منه مئة، يجوز؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب، أقر هل يلزمه كل الدَّيْن أو يسقط منه
المئة؟
طالب: لا، إن أقر المدَّعَى عليه بالدَّيْن لزمه
كل الدَّيْن، لكن إن صالحه..
الشيخ: إي، هو كان يماطل
يقول: ما عندي لك شيء مرة، ومرة يقول: اصبر عليَّ، ومرة.. قال: تعالَ، أقر بديني
وأعطيك منه مئة، قال: أقررت؟
طالب: يصح الإقرار، ولا
يصح الصلح.
الشيخ: يصح الإقرار، ولا يصح الصلح؛ لأنه
مُكرَه عليه (...).
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى في باب الوكالة:ويصح التوكيل في كل حق آدمي من العقود والفسوخ والعِتْق والطلاق والرجعة، وتملك المُباحات من الصيد والحشيش ونحوه، لا الظِّهار واللعان والأيمان، وفي كل حق لله تعالى تدخله النيابة من العبادات والحدود في إثباتها واستيفائها، وليس للوكيل أن يُوكِّل فيما وُكِّل فيه إلا أن يجعل إليه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين.
ما معنى الوكالة في اللغة وفي الاصطلاح؟
طالب: في اللغة: التفويض.
الشيخ: في اللغة: التفويض، نعم.
الطالب: في الاصطلاح: استنابة جائز التصرف مِثلَه فيما تدخله النيابة.
الشيخ: أحسنت، في الاصطلاح استنابة جائز التصرف مثله -أي: جائز التصرف- فيما تدخله النيابة. مَثِّل لما تدخله النيابة؟
طالب: تدخل في النيابة البيع والنكاح..
الشيخ: البيع والنكاح والطلاق والعتق والرجعة وغير ذلك.. أشياء كثيرة.
طيب، لو وَكَّله أن يصلي له ركعتين؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأنه؟
الطالب: حق لله، لا تدخله النيابة.
الشيخ: حق لله لا تدخله النيابة. طيب، لو وَكَّله أن يحج عنه؟
طالب: لا يصح.
طالب آخر: فيه تفصيل، إن كان قادرًا وحج فريضة فهو لا يصح.
الشيخ: لأنه مُطالَب به ببدنه، وإن كان نفلًا؟
الطالب: ففيه خلاف.
الشيخ: ففيه خلاف، إذن المسألة ما فيها جواب قاطع.
الوكالة يدل على جوازها الأثر والنظر؛ الأثر من القرآن والسنة، والنظر من المعنى المعقود. من القرآن؟
طالب: قوله تعالى في قصة أصحاب الكهف: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا [الكهف: ١٩].
الشيخ: تمام، وقال يعقوب لأبنائه: يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ [يوسف: ٨٧]، فوكلهم في البحث عن أخيهم يوسف. طيب، من السُّنَّة؟
طالب: أمر النبي صلى الله عليه وسلم للرجل أن يشتري له شاة بدينار.
الشيخ: أحسنت، الرسول وكَّل عروة بن الجعد أن يشتري له أضحية بدينار ، أحسنت.
ونمتلك كثيرًا من السُّنَّة. طيب، من النظر؟
طالب: بالنظر أن هذا مما تقوم عليه مصالح الناس ويحتاجون إليه، قد يكون الإنسان إلى شيء ولا يستطيع..
الشيخ: أن هذا مما تكون الحاجة إليه، وتقوم به مصالح الناس؛ لأن الإنسان قد يحتاج إلى شيء، ولا يستطيع أن يباشره بنفسه، فكان من حِكمة الله ورحمته أن أذن لهم بالتوكيل.
أحسنت، ما هي القاعدة أو الضابط في مَنْ له التوكيل والتوكُّل، الذي ذكره المؤلف؟
طالب: كل من له التصرُّف في شيء بنفسه فله التوكُّل والتوكيل فيه.
الشيخ: أحسنت، هذا ضابط: كل من له التصرف في شيء فله أن يَتوكَّل ويُوكِّل فيه.
طيب، وَكَّل شخصًا أن يصطاد له صيدًا، فقال له: انظر إلى الأرنب الرابض في ظل تلك الشجرة وقد وكَّلتك أن تصيدها لي، يصح؟
طالب: (...).
الشيخ: إي، هذا من باب تملك المباحات، ومثله لو وكَّله أن يحش له حشيشًا في مكان فإنه يكون وكيلًا له.
طيب، إذا صادها، فلمن تكون؟
الطالب: تكون للمُوكِّل.
الشيخ: تكون للمُوكِّل؛ لأن ذلك صادها نيابة عنه. هل يصح التوكيل في إثبات الحدود أو لا؟
طالب: لا يصح يا شيخ.
الشيخ: اصبر يا شيخ، لا تستعجل، تعرف بعد الحدود؟
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وفي كل حق) يعني وتصح الوكالة في كل حق لله لا تدخله النيابة.
اعلم أولًا أن الأصل في حقوق الله أنه لا يجوز فيها الوكالة، هذا الأصل؛ لأن حقوق الله المقصود بها إقامة التعبُّد لله عز وجل، وهذه لا تصح إلا من الإنسان نفسه؛ لأنك لو وَكَّلت غيرك، فهل فعله تحس بأن إيمانك زاد به؟ لا؛ ولذلك كان الأصل في حقوق الله ألا تصح الوكالة فيها.
خذوا هذا الضابط: الأصل في حقوق الله ألا تصح الوكالة فيها، وذلك لأن المقصود بها التعبد لله، وهذا لا يصح فيما إذا قام به غير المكلف.
إذن، لا نجيز الوكالة في شيء من العبادات إلا فيما ورد به الشرع؛ هذا هو الأصل، ولننظر أولًا: الصلاة؛ هل ورد التوكيل فيها؟ لا، أبدًا، لا فرضها ولا نفلها. هل ورد قضاؤها عمن مات وعليه صلاة؟ لا، لم يرد، لا في الفرض ولا في النفل.
إذن الصلاة لا تصح الوكالة فيها، لا في حال العجز، ولا في حال القدْرة، ولا في الفرض، ولا في النفل.
الزكاة، تصح الوكالة فيها؟ نعم، تصح الوكالة فيها للعاجز والقادر، يعني يصح أن يُوكِّل القادر شخصًا يؤدي زكاته إلى الفقراء، حتى لو قال له: خُذ زكاتي من مالي وهو لا يعلم عنها، قال: أحصِ مالي، وخُذْ زكاته، وتصدَّق به على الفقراء، فإن ذلك جائز؛ لأن الوكالة في الزكاة لها صورتان:
الصورة الأولى: أن يُحصي الإنسان مالَه ويعرف زكاته، ويأخذها، ثم يُسلِّمها إلى الوكيل، وهذا لا إشكال فيه، والثمرة التي تحصل بأداء الزكاة تحصل في هذه الحال أو لا؟ تحصل؛ لأن الإنسان يشعر الآن بأنه أخرج من محبوباته ما يكره أن يخرج منها، لكن الله يحب ذلك، فأخرجها لله.
الصورة الثانية: أن يُوكِّل شخصًا في إحصاء ماله ويقول: أحصِ مالي وأخرِجْ زكاته. هذا لا شك أنه لن يكون في قلبه ما كان في قلب الأول؛ لأنه لا يحس بأنه أخرج شيئًا معينًا تتعلق به النفس من ماله المحبوب إليه، لكن مع ذلك تصح الوكالة أو لا؟ تصح الوكالة.
وهذا ثابت بالسُّنَّة، وإذا ثبت بالسُّنَّة فهي الفاصل، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُوكِّل في إخراج الزكاة، ويُوكِّل في حفظها، ويُوكِّل في قبضها صلوات الله وسلامه عليه.
طيب، وإذا صحت الوكالة في الزكاة فلا فرْق بين أن يُعيِّن المدفوع له أو لا يُعيِّن، بأن يقول: ادفعْ زكاتي لفلان، أو يقول: ادفعها لمستحق. لا فرق، لكنه إذا عيَّن الجهة فإن الوكيل لا يصرف الزكاة في غيرها إلا بعد مراجعة الموكِّل، لو قال: أعطها فلانًا، لا يمكن أن يصرفها لغيره إلا بإذن موكله؛ لأن الوكيل محدود تصرفه بما وُكِّل فيه.
لو فُرض أن صاحب المال قال: أعطِ زكاتي فلانًا، وهو يعلم أن فلانًا لا يستحق، لكنه لم يعلم إلا بعد أن فارقه الموكِّل؛ لأنه إذا قال: أعطِ زكاتي فلانًا وهو يعلم أنه ليس بأهل، سيقول له فورًا: إنه لا يستحق، ولا حرج عليه أن يقول ذلك، بل يجب عليه أن يقول؛ لأن بعض العوام المساكين يقولون: لا تقطع رزقه، قال لك: أعطِ زكاتي فلانًا أعطه إياها سواء يستحق أو لا، وهذا غلط، هذه خيانة ولا تجوز، إذا كنت تعلم أنه لا يستحق قل: يا أخي، هذا ما يستحق، فإذا قال: أعطها إياه وإن لم يستحق، أنا المسؤول، ماذا تقول؟ أقول: لا؛ لأني لو فعلت لأعنته على الإثم، حيث وضع الزكاة في غير محلها.
أما إذا كنت لم أعلم إلا بعد أن فارقني الموكِّل، يعني: أعطاني مثلًا مئة ريال، قال: خُذْ هذه الزكاة أعطها فلانًا، وبعد أن فارقني عرفت أن فلانًا لا يستحق، فهنا أُوقِف العطاء حتى أُراجعه وأقول: إن فلانًا لا يستحق، فإذا قال: أعطه ولو كان لا يستحق، أقول: لا، لا أعينك على الإثم، فإن قال: أعطه إياه تطوعًا، يصح؟ ويعطيها إياه؟
إذن الزكاة يجوز التوكيل في قبْضها وإخراجها للعاجز والقادر؛ لأن السنة وردت به؛ ولأنها في الحقيقة يتعلق بها حق ثالث: وهو المستحِق، فمتى وصلت إلى مستحقها من أي جهة كانت فهي في محلها.
نأتي إلى الصوم، الصوم هل يجوز أن يُوكِّل أحدًا يصوم عنه؟ لا، لا فرض ولا نفل، حتى لو كان عاجزًا، عليه كفارة مثلًا وهو شيخ كبير وله أولاد، وعليه كفارة صيام ثلاثة أيام.
كفارة ويش صيام ثلاثة أيام؟ كفارة أيش؟ كفارة يمين، فيه أيضًا كفارة أخرى: فدية الأذى.
على كل حال هو عليه ثلاثة أيام، فقال لأبنائه: صوموا عني ثلاثة أيام، أيُجزئ ذلك؟ لا يجزئ، هو عاجز ما يقدر.
طالب: (...).
الشيخ: لا يجزئ؛ لأن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يرد فقد قلنا: إن الأصل في العبادات؟
طالب: التوقيف.
الشيخ: لا، الأصل في العبادات أنه لا يجوز التوكيل فيها، ما هو التوقيف، التوقيف معروف، لكن الأصل أنه لا يجوز التوكيل فيها؛ لأنه -أي التوكيل- يُفوِّت المقصود من التعبُّد لله عز وجل.
إذن لو أن العاجز وَكَّل في الصوم ما أجزأ. إذا كان عجزه لا يُرجى زواله، ووكَّل في الإطعام عنه، يُجزئ أو لا؟ يُجزئ؛ لأن الإطعام يُشبه الزكاة، فيجزئ.
طيب، إذا مات فهل يُقضى عنه أو لا يقضى؟ أما النفل فلا يُقضى؛ لأنه لم يرد؛ وما دام لم يرد فالأصل عدم القضاء، فلو أن إنسانًا كان من عادته أن يصوم ثلاثة أيام البيض، ولكنه لم يصمها، ثم تُوفِّي قبل استكمال الشهر فإنه لا يُصام عنه.
إذا كان واجبًا، فمن العلماء من قال: إنه لا يُصام عنه؛ لأنه إذا مات وهو لم يصُمْ صار كالشيخ الكبير والمريض الميؤوس منه، فيُطعم من تركته عن كل يوم مسكين، ولا يُصام عنه.
وقال بعض العلماء: يُصام عنه صيام الفرض، سواء كان واجبًا بأصل الشرع كرمضان والفدية والكفارة، أو كان واجبًا بالنذر. واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة في الصحيحين: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ؛ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» ، فقوله: «وَعَلَيْهِ صِيَامٌ»، يشمل الفرض بأصل الشرع أو الفرض بالنذر، هو عام.
وفصَّل بعض العلماء فقال: إن كان واجبًا بالنذر قُضِيَ عنه، وإن كان واجبًا بأصل الشرع فإنه لا يُقضَى عنه.
واستدلوا بأن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمها نذرت أن تصوم شهرًا فلم تصم، فقال: «صُومِي عَنْهَا» ، فأذن لها أن تصوم عنها، والصيام نذر. ولا يقاس عليه الواجب بأصل الشرع؛ لأن الأصل في العبادات عدم جواز الوكالة، لكن هذا القول ضعيف، والصواب القول الثاني: أنه يجوز أن يُصام عن الميت ما وجب عليه من فرْض بأصل الشرع أو فرض بالنذر، الدليل عموم حديث عائشة: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ؛ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».
وما قصة المرأة التي سألت عن النذر إلا فرد من أفراد هذا العموم، لا يخالفه ولا يقيده، هي قضية عيْن وقع فيها أن الميت مات وعليه صوم مفروض، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أو أذِن بالصيام عنها، فهو فرْد من أفراد العموم، ولا يمكن أن نُخصِّصه.
ثم نقول أيضًا: أيهما أكثر أن يموت الإنسان وعليه صيام من رمضان أو عليه صيام نذر؟
الأول لا شك. متى يأتي إنسان نذر أن يصوم ومات قبل أن يصوم؟! فكيف يمكن أن نحمل الحديث العام على الصورة النادرة دون الصورة الشائعة؟ هذا في الحقيقة خلل في الاستدلال.
فالصواب إذن أنه يُصام عنه، إذا مات وعليه صيام فإنه يُصام عنه. لكن متى يكون عليه الصيام؟
يكون عليه الصيام إذا أمكنه أن يصوم، ولكنه فرَّط، ثم مات، وأما من لم يُفرِّط فإنه لا صيام عليه، لا عليه هو ولا على نفسه؛ لأنه إن كان مريضًا مرضًا لا يرجى برؤه ففرضه الإطعام، وإن كان مرضًا يُرجى برؤه واستمر به المرض حتى مات فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يُدرِك أن يقضي.
ومثل ذلك: إذا حصل حادث ومات الإنسان المخطئ في نفس الحادث في الحال، المخطئ إذا قتل نفسًا خطأ ماذا عليه؟ إما عِتق رقبة، وإما صيام شهرين متتابعين، فإن ذا مال يتسع لعتق الرقبة، أُعتق من ماله؛ لأنه دَيْن عليه، وإن كان لا يستطيع، ليس عنده مال أو لا تُوجد الرقبة فلا صِيام عليه، لماذا؟ لعدم التمكُّن من الأداء، الرجل ما تمكن من الأداء، مات في الحال، كيف نُلزمه أن يصوم أيامًا لم يعشها؟! لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: ٢٨٦]، وهذا أبلغ، هذا غير ممكن إطلاقًا.
ففهمنا الآن الصيام، ماذا حُكمه؟ التوكيل في الصيام في حال الحياة لا يصح مُطلقًا، لا فرضه ولا نفله، لا عاجز ولا قادر.
فإن صام الوكيل؛ الأبناء رقوا لأبيهم الشيخ الكبير فصاموا عنه، صاموا عنه، قالوا: هذا من البر، خلوه يستريح الوالد يأكل ويشرب ويستأنس، وإحنا نقوم بهذا، من يكون الصيام له؟ لمن صام؛ لأنه لا يصح التوكل فيه.
بقينا في الحج، الحج كغيره من العبادات؛ الأصل فيه عدم جواز التوكيل، الأصل في الحج عدم جواز التوكيل؛ لأنه عبادة، والأصل في العبادة أنها مطلوبة من العابِد، ولا يقوم غيره مقامه فيها، وحينئذٍ نقول: الحج وردت النيابة فيه عن صنفين من الناس؛ عن من مات قبل الفريضة، ومن كان عاجزًا عن الفريضة عجزًا لا يُرجى زواله، فهذا جاءت السنة بالحج عنه.
وعليه، فإذا عجز الإنسان عن الحج بعد وجوبه عليه لقدرته عليه ماليًّا، والعجز لا يُرجى زواله كالكِبْر، والمرض الذي لا يُرجى بُرؤه، قلنا: ينوب عنه مَنْ؟ من يحج عنه، يُوكِّل إنسانًا يحج عنه؛ لأن ذلك ثبت بالسُّنَّة. أو مات فإنه أيضًا يُقضَى عنه؛ لأنه ثبت ذلك بالسنة.
بقينا؛ لو وَكَّلَ في حج الفريضة وهو قادر، أيصح؟ لا يصح.
طيب، إذا حج الوكيل، فلِمن الحج؟ الحج له، للوكيل؛ لأن هذه الوكالة فاسِدة، والفاسد وجوده كالعدم.
النافلة إذا وَكَّل فيها شخص مريض بمرض لا يرجى برؤه، فحج عنه هذا الوكيل، أيجزئ أو لا؟ لا إله إلا الله! والله ما أظنكم طلبة علم، أيش اللي قلنا بالقاعدة؟
طلبة: (...).
الشيخ: ويش الأصل في العبادات؟ عدم جواز التوكيد يا إخواني، القواعد هي المهمة. نقول: لا يجوز أن يُوكِّل بحج النافلة؛ لأن ذلك إنما ورد في حج الفريضة، وما دمنا قلنا: إن الأصل في العبادات عدم جواز التوكيل فإنه لا يُوكِّل؛ لأن النافلة لم يرد فيها التوكيل.
فنقول لهذا: إن كنت قادرًا فحُج بنفسك، وإن كنت عاجزًا فلم يُوجِب الله عليك الحج؛ لا تحج، هكذا نقول لمن حجه نفل وأراد أن يُوكِّل، نقول له: إن كنت قادرًا فحج بنفسك، ولا تجلس نائمًا على الفراش، وغاية ما عندك أن عندك الملايين أعطيت من هذه الملايين خمسة آلاف مثلًا لواحد يحج عنك، أيش الفائدة؟ الصدقة بهذه الخمسة آلاف أفضل بكثير من أن تُقيم من يحج عنك، وإعانة حاج لفرضه بهذه الخمسة أفضل من أن يحج عنك نفلًا.
بقينا فيما إذا كان عاجزًا عجزًا لا يرجى زواله، وأراد أن يُعطي شخصًا يحج عنه نافلة، هل يجوز أو لا؟ لا يجوز، بناءً على القاعدة؛ لأن ذلك إنما ورد في الفريضة، والفريضة لا بد منها، إن فعلها الإنسان بنفسه فهذا المطلوب، وإن لم يفعلها فبنائبه، النافلة ما هي فريضة حتى نقول: إنك مُلزم بأن تقيم من يحج عنك، وحينئذٍ نقول: حتى لو كان الإنسان عاجزًا عجزًا لا يُرجَى زواله فإنه لا يُقيم من يحج عنه نافلة.
لكن بعض العلماء رحمهم الله توسع في هذا، وقال: إذا كان يجوز له أن يستنيب في الفريضة جاز أن يستنيب في النافلة، وعلى هذا فإذا كان عاجزًا عجزًا لا يُرجى زواله، فله أن يُوكِّل من يحج عنه، قالوا: لأن طلب الفريضة من الإنسان بدنيًّا أقوى وأشد من طلب النافلة، فإذا جاز التوكيل في الأشد؛ جاز التوكيل في الأخف، لكن هذا التعليل معارض بالتعليل الأول، وهو أن المطالب بالفريضة لا بد أن يأتي بها، إما بنفسه أو بنائبه.
وبعضهم أيضًا توسَّع وقال: النفل يجوز التوكيل فيه ولو كان قادرًا، وهذا من غرائب العِلم؛ لأن هذا لا يصح أثرًا ولا نظرًا، لا يصح أثرًا؛ لأنه لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام أن أحدًا حج عن أحد نافلة، وأما نظرًا، فلأننا إن قلنا بالقياس على الفريضة، فالفريضة لم ترِد إلا في حال العجز عجزًا لا يُرجَى زواله.
وبعضهم أيضًا توسَّع توسعًا ثالثًا، وقال: يجوز أن يُوكِّل الإنسان في حج النفل ولو في أثنائه.
وعلى هذا: إذا ذهب إنسان للعمرة وطاف ووجد مشقة وهي نافلة، وقال لإنسان: يا فلان، وكَّلتك تسعى عني، وتحلق عني، على هذا القول يجوز.
وهذا في الحقيقة من أضْعف الأقوال: أن يجوز أن يستنيب شخصًا في إكمال النافلة؛ لأن الحج إذا شرع فيه الإنسان صار فرضًا واجبًا عليه، لا يمكن أن يتحلل منه إلا بإتمامه أو الإحصار عنه، أو بالعُذْر إن اشترط؛ لقول الله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة: ١٩٦]. فالحج من بين سائر الأعمال، إذا شرعت فيه وهو نفل يلزمك أن تتم ما فيه، قال الله تبارك وتعالى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ [البقرة: ١٩٧]، فجعل الإحرام بالحج فرضًا، وقال تعالى: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْيعني الحجاج وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ [الحج: ٢٩].
فالمهم؛ فهمتم الآن الأقوال في المسألة؟ أن بعض الناس توسع في النفل توسعًا فاحشًا ضعيفًا، فأقرب الأقوال أن التوكيل في النفل للقادر لا يصح أبدًا، يقال للقادر: إما أن تحج بنفسك وإما ألا تحج، والعاجز في إلحاق النفل بالفرض فيه ثِقل على الإنسان، الإنسان لا يجزم بأنه يلحق بالفرض؛ لأن الفرض لازم يُطالَب به الإنسان، والنفل تطوع ليس بلازم، فإذا أجازت الشريعة التوكيل في الفرض فإنه لا يلزم أن يجوز ذلك في النفل؛ لأن النفل الإنسان فيه منه في سعة.
والقول بأنه إذا جاز في الفرض جاز في النفل من باب أوْلى ضعيف، وكون الفرض أشد مطالبة أن يقوم الإنسان فيه ببدنه، نقول: هذا صحيح، لكن العبادات الأصل فيها منع التوكيل، فيُقْتصر على ما ورد؛ ولذلك الآن بعض الناس يُوكِّل في حجج كثيرة، نافلة لأبيه، وأمه، وعمه، وخاله، وما أشبه ذلك، ولكنه جالس على فراشه، على كرسيه، أين الحج الذي جعله الرسول عليه الصلاة والسلام جهادًا حين سألته عائشة قالت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟ قال: «عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ؛ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» .
إذن هذه الأركان الأربعة، فهمتم حكم التوكيل فيها؟ الشهادتان؟
طالب: لا يصح التوكيل فيها مطلقًا.
الشيخ: مطلقًا. لو قال واحد غير مسلم: يا فلان، أنا أريد الإسلام، لكن تشهد أني أنت؛ وكَّلتك، ما يصح؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ولو كانت من كاتب عدل، وثيقة.
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: طيب صح، هذا لا يمكن.
وعلى كل حال اعرفوا هذه القاعدة: الأصل في العبادات منْع التوكيل فيها؛ لأن التوكيل فيها يُفوِّت المقصود من العبادة وهو التذلل لله عز وجل، والتعبد له، ويُقتصر فيها على ما ورد.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- بقينا في من مات وأوصى مثلًا بأن يحج عنه حج النافلة، هل..؟
الشيخ: ومن مات، ومن كان عاجزًا عجزًا لا يُرجى برؤه كما قلت لكم واحد، ثقيلة على النفس.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، المخصِّص هو الذي يأتي بحكم مخالِف للعام؛ هذا المخصِّص، وأما إذا أتى الدليل بحُكم مطابِق للعام فهو من بعض أفراده فلا يُخصِّصه، لو قلت لك مثلًا: أكرم الطلبة، ثم قلت: أكرم ساميًا، معناه الطلبة الباقين ما نكرمهم؟ تخلينا نكرم الباقين ولا تقول هذا تخصيص؟ لأن حُكم الخاص مُطابِق لحكم العام، فنُصَّ عليه للعناية به مثلًا.
تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ [القدر: ٤]، لما قال: وَالرُّوحُ، الآن نقول على الملائكة: ما تنزل؟ طيب، إذا قلت: أكرِم الطلبة، ثم قلت: لا تُكرم ساميًا، تخصيص ولَّا لا؟ هو تخصيص؟
طالب: نعم.
الشيخ: ليش؟ لأن الحكم الثاني مخالِف، هذا إن كان سامي من الطلبة، فهو تخصيص من تعميم، وإن كان من غيرهم فليس تخصيصًا، يكون المعطوف حكمه مستقل (...).
طالب: القول بجواز النيابة في التنفُّل للعاجز، هل يجوز لمن جاز له ذلك أن يستنيب عنه أكثر من واحد في حج واحد؟
الشيخ: لا بأس؛ يعني يعطي اثنين أو ثلاثة يحجون عنه في عام واحد، لا بأس.
طالب: بالنسبة للتوكيل في الصيام، أشكل عليَّ حديث عائشة قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» . لم يذكر الحديث أنه قبل أن يموت يوكل؟
الشيخ: هذا ما فيه توكيل، الرسول عليه الصلاة والسلام هو الذي وَكَّل.
طالب: بارك الله فيك، إذا حج الوكيل وكان بوكالة فاسدة بمال الموكِّل، مال الذي وكله، لكن كانت الوكالة فاسدة كأن يكون قادرًا على الحج فوكَّل غيره، لكن حج بمال الموكِّل، فهل يرجع عليه بمال..؟
الشيخ: الموكِّل؟
الطالب: الموكَّل حج بمال الموكِّل، لكن الوكالة فاسدة.
الشيخ: إذا كان الوكيل يعلم أنه لا يصح التوكيل، والموكِّل يعلم أنه لا يصح؛ أُخِذ المال وجُعِل في بيت المال؛ لأن كُلًّا منهما أقدم على مُحرَّم، فلا يمكن أن نجعل الوكيل ينتفع ولا الموكِّل.
وأما إذا كان لا يعلم، والموكِّل يعلم، فإن الموكِّل لا يرجع على الوكيل بشيء؛ لأنه هو الذي غرَّه، وأما إذا كان كل منهما لا يعلم فالذي يتوجه أنه يُؤخذ من الوكيل؛ لأنه يجب عليه أن يتحرَّى، ويحتمل أن يُقال: إنه على من غَرَّه، المسألة هذه تحتمل قولين.
طالب: من مات وعليه صيام عشرة أيام؟
الشيخ: منين؟
الطالب: نذر.
الشيخ: طيب.
الطالب: (...).
الشيخ: يعني يقول: من مات وعليه صيام عشرة أيام، نذر أو صيام رمضان على القول بأنه يصح، وله عشرة من الأولاد، فصاموا يومًا واحدًا، نقول: يجزئ ذلك، إلا إذا كان يُشترط التتابع في الأيام فلا يصومه إلا واحد؛ لأنه لو صاموا جميعًا صار فيه التتابع يومًا واحدًا.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى في باب الوكالة: وفي كل حق لله تعالى تدخله النيابة من العبادات والحدود في إثباتها واستيفائها، وليس للوكيل أن يُوكِّل فيما وُكِّل فيه، إلا أن يجعل إليه. والوكالة عقد جائز، وتبطل بفسخ أحدهما وموته وعزل الوكيل وحجر السفيه، ومن وُكِّل في بيْع أو شراء لم يبع، ولم يشترِ من نفسه وولده، ولا يبيع بعرَض ولا نَساء، ولا بغير نقد البلد، وإن باع بدون ثمن المثل أو دون ما قدره له، أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل أو مما قدره له صح، وضمن النقص والزيادة، وإن باع بأزيد، أو قال: بِعْ بكذا مؤجلًا، فباع به حالًّا، أو اشترِ بكذا حالًّا، فاشترى به مؤجلًا ولا ضرر فيهما صح، وإلا فلا.الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا قاعدة مهمة في التوكيل في حقوق الله؛ حيث قُلنا: إن الأصل المنْع؛ وذلك لأن التوكيل في العبادات يُفوِّت المقصود من التعبد والتذلل لله عز وجل، إلا ما دل الدليل على جوازه؛ فالدليل حاكِم وليس محكومًا عليه، وإلا فالأصل المنع.
في حقوق الآدميين الأصل فيه الجواز؛ لأنه من المعاملات، والأصل في المعاملات الحِل إلا ما قام الدليل على منعه.
واستعرضنا العبادات الخمس عبادة عبادة، وبينا ما لا يصح فيه التوكيل، وما يصح مطلقًا، وما يصح بتفصيل.
ثم ننتقل الآن إلى ما بقي مما يمكن التوكيل فيه.
قال: (والحدود في إثباتها واستيفائها) الحدود: جمع حَدٍّ، والمراد به هنا: كل عقوبة مُقدَّرة من الشرع على معصية، هذه هي الحدود.
لنستعرضها: الزنا حد، القذف حد، السرقة حد، قُطَّاع الطريق حد، كم هذه؟ أربعة.
الزنا، بنص القرآن: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ [النور: ٢]، وجاءت السُّنَّة بزيادة على ذلك، وهو أن يُغرَّب الزاني والزانية عن البلد الذي حصل فيه الزنا لمدة عام . وإن كان مُحصنًا، وهو الذي قد تزوج بنكاح صحيح وجامَع زوجته؛ فإن حده الرجم، حتى وإن كان قد فارق الزوجة. هذا الزنا.
القذف، حدُّه ثمانون جلدة: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا [النور: ٤] إلى آخره.
السرقة، حدها قطْع اليد اليمنى من مفصل الكف؛ لقول الله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة: ٣٨].
قُطَّاع الطريق حدهم ما ذكره الله في قوله: إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ [المائدة: ٣٣].
هذه أربعة أنواع من الحد، وهل أَوْفيها للتخيير أو للتنويع؟
في ذلك للعلماء قولان؛ قول: إنه للتنويع، وقول آخر: للتخيير.
فعلى القول بالتنويع، يقول: أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا، هؤلاء إذا قتلوا وأخذوا المال، إن قتلوا فقط بدون أخذ المال قُتلوا، إن قتلوا وأخذوا المال قُتلوا وصُلبوا، إن أخذوا المال فقط تُقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، بأن تُقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، إذا أخافوا الطريق دون أن يعتدوا على مال أو نفس فإنهم يُنفون من الأرض. والنفي من الأرض، هل معناه أن يطردوا من هذا المكان أو أن يحبسوا؟
في هذا قولان أيضًا للعلماء؛ منهم من قال: إن النفي من الأرض أن يُحبسوا لا أن يُطردوا إلى بلاد أخرى؛ لأنهم ربما إذا طُردوا إلى بلاد أخرى عادوا مرة أخرى فلم نستفد من نفيهم، أما حبسهم فإنهم يُحبسون عن الناس فلا يتعدى شرهم إليهم.
والأرجح في هذا أنه يرجع إلى اجتهاد القاضي؛ إن رأى أن ينفيهم من الأرض إلى بلاد أخرى، أو أن يُحبسوا على حسب ما يرى.
كم هذه الحدود؟ الزنا، السرقة، القذْف، قُطَّاع الطريق. الخمر، شُرْب الخمر، اختلف العلماء، هل هو حد أو تعزير؟
فأكثر أهل العلم على أنه حد، ثم اختلفوا: هل هو أربعون، أو ثمانون، أو يُخيَّر الإمام بينهما؟
ولكن من تدبر عقوبة شارب الخمر عرف أنها تعزير لا حد، لكنه لا يُنقَص عن أربعين جلدة، والدليل لذلك أنهم كانوا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام يُؤتى بالشارب، فيقوم الناس إليه يضربونه، منهم من يضرب بيده، ومنهم من يضرب بالنعل، ومنهم من يضرب بالرداء أو بالجريد أو ما أشبه ذلك، ولهذا جاء في بعض ألفاظ الحديث: نحوًا من أربعين .
ثم إن أبا بكر جلد أربعين، ثم جلد عمر أربعين، ولما كثر شرب الخمر جمع الصحابة رضي الله عنهم يستشيرهم، وهذا من دأبه رضي الله عنه، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين، أخفُّ الحدود ثمانون، يعني فاجلد شارب الخمر ثمانين، فأقر ذلك عمر .
فأكثر العلماء أخذوا بهذا، وقالوا: إن الحد ثمانون؛ لأن عمر استشار الصحابة وقدَّروه بهذا، وعمر له سُنَّة متبوعة، فلا يُزاد على ذلك ولا يُنقص منه، وسموا ذلك حدًّا.
لكن من تدبر النص الوارد في ذلك أو النصوص الواردة في ذلك عرف أنه ليس بحد، وأنه تعزير لا ينقص عن أربعين جلدة؛ لأنه لو كان حدًّا ما استطاع عمر ولا غيره أن يزيد فيه، ولهذا لو كثر الزنا في الناس -نسأل الله العافية- هل يمكن أن نزيد على مئة جلدة؟
لا يمكن حتى لو زاد؛ لو كثروا يعني، فإنه لا يمكن أن يزاد على مئة جلدة، فكون أمير المؤمنين عمر ومعه الصحابة يزيدون على ذلك، يدل على أن المقصود التعزير الذي يردع الناس عن هذا الخبيث، هذا واحد.
دليل آخر: أن عبد الرحمن بن عوف قال: أخف الحدود ثمانون، أو قال: ثمانين. أقره الصحابة على أنها أخف الحدود.
إذن ما فيه حد يكون أربعين، ما فيه حد، وهذا يُشبه أن يكون إجماعًا؛ لأن عمر ما قال: لا، فيه حد، فالصواب أنه تعزير.
وبناءً على ذلك لو كثر الناس وكثروا وكثروا، فلولي الأمر أن يزيد على ثمانين بالكم أو بالنوع أو بالكيفية، حتى لو مثلًا رأى أن يُعزَّر شارب الخمر بغير ذلك فلا بأس إلا أنه لا يقطع عضوًا من أعضائه؛ لأن بدن الإنسان مُحْترم، وليس فيه قَطْع، اللهم إلا في السرقة وقُطَّاع الطريق، هذه الحدود.
يرى بعض الناس أن من الحدود الرِّدَّة، ويكتبون هذا في مؤلفاتهم، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن الردة إذا تاب المرتد ولو بعد القدرة عليه فإنه يُرفع عنه القتل ولا يُقتل، ولو كانت حدًّا ما ارتفع بعد القدرة عليه؛ لقول الله تبارك وتعالى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة: ٣٤].
فالصواب أن القتل بالرِّدَّة ليس حدًّا، حتى على قوْل من يقول: إن من أنواع الردة ما لا تُقبل فيه التوبة، مع أن الصحيح أن جميع أنواع الرِّدَّة تُقبل فيها التوبة، حتى لو سب الإنسان رب العالمين أو الرسل أو الملائكة، ثم تاب، فإن توبته مقبولة؛ لأن من المشركين من سبوا الله عز وجل، ومع ذلك قُبِلت توبتهم، ثم إن عموم الأدلة: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر: ٥٣]، يدل على أن أي ذنب تاب الإنسان منه فإن الله يتوب عليه، حتى لو سب الله جهارًا نهارًا، ثم تاب وحسنت حاله، قلنا: الحمد لله، باب التوبة مفتوح.
لكن من سب الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم تاب، فإننا نقبل توبته، ولكننا نقتله؛ لأن سبه للرسول حق آدمي، ولا نعلم أعفى عنه الرسول أم لا؟ لأن الرسول قد مات، فالقتل لا بد منه، لكنه إذا تاب يُقتل على أنه مُسلم، يُغسَّل، ويُكفَّن، ويُصلَّى عليه، ويُدعى له بالرحمة، ويُدفن مع المسلمين.
على كل حال، الحدود الآن يجوز التوكيل في إثباتها واستيفائها، ومن الموكِّل؟
الموكِّل من له إقامة الحد، في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، الأمير هو القاضي، والرسول هو القائد، وهو الإمام عليه الصلاة والسلام، فلا إشكال في الموضوع.
وكذلك إذا كان الأمراء هم القضاة فلا إشكال أيضًا؛ لأنهم سوف يحكمون أولًا، ثم ينفذون ثانيًا، فالأمراء هم الذين يُوكِّلون في إقامة الحدود، لكن في وقتنا الحاضر الآن تفرقت المسؤولية، صار القاضي عليه مسؤولية والأمير عليه مسؤولية، فمن الذي يملك تنفيذ الحدود؟
الأمير، وعلى هذا القاضي يرفع الحكم، ثم الأمير يُوكِّل إن شاء من يُنفِّذ الحكم.
ما هو الدليل على التوكيل في الحدود في إثباتها أو استيفائها؟
الدليل: قصة المرأة التي زنا بها أجير عند زوجها، أجير عند الزوج زنا بامرأته، مستأجِره، وقيل له -أي: لهذا الأجير-: إن عليك الرجمَ، فذهب أبوه وافتداه بمئة شاة ووليدة، يعني جارية؛ لئلا يُرجم، وهذه طبعًا فتْوَى جهل وخطأ، فسأل أهل العلم، فقالوا: لا، على ابنك الجلد، وعلى امرأة الرجل الرجم؛ لأن الابن غير مُحصَن، بكر، وزوجة المستأجِر ثيِّب، ثم جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَمَّا الْغَنَمُ وَالْوَلِيدَةُ فَهِيَ رَدٌّ عَلَيْكَ» ، مردودة، يعني لا يملكها الزوج ولا الزوجة؛ وذلك لأن هذا الحكم مخالِف لحكم الله ورسوله، وبه نعرف أن ما قُبِض بغير حق يجب أن يُرد إلى صاحبه، وأن على زوجة هذا الرجم، وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام.
المهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لرجل من الأنصار: «اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا»، فهذا توكيل في إثبات الحد واستيفائه، في إثباته حين قال: «إِنِ اعْتَرَفَتْ»، وفي استيفائه حين قال: «فَارْجُمْهَا». وعلى هذا فيجوز لولي الأمر أن يُوكِّل في إثبات الحدود؛ أي فيما تثبت به، وفي تنفيذها.
ولكن الأفضل أن يُباشِر ذلك بنفسه ولا سيما في عصرنا الآن، أن يُباشر ذلك بنفسه؛ لئلا يحصل خطأ في الإثبات أو خطأ في التنفيذ، لكن الكلام على أن هذا جائز، والدليل هذه القصة التي سمعتموها، الحدود في إثباتها واستيفائها.
ثم قال: (وليس للوكيل أن يُوكِّل فيما وُكِّل فيه إلا أن يُجعل إليه).
الوكيل يتصرف بالإذن ممن؟ من الْمُوكِّل، وإذا كان يتصرف بالإذن من الموكِّل فإنه يجب ألا يتعدى ما وُكِّل فيه، لا بصفة العقد، ولَّا بالمعقود له، فإذا قال: وكَّلتك أن تبيع هذا العبد على فلان، فعندنا الآن تعيين في المبِيع وتعيين في المشتري. هل يملك الوكيل أن يبيع عبدًا آخر من عبيد الموكِّل؟
لا؛ لأنه خُصَّ بمعين. وهل يملك أن يبيع العبد المعين على شخص غير زيد؟ لا؛ لأنه يتصرف بالإذن فوجب أن يكون تصرفه بحسب ما أُذن له فيه.
خذ هذه القاعدة: أن الوكيل يتصرف بالإذن، فوجب أن يكون تصرفه بحسب ما أُذِن له فيه، لا يتعداه، إما لفظًا وإما عرفًا. طيب، هل له أن يُوكِّل؟
لا، ليس له أن يُوكِّل، فإذا وكلت فلانًا أن يبيع هذه السيارة، فليس له أن يُوكِّل غيره، لماذا؟ لأنني وكَّلته هو بنفسه، فليس له أن يُوكِّل غيره؛ لأني قد أثق به، ولا أثق بغيره، ولا سيما في الأمور التي يختلف فيها القصد اختلافًا كبيرًا، كما لو وكلت شخصًا يفرق زكاتي، وأراد أن يوكل غيره، هذا لا يمكن؛ لأن الزكاة أمرها عظيم، وربما أثق بفلان، ولا أثق بغيره.
فلا يجوز إذن أن يُوكِّل فيما وُكِّل فيه إلا في أحوال ثلاث:
الحال الأولى: قال: (إلا أن يُجعل إليه)، (يُجعل) هذا مبني لما لم يُسمَّ فاعله، فمن الفاعل؟ الموكِّل، يعني إلا أن يجعل الموكِّل ذلك للوكيل، فيقول: وكَّلتك في كذا، ولك أن تُوكِّل من شئت، أو من تثق به، أو أن تُوكِّل فلانًا جارك أو فلانًا قريبك، أو ما أشبه ذلك، هذه واحدة.
إذا جُعِل إليه، ووكَّل حسب ما جُعل إليه، يكون قد تصرف بحسب الوكالة ولَّا لا؟ نعم، يكون قد تصرف بحسب الوكالة؛ لأن الأمر جُعل إليه.
المسألة الثانية أو الحال الثانية: إذا كان مثله لا يتولاه عادة. فلو قلت لجارك وهو رجل شريف: يا فلان، من فضلك أنا سوف أسافر، اشترِ للبقرة؛ اشتر لها العلف كل يوم، وهو رجل شريف إما وزير، ولا قاضٍ، ولا أمير؛ الرجل الآن بيشتري علفًا كل يوم من المبيع، هل له أن يُوكِّل من يشتري العلف، ولا نقول: أنت تروح بنفسك؟ ما قال له: لك أن تُوكِّل؛ لأن هذا مما جرت العادة ألا يتولاه بنفسه، فله أن يُوكِّل من يشتري، وإن لم يؤذن له في ذلك، لكن عليه أن يتحرى الرجل الأمين أكثر مما يتحراه لماله.
المسألة الثالثة أو الحال الثالثة: إذا كان يعجز عن مثله عادة، إذا كان الوكيل يعجز أن يقوم بمثل هذا العمل عادة.
مثال ذلك: وكَّلت رجلًا أن يصعد بحجر كبير إلى السطح؛ لأني أريد أن أبني به السطح، وهو رجل ضعيف ما يتحمل، هل له أن يُوكِّل من يحمل الحجر إلى فوق؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أنا موكله هو، لكن لأن مثله يعجز عنه، وكذلك لو وكَّلته في بيع أموال كثيرة، وقلت: بِعْ هذه الأموال في الموسم هذا، لا تتعدَّ الموسم، وهي أموال كثيرة لو أنه باشرها بنفسه لانتهى الموسم قبل التصريف، فهنا له أن يُوكِّل.
فصار الوكيل ليس له أن يُوكِّل إلا في ثلاث حالات:
الأولى: أن يجعل إليه.
والثانية: ألا يكون مثله يتولاه بنفسه.
والثالثة: أن يكون عاجزًا عنه، ففي هذه الحال له أن يُوكِّل.
فإذا قال قائل: كيف أجزتم أن يُوكِّل في الحالين الأخريين؟
نقول: لأن هذا وإن لم يأذن فيه الموكِّل لفظًا فهو كالمأذون فيه عُرْفًا، كل أحد يعرف أني إذا قلت لجاري الشريف: يا فلان، اشترِ العلف للبقرة كل يوم، (...) أني ما أردت أن يشتري بنفسه، أليس كذلك؟ كل يعرف إذا قلت لهذا الرجل: صرِّف هذه البضاعة في هذا الموسم، وهو عشرة أيام وهي بضاعة كثيرة، كل يعرف أن المراد أن يصرفها بنفسه أو بوكيله.
ففي الحقيقة أن هاتين الحالين المستثنيين هي في الحقيقة داخلة في قوله: (إلا أن يُجعل إليه)، لكن لما ذكرها العلماء نقول: إلا أن يُجعل إليه لفظًا، وأما الثانية والثالثة فقد جُعِل ذلك إليه عرفًا.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (والوكالة عقد جائز)، الوكالة عقد وليست فسْخًا، (جائز) من الناحية التكليفية، أو من الناحية الوضعية؟ من الناحية الوضعية؛ لأنه من الناحية التكليفية ذُكِر من قبل، تصح بكل قوْل يدل على الإذن، ويصح التوكيل بكل حق آدمي.
لكن من الناحية الوضعية، هل هي من العقود الجائزة أو من العقود اللازمة؟
يقول المؤلف: إنها عقد جائز. والعقد الجائز هو الذي يملك كل واحد من المتعاقدين فسْخه بدون رضا الآخر، هذا العقد الجائز؛ كل واحد من المتعاقِدين فسخه بدون رضا الآخر، ولا إذنه أيضًا.
وجه ذلك ظاهر: أن الْمُوكِّل الأمر إليه، وأن الوكيل يتصرَّف بإذنه، فللوكيل أن يرجع، وللموكِّل أن يرجع أيضًا.
ثم إن قوله: (والوكالة عقْد جائز) يفيد أن العقود منها جائز، ومنها لازم، وهو كذلك، فعقْد البيع بعد التفرق من المجلس إذا لم يكن شرط الخيار عقد لازم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» .
الرهن عقد جائز من جانب المرتهن، عقد لازم من جانب الراهن، ووجههما ظاهر؛ لأن الحق لمن في الرهن؟ للمرتهِن، فإذا رضي بإطلاق الرهن وإزالته فالحق له، لكنه حق على الراهن، فلا يملك أن يتخلص منه.
طيب، الوكالة جائز من الطرفين، وبهذا تمت الأقسام؛ العقود ثلاثة أقسام:
عقد لازم من الطرفين، وعقد جائز من الطرفين، وعقد لازم من طرف جائز من طرف.
الوكالة عقْد جائز، قال: (تبطل بفسخ أحدهما) أنا عندي بإسقاط الواو، وهو الأصح؛ لأنك إذا قلت: (وتبطل) لم تكن هذه الجملة تفسيرًا لقوله: (جائز)، والجملة في الواقع؛ الجملة استئنافية تفسير لمعنى الجائز.
(تبطل بفسخ أحدهما) من أحدهما؟ الوكيل والموكِّل، تبطل بفسخه.
وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنها تبطل بفسخ أحدهما مطلقًا، ولو مع ضرر، ولكن يجب أن نقيد هذا ما لم تتضمن ضررًا، فإن تضمنت ضررًا فإنه ليس لأحدهما أن يضر صاحبه.
دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . وفي القرآن كثير أيضًا يقول عز وجل: أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ [النساء: ١٢]، ويقول عز وجل: وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا [البقرة: ٢٣١].
فعلمنا بذلك أن ما كان فيه الضرر فإنه ممنوع شرعًا، فلو أن الوكيل قبِل الوكالة على أنه سوف يُصرِّفها في الموسم، ثم انصرف من عند الموكِّل وفسَخَه، قال: يا فلان، اشهدوا أني فسخت الوكالة، والموكِّل ما علِم، ففات الموسم والموكِّل لم يعلم، هنا الفسخ فيه ضرر ولَّا لا؟
طالب: فيه ضرر.
الشيخ: على مَنْ؟ على الموَكِّل.
إذن لا يحل للوكيل هنا أن يفسخ إلا إذا استأذن من الموكِّل؛ من أجل أن يعرف الإنسان، أعني الموكل، كيف يتصرف؟ (...)
طالب: (...) هل ثبت قتل من سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم بالإجماع؟
الشيخ: لا، ما هو بالإجماع، ليس بإجماع.
الطالب: أم هو تعزير؟
الشيخ: لا، ليس بإجماع. لا، حد يجب أن يُقتل على كل حال.
طالب: بارك الله فيكم، جاء في الحديث وإن كان موقوفًا: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» ، وثبت ذلك عن الصحابة قتل الساحر، ثم إن المتعارف عليه يكاد يكون مشهورًا أن الساحر لا يتم سحره لا سيما إذا كان ممن يتعامل مع الجن، لماذا لا نقول بأن الحد أن يقتل؟
الشيخ: كيف حد؟
الطالب: يعني الساحر يُقتل بكل حال، حتى لو تاب؛ لأنه سوف يظهر التوبة، لكن فيما بينه وبين.
الشيخ: هذا قد يقال: إنه يُقتل على كل حال؛ لأننا لا نعلم صحة توبته، أما لو علمنا ذلك، فما الذي يخرجه من قوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: ٥٣].
الطالب: (...) على البيوت يا شيخ فيقتل.
الشيخ: يُقتل تعزيرًا، الظاهر الأقرب (...) أنه تعزير لدفع شره.
طالب: ما رأيكم في قول بأنه ليس هناك عمل من الأعمال (...).
الشيخ: هذا غير صحيح؛ لأن إبليس كفر بالاستكبار لا بالجهل، هو مُقِر بالله عز وجل، ومقر بالأوامر، لكنه استكبر، فالصواب أن الردة تعود إلى شيئين: إما الجحود، وإما الاستكبار.
طالب: بارك الله فيكم، إذا فسخ الوكيل عقد الوكالة فتضرر الموكل، فهل للموكِّل أن يرجع عليه بمقدار الضرر؟
الشيخ: إي، معلوم، يجب أن تعلم أن كل غار ثبت بغروره شيء فإنه عليه، هذا مقتضى العدل.
الطالب: بارك الله فيكم، إذا تعرض للنبي صلى الله عليه وسلم بالتعريض، ما هو سب صريح، بالتعريض يا شيخ في الصحف (...).
الشيخ: يقولون: إن التعريض بالسب أشد من التصريح؛ لأنه ينطلي على كثير من الناس، فمثلًا الذين قالوا لمريم: مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [مريم: ٢٨]، هذا أشد من لو قالوا: أنت زانية.
طالب: بالنسبة (...)؟
الشيخ: الآية أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ [المائدة: ٣٣]، ومعلوم أن الله لا يريد أن ينفوا من الأرض يطيره إلى السماء؛ لأن هذا شيء مستحيل، لكن من الأرض التي حصل فيها الإفساد، لكن القول بأنه يرجع إلى اجتهاد القاضي جيد، إن رأى المصلحة مثلًا أن ينفيه إلى أرض يكون فيها الحكم شديدًا ولا يستطيعون، أو إلى جزيرة من جُزُر البحر ما عندهم إلا السمك والحوت، فلا بأس.
***
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى في باب الوكالة: والوكالة عقْد جائز تبطل بفسخ أحدهما أو موته، وعزل الوكيل وحجر السفيه، ومن وُكِّل في بيع أو شراء لم يبِع ولم يشترِ من نفسه وولده، ولا يبيع بعَرَض ولا نَساء، ولا بغير نقد البلد، وإن باع بدون ثمن المثل أو دون ما قدره له، أو اشترى له بأكثر من ثمن المثل أو مما قدره له صح، وضمن النقص والزيادة، وإن باع بأزيد، أو قال: بِعْ بكذا مؤجلًا، فباع به حالًّا، أو اشترِ بكذا حالًّا، فاشترى به مؤجلًا ولا ضرر فيهما؛ صح وإلا فلا.الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الوكالة عقد جائز من الطرفين، أي: من طرف الوكيل، ومن طرف الموكِّل. ذكرنا على هذا الكلام أن العقود تنقسم إلى أقسام ثلاثة؟
طالب: جائز من الطرفين.
الشيخ: عقد جائز من الطرفين.
الطالب: وعقد لازم من الطرفين.
الشيخ: عقد لازم من الطرفين.
الطالب: وعقد جائز من طرف، ولازم من طرف آخر.
الشيخ: طيب مثال الأول؟
طالب: البيع.
الشيخ: البيع بعد الخيار، ما الدليل على أنه واجب من الطرفين؟
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ».
الشيخ: «وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» أي: لازم، وثبت.
طيب، الجائز من الطرفين، مثاله؟
طالب: الوكالة.
الشيخ: الوكالة، لماذا قلنا: إنها عقد جائز من الطرفين؟
الطالب: لأن للوكيل أن يفسخ الوكالة.
الشيخ: لا، هذا الحكم؛ لأنها من الموكِّل إذْن ومن الوكيل تبرُّع، والإنسان له أن يرجع فيما أذن فيه، والمتبرِّع له أن يرجع أيضًا في تبرعه.
طيب، مثال الجائز من الطرف، اللازم من طرف؟
طالب: الرهن، جائز في حق المرتهن، ولازم في حق الراهن.
الشيخ: أحسنت. طيب، الدليل؟ أو التعليل؟
الطالب: التعليل؛ لأن المرتهن له الحق أن يسقط حقه.
الشيخ: نعم؛ لأن الرهن حق للمرتهن هو الذي توثق به بدَيْنِه، فله أن يسقطه، وأما الراهن فهو حق واجب عليه فلزمه الوفاء به؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: ١]، وقوله: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء: ٣٤].
الوكالة عقد جائز، ذكرنا أنها تكون عقدًا لازمًا؟
طالب: إن كان هناك ضرر.
الشيخ: إذا تضمنت ضررًا على أحد الطرفين فإنها تكون عقدًا لازمًا، طيب، هذا موضع.
موضع آخر نذكره الآن: إذا كانت بأجرة، مثل أن أقول: وكَّلتك بكذا وكذا بأجرة قدرها كذا، فإنها تكون حينئذٍ عقدًا لازمًا؛ لأن الإجارة نوع من البيع، فصارت لازمة كالبيع.
قال المؤلف رحمه الله مُفرِّعًا على قوله: (والوكالة عقد جائز) وقبل أن أبدأ، الجائز هنا في مقابل الحرام أو في مقابل اللازم؟
طالب: في مقابل اللازم.
الشيخ: في مقابل اللازم، وبه نعرف أن كلمة جائز لها تفسيرات بحسب الموضوع والقرينة، الجائز عند المناطِقة وأهل الكلام غير الجائز هنا؛ الجائز ما أمكن وجوده وعدمه، في كتب أهل الكلام والمنطق إذا قال: جائز يعني ما أمكن وجوده وعدمه، والمستحيل ما امتنع وجوده أو عدمه، والواجب ما وجب وجوده أو عدمه.
(الوكالة عقد جائز تبطل بفسخ أحدهما) هذه واحدة، وسبق أن هذا مُقيَّد بما إذا لم يكن هناك ضرر، أو كانت جارية مجرى الإجارة.
الثاني قال: (وموته)، إذا مات الوكيل بطلت الوكالة، وإذا مات الموكِّل بطلت الوكالة.
وجه ذلك: إذا مات الموكِّل انتقل المال إلى ورثته، فلا بد من تجديد الوكالة إذا شاؤوا أن يستمروا على الوكيل. أما الوكيل فتبطل بموته؛ لأن الموكِّل إنما رضيه بعينه، فإذا مات فإن المعقود عليه قد اضمحل، وزال وفات، فتبطل بذلك الوكالة.
مثال ذلك: رجل وكَّل شخصًا أن يبيع بيته، قال: وكَّلتك أن تبيع بيتي، ثم قدَّر الله على الموكِّل أن يموت، فحينئذٍ لا يحل للوكيل أن يبيع البيت، ولا أن يتصرف فيه، بل يجب أن يُبلِّغ الورثة أنه قد انتهت الوكالة؛ لأن الملك الآن انتقل إلى الورثة.
مثال آخر: وكَّل شخصًا في بيع بيته، ثم قدَّر الله أن يموت الوكيل فتنفسخ الوكالة، ولا يحل للوكيل أن يُوكِّل شخصًا بعد موته يتولى البيع؛ لأن الوكالة انفسخت بموته، انتهت.
وهنا يجب أن ننبه إلى مسألة يكتبها إخواننا الكتاب الذين يكتبون وصايا الناس، إذا كتب الوصية وقال: أوصيتُ بثلث مالي يُتصدق به على الفقراء، كثير من الكتاب يكتب: والوكيل على ذلك فلان.
والصواب أن يقول: الوصي على ذلك فلان؛ لأن الفرْق بين الوكيل والوصي: الوصي ما أُذِن له بالتصرف بعد الموت، والوكيل ما أُذن له بالتصرف في حال الحياة، وإذا قال: الوكيل على ثلثي فلان، فلو أخذنا باللفظ لقلنا: إذا مات هذا الرجل انفسخت الوكالة، لكن الحكام -يعني: القضاة- يفتون بأن هذا اللفظ من العامة بمعنى الوصية، وإن كان بلفظ الوكالة، ولكننا نقول للكُتَّاب: ينبغي أن تُحرِّروا الكتابة، وإذا ذكرت وصية فلان بشيء لا تقل: والوكيل فلان، قل: الوصي.
لو قال: الوكيل بعد موتي، ارتفع الإشكال؛ لأنه إذا قيد الوكالة بعد الموت فإننا نعلم علم اليقين أنه أراد الوصية.
(تبطُل بفسخ أحدهما أو موته وعزل الوكيل).
قوله: (وعزل الوكيل) هذه العبارة لم نرها في كتب المنتهى، ولا في الإقناع، ولا في المقنع أيضًا الذي هو أصل الكتاب، وهي في الحقيقة زائدة؛ لأن عزْل الوكيل يُغني عنه قوله: (بفسخ أحدهما)؛ لأن فسْخ أحدهما أي: الوكيل أو الموكِّل، إذا فسخ الموكل فهذا يعني عزْل الوكيل، إذن ما حاجة أن يُقال: (عزل الوكيل)، لكن لعل المؤلف رحمه الله؛ لعل هذا من المؤلف سبقة قلم.
على كل حال تبطل بعزْل الوكيل، وعزْل الوكيل هو فسْخ الموكِّل للوكالة، وظاهر كلامه أنها تبطل بعزل الوكيل سواء علم أم لم يعلم، وظاهر كلامه أيضًا أنها تبطل بعزْل الوكيل بالقول أو بالفعل.
مثال ذلك: رجل وكَّل شخصًا في طلاق زوجته، للوكيل أن يُطلِّق.
طالب: يفسخ.
الشيخ: كيف يفسخ؟! ما عندنا فسْخ، وكَّله في طلاق زوجته، فللوكيل أن يُطلِّق بناءً على وكالة الزوج، لكن بعد أن انصرف الزوج أشهد أنه عزل الوكيل عن الوكالة، أشهد أنه عزله. الوكيل ذهب إلى الزوجة وطلَّق، فما الحُكم على ما ذكره المؤلف، هل تطلق الزوجة أو لا؟ لا تطلق، لماذا؟ لأنه عزله.
ونحن نقول: إن طلَّق بعد علمه أنه عُزِل فلا شك أن الطلاق لا يقع؛ لأنه رُفعت عنه الوكالة، وإن طلَّق ولم يعلم فظاهر كلام المؤلف أنه لا يقع الطلاق؛ لأنه عُزل، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء في مذهب الإمام أحمد؛ فمنهم من يقول: لا ينعزل إلا بعد العلم، ومنهم من يقول: ينعزل ولو قبل العلم.
والذي يظهر أنه إن تعلق به حق ثالث فإنه لا ينعزل، وإلا انعزل، مثال هذا: وكَّل إنسانًا أن يبيع بيته، وكَّل شخصًا، قال: بِعْ بيتي، وبعد انصراف الوكيل قال الموكِّل: اشهدوا أني عزلته وفسخْت الوكالة، والرجل ذهب وباع البيت، وتم البيع، وقُبِض الثمن، وتمت الكتابة، فعلى رأي المؤلف: البيع غير صحيح.
والقول الثاني، وهو رواية عن أحمد: أن البيع يكون صحيحًا؛ لأن المسألة الآن تعلق به حق ثالث، من هو الثالث؟ المشتري، وإذا قلنا ببطلان الوكالة لزم بطلان البيع وضياع حق المشتري، وهذا القول أصح: أنه إذا تعلق به حق ثالث فإنه يبطل البيع، وأما إذا لم يتعلق به حق أحد قد يقال: إن القول بانعزاله قبل علمه يتم، ولا يصح التصرف.
ذكرنا أن العزْل يكون بالقول ويكون أيضًا بالفعل، يكون بالقول واضحة، يقول: اشهدوا أني عزلتُ فلانًا، أو أني فسختُ وكالته، أو أبطلتُ وكالته، أو غير ذلك من العبارات الدالة على أنه فسخ الوكالة.
بالفعل لو أنه وَكَّلَ إنسانًا أن يبيع بيته، وبعد انصراف الوكيل باع الموكِّل البيت نفسه؛ باع الموكِّل نفسه البيت، ثم إن الوكيل باعه، الموكِّل باعه على زيد، والوكيل باعه على عمرو، فماذا نصنع؟ هل نقول: إن الوكيل انعزل أو لا؟ نعم، انعزل؛ لأن بيْع الموَكِّل للذي وكَّل شخصًا في بيعه يعني أنه عزله، وهذا عزْل بالفعل.
حينئذٍ -انتبهوا لهذه المسألة- الوكيل باع على عمرو، والموكِّل باع على زيد، إن أبطلنا بيع الوكيل فقد تعلق به حق مَنْ؟
طالب: المشتري.
الشيخ: من هو؟ عمرو، وإن أبطلنا تصرف الموكِّل، وهو لا يمكن إبطاله، لكن إذا صححنا تصرف الوكيل لزم من ذلك إبطال تصرُّف المؤكل، أبطلنا حق مَنْ؟ زيد، فمن الآن، مَنْ نُقدِّم؟
نقول: نقدم صاحب الأصل، المالك، نقدم المالك، وحينئذٍ نقول: إن بيع الوكيل وقع على شيء انتقل ملكه عن مَنْ؟ عن صاحبه، حتى صاحبه الآن ما يمكن أن يتصرف فيه، فنقول لبيع الوكيل: إنه باطل؛ لأن هذه المسألة تعلق بها حق ثالث، ثم إن الموكَّل فيه انتقل عن مُلك الموكِّل إلى مُلك آخر، فلا يمكن أن يُبطل هذا الانتقال.
الخلاصة: انعزال الوكيل يكون بالقول ويكون بالفعل، القول؟
طالب: القول أن يقول: أشهدكم أني عزلت فلانًا.
الشيخ: أن يقول: عزلت فلانًا، فسختُ وكالته، أبطلتُ وكالته، ألغيتُ وكالته أو ما أشبه ذلك، الفعل؟
الطالب: الفعل أن يبيع الوكيل على شخص (...).
الشيخ: طيب، إذا تصرف الموكِّل تصرفًا لا يمنع تصرف الوكيل، مثل: أن يقول: وكَّلتك في بيع بيتي، ثم بعْد ذهاب الوكيل أجَّره؛ أجَّره من؟ الموكِّل، أجره الموكِّل، فهل تبطُل الوكالة ونقول: إن هذا عزل؟
طلبة: لا.
الشيخ: والله الظاهر أنتم تقولون: لا، ولو سألتكم: لماذا؟ قلتم: لا ندري! نعيد السؤال؟ وكَّل شخصًا في بيْع بيته، وبعد أن انصرف الوكيل أجَّر الموكِّل البيت، فهل تنفسخ الوكالة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؟
طالب: تنفسخ.
الشيخ: طيب، لماذا؟
الطالب: لأن الأصل بقاء الوكالة (...).
الشيخ: صحيح، وذلك لأن التأجير لا ينافي البيع؛ إذ يجوز بيع المؤجَّر، أليس كذلك؟ يجوز بيع المؤجر، فإذا كان يجوز بيع المؤجَّر، فإن تصرف الموكِّل الآن لا يعتبر فسخًا للوكالة؛ لأنه لا منافاة بين ما وكَّل فيه وتصرفه.
إذن إذا تصرف تصرفًا ينافي الوكالة فهو عزْل، وإذا تصرف تصرفًا لا ينافي الوكالة فليس بعزْل.
(وحجر السفه) إذا حُجِر على الوكيل أو الموكِّل حجر سفه انفسخت الوكالة.
وفي قول المؤلف: (حجر السفه) منطوق وله مفهوم، ما مفهومه؟ حجر الفَلَس، أنتم تعرفونه مر علينا بالحجر، أنه حجر سفه وحجر فلس.
من كان لا يُحسن التصرف فالحجر عليه حجر سفه، ومن كان يُحسن التصرف لكنه غريم مدين، دينه أكثر من ماله، فالحجر عليه حجر فلس. طيب، الوكالة تبطل بحجر السفه.
مثال هذا: الرجل قال لشخص: بِعْ بيتي، تكرار المثال ما يضر، المقصود الإيضاح، قال: بِعْ بيتي، ثم إن الرجل الذي وكَّله في البيع، يعني قصدي مالك البيت، أُصِيب بخلل في عقله، أفسد تصرفه، هل تستمر الوكالة أو تنفسخ؟ تنفسخ؛ لأن الوكيل الآن لو أراد أن يتصرف بنفسه ما تمكن، فبوكيله من باب أوْلى؛ هذه واحدة.
ويمكن تقع أو ما تقع؟ يمكن تقع، يحصل للإنسان حادث يختل فكره، نقول: الآن انفسخت الوكالة، ونقول للذي وُكِّل في البيع: لا تبع؛ لأن الوكالة انفسخت، نفس الموكل لو أراد يتصرف الآن ما يمكن، فكيف بفرعه وهو الوكيل؟
طيب، الوكيل وَكَّل شخصًا في بيع بيته، ثم إن الوكيل أُصِيب بخلل في عقله وتصرفه.





