كتاب البيع (الشرح الثاني) - 29
عدد الزيارات 1003

عناصر المادة :
باب الحوالة

طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الضامن إذا أسقط له المضمون له شيئًا منه، كأن يضمن عنه ألف ريال وأسقط له مئة أو اثنتين.
الشيخ: إي نعم، لا بأس.
الطالب: هل يسقط عن الأصل أو لا؟
الشيخ: لا، الأصل يُطالَب بالدَّيْن كاملًا، أما الضامن فيُطالب به كله إلا بما أبرأه.
الطالب: الشيء الذي أبرأه يسقط عن الأصل.
الشيخ: لا، ما يسقط، كيف يسقط؟! أجل، لو أبرأه عن الدين كله يسقط عن الأصل؟
الطالب: هذا الذي أسأله؟
الشيخ: وأنا أسألك الآن، لو أنه أبرأ الضامن من الدَّيْن كله هل يسقط عن الأصل؟
الطالب: لا يسقط.
الشيخ: ما الفرْق بين البعض والكل؟
الطالب: لا فرق.
الشيخ: لا فرق، طيب.

طالب: أحسن الله إليك، هل هناك فرق بين الضمان بين الأقرباء وغيرهم؟
الشيخ: والله ربما لو كان الأقرباء إذا كان يؤدي التخلي عن الضمان، يعني يؤدي إلى قطيعة رحم، قد يقال: إنه في هذه الحال يُمنع، هذا ما لم يثبت الدَّيْن في ذمة المضمون عنه، أما إذا ثبت ما لأحد أن يتخلى سواء قريب أو غير قريب.
الطالب: هل للوالد مثلًا وللابن وللأخ ضمان الآخر؟
الشيخ: إي نعم، له ضمانه، ما فيه إشكال.
طالب: إذا آل الضمان إلى تطبيق عقوبة على المضمون عنه أو استيفاء قصاص، هل يُطبَّق على الضامن؟
الشيخ: ما فيه قصاص، هذا بيجينا إن شاء الله تعالى، مسألة القصاص والحدود، ما فيها ضمانات، حق المال فقط.

طالب: أحسن الله إليك، قوله: (وكذا وديعة ودواب مستأجرة).
الشيخ: ما وصلنا إليها.
طالب: شيخ، عفا الله عنكم، هل لا تشترط الحرية في الضمان؟ وإن كان لا، فكيف يضمن العبد مع أنه لا (...)؟
الشيخ: لا، الحرية شرط لجواز التصرف، وما ذكرناها نسيانًا، وإلا هي شرط: البالغ، العاقل، الحُر، الرشيد.

طالب: في الدرس الماضي يا شيخ (وكذا وديعة ودواب مستأجرة هرب ربها).
الشيخ: إي، ما ذُكر في الماضي فهو ماضٍ!
الطالب: ما معنى (هرب ربها

الشيخ: ما تعرف الهرب؟!
الطالب: أعرفه، لكن؟
الشيخ: هذه.
الطالب: إلى أين هرب؟
الشيخ: هرب إلى أرض الله الواسعة، ما يمكن هذا؟! يعني أنت ربما تقول: كيف يهرب عن دواب؟ هذا رجل أتعبته الدواب بالعَلَف، وتأكل عليه أكثر من قيمتها، فقال: أؤجِّرها، وإذا قبضها المستأجر (...) رؤوس الجبال، وهرب إلى رؤوس الجبال.
الطالب: (...) يبيعها يا شيخ.
الشيخ: يعني صاحبها؟

الطالب: نعم.
الشيخ: نعم، إذا أيس منها يبيعها، أو يبيعها بدين قاضٍ.

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: ويصح ضمان المجهول إذا آلَ إلى العلم والعواري والمغصوب والمقبوض بسوم وعهدة المبيع، لا ضمان الأمانات بل التعدي فيها.
فصل: وتصح الكفالة بكل عين مضمونة، وببدن من عليه دَيْن، لا حد ولا قصاص، ويعتبر رضا الكفيل لا مكفول به، فإن مات أو تلفت العين بفعل الله تعالى أو سَلَّم نفسه برئ الكفيل
.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن الضمان لا بد له من شروط، فما هي؟
طالب: الشروط ذكرنا ثلاثة، ثم ذكرنا رابعًا.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: الشروط هي العقل والبلوغ..
الشيخ: لا، شروط الضمان؟
الطالب: شروط الضمان: أن يكون على حق ثابت، أو يؤول إلى الثبوت.
الشيخ: طيب، هذا واحد: بحق ثابت أو يؤول إليه.
الطالب: أن يكون من جائز التصرف.
الشيخ: وأن يكون من جائز التصرف.
الطالب: أو (...).
الشيخ: دعنا من تفسيره. الثالث؟
طالب: أن يكون معلومًا، أو يؤول إلى العلم.
الشيخ: ذكره.
الطالب: الشرط الثالث يا شيخ.
الشيخ: نعم، واجب أو يؤول إلى الوجوب، يكون المضمون معلومًا أو يؤول إلى العلم. والرابع؟
طالب: حق (...).
الشيخ: يعني رضا الضامن. هذه الشروط، فمن هو جائز التصرف؟
طالب: هو من اجتمع فيه شروط أربعة: الحرية، والعقل، والبلوغ، والرشد.
الشيخ: نعم، الحرية، والعقل، والبلوغ، والرشد. ما معنى الرشد في باب المال؟
طالب: الرشد في باب المال هو حُسْن التصرف فيه.
الشيخ: حسن التصرف فيه، بأن لا يبذله في حرام أو في غير فائدة. طيب، هل يُشترط لمطالبة الضامن تعذُّر الوفاء من المضمون؟
طالب: في هذا قولان: قول شيخ الإسلام وابن سعدي رحمهما الله أنه..
الشيخ: لا، ما ذكرنا شيخ الإسلام.
الطالب: قول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله أنه يجب إذا تعذر على الـ..
الشيخ: أنه لا يُطالَب الضامن حتى يتعذر الوفاء من المضمون عليه. طيب، والقول الثاني؟
الطالب: والقول الثاني أنه لا يلزم أن يتعذر المضمون.
الشيخ: لا يلزم، يعني له أن يطالب من شاء؟
الطالب: نعم، ودليل الأول (...) قالوا: إنه لم يشترط، يعني أن الضامن لم يحترز هذا الاحتراز، فلم يقُل: أنا سأدفع إن تعذر المضمون عليه، والدليل الثاني قالوا..
الشيخ: عللوا.
الطالب: نعم، عللوا، قالوا: كيف يُطلَب من الفرع مع إمكان استيفاء للأصل؟!
الشيخ: طيب، هل يُطالَب الضامن بعد الموت؟ لو مات الضامن، هل للمضمون له أن يُطالِب في تركته؟
طالب: نعم.
الشيخ: وجه ذلك؟
الطالب: أنه التزم حقًّا.
الشيخ: التزم الدَّيْن، فكان كالدَّيْن الأصلي في ذمته، والدين الأصلي في ذمته لا شك أنه يُطالَب به بعد موته.
هل يُشترط أن يعرف الضامن المضمون عنه؟
طالب: لا يُشترط.
الشيخ: لا يشترط. كيف يرجع عليه فيما لو عفا عنه؟
الطالب: ما عنده قُدرة حتى يمشي إليه، إذا جابها للمحسِن فبها ونعمة وإلا فلا.
الشيخ: يضيع حقه؟
الطالب: (...).
الشيخ: لكن الناس يقولون: الدنيا والدين؟
الطالب: الأغلب أن يجيبه؛ لأنه أحسن مع المضمون عنه.
الشيخ: لكن بعض الناس إذا أحسنت إليه أساء إليك؟
الطالب: إذا كان كدا (...).
الشيخ: يعني تتراجع عن كلامك؟
الطالب: لا، ما يراجع، يعني (...) الزمان عن المضمون.
الشيخ: طيب، إذا أدى الضامن حق المضمون له، كيف يرجع على المضمون وهو لا يعرفه؟
الطالب: ما (...).
الشيخ: مَنْ يجيب؟
طالب: إن استطاع أن يعرفه بعد ذلك بالسؤال عنه أو نحو ذلك رجع عليه، وإلا فكان هو المفرط (...).
الشيخ: صح؛ لأن كلامه الآن هل يُشترط أو لا؟ نقول: لا يُشترط، فإذا ضاع حقه لكونه لا يعرفه، نقول له: أنت المفرِّط. لماذا لم تتحقق مَنْ هو المضمون عنه وتعرفه حتى ترجع إليه؟
طالب: (...).
الشيخ: على كل حال إن شاء الله تُصيب، إن لم تصبها هذه المرة تصيبها الثانية.
طيب، هل يُشترط رضا المضمون عنه؟
طالب: لا يُشترط يا شيخ.
الشيخ: رضا المضمون عنه؟
الطالب: لا يشترط.
الشيخ: كيف لا يشترط؟
الطالب: لأنه (...).
الشيخ: إذا قال المضمون عنه: أنا مماطل، أنا فقير حتى تضمني، إن قال ضمني، الناس يزعلوا إذا قال: أعطوه وأنا أضمنه، أنا ما احتجت لك حتى تضمني.
الطالب: الغالب أنه لا يشترط.
الشيخ: رجعنا إلى قول ابن جني: فيها قولان!! لا، لا بد أن ترد هذا التعليل.
طالب: لا يُشترط لقصة أبي قتادة حيث ضمن الميت (...) .
الشيخ: الميت مُتعذِّر استئذانه.
الطالب: وأيضًا يتعذر رضاه؛ لأن الحق ليس للمضمون عنه، إنما للمضمون له.
الشيخ: يعني الحق للمضمون له وليس للمضمون عنه.
طالب: نقول: لأنها زيادة توثِقة، وليست لازمة في حق المضمون عنه، فيُمكن أن يرده.
الشيخ: يعني معناه على كلامك يُشترط رضا المضمون عنه؟
الطالب: لا يُشترط رضا المضمون عنه.
الشيخ: تقول: لا يرده.
الطالب: (...).
الشيخ: هو على كل حال، الصحيح أنه لا يشترط،
إلا إذا لزم من الضمان الضرر وسوء السُّمعة، فربما يقال: إنه لا يحل له أن يعتدي على سمعته؛ لأن بعض الناس إذا قيل: أنا أضمنه، يقول الناس: ليش يضمن فلانًا؟ هو مماطِل؟ هو مُعسِر؟ وإلا فالأصل أنه لا يُشترط؛ لأن الحق لمن؟ للمضمون له، فإذا رضي المضمون له فلا بأس.
قال المؤلف: (يصح ضمان المجهول إذا آل إلى العلم
طالب: إذا كان المجهول..
الشيخ: يؤول إلى العلم يصح، مثاله؟
الطالب: مثلًا إنسان ضمن شيئًا خرب ولا يعرف مدى خراب (...).
الشيخ: مثاله؟
الطالب: من يضمن مثلًا منزلًا فيكون به خراب (...).
الشيخ: يضمن منزلًا؟
طالب: مثاله: مثلًا إذا سُرقت سيارة، فإني أضمن لمن يأتي بها ألف ريال.
الشيخ: لا، هذا جُعْل.
طالب: المثال أن يضمن أحد رجلًا ليشتري أشياء من السوق فيقول: أنا أضمنه على (...).
الشيخ: يعني يقول.. مثاله: ذهب رجل إلى السوق ومعه صاحب له غير معروف، فجاء رجل آخر فقال: أنا أضمنه. هذا يصح، لماذا؟ لأن العارية مضمونة بكل حال؛ بمعنى أن الإنسان إذا استعار شيئًا فتلف فالمستعير ضامِن على كل حال، بمعنى أن العارية مضمونة على كل حال، سواء فرط المستعير أو تعدى، أو لم يُفرِّط ولم يتعدَّ، ويأتي إن شاء الله الخلاف في هذه المسألة، لكن المذهب أن العاريَّة مضمونة بكل حال، ولهذا صح ضمانها؛ أي: ضمان العواري؛ لأنها مضمونة على قابضها بكل حال.
فإن قلنا بالقول الآخر أنها -أي العارية- كسائر الأمانات لا تُضمن إلا بالتعدي أو التفريط، صار ضمانها غير صحيح؛ لأنها غير مضمونة على الآخِذ -وهو الأصل- فلا تضمن على الفرع الذي هو الضامن.
كأن هذا ما هو مفهوم؟
طالب: غير واضح.
الشيخ: غير واضح. نترك السيارة؛ لأنها كبيرة عليكم، الثمن كثير، كتاب، شخص استعار من آخر كتابًا، فقال له صاحب الكتاب: أنا لا أعيرك إلا بضامن، تقدم شخص آخر قال: أنا أضمن الكتاب، أُعره إياه، فاستعاره الرجل. نقول: الضمان هنا صحيح، ليش؟ لأن العارية مضمونة بكل حال. هذا الكتاب لو تلف بيد المستعير بلا تعدٍّ ولا تفريط فهو ضامِن له على كل حال، وإن تلف بتعدٍّ وتفريط فهو ضامن أيضًا.
فيه قول آخر في العاريَّة: أن العارية لا تُضمن إلا بالتعدي أو التفريط، كسائر الأمانات.
وبناءً على هذا القول: لو أن أحدًا من الناس ضمنها، فالضمان غير صحيح؛ لأن المستعير، وهو الأصل الذي هو المضمون، لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط، فالفرع أيضًا لا يضمن، فإن ضمن التعدي فيها أو التفريط، صح؛ لأنه إذا ضمن التعدي أو التفريط فإن المستعير سيضمن في هذه الحال، فيصح ضمانه في هذه الحال.
أرجو الانتباه الآن: لا بد أن نتكلم عن العارية أولًا، العارية مضمونة بكل حال؛ أي: سواء فرط المستعير أو لم يفرط؛ هذه واحدة.
ضمان العارية صحيح بناءً على هذا القول؛ لأنها مضمونة على المستعير في كل حال، فصح أن يضمنها ضامِن. انتهينا من هذا.
هناك قول آخر يقول: إن العاريَّة لا تُضمن إلا بتعدٍّ أو تفريط؛ بمعنى أن الإنسان لو استعار الكتاب ووضعه في بيته في مكان محرز، وجاء سارق فسرقه، أو نزل عليه مطر فأفسده، أو احترق المكان فاحترق الكتاب، فإنه غير ضامن؛ لأنه ليس متعديًا ولا مفرطًا، وهذا القول هو الراجح.

على هذا القول، هل يصح ضمان العارية في هذه الحال مطلقًا؟
لا، يصح أن يضمن التعدي أو التفريط؛ بمعنى أن يقول: أنا ضامِن إن تعدَّى أو فرَّط.
هذا معنى كلام المؤلف.
يقول: (والعواري والمغصوب) أيضًا ضمان المغصوب صحيح؛ لأن الغاصب ضامن بكل حال.
كيف ضمان المغصوب؟ كيف يتصور؟
إنسان غصبه آخر، غصبه ساعته، أخذ الساعة قهْرًا منه، هذا ويش نسميه؟ نسميه غاصبًا، هو أخذها وهرب، راح، فوجده صاحب الساعة فأمسكه، وقال: أذهب بك إلى السجن، أو أعطني ساعتي، قال: الساعة في البيت ما هي معي، قال: أنا ما أعرف البيت، أنت الآن حصلتك، سوف أرفعك حتى تُسجن، فتقدم رجل آخر وقال: أنا أضمن الساعة. يصح الضمان ولَّا لا؟
طلبة: يصح.
الشيخ: ليش؟
طالب: لأنه مضمون على كل حال.
الشيخ: لأن المغصُوب مضمون على كل حال، والغاصِب ضامن على كل حال؛ لأنه مُعتدٍ، يده ليست يد أمانة، وعلى هذا ففي هذه الحال يصح للضامن أن يضمن هذه الساعة؛ لأنها مضمونة بكل حال.
يقول: (والمقبوض بسوم) يعني: ويصح أيضًا ضمان المقبوض بسَوْم.
ويش معنى المقبوض بسوم؟
المقبوض بسوم: أن يقف إنسان على صاحب الدكان، ويقول: هذه السلعة أشتريها منك بمئة ريال، سامها منه الآن، قال صاحب الدكان: نعم، لا بأس، قال: سأذهب إلى أهلي أريهم إياها، إن وافقوا أخذتها وإن لم يوافقوا رددتها، قال: لا بأس، فأخذها. من الذي أخذها؟ الذي سامها أخذها ليذهب بها إلى أهله، فتلفت السلعة، فهي مضمونة على كل حال على السائم، سواء تعدَّى أو فرَّط، وذلك لأنه قبضها وقطع الثمن؛ يعني حدد الثمن، فصار كأن البيع تم، فهي مضمونة عليه بكل حال، ولهذا صح ضمان هذه السلعة المقبوضة على وجه السوم. أفهمتم الآن المقبوض على وجه السوم؟ كيف يُضمن؟
هذا الرجل الذي جاء وسام السلعة وقال: أريد أن آخذها أريها أهلي إن وافقوا وإلا رددتها، قال له صاحب الدكان: لا، لا أعرفك، فتقدم رجل وقال: أعطه وأنا ضامن، يصح؟ يصح، فنقول: الآن اذهب وأرها أهلك، وإذا وافقوا فهي لك وإذا لم يوافقوا رُدَّها. يصح أن يضمن المقبوض على وجه السَّوْم، بناءً على أنه مضمون على القابض بكل حال.
طيب، المقبوض على وجه السوم ليس محل اتفاق أنه مضمون بكل حال.
والقول الثاني -وهو الصحيح-: أنه لا يُضمن إلا بالتعدي أو التفريط؛
لأن هذا المقبوض حصل بيد السائم بإذن مالكه، فيده يد أمين، وكونه سامَهُ وقطع الثمن أو سامَهُ ولم يقطع الثمن، فإنه لا أثر له في الضمان؛ لأن الرجل الذي قبضه أمين، ائتمنه صاحب السلعة، وعلى هذا فيكون المقبوض على وجه السَّوْم ليس مضمونًا على قابضه إلا أن يتعدى أو يفرط، ووجه ذلك ظاهر؛ لأن هذا المال حصل بيده بإذن مالكه، فيده يد أمانة.
بناءً على هذا القول: هل يصح ضمان المقبوض على وجه السَّوْم؟
لا يصح؛ لأنه ليس مضمونًا على القابض، وإذا لم يكن الأصل ضامنًا، فالفرع لا يصح أن يكون ضامنًا، لكن يصح أن يضمن التعدي أو التفريط، فيقول: أنا أضمن إذا تعدى أو فرَّط؛ لأنه كسائر الأمانات.
إذن عندنا مسألتان:
المسألة الأولى: هل المقبوض على وجه السوم مضمون بكل حال؟ المذهب: نعم، إذا ساومه وقطع الثمن، والقول الثاني: أنه ليس مضمونًا إلا إذا حصل تعدٍّ أو تفريط. والفرق بين التعدي والتفريط أن التعدي فعل ما لا يجوز، والتفريط ترك ما يجب.
(والمقبوض بسوم وعهدة المبيع) أي يصح ضمان عهدة المبيع. عُهدة بمعنى تَبِعَة، يعني أنه لو أن أحدًا من الناس اشترى سلعة، وقال البائع: أعطني الثمن، فقال: أنا أعطيك الثمن، هذا الثمن موجود، لكن أخشى أن تكون هذه السلعة مسروقة أو مغصوبة أو ما أشبه ذلك، فتقدم رجل وقال: العهدة عليَّ. يصح أو لا يصح؟ يصح، لدعاء الحاجة إلى ذلك، ولأن البائع إذا ظهر أن المبيع مستَحَق فهو ضامِن بكل حال.
المضمون له هنا هل هو البائع ولَّا المشتري؟ المشتري، سلَّم الثمن، لكن قال: أنا أخشى أن تكون السلعة هذه مسروقة، من يضمن لي ثمني إذا كانت مسروقة؟ لأنه إذا كانت مسروقة فسوف يطالب مالكها بالعِوض، فيقول: من يضمن لي؟ تقدم رجل وقال: أنا أضمن عُهدة المبيع، أنا عليَّ التبعة إن كان مسروقًا، أو مغصوبًا، أو ضائعًا من صاحبه، أنا أضمن. نقول: هذا الضمان صحيح، وجه الصحة أن البائع إذا ظهر أن هذا الذي باعه ليس ملكًا له فهو ضامن بكل حال؛ لأنه لا يملك أحد أن يبيع ملك غيره.
ما هي بناضجة عندكم.
طالب: غير واضحة.
الشيخ: أقول -بارك الله فيكم-: عهدة المبيع معناها التَّبِعَة، يعني إن ظهر على البائع تبعة فإن الضامن يضمن للمشتري، ومثال ذلك: رجل باع على شخص، ولنقُل: باع عليه ساعة بخمسين ريالًا، نقد المشتري الثمن، لكنه قال: أنا أخشى أن تكون الساعة مسروقة أو ضائعة ووجدها هذا، ولم يُعرِّفها، أو مغصوبة، المهم أخشى أن تكون الساعة ليست ملكًا لمن؟ للبائع، فتقدم رجل وقال: أنا ضامِن إذا ظهرت ليست للبائع فأنا أضمن لك الثمن. يصح أو لا يصح؟ يصح. لماذا؟ لأن البائع إذا ظهر أن السلعة ليست له فهو ضامن بكل حال، ليست كالأمانة، البائع الآن إذا ظهر أنها مستحقة فليس بأمين.
بعد ذلك (لا ضمان الأمانات بل التعدي فيها) يعني لا يصح ضمان الأمانات، والأمانات هنا: كل ما لا يُضمن إلا بتعدٍّ أو تفريط؛ هذه الأمانات: كل ما لا يضمن إلا بتعدٍّ أو تفريط فهو أمانة، فلا يصح ضمانها، لماذا لا يصح؟ لأن الأصل غير ضامن، وإذا كان الأصل غير ضامن، فلا يصح أن يُبنى على شيء لم يثبت. واضح التعليل؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب، لكن (التعدي فيها) يصح؛ لأنه إذا تعدى الأمين انتفت عنه الأمانة، وصار ضامنًا بكل حال، فيصح أن يضمن التعدي.
ومثاله: رجل أودع عند آخر وديعة، ولتكن ألف ريال، ثم بعد أن أودعه صار عنده إشكال، فتقدم رجل آخر، وقال: أنا أضمن الوديعة لك، فالضمان هنا لا يصح؛ لأن الأصل غير ضامن، لكن لو قال: أنا أضمن لك إن تعدَّى أو فرَّط، فهذا صحيح؛ لأنه في حال التعدي أو التفريط يكون ضامنًا، فحينئذٍ يصح الضمان.
وهذا مأخوذ من الشرط الذي اشترطناه، وهو أن يكون الدَّيْن واجبًا أو مآله إلى الوجوب؛ لأن ما ليس مضمونًا بكل حال ليس بواجب ما يستحقه صاحبه.

***

قال المؤلف رحمه الله: (فصل: تصح الكفالة بكل عين مضمونة) الكفالة هي الثالث من عقود التوثقة؛ لأن عقود التوثقة: رهن وضمان وكفالة.
ما هي الكفالة لأجل أن نعرف الفرْق بينها وبين الضمان؟
الكفالة: التزام جائِز التصرف إحضار من عليه دَيْن، وإن شئت فقل: إحضار من يصح ضمانه؛ حتى تدخل الأعيان المضمونة، كالعواري على القول بأنها مضمونة بكل حال، والمغصوب، وعُهدة المبيع، وضمان التعدي في الأمانات، فهي التزام جائز التصرف إحضارَ بدَن من يصح ضمانه؛ هذه هي الكفالة.
وبهذا التعريف نعرف الفرْق بينها وبين الضمان؛ الضمان يلتزم إحضار الدين، وهذا إحضار البدن، فإذا أحضر الكافل المكفول، وسلَّمه لصاحب الحق برِئ منه، سواء أوفى أو لم يُوفِ، وهذا فرْق واضح، وحينئذٍ تكون الكفالة أدنى توثقة من الضمان، لماذا؟ لأن الضمان يضمن الدَّيْن، وهذا يضمن من عليه الدَّيْن، فإذا أحضره برئ منه، وإذا مات المكفول برئ، وهناك إذا مات في الضمان لا يبرأ. فبينهما فروق ربما نتعرض لها إن شاء الله تعالى، لكن الكلام على أصل التعريف. الكفالة: إحضار بدن، والضمان: التزام قضاء دَيْن.
ولكن لو كان العُرْف عند الناس أن الكفالة بمعنى الضمان، فهل يُحمل المعنى على العُرْف أو على الشرع؟ على العرف؛ لأن هذه معاملات يُجرى الناس فيها على أعرافهم وعلى ما يريدون، فعندنا الآن إذا قال: أنا أكفل فلانًا، يريدون بذلك أني أضمن ما عليه من الدَّين.
لكن بدؤوا الآن يعرفون بعض الشيء، فصار إذا قال: أنا أكفله، إن أضاف إليها كفالة غرم صار ضامنًا، وإن أطلق فهي كفالة بدن، إحضار بدن، فيُعمل بالعرف سواء في هذا أو في هذا.

***

طالب: شيخ -حفظك الله- ذكرنا أنه يجوز لصحة الضمان أن يضمن في كل حال، فكيف يا شيخ يضمن؟ ذكرنا أنه يضمن بكل حال ويصح ضمانه، لعلنا يعني جعلنا هذا المضمون عنه ضامنًا في كل حال، فما الفائدة من ضمانه؟
الشيخ: الفائدة من ضمانه أن يتوثق صاحب الحق.
الطالب: هو الآن يا شيخ متوثِّق بضمانه في كل حال.
الشيخ: الآن يمكن يماطل، الذي عليه الدَّيْن ربما يُماطل أو يُعسر.
الطالب: ألا يؤخذ يا شيخ مثلًا بالقوة.
الشيخ: ترى معنى ضمان، معناه أنه يضمن على كل أنه يُطالِب بذلك، ليس معناه أنه يُسلِّم ويدفع، قد لا يدفع.

طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- على القول الراجح بأن العارية ليست مضمونة إلا إذا تعدى القرض (...) عارية مؤداة.
الشيخ: نعم، هذا اشترط على نفسه
.


طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، من استقرض قرضًا، ثم (...).
الشيخ: أسألك إذا قلت لي: أقرضني ألف ريال، فقلت: تفضل، هذه ألف ريال، واستلمتها أنت، فجاء خاطِف فخطفها من يديك ومشى، هل أنا أطالبك أو لا؟
الطالب: لا.
الشيخ: ما تطالبه!! ما هو تلف المال تحت يدك؟
الطالب: لا.

الشيخ: جئت تستقرض مني فأقرضتك ألف ريال، قلت: خذ يا هداية الله، هذه ألف ريال وسلَّمتها لك، فجاء حامد وخطفها وهرب، هل أنت ضامن لي أو تقول: والله خُطفت مني؟
الطالب: لا، أنا الضامن.
الشيخ: تضمن؟
الطالب: إي.
الشيخ: هذه.
الطالب: لا، فرْق بين العارية والقرْض، وذكرت قبل شوي؛ لأنه لا يظهر الفرق بين العارية والقرض، وذكرنا في كلام المؤلف.
الشيخ: ذكرنا الراجح، ما هو كلام المؤلف، كلام المؤلف العارية مضمونة، لا فرق بينها وبين القرض، إلا أن العارية يجب رد عينها، والقرض رد بدل، لكننا ذكرنا أن الصحيح أنه لا يضمن العارية إلا بتعدٍّ أو تفريط، أما القرض -بارك الله فيك- فهو بمجرد ما يُسلِّمك إياه المقرض دخل في ضمانك، ملكته.
الطالب: ما الفرق بينهما؟
الشيخ: الفرق ظاهر؛ لأن القرض يملكه المستقرِض، يملكه ملكًا. الآن لو أعطيتك مثلًا ألف ريال قرضًا وخدتها أنت، ثم بعدين رجعت لك: أعطني الدراهم اللي أقرضت، وهي الآن بيدك، تقدر تقول: لا، ما أعطيك إياها، لكن لو أعيرك قلمًا، ثم يوم كتبت بسم الله الرحمن، قلت: هات أعطني قلمي، باقي عليك تكتب (الرحيم)، يلزمك تعطيني إياه ولَّا لا؟
الطالب: نعم.

الشيخ: هذا الفرق، واضح.

طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بالنسبة لعهدة المبيع، المشتري إذا خاف على البضاعة قلنا: يصف ضمانها، وإذا خاف على تلف البضاعة.
الشيخ: تلف المبيع؟
الطالب: إي.
الشيخ: سيتلف في يده.
الطالب: طيب يعني إذا خاف أن..
الشيخ: سيتلف في يد المشتري (...).
الطالب: المشتري إذا خاف على تلف المبيع، هل في هذه الحالة يجوز له أن يضمن أحدًا؟
الشيخ: كيف يضمن؟
الطالب: يعني لما اشترى الساعة قال: أنا أخاف يعني الساعة هذه قديمة، أخاف عليها.
الشيخ: أخاف تتلف؟
الطالب: إي نعم، إتلافها عليه.
الشيخ: نقول: لا تشترها.
الطالب: كمثال يعني، أشياء مثل هذه..
الشيخ: مهما بلغت نقول: هكذا، هذا الجواب.
الطالب: هو يعود إلى (...).
الشيخ: لا، الصحيح، يعود إلى أنه يخشى أن يظهر المبيع مستحَقًّا للغير، يخشى أن يكون المبيع، وهي الساعة في مثالك، مستحقًّا للغير؛ بمعنى أن البايع سرقه أو غصبه أو وجده ضائعًا ولم ينشده، أو ما أشبه ذلك.
الطالب: شيخ، أما في التلف يعني..
الشيخ: التلف على مُلك المشتري، ما لم يَتبيَّن أن البائع قد غرَّه فيكون على البائع.

طالب: يصح ضمان المحجور عليه يا شيخ؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: إنسان زادت ديونه على ما عنده فحُجر عليه، ألا يصح أن يضمن غيره (...)؟
الشيخ: المحجور عليه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: في ذمته لا بأس، ويُطالِب به بعد فك الحجر.
الطالب: كيف يا شيخ يصح ضمانه وهو لا (...)؟
الشيخ: يمكن الإنسان المضمون له، يمكن يثق بذمة هذا الضامن، ويعرف أنه رجل صاحب وفاء، لكن أخلفت الأمور. المهم أنه لا يطالَب به إلا بعد فك الحجر.

طالب: هل يصح ضمان العبد بغير إذن سيده والزوجة بغير إذن زوجها؟
الشيخ: أما الزوج بغير إذن زوجها فنعم يصح أن تضمن؛ لأنها جائزة التصرف، وأما العبد فلا يصح؛ لأنه ليس جائز التصرف.

طالب: عُهدة المبيع، هل تشمل الأمور التي يمكن أن يعلم البائع بها أو حتى يدخل فيها العيب الذي لا يُعلم؟
الشيخ: كل شيء.
الطالب: يمكن يكون غير أمين في العيب يعلم به، إذا اشترى سيارة (...).
الشيخ: لا بد (...) العيب للمشتري أن يردها سواء علم البائع أم لم يعلم، لكن إن علم البائع صار مغررًا، ويضمن على كل حال، ولو لم يتعدَّ المشتري أو يُفرِّط.
الطالب: تدخل في مسمى عُهدة المبيع؟
الشيخ: إي نعم.

***

طالب: وتصح الكفالة بكل عين مضمونة، وببدن من عليه دَيْن، لا حد ولا قصاص، ويعتبر رضا الكفيل لا مكفول به، فإن مات أو تلفت العين بفعل الله أو سلَّم نفسه برئ الكفيل.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان ليوم الدين.
هل يصح ضمان العارية؟
طالب: نعم يا شيخ يصح ضمان العارية.
الشيخ: بكل حال؟
الطالب: على المذهب بكل حال؛ لأنها مضمونة.
الشيخ: على ما مشى عليه المؤلف بكل حال؟
الطالب: نعم؛ لأنها مضمونة.
الشيخ: لأنها مضمونة بكل حال.
طالب: (...).
الشيخ: الصحيح أنها لا تُضمن إلا إذا تعدى أو فرَّط
. طيب وبناءً على هذا القول هل يصح ضمان العاريَّة أو لا يصح؟
الطالب: لا يصح.
الشيخ: إي، توافقون على هذا؟ هو لا يصح ضمان العاريَّة.
طالب: إلا في التعدي أو التفريط.
الشيخ: نعم، إلا في التعدي أو التفريط. المقبوض على وجه السَّوْم ما مثاله؟
طالب: مثلًا (...) ثم تلفت وحال الضمان عليه، عليه ضمان، فيصح ضمان..
الشيخ: يعني على القابض.
الطالب: على السائم.
الشيخ: القابض إي.
الطالب: الذي سام.
الشيخ: إلى الآن ما اشترى، على القابض؛ لأنه يقول: المقبوض على وجه السوم.
الطالب: وعلى رأي المصنف يضمن في كل حق.
الشيخ: طيب، فيصح ضمانه الآن؟
الطالب: فيصح الضمان.
الشيخ: طيب.
الطالب: وفيه قول آخر، وهذا قسم من (...) وهو أنه لا يضمن إلا في وقت التعدي والتفريط.
الشيخ: إلا في حال.
الطالب: إلا في حال التعدي والتفريط.
الشيخ: إي نعم، هذا كلام صحيح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، والصحيح أنه لا يضمن إلا بتعدٍّ أو تفريط؛ لأن القاعدة: أن كل من قبض مالًا بإذن الشارع أو إذن المالك فيده أمينة. طيب عُهدة المبيع، ما هي عهدة المبيع؟
طالب: تبِعة المبيع.
الشيخ: تبعة المبيع. كيف يعني؟ اشرح لي هذا الموضوع؟
الطالب: إنسان اشترى سلعة فخاف أن تكون مسروقة، (...) أنا أضمن.
الشيخ: أضمن لك العهدة.
الطالب: أضمن لك العهدة.
الشيخ: تمام، سمعتم؟ اشترى من شخص حاجة، فخاف أن تكون هذه الحاجة مسروقة، فقال: أنا أريد أحدًا يضمن لي عهدة المبيع، فأتى البائع بشخص وقال: أنا أضمن لك عُهدة المبيع، إذا خرج مستحقًّا أو خرج فيه عيب أو غير ذلك فأنا ضامن، هذا أيضًا يجوز لما في ذلك من المصلحة للجميع.
يقول المؤلف: إن ضمان الأمانات لا يصح؟ ويش معنى ضمان الأمانات؟
طالب: يعني إذا ائتُمنت على شيء ثم تلف هذا الشيء المؤتمن في يدك فإنه لا يصح أن يأتي أحد يضمن عليك. وأراد إنسان يؤمنك -يعني بعبارة أخرى- فقال: ائتني بضمين يضمنك أنك لا تتلفها ولا يحصل عليها شيء، فيقال في هذه الحالة: الأمانة لا يصح أن تضمن بها، الأمين يعني ما يُضمن.
الشيخ: حتى لو تعدَّى أو فرَّط.
الطالب: إلا إذا تعدى أو فرط فإنه..
الشيخ: إذن الجواب؟
الطالب: الجواب أن الأمين لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرَّط.
الشيخ: طيب، ومتى يصح أن يُضمن؟
الطالب: إذا تعدى أو فرَّط.
الشيخ: لا، ما هو بأن يَضمن، يجي واحد بيضمنه، يقول: أنا أضمن لك فلانًا، أعطِ فلانًا مثلًا الشيء الفلاني وأنا أضمنه.
الطالب: يقول مثلًا: اضمن لي أنه ما يتعدى ولا يفرط.
الشيخ: يعني ضمان التعدي؟
الطالب: في هذه الحال يقول: أريد ضامنًا أنك لا تتعدى ولا تُفرِّط، ففي هذه الحال يصح الضمان.
الشيخ: يعني أن يقول: أعطِ فلانًا هذه السلعة وأنا أضمن لك إن تعدَّى أو فرَّط، كذا؟ هذا هو؟
الطالب: أعطه هذه السلعة؟
الشيخ: إي، مثلًا إنسان قال: أنا والله بأسافر، من يأخذ هذا المال عنده وديعة؟ فقال رجل: أنا آخذه. فقال: هات أحدًا يضمنك. ففي هذه الحال لا يصح أن يضمنه أحد؛ لأنه لا ضمان عليه إلا بتعدٍّ أو تفريط، لكن لو قال الذي أراد يضمنه: أنا أضمن لك إن تعدى أو فرط، يصح؟
الطالب: إي نعم، هذا يصح.
الشيخ: الكفالة تعريفها؟
طالب: الكفالة تعريفها: التزام؛ يعني إحضار الشخص الذي يعلم الدَّيْن.
الشيخ: التزام مَنْ؟ أي واحد يلتزم؟
الطالب: واحد يعني يخبر هذا الشخص.
الشيخ: لكن أي واحد؟ يعني لو جاء صبي يكفل إنسانًا في مئة ألف ريال؟
الطالب: لا، لا بد من أن يكون جائز التصرف.
الشيخ: إذن التزام جائز التصرف، إحضار؟
الطالب: إحضار شخص.
الشيخ: إحضار بدن من عليه الحق.

***

قال المؤلف: (وتصح الكفالة بكل عين مضمونة) المؤلف رحمه الله تكلم على الكفالة، وكذلك على الضمان فيما سبق من حيث الحُكْم الوضعي، هل هي صحيحة أو غير صحيحة؟ لكن لم يتكلم من حيث الحكم التكليفي، لا في الضمان ولا في الكفالة.
فما حكم الضمان، وما حكم الكفالة؟
سبق أن قلنا في الضمان: إنه سُنَّة للضامن؛ لما فيه من مساعدة أخيه وتفريج كربته وغير ذلك، ولكننا قيَّدنا ذلك بما إذا كان الضامن قادرًا على الوفاء، أما إذا كان فقيرًا، ثم بعد أن يحل الأجل يُطالَب وليس عنده شيء، فهذا غلط وليس بمستحب؛ بل هو أقل الأحوال أن يكون مكروهًا؛ لأنه يُلزِم نفسه ما لا يلزمه.
كذلك يُقال في الكفالة، الكفالة من حيث هي سُنَّة للكفيل، وهذا بشرط أن يعلم أنه قادر على إحضار بدن الكفيل، أو إيفاء الدَّيْن عنه، فإن عرف من نفسه أنه ليس بقادر فلا ينبغي أن يكفل؛ ولهذا نجد الآن أناسًا كثيرين يأتون يشكون ديونًا عظيمة عليهم، سببها الكفالة، أنهم يكفلون الناس، والإنسان إذا عرف أنه مكفول ما يهمه، إلا من عصم الله.
فنقول: احرص على ألا تكفل؛ لأن الناس في الوقت الحاضر خاصة لا أحد يُوثَق به إلا مَنْ شاء الله.
أما من حيث المكفول والمضمون، فهذا لا يُعتبر له رضا، ولا يُعتبر له عِلْم؛ لأنه ليس عليه ضرر، وقد سبق لنا التفصيل في مسألة الضمان أنه إذا كان عليه ضرر، فإنه لا ينبغي للضامن أن يقدم ويَضمن.
قال: (تصح الكفالة بكل عين مضمونة) (بكل عين) هل الأعيان هي التي تُضمن؟ هي التي تكفل؟
لا، وإنما الذي يُكفل بَدَن من عنده عين مضمونة، ولهذا تعتبر عبارة المؤلف رحمه الله قاصرة؛ يعني اختصر، لكنه اختصار مُخِلٌّ؛ لأن اللي يقرأ هذا يفهم بأن التي تُكفل هي العين، وليس كذلك، الذي يكفل الشخص الذي عنده العين.
كل عين مضمونة يصح كفالة بدن من هي عنده، الأعيان المضمونة هي التي تُضمن بكل حال، سواء بتفريط أو بغير تفريط، مثل: المسروق، عند السارق عين مضمونة، المغصوب عند الغاصب عين مضمونة، المبيع بكيل أو وزن أو ما أشبه ذلك قبل قبضه؛ هذا أيضًا من الأعيان المضمونة على البائع. المهم كل عين تُضْمن بكل حال فإنه تصح الكفالة ببدَن من هي عنده. طيب، العارية؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، إن قلنا: لا؛ أخطأنا، إن قلنا: نعم؛ أخطأنا، أما على ما جرى عليه المؤلف فهي عين مضمونة تصح كفالة من هي عنده، وأما على القول الصحيح فليست من الأعيان المضمونة؛ بل هي أمانة،
وإذا وُجِد تلف نظرنا هل يَضمن أو لا؟
إذن الكفالة الآن فهمنا أنها في البدن (وببدن من عليه دين)؛ لأن الحقوق الواجبة للغير إما أعيان، واشترط المؤلف أن تكون مضمونة، وإما ديون في الذمم، فالأعيان عرفتم حكمها: أنه يصح الكفالة ببدن كل من عنده عيْن مضمونة.
أما الدَّيْن، قال: (وببدن من عليه دَيْن)، تصح الكفالة ببدن من عليه الدَّيْن، كرجل في ذمته لشخص ألف ريال، فطالبه صاحب الحق، أمسك به، قال: أوفني، ولكنه ليس معه شيء، فقال: سوف أرفعك إلى الجهات المسؤولة، فتقدم إنسان محسِن، وقال: أنا أكفل الرجل، أو أكفل الدَّيْن؟
طلبة: الرجل.
الشيخ: الرجل؛ لأنه لو قال: أنا أكفل الدَّيْن صار ضامنًا، لكن: أنا أكفل الرجل، يعني إحضاره، يصح.
ولا فرق في الدَّيْن بين أن يكون عن قرض، أو عن إجارة، أو عن قيمة مُتلَف، أو قيمة مبيع، أو صداق، أو غير ذلك. المهم أن يكون الدَّيْن ثابتًا، فتجوز الكفالة ببدن من عليه دين.
(لا حد ولا قصاص) يعني لا من عليه حد أو قصاص؛ من عليه حد كرجل سارق أمسكته الجهات المسؤولة لتقطع يده، فقال: ذروني أذهب إلى أهلي، وأخبرهم بهذا الشيء بأني مستحق لقطع اليد، فقالت الجهات المسؤولة: لا نتركه، لا بد من القطع الآن، فقال: لي من يكفلني، فلان، يكفل أن أرجع، فتقدم رجل محسِن وقال: أنا أكفله، فلا يصح أن يكفله؛ لأنه لو تعذَّر الاستيفاء من السارق، لم يمكن الاستيفاء من الكفيل، فأي فائدة إذن؟ أي فائدة في الكفالة؟ لا فائدة في الواقع.
قد يقول قائل: بل في ذلك فائدة؛ لأن هذا الرجل الذي كفله له سلطة، فهو أمير قومه، وهذا الرجل من قومه، ويستطيع أن يحضره، وتعذُّر إحضاره أمر طارئ، وإلا فالأصل أن هذا الكفيل قادر على إحضاره، وبناءً على هذا يمكن أن يُفرَّق بين شخص له القدرة التامة على إحضار بدن من عليه حد، وبين شخص عادي لا يستطيع، فالأول قد يقال بصحة كفالته، والثاني لا تصح لا شك.
لكن المشهور من المذهب الذي مشى عليه المؤلف: أنه لا يصح كفالة مَنْ عليه حد بأي حال من الأحوال؛ والعلة في ذلك ما ذكرنا أولًا: وهي تعذُّر الاستيفاء من الكفيل، لو تعذر الاستيفاء من المكفول.
كذلك القصاص، من عليه قِصاص، بأن يكون قاتلًا، وطالَب أولياء المقتول بقتله، وثبت ذلك، وأردنا أن نقتُله، فقال: ذروني أذهب إلى أهلي لأكتب وصيتي، وأخبرهم بما عليَّ من الديون أو غيرها، ثم أرجع، فقيل له: من يكفلك؟ قال: يكفلني فلان. نقول: هذا لا يصح؛ لأنه لو تعذر حضور هذا الذي وجب عليه القصاص لم نتمكن من استيفائه من الكفيل.
لكن لاحظوا أن القصاص أهون؛ لأنه إذا تعذر القصاص رجعنا إلى الدية، والدية يمكن أن يقوم بها الكفيل، ولهذا من صحَّح الكفالة في الحد ممن يستطيع إحضار المكفول، فإنه يُصحِّح الكفالة فيمن عليه قصاص من باب أوْلى؛ وذلك لأنه إذا تعذر القصاص بعدم حضور المكفول فإنه يمكن أن يعاد إلى الدية.
لكن المذهب هو ما سمعتم: أنه لا يمكن الكفالة؛ أي كفالة بدن من عليه قصاص. وجه ذلك أنه لو تعذَّر حضور المكفول لم نتمكن من استيفاء القصاص من الكفيل، فتكون الكفالة لا فائدة منها. ما هي القاعدة في هذا؟
القاعدة في هذا تُؤخذ من التعليل، كل شخص لا يمكن الاستيفاء منه لو تغيَّب الكفيل فإنه لا يصح أن يكفل.
مثال آخر: امرأة أمسكت بزوجها وقالت: إنك لا تقسم لي، لها ضَرَّة، وقالت: أنت لا تقسم لي، الليلة المقبلة لي -تقول ها المرأة هذا- وأنت ما تحضر، ما حضرت قبل ليلتين، ولا قبل أربع ليال، ما تحضر، والآن لا بد من المحاكَمة، فقال لها: أمهليني، قالت: لا أمهلك، فقام رجل فقال: أنا أكفل الرجل أن يحضر إليك. أتصح الكفالة؟
طلبة: لا تصح.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: (...).
الشيخ: لأنه لو لم يحضر فإن الكفيل لا يمكن أن يقوم مقام المكفول، فالقاعدة هي هذه، القاعدة: أنه متى تعذر الاستيفاء من الكفيل فإن الكفالة لا تصح، وذلك لعدم الفائدة منها، وأحكام الله لا تُؤخذ باللعب واللغو الذي لا فائدة منه.
يقول رحمه الله: (ويعتبر رضا الكفيل لا مكفول به) (يعتبر رضا الكفيل) معلوم؛ لأنه سوف يلتزم بحق، وهذا إذا لم يرضَ بذلك فإنه لا يُلزم به. والمكفول له يُعتبر رضاه؟
طالب: لا.
الشيخ: أصله لا يمكن الكفالة إلا بطلب منه، فإذا تقدم إنسان بيكفل، وقال المكفول له: لا، ما حاجة تكفل فلانًا، أنا أعرفه، فهنا لا كفالة؛ لأن المكفول له يجوز له إسقاط الكفالة بعد ثبوتها، فعدم قبولها من أول الأمر من باب أوْلى.
المكفول؟ المؤلف عبَّر رحمه الله بقوله: (لا مكفول به)، والمكفول به في الواقع هو الدَّيْن أو الحق، والعبارة السليمة: (لا مكفولٍ)، يعني لا يعتبر رضا المكفول، فلو قال إنسان لشخص: أنا أكفل فلانًا، فقال المكفول: أنت تكفلني؟! أنا أوثق منك عند الناس وأنا أوْفى منكَ، وأنا أعلى منك نسبًا، وأنا أعلى منك حسبًا، أنت تكفلني؟! ويش أنت؟! فهُنا يقول: أنا لا أرضى أن تكفلني، فهل يُعتبر؟
ما يُعتبر؛ لأن هنا حقًّا للمكفول له، وحقًّا على الكفيل، فهما صاحبا الحق، أما المكفول فليس له حق، لكن كما قلت لكم في الضمان: إذا كان يترتب على هذا سوء السمعة بالنسبة للمكفول، فإنه لا يجوز أن يتقدم أحد في كفالته؛ لأن ذلك يضر بسُمعته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» .
ثم قال المؤلف: (فإن مات أو تلفت العين بفعل الله أو سلَّم نفسه برئ الكفيل).
(إن مات) الضمير يعود على المكفول: إن مات برئ الكفيل. حتى من الدَّيْن؟
نعم، حتى من الدَّيْن؛ لأنه لما مات المكفول هل يمكن إحضاره؟ لا يمكن إحضاره. فإن طالب من له الحق بإحضاره، قال: تفضل، إلى المقبرة، وأوقفك عند داره، واستأذن، وخذ حقك منه. هكذا يُقال؟ لا، هذا لا يمكن. ولو قيل هذا القول له، لقال: هذا سخرية بي. فيُقال: إذا مات المكفول برئ الكفيل، وهذا من الفروق بين الكفالة والضمان، الضمان إذا مات المضمون لم يبرأ الضامن، أما الكفالة فإذا مات المكفول برئ الكفيل.
(أو تلفت العين بفعل الله) وهذا يعود على ما إذا كفله بعين مضمونة.
(تلفت العين بفعل الله)، مثل أن يأتي سيل عظيم يجترف هذه العين، هذه تلفت بفعل الله لا بتعدٍّ ولا بتفريط، فيبرأ الكفيل، ولو كان ضمانًا لم يبرأ.
وعُلِم من قول المؤلف: (بفعل الله)، أنها لو تلفت بفعل آدمي فإن الكفيل لا يبرأ؛ لأن الكفيل في هذه الحال يمكنه مطالبة مَنْ؟ مطالبة المتلف، فيقول للمتلف: أحضر بدل ما أتلفت، لكن إذا كانت العين بفعل الله فإنه يبرأ، ولا ضمان عليه.
(أو سلَّم نفسه) (سلَّم) الفاعل مَنْ؟ المكفول، سلَّم نفسه، وجاء في الوقت المحدد؛ فإنه يبرأ الكفيل، وهذا واضح إذا سلَّمه عند حلول الأجل، مثلًا قال: الدَّيْن يحل في أول يوم من رمضان، فجاء هذا الرجل أول يوم من رمضان وسلَّم نفسه، لمن سلَّم نفسه؟ لصاحب الحق، سواء الدَّين أو العين المضمونة، سلَّم نفسه يبرأ الكفيل، سواء قدر على الاستيفاء منه أم لم يقدر؛ لأنه إنما التزم بإحضار بدنه وقد حضر. فإن سلَّم نفسه قبل حلول الأجل، فهل يبرأ؟
فيه تفصيل، إن سلَّم نفسه قبل حلول الأجل وليس ثمة يد ظالمة تحول بينه وبين استيفاء حقه فلا بأس، وإلا فلا؛ لأنه لو سلَّم نفسه قبل أن يحل الدَّيْن، ربما يكون هذا حيلة ليبرئ مَنْ؟ يبرئ الكفيل، ثم بعد ذلك يهرب، لكن إذا كان ليس هناك يد حائلة ظالمة تمنع من استيفاء الحق فلا بأس، إذا قال: أنا الآن أُسلِّم نفسي وأعطيك الحق الآن.
ونعهد إلى بعضكم ليستخرج الفروق بين الضمان والكفالة.
طالب: إذا سلَّم قبل الحلول (...)؟
الشيخ: إذا سلَّم نفسه قبل الحلول وهو قادر على الوفاء، وهو يبغي يُوفي، ولا فيه مثلًا يد حائلة تمنع من استيفاء الحق، برِئ؛ يعني لو كان هذا الذي سلَّم نفسه له اتصال بالسلطان، ويبتدئ يقول: أنا بأسلم نفسي الآن وأنت يا أيها السلطان قل: لا تُوفِ قبل الحلول، مثلًا ويمنعه، فهنا ما يبرأ؛ لأنه لا فائدة.

طالب: شيخ -أحسن الله إليك- المكفول له إذا جاء إلى صاحب الدَّيْن. المكفول له إذا جاء قبل الأجل، وسدَّد بعض الدَّيْن، هل عند ذلك تبرأ ذمة الكفيل؟
الشيخ: سلَّم نفسه؟
الطالب: إذا سلَّم نفسه (...) الديون؟
الشيخ: إي، تبرأ؛ لأن صاحب الحق يمسكه، يقوله: تعالَ، أوفِ. (...)

طالب: أحسن الله إليك، هل هناك فرق بين المكفول المماطِل وغير المماطل بالنسبة لانتهاء المدة؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: إذا ماطل الكفيل وهو قادِر؟
الشيخ: الكفيل ولَّا المكفول؟
الطالب: الكفيل، وكان مماطلًا وهو واجد، هل يبرأ الكفيل أو يبقى على كفالة (...)؟
الشيخ: تقول: إذا كان الكفيل مماطلًا؟
الطالب: لا، المكفول مماطل.
الشيخ: إي نعم، إذا سلَّم نفسه برئ.

الطالب: إذا قال يا شيخ صاحب الحق للكفيل: لا أقبل حتى تحيل (...).
الشيخ: يقول: لا تقبل، يقول: الحمد الله اللي فكني منك.

طالب: هل إذا كان الكفيل أو الضامن إذا كان غير قادر، هل تكون الكفالة والضمان في حقه غير جائزة؟
الشيخ: نعم، ذكرناه أنه في هذه الحال لا يجوز؛ لأنه يعرض نفسه لديون قد نجَّاه الله منها.

طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إذا قال المعير للمستعير: عارية مؤداة، فهل يصح له هذا الشرط أصلًا؟
الشيخ: هذا ينبني على الخلاف، بعض العلماء..
الطالب: على الراجح.
الشيخ: لا، إذا التزم فهي تلزمه
.

***

طالب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: باب الحوالة: لا تصح إلا على دَيْن مستقر، ولا يُعتبر استقرار المحال به، ويُشترط اتفاق الدَّيْنين جنسًا ووصفًا ووقتًا وقدرًا، ولا يؤثر الفاضل، وإذا صحت نُقِل الحق إلى ذمة المحال عليه.
الشيخ: (وإذا صحت نقلت)، أنت ما عندك تاء؟
طالب: وإذا صحت نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبرئ المحيل، ويعتبر رضاه لا رضا المحال عليه، ولا رضا المحتال على مليء، وإن كان مفلسًا، ولم يكن رضي رجع به.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما حكم الضمان بالنسبة للضامن والمضمون عنه؟
طالب: حكم الضمان بالنسبة للمضمون عنه جائز، أما بالنسبة للضامن فهو مُستحَبٌّ في حقه بشرطين؛ الشرط الأول: أن يعلم من نفسه القدرة على الوفاء، الشرط الثاني: أن يعلم حصول المصلحة في ضمانه.
الشيخ: إذن هو في حق المضمون عنه جائز، يعني يجوز لأي إنسان يقول: يا فلان، اضمن عني، وأما في حق الضامن فهو سُنَّة؛ لأنه من الإحسان، والله تعالى يحب المحسنين، لكن لا بد أن يكون الإنسان عالِمًا من نفسه أنه قادر على الوفاء لئلا يتورط.
هل يُشترط لمطالبة الضامن تعذُّر مطالبة المضمون عنه؟
طالب: المذهب أنه لا يتعذر مطالبة المضمون له أن يرجع إلى الضامن.
الشيخ: أنه لا يشترط تعذر مطالبة.
الطالب: الضامن أو المضمون له.
الشيخ: لا.
الطالب: الضامن أو المضمون عنه.
الشيخ: انتبه لمعنى الكلام، أنه لا يُشترط تعذر مطالبة.
الطالب: أنه لا يشترط تعذر مطالبة الضامن، أن له مطالبة الضامن والمضمون عنه؛ هذا المذهب.
الشيخ: أجِبْ عن العبارة: هل يُشترط تعذر مطالبة الضامن المضمون عنه أو لا؟
الطالب: هذا هو الصحيح.
الشيخ: يشترط ولَّا لا؟
الطالب: يُشترط.
الشيخ: يُشترط، حتى على ما ذهب إليه المؤلف؟
الطالب: لا، على ما ذهب إليه المؤلف أن له حق مطالبة.. لا يشترط.
الشيخ: لا يشترط، طيب، بناءً على ذلك هل يجوز أن يطالب الضامن مع إمكان مطالبة المضمون عنه؟
طالب: على المذهب؟
الشيخ: على (...)، أنا قلت بناءً على ذلك.
الطالب: بناء على الخلاف.
الشيخ: على ما مشى عليه المؤلف.
الطالب: نعم، يجوز له أن يطالبه؛ لأن الحق ثابت في ذمته.
الشيخ: طيب، وهل إذا مات الضامن يرجع في تركته؟
الطالب: يرجع في تركته أو..
الشيخ: بمعنى أنه يطالب ورثة الضامن بالحق المضمون.
الطالب: نعم.
الشيخ: له ذلك. إذن له أن يطالب الضامن في الحياة وبعد الموت. هل هناك قول آخر أنه لا يطالب الضامن إلا إذا تعذرت مطالبة المضمون عنه؟
طالب: فيه قول.
الشيخ: فيه قول ثالث؟
الطالب: (...).
الشيخ: وهل علمت القول الثاني؟
الطالب: (...).
الشيخ: لكن، من أين علمت القول الثاني؟
الطالب: من المؤلف يا شيخ.
الشيخ: لأني سألت عنه، صار عن غير عِلْم.
طالب: يا شيخ، القول الثاني للمالكية، وهو لا يجوز مطالبة الفرْع مع وجود الأصل.
الشيخ: مطالبة الفرع مع وجود الأصل؛ يعني لا يملك مطالبة الضامِن مع إمكان مطالبة المضمون عنه.
رجل كفل إنسانًا بدَيْن، ثم أحضر المكفول وتعذر الوفاء منه، فهل يرجع المكفول له على الكافل؟
طالب: نعم.
الشيخ: انتبه للسؤال، رجل كفل إنسانًا بدَيْن عليه، ثم أحضره، ولكن هذا المكفول لم يوفِ، فهل المكفول له يملك أن يطالب الكفيل؟
الطالب: إن كان لم يوفِ.
الشيخ: ما أوفاك، سواء معسر ولَّا موسر مماطل، المهم أنه لم يوفِ.
الطالب: نعم يا شيخ، له أن يطالب.
الشيخ: له أن يطالب، طيب.
طالب: لا يا شيخ، الكفيل يبرأ بمجرد تسليم المكفول.
الشيخ: المكفول.
الطالب: لا، بمجرد تسليم المدِين نفسه.
الشيخ: المكفول.
الطالب: الكفيل يبرأ بمجرد تسليم المدِين نفسه.
الشيخ: إي، وهو المكفول، سواء أوفى أو لم يوفِ. وإذا كان ضمانًا وأحضر الضامن؟
الطالب: لا ما يكون.
الشيخ: إذن هذا من الفروق بين الضمان والكفالة. طيب، هل للضمان أصل في كتاب الله؟
طالب: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [يوسف: ٧٢].
الشيخ: نعم، له أصل؟
الطالب: نعم. هذا على أساس (...) في الضمان.
الشيخ: هذا الجواب: له أصل، أما وَلِمَنْ جَاءَفهذا يحتاج إلى سؤال ثان.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، إذن له أصل في القرآن، وهو قوله تعالى: وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ.
الضمان والكفالة من حُسْن القضاء أو الاقتضاء؟
طالب: الضمان والكفالة من حسن الاقتضاء يا شيخ، من حسن القضاء.
الشيخ: تأكد. في الحديث: «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا قَضَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى» .
الطالب: حُسن الاقتضاء يا شيخ.
الشيخ: الاقتضاء، إي، أيش تقول؟ من أيهما؟
طالب: الضمان قد يكون من حُسْن القضاء، والكفالة من حسن الاقتضاء.
الشيخ: هل هو من حسن القضاء أو الاقتضاء؟
الطالب: الاقتضاء.
الشيخ: الاقتضاء.
الطالب: ألا يقضي عن غيره.
الشيخ: لا، الاقتضاء معناه الاستيفاء.
الطالب: لا، القضاء يا شيخ.
طالب: شيخ، عند القيام بتحمل مسؤولية الضمان أو الكفالة؛ هذا حسن اقتضاء، أما عند إبراء الذمة وعند مطالبته بالقيام بضمانه؛ هذا حُسن قضاء.
الشيخ: يعني يصح أن يكون اقتضاء أو قضاء؛ لأن المكفول من حُسن قضائه أن يُؤمِّن صاحب الدين، أليس كذلك؟ وصاحب الدَّيْن من حسن اقتضائه أن يتساهل مع المدِين ويقبل الضمان أو الكفالة، إذن هي صالحة لهذا وهذا.
ننتقل الآن: لو تلِفت العين، فهل يضمن الكفيل أو لا يضمن؟
طالب: إن تلفت العين إن كانت بفِعل الله تعالى برأت ذمة الكفيل.
الشيخ: إذا تلفت العين بفعل الله، ويش معنى بفعل الله؟
الطالب: كمثل المطر أفسد العين، أو انهدم البيت فسدت.
الشيخ: البيت ما يُضمن ولا يُكفل.
الطالب: لا، إذا كانت هذه العين عند شخص مكفول وتلفت العين.
الشيخ: يعني مثل بعير.
الطالب: مثل بعير في بيت، والكفيل كفل من استدان هذا البعير، ثم مات البعير، فإنه تبرأ ذمة الكفيل.
الشيخ: وإذا كان بفعل آدمي؟
الطالب: يرجع صاحبها على (...).
الشيخ: هل يبرأ ولَّا لا؟ الكفيل؟
الطالب: يبرأ.
الشيخ: الكفيل؟
الطالب: نعم، يبرأ يا شيخ.
الشيخ: إذن ما حاجة أن تقول: إن كانت بفِعل الله، الشرطية هذه لاغية.
طالب: لا يبرأ.
الشيخ: لا يبرأ، ليش؟ لأن صاحب الحق سوَّى يطالب بالعين التي تلفت، يُطالب المتلِف، أو يطالب من هي بيده كما مر علينا.
طالب: له مطالبة الكفيل يا شيخ؟
الشيخ: إي، والكفيل؛ لأن الأصل أنه ما برئ، مثلًا أنا كفلت هذه الناقة، وجاء إنسان وأتلفها، الآن أنا لي حق أن أُطالِب.

***

باب الحوالة
01:22:56

ثم قال: (باب الحوالة) الحوالة معناها: التحويل أو التحول، تصح لهذا أو هذا، يعني تحول الحق من ذمة إلى ذمة، هذه الحوالة، وهو عبارة عن انتقال الحق من فلان إلى فلان، وهي من حُسن القضاء والاقتضاء منهما جميعًا؛ لأن المحال إذا قبِل فقد يسَّر الأمر على المحيل، ولأن المحيل أيضًا إذا أحال صاحب الدَّيْن بدينه، هذا أيضًا من التيسير؛ لأن المحيل قد يكون مُعسرًا فيحيله على موسر، وهي من الإحسان والمعروف، إذا كان فيها تيسير وتسهيل على المكلَّف، أما حكمها شرعًا فإنها جائزة، لكن بشروط، والدليل على جوازها قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَمَنْ أُحِيلَ بِدَيْنِهِ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَحْتَلْ» ، فهذا أصل في جواز الحوالة، لكنها لها شروط:
الشرط الأول: أنه لا بد من استقرار المحال عليه؛ وذلك أن الحوالة لها خمسة أركان: مُحيل، ومُحال، ومُحال به، ومحال عليه، وصيغة. خمسة: مُحِيل، والثاني مُحال، ومُحال عليه، ومُحال به، وصيغة، خمسة أركان.
لا بد أن يكون الْمُحال عليه مستقرًّا؛ أي ثابتًا ثبوتًا ليس فيه فسْخ أو عُرْضة لفسخ، كثمن المبيع، والأجرة بعد تمام المدة، والقرْض، وغرم الجنايات، وما أشبهها.
المهم أن يكون على دَيْن مستقر، احترازًا من الدين غير المستقر كدَيْن الكتابة مثلًا: إنسان كاتب عبده بعشرة آلاف، العبد الآن صار عليه دين، حيث اشترى نفسه من سيده بكم؟ بعشرة آلاف، لا يملك السيد الآن أن يحيل على الدين الذي في ذمة المكاتب، لماذا؟ لأنه غير مستقر، ولهذا إذا كان هذا السيد عليه عشرة آلاف، وأراد أن يُحيل صاحب الدَّيْن على دَيْن الكتابة، فقد تحصل وقد لا تحصل، فيكون هذا الذي تحول إما سالِمًا وإما غارمًا، يعني المعنى أنه لا يدري هل يغرم أو يحصل على حقه؛ فلهذا لا بد من أن يكون المحال عليه مُستقرًّا.
أما المحال به فلا يُشترط استقراره، المحال به، وهو الدَّيْن الذي على المحيل، والمحال عليه هو الدَّيْن الذي على المحال عليه.
(ولا يعتبر استقرار المحال به) فهذان شرطان يعودان على ركنين من أركان الحوالة.
الشرط الأول يعود على أي ركن؟ المحال عليه، والثاني على المحال به، فلو أن المكاتَب أحال سيده بدَيْنه على من في ذمته دين مستقر للمكاتب فإن الحوالة صحيحة؛ لأنه لا يُشترط استقرار المحال به.
ومن الشروط أيضًا: اتفاق الدَّينين، أي المحال به والمحال عليه، اتفاقهما جنسًا ووصفًا ووقتًا وقدرًا، اتفاقهما في أربعة أمور:
الأول: الجنس، بأن يُحيل مئة صاع بُرٍّ في ذمته على مَنْ له في ذمته مئة صاع بُرٍّ، فإن أحال بمئة صاع بر على مئة صاع شعير فإنه لا يصح لاختلاف الجنسين.
أحاله بعشرة دنانير على مئة درهم؟ لا يصح؛ لاختلاف الجنسين، أو القدْر؟ الجنس، قبل كل شيء، الجنسين، والقدر أيضًا.
يُشترط أيضًا اتفاقهما وصفًا؛ بأن يكون كل منهما جيدًا أو رديئًا أو وسطًا، وظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح أن يُحيل جيدًا على رديء، ولا رديئًا على جيد، وفي هذا نظر؛ لأنه لا محظور من ذلك، فإذا أحال بجيد على رديء وقبل المحال الرديء عن الجيد فما المانع،
ما دام الجنس واحدًا والقدر واحدًا فليس فيه ربا وليس فيه غرر، فهذا المحال الذي أُحِيل بالجيد على الرديء يقول: أنا أحب أن آخذ الرديء ولا يبقى حقي في ذمة هذا الرجل الفقير أو المماطل.