قبضته.
وعليه فتكون الأشياء التي من ضمان البائع ثمانية؛ ما بيع بكيل، أو وزن، أو عَدٍّ، أو ذرع، أو رؤية سابقة، أو صفة، والثمر على روؤس النخل، وما منعه البائع من قبضه.
إذا تلف وهو من ضمان البائع فقد ذكر المؤلف له ثلاث حالات، ما هي الحالات الثلاث؟
طالب: إذا تلف عند البائع فمن ضمانه.
الشيخ: فمن ضمانه، طيب.
الطالب: وإذا تلف بآفة سماوية ينفسخ البيع، وإذا تلف بشبه الآفة السماوية؛ وهي إذا أتلفه من ذا يمكن ضمانه فينفسخ البيع، وهنالك حالة رابعة وهي إذا أتلفه من يمكن ضمانه.
الشيخ: يعني من يمكن تضمينه؟
الطالب: نعم، فيخير المشتري.
الشيخ: بين؟
الطالب: بين أن يفسخ ويرجع على المشتري ماله، وإما أن يمضي في العقد ويرجع على الذي أتلف شيئًا ببدله.
الشيخ: بارك الله فيك. طيب، إذن أربع حالات، أعدها.
طالب: من قبل البائع (...) بآفة سماوية ينفسخ البيع، أن يتلفه ما لا يمكن تضمينه فينفسخ البيع، وأن يتلفه ما يمكن تضمينه للمشتري الخيار بين الفسخ أو الإمضاء مع أخذ البدل.
الشيخ: بين الفسخ والبائع يرجع للذي أتلفه.
الطالب: نعم.
الشيخ: أو الإمضاء وهو ما يرجع على من أتلفه المشتري، بارك الله فيك.
طالب: المبيع بصفة أو؟
الشيخ: برؤية.
الطالب: سابقة
الشيخ: المبيع برؤية سابقة هو أن يكون المشتري قد رأى المبيع قبل يومين، فيبيعه عليه بعد أن مضى على رؤيته يومان، هذا المبيع برؤية سابقة، ومعلوم أنه لا بد ألَّا يمكن تغيره في هذه المدة؛ لأنه إن أمكن تغيره في هذه المدة لم يصح عقد البيع عليه؛ لاحتمال أن يكون تغير.
المبيع بصفة أن يقول: بعتك سيارتي التي في جراجي وصفتها كذا وكذا، هذا مبيع معين موصوف، فهذا مبيع بصفة.
بخلاف الموصوف في الذمة فهذا شيء آخر؛ لأنه لم يقع العقد على عينه، مثل أن أبيع عليك مئة صاع بر بمئة ريال، هذا لا يقال: إنه مبيع موصوف، بل يقال: هذا موصوف في الذمة؛ لأنه غير معين.
إذن المبيع برؤية سابقة: أن يكون المشتري قد رأى المبيع قبل يومين أو ثلاثة أو شهر أو أكثر، ثم يعقد عليه البيع بدون أن يراه رؤية متجددة.
المبيع بصفة: أن يقع العقد على شيء معين موصوف؛ مثل أن يبيعه سيارته التي عنده في الجراج ويصفها؛ صفتها كذا وكذا، هذا يسمى مبيع بصفة.
أما الموصوف في الذمة فذاك لم يقع العقد على عينه، فهو من الأصل لم يدخل في ضمان المشتري إطلاقًا؛ مثل أن يبيعه مئة صاع بر بمئة ريال، هذا ما يقال: معين وموصوف، هذا يقال: موصوف في الذمة.
أما إذا منعه البائع من قبضه فالمسألة واضحة، لكن إذا منعه البائع من قبضه هل يضمنه ضمان غصب أو ينفسخ البيع؟
الجواب: الأول؛ يضمنه ضمان غصب، وعلى هذا فإذا كان المبيع مما يؤجر لزم البائع أجرته مدة منعه، وإذا كان غير مثلي لزم قيمته، وقد تكون قيمته أكثر مما وقع عليه العقد وقد تكون أقل.
بقي علينا إذا أتلفه آدمي يمكن تضمينه، قلنا: إن الخيار للمشتري بين أمرين، وهي فسخ البيع، والإمضاء مع مطالبة المتلف، أيهما يختار؟
طلبة: الأنفع له.
الشيخ: سيختار الأنفع له؛ إذا كان المبيع قد نزلت قيمته فسيختار الفسخ؛ ليرجع على البائع بالقيمة، وإذا كانت قد زادت فسيختار الإمضاء؛ ليطالب المتلف بأكثر من الثمن.
ثم قال: (وما عداه) أي: ما عدا ما اشْتُرِيَ بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع أو رؤية سابقة أو صفة، يقول: (يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه) ما عداه يجوز تصرف المشتري فيه قبل القبض.
مثاله: باع عبدًا، باع بعيرًا، باع دارًا، باع سيارة معينة ولم يقبضها، فيجوز أن يتصرف فيها قبل القبض، لماذا؟ لأنه لا يحتاج إلى حق توفية؛ يعني: ليس مبيعًا بكيل حتى يحتاج إلى كيل، وربما يزيد أو ينقص، أو وزن ربما يزيد أو ينقص، هذا شيء معين يجوز أن تبيعه قبل قبضه ولو في مكان بيعه.
مثاله: باع عليَّ رجل سيارته وهي في بيته، وأنا شاهدتها أو كنت أعلمها من قبل، فهي مرئية لي، فظاهر كلام المؤلف أنه يجوز أن أتصرف فيها قبل القبض، وهذا هو المشهور من المذهب.
والقول الثاني: إنه لا يجوز أن يتصرف في المبيع قبل قبضه مطلقًا في كل شيء. وهذا ما ذهب إليه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حيث قال: ولا أحسب كل شيء إلا مثله ، وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال: إن المبيع لا يباع قبل القبض مهما كان، سواء بيع بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع أو رؤية سابقة أو صفة، لا يمكن أن يباع حتى يقبض، وهذا هو الذي يؤيده الحديث؛ حديث ابن عمر: أنهم كانوا يبيعون الطعام جزافًا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في السوق، فنهاهم أن يبيعوه حتى ينقلوه ؛ يعني: إلى مكان آخر.
واستدل المؤلف أو الشارح لهذه المسألة بحديث ابن عمر قال: كنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم -وفي لفظ: بالنقيع بالدراهم- فنأخذ منها الدنانير وبالعكس -يعني: بالدنانير فنأخذ الدراهم- فسألنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: «لَا بَأْسَ أَنْ تُؤْخَذَ بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ يَفْتَرِقَا وَبَيْنَهُمَا شَيْءٌ» .
والحديث دليل، وهو لا يطابق المدلول، وجه ذلك: أن الحديث إنما هو بيع ما في الذمة وليس بيع شيء معين؛ كانوا يبيعون الإبل بالدراهم، الدراهم أين هي؟ معينة ولَّا ثابتة في ذمة المشتري؟ ثابتة في ذمة المشتري. ويبيعونها بالدنانير؛ ثابتة في ذمة المشتري، فيأخذون عن الدراهم دنانير، وعن الدنانير دراهم.
وكلامنا نحن في الشيء المعين هل يجوز أن يُبَاع قبل أن يقبض أو لا؟ وعليه فلا دلالة في الحديث لما استدل به المؤلف عليه؛ الشارح، وأنا سقت هذا الحديث لفائدة غير مسألة أنه دليل أو غير دليل؛ وهي أنه يجوز بيع الدين على من هو عليه، بشرطين: الشرط الأول: أن يكون بسعر يومه. والثاني: أن يتقابضا قبل التفرق، لكن هذا فيما يُشْتَرط فيه التقابض؛ كالدراهم بالدنانير والدنانير بالدراهم، والبر بالشعير والشعير بالبر، وما أشبهها.
أما شرط التقابض بين الدراهم والدنانير ونحوها فظاهر، ما وجه ظهوره؟ وجه ظهوره أنه لا يباع الشيء بالشيء في مثل هذه الصورة إلا بالتقابض؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الذهب والفضة والبر والتمر والشعير والملح: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» .
وأما كونها بسعر يومها -وهو الشرط الثاني- فلئلا يربح فيما لا يدخل في ضمانه؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن ربح ما لم يُضْمَن . كلام عربي مفهوم؟
طالب: غير مفهوم
الشيخ: غير مفهوم.
في ذمة الرجل لي دنانير، فبعتها عليه بدراهم، بيع الدنانير بالدراهم يُشْتَرط فيه القبض أو لا؟ يُشْتَرط فيه القبض، إذن لا بد أن نتقابض، الدنانير عنده في ذمته، إذن يعطيني الدراهم فقط، وليس بلازم أن يحضر الدنانير، ما هو لازم، يعطيني الدراهم، والدنانير عنده في ذمته، مفهوم هذا ولَّا غير مفهوم؟
طالب: غير مفهوم.
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله!
في ذمة الرجل لي دنانير، أردت أن أبيعها عليه بدراهم، ووافق، اتفقنا على بيعها بدراهم، بيع الدراهم بالدنانير يُشْتَرط فيه أيش؟ التقابض، يُشْتَرط التساوي؟ لا «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» .
التقابض هنا: أن يعطيني دراهم، أعطاني دراهم هل تقابضنا أو لا؟ تقابضنا؛ لأن الدنانير عنده، تقابضنا، ولا فرق بين أن يحضرها على طاولة العقد أو لا يحضرها؛ لأن الدراهم في ذمته قد قبضها، هذا واضح ولَّا غير واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: طيب، بقينا بالنقطة الثانية -وعسى الله أن يعيننا على تفهيمكم إياها- أن تكون بسعر يومها، فإذا قدَّرنا أن عشرة دنانير قيمتها في السوق مئة درهم، أبيعها عليه بأيش؟ بمئة درهم لا أزيد ولا أنقص؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بِسِعْرِ يَوْمِهَا» . لو بعت الدنانير بمئة وعشرة، يجوز أو لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟ لأني ربحت عشرة في شيء لم يدخل في ضماني، إلى الآن في ذمة البائع.
لو بعت الدنانير العشرة التي تساوي مئة بتسعين، لو نظرنا إلى ظاهر الحديث لقلنا: لا يجوز، ولو نظرنا إلى العلة والحكمة قلنا: يجوز؛ لأن هذا الرجل إذا باع العشرة التي تساوي مئة بتسعين فإنه لم يربح، بل إنه أبرأ البائع أيش؟ أبرأه من عشرة، لكن لم يُذْكر هذا في الحديث؛ لأنه أمر نادر، إنما الذي يكون غالبًا هو الربح؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «بِسِعْرِ يَوْمِهَا»، لئلا يقع في المسألة تفصيل فيرتبك، فإذا قلنا: بسعر اليوم ما حصل اشتباه، لكن عندما أن نحقق ونحرر المسألة نقول: إذا باعها بأقل فقد زاد المدين خيرًا، وإن باعها بأكثر فقد ربح فيما يُضْمَن؛ أي: فيما لم يدخل في ضمانه، وهذا حرام ولَّا يجوز، واضح يا جماعة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: زين، الحمد لله، مع أنه ليس في المتن، لكن الحمد لله الزيادة خير؛ هو الطهور ماؤه الحل ميتته.
يقول: (وما عداه يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه) ظاهر كلام المؤلف أنه يشمل حتى المبيع برؤية سابقة أو بصفة، الآن قوله: (وما عداه) ولم يتكلم على المبيع برؤية أو صفة، إنما تكلم على أيش؟ على المكيل، والموزون، والمعدود، والمذروع، فظاهر كلامه أن ما عدا ذلك يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه، ولكن المذهب لا، المذهب يلحقون ما بيع بصفة أو رؤية سابقة بالمكيل ونحوه؛ لأنه يحتاج إلى حق توفية؛ ولهذا إذا تغير المبيع عن الرؤية السابقة أو الصفة فله الخيار كما سبق، وهذا لا شك أنه أحوط، ونحن نرجِّح أن كل مبيع لا يجوز بيعه إلا بعد القبض.
هل يجوز بيع ثمر النخل على رؤوس النخل؟ يعني: اشتريت ثمرًا ثم بعتها، يجوز أو لا؟ يجوز، وهي من ضمان من؟ من ضمان البائع، فلو تلفت بآفة سماوية بعد أن بعتها رجع المشتري عليَّ، وأنا أرجع على البائع الأول.
إذن ليس كل شيء يكون من ضمان البائع لا يصح التصرف فيه، أو لا؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، صحيح، ليس كل شيء يكون من ضمان البائع لا يصح التصرف فيه، بل قد يكون من ضمان البائع، والتصرف فيه صحيح؛ كالثمر على رؤوس النخل.
وينبغي أن يُقَال فيما إذا كان من ضمان البائع: ما لم يسلمه البائع فيمتنع، وهذه أيضًا مهمة، وقد أشار إليها بعض الأصحاب رحمهم الله؛ قالوا: لو أن البائع قال: تعال يا أخي، خذ، توكل مالك، وأبى، فهنا يكون الضمان على من؟ على المشتري، كما أنه إذا منعه البائع صار على البائع، وهذا لا شك أنه قياس جلي واضح، وإلا لكان مشكلة؛ لأن بعض الناس تجده إذا نزل السعر تباطأ في القبض، يرجو؟
طلبة: الزيادة.
الشيخ: لا، ما هو يرجو الزيادة، لعله يتلف ويكون من ضمان البائع، فإذا كان البائع يقول: خذ ما اشتريت، وهو يقول: انتظر، معك خير، فهنا إذا تلف فإنه يكون من ضمان المشتري؛ لأنه هو الذي فرَّط في قبضه، وله قياس صحيح.
الثمرة الآن، ذكرنا أن الثمرة على رأس النخل من ضمان من؟
طلبة: البائع.
الشيخ: طيب، لو أن المشتري تأخَّر في جنيها وجذِّها حتى جاءت الأمطار وأفسدتها، فعلى من الضمان؟ على المشتري؛ لأنه هو الذي تأخر وفرَّط. وكذلك ما إذا بذل البائع السلعة، ولكن المشتري تباطأ وتأخر فإنها في هذه الحال تكون من ضمان البائع.
طلبة: المشتري.
الشيخ: من ضمان من؟
الطلبة: المشتري.
الشيخ: بارك الله فيكم، من ضمان المشتري.

***

يقول رحمه الله: (وإن تلف ما عدا المبيع بكيل ونحوه) طيب، نقف على هذا.
طالب: لو تلف المبيع بفعل البائع فإن البائع يضمنه.
الشيخ: يضمنه ضمان غصب.
الطالب: نعم، لماذا لا نقول: إنه يخير المشتري بين الفسخ والإمضاء، ويكون للبائع (...)؟
الشيخ: لا؛ لأن هذا البائع كان في يده وله سلطة عليه.
الطالب: ربما يكون أنفع للمشتري؛ الفسخ.
الشيخ: لكن هذا له نوع ولاية عليه؛ لأنه منتقل من عنده، فهو في يده في الأصل أمانة، وما قلتَه وجيه؛ يعني لا بد أن يراجع إذا كان أحد من العلماء يقول بقولك فهو وجيه.

طالب: الذي قلنا: إنه بصفة أو رؤية سابقة، هل يكون من الأربعة؟
الشيخ: إي نعم، ربما يكون من الأربعة.
الطالب: وقد يكون غيرها؟
الشيخ: وقد يكون غيرها كثير.
الطالب: لا، على كلام المؤلف؛ يعني على حسب تصرف الأربعة.
الشيخ: المؤلف الماتن ما جاب أنه يبيع برؤية أو بصفة، أصلًا ما جاء بها.
الطالب: على افتراض إذا كان برؤية سابقة أو صفة، وكان معدودًا أو مذروعًا ونحوه هل يكون من (...)؟

الشيخ: من ضمان البائع، علشان مكيل أو موزون أو معدود أو مذروع.

طالب: قلنا: إن القول الراجح إنه لا يجوز أن يتصرف بمبيع..
الشيخ: قبل قبضه.
طالب: إي نعم.
الشيخ: قبل قبضه في جميع الأشياء، إي نعم
.
الطالب: على هذا القول هل نقول: إنه إذا تلف قبل القبض أن يكون من ضمان البائع مطلقًا؟

الشيخ: لا، ما هو من ضمان البائع مطلقًا، يكون من ضمان المشتري؛ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» . سيأتينا إن شاء الله تعالى في كلام المؤلف.

طالب: ما معنى الضمان بالأصل؟
الشيخ: إي، إذا قلنا: ينفسخ البيع فإن المشتري يرجع على البائع بالثمن فقط. عرفت؟
الطالب: ليس بعد.
الشيخ: طيب، اشتريت منك هذه السيارة بخمسين ألفًا، فكسَّرها البائع أو أحرقها، إذا قلنا: إنه ينفسخ البيع، كم يرد على المشتري؟
طلبة: نفس السعر.
الشيخ: طيب، إذا قلنا: ضمان غصب وكانت الأسعار قد ارتفعت، أيش يضمنها؟
طالب: بسعرها.
الشيخ: بسعرها؛ يعني هي قد تكون بمئة ألف، أو نقصت بسعرها أيضًا، قد تكون خمسة وعشرين ألفًا.

طالب: شيخ -بارك الله فيكم- إذا كان (...) هل يضمن البائع، أو ليس له دخل؟
الشيخ: الثمر على رؤوس النخل من ضمان البائع.
الطالب: لا، الثمار غير النخل، غير التمر يا شيخ.
الشيخ: غير التمر؟! الثمر غير التمر.
الطالب: (...).
الشيخ: نعم، ما كان مثله فله حكمه.
الطالب: على البائع؟
الشيخ: ما كان مثله فله حكمه، والله أعلم. (...)

اشترى رجل شاةً من آخر واتفقا على أن تكون الشاة عند البائع يعلفها شهرين، فماتت الشاة في هذه المدة، فهل تكون من ضمان البائع أو من ضمان المشتري؟ ما تقولون؟
طالب: (...).
الشيخ: من ضمان المشتري، لا إشكال، ينتقل الملك بمجرد العقد، وليس شيئًا يكون على ضمان البائع إلا ما علمتم؛ الأصناف السبعة، والباقي كلها على المشتري. (...)

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: وما عداه يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه، وإن تلف ما عدا المبيع بكيل ونحوه فمن ضمانه ما لم يمنعه بائع من قبضه، ويحصل قبض ما بيع بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع بذلك، وفي صبرة وما ينقل بنقله، وما يُتَناول بتناوله، وغيره بتخليته.
والإقالة: فسخ تجوز قبل قبض المبيع بمثل الثمن، ولا خيار فيها ولا شفعة
.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هي الأشياء التي تكون من ضمان البائع؟
طالب: سبعة؛ ما بيع بكيل أو عَدٍّ أو وزن أو ذرع أو رؤية سابقة أو وصف والثمر على رؤوس النخل.
الشيخ: ما بيع بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع أو رؤية سابقة أو صفة والثمر على رؤوس النخل، كم هذه؟ سبعة.
طالب: ثمانية.
الشيخ: والثامن؟
طالب: الثامن إذا منع البائع من القبض.
الشيخ: نعم، لكن هذه لشيء خارج ما هو بمقتضاها؛ ولهذا لم نذكرها فيما سبق، ثم عقبنا وذكرناها.
ما هي الأشياء التي لا يصح فيها التصرف قبل القبض؟
طالب: المكيل والموزون والمعدود والمذروع.
الشيخ: ما بيع بكيل.
الطالب: ما بيع بكيل وما بيع بوزن أو بذرعٍ أو بِعَدٍّ أو برؤية سابقة أو بصفة.
الشيخ: كم هي؟
الطالب: ستة.
الشيخ: ستة، طيب، أنت قلت: المكيل والموزون والمعدود والمذروع، وأنا قلت لك: ما بيع بكيل أو وزن، فما الذي يوافق كلام المؤلف؟
طالب: ما بيع بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع.
الشيخ: ماذا تقولون؟ أيهما الذي يوافق كلام المؤلف؟
طالب: الثاني هذا كلام الأخ.
الشيخ: أيهما اللي يوافق؛ أن نقول: ما بيع بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع، أو أن نقول: المكيل والمعدود والمذروع ونحوه؟
طالب: المكيل ونحوه.
الشيخ: المكيل ونحوه، طيب، ما الفرق بين العبارتين؟
الطالب: العبارة الأولى لم ينص..
الشيخ: ما الفرق؟
الطالب: الأول يعني؟
الشيخ: يعني ما الفرق بين أن أقول: ما بيع بكيل أو وزن ونحوه، أو أقول: إذا بيع المكيل ونحوه؟
طالب: إذا قلنا -يا شيخ- أن أبيع بكيل أو وزن فإنه يكون بيع بكيل أو وزن، أما المكيل والموزون فإنه قد يُبَاع جزافًا.
الشيخ: يعني يتناول ما بيع بالكيل ونحوه والجزاف. طيب، صحيح ولَّا لا؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: أيهما ظاهر كلام المؤلف؟
طالب: ما بيع بكيل أو وزن أو ذرعٍ.
الشيخ: ما بيع بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع.
الطالب: (من اشترى مكيلًا ونحوه) ظاهره الأول.
الشيخ: أيهما الأول؟
الطالب: يعني: سواء جزافًا أو لا.
الشيخ: أن المعتبر نوع المبيع هل هو مكيل أو لا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، وما هو الراجح من القولين؟
طالب: الراجح أنه لا يجوز بيع شيء قبل قبضه.
الشيخ: سواء بيع بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع أو بغير ذلك، انتبهوا يا جماعة، إذا بعت برًّا جزافًا، هذا الكيس بعته عليك بكذا وكذا، فهل يجوز أن أبيعه قبل قبضه؟
طالب: على الصحيح لا.
الشيخ: وعلى كلام المؤلف؟
الطالب: السؤال؟
الشيخ: السؤال: بعت عليك كيسًا من برٍّ فهل يجوز لك أن تتصرف فيه قبل قبضه؟
الطالب: على الصحيح لا.
الشيخ: وعلى كلام المؤلف؟
طالب: على الصحيح يجوز؛ لأنه هو اختيار ابن عباس.
الشيخ: كيف؟
الطالب: على الصحيح لا يجوز التصرف فيه.
الشيخ: وعلى كلام المؤلف؟
الطالب: وعلى كلام المؤلف يجوز التصرف فيه قبل قبضه.
الشيخ: طيب.
طالب آخر: الصحيح.. على القولين أنه لا يجوز.
الشيخ: يعني: لا يجوز على الصحيح، وعلى كلام المؤلف؟
الطالب: كذلك أنه لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأنه يقول: (من اشترى مكيلًا) ولم يقل: من اشترى مكيلًا بكيل أو موزونًا بوزن.
قوله: (لم يصح تصرفه)، هل لو وهبه أو آجره أو ما أشبه ذلك يجوز؟
طالب: لا يصح تصرفه مطلقًا.
الشيخ: مطلقًا، سواء تصرف معاوضة أو لا.
الطالب: هذا على قول المؤلف، لكن الصحيح إذا كان تصرفه بغير معاوضة -كهبة أو نحوها- فإن تصرفه يصح
.
الشيخ: طيب، توافقون على هذا؟ يقول: على كلام المؤلف لا يصح التصرف فيه مطلقًا، وعلى القول الراجح لا يتصرف فيه تصرف معاوضة، وأما إذا لم يكن كذلك -مثل الهبة، أو جعله صداقًا، أو عوضًا عن خلع، أو ما أشبه ذلك- فلا بأس به، صح.
اشترى رجل مبيعًا بكيل، فبقي عند البائع فأصابته آفة سماوية فتلف، فما الحكم؟
طالب: ينفسخ البيع.
الشيخ: وماذا يكون المشتري؟
الطالب: يرجع على البائع بالثمن.
الشيخ: يرجع على أيش؟
الطالب: على البائع؛ يعني يأخذ الثمن من البائع، وينفسخ.
الشيخ: نعم، لماذا؟ لأنه من ضمانه.
إذا أتلفه آدمي؟
طالب: إن كان يمكن الرجوع إليه فالمشتري بالخيار؛ إما أن يرجع على المتلف الرجل الآدمي، أو يرجع على البائع.
الشيخ: كيف ويش لون أن يرجع أو يرجع؟
الطالب: مخير أن يرجع على البائع، أو يرجع على الذي يمكن تضمينه.
الشيخ: كيف يرجع على البائع؟ يعني يفسخ البيع ولا ويش لون؟
الطالب: يخير بين إمضاء البيع والفسخ.
الشيخ: بين إمضاء البيع والفسخ.
الطالب: نعم، إن أمضى البيع يرجع المتلف على الآدمي، وإن كان اختار الفسخ فيرجع على البائع.
طالب آخر: مثلًا أحوال؛ إما أن يكون البائع هو المتلف يمضي البيع ويضمن البائع، وإما أن يتلفه من لا يصح تضمينه كآفة سماوية..
الشيخ: لا.
الطالب: كالآدمي المجنون.
الشيخ: لا، المجنون يمكن تضمينه.
الطالب: مثل الصاعقة.
الشيخ: الصاعقة آفة سماوية.
طالب: مثل البهائم؟
الشيخ: البهائم يمكن تضمينها بالرجوع على صاحبها.
طالب: على الأخيرة.
طالب آخر: إن كان ممن يمكن تضمينه.
الشيخ: الذي لا يمكن تضمينه مثاله، نريد المثال الآن.
الطالب: الذي يمكن تضمينه أو لا يمكن؟
الشيخ: لا يمكن.
طالب: (...).
الشيخ: نعم، صحيح. ما الحكم؟
طالب: فإنه يخير بين إما أن يفسخ، وإما أن يمضي البيع ويرجع على المتلف.
الشيخ: ما هو ممكن؛ لأنه ما يمكن تضمينه.
الطالب: يفسخ البيع.
الشيخ: يعني ينفسخ البيع، كالآفة السماوية.
الطالب: والحالة الرابعة: أن يتلفه من يمكن تضمينه، فيخير بين عدة أمور: إما يفسخ البيع، وإما أن يمضيه ويرجع على البائع، والبائع يرجع على المتلف.
الشيخ: إذن أمرين، طيب، صحيح.

***

بسم الله الرحمن الرحيم، يقول المؤلف رحمه الله: (وإن تلف ما عدا المبيع بكيل ونحوه فمن ضمانه) أي: ضمان المشتري، (إن تلف ما عدا المبيع) (ما) هنا اسم موصول بمعنى (الذي)، و(عدا) بمعنى: جاوز، أو بمعنى: سوى؛ يعني: إن تلف ما سوى المبيع بكيل ونحوه؛ وهو الوزن والعد والذرع، (فمن ضمانه) أي: من ضمان المشتري.
ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» ، فجعل الملك ينتقل بمجرد العقد، والأصل أن الضمان على من انتقل الملك إليه؛ لحديث: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» ؛ يعني: من له غنم شيء فعليه غرمه، فكما أن الملك للمشتري وله غنم المملوك فعليه أيضًا غرمه، فإذا تلف ما عدا المبيع السابق -وقد عددناهم سبعة أصناف، أليس كذلك؟- فهو من ضمان المشتري.
قال المؤلف: (ما لم يمنعه بائع من قبضه) (يمنعه) الهاء تعود على المشتري؛ يعني: إلا إذا منعه المشتري من قبضه، فإنه يكون من ضمان البائع.
مثال ذلك: باع عليه سيارة؛ السيارة ليست بكيل، ولا وزن، ولا عدٍّ، ولا ذرع، ولا رؤية سابقة، ولا صفة، باعه عليه في المكان، فأراد المشتري أن يأخذها فقال البائع: لا؛ منعه، فهنا الضمان على البائع، لكنه يضمنها ضمان غصب، ومعنى ضمان غصب: أن عليه أجرتها مدة منعه إياها، وأنها لو تلفت ضمنها بقيمتها وقت التلف لا بما وقع عليه العقد، وإذا ضمنها ضمان غصب بما تساوي وقت التلف فإنه يضمنها بقيمتها، سواء زادت على ثمنها أم نقصت، فإن زادت فالأمر ظاهر؛ لأن الغنم لمن؟ الغنم للمشتري، فزيادة سعرها من مصلحته، فإذا قدَّرنا أنه اشتراها بخمسين ألفًا ومنعه البائع من قبضها، واحترقت وكانت تساوي حين الاحتراق ستين ألفًا، كم يضمن البائع؟ ستين ألفًا، وهذا واضح؛ وذلك لأن المشتري له غنمها وعليه غرمها، وهذا الرجل يضمنها ضمان غصب.
فإن كانت حين احتراقها لا تساوي إلا أربعين، فهل يضمنها بأربعين أو بخمسين؟
طالب: بأربعين.
الشيخ: إذا قلنا: ضمان غصب فإنه قد اختلف العلماء هل نقص السعر مضمون على الغاصب أو لا؟ فإن قلنا: إنه مضمون على الغاصب فإنه يضمنها بخمسين، وإن قلنا: ليس بمضمون فإنه لا يضمنها إلا بأربعين، لكن ينبغي أن يقال: إنه يضمنها بخمسين على كل حال؛ لأنه معتدٍّ بمنعها.
وقوله: (ما لم يمنعه بائع من قبضه) يُفْهَم منه أن من كان ضمانه على شخص فمُنِعَ منه عاد الضمان على المانع؛ لأن الضمان فيما عدا ما بيع بكيل ونحوه من ضمان من؟ المشتري، إلا إذا منعه البائع.
والعكس كذلك؛ يعني: فيما سبق أنه من ضمان البائع إذا سلَّمه البائع للمشتري ولكن المشتري أبى؛ قال: ما أستلم، انتظر، اصبر، ثم تلف، فإن الضمان حينئذٍ يكون على المشتري؛ لأن البائع قد بذله، ولكن هذا امتنع، والبائع يقول: ما لي ولك؟ أنت الآن وضعته عندي على سبيل الوديعة، فضمانه عليك، وأنا قد بذلته.
وهذه تجري كثيرًا، ربما يكون المشتري لم يهيئ مكانًا للسلع، أو أراد أن يضار البائع بشغل مكانه بسلَعِهِ التي باعها، فحينئذٍ نقول: إنه من ضمان المشتري؛ لأنه هو الذي امتنع من قبضه الواجب عليه.
فصار البائع إذا منع المشتري من قبض ما يجب عليه إقباضه فالضمان عليه، وكذلك إذا امتنع المشتري من قبض ما يجب عليه قبضه فإن الضمان ينتفي عن البائع حتى في الأمور التي ضمانها على البائع.
فإذا باع عليه برًّا وكال له، ثم قال له البائع: ياللا امشِ كل، ولكنه امتنع قال: انتظر، انتظر، ثم تلف، فالضمان على المشتري وليس على البائع؛ لأن البائع بذل ما يجب عليه والمشتري هو الذي تأخر وفرَّط، ولأنه ربما يؤدي ذلك إلى المضارة بالبائع؛ بحيث يحبس المبيع عنده حتى يتضرر بشغل مكانه.
يقول: (ما لم يمنعه بائع من قبضه) وسبق لنا أن المبيع برؤية أو صفة من ضمان من؟ من ضمان البائع، وأن الثمر على رؤوس النخل كذلك من ضمان البائع.
ثم قال المؤلف مبينًا ما يحصل به القبض فقال: (ويحصل قبض ما بيع بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع بذلك) المشار إليه ما سبق، فما بيع بكيل يحصل قبضه بكيله، ووزن بوزنه، وعَدٍّ بعده، وذرع بذرعه، ولا يكفي أن تستولي يد المشتري عليه، فلو فُرِضَ أن المشتري قبضه وهو مبيع مكايلة، ولكنه لم يكله، فإنه لم يقبضه حقيقة؛ لأنه لا يُقْبَض إلا بالاستيفاء؛ بكيل ما يكال، ووزن ما يوزن، وعدِّ ما يعد، وذرع ما يُذْرَع.
وظاهر كلام المؤلف أنه إذا حصل الكيل والوزن والعد والذرع جاز التصرف فيه وإن لم ينقله عن مكانه؛ لأنه حصل القبض، ولكن سبق لنا أن القول الراجح أن السلع لا تُبَاع حيث تُبْتَاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم، وعلى هذا فلا يكفي الكيل حتى يقبضه، فيكون ما بيع بكيل أو وزن أو عَدٍّ أو ذرع بذلك لا يتم قبضه إلا بأمرين؛ الأول: حيازته، والثاني: استيفاؤه بالكيل أو الوزن أو العد أو الذرع. هذا هو القول الراجح في هذه المسألة.
أما على كلام المؤلف -وهو المذهب- فيقولون: متى حصل الكيل ولو في مكانه فهذا قبض، والوزن ولو في مكانه فهذا قبض، والعد ولو في مكانه فهذا قبض، والذرع ولو في مكانه فهذا قبض.
قال: (وفي صُبْرة وما ينقل بنقله) الصبرة: هي الكومة من الطعام، (وما يُنْقَل) مثل: الثياب والحيوان والسيارات وما أشبه ذلك، يحصل قبضها بنقلها؛ لأن هذا هو العرف.
(وما يُتَنَاول بتناوله) يعني: ما يتناول بالأيدي فإنه يحصل القبض بتناوله؛ مثل: الدراهم، الجواهر، الساعات، الأقلام، هذه نقلها بماذا؟ باليد؛ يناولها صاحبها.
(وغيره بتخليته) يعني: ويحصل قبض غير هذه الأشياء بالتخلية، ومعنى التخلية: أن يخلي بين المبيع وبين المشتري، فيسلمه المفتاح -مثلًا- في البيت، وينتقل عن الأرض في الأرض، وما أشبه ذلك. المهم أنه يخلي المبيع للمشتري.
وإذا قال قائل: لو يُرْجَع في ذلك إلى العرف لكان صحيحًا ما دام لا يحتاج إلى حق استيفاء؛ أي: لا يحتاج إلى كيل أو وزن أو عد أو ذرع، ونرجع إلى العرف، فما عدَّه الناس قبضًا فهو قبض، وما لم يعدوه قبضًا فليس بقبض، لكن المؤلف رحمه الله عيَّن ما ذكره بناءً على أن هذا هو العرف في هذه الأشياء.

***

ثم قال رحمه الله: (والإقالة فسخ) الإقالة: هي أن يُقِيل البائع المشتري أو يُقِيل المشتري البائع. ومعنى الإقالة: ألَّا يلزمه بالعقد فيفسخه.
وحكمها التكليفي أنها سنة، وحكمها الوضعي أنها فسخ؛ لأنكم قرأتم في أصول الفقه أن الأحكام نوعان: تكليفية ووضعية، فحكمها التكليفي أنها سنة، ولكن هي سنة في حق المُقِيل، ومباحة في حق المستقيل؛ يعني: فلا بأس أن تطلب من صاحبك أن يُقِيلك، سواء كنت البائع أم المشتري. أما في حق المقيل فهي سنة؛ لما فيها من الإحسان إلى الغير، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
فعليه إذا جاءك أخوك نادمًا وقال: أنا اشتريت منك هذا الشيء وليس بيننا خيار، والعقد لازم، لكني ندمت، فأرجو منك أن تفسخ العقد، فإننا نقول: يُسَن لك أن تفسخ رجاء هذا الثواب؛ أن الله تعالى يقيل عثرتك يوم القيامة.
ثم إن من المشاهد المحسوس أن الغالب أن الإنسان إذا أقال أخاه فإن الله تعالى يبارك له في المبيع وتزداد قيمته، وكم من أناس أقالوا بيعاتهم، ثم ارتفعت الأسعار فباعوها بأكثر من ثمنها الأول، وهذا جزاء دنيوي مقدم.
أما بالنسبة للمستقيل فهي مباحة لا حرج فيها، وليست من السؤال المذموم، ونظيرها العارية مباحةٌ للمستعير سنةٌ للمعير، والعلة في هذا أنها إحسان.
قال: (هي فسخ) هذا حكمها الوضعي؛ يعني: أنها فسخ لا بيع، فليست ابتداء عقد، وإنما هي فسخ؛ يعني: إلغاءً للعقد السابق. هذا معنى قوله: إنها فسخ، وليست تجديد عقد؛ ولهذا لا يُشْتَرط فيها ما يُشْترط في البيع، فتجوز -كما سيذكر المؤلف رحمه الله- (تجوز قبل قبض المبيع) ولو كان المبيع مكيلًا أو موزونًا.
فلو باع شخص على آخر كيسًا من البر؛ كل صاع بدرهم، فإنه لا يجوز أن يبيعه على أحد ولا على بائعه نفسه حتى يقبضه بالكيل، لكن لو استقال من البيعة وأقاله البائع صح، لماذا؟ لأنها ليست بيعًا، بل هي فسخ؛ أي: إلغاء للعقد الأول، فيُرَد ما كان على ما كان عليه، ولو قلنا: هي بيع ما جاز أن يقيله حتى يقبضه ويستوفيه؛ ولهذا قال: (تجوز قبل قبض المبيع).
(بمثل الثمن) أي: أنها لا تجوز إلا بمثل الثمن، فلا تجوز بزيادة ولا نقص، ولا اختلاف نوع أو اختلاف جنس.
مثال ذلك: اشترى هذا هذه السيارة بمئة دينار، ثم ندم المشتري وقال للبائع: أقلني، فقال: أقيلك بشرط أن تعطيني بدل الدنانير دراهم، فالإقالة هنا لا تصح، لماذا؟ لأنه أقاله بغير مثل الثمن -أقاله بنوع آخر- فلا يصح؛ إذ إنها انتقلت من الفسخ إلى المعاوضة والمصارفة.
إذا اشترى هذه السيارة بخمسين ألفًا، ثم عاد إلى البائع وقال: أقلني، فقال: أقيلك بشرط أن تعطيني خمسة آلاف ريال، أتجوز؟ لا تجوز؛ لأنها زادت على الثمن، الآن ستكون القيمة خمسة وخمسين ألفًا، فلا تصح، قال الإمام أحمد رحمه الله: لأنها تشبه العينة؛ حيث ربح البائع على المشتري.
وكذلك أيضًا لو أن البائع طلب من المشتري الإقالة، فقال: أقيلك على أن تعطيني كذا وكذا -زيادة على الثمن- فإنه لا يجوز؛ لأنها تشبه العينة؛ حيث زِيدَ على الثمن.
ولكن القول الراجح أنها تجوز بأقل وأكثر؛ وذلك لأن محظور الربا في هذا بعيد
، ليست كمسألة العينة؛ فإن مسألة العينة محظور الربا فيها قريب، أما هذه فبعيد، وقد قال ابن رجب رحمه الله في القواعد: إن عن أحمد رواية تدل على جواز ذلك؛ حيث استدل ببيع العربون الوارد عن عمر رضي الله عنه، وقال: هذا مثله، قال: الإقالة بعوض مثله.
وعليه فيكون هناك رواية أومأ إليها الإمام أحمد بجواز الزيادة على الثمن والنقص منه، وهذا هو القول الراجح، وهو الذي عليه العمل؛ عمل الناس، وهو من مصلحة الجميع؛ وذلك لأن البائع إذا أقال المشتري فإن الناس سوف يتكلمون ويقولون: لولا أن السلعة فيها عيب ما ردها المشتري، فيأخذ البائع عوضًا زائدًا على الثمن من أجل جبر هذا النقص.

***

وقع في درس الزاد المطبوع خطأ؛ حيث أبدلت كلمة (المشتري) ووضع مكانها (البائع) صفحة ثمانية وعشرون.
طالب: إذا باع عليه برًّا، ثم قال للبائع خذه، ولكن قال له (البائع) انتظر.
الشيخ: (المشتري)، ولكن قال المشتري.
الطالب: وقبلها يا شيخ: أو أراد أن يضاد باعها على سعرها، (...) أن يضار.
الشيخ: هذه أيضًا تصلح، أن يضار. بارك الله فيكم، هكذا ينبغي التعاون على البر والتقوى؛ لأنكم تعرفون اللي يطبع يمكن يستعجل ويخطئ، لكن إذا حصل تنبيه طيب. فيه شيء بعد؟
طالب: من الفسخ إلى المعارضة، وهي المعاوضة؟
الشيخ: المعاوضة، آخر سطر؟
الطالب: الصفحة ثلاثين، السطر ثلاثة عشر.
الشيخ: الصفحة ثلاثين، السطر ثلاثة عشر، من فوق ولَّا من أسفل؟
الطالب: لو عددت من فوق أو من أسفل كله واحد.
الشيخ: ستة وعشرون هي؟ إي، طيب.
يقول: المعارضة، والصواب: المعاوضة.

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله تعالى: والإقالة فسخ، تجوز قبل قبض المبيع بمثل الثمن، ولا خيار فيها ولا شفعة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا معنى الإقالة، ما هي؟ ما معنى الإقالة؟
طالب: هي أن يرجع المشتري فيما اشتراه، أو يرجع البائع فيما باعه.
الشيخ: يرجع المشتري فيما اشتراه؟!
الطالب: المشتري يطلب من البائع أن يرجع فيما اشتراه.
الشيخ: يعني: فسخ العقد، الإقالة: فسخ العقد.
الطالب: (...).
الشيخ: نعم. ما حكمها؟
طالب: جائزة.
الشيخ: جائزة؟!
طالب: سنة.
الشيخ: سنة؟! خطأ.
طالب: تفصيل.
طالب آخر: هي بالنسبة للمستقيل جائزة، وبالنسبة للمقيل مستحبة.
الشيخ: طيب، يعني: بالنسبة لطالب الإقالة جائزة، وبالنسبة للمقيل سنة؛ لما فيها من الإحسان إليه.
هل هي فسخ أو بيع؟
طالب: هي فسخ.
الشيخ: فسخ. هل يترتب على قولنا: فسخ أو بيع أحكام؟
طالب: يترتب عليها، مثلًا تجوز أنها تكون بعد أذان الجمعة الثاني، أما أن يكون بيع فلا يجوز.
الشيخ: هذا واحد، وهذا لم يذكره المؤلف وأنت ذكرته، وتركت ما ذكره المؤلف.
طالب: الإقالة يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، هل هناك فرق بين قولنا: بيع أو فسخ؛ يعني هل يترتب هناك أحكام على ذلك؟
الطالب: تترتب عليه أحكام.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: الفسخ يُشْتَرط فيه..، البيع يُشْتَرط فيه (...).
الشيخ: إي، وهذه يجبر على الإقالة.
هل تعرف أن الإقالة فسخ ولَّا بيع؟
طالب: لا أعرف.
الشيخ: لا تعرف، طيب، لا بأس.
طالب: تجوز قبل القبض.
الشيخ: قبل أيش؟
الطالب: قبض المدين.
الشيخ: تجوز قبل قبض المدين، ولو كانت بيعًا؟ ما جازت فيما يُشْتَرط للتصرف فيه القبض ولَّا لا؟
طالب: على الراجح أنه..
الشيخ: خلي على الراجح، اللي على كلام المؤلف.
طيب، يعني باع عليه برًّا بكيل ثم أقاله، إن قلنا: إنها بيع لا يجوز حتى يكيله، وإذا قلنا: إنها فسخ جاز، والصواب أنها فسخ؛ لأنها رجوع؛ رجوع في العقد.
هل تجوز بأقل من الثمن؟
طالب: نعم تجوز، (...).
الشيخ: لا، نبغي كلام المؤلف.
الطالب: على كلام المؤلف لا يجوز.
الشيخ: لا تجوز؟
الطالب: إي نعم، (...).
الشيخ: بثمن المثل.
الطالب: أن يكون بثمن المثل.
الشيخ: أيش بثمن المثل؟
الطالب: بالثمن الذي تعاقدا عليه..
الشيخ: بالثمن الذي وقع عليه العقد.
ما هو القول الراجح في هذه المسألة؟
طالب: الراجح أنها تجوز بأقل من الثمن أو أكثر.
الشيخ: تجوز بأقل من الثمن وأكثر
.
ألا يكون هذا نقلًا لها من الفسخ إلى المعاوضة؟
الطالب: بعيدة عن مسألة العينة (...).
الشيخ: الجواب أن نقول: وإن كانت معاوضة فهي عوض عن تنازله عن حقه، ولأنه إذا أقيل ربما يكون ذلك سببًا لنقص قيمة السلعة
.

***

يقول: (ولا خيار فيها ولا شفعة) (ولا خيار فيها) أي: ليس في الإقالة خيار، و(خيار) نكرة في سياق النفي فتشمل خيار العيب وخيار الشرط وغير ذلك؛ لأنها ليست بيعًا، وإنما هي استرجاع للعقد أو رجوع في العقد، فلو أقاله وبعد أن أقاله في مجلس الإقالة رجع، فهل له ذلك؟ أجيبوا يا جماعة.
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟ لأنها ليست بيعًا، فليس فيها خيار، يقال: أنت الآن أقلته، وانفسخ العقد، ولا يمكن أن ترجع فيها؛ لأنه ليس فيها خيار.
(ولا شفعة) يعني: ليس فيها شفعة، والشفعة معناها: انتزاع حصة الشريك إذا باعها على آخر.
مثال ذلك: رجلان بينهما أرض، فباع أحدهما نصيبه منها، فلشريكه أن يشفع؛ أي: أن يضم هذا السهم إلى نصيبه فيأخذه من المشتري قهرًا. تصورتم المسألة؟
رجلان بينهما أرض هما شريكان فيها؛ زيد له نصفها وعمرو له نصفها، فباع عمرو نصيبه على بكر، فلزيدٍ أن يأخذ هذا النصيب من بكرٍ، وهذه شفعة. وسميت شفعة؛ لأنه ضم هذا النصيب إلى نصيبه، فشفعه إليه. هذه هي الشفعة.
فلو أن زيدًا باع على عمرو، ثم بعد أن باع على عمرو جاء شريك زيدٍ ليأخذها من عمرو، له الحق في ذلك أو لا؟ له الحق، لكنه قال: لا آخذها بالشفعة؛ لأن عمرًا رجل حبيب إليَّ ولا آخذها منه، وأبقاها مع عمرو، ثم إن عمرًا جاء إلى الذي باعها عليه وقال: إني نادم وأريد أن تقيلني، فأقاله البائع، فهل لشريكه أن يأخذ بالشفعة؟
طالب: لا، على كلام المؤلف (...).
الشيخ: أنتم فاهمون السؤال جيدًا؟
طيب، نعيده مرة ثانية: زيدٌ وعمرٌو شريكان في أرض، فباع عمرٌو نصيبه على بكرٍ، من الذي له حق الشفعة؟ زيد، لكن زيدًا قال: إن بكرًا حبيبٌ إليَّ ولا أريد أن آخذها بالشفعة، فأسقط حقه من الشفعة، ثم إن بكرًا جاء إلى عمرو وقال له: إني نادم وأحب أن تقيلني، فأقاله، أقاله من؟ أقال عمرٌو بكرًا، فهل لزيدٍ أن يأخذها من عمرو بالشفعة؟ لا، لماذا؟ لأن الإقالة فسخ.
لو أن بكرًا باعها على عمرٍو؛ يعني أن زيدًا لم يأخذها بالشفعة من بكرٍ، ثم إن بكرًا باعها على عمرو بيعًا جديدًا، فهل لزيدٍ أن يأخذها بالشفعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم.
إذن قول المؤلف: (لا شفعة) يعني: أنه لو أقيل المشتري الذي أسقط الشريك شفعته عنه فإنه لا يرجع بالشفعة؛ لأنها ليست بيعًا، واضح؟
طالب: ما هو واضح.
الشيخ: ما وضحت، طيب، الآن يا حامد بينك وبين سعد أرض أنصافًا، فباع سعدٌ على سامح نصيبه، هل لك أن تأخذ النصيب من سامح بالشفعة؟ لك ذلك؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب، لكنك أنت لم تأخذ النصيب من سامح؛ لأنك تقول: هذا رجل فاضل وحبيبٌ إليَّ ما آخذ منه الشفعة، خلوه، ما دام اشتراه اشتراه، ولكن سامحًا رجع إلى سعدٍ وقال: أقلني، أنا هونت، فقال سعد: مرحبًا، خذ هذه الدراهم وأعطني نصيبي، هل لك أن تأخذ من سعدٍ هذا النصيب بالشفعة؟
طالب: على قول المؤلف..
الشيخ: اترك قول المؤلف، على حسب ما قررنا، ما بعد وصلنا للترجيح، أنت ما فهمت المسألة حتى ترجح، الآن هل تأخذها ولَّا لا؟
طالب: آخذها.
الشيخ: إي، أنت فاهم الآن؟
الطالب: (...).
الشيخ: زين، أنت الآن فهمت أن سعدًا اللي هو شريكك إذا باع على سامح تأخذ النصيب ويكون كل الملك لك، فهمت هذا ولَّا لا؟ طيب، لكن سامح وسعد تسامحا ورجعت إلى سامح، هل تأخذها من سعدٍ أنت بالشفعة ولَّا لا؟ لا تأخذها.
لو أن سامحًا باع على سعدٍ من جديد؛ يعني أن سعدًا قال لسامح: أنا واللهِ الحقيقة أرغب أن تبيع عليَّ، وباع عليه، باع سامح على سعد، هل تأخذها بالشفعة أو لا؟ تأخذها.
إذن تبين أن الإقالة ليس فيها شفعة، لماذا؟ لأنها ليست بيعًا.
المهم الآن نرجع إلى البحث نقول: الإقالة في حق الطالب حكمها؟
طلبة: جائزة.
الشيخ: وفي حق المقيل سنة؛ لما فيها من الإحسان؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
هل هي بيع؛ يعني: تجديد عقد أو هي رجوع في عقد سابق؟ الثاني؛ ولهذا نقول: إنها فسخ، فلا يترتب عليها أحكام البيع، فليس فيها خيار، وليس فيها شفعة، وتجوز قبل قبض المبيع فيما يشترط لصحة بيعه قبضه.

***

باب الربا والصرف
01:28:21

ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الربا والصرف).
الربا في اللغة: الزيادة، ومنه قوله تعالى: فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ [الحج: ٥] أي: زادت، إذا أنزلنا على الأرض الماء اهتزت وربت؛ يعني: اهتزت بأشجارها وعشبها، وَرَبَتْأي: زادت، وليس المراد الأرض نفسها، بل المراد ما ينبت فيها، فمعنى ربت؛ أي: زادت.
وأما شرعًا فهو: الزيادة في بيع شيئين يجري فيهما الربا.
إذن ليس كل زيادة ربًا في الشرع، وليس كل زيادة في بيع ربًا إذا كان المبيعان مما تجوز فيه الزيادة، فلو بعت سيارة بسيارتين فلا بأس، وكتابًا بكتابين فلا بأس؛ لأنه ليس كل زيادة تكون ربًا، بل الزيادة التي تكون ربا هي ما إذا وقع العقد بين شيئين يحرم بينهما التفاضل، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك.
حكم الربا أنه محرم بالقرآن والسنة وإجماع المسلمين، ومرتبته أنه من كبائر الذنوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه ، ولأن الله تعالى قال: وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢٧٥]، وقال تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [البقرة: ٢٧٩]. فهو من أعظم الكبائر، والإجماع على تحريمه؛ ولهذا من أنكر تحريمه ممن عاش في بيئة مسلمة فإنه مرتد.