كتاب البيع (الشرح الثاني) - 31
عدد الزيارات 1296

الشيخ: .. بالعبودية؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: كيف لا يصح؟! على طول بدون تفصيل؟
الطالب: لا يصح أن يقر له بالعبودية.
الشيخ: وهو؟
الطالب: وهو حر.
الشيخ: هذه هي، رَكِّز على هذا، فإن صالحه على الإقرار لأنه عبده لكنه أنكر العبودية؟
الطالب: فيصح.
الشيخ: لكنه لا يكون من باب صلح الإقرار، ولكنه من باب صلح الإنكار، انتبهوا، يعني مثلًا: إنسان أمسك شخصًا وقال: أنت عبدي، قال: لا، -وهو عبده حقيقة- فقال: أَقِرّ لي بالعبودية وأعطيك ألف درهم، يصح هذا، لكنه ليس من باب الصلح على إقرار؛ لأن هذا الرجل مُنْكِر أنه العبد، انتبهوا لهذا.
أما لو أمسك حرًّا وقال: تعال، أَقِرَّ بأنك عبدي؛ لأبيعك والثمن بيننا أنصافًا، أو لأرهنك في دَيْن أستدينه من شخص، قال: ما فيه مانع، قال: أبغي أعطيك ألف ريال وأبغي أرهنك عند هذا الشخص، أبغي آخذ منه مئة ألف ريال، ولو قال: أعطِ الرهن، قلت: هذا العبد، ولو قال لك: أنت عبد فلان، قل: نعم، وأنت إذا قبضك فباب البلدة واسع، هل هذا جائز؟ لا.
طيب، إذا قال: أَقِرَّ بدَيْنِي وأعطيك منه كذا؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، شرحناه.
طالب: (...).
الشيخ: طيب كل حال ما تبغي شرحًا، هذا واضح؛ رجل قال: أَقِرَّ بِدَيْنِي ولك نصفه، فأَقَرَّ، قال: أنا أطلبك عشرة آلاف ريال، أَقِرَّ بها ولك منها خمسة، قال: نعم، فأَقَرَّ بها عند القاضي بأن في ذمتي لفلان عشرة آلاف ريال، على أنه سيعطيه منها أيش؟ خمسة آلاف، يصح الإقرار ولا يصح الصلح؛ لأنه صالَح عن ماله ببعضه.
ولكن الصحيح أن في هذا تفصيلًا: إذا كان الْمَدِين أبى أن يُقِرّ إلا بهذا فالصلح باطل،
والإقرار ثابت يطالَب به ظاهرًا، وأما إذا كان غير ممانع وهو مُقِرّ فإن إسقاط بعضه يكون من باب الوعد، والصحيح: أن الوفاء بالوعد واجب، وأنه لا يجوز للإنسان أن يخلف الوعد؛ لأن إخلاف الوعد من صفات المنافقين، ما لم يكن هناك ضرر.

***

ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصلٌ).
وهذا الفصل فيه الصلح على إنكار، وفيه أيضًا بيان حقوق الجيران بعضهم على بعض، وإنما جعل الفقهاء رحمهم الله حقوق الجيران بعضهم على بعض في هذا الباب؛ لكثرة المصالحة بين الجيران في حقوقهم.
يقول: (فصل، ومن ادُّعِيَ عليه بدَيْن أو عين فسكت أو أنكر وهو يجهله ثم صالَح بمال صحَّ).
إذا ادُّعِيَ عليه بدَيْن أو عين بأن قال شخص لآخر: أنا أطلبك مئة ألف ريال، (فسكت)، لم يُقِرَّ ولم ينكِر، ثم صالح بمال عِوَضًا عن مئة الألف فهو صحيح.
فإن أقر وصالح عنه بمال فهو من أيِّ الأبواب؟ من أيِّ الأقسام؟ من باب الصلح على الإقرار، وسبق.
(أو أنكر) أنكر المدَّعَى عليه، قال: ليس في ذمتي لك شيء، ثم صالح بمالٍ، فالمصالحة صحيحة.
وكذلك لو ادُّعِيَ عليه بعين، بأن قال شخصٌ لآخر: هذا المسجِّل لي، فقال لمن بيده المسجل: لا، ليس لك، فهذا إنكار أو لا؟ إنكار. ثم صالح عنه بمالٍ، تصالَحَا على أنه يعطيه مئة ريال عن هذا المسجل، فهو صحيح، ولكن هل يدخل في باب الإبراء أو في باب البيع؟
يقول المؤلف رحمه الله: (وَهُوَ للْمُدَّعِي بَيْعٌ وَللآخَرِ إِبْراءٌ).
فإذا ادَّعَى عليه بأن هذا المسجِّل ملكه، وقال: ليس ملكك، ثم تصالَحَا على مال، فالمدَّعِي الآن يعتقد أنه أدخل ملكه على هذا الشخص بأيش؟ بعِوَض، ما فهمتم الصورة؟ ادعى أن هذا المسجل له، ثم أنكر المدَّعَى عليه الذي بيده المسجل، وقال: ليس هذا لك، وبعد أخذٍ وردّ اصطلحَا على أن يعطيه عِوَضًا عنه مئة ريال، كذا ولَّا لا؟
هذا الصلح صحيح، لكن هو للمدَّعِي بيع؛ لأنه يعتقد أن ملكه انتقل إلى هذا بأيش؟ بعِوَض، وهذا هو حقيقة البيع، فهو له بيع.
إذا كان له بيع فإنه (يَرُدّ مَعِيبَه ويفسخ الصلح)، يعني إذا رد العيب، (ويُؤْخَذ منه بشفعة)؛ لأنه بيع، فيعامَل المدَّعِي معاملة البائع تمامًا أو المشتري، المهم أنه يكون في حقه بيع.
ولنفرض أن هذا الذي ادعى المسجل، وأنكر مَن هو بيده، صالحه على راديو، ما هو على مئة ريال، صالحه على راديو، قال: أنا بأعطيك عنه الراديو، أخذ الراديو، ثم إنه -أي الذي ادعى أن المسجل له- وجد في الراديو عيبًا، يقول المؤلف: (يرد مَعِيبَه)، له أن يرده، يقول: والله أنا أخذت الراديو، ولكن تبيَّن أن به عيبًا، وأنا قد أخذته منك على أنه عِوَض عن ملكي، فأنا أعتبر نفسي بائعًا، فوجدت هذا العيب في هذا الراديو فلي أن أرده، إذا رده تبقى دعواه على ما هي عليه أولًا قبل الصلح.
قال: (يرد معيبه ويفسخ الصلح ويُؤْخَذ منه بشُفْعَة)، يعني لو أن الذي ادُّعِيَ عليه العين أو الدَّيْن؟
طلبة: العين.
الشيخ: إي نعم، كله واحد، ادُّعِي عليه بدَيْن أو بعين.
طالب: المثال العين.
الشيخ: المثال انتهى، لو أنه صالَح بنصيبه من أرض، يعني بأن كان المدَّعَى به ثمنه كثير، ادَّعَى عليه بسيارة بأنها ملكه، قال: هذه ليست ملكك، هذه لي، ثم صالحه -أي مَن بيده السيارة صالَح المدَّعِي- بنصيبه من أرض، فهنا نقول: للشركاء في الأرض أن يأخذوا هذا النصيب بشُفْعَة، ليش؟ لأن المصالِح يعتقد أنه أخذ هذا الشِّقْص عِوَضًا عن ملكه، وهذا هو البيع، فيكون في حقه بيعًا يُؤْخَذ منه بشفعة.
الآخر (إبراء، فلا رَدَّ ولا شفعة)، مَن الآخر؟ المدَّعَى عليه، يعني المنْكِر، هو في حقه إبراء، فلا رد ولا شفعة.
نمثِّل لقوله: (فلا رد)، هذا الذي ادُّعِيَ عليه أن المسجل للمدَّعِي، وأنكر، ثم صالح براديو مثلًا، وبعد ذلك وجد في المسجل عيبًا، فإنه لا يرده على ذاك؛ لأنه لا يعتقد أنه مَلكه من قِبَلِهِ، أليس كذلك؟ هذا المنكِر يعتقد أنه ملكه من الأصل، وأن ذاك ليس له به ملك، ولكنه أبرأه من المطالبة بما صالَحَه عليه من الراديو، فإذا وجد المنكِر أن في المسجل عيبًا فإنه لا رد له.
قال: ليش إذا كان الراديو معيبًا يرده عليّ، وإذا كان المسجل معيبًا فلا أرده عليه؟
نقول: هذا مقتضى الإقرار والإنكار، أنت حينما أنكرت أن هذا المسجل له تعتقد أنه أيش؟ أنه ملكك، وأنك لم تملكه من قِبَلِهِ، فكيف ترده عليه؟! فهو في حقك إبراء، فلا رَدَّ لك.
كذلك لا شفعة فيما لو كان المدَّعَى به شِقصًا من أرض، ثم إن المدَّعِي قال له -أي: للذي تولى على هذا الشقص–: أصالحك عنه بعِوَض، أخذ عنه عِوَضًا، عشرة آلاف ريال مثلًا، فلا شفعة، لا شفعة لِمَن؟ لشركاء المنكِر؛ لأن هذا الشِّقْص لم ينتقل إلى المنكِر، وإنما هو باقٍ على ما هو عليه، على ملكه حسب إنكاره، واضح؟
طالب: نعم، واضح.
طالب آخر: غير واضح.
الشيخ: توضيح المسألة، قوله: (فلا رد) عرفتم المثال بين مسجل مدَّعًى به وراديو مصالَحًا به، إذا تبين في الراديو عيب هل يُرَدّ أو لا؟ يُرَد، في المسجل؟ لا يُرَدّ.
الشُّفعة؛ ادَّعَى فلان على فلان بأن نصيبه من الأرض له؛ للمدَّعِي، والعقد بين شركاء عشرة مثلًا، ادعى شخص على أحدهم بأن نصيبه له، فأنكر، فصالَحَه، مَن اللي صالَح؟ صالح المدَّعِي المنكِرَ على عِوَض، فأعطاه عشرة آلاف ريال عن النصيب هذا، فهنا لا شفعة؛ لا شفعة لِمَن؟ للشركاء التسعة، ليس لهم أن يأخذوا نصيب هذا الذي صالَح بالشفعة؛ لأنه لم ينتقل إليه بأيش؟ ببيع، أصله ملكه ما انتقل، فلهذا لا يكون هناك شفعة، واضح الآن المسألة؟
الآن فيه أرض بين سامح وبين أحمد، وادَّعَيْتَ أنت على سامح أن نصيبه من الأرض اللي بيده لك، وأنكر سامح، فصالحتَه، أعطاك مئة ألف ريال عن هذه الدعوى، انتهيت أنت، هل لأحمد أن يأخذ نصيب سامح بالشفعة؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأن الملك ما انتقل.
الشيخ: إي، لأن ما فيه انتقال للملك الآن، سامح يقول: ما زال الملك باقيًا، واضح؟ هذا معنى قوله: (فلا رد ولا شفعة).
طالب: من صالح يا شيخ، كأن تنازع اثنان مثلًا في سيارة، ثم صالح بماله بسيارة أخرى؟
الشيخ: بمال وسيارة أخرى؟
الطالب: لا، بسيارة أخرى، ثم قبل أن يستلمها المدَّعِي.
الشيخ: المدَّعِي ولّا المدَّعَى عليه؟
الطالب: المدَّعِي الذي يقول: إن هذه السيارة لي، أراد المدَّعَى عليه أن يقبضها، فهي بمنزلة الهبة، إذا لم تُقْبَض فإنه (...).
الشيخ: لا لا، إبراء، ما هي هبة، الهبة إنما هي في صلح الإقرار، الإنكار ما فيه شيء يسمى هبة، إما بيع وإما إبراء.

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإن كذبَ أحدُهما لم يصح في حقِّهِ باطنًا، ومـا أَخَذَه حرامٌ، ولا يصح بعوضٍ عن حدِّ سرقةٍ وقذفٍ ولا حقِّ شُفعةٍ وتركِ شهادةٍ، وتسقطُ الشفعةُ والحدُّ، وإن حصلَ غصنُ شجرتِه في هواءِ غيرِه أو قرارِه أَزالَه، فإن أَبَى لَوَاهُ إنْ أَمْكَنَ وإلا فله قَطْعُه.
ويجوز في الدَّرْبِ النافذِ فتحُ الأبوابِ للاستطراقِ، لا إخراجُ رَوْشَنٍ وساباطٍ ودَكَّةٍ ومِيزابٍ، ولا يَفعلُ ذلك في مُلْكِ جارٍ ودربٍ مُشْتَرَكٍ بلا إذنِ المُستَحِقِّ، وليس له وضعُ خشبه على حائطِ جارِه إلا عند الضرورة إذا لم يُمْكِنْه التَّسْقيفُ إلا به، وكذلك المسجدُ وغيرُه، وإذا انهدمَ جدارُهما أو خِيفَ ضررُه فطلبَ أحدُهما أن يَعْمُرَه الآخرُ معه أُجْبِر عليه، وكذا النهرُ والدُّولابُ والقناةُ
.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هو الصلح على إنكار؟
طالب: الصلح على إنكار مثلًا إذا كان رجل ادَّعَى على رجل مئة ألف ريال، وأنكر ذلك الرجل أن يكون عليه مئة ألف ريال، فقال: نذهب إلى المحكمة، فصالحه على أن يدفع ألف ريال على ألَّا يذهبَا، فهذا جائز.
الشيخ: هذا الإنكار، ما الفرق بينه وبين الصلح على إقرار؟
الطالب: الإقرار هو أن يُقِرَّ بأن هذا الدَّيْن عليه فعلًا، فهذا لا يجوز الصلح عليه؛ لأنه صلح ببعض ماله عن بعضه الآخر.
الشيخ: تمام، الصلح على إنكار تارة يكون على عين، وتارة يكون على دَيْن؟ مثِّل لما إذا كان على عين.
طالب: إذا كان على عين: ادعى عينٌ لفلان، يعني بيد فلان.
الشيخ: ادعى عينٌ؟!
الطالب: الصلح على..
الشيخ: لكن ادعى عينٌ، تشكيلها هكذا؟
الطالب: ادعى على إنسان عينًا وأنكر.
الشيخ: نعم، المدَّعَى عليه، فحينئذٍ له أن يصالح عن هذا..
الطالب: يسقط.
الشيخ: ما فيه إسقاط يا أخي، عين.
الطالب: على الهبة، على أن يصالحه على بعضه.
الشيخ: صالحه على بعضه.
الطالب: هذا يسمى هبة.
الشيخ: هل يجوز هذا الصلح في حق المدَّعِي والمدَّعَى عليه أو لا يجوز؟
طالب: يجوز في حق المدَّعِي.
الشيخ: يجوز؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ولا يجوز في حق المدَّعَى عليه؟
الطالب: يجوز في حقهما جميعًا.
الشيخ: في حقهما جميعًا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: خطأ.
طالب: إن كان يجهله جاز في حقهما، وإن كان يعلمه فلا يجوز في حقه، ويجوز في حق المدَّعَى عليه.
الشيخ: يعني يجوز في حق المظلوم؛ القاعدة هذه: يجوز في حق المظلوم دون حق الظالم، هذا باعتبار ما عند الله عز وجل، أما باعتبار الظاهر فإنه يجوز، باعتبار الظاهر يُنَفَّذ الصلح.
لو صالحه عن العين بعينٍ أخرى، يجوز أو لا يجوز؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، مثاله؟
الطالب: أخذ عينًا منه وأبدله بدل هذه العين بصلح.
الشيخ: لا ما يصح، كيف أخذ عينًا؟! مثِّل بينك وبين جار.
الطالب: أخذت من صالح..
الشيخ: ادعيتَ على صالح أن الكتاب الذي بيده لك، وهو الكتاب اللي معاه الآن ما هو؟ زاد المستقنع؛ ادعيت أنه لك فأنكر، ثم صالحك على متن الألفية، يصح أو لا يصح؟
طالب: (...).
الشيخ: ماذا يكون حكم هذا الصلح باعتبار المدَّعِي والمدَّعَى عليه؟
الطالب: بالنسبة للمدَّعَى عليه يكون في حقه..
الشيخ: هذا موجود بالمتن، لكن يبدو أنك ما حفظت المتن.
طالب: بالنسبة للمدَّعِي يجوز له ذلك.
الشيخ: لكن ماذا يكون في حقه؟ حكم هذا الصلح في حق المدَّعِي؟
الطالب: عِوَض.
الشيخ: هو عِوَض، حتى عن ذاك عِوَض.
طالب: بالنسبة للمدَّعِي بَيْع.
الشيخ: يكون بيعًا؛ لأن المدَّعِي يعتقد أن هذه العين التي ادَّعَاها مُلكه، وأنه أخذ عنها عِوَضًا، وهذا هو حقيقة البيع.
الطالب: والمدَّعَى عليه إبراء.
الشيخ: بالنسبة للمدَّعَى عليه إبراء؛ لأن ما فيه إلا أنه أبرأه من الدعوى.
ما الذي يترتب على هذا؟
طالب: يترتب عليه إذا كان فيه عيب فإنه يردها.
الشيخ: إذا كانت العين التي أخذها المدَّعِي معيبة فإنه يردها بالعيب كأنه اشتراها.
والثاني لو وجد عيبًا بما ادُّعِيَ به عليه؟
طالب: لا، ليس له أن يرده.
الشيخ: لأنه يعتقد أن العين له، لم يملكها من قِبَلِه.
يقول المؤلف في إذا كان بيعًا فإنه يؤخَذ بالشفعة بالنسبة للمدَّعِي، ولا يؤخذ بالشفعة بالنسبة للمنكِر، فمَن يصور هذا؟
طالب: بأن يدَّعِي على رجل مثلًا عَيْنًا، ويصالحه الثاني على قطعة من أرض، هذه الأرض شركاء فيها، فيصالحه على قطعةٍ منها..
الشيخ: فللشركاء أن يأخذوها؟
الطالب: بالشفعة.
الشيخ: بالشفعة. واضح يا جماعة؟ إنسان ادَّعَى على شخص بأن السيارة اللي عنده له، قال: أبدًا ما هي لك، ثم اتفقا على أن المدَّعَى عليه الذي بيده السيارة يعطي المدَّعِي قطعة من أرض مشتركة، أفهمتم الآن؟ انتقلت هذه القطعة من الأرض إلى المدَّعِي بعِوَض، فتكون بيعًا، فللشركاء أن يأخذوها بالشُّفْعة.
بالنسبة للآخر؟
يكون المدَّعِي ادَّعَى أرضًا بيد المدَّعَى عليه وهي مشتركة، فصالحه المدَّعَى عليه بعِوَض، دراهم أو غير دراهم، فهل للشركاء أن يأخذوها من المدَّعَى عليه بالشفعة؟
طالب: ليس لهم ذلك؛ (...) الملك على أصله.
الشيخ: صحيح؛ لأن حقيقة الأمر أنه استبقى ملكه فقط ودفع الدعوى.

***

ثم قال المؤلف رحمه الله: (إن كَذَبَ أحدُهما لم يصح في حقه باطنًا وَلَا يَصِحُّ بِعِوَضٍ).
(إن كذب أحدهما) أي: المدَّعَى عليه أو المدَّعِي.
(إن كذب أحدهما لم يصح في حقه باطنًا) أي: فيما بينه وبين الله، أما ظاهرًا فإنهما لو ترافعَا إلى القاضي -إلى المحكمة- حكم بالصلح، لكن باطنًا فيما بينه وبين الله الكاذب لا يصح الصلح في حقه، وعلى هذا فلا يصح أن يتصرف في العين التي أخذها وهو يعتقد أنها ليست له في الواقع، لكن ادَّعَاها كذبًا، وما أخذه منين؟ من العِوَض، سواء كان المدَّعِي أو المدَّعَى عليه، ما أخذه حرام لا يحل له؛ لأنه أخذه بغير حق.
مثال ذلك، آخر مثال مثَّلْنَا به، رجل ادَّعَى على أن قطعة هذه الأرض له، وهي أرض مشتركة، فأنكر مَن بيده الأرض، قال: أبدًا، إن هذه ليست لك، ثم اتفقَا على الصلح، فأعطى المدَّعَى عليه للمدَّعِي مئة درهم، عِوَضًا عن أيش؟ عن الأرض، إن كان المدَّعِي صادقًا والمنكِر المدَّعَى عليه كاذبًا فالأرض أيش؟ حرام على المدَّعَى عليه، كالأرض المغصوبة تمامًا، وإن كان بالعكس؛ المدَّعَى عليه هو الْمُحِقّ والمدَّعِي هو المبطِل فالعِوض الذي أخذه عن الأرض والدراهم تكون حرامًا عليه، وهذا واضح وماشٍ على القواعد الشرعية؛ لأن كلَّ من أخذ شيئًا بغير حق فهو حرام عليه.
ثم قال: (وَلَا يَصِحُّ بِعِوَضٍ).
يعني: (ولا يصح) أي: الصلح، (بِعِوَضٍ عَنْ حَدِّ سَرِقَةٍ)؛ لأن حد السرقة لِمَنْ؟ لله عزَّ وجل، فلا يمكن أن يأخذ المخلوق عِوَضًا عنه، وإذا بلغت الحدود السلطان فلا شفعة.
وعُلِم من قوله: (عن حدِّ سرقةٍ) أن الصلح يصح عن المال المسروق، فلو أن شخصًا سرق من آخر حُلِيًّا، فضاع الحلي، واعترف السارق به، ثم صالح عنه بعِوَض، فالصلح جائز لا بأس به، لكن لو صالح عن حد السرقة فإنه لا يصح.
لو أُمسِكَ السارق وقال للذي أَمْسَكَهُ: دعني وأعطيك عشرة آلاف ريال، لا ترفعني للولاة وأعطيك عشرة آلاف ريال، أيصح هذا أو لا؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يا إخواننا! ما يصح. كيف يصح؟ أبدًا.
طالب: لم يبلغ الولي.
الشيخ: إي، لكن هذا ليس له الحق في هذا، نفس الذي أمسكه ليس له الحق؛ فإما أن يرفعه للولي، وإما أن يستر عليه ويدعه إذا كان يرى أن المصلحة في ذلك، أما أن يأخذ عِوَضًا عن هذا فلا يجوز، ثم فيه مَفْسَدة عظيمة؛ يكون كُلُّ واحد يُمْسَكُ على شيء يبذل عِوَضًا ويمشي.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، وكذلك أيضًا لا يصح بعِوَضٍ عن حد قذف؛ حد القذف لِمَنْ؟ لله وللمخلوق، هو للمخلوق لكنه فيه شائبة حق لله عزَّ وجل، فلو قال المقذوف للقاذف: سأرفعك إلى ولي الأمر، فقال القاذف: لا ترفعني، أنا أعطيك عن حقك في القذف مئة ألف ولا ترفعني، فوافق، فهنا لا يجوز عن حد القذف؛ لأن حد القذف لله عز وجل، فإما أن ترفعه إلى ولي الأمر أو تتركه، لا سيما على القول بأنه لا يُشْتَرَط لإقامة حد القذف مطالبةُ المقذوف؛ لأن بعض أهل العلم يقول: لا يُشْتَرَط في إقامة الحد مطالبة المقذوف؛ لأنه حقٌّ لله، حماية لأعراض المسلمين، ولهذا جاءت الآية الكريمة: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا [النور: ٤]، فهو كقوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [النور: ٢].
لكن على القول بأنه حقٌّ للمقذوف، وأن للمقذوف إسقاطه، قالوا: إنه لا يصح بعِوَض؛ لأن هذا الحق ليس ماليًّا، ولا يُقصَد به المال، فلا يصح بعِوَض.
ولكن هناك قولًا آخر؛ أنه يصح بالعِوَض؛ لأن الذي سوف تَسوَدُّ صحيفته به هو مَنْ؟ المقذوف، فبدلًا من هذا يقول: أعطني مئة ألف ريال، وأنا إن شاء الله سأدافع عن نفسي فيما يتعلق بالقذف.
وهذا القول له وجهة نظر؛ لأنه حقٌّ لآدمي في الواقع، ولهذا لا يقام حد القذف إلا بمطالبة مَنْ؟ المقذوف، أما إذا قلنا: إنه حق لله محض، وأنه لا تُشْتَرَط مطالبة المقذوف، فإنه لا يصح بعِوَض.
كذلك أيضًا: (ولا حق شفعة)، حق الشفعة أيش معناه؟ حق الشفعة معناه أن شخصًا له شريك في أرض؛ يعني أن شخصين شريكان في أرض، فباع أحدهما نصيبه على ثالث، مَنِ الذي له الشفعة؟ الشريك الذي لم يَبِع، ذهب المشتري إلى الشريك، وقال: أنت لك حق الشفعة، ولكن أنا سأعطيك عشرة آلاف ريال وأَسْقِط حقك، ففعل، يقول المؤلف: إنه لا يصح إسقاط الشفعة.
وهذه المسألة فيها قول آخر بأنه يصح بعِوَض عن إسقاط حق الشفعة؛ لأن حق الشفعة يتعلق بأيش؟ بالمال، فهو حق آدمي، فإذا قال: أنا أعطيك كذا وتنازَلْ عن المطالبة بالشفعة، فما المانع؟ وهو حقٌّ له، فالصواب في هذه المسألة أنه يصح أن يصالح عن حق الشفعة وتسقط الشفعة
.
(وتركِ شهادة) يعني: لو صالح إنسانًا يشهد عليه بحق، وقال له: لا تُقِم الشهادة عليَّ وأعطيك كذا وكذا.
مثاله: إنسان طلَّق زوجته بحضور شاهدَيْنِ، ثم أنكر الطلاق، فقالت المرأة: عندي شهود، رجلان يشهدان، فذهب الزوج إلى الشاهدَيْنِ، وقال: أنا سأعطي كُلَّ واحد منكما ألف ريال واتركَا الشهادة، هل يجوز هذا أو لا؟ هذا لا يجوز، لا إشكال فيه؛ لأن الله عزَّ وجلَّ يقول: وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة: ٢٨٣]، ولا يصح بأي حال من الأحوال، حتى لو فرضنا أن المسألة حق مالي لا زوجية فإنه لا يجوز.
وهل يجوز أن يصالح إنسانًا يشهد له؟
طالب: لا.
طالب آخر: بحق.
طالب آخر: تفصيل.
الشيخ: يشهد له.
طالب: إن كان بحق نعم.
الشيخ: لا يا أخي، بغير حق؛ ادعى على زيد بألف ريال، وليس عنده شهود، فذهب إلى رجلين وقال: اشهدَا لي وأعطيكما كذا وكذا، يجوز؟ لا يجوز، مع أنهم يقولون في بعض البلاد؛ أظن الشهادة مُقنَّنة على حسب الحق؛ إن كان حقًّا كبيرًا فالشهادة بمئة ريال، حقًّا صغيرًا بعشرة ريالات، موجودون عند باب المحكمة يقولون، هكذا سمعت ما أدري هل صحيح ولَّا لا، موجود.
فهل يجوز أن الإنسان يعطي شخصًا ليشهد له؟ لا يجوز، لا شك فيه؛ لأن هذه شهادة زور، وهي من أكبر الكبائر.
قال المؤلف: (وتسقط الشفعة والحد).
(الحد) يعني حد القذف يسقط؛ لأن الرجل أسقطه، لكن لو قال: أنا أسقطته بعِوَض، فإما أن تعطوني العِوَض، وإلا فأنا أريد إقامة الحد على القاذف، يقولون: لا، لا نعطيك عوضًا، ولا نقيم لك الحد؛ لأنك أنت أسقطته.
وكذلك الشفعة، أنتم فاهمون المثال الأول في الشفعة؟
طالب: نعم.
الشيخ: هذا الذي أسقط حقه من الشفعة بعِوَض نقول: الآن ليس لك شفعة، وليس لك عِوَض، سبحان الله! الرجل اتفق مع المشتري الذي اشترى الشقص على أن يُسقِط شفعته بألف ريال، فالرجل أسقط شفعته، يقول: ليس له شفعة الآن؛ لأنه أسقطها، وليس له عِوَض؛ لأن العِوَض على ترك الشفعة غير صحيح، والصحيح أنه -كما قلنا قبل قليل- يجوز المصالحة بعِوَض عن إسقاط الشفعة.
طالب: (...) حد القذف؟
الشيخ: حد القذف أتوقف فيه.
قال: (وَإِنْ حَصَلَ غُصْنُ شَجَرِهِ فِي هَوَاءِ غَيْرِهِ أَوْ قَرَارِهِ أزَالَهُ).
بدأ المؤلف بذكر شيءٍ من حقوق الجار، وإنما ذكر الفقهاء حقوق الجار في هذا الباب لأن الغالب أن النزاعات التي تكون بين الجيران الغالب أن تكون عن طريق أيش؟ عن طريق المصالحة، فلهذا ذكروا أحكام الجوار في هذا الباب، وله مناسبة أخرى يمكن تكون في آخر الفقه، لكن هنا رأوا أنه أنسب.
من المعلوم أن الجار له حق كما قال الله تعالى: وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ [النساء: ٣٦]، له حق؛ فإن كان مسلمًا قريبًا كان له ثلاثة حقوق: حق الإسلام، وحق القرابة، وحق الجوار، وإن كان مسلمًا غير قريب فله حقان: حق الإسلام وحق الجوار، وإن كان كافرًا غير قريب فله حقٌّ واحد وهو حق الجوار.
المهم أن الجار له حق، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ» ، وقال: «وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ »، قالوا: مَن؟ قال: «مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» ، يعني: تعديه وظلمه، وحتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» ، ولننظر في أنفسنا نحن، هل نحن قمنا بحق الجوار؟ هذا استفهام.
والجواب: أكثر الناس في غفلة عن هذا الحق، ولا يرون أن للجار حقًّا، ولكن هذا خطأ، الذي ينبغي للإنسان أن يواصل جاره، بحسب ما تقتضيه الحال والطبيعة؛ طبيعة البلد مثلًا، طبيعة الناس، وأن يكف شره عن الجار، يعطيه من الخير ويكف الشر، حتى قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ» .
من الأشياء التي يجب أن يدفعها عن جاره: (إذا حصل غصنُ شجرته في هواء غيره أو قراره).
الهواء: المكان المرتفع، والقرار: الأرض، القرار الأرض، والهواء ما فوق الأرض.
إذا حصل غصن الشجرة في الهواء، بأن يكون الإنسان عنده شجرة في بيته ولها أغصان متدلية على ملك جاره، هذا هواء.
القرار: إنسان عنده شجرة في البيت، لكنها من الشجر الذي يمتد على الأرض، مثل البطيخ يمتد على الأرض، حصل غصن هذه الشجرة في أرض جاره، هذا نقول: حصل في القرار ولّا في الهواء؟ في القرار.
هناك شيء ثالث يمتد أيضًا إلى الجار: وهو العروق، والعروق في باطن الأرض.
فعندنا الآن ثلاثة أشياء: غصن على القرار، وغصن في الهواء، والثالث عروق في باطن الأرض.
أما الغصن في الهواء أو على القرار، فإنه يجب على صاحب الغصن أن يُزيله إذا طالبه صاحب الأرض الذي هو الجار، إذا قال: أَزِلْ عني هذا الغصن، وجب عليه أن يزيله.
فإذا قال صاحب الشجرة: هذا الغصن ينفعك، يظلك، تجلس أنت وأهلك في ظلال هذا الغصن، تستأنس، قال: أنا لا أريد هذا، أنا أريد أن تزيل هذا الغصن، هل يُلزم صاحب الشجرة؟ نعم يُلْزَم.
وكذلك لو كان في القرار، يعني تُسَرِّح الأغصان على الأرض، فإنه إذا طالبه الجار يجب عليه إزالته.
وعُلِمَ من هذا الكلام أن الهواء ملك لصاحب الأرض، إلى أين؟
طالب: إلى السماء الدنيا.
الشيخ: إلى السماء الدنيا، أو إلى الغيم؟ الظاهر إلى السماء الدنيا،
فلا يمكن لأحد أن يتخذ رَوْشَنًا، أو ما أشبه ذلك على أرضه إلا بإذنه.
بقينا في القسم الثالث، ما هو؟ العروق، إذا امتدت عروق الشجرة إلى أرض الجار، فهل للجار أن يطالب صاحب الشجرة بقطع العروق؟
نقول: في هذا تفصيل؛ إن كانت العروق تؤذيه أو تضره فله أن يطالب، وإن كانت لا تؤذيه ولا تضره فليس له حق المطالبة؛ لأن هذا مما جرت العادة بالتسامح فيه.
تؤذيه بأن كانت تنقل الندى، يعني الرطوبة؛ لأن العروق رطبة تنقل الرطوبة إلى الأرض، أو كانت ربما تبرز على سطح الأرض.
الضرر؛ بعض الأشجار يكون لها عروق قوية تدفع حتى الحصى، وهذا إنسان عنده قَبْو في الأرض، وعروق شجرة الجار تدفع الجدار، ربما تدفعه حتى يَسقط أو ربما تشقه إذا كان من الطين ثم تتدلى بهذا القبو، هذا ضرر، فلصاحب الملك -أي صاحب الأرض- أن يطالب صاحب الشجرة بأيش؟ بقطع هذه العروق، أما إذا كان لا يتأذى ولا يتضرر فلا يُلزِمه بإزالتها؛ لأن هذا مما جرت العادة بالتسامح فيه.
(فإن أبى) إن أبى مَنْ؟ صاحب الشجرة، أبى أن يزيله.
(لواه) الفاعل صاحب الأرض، أي: لوى الغصن.
(إن أمكن) يعني: إن أمكن لَيُّهُ.
(وإلا فله قطعه)، فصار هذا الغصن له مراحل:
المرحلة الأولى: أن نطالب مَنْ؟ صاحب الغصن بالإزالة.
الثانية: إذا أبى يُلْوَى الغصن، فإن لم يمكن لَيُّه لكونه قاسيًا، أو لا يمكن أن يلتوي إلا بالكسر فله قطعه دفعًا لأذاه.
لو أن صاحب الشجرة قال لصاحب الأرض: أنا أصالحك على أن أدفع لك كُلَّ شهر كذا وكذا، فهل تصح الأجرة؟
طلبة: لا تصح.
طلبة آخرون: لا تصح.
الشيخ: يقول: لا تصح الأجرة؛ لأن الأغصان تمتد وتكبر، فيكون ما تشغله فيما بعد مجهولًا أو معلومًا؟
الطلبة: مجهولًا.
الشيخ: مجهولًا، فلا يمكن أن تكون بأجرة.
نعم لو فُرِضَ أنه آجَره إياه على حسب المساحة، وقال: إذا شَغل الغصن مساحة متر فبكذا، مترين فبكذا، فالظاهر الصحة؛ لأن هذا ليس فيه محظور شرعي ولا جهالة.
إذا صالحه على أن له نصفَ الثمر الذي في هذا الغصن المتدلِّي يصح أو لا؟
طالب: يصح.
الشيخ: هنا يصح؛ لأن الغصن حتى لو كبر وامتد سوف يزيد الثمر، فهذا يصح؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك، وليس فيه غرر كثير.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، بالنسبة للشهادة إذا كانت بحق، بمعنى أن لي عند رجل مثلًا شهادة، وهو يشهد بحق، وقع الأمر فعلًا، لكن اعتذر بكون الوقت لا يسمح وعدم ذهابه للمحكمة وكذا، فصالحته على أن أعطيه مبلغًا من المال، يعني لقاء وقته الذي (...)؟
الشيخ: هذا لا بأس به، يعني هنا المصالحة على إقامة الشهادة، ما هو على ترك الشهادة.
الطالب: على إقامتها.
الشيخ: على إقامتها لا بأس، له أن يطالب بأجرة النقل إذا كان بعيدًا، أو أن يطالب بفوات المنفعة إذا كان يعمل في غزل أو غيره، هذا لا بأس به، أما إذا امتنع وقال: لا أؤدي الشهادة إلا بعِوَض، هذا حرامٌ عليه.

الطالب: عليه هو؟
الشيخ: عليه هو، نعم.

طالب: أحسن الله إليكم، إذا كان الهواء تابعًا لملك الأرض فهل من حق الإنسان إذا بنى مسجدًا في أرضه أن ينتفع؛ يعني أن يبني فوق المسجد في هذا الهواء مسكنًا له أو لأهله، أم يقال: إن الهواء الذي فوق المسجد ..
الشيخ: الهواء اللي فوق المسجد مسجد، لا يجوز أن يبني عليه شيئًا.
الطالب: هذا منتشر يا شيخ عندنا مثلًا في كثير من البلاد أنه يبني مثلًا في أسفل العمارة يجعلها مسجدًا، وباقي العمارة كلها أدوار سكنية.
الشيخ: هذا تجده من الأصل، من الأصل ما نوى أن تكون مسجدًا.
الطالب: هو نوى أن يبني مسكنًا كاملًا.
الشيخ: إي، يعني نوى النية الآن مشتركة بين إقامة المسجد والبناء فوقه، هذا ما فيه شيء، الذي فيه الشيء هو أن يكون هذا المسجد قد بُنِيَ أصلًا، ولم يُقْصَد أن يُبْنَى فوقه شيء، ثم بدا لصاحبه أن يبني فوقه شيئًا فهذا لا يجوز.

طالب: ادعى رجل على آخر عينًا، فأنكر المدَّعَى عليه، ثم أقيمت عليه البينة، هل يصح الصلح في هذه الحال؟
الشيخ: بعد المصالحة؟
الطالب: قبل المصالحة قامت عليه البينة.
الشيخ: إذا قامت البينة ما هي مشكلة؛ لأن الصلح يكون بيعًا وشراء، ما هي مشكلة.

طالب: عفا الله عنك، شيخ، إذا كان الإنسان (...) لإنسان الحق بهدف الحيلة، وأنكر صاحب الحق الذي عليه الحق أنه (...)، وقال: صالحتك. أنت صالحت على بعض المال حيلةً، ما نوى منه أن يعطيه (...).
الشيخ: هذه مرت علينا.
الطالب: الصورة هذه يا شيخ ما مرت علينا.
الشيخ: لا، مرت علينا، راجع الشريط.

طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، القول (...) ولا أنكرت الشهادة بحق أو باطل (...).
الشيخ: حتى (...) بالحق يجب عليه أن يشهد، كيف يأخذ العِوَض عن طلب الشهادة؟!
الطالب: ما يجوز المصالحة (...)؟

الشيخ: إي نعم.
الطالب: كيف ذلك؟
الشيخ: ما يجوز؛ لأن الشاهد يجب أن يؤدي الشهادة، إنسان بيشهد عليه الشاهد بأن في ذمته لفلان ألف ريال، راح (...) وقال: تعالَ، لا تشهد، إذا شهدت ما أنت بمستفيد، وربما يكون عليه ضرر، أنا بأعطيك (...) هذه ولا تشهد.
الطالب: لا يشهد له هو بحق.
الشيخ: الآن بيشهد عليه بحق، فقال له الذي عليه الحق: لا تشهد وأعطيك كذا، يعني: اترك الشهادة وأعطيك كذا وكذا.
الطالب: شيخ، (...) فهمتَ أن ذوي إنسان سيشهد له هو، قال: تعال اشهد لي، قلت أنا: لا، قال: سأعطيك من ها الحق وتشهد لي.
الشيخ: لا لا لا، هذا ما يصير عن طلب الشهادة، هذا عن أداء الشهادة أو تحمل الشهادة الذي ذكرت.

طالب: مَن بنى مسجدًا من دورين، هل له أن يجعل في الدور الثاني دورات مياه لهذا المسجد؟
الشيخ: يعني تبع المصلحة، هو إذا كانا المسألة تأسيسًا فليفعل ما شاء، ولينوي ما شاء، أما بعد أن تم الإنشاء وتأسس فيبقى الشيء على ما هو عليه.
الطالب: لا، ليس تأسيسًا، وإنما بُنِيَ على أنه مسجد، ثم ضاقت بهم الأرض، فقالوا: نجعل الدورات لهذا المسجد في الدور الثاني.
الشيخ: ما فيه بأس، المحذور أن تكون الدورات تحت، والصحيح أنه لا بأس بذلك.
طالب: إذا كانت العمارة من أدوار، والدور الأرضي مسجد، ثم تلفت العمارة وهدمها وأراد بناءها من جديد، هل يلزمه أن يجعل الدور الأرض مسجدًا؟
الشيخ: إي نعم، يجب أن يقيم مسجدًا في الدور الأرضي على حسب مساحة المسجد الأول، إلا إذا كان جعله مصلى، يعني يوجد في بعض العمارات الكبار يجعلون مصلى ما هو مسجد، فالمصلى ليس بمسجد، له أن يغيره، ينقله من مكان لمكان، وله أن يرفع الصلاة فيه مطلقًا.

طالب: السكوت (...)؟
الشيخ: إي نعم؛ لأن المدَّعَى عليه إما أن يُقِرّ، أو ينكر، أو يسكت، فإذا سكت فهو كالمنكِر.
الطالب: سكت وهو يجهل.
الشيخ: لا، سكت وهو يجهله، نقول: نعم، صالِح عن هذه الدعوى.
الطالب: يكون في حقه؟
الشيخ: يكون في حق المدَّعِي إن كان كاذبًا حرامًا.
طالب: إذا وُجِدَ في العين التي صالح عليها عيب في صلح إنكار، فقال: لا أريد أن أردها، ولكن أريد أَرْشَ الدَّيْن كما سبق لنا تخييره.
الشيخ: إي، له ذلك، إي نعم؛ لأن حكمه حكم البيع.

طالب: شيخ، بارك الله فيكم، لو أن الأغصان امتدت بكثرة في هواء أرضه، وكذلك العروق التي في الأرض، التي على ظهرها كالبطيخ، فأزالها، واحتاج في إزالتها إلى جهدٍ كبير، فهل له أن يأخذ من مالكها أجرة المثل؟ (...)

***

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى في باب الصلح: ويجوز في الدَّرْبِ النافذِ فتحُ الأبوابِ للاستطراقِ، لا إخراجُ رَوْشَنٍ وساباطٍ ودَكَّةٍ ومِيزابٍ، ولا يَفعلُ ذلك في ملْكِ جارٍ ودربٍ مُشْتَرَكٍ بلا إذنِ المُستَحِقِّ، وليس له وضعُ خشبه على حائطِ جارِه إلا عند الضرورة إذا لم يُمْكِنْه التَّسْقيفُ إلا به، وكذلك المسجدُ وغيرُه، وإذا انهدمَ جدارُهما أو خِيفَ ضررُه فطلبَ أحدُهما أن يَعْمُرَه الآخرُ معه أُجْبِر عليه، وكذا النهرُ والدُّولابُ والقناةُ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما حكم المصالحة عن حق الشفعة؟
طالب: على قول المصنف أنه لا يصح.
الشيخ: المذهب أنه لا يصح، ثم ماذا عن الشفعة؟
الطالب: تبطل الشفعة، يسقط حقه في الشفعة.
الشيخ: يسقط حقه، نعم، هل هناك قول آخر على كلامك، المذهب؟
الطالب: القول الثاني أنه يصح الصلح على الشفعة.
الشيخ: على إسقاط الشفعة؛ لأنها؟
الطالب: لأنها حق مالي وحق آدمي، ليس هناك مانع من أخذ العِوَض عنه.
الشيخ: فيدخل في عموم الحديث «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ».
طيب، هل يصح الصلح عن حد القذف؟
طالب: لا يصح الصلح عن حد القذف.
الشيخ: لا يصح مطلقًا؟ على المذهب.
هل على كلامك المذهب هل هناك قول آخر؟
طالب: نعم، له أن يصالحه.
الشيخ: يصالحه متى؟ إذا وصل إلى الإمام ولّا قبل؟
الطالب: قبل أن يصل إلى الإمام.
الشيخ: قبل أن يصل إلى الإمام، توافقون على هذا؟
نعم، المذهب لا يصح، والقول الثاني: إذا لم يصل إلى حد الإمام فإنه تصح المصالحة، لكن على رأي مَن يرى أن حد القذف حقٌّ لله يقول: لا تصح المصالحة مطلقًا.
طالب: ما رجحنا شيئًا يا شيخ.
الشيخ: هكذا قيل.

يقول المؤلف: (إذا حصلَ غصنُ شجرتِه في هواءِ غيرِه أو قرارِه)، ما معنى العبارة؟ (في هواء غيره أو قراره).
طالب: أي يكون الغصن متدليًا على بئر (...) الجدار.
الشيخ: هذا الهواء ولّا القرار؟
الطالب: الهواء.
الشيخ: القرار؟
الطالب: القرار كأن يكون الجذع.. العروق.
الشيخ: لا.
الطالب: الجذع يا شيخ.
الشيخ: أيش الجذع؟ الجذع لا بد أنه في ملكه، ما هو في ملك جاره.
طالب: (...).
الشيخ: يعني تمتد أغصان الشجرة على الأرض، مثل؟
الطالب: (...).
الشيخ: إذن هذا الفرق بين الهواء والقرار.
هناك قرارٌ باطني؟
طالب: شيخ، العروق، عروق الشجرة.
الشيخ: ماذا تقول فيها؟
الطالب: هو إذا كان عليه ضرر أو أذية فهذا يُجْبَر على نزعه، وأما إذا لم يتأذَّ به فقد جرت العادة على التسامح في مثل هذه الأمور.
الشيخ: إي نعم، إذا حصل به ضرر أو أذية فإنه له حق المطالبة في إزالته.
ما الفرق بين الضرر والأذية؟
الطالب: الضرر يا شيخ مثل ما يكون مثلًا عنده بيت قبو تحت، فالعروق هذه تدفع الجدار نفسه، هذا الضرر.
الشيخ: الأذية؟
الطالب: الأذية مثلًا يا شيخ تُنْتِج أو شيء من هذا.
طالب آخر: يا شيخ (...) يشتركان في إزالة الضرر إن حصل ضد الآخر، لكن الأذية فقط.
الشيخ: إي، بس مثاله؟
الطالب: مثلًا في بعض الأشجار تخرج عروقها إلى ظاهر الأرض، فيتضرر.
الشيخ: يعني فيتضرر، جاء الضرر.
الطالب: (...) ما يحتاج مثلًا شيئًا من المالك ولا يعني ..
الشيخ: ولا يخشى على الجدار أن يسقط.
الطالب: ولا يخشى على الجدار أن يسقط.
الشيخ: لكن يتأذى مثلًا بالرائحة أو تكون الأرض ندية مثلًا.
ماذا يستفاد من كلام المؤلف بالنسبة للهواء والقرار؟
طالب: كيف يا شيخ؟
الشيخ: ماذا يستفاد من كلام المؤلف بالنسبة للهواء والقرار ما دام نقول: إنه إذا حصل الغصن فله إزالته؟
الطالب: ما فهمت السؤال.
الشيخ: المؤلف يقول: (إن حصل غصنُ شجرتِه في هواءِ غيرِه أو قرارِه أزاله)، ماذا يستفاد من هذا الحكم؟
الطالب: أن له المصالحة عليه بعِوَض.
الشيخ: لا.
طالب: أن الهواء تابع لصاحب الأرض.
الشيخ: أن الهواء تابع للقرار، وأن القرار الأسفل تابع لما فوقه، كذا؟ توافق على هذا؟ لو وُضِعَ مسعًى تحت المسعى الآن في مكة يصح السعي فيه؟
طالب: نعم؛ لأنه تابع لما هو فوقه.
الشيخ: ولو وضع فوقه؟
الطالب: كذلك.
الشيخ: كذلك؛ لأن الهواء تابع للقرار.
إذا أبى مالك الغصن أن يزيله؟
طالب: لواه.
الشيخ: مَن يلويه؟
الطالب: مَن وقع عليه الضرر لوى الغصن.
الشيخ: ما فيه ضرر، الغصن متدلٍّ من فوق.
طالب: يلويه.
الشيخ: من اللي يلويه؟
الطالب: مَن وقع عليه ..
الشيخ: مَنْ؟ الجار ولّا صاحب الغصن؟
الطالب: الجار.
الشيخ: الجار؟ كيف يتصرف في ملك غيره؟
الطالب: هذا تصرف في ملكه وليس في ملك غيره.
الشيخ: يعني لدفع أذاه، كالصائل تمامًا، كذا؟
إذا لم يمكن لَيُّه بحيث يكون من الأغصان التي إذا لويتها انكسرت.
طالب: المؤلف يقول: (القطع).
الشيخ: أيش المؤلف يعني؟ وأنت عندك فيها إشكال؟ يعني له أن يقطع الغصن الذي يتدلى على ملكه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: له ذلك، متأكد، عازم؟ طيب.

***

يقول المؤلف رحمه الله: (ويجوز في الدرب النافذ فتح الأبواب للاستطراق).
الدروب يعني الطرق، تنقسم إلى قسمين: قسم نافذ، وقسم مسدود لا ينفذ، الطريق النافذ ملك لأهل البلد كُلِّهم، مُلكٌ للجميع، فيجوز أن يفتح بابًا للاستطراق في الدرب النافذ، سواء من أوَّل الدرب أو من وسطه، أو من آخره، ما دام بيته ممتدًّا من أول الشارع إلى آخره، ما دام هو للاستطراق فهو مُلكٌ عام له أن يفتح الباب.
وقوله: (للاستطراق) مفهومه فتح الباب للهواء، وهو ما يعبَّر عنه بالفُرْجَة، أو ما يسمى به في الوقت الحاضر أيش؟ الدَّرِيشَة، هل يجوز أن يفتح الدَّرِيشَة أو الفُرْجة في الجدار أو لا؟ نقول: نعم، يجوز، إذا جاز فتح الباب للاستطراق ففتح الباب للهواء من باب أوْلى؛ لأنه لا يضر أحدًا، ولأنه يجوز أن يرفع جداره، يعني يهدم جداره حتى لا يبقى إلا نحو قامة الرجل.
إذن له أن يفتح المنافذ الهوائية، وله أن يفتح الأبواب للاستطراق.
وظاهر كلام المؤلف: لا فرق بين أن يفتحه في مقابل باب جاره، أو في غير مقابل باب جاره؛ لأن الطريق مُلكٌ للجميع، وهذا كذلك، لا فرق بين أن يكون أمام بيت جاره أو لا، إلا إذا كان الجار يتأذى بفتح باب جاره أمامه، فحينئذٍ لا يحل له أن يفتحه أمام باب بيت جاره؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ» ، وقال: «وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ».
(لا إخراج رَوْشَن وسَابَاط ودَكَّة ومِيزَاب)، هذه لا يجوز إخراجها في الدروب النافذة.
إخراج الروشن والساباط والدكة والميزاب.
(الرَّوْشَن): هو أن يجعل سقفًا لا يتصل بالجدار الآخر.
و(الساباط): أن يتصل بالجدار الآخر، أو بالعكس.
فلا يجوز أن يُخْرِج على الشارع العام شيئًا زائدًا عن ملكه.
وجه ذلك: أن الهواء تابع للقرار، وهذا الطريق ملك لعامة الناس، فلا يجوز أن تُخْرِجَ شيئًا يكون على هواء هذا الطريق.
وكذلك الساباط: لو كان الإنسان مثلًا له بيتان، يفصل بينهما طريق نافذ، فأراد أن يجعل جسرًا بين البيتين؛ فإنه ليس له ذلك، لماذا؟ لأن الهواء تابع للقرار، والشارع ملك لعامة الناس، لا يختص به أحد دون آخر.
وظاهر كلام المؤلف رحمه الله سواء كان في ذلك ضرر أم لم يكن، بل ظاهر كلامه حتى ولو كان في ذلك مصلحة لمن طرق هذا الشارع، مثل أن يكون ظلًّا يقي من الشمس ويقي من المطر، فإنه ليس له ذلك.
والصحيح خلاف هذا، الصحيح أنه لا بأس أن يُخْرِجَ ما جرت به العادة، مما لا يضر الناس، فإن كان مما يضرهم فإنه لا يجوز، حتى لو أذن مَن له الولاية على البلد، كرئيس البلدية مثلًا أن يُخْرِج هذا الساباط أو الرَّوْشَن وهو يضر بالناس فإنه ليس له أن يفعل
.
فالقول الراجح في هذه المسألة أن يقال: له إخراج ما جرت به العادة بشرط أيش؟ ألَّا يضر الناس، فإن أخرجه وكان نازلًا بحيث يضرب الراكب أو ما أشبه ذلك فإنه ممنوع.
(ودكة)، الدكة: العتبة، يعني ليس له أن يُخرج عتبة، ولو كان بيته أرفع من الشارع، فإنه لا يحل له أن يُخْرِجَ عتبةً في الشارع، لماذا؟ لأن الشارع ملك للجميع؛ هذه واحدة، ولأن العتبة تضيِّق الشارع، ولأنها ربما تكدِم أقدام الناس، لا سيما إذا كان الشارع يتطرق معه أناس كثيرون، فلا يجوز أن يُخْرِجَ دكة - أي: عتبة.
وظاهر كلام المؤلف: ولو كان الشارع واسعًا، ولو بإذنِ مَن له الإذن في ذلك.
وهذه أيضًا يقال فيها ما قلنا في الرَّوْشَن والساباط، وهو أنه إذا لم يكن في ذلك ضرر، بأن كان الطريق واسعًا والعتبة منخفضة، ولا ضرر فيها على أحد، فله أن يفعل ذلك كما جرت به العادة
.
أما ما يفعله بعض الناس الآن؛ يجعل بالشارع الضيق درجًا ربما يصل إلى خمس درجات، أو ست درجات فهذا لا يجوز؛ لأن في ذلك تضييقًا للشارع وضررًا على المسلمين، والشارع ليس ملكًا لأحد، هو ملك عام.
(أو ميزاب)، الميزاب ما هو؟ المَثْعَب، يعني الذي يصب منه الماء من السطوح، فلا يجوز أن يُخْرَج على الدرب النافذ.
إذن ماذا نصنع؟ نجعل المطر يصب في داخل البيت ويخرج من أسفل، وهذا ظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز مطلقًا، سواء كان في ذلك أذية وضرر أم لا، وسواء كان بإذن ولي الأمر في البلد أم لا.
والصحيح خلاف ذلك، الصحيح أن له إخراج الميازيب بشرط ألَّا يحصل بها ضرر؛
لأن هذا عادة الناس حتى في عهد النبي عليه الصلاة والسلام الميازيب تكون في الشارع على الأسواق.
فالصواب أنه يجوز أن يُخرج الميزاب بشرط ألَّا يكون في ذلك ضرر، الضرر بأن يكون الميزاب نازلًا يضرب رأس الراكب وما أشبه ذلك.
فإن قال قائل: الضرر لا بد أن يكون في الميزاب؛ لأنه إذا جاء المطر فسوف يصب على المارة؟ فيقال: هذا أولًا: ليس دائمًا.
وثانيًا: الناس في أوقات المطر الشديد الذي تصب الميازيب منه سوف يكونون في البيوت لا يخرجون، وهذا ضرر مغتَفَر في جانب المصلحة التي تكون للناس.

***

يقول: (ولا يفعل ذلك في ملكِ جارٍ ودربٍ مشترَك إلا بإذن المستحق).
هذا النوع الثاني من الدروب، الدرب المشترك هو الذي ليس بنافذ، فالشارع الذي ليس بنافذ مشترَك للجيران، هم أهل الحق فيه، فلا يجوز أن يُخْرِج هذه الأشياء الأربعة التي هي: الرَّوْشَن، والساباط، والدَّكَّة، والميزاب، إلا بإذن المستحِق.
مَنْ هم المستحِقُّون؟ هم الذين لهم أبواب شارعة على هذا الدَّرْب؛ هؤلاء هم المستحِقُّون، وليس الذين لهم بيوت على الدرب؛ لأن من له بيت على الدرب وليس له باب هذا لا حق له في الدرب، لكن إذا كان له باب فله الحق في الدرب، فلا يجوز إخراج هذه الأربعة إلا بإذنهم، فإذا أذنوا فالحق لهم، وإن لم يأذنوا فإنه لا يحل له ذلك.
لكن يختلف هذا عن الدرب النافذ بأن الواحد منهم لا يُخرِج بابًا أدنى من بابه إلا بإذن الآخرين، يعني: لو كان أحد هؤلاء المشترِكين في الدرب له باب في أوله، فأراد أن يحوِّله إلى آخره، فليس له ذلك؛ لأنه لا يملك من هذا الدرب إلا ما كان محاذيًا لبابه، أو أدنى منه لفَمِ الدرب.
أنتم تصورتم هذا؟
طالب: لا.
الشيخ: ما تصورتم.
هذا دربٌ مشترك، ما هو الدرب المشترك؟ الذي ليس بنافذ، المسدود، فيه الجيران أحدهم له باب عند مدخل الدرب، أراد أن ينقل الباب إلى داخل، نقول: ليس لك ذلك، لماذا؟ لأنه ليس لك حقٌّ في هذا الدرب المشترك إلا من حذاء بابك، وما كان أدنى إلى فم الدرب، واضح؟ لكن لو أذنوا له فلا بأس، إذا أذنوا له فالحق لهم.
فصار الآن، لو فرضنا أن هذا الدرب فيه ستة أبواب، بابان في الآخر عند نهاية الدرب، وبابان على اليمين وعلى اليسار، أصحاب الأبواب التي في الآخر، هؤلاء لهم حق؛ يفتحون في أي مكان من هذا الدرب، السبب؟ لأنهم يملكون كل الدرب، لهم حق في كل الدرب.
أصحاب الأبواب اللي على اليمين واليسار، نقول: من كان منهم أدنى إلى فَمِ الدرب فليس له أن ينقل بابه إلى الداخل إلا بإذنهم، وأما مَن أراد نقله إلى فم الدرب له ذلك؟ له ذلك؛ لأنه أسقط حقه، لكن بشرط ألَّا يفتحه أمام باب جاره؛ لأنه ربما يتأذى، إلا بإذنه.
ما هو الدرب المشترك؟ اللي غير نافذ، المسدود يعني، السوق إذا صار مسدودًا يعني، ما هو ينفذ، ما هو الآن الشوارع بعضها مسدود؟ بعضها مسدود، هذا يسمونه الدرب المشترك، هذا الدرب المشترك يشترك فيه مَن كان بابه فيه، مَن له باب في هذا الدرب فهو شريك، وليس من له بيت على هذا الدرب؛ لأنه قد يكون البيت على هذا الدرب وبابه على الشارع العام.
نقول: هذا الدرب المشترك لا يجوز للإنسان أن يفتح فيه بابًا إلا بإذن الجيران، ولا يجوز أن يُخْرِج عتبة للباب إلا بإذن الجيران، ولا أن يُخْرِج رَوْشَنًا ولا ساباطًا إلا بإذنهم، هذه واضحة يا جماعة ولّا غير واضحة؟
الآن مسألة أخرى: لو أراد أحد من هؤلاء أن ينقل بابه إلى الداخل، أيجوز هذا أو لا يجوز؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: إلى الداخل، يعني مثلًا طرف السوق، هو بابه عند طرف السوق، أراد أن يدخل، يدخّله عند منتهى السوق، له ذلك؟ لا، إلا بموافقة الجيران، فإذا قال إنسان: عَلِّل ليش ليس له ذلك، أليس هذا الدرب مشتركًا؟ نقول: لأن الإنسان لا يكون شريكًا إلا فيما يحاذي بابه وما كان دونه مما يلي فم الشارع.
فإن أراد اللي في آخر هذا الدرب أن ينقل بيته إلى فم الشارع، يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأنه يعتبر تنازل عن حقه، لكنه لا يفتحه أمام باب جاره إلا بإذنه.
طالب: شيخ، (...) إذا كان بيتي هناك كيف أفتح باب.. ما يجوز.
طالب آخر: يدخل في ملك غيري.
الشيخ: الآن إذا قدَّرنا أن الشارع انسد من طرف الزاوية إلى هذا، أنت بابك هو الباب الأول، الحجرة الأولى، وملكك واسع، ممكن تنقل هذا الباب إلى هنا.
طالب: ولكن هذا ليس بيتي.
الشيخ: لا، كله لك.
الطالب: إي.
الشيخ: كله لك، وإلا معلوم أنه ما هو راح يفتح بابًا له في ملك غيره، هذا معروف.
طالب: إذا كان له حق فتح باب في أول الشارع، فلماذا لم يكن له حق باب في هذا الشارع؟
الشيخ: لا، ليس له حق فتح الباب مطلقًا، له حق فتح الباب من حذاء بابه الأول، وما دونه مما يلي فم الشارع.
الطالب: لو جرى عرف الناس أن له حقًّا أن يفتح في هذا الشارع بابًا، يعني مثلًا عندنا يكون مثلًا هذا الشارع المشترك إذا ترك من ملكه مثلًا مترًا أو مترين فيكون له حق فتح باب بسعة كذا، يعني عند أعراف الناس، يفتح في أول البيت، يفتح في آخر البيت، يعني ما يختلفون في هذا.
الشيخ: هذا أول ما يوضع الشارع، يعني مثلًا هؤلاء اشتروا قطعة أرض كبيرة فيها مخطط، هؤلاء اتفقوا من أول الأمر، فله أن يجعل باب البيت من أسفل الشارع أو من أعلاه، لكن بعد أن يستقر ويبنون، ويكون هذا بابه من أول الشارع، وهذا بابه من أسفل الشارع، فالذي من أسفل الشارع له أن ينقله إلى أوله، والذي من أوله ليس له أن ينقله إلى آخره.
طالب: لماذا يا شيخ؟
الشيخ: العلة علَّلْنَا لكم؛ لأن الإنسان لا يملك من هذا الشارع إلا ما كان محاذيًا لبابه، أو ما دونه من أعلى الشارع.
لكن اشترطنا في مسألة نقل الباب رضا؟
طلبة: الجيران.
الشيخ: لا، يُشْتَرَط في نقله إلى أعلى الطريق ألَّا يكون أمام باب جاره.
هل له أن يفتح بابًا للهواء في الطريق المشترك؟
نعم، له ذلك، ولا يحتاج إلى إذن، والسبب أنه لا ضرر على أهل الشارع؛ ولأنه له الحق في أن يهدم من جداره إلى مقدار قامة الرجل، فإخراج النوافذ للهواء لا بأس به.

***

يقول: (ولا يَفعلُ ذلك في ملْكِ جارٍ ودربٍ مُشْتَرَكٍ بلا إذنِ المُستَحِقِّ، وَلَيْسَ لَهُ وَضْعُ خَشَبِهِ عَلَى حَائِطِ جَارِهِ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ).
هذه مسألة جديدة: الجيران لا بد أن يكون بينهم جدار، هذا الجدار إما أن يكون لواحد منهم فقط، أو يكون مشتركًا؛ إذا كان لواحد منهم فهو ملكه، وإذا كان مشتركًا فهو مُلك للجميع، وكلام المؤلف الآن فيما إذا كان خاصًّا بأحدهما، أي: بأحد الجارَيْن، فهل للثاني أن يضع خشبه على هذا الجدار؟
يقول المؤلف: إذا كان هناك ضرورة فلا بأس، وإلا فليس له ذلك.
الضرورة ألَّا يمكنه التسقيف إلا به، مثل أن يكون الخشب قصيرًا، لو أنه سَقَّفَهُ على جداره هو لكانت المسافة بعيدة، والخشب قصير.
مثاله: حجرة طولها أربعة أمتار، وعرضها متران، والعرض هو جدار الجار، الخشب الذي عنده طوله متران أو متران ونصف، لو أراد أن يجعل الخشب على أربعة الأمتار يمكن ولّا ما يمكن؟ ما يمكن، إذن لا بد أن يجعله على المترين، والمتران هما الجدار الذي لصاحبه، نقول: لك أن تضع الخشب على جدار جارك، سواء رضي أم لم يَرْضَ.
فإن قال: هل لذلك شرط؟
قلنا: نعم، الشرط ألَّا يتضرر الجدار بذلك، مثل أن يكون الجدار رَهيفًا والخشب ثقيلًا، ويتضرر الجدار، يُخْشَى عليه من الانهدام فحينئذٍ لا يحل له أن يضعه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» ، لكن إذا كان لا يضره فإنه لا يمنعه ما دام محتاجًا إلى ذلك.
دليل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ» أو قال: «خَشَبَةً - فِي جِدَارِهِ» ، لا يمنع، والنهي هنا للتحريم، وإنما حرَّم النبي صلى الله عليه وسلم المنع؛ لأن في وضع الخشب مصلحة لصاحب الجدار ومصلحة للجار.
أما مصلحة الجار فظاهرة؛ لأنه يسلم مِن أن يُقِيم أعمدة، ويقيم سقوفًا قوية تحمل الخشب، وأما مصلحة ذلك لصاحب الجدار؛ فلأن الخشب يشد الجدار ويقويه، ويقيه الشمس، ويقيه المطر، ففيه مصلحة للطرفين، ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام الجار أن يمنع جاره من وضع خشبه على جداره.
قال أبو هريرة: ما لي أراكم عنها مُعْرِضِين، والله لأَرْمِيَنَّ بها بين أكتافكم، قال ذلك حين كان أميرًا على المدينة، وكلامه رضي الله عنه يحتمل معنيين:
المعنى الأول: ما لي أراكم عنها، أي: عن هذه السُّنَّة، مُعْرِضِين، والله لأرمين بها بين أكتافكم، وخص الأكتاف؛ لأنها موضع التحمل.
والمعنى الثاني: ما لي أراكم عنها معرضين، أي: تمنعون من وضع الخشب، والله لأرمين بها، أي: بالخشب، بين أكتافكم، يعني: لو لم أجد ما أضعها عليه إلا أكتافكم لوضعتها على أكتافكم؛ لأنه كان أميرًا، وهذا كقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمحمد بن مسلمة: والله لَأُجْرِيَنَّهُ ولو على بطنك. تعرفون القصة هذه؟
القصة أن له مُلْكَيْن، وبينهما ملك لجاره، فأراد أن يُجْرِي الماء من ملكه إلى ملكه الثاني مارًّا بملك جاره، فمنعه الجار، قال: ما يمكن أن تجري الماء على أرضي، فألزمه عمر بذلك؛ أن يجري الماء على أرضه، ليش؟ لأن الماء فيه مصلحة؛ صاحب الأرض ينتفع، فيزرع على هذا الماء، على هذا الساقي اللي يمشي، ويغرس عليه، والجار أيضًا ينتفع.
نعم، لو فُرِضَ أن الجار الذي منع من جريان الماء يريد أن يقيم عليها بيتًا، فحينئذٍ له الحق، أما وهي بستان فإن جريان الماء ينفعها.
على كل حال أبو هريرة يقول: والله لأرمين بها بين أكتافكم، ولكن الشرط ما هو؟ ألَّا يكون على الجدار ضرر، والشرط الذي أشار إليه المؤلف: أن يكون الجار محتاجًا إلى وضع الخشب.
طالب: شيخ، لو أن الجار هذا في أثناء بناء هذا البيت أخبر جاره أن يشاركه في بناء هذا الجدار، فرفض هذا الجار، وأثناء ما أراد أن يبني هذا الجار الثاني احتاج إلى هذا، هل يُمَكِّنُه من أن يضع خشبه على..؟
الشيخ: هذا سؤال مهم، يقول: لو أن الجار لما بنى داره إلى جنب جاره قال له -الذي بنى أولًا قال -: لا بد أن تدفع نصف النفقة للجدار الذي بنيتُه، وحينئذٍ أُمَكِّنُك، وقال الثاني: لا، الجدار ملكك، ولا تجبرني على أن أشتري نصفه مثلًا.
الجواب: نعم، لا يُجْبِره، فإذا أراد أن يضع الخشب وهو في حاجة فإننا نُلْزِم الجار الذي له الجدار بذلك؛ لأن هذا حق شرعي.

طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، في بعض البلاد لا يُسمح لصاحب البيت أن يُخْرِج من جدرانه نوافذ إلا إذا كانت أربعة أمتار من كُلِّ جهة، يعني الجهة التي له فيها أربعة أمتار فهذه يجوز له أن يُخْرِج منها نافذة، والجهة التي ليس له أرض يعني أقل من أربعة أمتار فلا يُخْرِج منها نافذة.
الشيخ: وأيش السبب، ليش؟
الطالب: هذا النظام.
الشيخ: يعني يسأل يقول: في بعض الجهات أو في بعض البلاد يقول: إذا كان جدار الرجل يزيد عن أربعة أمتار فأكثر فله أن يفتح النوافذ، وإن كان دون ذلك فليس له أن يفتح النوافذ.
نقول: هذا لا وجه له في الواقع.

طالب: ستر عورات البيوت.
الشيخ: أبدًا، ويش الفرق بين أربعة أمتار وأقل؟
الطالب: الإنسان يستطيع يرى أكثر من عشرين مترًا.
الشيخ: إي نعم، قصدك النوافذ، يعني إذا صار بينه وبين جاره المقابل؟
الطالب: نعم.
الشيخ: كذا؟
الطالب: نعم، بيت في وسط مثلًا أرض.
الشيخ: أنا فهمت أنه لا بد أن يكون جدار البيت أربعة أمتار فأكثر.
الطالب: لا، الأرض أربعة أمتار.
الشيخ: يعني اللي بينك وبين جارك؟
الطالب: اللي بينك وبين جارك.
الشيخ: هذا أيضًا لا وجه له، يقال: النافذة إذا كانت تطل على جارك وتكشفه فهذه ممنوعة، سواء كان بينك وبينه أربعة أمتار أو أقل أو أكثر.
الطالب: كيف يفتح للهواء؟
الشيخ: يرفعها.
الطالب: لا، هم يقولون: حتى لو جعلتها..
الشيخ: حتى لو رفعتها؟
الطالب: حتى لو جنب السقف.
الشيخ: لا، غلط، الممنوع والواجب أن يضع سُتْرَة تمنع مشارفة الأسقف، وأما إذا كان يضع جدارًا رفيعًا لا يمكن للإنسان أن ينظر منه إلا إذا كان بيصعد على السلم فهذا لا يُمْنَع، حقه، يعني معنى هذا إذن الجدران القصيرة ممنوعة.