نقول: الأرض قد تكون لغير الْمُسْتَدِين، يكون المستدين مجرد زارع، وكذلك الشجر
قد تكون لغير المستدين، المستدين فلَّاح ليس له إلا الثمرة، والشجر لِمَنْ؟ لمالك
الأرض، فلا يمكن.
نعم لو أمكن بأن يكون المستَدِين هو مالك الأصل والفرع، قلنا:
لا بأس، ارهن الشجرة وتدخل فيها الثمرة، أو ارهن الأرض ويدخل فيها الزرع، أما ألَّا
يكون له ملك في الأرض، ولا ملك في الشجرة، هذا لا يصح.
لكن كما قلت لكم: عمل
الناس اليوم على خلاف ذلك، يأتي الفلاح ويقول للتاجر: أنا أريد أن أحرث في هذه
الأرض، وأريد أن تُدَيِّنَنِي وأرهنك الزرع، فيعطيه هذا.
وإذا تأملت وجدت أنه
ليس في الشرع ما يمنع ذلك؛ لأن المعاملات الممنوعة -كما قال شيخ الإسلام رحمه الله،
وقوله صحيح- مبناها على ثلاثة أشياء: الظلم، والغَرَر، والْمَيْسِر، فإذا وَجَدْتَ
معاملة تشتمل على واحد من هذه الأمور الثلاثة فاعلم أن الشرع لا يقرها.
وأما ما
عدا ذلك مما ينفع الناس ويُسَيِّرُ أحوالهم فاستَعِن بالله وأَفْتِ بحله، حتى يتبين
لك التحريم، وأنت إذا أفتيت بِحِلّ ما لم يتبين تحريمه فأنت على حق، لماذا؟ لأن
الأصل في المعاملات الحِلّ، وأنت يوم
القيامة سوف يسألك الله -عزّ وجل-: لماذا حَرَّمت على عبادي ما لم أُحَرِّمه؟ أيش
جوابك؟ ما عندك جواب.
لكن لو أَحْلَلْت لهم شيئًا لا تعلم أنه حرام قلت: يا رب،
مشيت على قاعدة شرعية؛ أن الأصل الإباحة، كُلُّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل،
وليس في كتاب الله بطلان هذا الشرط، والْمُسْلِمُونَ عَلَى
شُرُوطِهِمْ، ويَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: ١].
فالإنسان في هذه المسألة بالذات ينبغي أن
يُغَلِّب جانب الحِلّ؛ لأن تحليل المحرَّم أهون من تحريم الحلال؛ لأن تحليل
المحرَّم في المعاملات مبني على أيش؟ على أصل، لكن تحريم الحلال مبني على غير أصل،
وفيه تضييق على العباد بدون برهان من الله عزّ وجل.
ونحن نقول: هذه القاعدة -إن
شاء الله- مفيدة، وتنفعنا وتنفع غيرنا، لكن عسى الناس يمشون على هذا، الناس الآن
بدؤوا يتفلَّتون، والحلال ما حلَّ باليد، أو هذا يسمونه تأمينًا تعاونيًّا، وجاءنا
في هذه الأيام وقبل خمس سنوات ما يسمى بالصاروخ، بالدولار الصاروخي أظن، ورقة
وُزِّعَت على الناس، يقولون (...) ويجيك أربعين ألف دولار، ويش لون خدوا الورقة
هذه؟
طالب: منتشر.
الشيخ:
منتشر.
على كُلِّ حال بدأ الناس الآن يظهرون علينا بمعاملات تحتاج إلى تأملٍ
كبير، هل تنطبق على الشريعة الإسلامية، أو هي لعبة من اللعب، أو ماذا؟!
طالب: القول يا شيخ: (ويجـوز رهنُ المبيعِ غيرِ المكيلِ
والموزونِ).
الشيخ: نعم.
الطالب: (...) لا يجوز مكيل بموزون؟
الشيخ: داخلة في هذا؛ المعدود والمذروع داخل في هذا.
طالب: المبيع (...)؟
الشيخ: ما أدري
عن هذه، تحتاج إلى تأمل، لكن المعدود والمذروع داخل في هذا.
طالب: إذا أفتى مجتهدٌ
-يعني من له حق الاجتهاد- بصحة عقد فبان خلافه، فاحتج المشتري بأن هذا العقد باطل،
يريد الإقالة بسبب هذا ..
الشيخ: ما حصل.
الطالب: له ذلك يا شيخ.
الشيخ: لا أبدًا، ولا له كذلك، هذا
المشتري ينبغي أن يُؤدَّب.
الطالب: يجري العقد
صحيحًا.
الشيخ: ما دام من الأول قبله، ليش أول ما تبين
له أنه خسران يروح يدَّعِي، مثل بعض الناس الآن يتعاملون مع البنوك، ولما صار عليه
مليونان، ثلاثة ملايين قال: أعوذ بالله من الربا، لعن الله آكل الربا ومُوكِلَه،
اليوم ملعون وأمس مَرْضِيّ عنه؟! سبحان الله، أعوذ بالله! هؤلاء يتلاعبون بدين
الله.
رأينا في هذا ألَّا نُمَكِّن البنك من الربا، ولا نُمَكِّن هذا من
التلاعب، نقول: سلِّم اللي أنت اتفقت عليه مع البنك، ونأخذه ونحطه في بيت المال،
نأخذه ونجعله في بيت المال، نَحْرِم المرابي اللي هو البنك؛ لأنه أخذه بغير حق،
ونمنع هذا من التلاعب، ولَّا ويش لون بالأمس حلال ويوم هو انتفع وقضى حاجته وكل شيء
جاءنا يتباكى، وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ [يوسف: ١٦]، يقول: والله هذا حرام، ونبرأ إلى الله (...).
طالب: إذا ما فَرَّط؟
الشيخ: أبدًا
ما يرجع، ما دام أنه باع أو اشترى بناءً على فتوى هذا المجتهِد أنه صحيح فلا حق له
بعد ذلك في الرجوع، لا سيما ما دامت المسألة اجتهادية ما تخالف نصًّا
قاطعًا.
طالب: يا شيخ، هل يصح الرهن في الزروع في الثمار المختفية في الأرض، يعني زي
البطاطس مثلًا مع أن فيها نوعًا من الغَرَر.
الشيخ: إي، هذا الغَرَر يقول العلماء، على
القول الراجح، وإلَّا فيه الخلاف، بعض العلماء يقول: ما نستطيع أن (...)، يعني الفجل والبصل والثوم
لا يصح بيعه وهو في باطن الأرض، والصحيح بيعه، وأن ما ظهر منه يدل على
ما بطن، وأن الغَرَر المترقَّب فيه غَرَرٌ يسير، يعني يعرِفُه أهل الخبرة، فالصواب
بيع ذلك، وما زال المسلمون على هذا، وإذا صح بيعه صح؟
طالب: رهنه.
الشيخ:
نعم.
الطالب: من
رهن زرعًا أو ثمارًا قبل بُدُوّ صلاحها، ثم بَدَا صلاحها، (...).
الشيخ: مَن المالك؟
الطالب: المالك
الراهن.
الشيخ: الراهن؟ عليه هو.
الطالب: (...).
الشيخ: الحصاد على
الرهن.
الطالب: إذا أخذ ثمر الراهن.
الشيخ: لا يا أخي، يحصده (...) المرتهن.
الطالب: وليس (...).
الشيخ:
الْخِرْبِزَّة وغيرها، ويش هي الخربزة؟!
الطالب: ما
عندهم وقت، قليل، حتى ..
الشيخ: تُبَاع في الحال، وياخد
دراهمه.
الطالب: (...).
الشيخ: إي، هذه.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، رهن ما لا يُتَيَقَّن
سلامته، مثل رهن الحمل في البطن، أو رهن التجارة في البحر، هل
تصح؟
الشيخ: هو
على كل حال، إحنا ذكرنا لكم قاعدة في قواعد الفقه، تستحضرونها؟
طالب: نعم.
الشيخ: قلنا لكم: إن
عقود التوثقة والتبرعات أيش؟ أسهل من عقود المعاوضة؛ لأن هذه إن حصلت فمَغْنَم، وإن
فاتت فلا مَغْنَم فيها، فإذا رهنه شيئًا في البحر، نقول: يصح الرهن، إن نجا فهذا
خير للجميع، وإن هلك فدَيَنْهُ باقٍ، فباب التوثيقات اعلموا أنه أهون وأوسع من باب
التبرعات، ولهذا من قرن باب التبرعات والتوثيقات بباب المعاوضات فقد
أخطأ.
***
وَلا يَلْزَمُ الرَّهنُ إلا بالقبض، واستدامَتُه شَرْطٌ، فإن أخرجه إلى الراهِن باختياره زَال لُزُومُه، فَإِنْ رَدَّه إليه عاد لُزُومُه إليه، ولا يَنْفُذ تصرفُ واحدٍ منهما فيه بغير إذن الآخر، إلا عِتْقَ الراهنِ فإنه يصحُّ مع الإثم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
هل عقد الرهن لازم أو جائز؟
طالب: جائز.
الشيخ: ما هو معنى جائز، يعني هل هو جائز شرعًا، لكن هل هو من العقود الجائزة أو من العقود اللازمة؟
طالب: لازم من جانب جائزٌ من جانبٍ آخر.
الشيخ: فَسِّر.
الطالب: فهو لازم من جانب الراهن، وجائز من جانب المرتَهِن.
الشيخ: نعم، عَلِّل.
الطالب: لأن الرهن حق المرتَهِن، فله أن يتنازل عن حقه إن تراجع، إن رأى ذلك.
الشيخ: نعم.
الطالب: أما من جانب الراهن فهو توثقةٌ لدَيْنٍ عليه، فهو لازم له حتى يتوثق المرتَهِن من دينه.
الشيخ: تمام، ما معنى قول المؤلف: (يصحُّ رهنُ الْمُشَاعِ)؟
طالب: يعني إذا كان هناك شيء مشاع فإنه يصح رهنه.
الشيخ: ويش معنى مشاع؟
الطالب: أن يكون بين اثنين أو ثلاثة على وجه غير مُمَيّز.
الشيخ: يعني مشترك، المشاع المشترك، يصح رهنه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ولو بغير إذن شريكه؟
الطالب: ولو بغير إذن شريكه.
الشيخ: طيب.
الطالب: لأنه يصح بيعه.
الشيخ: إي نعم، لأنه يصح بيعه، وما صح بيعُه صحَّ رهنه، هل القاعدة أن كل ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه مطلقًا؟
طالب: (...).
الشيخ: نعم، لماذا؟
الطالب: لأن للمرتَهِن أن يأخذها، إذا بدا صلاحها باعه، إن لم يَبْدُ صلاحها انتظر حتى يبدو صلاحها ثم باعها.
الشيخ: تمام، بخلاف البيع فإنه ناقل الملك، هل كُلُّ ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه؟
طالب: كل ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه؟
الشيخ: نعم.
الطالب: لا، الْمَكِيل والموزون.
الشيخ: نعم.
الطالب: المكيل والموزون لا يصح رهنه.
الشيخ: لا يصح رهنه، ويصح؟
الطالب: العكس، يصح رهنه ولا يصح بيعه قبل قبضه.
الشيخ: إي، يصح رهنه ولا يصح بيعه قبل قبضه، حتى لو على ما هو عليه؟ يعني حتى على البائع؟
الطالب: على كلام المؤلف نعم.
الشيخ: نعم.
***
(لا يلزم) أي: في حق مَن هو لازم في حقه وهو الراهن، (لا يلزم الرهن إلا بالقبض)، القبض من المرتَهِن، يعني لا بد أن يقبض المرتهنُ الرهن، فإن لم يقبضه فالعقد صحيح، ولكنه ليس بلازم.
دليل هذا قول الله تبارك وتعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة: ٢٨٣]، فوصفها بأنها مقبوضة.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» ، أخرجه البخاري، وهذا يدل على أن المرتَهِن يقبض الرهن، وعلى هذا فإذا رهن شخصٌ بيتًا بدَيْنٍ عليه ولكن المرتهن لم يقبضه فله أن يبيع البيت، أي: للراهن أن يبيع البيت ويتصرف فيه، لماذا؟ لأن الرهن لم يلزم إلا بالقبض، ولا قبض هنا، وهذا أحد القولَيْن في هذه المسألة.
والقول الثاني: أنه يلزم بالعقد في حق مَن هو لازم في حقه، بدون قبض.
ودليل ذلك قول الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: ١]، وهذا يدخل فيه عقد الرهن، سواء قُبِض المرهون أم لم يُقْبَض.
وقوله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا [الإسراء: ٣٤]، ولأن جميع الناس يستقبحون هذا، أي أن يرهنه ويعطيه الثقة، ثم بعد ذلك يبيع ويفسخ الرهن، وهذا القول هو الراجح؛ للأدلة التي سمعتموها.
وأما قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌفليقرأ الإنسان ما بعدها، حيث قال: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [البقرة: ٢٨٣]، يعني بدون قبض، وإنما نص الله على القبض في المسألة الأولى؛ لأنه لا يمكن أن يتمكن من التوثقة حق التمكن إلا إذا قبض، هو على سفر، وليس عندهم كاتب، فبماذا يتوثق من حقه؟ بالرهن المقبوض؛ لأنه إذا لم يقبضه فإنه يجوز للمَدِين أن ينكر الرهن، كما أن الرهن إنما كان من أجل ألا يحصل هناك تناكُر بين البائع والمشتري.
وعلى هذا فنقول: ليس في الآية ما يدل على أن القبض شرط، وإنما يدل على أن القبض من كمال التوثقة؛ لأن الله تعالى ذكره في صورة معينة: إِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ، ثم أعقب ذلك بقوله: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ [البقرة: ٢٨٣].
أما الحديث وهو: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ» ، فهذا نعم، نقول بموجبه، لكن متى؟ إذا قُبِض، ولكن هل هذا يدل على أن القبض شرط للزوم؟ لا، فالصواب الذي عليه عمل الناس من قديم الزمان أنه يلزم بمجرد العقد، ولا يملك الراهن أن يفسخه.
***
هذه زيادة على القبض، يعني استدامة القبض شرط في اللزوم، فلو قبضه المرتَهِن لمدة يوم أو يومين ثم رده على الراهن زال اللزوم؛ لأنه لا بد أن يستمر القبض.
مثال ذلك: رجل رهن سيارته عند إنسان بدَيْن عليه، فقبضها المرتَهِن صاحب الدَّيْن، وبعد مُضِيّ يومين أتى إليه الراهن وقال: أرجو أن تعطيني السيارة؛ لأني أحتاجها، وهي عندك واقفة لا تستفيد منها، قال: نعم، فردها المرتهن إلى الراهن. ففي هذه الصورة يزول لزوم الرهن، وللراهن أن يتصرف فيه، هذا على كلام المؤلف.
ولهذا قال: (فإن أخرجه إلى الراهن باختياره زال لزومه، فإذا رَدَّه إليه عاد لزومه إليه).
وهذا كُلُّه مبني على أن القبض شرط في لزوم الرهن، وأن استدامته شرط كذلك، والصواب خلاف هذا، فليس القبض شرطًا، ولا استدامته شرطًا.
***
(لا ينفذ) يعني: لو أن أحدهما -أي: الراهن أو المرتهن- تصرف فيه بأي تصرف فإنه لا ينفذ، لماذا؟ أما كون الراهن لا ينفذ تصرفه فلأن الرهن مشغول بحق غيره، وتصرفه فيه إبطال لحق الغير، وأما كون المرتَهِن لا يملك التصرف فلأن المرتهن ليس مالكًا، الرهن ملك لمن؟ للراهن، له غُنْمُه وعليه غُرْمُه، فلا يصح أن يتصرف لا الراهن ولا المرتهن في المرهون.
وعلى هذا فيبقى الرهن مُعَطَّلًا، إذا امتنع كُلٌّ منهما أن يأذن للآخر يبقى مُعَطَّلًا، فلو أن الإنسان رهن بيتًا في دَيْن، الدَّيْن خمس مئة ألف، والبيت يساوي أجرةً خمسين ألفًا، فطلب الراهن من المرتهن أن يؤجِّر البيت لينتفع بالأجرة، فأبى المرتهن، أو طلب المرتهن من الراهن أن يؤجِّر البيت فأبى الراهن، فإن البيت يبقى مُعَطَّلًا، لا ينتفع به أحد، وهذا القول كما ترى فيه شيء من إضاعة المال.
والصواب: أنه إذا طلب أحدهما عقدًا لا يضر بحق المرتهن فإن الواجب إجابته، فإذا قال الراهن: أنا أريد أن أُوجِرَ البيت وأنتفع بالأجرة، خمسون ألفًا تمثل قسطًا كبيرًا من الدَّيْن الذي عليَّ، وأبى المرتهن، فإنه يُجْبَر أن يرهن، لكن بشرط على وجه لا يضيع به حق مَنْ؟ حق المرتهن.
فإن كان يضيع به حق المرتهن، مثل أن يطلب الراهن تأجيره على مَن يدمر البيت، يكسر الأبواب، يكسر الزجاج، يَلْحَى البويه وما أشبه ذلك فللمرتهن أن يمتنع؛ لأن ذلك يضر به؛ إذ إن هذا المرهون عند بيعه سوف ينقص، فله أن يمتنع، أما إذا لم يكن هناك نقص فإن الممتنع منهما يُجْبَر؛ لأن في تركه وإهماله إضاعةً للمال وضررًا على الراهن.
يقول المؤلف: (بغير إذنِ الآخر)، وعُلِمَ منه أنه إذا أَذِن أحدهما للثاني أن يتصرف فهو جائز، فإذا قال المرتهن للراهن: أَجِّره مَن شئت، فأَجَّرَه، فلا حرج، ولكن ماذا تكون الأجرة؟ تكون تبعًا للرهن، تُحْفَظ في أي مكان يحفظ فيه الدراهم حتى يحِلّ الدَّيْن، وكذلك إذا أذن الراهن للمرتهن وقال: لا بأس أجِّره، فإنه يُؤَجِّره، وإذا قبض الأجرة أسقط قدرها من أيش؟ من دَيْنِه، وهذا هو المتعيِّن، أعني أنه إذا امتنع أحدهما أُجْبِر، ما لم يكن هناك ضرر على المرتهن.
***
يعني: (إلا عتق الراهن) فإنه ينفذ، ويعتق العبد المرهون، لكن مع الإثم، ويُضَمَّن الراهن قيمته، تكون رهنًا مكانه.
مثال ذلك: رجل استدان من شخص خمسين ألفًا، وأرهنه عبده، ثم إن الراهن أعتق العبد، يقول المؤلف: إعتاقه العبد حرام، لكن العتق ينفذ، أما كون إعتاقه حرامًا؛ فلأنه تصرُّفٌ يسقط به حق المرتهن فكان حرامًا، وأما كونه نافذًا فلقوة سريان العتق، نفذ مع التحريم.
فماذا يكون حق المرتهن؟
يقول المؤلف: (تؤخذ قيمته رهنًا مكانه).
تؤخذ القيمة من أين؟ من الراهن الذي أعتقه، تُؤْخَذ وتُجْعَل رهنًا، ولم يقل: يُؤْخَذ ثمنه؛ لأنه لم يبعه. وعلى هذا فيقوَّم هذا العبد، ثم تُجْعَل القيمة رهنًا مكانه، فإذا كان الراهن ليس عنده شيء، فماذا يصنع؟ يبطل حق المرتهن؛ لأنه ليس عنده شيء، ويبقى الدَّيْن الأصلي في ذِمَّتِه.
وعُلِمَ من قول المؤلف: (إلا عتق الراهن) أن عتق المرتهن لا يصح ولا ينفذ، والعلة: أنه لا يملكه، ليس مالكًا له، فالمرتهن لا ينفذ عتقه مطلقًا.
لو أنك رهنت الأخ هذا المسجِّل ثم بعته بدون رضاه، يصح البيع؟
طالب: هذا يصح.
الشيخ: لا، أنت أخذت دَيْنًا من الأخ وأرهنته هذا المسجل، هل يجوز أن تبيع هذا المسجل؟ لا، لا يجوز؛ لأنه قد تعلق به حق المرتهن، حق الغير، ولو رهنته عبدًا لك فأعتقت العبد ينفذ العتق أو لا ينفذ؟
الطالب: ينفذ.
الشيخ: نعم، هذه، يقول المؤلف: إنه ينفذ.
لو باع هذا العبد، الراهن لم يعتقه لكن باعه؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: يحرُم ولَا يصح.
وعرفتم لماذا نفذ العتق مع التحريم؛ أن العلة قوة سريان العتق، لكن هذا القول ضعيف جدًّا، والصواب أنه لا يصح عتقه؛ أن عتقه حرام ولا يصح.
أما كونه حرامًا فلأن في تنفيذه إسقاطًا لحق المرتَهِن، وأما كونه لا ينفذ؛ فلأنه أمر ليس عليه أمر الله ورسوله، هو حرام، فكيف نقول: حرام، ثم نقول: ينفذ؟! تناقض، مُحَادَّة لله ورسوله، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
وأما قولهم: إن هذا من أجل قوة سريان العتق، فنقول: قوة سريان العتق ما لم يبطل به حق الغير، وإذا بطل فلا يجوز؛ لأنه يكون حينئذٍ محرَّمًا، والعتق عبادة، فإذا وقع على وجه محرَّم كان باطلًا.
فإن أَذِنَ المرتهن للراهن أن يعتقه؟
طالب: إذا أذن المرتهن للراهن أن يعتقه على كلام المؤلف يجوز.
الشيخ: وعلى كلامك؟
الطالب: أيضًا يجوز.
الشيخ: أيضًا يجوز، إذن ما حاجة لنقول: المؤلف؟
الطالب: يمكن يكون فيه استقراء ..
الشيخ: المهم أيش؟ أنه إذا كان اعتاقه إياه بإذن المرتهن فلا إشكال في جوازه ونفوذه.
الخلاصة الآن: تصرُّف الراهن أو المرتهن في الرهن بغير إذن الآخر؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، النفوذ؟
طالب: أيضًا.
الشيخ: لا ينفذ إلا مسألة واحدة، وهي العتق، والصواب أنه لا ينفذ حتى العتق، وعرفتم تعليل ذلك.
***
نماء الرهن مُلْحَق به، كَسْبُه مُلْحَق به، أَرْش الجناية عليه مُلْحَق به، يعني أنه يكون رهنًا.
النماء يكون متَّصلًا ويكون منفصلًا، فإذا رهنه شاةً هزيلة، ثم سمِنت، وزاد لحمها، وكبر جسمها، فهذه الزيادة هل رهن أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لا شك أنها تدخل في الرهن، ولو قلنا: إنها لا تدخل، لقال الراهن للمرتهن: ليس لك إلا قيمته هزيلًا، ولكن الأمر كما قال المؤلف؛ الزيادة المتصلة تلحق، ولا إشكال.
الزيادة المنفصلة أيضًا تلحق، مثاله: رهنه شاة، فحملت الشاة بعد الرهن وولدت، وحملت وولدت، وحملت وولدت، وأولادها وَلَدُوا، فهل الأولاد منها أو من أولادها يتبعون الرهن؟ نعم؛ لأنه نماء.
وكذلك يقال فيما لو رهنه نخلًا، فنما النخل وكبر، فإن النماء يتبع الأصل، وكذلك لو أثمر النخل بعد أن رُهِن فإن ثمرته تكون رهنًا؛ لأنها نماء له.
(كَسْبه) أي: ما اكتسبه؛ الرهن، كعبد اتَّجَر، يعني رهن عبدًا واتَّجَر العبد وكسب، فَكَسْبُ العبد رهن تبعًا لأصله، وكذلك لو أذن الراهن للمرتهن أن يؤجِّر البيت المرهون وأُجِّر فأجرته تكون رهنًا؛ لأن الفرع يتبع الأصل.
الثالثة: (أَرْش الجناية عليه مُلْحَق به)، أيضًا يتبع الرهن، مثال هذا: رَهَنَ شاةً عند إنسان، ثم إن أحدًا من الناس اعتدى عليها وكسر رِجلها ونقصت قيمتها، فإن الراهن صاحب الشاة سوف يأخذ النقص من المعتدي الذي جَنى، هذا النقص الذي أخذه من الجاني يكون رهنًا، وهكذا أيضًا لو كان عبدًا رهنه ثم جَنَى عليه الإنسان فأتلف منه عضوًا فإن دِية هذا العضو تكون رهنًا.
فصار النماء وأيش؟ والكسب وأَرْش الجناية يُلحَق بالرهن، يعني جميع ما يتفرع من الرهن يُلحَق به.
(ومؤونته على الراهن، وكفنه، وأجرة مخزنه).
(مؤونته) يعني طعامه وشرابه، وكسوته إن كان يحتاج إلى كسوة على الراهن؛ لأنه ملكه، فله غُنْمُه وعليه غُرْمه.
مثال ذلك: إذا كان الرهن يحتاج إلى الحراسة، واستأجرنا حارسًا يحرسه، فعلى مَن تكون الأجرة؟
طلبة: على الراهن.
الشيخ: على الراهن؛ لأنه حراسة ملكه، لا يقول قائل: إنه بين الراهن والمرتهن؛ لأن كلًّا منهما سوف يستفيد.
نقول: هذا خطأ؛ لأن الغُرْم بالغُنْم، فمن له غُنْمُ شيء فعليه غُرْمه.
كذلك أيضًا كفنه لو مات، يعني لو كان المرهون عبدًا فمات، إذا مات يحتاج إلى أجرة غاسل، قيمة ماء، قيمة كفن، فعلى مَنْ تكون هذه؟ تكون على الراهن؛ لأنه ملكه، له غُنْمه وعليه غُرْمه.
كذلك (أجرة مخزنه)، يعني لو كان الرهن يحتاج إلى خزن، واستأجرنا مكانًا نخزنه فيه، فأجرة المخزن؟
طالب: على الراهن.
الشيخ: على الراهن، ولا يقال: إن المخزن فيه مصلحة للجميع فينبغي أن تكون أجرة المخزن على الجميع، نقول: لأن عين هذا المال للراهن، وغُنْمه له وغُرْمه عليه.
قال: (وهو أمانة في يد المرْتَهِن إن تلف من غير تَعَدٍّ منه فلا شيء عليه).
(هو) الضمير يعود على المرهون.
(أمانة في يد المرتَهِن)، فيد المرتهن يد أمانة، وجه ذلك أنه حصل المال في يده بإذن من مالكه، وكُلُّ مال حصل بإذن من المالك، أو إذن من الشارع فهو بِيَد صاحبه أيش؟ أمانة؛ لأنه لم (...)، بل قبض بحق، فهو أمانة في يد المرتهن، وإذا كان أمانة فإنه لا يجوز له أن يتصرف فيه، إلا ما استثنى الشرع في قوله: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا» ، وما عدا ذلك لا يجوز التصرف فيه، وقد سبق.
ولكن يتفرع على قولنا: إنه أمانة، أنه إذا تلف من غير تَعَدٍّ منه فلا شيء عليه، (إن تلف) الضمير يعود على أيش؟
طالب: الشيء المرهون.
الشيخ: الشيء المرهون.
(من غير تعدٍّ منه فلا شيء عليه)، فإن كان تعدٍّ منه فالضمان عليه، أي: على المرتهن.
وكذلك أيضًا لو فَرَّط فإن ضمانه عليه.
وعلى هذا ينبغي أن يُزَاد في كلام المؤلف: من غير تَعَدٍّ ولا تفريط، والفرق بين التعدي والتفريط أن التعدي فعلُ ما لا يجوز، والتفريط تركُ ما يجب.
يظهر بالمثال؛ لو أن شخصًا ارتهن ناقة من آخر، ثم لم يُحِطْها بعناية، فقضى عليها البرد، ماتت من البرد، ماذا نقول لهذا؟ هذا تفريط؛ لأن الواجب عليه أن يجعلها في مكانٍ دافئ لئلَّا تموت.
ومثال آخر: رجل رهن بعيرًا، ثم إن المرتهن صار يُحَمِّل عليها ويكُدّها، فماذا نسمي ذلك؟ نسميه تعديًا.
فالفرق إذن بين التعدي والتفريط أن التعدي فعلُ ما لا يجوز، وأن التفريط تركُ ما يجب.
إن تعدَّى أو فرَّط -الذي هو مرتهن- فهو ضامن، وإن لم يَتَعَدّ ولم يُفَرِّط فليس بضامن، وعلمتم العلة في ذلك؛ أنه قَبَضَه من صاحبه بإذنه.
(ولا يسقط بهلاكه شيء من دَيْنه).
(لا يسقط بهلاكه) أيش؟ الرهن.
(شيء من دَيْنِه) أي: من الدَّيْن الذي عليه، بل يبقى الدَّيْن على ما هو عليه.
مثال ذلك: رجل استدان من شخص وأرهنه سيارته، ثم إن السيارة جاءها قضاءٌ وقدرٌ من الله عَزَّ وَجَلَّ واحترقت، وكانت مرهونة بخمسين ألف ريال، فهل يسقط شيء من الدَّيْن في مقابلة الاحتراق؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لكن يجب أن تلاحظ أنه لا يسقط إلا إذا كان بتَعَدٍّ أو تفريط، فإنه إذا كان بتعدٍّ أو تفريط أُلْزِم المرتهن بالضمان، وحينئذٍ لا بد أن يُسقَط من الدَّيْن بمقدار ما لزمه من ضمان، لكن الكلام فيما إذا لم يَتَعَدّ أو يفرِّط فإنه لا يَسقط بهلاكه شيء من الدَّيْن؛ لأن الجهة منفكة، هذا رهنُ توثقة، وهذا دَيْن ثابت في الذمة فلا يتساقطان.
(ولا يسقط بهلاكه شيء من دَيْنه)، فإن أسقطه المرتهن، يعني: أن المرتهن رَحِمَ الراهن الذي تلف ماله المرهون، فأسقط شيئًا من دَيْنه، أيجوز هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم يجوز؛ لأن الحق له، بل يُحْمَد ويُشْكَر على هذا أن جَبَرَ قلب أخيه بإسقاط شيء من الدَّيْن مقابل ما تلف.
(ولا يسقط بهلاكه شيء من دَيْنِه، وإن تلف بعضه فباقيه رهنٌ بجميع الدَّيْن).
(إن تلف بعضه) أي: بعض المرهون، (فباقيه رهن بجميع الدَّيْن)، وليس بقسط التالف، انتبه.
المثال: رجل رَهَنَ خمس شياه متقاربة الثمن بخمس مئة ريال، فتلفت واحدة، هل يَسقط مقابلها مئة؟ لا؛ لانفكاك الجهة.
تلف اثنتان، يثبت الخمس مئة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، وهلمَّ جرّا.
فما هلك من المرهون فإنه لا يُسقَط من الدَّيْن، إلا إذا كان متعديًا أو مفرِّطًا فهنا (...) ويُسقَط من دَيْنِه إلا إذا أوفاه.
(ولا يسقط بهلاكه شيء من دَيْنِه، وإن تلف بعضه فباقيه رهنٌ بجميع الدَّيْن).
إن تلف البعض؛ بعض المرهون، (فباقيه رهنٌ)، لكن رهنٌ فيما يقابله من الدَّيْن أو رهن بجميع الدَّيْن؟
طلبة: بجميع الدَّيْن.
الشيخ: بجميع الدَّيْن، مثال ذلك: رجل رهن عشر شياهٍ بمئة ريال، وتلف من عشر الشياه خمس، وبقي خمس، هل نقول: إن هذه الْخَمس رهنٌ بجميع الدَّيْن، أو رهنٌ بما يقابلها من الدَّيْن وهو خمسون، ويبقى الرهن الثاني مرسَلًا ليس فيه رهن؟
الجواب: الأول؛ لأن هذا عقد تَوْثِقَة، ليس عقد معاوضة (...) يقابَل بعِوَض، هذا عقد توثقة، والتزاحم فيه تزاحم استحقاق، وعلى هذا فنقول: إنه إذا تلف بعضه فباقيه رهن بكُلِّ الدَّيْن، لا نقول: إن الدَّيْن نصفه له رهن ونصفه ليس له رهن؛ لأن المرهون تلف بعضه، أي نصفه.
يقول: (وإن تلف بعضه فباقيه رهنٌ بجميع الدَّيْن، ولا ينفك بعضه مع بقاء بعض الدَّيْن).
هذا أيضًا مهم، لا ينفك بعض الرهن مع بقاء بعض الدَّيْن، ومع بقاء كُلِّ الدَّيْن من باب أولى.
والمثال نرجع إليه، نقول: رجل رهن خمس شياه بخمس مئة درهم، ثم إنه فَكّ، يعني أوفى من الخمس مئة الدرهم؛ أوفى ثلاث مئة درهم، والمرهون كم؟ خمس شياه، هل نقول: إن ما يقابل الوفاء ينفك به الرهن؟
لا، بل نقول: يبقى الرهن بجميع الدَّيْن، ولهذا قال: (لا ينفك بعضه مع بقاء بعض الدَّيْن)، بل يبقى على ما هو عليه؛ رهن بباقي الدَّيْن.
(وتجوز الزيادة فيه دون دَيْنِه).
تجوز الزيادة في الرهن دون دَين، أما الزيادة في الرهن فلأن فيها مصلحة، وهي زيادة التوثقة، وأما الزيادة في دَيْنِه فلا يجوز؛ لأنه شغْلٌ بمشغول؛ لأنه يريد أن يشغل هذا الرهن بالدَّيْن الثاني، مع أنه مشغول بالدَّيْن الأول، والمشغول -كما قلنا- لا يُشْغَل.
لمثال: رجل استدان من شخص خمسين ألفًا، وقال له الشخص: أريد رهنًا، قال: هذه السيارة، فأخذها، وانتهى العقد على هذا؛ أن الرهن سيارة واحدة، ثم إن صاحب الدَّيْن -وهو المرتهن- شعر بأن السيارة لا تكفي في الدَّيْن، فطلب ممن رهنه السيارة أن يرهنه سيارة أخرى، هل تجوز أو لا تجوز؟
طلبة: تجوز.
الشيخ: تجوز؛ لكن هل يُجْبَر الْمَدِين على أن يرهن الأخرى؟ لا، لا يجوز، لكن لو اتفقا فلا بأس؛ لأنه ليس فيه ظلم ولا ربا، وأما الزيادة في الدَّيْن فلا، الزيادة في الدَّيْن هي صورة المسألة: رجل استدان من شخص وأرهنه البيت، استدان خمسين ألفًا وقال: لك البيت رهنًا، ثم إن الْمَدِين احتاج زيادة الفلوس، فجاء إلى المرتهن وقال: أَقْرِضْنِي، قال: أعطني رهنًا، قال: الرهن الأول، هذه الأخيرة تتبع الرهن الأول، يقول المؤلف: إن هذا أيش؟ لا يجوز؛ لأن الرهن بَقِيَ مشغولًا بالدراهم الأولى.
والصواب الجواز، الصواب أن هذا جائز، وأنه لا بأس بزيادة الدَّيْن؛ لأنه برضا الطرفين، وفيه مصلحة، مصلحة لِمَن؟ الحقيقة أن المصلحة هنا للراهن، وذلك لأن المرتهن قد توثَّق لنفسه، فإذا جاء الراهن وطلب منه أن يُضِيف إلى الدَّيْن الأول شيئًا يدخل في الرهن صار من نصيب الراهن، ولكن نقول: لا مانع، ما المانع أن يكون لأحد الطرفين مصلحة فيما فعل، وهي مصلحة ليس فيها ربا، وإنما هي معاملة مستقلة.
طالب: إذا تلف الرهن بدون تعدٍّ أو تفريط من المرتهن فهل يُلْزَم الراهن بأن يؤدي بدله؟
الشيخ: لا، ما يُلزم؛ لأن الراهن لا يلزم بوضع بدل عنه إلا إذا كان من تصرفه هو، إذا كان من تصرفه هو فلا بأس.
الطالب: قد يقول المرتهن: إن حقه سقط.
الشيخ: لكن ما هو بيده، لكن لو أتلفه آخر فله أن يطالب بالضمان، وإذا ضمن صار رهنًا.
طالب: لو كان الرهن أقل من الدَّيْن، وقد رضي المرتهن (...) واحد، فهل تبرأ ذمته أم يبقى في ذمته ما بقي من الدَّيْن؟
الشيخ: الظاهر أنه يبقى، وأن ذمته ما تبرأ براءةً تامة، لكنها لا تتعلق بدَيْنِه. أقول: لا تبرأ براءةً تامة، يعني ليس معناه أنه إذا مات والرهن أقل من حقه نقول: ما فيه إلا هذا، لا نقول هكذا؛ لأن الدَّيْن متعلق بالذمة، لكن من جهة أنه لا تتعلق به نفسه كما جاء في الحديث نفسه أنه معلَّقٌ بدَيْنِه إن صح، فإنها لا تتعلق نفسُه بذلك؛ لأن صاحب الدَّيْن رضي بهذه الرهينة.
طالب: إذا رهن يا شيخ شيئًا قيمته ألف على دَيْن ألف، وأتلفه المرتهن باختياره متعديًا أو مفرِّطًا، ثم قال: أريد أن يكون الألف هذا مقابل الألف ويسقط الدَّيْن، فقال الراهن: أريد أن تأتي بالرهن بدله، يعني مثله وقيمته، حتى إذا بعته في وقت السداد يكون أكثر؟
الشيخ: إي نعم، له ذلك، يعني إذا قال: أنا أريد أن تضمن بالقيمة؛ لأنه ربما عند السداد تكون قيمة هذا الشيء الذي تلف أعلى.
طالب: إذا كان جرى العرف أن الإنسان إذا رهن عند شخص كتابًا أن له أن يقرأه، فهل نقول: إن هذا العرف يجري مجرى الإذن؟
الشيخ: إذا كان عرفًا مضطردًا معروفًا فلا بأس، وأما إذا كان يفعله بعض الناس دون بعض فلا يجوز إلا بإذن خاص.
الطالب: لا يكون قرضًا جَرَّ نفعًا من نفس هذا التصرف، قراءته يعني.
الشيخ: هذا غير مقصود ولا شرط في العقد، لكن لو فرض أن المراجعة هذه لها قيمة لكان يجب أن يحتسبها من دَيْنِه.
طالب: لو أن رجلًا استدان من رجلٍ مالًا وأرهنه عبدًا ثم عتق ذلك العبد ونحن قلنا: إن العبد لا يعتق.
الشيخ: الصحيح أنه لا يعتق.
الطالب: لو أن الرجل بعد ذلك وَفى به، هل يلزم عتق العبد بـ (...).
الشيخ: لا يلزم.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، إذا كان النماء المنفصل مما يتعرض للتلف، فهل يقوِّمه المرتهن ويضاف إلى قيمة الرهن، أم له أن يتصرف فيه؟
الشيخ: لا، يقوَّم وتُجعل القيمة مع الرهن.
طالب: الراهن والمرتهن إذا رهنه خمس مئة ريال بخمسة (...) لا يعني.
الشيخ: لا ينفق الرهن بالخمس، تبقى الخمس كُلُّها رهنًا.
الطالب: هذا مع الاتفاق الأول، لأنه اتفق قبل أن يسلِّم.
الشيخ: أنه؟
الطالب: يعني إذا سلمه ثلاث مئة (...).
الشيخ: يعني على أنه كُلَّما أوفى شيئًا من الدَّيْن انفك ما يقابله من الرهن.
الطالب: علم الراهن أن المرتهن يتحايل عليه، (...).
الشيخ: أمامهم القضاة، يذهبون إلى المحكمة.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، إذا كان المرهون سيارة وأوقفها المرتهن في الشارع، هل يعتبر تفريطًا، وسرقت؟
الشيخ: بالنسبة لعرفنا الآن إذا كان الشارع واسعًا فإنه ليس بتفريط، أما إذا كان ضيقًا فهو تفريط ولا شك؛ تفريطٌ من وجه، وتعدٍّ من وجهٍ آخر، تفريطٌ من جهة حفظ السيارة، وتعدٍّ على أهل الشارع.
الطالب: لكن السرقة ويش علاقتها؟ السيارة سُرِقَت.
الشيخ: لا، أنت تقول: صُدِمَت.
الطالب: لا، سُرِقَت.
الشيخ: هذا ينبني على أنه هل السيارات في الأسواق تعتبر مُحْرَزة أو لا، هذا محل خلاف بين القضاة الآن؛ منهم مَن يرى أنها حرز؛ لقوة الأمن واستتبابه، ومنهم من يرى أنها ليست بحرز، والصحيح من حيث الضمان أنها حرز فتُضْمَن، وأما من حيث قطع اليد بالسرقة فدرء الحدود بالشبهات أمرٌ لا بد منه.
طالب: بارك الله فيكم يا شيخ، إذا كان الرهن سيارة، فهل له أن يركبها بنفقتها كما يركب الظهر؟
الشيخ: لا، والفرق بينهما أن الظهر لا بد له من نفقة؛ لأنه حيوان، مضطر إلى أكل وشرب، بخلاف السيارة، لكن كما قلت لكم قبل قليل: إذا طلب أحدهما أن يُنتفع بالرهن بلا ضرر على الآخر وجبت إجابته.
طالب: حفظك الله، لو استدان منه مالًا فطلب رهنًا، فأرهنه بُرًّا، ثم سافر الراهن وانقطع، فخشي هذا المرتهن أن يفسد البُرّ مع الزمن، فهل له بيعه بدون إذن المرتهن هنا؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: وهل له أن يبيعه يجعل قيمته رهنًا مكانه؟
الشيخ: مَن اللي يبيعه؟
الطالب: المرتهن.
الشيخ: إذا خاف فساده؟
الطالب: إذا خاف فساده.
الشيخ: إي، ما به شك.
الطالب: أن يحصل إذا سافر الراهن.
الشيخ: إي نعم، هذا يباع وتُجْعَل القيمة رهنًا مكانه.
طالب: بالنسبة لفك الرهن، لو كان الرهن قابلًا للتجزئة، والرهن مثلًا قارب الخمس شياه، وسَدَّد قسطًا من الدَّيْن، ولو إحنا قلنا: الرهن لا ينفك، معناه إنه مفيش تناسب ما بين الرهن وما بين القيمة؟
الشيخ: إي، لا بأس، نحن نقول هذا، وإن لم يكن تناسب، أليس يجوز أن يرهنه بيتًا يساوي مليون ريال بمئة ريال؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هكذا.
الطالب: بس هذا الرهن قابل للتجزئة.
الشيخ: لا فرق؛ لأن الرهن (...).
***
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
رجل رهن عبدًا فجُنِيَ على هذا العبد وأُخِذَ أَرْش الجناية، فهل يكون الأَرْش رهنًا أو لا؟
طالب: نعم، يكون الأرش رهنًا مع العبد.
الشيخ: يكون الأرش رهنًا مع العبد، لماذا؟
الطالب: لأنه مُلْحَق به، يعني يُعْتَبر جُنِيَ على العبد فنقص.
الشيخ: يعني عِوَضًا عن نقيصة الرهن، فيُلْحَق به.
وآخر رهن عبدًا فكسب العبد وحصَّل، هل يُلْحَق كَسْبُه به؟
الطالب: نعم، يُلْحَق به.
الشيخ: نعم، لماذا؟
الطالب: لأنه من كسبه، يعتبر تابعًا له.
الشيخ: لأنه من عمله وكسبه فيكون تابعًا له.
لو مات الرهن فعلى مَن تكون مؤونة تجهيزه؟
طالب: على مالكه وهو الراهن.
الشيخ: على مالكه وهو الراهن، فيها دليل؟
الطالب: نعم، فيها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ».
الشيخ: نعم، «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ».
الطالب: «مِنْ صَاحِبِهِ»، له غُنْمه وعليه غُرْمه.
الشيخ: أحسنت.
ما هو الذي ينفذ من تصرف الراهن؟
طالب: لا ينفذ من تصرفه شيء إذا كان مقبوضًا.
الشيخ: لا ينفذ أيش؟
الطالب: لا ينفذ من تصرفه شيء إذا كان الرهن مقبوضًا.
الشيخ: لا ينفذ من تصرفه شيء إذا كان الرهن مقبوضًا.
طالب: ينفذ عتق العبد، إذا أعتق العبد فإنه ينفذ.
الشيخ: تمام، توافقه؟
طالب: أوافقه على المذهب.
الشيخ: إي على المذهب ينفذ العتق، فيضيع حق المرتهن؟
الطالب: لا، يقول: تُؤخَذ قيمته مكانه.
الشيخ: وإذا كان مُعْسِرًا الراهن؟
الطالب: نظره، يصبر.
الشيخ: طيب، المسألة هذه فيها أقوال ذكرناها من قبل.
طالب: شيخ، القول الصحيح أنه لا يعتق.
الشيخ: القول الصحيح أنه لا ينفذ العتق كغيره من التصرفات.
الطالب: نعم.
الشيخ: تعليلهم بماذا نجيبه؟
الطالب: مَنْ؟
الشيخ: تعليل المذهب؛ اللي يقول: ينفذ؛ لأن العتق له سِرَاية وتغليب، مبني على السراية والتغليب.
الطالب: نعم، يقولون: العتق ينفذ؛ لأنه مبني على السراية والتغليب، هذا تعليلهم.
الشيخ: وهل هذا صحيح؟
الطالب: لكن هذا غير صحيح، نقول: نعم، هو فيه سراية، لكن لو كان فيه غير إسقاط حق الغير، أما وفيه إسقاط حق الغير فلا ينفذ.
الشيخ: إي نعم؛ ولأن العتق قُرْبَة، فلا يُتَقَرَّب إلى الله بمعاصيه، والمسألة إذا كان فيها ..
الطالب: شيخ، قلتم: لأنه يحرُم، هذا فعل يحرُم، هم يقولون: حتى وإن حَرُم فإنه مع حرمته لجريان أو لسريان العتق.
الشيخ: نعم، القول الثاني في المذهب أنه ينفذ، والقول الثالث: أنه إن كان مُعْسِرًا لم ينفذ، وإن كان مُوسِرًا نفذ؛ لأن الْمُعْسِر يتعذر منه أَخْذ القيمة التي تكون رهنًا، وأما الْمُوسِر فتسهل، فلا يضيع حق المرتهن، ولكن الصواب أنه لا ينفذ مطلقًا حتى وإن كان الراهن من أيسر الناس؛ لأنه تعلق به حق الغير.
يقول المؤلف: إن الرهن أمانة في يد المرتهن، فما هو الضابط في الشيء الذي يكون أمانة أو غير أمانة؟
طالب: نقول: لأنه يا شيخ حصل التصرف فيه بإذن المالك.
الشيخ: لا، ما هو الضابط؟ نريد ضابطًا يكون عامًّا في هذا وغيره.
الطالب: ما كان بإذن المالك أو بإذن الشارع فإنه يصح صرفه.
الشيخ: فهو أمانة، لا ما هو يصح صرفه، فهو أمانة، وما كان بغير إذنٍ من الشارع والمالك فليس بأمانة.
ينبني على هذا أن الأول؛ الذي حصل عليه الشيء بيده أمانة لا يضمن إلا إذا تعدَّى أو فرَّط، وأن الثاني ضامن بكلِّ حال، هذه قواعد مفيدة لكم؛ الثاني الذي حصل المال بيده بغير إذن الشارع والمالك هذا مُتَعَدٍّ، فيضمن بكُلِّ حال، والأول الذي حصل المال بيده بإذن من الشارع أو إذن من المالك هذا أمين، فلا يضمن إلا بِتَعَدٍّ أو تفريط.
إذا رهن بيتًا وسلَّمَه إلى المرتَهِن، فهل يُؤَجِّره المرتهن، أو الراهن، أو ماذا؟
طالب: على قول المصنف فإنه لا يجوز لأحدهما أن يتصرف فيه إلا بإذن الآخر، إذا لم يأذن بقي مُعَطَّلًا.
الشيخ: إذا لم يتفقَا بقي معطلًا، ولو كانت أجرته في السنة عشرة آلاف أو أكثر.
الطالب: لكن الصحيح أن مَن طلب منهم عقدًا لا يضر بحق الآخر يجب على الثاني موافقته.
الشيخ: نعم، عرفتم؟ الصحيح أنه إذا طلب أحدهما ما لا يتضرر به الآخر وجبت إجابته؛ لأنه إن طلب الراهن فهو ملكه، له أن يُؤَجِّره وهو لا يضر المرتهن بل ينتفع به؛ لأن الأجرة تكون رهنًا معه، فهو تقوية له.
وإن طلبه المرتهن وأبى الراهن فهذا محل إشكال؛ لأن بعض العلماء يقول: إذا طلب المرتهن دون الراهن فإنه لا يُجْبَر الراهن؛ لأن الراهن مالك، فكيف يُجْبَر على تأجير ملكه؟ لكن الصحيح أنه يُجْبَر؛ لأن المرتهن يقول: أنا لي أيش؟ أنا لي حق في هذا، أنا أريد أن يُؤجَّر حتى تكون أجرته رهنًا وزيادة في التوثقة.
فعلى هذا تكون القاعدة ما ذكرناه أولًا، وهي أنه إذا طلب أحدهما من الآخر ما فيه منفعة دون مضرة على صاحبه وجبت إجابته حتى لا يضيع المال ويخسر الجميع.
رجل رهن بيتًا بمليون ريال، كم مليون ريال؟
طالب: مليون ريال يعني عَشر مئة.
الشيخ: عَشر مئة لا، غلط، عَشر مئة ألف.
الطالب: المليون عَشر مئة ألف.
الشيخ: عَشر مئة ألف غلط، المليون كم؟
طالب: عَشر مئة ألف صحيح.
الشيخ: ما هو ألف ألف؟
الطالب: ألف ألف أو عَشر مئة ألف.
طالب آخر: هو نفسه.
الشيخ: طيب، عَشر مئة ألف، ثلاث كلمات، لكن ألف ألف كلمتان، ألف ألف، ثم أوفى نصيبه، الْمَدِين أَوْفَى ما عليه إلا درهمًا من ألف الألف، هل يَنْفَكّ الرهن أو لا؟
طالب: لا؛ لأنه لا يتبعض.
الشيخ: يعني لا ينفك الرهن إلا بقضاء الدَّيْن كُلِّه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: كذا؟
الطالب: هذا ليس عقدًا ..
الشيخ: اصبر، اصبر، يعني لا ينفك الرهن إلا بقضاء الدَّيْن كُلِّه ولو بقي واحد من مليون، توافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن الحق باقٍ في الرهن.
رهن عند اثنين شيئًا فوفى أحدهما، هل ينفك الرهن في حق الذي استوفى حقَّه؟
الطلبة: درس اليوم.
الشيخ: صحيح، إذن نبدأ به إن شاء الله.
***
رَهَنَ عند اثنين شيئًا فوفَّى أحدهما، هذا الشيء المرهون ملك لواحد، رَهَنَه عند اثنين، فوفَّى أحدهما، فإنه ينفك الرهن في نصيبه دون نصيب صاحبه.
مثال ذلك: استدان زيد من عمرٍو وبكر مئة ألف، كل واحد أدانه خمسين ألفًا، ثم رهن عندهما، قال: هذا البيت رهن بدَيْنِكما، ثم أوفى أحدَهما؛ أوفى عَمْرًا، فهل ينفك في نصيبه؟
الجواب: نعم، ويبقى هذا البيت مرهونًا نصفه فقط، وباقيه غير مرهون، هذا معنى قوله: (إن رهن عند اثنين شيئًا فوفَّى أحدَهما).
(أو رهناه شيئًا فاستوفى من أحدهما)، الآن المرهون لواحد أو لشركة؟
طلبة: لشركة.
طالب آخر: لواحد.
الشيخ: (أو رَهَنَاه شيئًا)، المرهون الآن لواحد ولّا لشركة؟
طلبة: لشركة.
الشيخ: لشركة، هذا بيت مشترك بين زيد وعمرو، استدان الرجلان من شخص فرَهَنَاه البيت المشترك، فاستوفى من أحدهما، هل ينفك الرهن في نصيبه؟ يقول المؤلف: نعم، ينفك في نصيبه، وذلك لأن الصفقة اشتملت على عقدين، فإذا انفك الرهن في أحد العقدين بقي الرهن الآخر.
***
(متى حَلَّ الدَّيْن) على مَنْ؟ على الْمَدِين الذي هو الراهن، (وامتنع) أي: الْمَدِين وهو الراهن (من وفائه).
(فإن كان الراهن أذن للمرتهن أو العدل في بيعه باعه).
إن كان الراهن أَذِنَ للمرتَهِن أو للعدل في بيعه، أذن للمرتهن إذا كان الرهن بيد المرتهن، أو العدل إذا كان الرهن عند عدلٍ، يعني عند رجل عدل اتفقَا عليه، فإن كان الراهن أَذِنَ للمرتهن أو للعدل في بيعه باعه ووَفَّى الدَّيْن.
مثاله: رهن سيارته عند شخص استدان منه مئة ألف، ثم حلَّ الدَّيْن، وكان قد أَذِنَ للمرتهن أنه إذا حَلَّ الدَّيْن ولم أُوفِ فبِعْ، فهنا نقول: إذا حَلَّ الدَّيْن، وقال: أوفني، وقال: لا، ما عندي شيء، فهنا يبيعه، يحتاج إلى تجديد الإذن؟ لا، يكفي الإذن الأول.
(أو العدل) مثل أن تكون السيارة التي رهنها عند الدائن بيد شخصٍ ثالث، يعني أن الراهن الذي استدان لم يَثِق بالمرتهن، وجعل السيارة عند شخصٍ آخر عدل مأمون، وقال له: إذا حَلَّ الدَّيْن ولم أُوفِ فبِع السيارة وأَوْفِ المرتهن، فنقول كالأول، نقول: إذا حَلَّ الدَّيْن وامتنع الراهن من الوفاء فإن العدل يبيعها، ولا يحتاج إلى تجديد إذن للإذن السابق.
ولهذا قال: (فإن كان الراهن أَذِنَ للمرتهن أو العدل في بيعه باعه ووفَّى الدَّيْن، وإلا أجبره الحاكم على وفائه أو بيع الرهن).
(وإلَّا) يعني إن لم يكن أَذِن، يعني رهن العين ولم يأذن في بيعها عند حلول الأجل إذا امتنع من الوفاء، هنا يترافع الطرفان إلى الحاكم، ما لم يَرْضَ الدائن ببقاء الدَّيْن بدون أن يُبَاع الرهن، هنا يترافعان إلى الحاكم، فيُجْبِرُه الحاكم على وفائه، وهذا إن كان بيده شيء، إن كان الْمَدِين بيده شيء أجبره الحاكم على وفائه، وإن كان فقيرًا أو ماطَل أجبره على بيع الرهن، قال: بِعْه، أو ائذن للمرتهن أو العدل في البيع، يعني يأمره أن يبيعه مباشرةً، أو أن يأذن للعدل أو للمرتهن في بيعه.
فإن أبى؟
قال: (فإن لم يفعل باعه الحاكم ووفَّى دَيْنَه)، وإنما احتجنا إلى هذه المراتب مع إمكان الحاكم أن يتولى بنفسه من أول الأمر بَيْعَ الرهن والوفاء، لكن احتجنا إلى هذه المراتب حفاظًا على أموال الناس، وعلى ألَّا نعتدي عليها، حتى الحاكم لا يعتدي على أموال الناس إلا إذا تعذَّر مباشرتهم إياها بأنفسهم، فإن لم يتعذر فإن الواجب أن تكون الأموال محترَمة، فلا نبيع على الراهن ملكه بدون أن نعجز عن وفائه، فإذا عجزنا عن وفائه فحينئذٍ يتولى الحاكم بيع الرهن ووفاء الدَّيْن.
وحينئذٍ إما أن يكون ثمن الرهن أقل من الدَّيْن، أو أكثر، أو مساويًا.
إن كان مساويًا فهذه بتلك، أعطيناه ثمنه وانتهى الموضوع، وإن كان أقل، يعني الدَّيْن عشرة آلاف ريال، وثمن الرهن ثمانية، أعطيناه ثمن الرهن وبقي له على الراهن ألفان، ولا نقول: إن قيمة الرهن تكفي؛ لأنه - أي: المرتهن- رضي بالرهن، فليس له إلا ما ارتهن، نقول: لأن الدَّيْن متعلق بأيش؟ بالذمة، والذمة الآن لم تبرأ، الذمة فيها عشرة آلاف، وهذا الرهن بِيعَ بثمانية، فبقي ألفان.
وإن كان الرهن بِيعَ بأكثر من الدَّيْن استوفى الْمَدِين حقه، والباقي يُرَدّ إلى مَن؟ إلى الراهن، وهذا واضح.
***
(يكون) الضمير يعود على الرهن، و(اتفقا) الألف تعود على الراهن والمرتهن.
هذا ما لم يَرْضَ الراهن بكونه بيد المرتهن، فإن رضي فذاك المطلوب، وإن لم يَرْضَ لعدم ثقته به، قيل لهما: اختارَا مَن يكون بيده، إذا اختارَا فلانًا صار بيده، فإن اختلفَا قال أحدهما: أنا أريد فلانًا، وقال الثاني: أنا أريد فلانًا الآخر، فكيف نعمل؟ هل نقدِّم قول الراهن؛ لأنه المالك الذي يخشى على ملكه، أو نقدِّم قول المرتهن؛ لأنه الطالب للحق الذي يريد أن يتوثَّق، أو نقول: لا نأخذ بقولكما ونرجع إلى المحكمة، إلى القاضي، فيُعيَّن؟
طالب: الثالث.
الشيخ: نعم، الثالث أقرب إلى الصواب، لماذا؟ لأنه مُشْكِل؛ إن راعينا قول الراهن لأنه مالك فقد يختار المالكُ رجلًا لا يثق به المرتهن، أليس كذلك؟ وإن قَدَّمْنَا قول المرتهن لأنه صاحب حق ويريد أن يتوثق بحقه فإن الراهن قد لا يثق به، يقول: أنا أخشى على ملكي إذا كان بيد هذا الرجل.
لذلك لا نرى -فكًّا للنزاع وحلًّا للمشكلة- إلَّا أن تُرْفَع إلى القاضي ويُعيِّن مَن شاء، فعلى هذا يقول: (يكون عند مَن اتفقَا عليه) إن اتفقا على أحد، وإن اختلفَا فالمرجع إلى القاضي؛ لأن له الولاية العامة.
(وإن أَذِنَا له في البيع لم يَبِع إلا بنقد البلد).
(إن أَذِنَا) الضمير يعود على مَنْ؟ الراهن والمرتهن، (له) أي: للعدل.
(في البيع لم يَبِع إلا بنقد البلد)، ولا يبيع بنقد آخر، فمثلًا هنا الآن نقد البلد ما هو؟ الريال السعودي، لا يبيع بدولار مثلًا؛ لأنه إذا أُطْلِق العقد رجع إلى العُرْف المتعارف بين الناس، والمتعارف بين الناس هو النقد المتداول بينهم، فهو لا يبيع إلا بنقد البلد.
لو قال: أنا أريد أن أبيعه بمثل الدَّيْن، يعني أنَّ هذا مرهون بدولارات، وأَذِنَا له في البيع، هل يبيع بالدولارات أو بنقد البلد؟
بنقد البلد، هذا ظاهر كلام المؤلف، يبيع بنقد البلد؛ لأنه ربما ترتفع القيمة؛ قيمة الدولارات، فيخسر الراهن، وربما تنخفض فيكون في هذا ضرر على المرتهن، وعلى هذا فلا عبرة بالدَّيْن أو بجنس النقد الذي هو الدَّيْن، بل العبرة بنقد البلد.
وهل يبيع بفئة خمس مئة، أو فئة مئة، أو فئة خمسين، أو فئة عشرة، أو فئة ريال؟
طالب: (...) الأصلح.
الشيخ: نعم، كله واحد، لكن في ظني أن الدَّيْن إذا كان كثيرًا فالأحسن الخمس مئة، لكن إذا كان مليون بيجيب لهم مليون واحدة من أمهات ريال هذه تحتاج إلى خيشة كبيرة، على كل حال نقول: النقد، لا بد من نقد البلد، أما كونه من فئة كبيرة أو صغيرة هذا يرجع إلى ما تقتضيه المصلحة.
يقول: (إلا بنقد البلد) ويش بعدها عندكم؟
طالب: (وإن قبض الثمن).
الشيخ: (وإن قبض الثمن في يده فمن ضمان الراهن).
طلبة: فتلف.
الشيخ: (فتلف) نعم، (وإن قبض الثمن).
طالب: (باع وقبض) يا شيخ.
الشيخ: أنا (إن باع) مشطوب عليها، ثم هذا ملخلبط عندي.
الطالب: (وإن باع وقبض) يا شيخ.
الشيخ: ما يخالف (وإن باع وقبض) (وإن قبض) كله واحد، ما هو بقابض الثمن إلا بعد البيع، ولهذا كانت هذه شرحًا، الظاهر أنها شرح (إن باع وقبض).
يقول: (وإن قبض الثمن فتلف في يده فمن ضمان الراهن).
باعه وقبض الثمن.
طالب: عندنا (وإن باع بيديه).
الشيخ: كيف؟
طالب: الشرح.
الشيخ: الشرح، (وإن قبض الثمن) هذه النسخة الصحيحة، (إن قبض الثمن فتلف في يده فمن ضمان الراهن)، وذلك لأن الدَّيْن ثابت في ذمة الراهن حتى يستلمه مَن؟ المرتهن، المرتهن الآن ما استلم الثمن، لم يُوفَ دينَه، فإذا تلف فمن ضمان الراهن، ولكن يشترط في ذلك أن يكون بلا تعدٍّ ولا تفريط، فإن كان بتعدٍّ أو تفريط صار هناك ضامن آخر، وهو العدل الذي وُكِّل مِن قِبَل الطرفين.
وعلى هذا فلننظر: باع العدل الرهنَ وقبض الثمن، ثم أتى حريق، شب في البيت ومنه الثمن وتلف، فهنا المرتهن يرجع على مَنْ؟ على الراهن، لا إشكال، ولا يرجع الراهن على العدل؛ لأنه تلف بلا تعدٍّ ولا تفريط.
مثال آخر: قبض العدل الثمن، ووضعه على عتبة الدُّكَّان، ثم نسي وذهب يصلي، فأتى وقد سُرِق، الضمان للمرتهن على مَنْ؟
طلبة: على العدل.
الشيخ: يا إخواني.
طالب: على العدل يا شيخ.
طلبة آخرون: على الراهن.
الشيخ: رويدكم، الضمان بالنسبة للمرتهن على الراهن، والراهن يرجع على العدل؛ لأن المرتهن يقول: حقي في ذمتك -يعني الراهن- فيرجع المرتهن على الراهن، ثم الراهن يرجع على العدل، أما رجوع المرتهن على الراهن فظاهر؛ لأن الدَّيْن في ذمته وهو لا يعرف إلا الراهن، وأما رجوع الراهن على العدل فلأنه فَرَّط؛ لأن هذا ليس حفظ المال، الأموال المهمة أن تضعها على طول في الصندوق؛ لأن الإنسان مُعَرَّض للنسيان، وهذه أيضًا مسألة ينبغي للإنسان أن يسير عليها في حياته، وقد نبهنا عليها؛ أن يبدأ الإنسان بالأهم، وذكرنا هذه مرة في أيش؟ في حديث عتبان بن مالك، أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما جاء إليه قال: «أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ؟» ، وقد صنع له طعامًا، ولكنه لم يبدأ بالطعام؛ لأنه إنما جاء ليصلي في مكان يتخذه عتبان مصلى، وذكرنا أيضًا لما بال الصبي في حجره دعا بماءٍ فأتبعه إياه.
إن الإنسان لا يفرط، لا يقول: أبغي أخلي هذا إذا قمت حطيته في مكانه، أبدًا، حتى في المراجعة الآن الإنسان يراجع كم كتاب؟ يراجع مثلًا خمسة كتب، كل كتاب في رَفّ، إذا راجعت واحدًا لا تقل: أبغي أحطه عندي وأنتم ما محتاجون له، ضعه أولًا في مكانه؛ لأنك ستضعه ولا بد، فأولًا ليسلم المكان اللي حولك من تكديس الكتب، ولأجل أن يكون منظَّمًا.
فمثلًا نقول: إن الدراهم مثلًا إذا أُعْطِيتَها أمانة، لا تخليها مثلًا عندك أمامك، تقول: إذا قمت دخلتُها في الصندوق، دخَّلها على طول؛ لأن الإنسان بشر، ربما ينسى ويضيع.
كذلك إذا عَنَّ في ذهنك وأنت طالب علم، ما فيه مانع أن ينتقل من المال إلى العلم، إذا عَنَّ في ذهنك مسألة قلت: هيِّنَة أخليها بعد، لا، راجعها على طول ما دام إنك محتاج لها، ولست تراجع مسألة معينة من قبل، أما إذا كنت تراجع مسألة معينة من قبل لا تتلهَّى بغيرها فتضيع، كذلك أيضًا يمر بك فائدة قد لا تراها في أي كتاب، وقد لا تكون هذه الفائدة في الموضع الذي تظن أنها فيه، فيقول الإنسان: خلاص، إن شاء الله ضبطتها في قلبي، خلاص ما أنساها، ولا يذهب يقيِّدها، أو على الأقل يشير إلى صفحتها في جانب الكتاب، ثم بعد ذلك ينساها وتضيع عليه، وهي فائدة دُرَّة تعتبر، ولكن يقول: خلاص هذه ما أنساها أبدًا؛ لأنها مهمة، ولكنه ينسى، الإنسان بشر، على الأقل قيِّد الصفحة، إذا أردتها وجدتها مُسَهَّلة مُيَسَّرة.
فمثل هذه المسائل ينبغي للإنسان أن يتفطن لها؛ لأنها مفيدة.
***
الشيخ: سمعتم سؤاله؟ يقول: إذا قبض الدراهم المعدودة وصَدَّق الْمُقْبِض، الدافع، قال الدافع: هذه ألف، أخذها مُصَدِّقًا إياه، ثم لما رجع إلى البيت وعدَّها وجدها تسع مئة، هل يرجع عليه؟ لا، لا يرجع، ما دام صدَّقه؛ لأنه هو الْمُفَرِّط، أليس الغلط واردًا من كُلِّ أحد؟
طالب: بلى.
طالب آخر: وحتى هذه المسألة يا شيخ وقعت.
طالب آخر: شيخ؛ إذا كان الراهن مُعْسِرًا وحلَّ موعد الوفاء، وكان رهنه مما لا يستغني عنه عادةً كبيتٍ ونحوه، فهل يُبَاع عليه، أم يؤمَر الدائن بأن يُنظِره إلى الميسرة؟
الشيخ: هل أُجْبِر على الرهن؟
الطالب: إي، الدائن إن قال له: لا أعطيك إلا أن ترهنني شيئًا.
الشيخ: هل أُجْبِر على الأخذ؟
الطالب: محتاج يا شيخ معسر.
الشيخ: ولو كان محتاجًا، ما أُجْبِر، المهم أنه إذا حلَّ الدَّيْن يباع الرهن ولو كان الإنسان فقيرًا.
الطالب: ولو كان مما لا يستغني عنه.
الشيخ: ولو كان مما لا يُستغنى عنه؛ لأنه رهنه باختياره.
طالب: عفا الله عنكم، شيخ، يقولون في موافقة المؤلف: عدم جواز البيع بالرهن إلا بنقد البلد، وقسنا على الدولار، قلنا: لا يجوز؛ لأن الدولار متفاوت وقابل للارتفاع والنزول، شيخ، حتى عملة البلد تنزل وترتفع؟
الشيخ: إي نعم، هو أصلًا إذا نقصت قيمة الدولار زادت قيمة نقد البلد.
الشيخ: لا يجوز، إلا بنقد البلد.
الطالب: لماذا يا شيخ؟
الشيخ: لأن هذا المتعارَف عليه، أنا ما أروح أتعامل بالدولار بنقد أمريكا وأنا هنا في القصيم.
طالب: شيخ، عفا الله عنك، إذا امتنع الراهن عن الوفاء ولم يأذَن له بالبيع، واختصمَا، ولكن لا يوجَد هناك حاكم يحكم بينهما، ماذا يصنعان؟
الشيخ: لا بد من أن يتفقَا على شخص يحكم بينهما، يُحَكِّمَان رجلًا.





