استعار منشفة، تعرفون المنشفة؟
الطلبة:
نعم.
الشيخ: استعارها ليستعملها، المنشفة مع طول الوقت
زال خَمَلها -الْخَمَل يعني الزرع اللي فيها- هل يضمنها أو لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا يضمن، لماذا؟
لأنها تلفت فيما استُعِيرَت له.
وهذه المسألة تؤيد القول بأن العارية لا تُضمَن
إذا شرط نفي ضمانها، ووجه ذلك أنها إذا تلفت فيما استُعملت له فلا ضمان؛ لأن صاحبها
حين أعطاها هذا الرجل يستعملها قد علم أنها سوف تتلف أو تنقص بهذا الاستعمال، فكذلك
إذا شرط المستعير ألَّا يضمنها، فإنه لا شك أنه لا ضمان عليه، بل قلنا: إن الصواب أنه وإن لم يشترط أن لا ضمان عليه إذا
تلفت بلا تَعَدٍّ ولا تفريط فلا ضمان على المستعير؛ لأنه قبضها من
صاحبها بإذن منه، فيَدُه يد أمانة، هذه مسألتان.
المسألة الثالثة: إذا استعار
كتبًا موقوفة على طلبة العلم، ثم إن هذا الكتاب مع المطالعة والمراجعة تمزَّق، أو
انمحى بعض كتابته أو ما أشبه ذلك، فهل يضمن؟ لا يضمن، لماذا؟ لأنه هو نفسه مستحِق
للانتفاع، لم يُعِرْه أحدٌ هو من طلبة العلم، واستعار من صاحب المكتبة هذا الكتاب،
صاحب المكتبة لا يملك الكتاب؛ لأن الكتاب موقوف على مَن؟ على طلبة العلم، صاحب
المكتبة ما هو إلا منظِّم، يُعِير هذا، ويعير هذا، ويعير هذا، فإذا تَلِفت الكتب
الموقوفة على طلبة العلم بيدي أحد طلبة العلم أيش؟ فلا ضمان عليه؛ لأنه استعملها لا
عن طريق العارية، ولكن عن طريق الاستحقاق، فليس عليه ضمان.
فإن قال قائل: ما
تقولون في رجل استعار كتابًا من مكتبة، وصار يُحَشِّي عليه، وحَوَاشٍ حواشٍ، أيضمن
أو لا يضمن؟
الطلبة: يضمن.
الشيخ: يضمن، عجيب، ليش؟
الطلبة:
لأنه متعدٍّ.
الشيخ: متعدٍّ، وقد بَلَغَنَا أن بعض
الناس تستعير كتبًا حديثية أو فقهية من المكتبات ثم يُحشِّي عليها، والقول الراجح
كذا وكذا، وهو قول مرجوح.
وهذا القول الذي في الكتاب باطل، أو يقول: إنه بدعة
بعد؛ لأن بعض الناس يظنون أن خلاف الفقهاء -رحمهم الله- أن المخالف لما يظن هذا أنه
خلاف النص يكون مبتدعًا.
ولو سلكنا هذا المسلك لكان كل الفقهاء مبتدعة إلا في
مسائل الإجماع، ليش؟ لأنك أنت تقول: خالفتني فأنت مبتدع، وأنا أقول: خالفتني فأنت
مبتدع، ويبقى الفقهاء كلهم بِدْعِيّون إلا في مسائل الإجماع، وهذا ما قال به أحد
أبدًا، ولن يقول به أحد.
هذه مسائل اجتهادية يرى أحد من العلماء أن هذا واجب،
والثاني يقول: غير واجب، نقول: هذا مبتدع؟!
فالذي يرى أن لحم الإبل لا ينقض
الوضوء، وصلى وهو آكل لحم الإبل، نقول: أنت بِدْعِيّ مبتدع؟! ما نقول: أنت مبتدع،
واضح؟
والذي لا يُخَلِّل لحيته في الوضوء نقول: أنت مبتدع؟ فمثل هذه المسائل
ينبغي للإنسان أن يعرف الضوابط في الخلاف.
على كل حال، نحن نقول: أي إنسان
يستعير كتابًا من مكتبة فإنه لا يجوز أن يُحَشِّي عليه أبدًا، فإن وجد خطأ لا شك
فيه، هل له أن يعدله؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، ليس له أن يعدله، لكن ينبه القيِّم على المكتبة،
ويقول: هذه الكلمة خطأ في الصفحة الفلانية، وإذا قال: صلِّح، يصلِّح، وإذا باشر
القيِّم تصحيحه فهو له.
ثم قال المؤلف رحمه الله.. هذه المسائل التي ستأتي هي
مسائل عويصة، فهل تريدون أن نمر عليها مَرّ الكرام؟ يعني بمعنى أننا لا نحمل معنا
شيئًا؛ لأن الكريم لا يُكلِّف مَن نزل ضيفًا عليه شيئًا، تريدون نَمُرّ عليها أو
نلغيها بالكلية؟
لأنه إذا كان أنتم الآن ما فهمتم المسألة اللي قبل، وقلتم: إن
كلامي العربي الفصيح كلام أعجمي، كيف (...) كلامكم.
الطلبة: الثالث.
الشيخ: أيش
الثالث؟
الطلبة: التفصيل.
الشيخ: تشرح؟
الطلبة:
(...).
الشيخ: أنا (...) يمكن أربعة دروس.
الطلبة: لا ما (...).
الشيخ: نشوف،
الاختلاف بين الْمُعِير والمستعير، إن قال: أَجَرْتُك، قال: بل أَعَرْتني، قُبِل
قول مدَّعِي الإعارة إذا كان هذا الخلاف عقب العقد، إذا قال: أَجَرْتُك، قال: بل
أعرتني، من الذي يقول: أجرتك؟
الطلبة: صاحب
المال.
الشيخ: المالك، يقول: أجرتك، يعني: فأريد منك
أجرة، وذاك يقول: بل أَعَرْتَنِي فليس عَلَيَّ أجرة، يقول عقب العقد قُبل قول
مدَّعِي الإعارة، مَن مدَّعِي الإعارة هنا؛ المالك ولَّا الذي أخذ السلعة؟
الطلبة: المستعير.
الشيخ: المستعير،
نقول: ما دام عقب العقد، الآن ما مضى مدة حتى نقول: يلزمك أيها المستعير أجرة المثل
عقب العقد.
قال مثلًا: أَعِرْنِي هذا الكتاب، قلت: تفضل، وبعد أن أخذه بخمس
دقائق قال: إنك أَعَرْتَنِي، فقلت: لا أبدًا، أنا أجَّرتك، مَن القول؟
الطلبة: قول المستعير.
الشيخ: قول
مدَّعِي الإعارة، وإذا جعلنا القول قول مدَّعِي الإعارة سهُل الأمر؛ لأننا إذا قلنا
للمالك: أنت قولك مرفوض، والقول قول مدَّعِي الإعارة -ما نقول: المستعير-، ولهذا
كلام المؤلف مضبوط مُحْكَم.
المسألة بسيطة، ويش يقول المالك؟
الطلبة: (...).
الشيخ: يقول: أعطني
إياها، ما دام إنها عارية هاتها، ولا صار شيء، واضح؟
إذا كان بعد مُضِيّ مدة لها
أجرة المثل؟
يقول المؤلف: (وبعد مضي مدة فقول المالك) بأجرة
المثل.
قال المالك: أجرتك، قال: بل أعرتني، وهذا الخلاف بعد مضي أسبوع، أسبوع له
أجرة ولَّا لا؟
الآن مَن القول قوله؟
الطلبة:
المالك.
الشيخ: قول المالك، الآن القول قول المالك،
ليش؟ لأن الأصل في قابضِ مُلكِ غيره الضمان، هذا القاعدة.
فإذا قال المالك: أنا
مؤجرك، فالقول قوله، ولكن كيف يكون تقدير الأجرة؟
هل نقول: إذا ادَّعَى المالك
أنه أجَّره إياه كل يوم بعشرة ريالات فإن القول قول المالك؟ لا؛ لأن الذي أخذها لم
يعترف بالإجارة حتى الآن، نقول: نرجع إلى أيش؟ إلى أجرة المثل، فيقال: كم تؤجر هذه
العين في مدة أسبوع؟ إذا قال: مئة ريال، قلنا: هات مئة ريال.
بالعكس، قال:
أَعَرْتُك، قال: بل أجرتني، مَن القول قوله؟ الآن هذه عكس المسألة، الآن المالك
يقول: أعرتك، وهو يقول: أجرتني، نقول: إن كان عقب العقد فقول مدَّعِي الإعارة، مَن
مدَّعِي الإعارة في هذه الصورة؟
الطلبة:
المالك.
الشيخ: المالك، نقول: القول قول المالك؛ لأن
الأصل عدم عقد الإجارة، وإذا قال: أعطني إياه، قلنا: تفضل خذها.
بعد مُضِيّ مدة
القول قول المالك أيضًا، وإن كان مدَّعِي الإعارة، لكنه إذا كان هو مدَّعِي الإعارة
فإنه لا أجرة له، إذا مضت المدة، يعني بعد أسبوع قال: إني مُعِيرُك إياه، وقال الذي
هي بيده: بل هي بالإجارة.
هنا قد تقولون: كيف يدَّعِي مَن هي بيده أنها
بالإجارة، وذاك يقول: إنها بالإعارة؟
نقول: نعم، إذا تلفت فأيهما أَحَظُّ
للمالك؛ أن تكون بإجارة أو بإعارة؟
طلبة:
إجارة.
طلبة آخرون: إعارة.
الشيخ: إعارة، إذا تلفت فالمالك يقول: إنها عارية، علشان
تُضْمَن، سواء تعدى أو فَرَّط، لكن لو ثبت أنها إجارة
لا يضمن إلا بتعدٍّ أو
تفريط، وإن قال: أعرتني أو أَجَرْتَنِي، قال: بل غَصَبْتَنِي، من اللي يقول: أعرتني
أو أجرتني؟
طالب: المستعير.
طالب
آخر: مُدَّعِي الإعارة.
الشيخ: اللي بيده،
مدَّعِي الإعارة اللي بيده، ما هو بالمالك.
أو قال: أجرتني، قال: بل غصبتني،
أخذتَها مني غصبًا، فيقول المؤلف: القول قول المالك؛ أنها غصب، وإنما يقول المالك:
إنها غصب، من أجل أن يضمن الغاصب المنفعة والعين؛ لأنه لو كان مُعِيرًا فالمنفعة
غير مضمونة على مَن هي بيده، ولو كان مُؤْجِرًا فالمنفعة أيضًا للمستأجر، وهي
مضمونة عليه بالأجرة وقد سلَّمها، لكن لو تلفت العين بلا تعدٍّ ولا تفريط لم
يضمنها؛ والغاصب؟
الطلبة: يضمن.
الشيخ: الغاصب -شوف بارك الله فيكم- يضمن، سواء تعدَّى أو فرَّط،
ويضمن العين والمنفعة، وكل ما يترتب على العين من نقص.
فإذا قال: أعرتني، قال:
لا، بل غصبتني، قال: أجرتني، قال: بل غصبتني، هذه مسألتان، أو قال: أعرتك، قال: بل
أجرتني، اللي يقول المالك: أعرتُك، وذاك يقول: أجرتني، والبهيمة تالفة، فالقول قول
مَن؟
الطلبة: المالك.
الشيخ: قول المالك، إن قال: أعرتك، قال: بل أجرتني، والبهيمة
تالفة يعني أو غير تالفة في مسألة الإجارة.
قال: أعرتك، قال: بل أجرتني، القائل:
أعرتك، مَن؟
الطلبة: المالك.
الشيخ: المالك، والقائل: أجرتني؟ مَن هي بيده، البهيمة تالفة
الآن، إذا كانت تالفة وثبت أنها عارية فعلى مَن يكون ضمانها؟
الطلبة: المستعير.
الشيخ: على
المستعير، سواء فرَّط أو ما فرَّط، وهذا على المذهب، وإذا كانت إجارة أيش؟
الطلبة: لم يضمن.
الشيخ: لم يضمن إذا
لم يتعدَّى أو يفرِّط، فيقول المؤلف: إن القول قول المالك، وهذا حتى فيما إذا لم
تكن تالفة، فالقول قول المالك؛ لأن الأصل فيمن قبض مال غيره -كما سبق-
الضمان.
اختلفَا في الرد، جاء للمالك وقال: أَعْطِنِي العارية التي أعرتك، قال:
رددتُها عليك، فالقول قول مَن؟
الطلبة:
المالك.
الشيخ: ويش الأصل؟
الطلبة: عدم الرد.
الشيخ: الأصل عدم
الرد، القول قول المالك؛ لأن الآن الذي هي بيده اعترف بأنها كانت في يده، وادَّعى
أنه ردَّها، فالقول قول المالك، هل هذه هي مسألة المخزومية؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: فكِّروا.
الطلبة: نعم يا شيخ.
الشيخ: لا، المخزومية تَجْحَد، تقول: ما أعرتني، وهذا يقول:
أَعَرْتَنِي لكن رددتها عليك، وبينهما فرق، ولهذا لو ثبت أن هذا لم يردَّها فإننا
لا نقطع يده، لكن الْجَحْد يقتضي ألَّا يطالَب هذا الذي ادُّعِي عليه العارية، لا
يُطالَب أصلًا إلا إذا ثبت أنه مستعير، فبينهما فرق واضح، ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: واضح، المهم أن
المستعير أَقَرَّ بأنه مستعير، لكن ادعى أنه قد رَدّ.
نقول: الأصل عدم الرد، ما
دمت اعترفت الآن أنه قد وصلك مال فلان فاضمنه له، فإذا قال: إني رددته، قلنا: القول
قول المالك.
لو أتى المستعير ببينة أنه رَدَّه؟
الطلبة: قُبِل.
الشيخ: قُبِلَ قوله
بقوله، ولَّا بالبينة؟
الطلبة: بالبينة.
الشيخ: بالبينة، هذا واضح، وكل كلام المؤلف اللي خالفت هذه كلها
إذا لم يكن بينة، أما إذا كان بينة فالبينة قاضية على كل شيء، خلاص؟
طالب: نعم.
الشيخ: الحمد الله إن
الله أخلف ظني.
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«الْعَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ» ،
لا يدل على أن العارية تُضْمَن بشرط؟
الشيخ: إي
نعم.
الطالب: (...).
الشيخ:
قد يقال هكذا: إنه إذا شرط الضمان يضمن، وقد يقال: إنها مضمونة، يعني: في حكم
الضمان، وذلك عند التعدي والتفريط؛ لأن صفوان خاف ألَّا يردَّها الرسول عليه الصلاة
والسلام؛ لأن هذا قبل إسلامه.
طالب: (...) الأول
والثاني، ما يعلم أن فيها ضمانًا.
الشيخ: فيها
ضمان؟
الطالب: نعم.
الشيخ:
أما على قولنا ما فيه إشكال، على قولنا: إنه لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط، ما
فيه إشكال، لكنه إذا تعدَّى وأعارها فهو متعدٍّ عليه الضمان.
الثاني إذا كان ما
يعلم ما عليه ضمان.
الطالب: ما يعلم.
الشيخ: ويش ما يعلم؟ ما يعلم أن إعارتها حرام؟ ما يُعْذَر، أرأيت
لو أن شخصًا اشتهى خبزك اللي عندك وأكله، وقال: والله ما دريت أنه حرام، يضمن ولَّا
ما يضمن؟ أجب.
الطالب: يضمن.
الشيخ: يضمن، مسائل الحقوق الآدمية ما يفرَّق فيها بين العالم
والجاهل، إلا في مسألة الإثم فقط.
طالب: بارك الله فيكم، هل هناك فرق بين قول القائل: بل
عارية مضمونة، وقوله: بل عارية مُؤَدَّاة، هل هناك فرق بين
العبارتين؟
الشيخ: إي نعم، إذا قال: مؤداة، فمعناه أنه لا بد أن يؤديها على كل حال،
سواء فرَّط أو ما فرَّط، وإذا قال: مضمونة، فمعناها مضمونة حسب القواعد
الشرعية.
طالب: لو قال المالك: أعرتك، وقال الثاني: بل أجرتني بعد مُضِيّ
مدة.
الشيخ: له أجرة المثل، القائل مَن:
أجرتك؟
الطالب: المالك يقول: أعرتك، والثاني يقول: لا،
بل أجرتني.
الشيخ: فعليه
أجرة المثل.
الطالب: يعني القول قول من يا
شيخ؟
الشيخ: القول قول مَن يدَّعِي الإعارة؛ لأن الأصل
عدم الإجارة، لكنه لما أقر هذا المستعير فعليه أجرة
المثل.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، إذا قلنا بأنها مؤداة، بمعنى أنها تُرْجَع
لصاحبها، يضمن سواء تعدَّى أو لم يتعدَّ، أو فرَّط أو لم يفرِّط، فإن فيه حديثًا في
سنن الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ» ،
فقال بهذا اللفظ: «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ»، فهل
يُفهَم من قوله صلى الله عليه وسلم هذا أنه..؟
الشيخ: الظاهر أن معنى «الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ» في الحديث، كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء: ٥٨] يعنى: معناه أنه يجب على المستعير أن يردها إلى
أهلها ومؤونة الرد عليه، ويلزمه أن يحافظ عليها حتى لا تتغير.
واعلموا -بارك
الله فيكم- أن الألفاظ المحتمِلة في أفراد المسائل تُرجَع إلى القواعد العامة
الشرعية؛ لأن هذه الأشياء -خصوصًا قضية صفوان- قضايا أعيان، ما ندري ما الذي احتفَّ
بها من القرائن، لكن ما دام عندنا قواعد شرعية واللفظ محتمِل نطبق على القواعد
الشرعية.
طالب:
أحسن الله إليك، متى يجب على المستعير (...).
الشيخ: يجب عليه أن يُردَّها إذا انتهت المدة، إذا كان قد قُدِّر لها
مدة، ويجب أن يردَّها بطلب صاحبها إذا طلب ردَّها لا بد.
ويجب عليه ردُّها إذا
خاف عليها من سُرَّاق أو غيرهم، ويجب عليه ردها إذا سافر.
الطالب: فإذا لم يحصل شيء من الأربعة.
الشيخ: لا ربما ما أستطيع، ما هذا حصل، هذا من الأمثلة.
طالب: رضي الله عنك يا شيخ، أنا أقصد يا شيخ إن كل
يَدٍ أخذت عليها ما أخذت، ولها ما (...).
الشيخ: على
اليد ما أخذت حتى تؤديه.
الطالب: والمؤلف يقول لمن استعار
أخذها المعير من المستعير الأول، يغرِّم أيهم شاء، فيه إشكال؛ لأنه وجَّه المعير
على المستعير الأول.
الشيخ: إي، لكن المالك يقول: أنا أُضمِّن مَن شئت؛ لأن المستعير الأول
تعدَّى بإعارتها بدون إذن مني، والمستعير الثاني تلف مالي تحت يده.
الطالب: صار عندكم إشكال.
الشيخ: والآن زال ولَّا ما زال؟
الطالب: زال، (...) إشكال.
الشيخ:
زال، وهو إنه..
الطالب: يعني إذا كان.. نرجح أن الضمان
على الأول.
الشيخ: ما يخالف، هو صحيح
قرار الضمان على الأول إذا كان الثاني لم يعلم، أما إذا علم الثاني أنه أخذ العين
بغير حق، وأنه ليس للمستعير الأول أن يُعِير فهو ظالم معتدٍ، ليش ما يجعل القرار
عليه؟!
الطالب: أن هذاك فرَّط في حق غيره يا شيخ،
فالأول فرَّط في حق غيره.
الشيخ: ما يخالف، لكن هذا
الثاني يعلم بأن وجود هذه العين بيده غير شرعي.
الطالب:
صحيح يا شيخ.
الشيخ: صحيح خلاص، الحمد
لله.
طالب: شيخ حفظكم الله، (...) إذا أعار الثاني فعلى الأول ضمان
المنفعة.
الشيخ: ضمان المنفعة من حين أعاره.
الطالب: إلى أن تتلف.
الشيخ: حتى
تتلف.
الطالب: وقت التلف يا شيخ إلى أن تُرَدّ من
يضمنه.
الشيخ: لا هي تلفت.
الطالب: ما ترد يا شيخ؟
الشيخ:
تُرَدّ وين؟ تلفت العين، عليه ضمان المثل بمثله، والمتقوَّم بقيمته.
الطالب: حتى ما يعطيه قيمته ..
الشيخ: إي، فاتت الآن ما هي موجودة، يعني ما لها
شيء.
طالب: أحسن الله إليكم، شيخ، ما تقولون فيمن قال من أهل العلم بأن
العارية تُرَدّ بمجرد مرور الوقت المعروف عرفًا الذي يتم الانتفاع بها، بمجرد ما
يمر هذا الوقت يجب على المستعير أن يرد..
الشيخ: هذا صحيح، نقول: صحيح يجب؛
لأنه انتهت المدة، يعني لو أعرف أن هذا الرجل استعار مني هذا الإناء للظروف اللي
عنده فقط وانتهى الظرف، يجب، أو استعار هذا كتاب لـ..
(...).
***
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.ما حكم العاريَّة من حيث الحكم التكليفي؟
طالب: بالنسبة للمعير؟
الشيخ: بالنسبة للمعير.
الطالب: سُنَّة، بالنسبة للمستعير جائزة.
الشيخ: ما الدليل على أنها سُنَّة المعير؟
الطالب: لأنها من عقود الإحسان.
الشيخ: الدليل، ما هو التعليل؟
الطالب: تدخل في قول الله عز وجل: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة: ٢].
الشيخ: لا.
الطالب: في قوله: وَأَحْسِنُوا.
الشيخ: إي، تدخل في قوله تعالى: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: ١٩٥]، أما تَعَاوَنُواهذا إذا استعارها لبر أو تقوى.
وما حكمها بالنسبة للمستعير؟
طالب: من يرى (...).
الشيخ: نعم، هل هناك ما يدل على هذا؟
الطالب: أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعار واستعار، والصحابة ..
الشيخ: استعار أيش؟
الطالب: استعار مِن ..
طالب آخر: من صفوان بن أمية.
الشيخ: صفوان بن أمية دروعًا، ولا بد أن فيه أيضًا أشياء غير هذا، لكن هذا اللي أمامنا الآن.
العاريَّة بالنسبة للحكم الوضعي؟
طالب: جائزة لكليهما، إلا إذا ترتب عليها ضرر فللمستعير.
الشيخ: يعني من العقود الجائزة، يجوز للمعير أن يَرْجِع، ويجوز للمستعير أن يَرُد، كذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إلا إذا تضمن الرد ضررًا على المستعير، مثاله؟
الطالب: مثاله كأن يُعِيره سفينة..
الشيخ: لا، الأول أصح.
الطالب: كأن يعيره سفينة لحمل متاعه، وإذا صارت في لجة البحر قال: رَجَعْتُ، هنا ليس له أن يرجع.
الشيخ: أو حائط يبني على خشبه، ثم يقول: رَجَعْتُ.
وهل هي من عقود الضمانات، أو لا؟
الطالب: على المذهب من عقود الضمانات.
الشيخ: نعم، فهي مضمونة على مَن؟
الطالب: على المستعير بكل حال.
الشيخ: بكل حال، سواء فرَّط أم لم يفرِّط، وعلى القول الراجح؟
الطالب: القول الراجح أنه من عقود الأمانات.
الشيخ: من عقود الأمانات، فلا يضمن المستعير؟
الطالب: إلا إذا تعدَّى أو فرَّط.
الشيخ: إلا إذا تعدَّى أو فرَّط، تمام.
في المذهب أشياء لا تُضْمَن فيها العاريَّة؟
طالب: إذا تلفت بسبب الاستعمال.
الشيخ: إذا تلفت باستعمالها فيما استُعِيرَت له، مثاله؟
الطالب: مثال ذلك: إطارات السيارة، لو استعارها وانمسحت الإطارات فلا ضمان عليه؛ لأنها ..
الشيخ: مثل إطارات السيارات، السيارة اللي استعارها ليسافر عليها، وتآكلت، فإنه لا ضمان فيها؛ لأنها تلفت فيما؟
الطالب: استُعِيرَت له.
الشيخ: استُعِيرَت له، نعم تمام.
شيء ثانٍ يُسْتَثْنَى على المذهب؟
طالب: مثال ذلك: لو استعار حبلًا لكي يخرج الماء من البئر.
الشيخ: لا، هذه داخلة في القاعدة فيما استُعِيرَت له.
الطالب: على قول المؤلف: لو أركب مُنْقَطِعًا في الطريق للثواب..
الشيخ: لو أركب منقطعًا للثواب ..
الطالب: لم يضمن، لو تلفت الدابة تحت يد الراكب هذا لم يضمن؛ لأن يد صاحبها عليها.
الشيخ: لا بأس، لكن هذا تراه يمشي على عصا أعرج.
طالب: الكتب الموقوفة إذا أُعِيرَت لطالب علم إذا تمزقت من الاستعمال.
الشيخ: الكتب الموقوفة على طلاب العلم إذا أعارها القيِّم عليها لشخص ينتفع بها ثم تلفت فلا ضمان.
طالب: إذا استعار ممن لا ضمان عليه.
الشيخ: إذا استعار ممن لا ضمان عليه، مثل؟
الطالب: المستعير من مستأجر.
الشيخ: كمستعير من المستأجر؛ لأن الأصل لا ضمان عليه، فالفرع لا ضمان عليه، هذه ما ذكرناها لكن صحيح، الجواب صحيح.
هل يجوز للمستعير أن يُعِير؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: هل يجوز للمستعير أن يُعِير؟
الطالب: لا يجوز، إذا علم أن..
الشيخ: اصبر، يجوز ولَّا ما يجوز؟
الطالب: لا يجوز.
الشيخ: هل يجوز للمستأجر أن يُعِير؟
الطالب: على قول المذهب؟
الشيخ: إحنا ما تكلمنا على المذهب، إلا إذا قلنا: بيِّن الراجح؟
الطالب: يجوز.
الشيخ: ما الفرق؟
الطالب: أن المستأجر ملك المنفعة، والمستعير لم يملكها.
الشيخ: مالك أيش؟
الطالب: الانتفاع.
الشيخ: الانتفاع، تمام، صحيح كلامه؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، هذا صحيح؛ لأن أنا إذا أعرتك أريد أن تنتفع، ما أريد أن تتصرف فيها.
استعار شيئًا فأعاره لشخص آخر، ثم تلف هذا المستعار؟
طالب: يكون الضمان على الثاني.
الشيخ: لا.
طالب: إذا أعار الشيء ثم تلف في يد الثاني فإن الضمان يكون على الثاني يا شيخ.
الشيخ: على الثاني؟
الطالب: ثم يكون القرار على الأول.
الشيخ: على الثاني مطلقًا.
الطالب: لا يا شيخ، تفصيل.
الشيخ: فَصِّل.
الطالب: إذا كان جاهلًا..
الشيخ: لا.
طالب: على الثاني ضمان العين، والأول عليه ضمان المنفعة.
الشيخ: أحسنت، على الثاني ضمان العين، وعلى الأول ضمان المنفعة يعني الأجرة.
متى يبتدئ ضمان المنفعة؟
الطالب: من حين استعار الثاني.
الشيخ: من حين أعاره إلى الثاني.
هل للمالك أن يُضَمِّن من شاء منهما؟
طالب: نعم.
الشيخ: له أن يُضَمِّن من شاء، قرار الضمان على مَن؟
طالب: على الأول، المستعير الأول
الشيخ: على الأول؟
الطالب: نعم، المستعير الأول.
الشيخ: مطلقًا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: جازم؟
طالب: إلا إذا الثاني تعدَّى مثل ..
الشيخ: لا، ما يتعدى أبدًا، هي العارية ما يقدر يتعدى؛ لأن العارية مضمونة على كل حال.
الطالب: إذن يرجع على الأول.
طالب آخر: على الثاني، إلا إذا كان جاهلًا لأنه أعاره من تسبب ..
الشيخ: يعني إن علم الثاني فالقرار عليه، وإن جهل فالقرار على الأول، لكن صاحب العين له أن يُضَمِّن من شاء.
إذا ضَمَّنَ الثاني في حال لا يستقر عليه الضمان، فماذا نصنع؟
طالب: يرجع الثاني على مَن أعاره.
الشيخ: يرجع ..
الطالب: على مَن أعاره.
الشيخ: الغارم اللي ضَمِن على مَن أعاره، صحيح، يعني معناه: مَن ليس عليه قرار الضمان يرجع على مَن عليه قرار الضمان، وأما المالك فإنه مُخَيَّر.
***
بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله: (أو اختلفَا في رَدٍّ فقولُ المالك)، إذا (اختلفَا) يعني: المعير والمستعير.(في ردٍّ) فالقول قول المالك.
مثاله: أعار إناءً لشخص، ثم جاء يطلبه منه، فقال المستعير: رددته، وقال المعير: لم تردَّه، فالقول قول مَن؟
الطلبة: المالك.
الشيخ: قول المالك، بناء على القاعدة المعروفة أن مَن قبض العين لمصلحة نفسه لم يُقْبَل قوله في الرد، هذه قاعدة الفقهاء، كل مَن كانت العين بيده لمصلحته فإنه لا يُقبَل قوله في الرد.
والمستعير العين في يَدِه أيش؟ لمصلحته، فإذا قال: رددتها عليك، قلنا: لا نقبل قولك إلا إذا أتيت ببينة بأنك رددته، كذا؟
نفرع على القاعدة هذه، إذا كانت المنفعة لصاحب العين، لا لمن هي بيده، فهل يُقْبَل قوله في الرد؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يُقْبَل؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: مثل؟ الوديعة عند شخص، رجل أودع عند إنسان شيئًا، ثم جاء يطلبه، فقال المودَع: إني قد رددته عليك، فهنا القول قول المودَع؛ لأنه إنما قَبَضَ العين لمصلحة مالكها، فهو كالوكيل له في حفظها.
إذا كان لمصلحتهما جميعًا كالعين المستأجَرة فإن العين المستأجَرة بيد المستأجِر لمصلحته ومصلحة مالكها؛ لمصلحته من أجل استيفاء المنفعة التي تم العقد عليها، ولمصلحة مالكها من أجل الأجرة المتَّفَق عليها، فهل نقول: القول قول المستأجِر، أو نقول: القول قول المُؤْجِر؟
الطلبة: المستأجر.
الشيخ: يُغلِّبون جانب الاحتياط، يقولون: إذا كانت العين بيد الإنسان لمصلحة الطرفين وادَّعى ردها فإنه لا يُقْبَل إلا ببينة.
وظاهر كلامهم في هذا أنه لا فرق بين الرجل المعروف بالصدق والأمانة والحفظ، والرجل المعروف بالكذب والخيانة والنسيان، هذا ظاهر كلامهم -رحمهم الله-.
ولكن لو قيل بأنه يجب النظر إلى القرائن أولًا، فإذا لم يكن قرينة فالقول ما ذهبوا إليه، أي: ما ذهب إليه الفقهاء -رحمهم الله-.
أما مع القرينة فلا ينبغي أن يُقال: إن القول قول المالك، أو قول مَن هي بيده، بل يُرجَع إلى ما تقتضيه القرينة، وهذا هو الأقرب للصواب؛ لأن قرائن الأحوال شواهد بمنزلة البينة، فلو أن شخصًا أعارَ رجلًا أمينًا صدوقًا حافظًا شيئًا، ثم جاء يطلبه فقال المستعير: قد رددته عليك، وقال الْمُعِير: لم ترده عليّ، والْمُعِير معروف بالنسيان، وأنه كثيرًا ما ينسى، ولذلك شواهد، فهنا لا يسوغ أن نقول: إن القول قول مَن؟
الطلبة: المعير.
الشيخ: قول المعير المالك؛ لأن هذا الذي ادَّعى الرد ثقة صدوق حافظ، فيكون القول قوله، لكن لا بد من اليمين، والقرائن تعمل عملها.
أرأيتم الحاكم الذي حكم بين يوسف وامرأة العزيز، ماذا قال حينما دافع عن نفسه؟ قال: هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي [يوسف: ٢٦] يقول يوسف، وهي ادَّعت أنه أراد بها سوءًا، قال: هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي، الحاكم حكم بالقرينة، لم يحكم بالبراءة للمرأة ولا ليوسف، القرينة، قال: إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ [يوسف: ٢٦، ٢٧]، لماذا؟
لأنه إذا كان من دُبُر فمعناه أن الرجل هرب منها ولحقته فأمسكت بقميصه، وإذا كان من قُبُل فالمرأة هي المدافِعة عن نفسها حتى مزَّقت القميص، فهذه قرينة.
كذلك القَسَامة في القتل يُحْكَم فيها بالقرينة، ويُهدَر الأصل.
القسامة: إذا ادَّعى جماعة على قبيلة أنهم قتلوا صاحبهم، وكان بينهم عداوات، وأولياء القتيل ليس عندهم بينة، لكن حلفوا أن فلانًا من هذه القبيلة هو الذي قتل قتيلهم، ويش الأصل؟
الأصل عدم ذلك، هذا قَتْل نفسٍ، لكن لوجود القرينة -وهي العداوة الظاهرة بين القبيلتين- تُجْرَى القسامة، وإذا حلف أولياء المقتول خمسين يمينًا أن هذا الرجل هو الذي قتل صاحبهم قُتِل، فهذا حكم بالقرينة.
فينبغي أن يقال: إن إطلاق الفقهاء في مثل هذا ما لم تكن قرينة قوية تغلب على الأصل، فإذا وُجِدت قرينة قوية تغلب على الأصل فإنه يُعمَل بها، قد تكون قرينة أقوى من البينة؛ لأن مثل هذا مثالنا نرجع إليه مُعِير ومستعير.
المستعير رجل أمين صدوق حافظ ادَّعى أنه رد العاريَّة، وصاحب العاريَّة بالعكس، هنا يكاد الإنسان يشهد أن القول قول المستعير، وربما تكون هذه القرينة أقوى من أن يأتي بشاهد واحد ويحلف معه، أو يأتي بشاهِدَيْن أو شاهد وامرأتين.
فعلى كل حال ما ذكروه -رحمهم الله- في هذه المسائل ينبغي أن يقال: أن يُقيَّد بما إذا لم توجَد قرينة قوية تؤيد أحد المدَّعِيَيْن فيُعمل بها.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الغصب)؛ (الغصب) مصدر غصب يغصب غصبًا.
وعرَّفه المؤلف بقوله: (هو الاستيلاء على حق غيرِه قهرًا بغير حق)، هذا الغصب.
فقوله: (على حق غيره قهرًا) خرج به السرقة، وخرج به الاختلاس، وخرج به الانتهاب، وما أشبه ذلك؛ لأن السرقة والاختلاس والانتهاب ليست قهرًا.
وقوله: (بغير حق) خرج به ما إذا استولى عليه بحق، فإذا استولى عليه بحق فإنه ليس بغاصب.
مثال ذلك: أَخْذ الولي أموال اليتامى وحفظها، والقيام عليها والاتجار بها، وما أشبه ذلك، هذا حق، فلا يُعَدّ الولي إذا أخذ مال اليتيم وتصرف فيه ببيع وشراء لمصلحة اليتيم لا يُعَدّ غاصبًا.
وقوله -رحمه الله-: (مِن عقار ومنقول) هذه بيان للحق، يعني: سواء كان الحق عقارًا كالأراضي والأشجار والبيوت، أو كان منقولًا؛ وهو ما يُنْقَل عادة، مثل: السيارات والأثاث من فُرُش وغيرها، وكذلك الأغراض اليدوية كالساعة والقلم وغيرها.
المهم العقار كالدور والبساتين ونحوها، والمنقول ما يُنْقَل عادة.
ولم يُفصح المؤلف -رحمه الله- بحكمه الشرعي، حكمه الشرعي أنه حرام –أي: الغصب- بل من كبائر الذنوب؛ لقول الله تبارك وتعالى: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة: ١٨٨].
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء: ٢٩].
وإذا كان في حق اليتامى ونحوهم من القُصَّار صار أشد إثمًا، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النساء: ١٠].
ودليل من السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب المسلمين في أوسع تجمُّع لهم في حجة الوداع، حيث قال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ».
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ».
وثبت عنه أنه قال: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طَوَّقَهُ اللهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ».
والعلماء مُجْمِعُون على هذا في الجملة -أي: على أنه يحرم على الإنسان أن يأخذ مال أخيه بغير حق- فصار حكم الغصب الشرعي حكمه أيش؟ أنه مُحَرَّم، بل من كبائر الذنوب.
أما الأحكام الوضعية من ضمان ونحوه فبيَّنها المؤلف.
قال: (وإن غَصَب كلبًا يُقْتَنَى أو خمر ذمي ردَّهُمَا)، (إن غصب كلبًا يُقتنى) وهو كلب الحرث والصيد والماشية، هذه هي الكلاب التي تُقْتَنَى، وما عداها يحرُم اقتناؤه.
إذا غصب كلبًا يُقْتَنَى وطلبه صاحبه وجب رَدُّه، وإن لم يكن مالًا لكن لصاحبه حق الاختصاص به؛ لأنه أولى الناس به وأحق الناس بمنفعته.
وإن غصب كلبًا لا يُقْتَنَى فهدر؛ لأن صاحبه ليس له حق اقتنائه، فهو عنده غير مستحَق.
(أو خمر ذمي رَدَّهُمَا) إذا غصب خمر ذمي وجب عليه ردها وجوبًا، أليس الخمر حرامًا؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: لكنه بالنسبة للذمي حلال، فإن قال قائل: أنا إذا أعطيته هذا الخمر فإني كما لو صنعت له تمثالًا يعبده.
قلنا: غلط، هذا ليس بصحيح، التمثال الذي يعبده محرَّم حتى في شريعته، لكن الخمر عنده حلال.
وقوله: (أو خمر ذمي) خرج به ما لو غصب خمر حربي، فإنه أيش؟ لا يضمنه، هدر.
ومتى يكون حربيًّا؟ يكون حربيًّا إذا نقض الذميُّ العهد صار حربيًّا انتقض عهده.
وإن غصب خمر مسلم؟
الطلبة: هدر.
الشيخ: هدر؟ ولو طلب المسلم ردَّه؟
الطلبة: لا يرده.
الشيخ: لا يرده، ولكن يُرِيقُه، هذا إذا كان له السلطة في التغيير باليد، وأما إذا لم يكن له ذلك فإنه لا يحل له أن يتجرأ على حق السلطان ويفتات عليه.
وبهذا التقييد اللي ذكره المؤلف -رحمه الله- يتبين خطأ أولئك الذين يعتدون على الذميين في بيوتهم ويدخلون عليهم ويريقون خمورهم فإن هذا لا يجوز؛ لأن الذمي له حق، يُبَاح له ما يعتقد إباحته، لكنه لا يُعْلِنُه، إذا أعلنه نمنعه، ولنا الحق أن نأخذه ولا نرده.
قال: (ولا يرد جلد ميتة)، لو أن شخصًا رأى شاة ميتة.
مثال هذا: رجل رأى شاة ميتة وسلخ جلدها وأخذه، فطالبه مالكها به، فهل يرده؟
الطلبة: لا يرده.
الشيخ: المؤلف يقول: لا يرد جلد الميتة؛ لأن جلد الميتة ليس بمال، وهو داخل في عموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ» فلا قيمة له شرعًا.
ولكن إذا قال صاحب الجلد: أنا أريد أن آخذ الجلد لأدبغه، فإذا دُبغ صار -على القول الراجح- طاهرًا، فهو كالثوب النجس إذا غصبه غاصب يرده على صاحبه، فيقول: الشاة التي ماتت ملكي، والجلد يمكنني أن أنتفع به، وذلك بدبغه.
ولهذا كان القول الراجح في هذه المسألة أنه يجب عليه أن يرد جلد الميتة، وذلك لإمكان معالجته حتى يصبح طاهرًا.
(وإتلاف الثلاثة هدر)، الثلاثة يعني: الكلب، وخمر الذمي، وجلد الميتة، يعني لو أتلفها مُتْلِف فإنها لا تُضْمَن.
دليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ» ، وهذا يدل على أن الكلب لا قيمة له شرعًا، فإذا أتلفه مُتْلِف فليس عليه ضمان.
الخمر أيضًا، دليله أن النبي صلى الله عليه وسلم حرَّم بيعه، وهذا يدل على أنه لا عِوَض له شرعًا، فإذا أُتْلِف فلا ضمان.
أما جلد الميتة فيدخل في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْمَيْتَةِ» ، وهذا يدل على أن الميتة ليس لها قيمة شرعًا، فإذا أتلفها متلف فإنه لا يضمن.
ولكن هل يُعاقَب على تعديه على حقوق الغير المحترَمة؟ الجواب: نعم، يعاقَب ويؤدَّب حيث أتلف شيئًا محترَمًا.
إنما ذكر المؤلف هذه الأشياء الثلاثة في باب الغصب؛ لقوله: (وإتلاف الثلاثة هدر)، أما غيرها مما يُتلَف ففيه الضمان، وسيأتي إن شاء الله.
قال: (وإن استولى على حر لم يضمنه)، يعني أنه أخذ حُرًّا واستولى عليه حتى جعله كالرقيق له، ثم مات الحر ويد الغاصب عليه فإنه لا يَضْمَن، لماذا؟ لأنه حر، ليس بمال، والحر لا تثبت عليه اليد، وإن استولى على عبد؟
الطلبة: ضمنه.
الشيخ: إذا استولى على عبد ضمنه؛ لأن العبد مال، كما لو استولى على سيارة، أو على بيت، أو ما أشبه ذلك، فإنه يضمنه.
يقول رحمه الله: (وإن استعمله كرهًا أو حبسه فعليه أجرته)، يعني: إن أكرهه على أن يخدمه، أو أكرهه على أن يبقى في الدكان فعليه أجرته؛ لأنه أتلف منفعته ظلمًا وعدوانًا.
فإذا قال قائل: وهل يمكن أن يستولي على حر ولا يستعمله؟
نقول: نعم يمكن، يستولي على حر، حتى إذا جاءه الضيوف وجدوا عنده هؤلاء على أنهم عبيده، أو أولاده أيضًا؛ لأن الإنسان يفخر بالأولاد، ولكنه لا يستعملهم، يكرمهم، إنما يريد أن يكون أمام الضيوف عنده أولاد أو خدم.
فهؤلاء لا يضمنهم؛ لأنه لم يستعملهم، بل كان يكرمهم، أما لو استعمله وقال: تعال خذ العصا، اذهب إلى الماشية كن راعيًا فيها، أو خذ الجرَّافة واذهب إلى الأرض احرثها، أو خذ الدفاتر قيِّد الداخل والخارج؛ فهنا يقول المؤلف: إن عليه أجرتهم.
فإن استعمله طوعًا فليس عليه أجرة.
وظاهر كلام المؤلف سواء كان هذا الحر صغيرًا أو كبيرًا فيما إذا استعمله طوعًا، وهو مسلَّم في الكبير، أما الصغير ففيه نظر؛ لأن الصغير ربما يُطِيع وهو لا يدري عن الأمور، فكيف نقول: إنه لا يُضمَن مع أن تصرفه لا يُعتبر تصرفًا؟ فينبغي أن يقال: إن استعمله كرهًا وهو أيش؟
طلبة: كبير.
طالب آخر: كبير أو صغير.
الشيخ: كبير أو صغير؛ إن استعمله طوعًا؛ فإن كان كبيرًا فلا أجرة له، وإن كان صغيرًا فله الأجرة.
(أو حبسه)، إذا حبسه فعليه أجرته، وظاهر كلامه -رحمه الله- أن عليه أجرته مطلقًا، حتى وإن كان حبسه في وقت لا ينتفع فيه، كما لو حبسه في الليل، فالليل ليس محلًّا للعمل، ومع ذلك نقول: عليه الأجرة.
إذا حبسه فمات من الحبس هل يضمنه بِدِيَة؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم يضمنه بدية؛ لأنه مات بحبسه، فإن حبسه فنزلت عليه صاعقة من السماء، يضمنه أو لا؟
طلبة: يضمنه.
طالب آخر: إذا كانت الصاعقة بسبب.
الشيخ: سبب أيش؟ ما تتصور، هذه اختلف فيها الفقهاء رحمهم الله؛ منهم من قال: إنه يضمنه؛ لأنه لولا أنه حبسه في هذا المكان ما نزلت عليه الصاعقة.
ومنهم من قال: لا يضمنه، إلا إذا عُرِف أن هذا الموضع عادة تكثر فيه الصواعق، فإذا كان كذلك فإنه يضمنه.
ومثل ذلك لو لدغته حية ومات في مكان الحبس، فإنا نقول: لا يضمن، إلا إذا عُرِف أن هذا المكان تكثر فيه الحيات.
طالب: شيخ، قلنا: إن خمر الذمي تُرَدّ، فهل مثلها ما يعلقونه من الصلبان؟
الشيخ: إي نعم، حتى ما يعلقونه من الصلبان يُرَد إلا إذا كانوا يظهرونه، إذا أظهروه ما له حُرْمَة.
الطالب: هم يُظْهِرونه.
الشيخ: لا، أنا أسمع إنهم ما يظهرونه، يحطونه تحت الجيب، الصلبان يجعلونها تحت الجيب.
طالب: شيخ، إذا خِيفَ من أهل الذمة إذا شرب الخمر أن ينتشر بين المسلمين ولو كان بالخفية، هل يُمْنَعُوا من ذلك أو يُضيَّق عليهم؟
الشيخ: لا ما يُمنعون، يُمنع المسلمون من الاتصال بهم.
طالب: كيف نجمع بين إتلاف الخمر، قلنا: هدر، وبين وجوب رد..
الشيخ: إي نعم؛ لأنه إذا تلف فليس له قيمة شرعًا، وإذا كان موجودًا بعينه فهو مضمون لصاحبه يجب رده إليه.
الطالب: ويُعَزَّر؟
الشيخ: مَن يُعزَّر؟
الطالب: (...).
الشيخ: ربما نقول: إنه يُعَزَّر من جهة أنه لا يجوز الاعتداء على أهل الذمة.
طالب: أحسن الله إليك، قلنا: إن الكلب الذي لا يُقْتَنَى يا شيخ فإنه هدر، هذا يؤدي إلى مفسدة بين الإنسان -الجار وجاره- فلو قلنا بالرد ممكن ده يا شيخ يحصل فيه قتال بسبب هذا.
الشيخ: ويش اللي حطه عند جاره أصلًا.
الطالب: ممكن يا شيخ، يحصل.
الشيخ: إن كان هو للحفظ فهو من جنس الماشية، من جنس كلب الماشية، وإن كان للزينة أو تقليدًا للكفار فليس له حُرْمة.
طالب: شيخ، إذا كانت لقطة محرَّمة، فهل على الإنسان أن يتلفها ولا ضمان عليه؟
الشيخ: ويش معنى لقطة محرَّمة؟
الطالب: يعني كمن وجد آلة موسيقى مثلًا، فهل له أن يتلفها ولا ضمان عليه؟
الشيخ: إي نعم، يتلفها ولا ضمان عليه؛ لأن صاحبها غير معروف، فلا يُخْشَى من فتنة.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، هذا الغاصب الذي مات هذا الطفل تحت يديه من صاعقة أو من حية، هذا يده يد ضمانات، يده مضمونة بكل حال يعني..
الشيخ: لا، ما هي مضمونة، لكن هذا سبب، ولَّا الحر ما هو يُضْمَن؛ لأن اليد لا تستولي عليه على قواعد الفقهاء رحمهم الله.
الطالب: سبق معنا أن الغاصب يضمن ما تلف تحت يده بكل حال.
الشيخ: إي، بس هذا يقولون: لا تثبت عليه اليد، الحر لا تثبت اليد؛ لأنه ليس بمال.
طالب: شيخ، استعرت من أحد العمال غير الناطقين باللغة العربية كتابًا، وجدت فيه بعض الشِّرْكِيَّات؛ تمائم ونحوها، فأخذته، فلم أُعْطِه إياه خوفًا على دينه، وبَيَّنْتُ له الصواب، فأخاف إن رددت له الكتاب أنه يُصدِّق ببعض ما فيه، وأخاف أني أكون أخذت ماله حقه.
الشيخ: يعني مثلًا استعرتَ من شخص كتاب بدعٍ.
الطالب: إي نعم، وهذا الكتاب لَمَّا نظرت فيه فإذا فيه بِدَع، كلمته ونَبَّهْتُه، فأخاف أنه لم يفهم كلامي، بيَّنْتُ له الحجة وأن الصواب غير ما في هذا الكتاب، لأنه ..
الشيخ: هذا سهل يا أخي، الشيء اللي ما هو صواب، أو شرك، أو ما أشبه ذلك، حُطّ عليه خطًّا أحمر.
الطالب: بس اللغة ما يعرف عربية.
الشيخ: ما يفهم، أجيبه، وأقول: تعال، شوف الأحمر هذا؟ يقول: نعم، قل: هذا خراب، وانتهى.
الطالب: لكن يا شيخ الإشكال أن الكتاب ما هو باللغة العربية.
الشيخ: طيب، أنت فهمت الآن الذي فيه، هو إذا كان ليس لغة عربية وهو لغتك أنت فستفهم ما فيه.
الطالب: وفيه رموز كذا هذه فهمتها، أما الإشكال (...).
الشيخ: المهم أنك تفهم، اللي تفهم ضع عليه خطًّا أحمر وبيِّن له.
طالب: شيخ بارك الله فيك، إذا مات المحبوس بمرض؟
الشيخ: لا؛ لأن المرض لا يختص بالبقعة، إلا إذا كانت هذه الأرض التي حبسه فيها وَبِيئَة معروفة به فنعم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قلنا: إنه لو استعمله يضمن أجرة المثل.
الشيخ: استعمل أيش؟
الطالب: استعمل الفرد.
الشيخ: نعم.
الطالب: فكيف يقال: لو منعه أو عطَّله عن العمل استعمال.
الشيخ: كيف؟
الطالب: لو عطَّله عن عمله حتى خرج الوقت أو فاته بذلك شيء من المال، هل عليه الضمان؟
الشيخ: المذهب ليس عليه ضمان؛ لأنه لم ينتفع به، إلا إذا حبسه، فيفرِّقون بأنه إذا انتفع به فهو ضامن.
الطالب: هو حبسه، وبسبب الحبس فات عليه بعض المنافع.
الشيخ: إي نعم، ما عليه إلا الأجرة فقط، أما ما فات من المنافع فلا، لكن كما قلنا سابقًا: إن الظالم يجب أن يُغرَّم كل ما فات بسبب ظلمه.
طالب: المحبوس هل له أن يأخذ حقه قهرًا؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يقتص من غاصبه، هل له أن يأخذ حقه قهرًا؟
الشيخ: لا، ليس له، إلا إذا غصبه مالًا ووجد ماله عنده يأخذه قهرًا.
طالب: أحسن الله إليك، إن أتلف الكلب الذي يُقْتَنَى في بلد يباع ويُشْتَرى، هل يضمن؟
الشيخ: يضمنه، إذا كان في بلد يرى علماؤه أنه يجوز بيع الكلاب الْمُعَلَّمَة فإنه يضمنه.
طالب: شيخ، قلنا في الدرس الماضي: إذا اختلف المالك والذي (...) الاستعارة، إذا كان بعد مُضِيّ مدة من الأجرة فعليه أجرة المثل، إذا تبين أن الأجرة أكثر من اللي بيدعيه صاحب الـ ..
الشيخ: إذا كانت أجرة المثل أكثر مما ادَّعاه، فالمذهب له أجرة المثل؛ لأن الإجارة انفسخت، والقول الثاني: إنه ليس له إلا ما ادَّعاه؛ لأنه مُقِرّ على نفسه بأن هناك عقدًا تم على هذا العِوَض.
طالب: المحبوس عند الغاصب، هل يلزم الغاصب أن يدفع أجرته على حسب العمل الذي استعمله، أم على ما فاته من منافع؟
الشيخ: لا، على حسب العمل الذي انتفع به فيه.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، إذا قلنا: صاحب الميتة رماها، ثم لما رأى أن أحدًا أراد أن يأخذ الجلد قال: أنا آخذه، هل له ذلك أم يكون لما رماها..؟
الشيخ: إذا رمى الإنسان شيئًا ما طابت نفسه منه، وليكن مثلًا هيكل برَّادة، فجاء إنسان وأخذه، ثم عاد صاحبه ليأخذه، هل يُقْبَل؟
الطالب: لا.
الشيخ: لا يُقْبَل، والأول كذلك، كل مَن رمى شيئًا زاهدًا فيه ورغبةً عنه فإنه يملكه آخِذُه.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، لماذا فرَّقنا بين الاستيلاء والحبس إذا مات الحابس؟
الشيخ: بأيش؟
الطالب: بين الاستيلاء والحبس، يعني استولى عليه وبقي عنده ثم مات فإنه لا يضمن لأن الحر لا .. وإذا حبسه فمات فإنه يضمن؟
الشيخ: لأن بينهم فرقًا، الحبيس لا يمكن أن يتعدى محبسه.
الطالب: والاستيلاء ما يُعَدّ حبسًا.
الشيخ: لا الاستيلاء معناه يقول: تعال أنت ابني، مثلًا، أو ما أشبه ذلك، ولكنه طليق يخرج بالأسواق، يخرج في المساجد، المدارس. (...)
***
طالب: .. الأرض أو غرس لزمه القَلْعُ وأرشُ نقصِها وتسويتها والأجرة، ولو غصب جارِحًا أو عبدًا أو فرسًا فحصل بذلك صيد فلمالكه.وإن ضرب المصوغَ ونسج الغزلَ، وقَصَّر الثوبَ أو صَبَغَه، ونَجَر الخشبَ ونحوَه، أو صار الحبُّ زرعًا، أو البيضة فرخًا، والنوى غرسًا، رَدَّه وأرشَ نقصِه، ولا شيء للغاصب، ويلزمه ضمان نقصِه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ما هو الغصب في اصطلاح الفقهاء؟
طالب: هو الاستيلاء على حق الغير بغير حق، من عقار أو ما يُنْقَل.
الشيخ: الاستيلاء على حق الغير بغير حق من عقار أو ما يُنْقَل.
طالب: الاستيلاء على حق الغير قهرًا.
الشيخ: قهرًا، لا بد أن يكون قهرًا؟
الطالب: لا بد يا شيخ.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لتخرج السرقة والاختلاس وغيرها التي بها أَخْذ حق الغير بغير قهر.
الشيخ: أحسنت، إذن لا بد أن نُقَيِّد قهرًا، حكمه من الناحية الشرعية؟
طالب: الحرمة، من كبائر الذنوب.
الشيخ: نعم، محرَّم، هل هناك دليل من القرآن؟
الطالب: نعم، قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [النساء: ٢٩].
الشيخ: ومن السنة؟
الطالب: من السنة قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ».
الشيخ: نعم، والإجماع أيضًا؟
الطالب: الإجماع؛ أجمعت الأمة على تحريمه.
الشيخ: على تحريم؟
الطالب: على تحريم الغصب.
الشيخ: على تحريم الغصب، وكذلك أيضًا المصلحة تقتضي أنه حرام، وما يحصل من..
الطالب: من العدوان على أموال الناس.
الشيخ: من عدوان على أموال الناس، والفوضى، وكل إنسان يريد أن يأخذ بحقه، إي نعم، هو من كبائر الذنوب، ليس هناك نص عام على أن الغصب من كبائر الذنوب، لكن فيه أشياء من الغصب جُعِلَت شرعًا من كبائر الذنوب، مثل: اقتطاع الأرض، أكل أموال اليتامى، فهل نقتصر على ما وَرَد فيه الوعيد، ونقول: الباقي يدخل في عموم التحريم، أو نقول: إن ما ذُكِر على سبيل المثال، ويكون هذا عامًّا؟
طالب: فيه احتمال.
الشيخ: إي نعم، الإنسان يرى أنه محتمِل، قد لا يجزم بأنه من كبائر الذنوب على سبيل العموم، ويقول: ما ورد فيه التخصيص نقف عليه، إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا [النساء: ١٠]، «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» ، ونقتصر على ما ورد به الوعيد يكون من الكبائر، وما لم يَرِد يكون من المحرَّمات على وجه العموم.
قوله: (من عقار ومنقول) ما الفرق بين العقار والمنقول؟
طالب: العقار الأشياء الثابتة كالأراضي.
الشيخ: الأشياء الثابتة كالأراضي والعمائر والأشجار، وما أشبهها، والمنقول؟
طالب: الأشياء التي تُنْقَل كالسيارات.
الشيخ: نعم، التي تُنْقَل كالأواني والسيارات والساعات، وما أشبه ذلك.
رجل غصب كلبًا، هل يجب عليه رَدُّه؟
طالب: إن كان هذا الكلب مما يُقْتَنَى.
الشيخ: إن كان مما يُقتنى وجب رده، وإلا فلا.
ما هو الْمُقْتَنَى؟
الطالب: الْمُقْتَنَى هو كلب الصيد أو الحراسة أو الماشية.
الشيخ: كلب الصيد.
الطالب: أو الحراسة.
الشيخ: الحراسة أي شيء؟
الطالب: يعني إنسان يخاف من عدو.
الشيخ: ويش اللي جاء في الشرع، ما الذي جاء في السنة؟ الماشية.
الطالب: الماشية.
الشيخ: والصيد.
الطالب: والصيد.
الشيخ: ويش بعد؟
طالب: الزرع.
الشيخ: الحرث، الحراسة ربما نأخذها من قوله: «إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ»، نأخذها من كلمة (ماشية) أن جميع الكلاب التي للحراسة يجوز اقتناؤها.
أتلف كلبَ الصيد، هل يضمنه أو لا؟
طالب: لا يضمن.
الشيخ: لا يضمن، لماذا؟
طالب: لأنه لا قيمة له شرعًا.
الشيخ: ليس له قيمة شرعًا، دليل ذلك؟
الطالب: النهي عن أَخْذ ثمنه.
الشيخ: أحسنت، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن ثمن الكلب ، بارك الله فيك.
لو غصب جِلْد ميتة أيرده أم لا؟
طالب: على المذهب ما يرده.
الشيخ: نعم، على ما مشى عليه المؤلف لا يرده، لماذا؟
الطالب: لأنه لا يُنْتَفع به.
الشيخ: لا، إذا دُبِغ يُنْتَفَع به.
الطالب: لأنه داخل في قول الله تعالى: إن الله حرم عليكم الميتة والخنزير..
الشيخ: ليس نسأل عن ضمانه، لكن عن رَدِّه، المؤلف يقول: لا يرده، قل: ما فيه دليل.
الطالب: ما فيه دليل.
الشيخ: ويش الدليل؟ ما هو القول الراجح في هذه المسألة؟
الطالب: الراجح أنه يرده.
الشيخ: أنه يرده، لماذا؟
الطالب: لأنه يمكن الانتفاع به.
الشيخ: لأنه يمكن الانتفاع به، إذا دُبِغَ فإنه -على القول الراجح- يطهر، ويكون على هذا كالثوب الذي أصابته نجاسة.
لو أن رجلًا رمى بشاته في الشارع بعد أن ماتت، وهو لا يريدها ولا يريد جلدها، فلما رأى شخصًا سلخها وأخذ جلدها قال: إنه لي، ما تقول؟
طالب: ليس له ذلك.
الشيخ: ليست له؟ ليه؟
الطالب: لأنه رماها رغب عنها.
الشيخ: لأنه رماها زاهدًا بها راغبًا عنها، ومثل ذلك أي شيء يتركه صاحبه رغبةً عنه فإنه يملكه آخِذُه.
هل نقول: مثل ذلك السيارات المشلَّحة، يعني يوجد الآن سيارات تُصاب بحوادث ما تصلح للاستعمال، لكن فيها بعض الآلات نافعة، هل نقول: إن هذا مما تركه صاحبه رغبة عنه؟
طالب: نعم يا شيخ إذا رماها.
الشيخ: هو ما رماها، حصل عليها حادث وخربت.
الطالب: الناس يختلفون في هذا، من يتركها في مكان الحادث كي يتسنى له جبرها فيما بعد، فهنا لا يجوز (...) منها.
الشيخ: طيب.
الطالب: وأما إذا تركها في المحرقة ورماها فيجوز أخذها.
الشيخ: إذا رماها للمحرقة انحرقت، ويش عاد يأخذ فحمًا؟
الطالب: هذه ترجع للعُرف.
الشيخ: إي صحيح، إذن ترجع للعُرف، والناس يفرِّقون بين سيارة حادثها يسير، تركها صاحبها بنية (...) عليها، وبين حادث كبير تحطمت السيارة تحطمًا تامًّا فالغالب أن صاحبها لا يريدها.
استولى رجل على عبد؟
طالب: يضمن.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه مال.
الشيخ: لأنه مال، إذا استولى على عبد ضمنه؛ لأنه مال، كما لو استولى على بهيمة؛ على بعير، على حصان.
وعلى حُرّ؟
الطالب: لا يجوز؛ لأنه ..
الشيخ: لأنه ليس بمال فلا تثبت عليه اليد.
استولى على الحر واستعمله؟
طالب: عليه أجرته.
الشيخ: عليه أجرته؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: إي، اضرب مثلًا لهذا.
الطالب: لو غصب حرًّا واستعمله فعليه أجرة المثل.
الشيخ: إي، ويش لونها أجرة المثل؟ أنت ذكرت كلام المؤلف فقط.
الطالب: لو جعله للخدمة.
الشيخ: يعني غصب حرًّا وقال له: تعال.
الطالب: استخدمه.
الشيخ: استخدمه، هذه الأرض احرثها وحرثها.
الطالب: فعليه أجرة المثل.
الشيخ: صحيح، حبسه بدون أن يستعمله؟
طالب: إذا كان الحبس لمدة لها أجرة يضمن، وإلا فليس له أجرة فلا ضمان.
الشيخ: إن حبسه مدة لها أجرة فعليه أجرته، وإلَّا فلا.
هل يُعَزَّر على حبسه الحر؟
طالب: يُعَزَّر.
الشيخ: يُعَزَّر؟
الطالب: مَن له الحق في تعزيره، الحاكم.
الشيخ: إي، هذا المحبوس رفع الأمر إلى القاضي أو إلى ولي الأمر، هل يعزِّره أو لا؟
الطالب: يُعَزِّرُه.
الشيخ: يُعَزِّرُه، توافقون على هذا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم يُعَزِّرُه، أي عدوان من أحد على أحد، إذا طالب المعتدَى عليه بحقه فإنه يُعَزَّر.
***
ثم قال المؤلف -رحمه الله-: (ويجب رد المغصوب بزيادته، وإن غَرِمَ أضعافه).الطلبة: ويَلْزَم.
الشيخ: عندي: (ويجب)، نسخة ما يخالف، (ويجب رد المغصوب بزيادته وإن غَرِمَ أضعافه)، أفادنا المؤلف أنه يجب على الغاصب رد المغصوب، يجب شرعًا، ومؤونة رَدِّه على مَن؟
الطالب: الغاصب.
الشيخ: على الغاصب؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» ، هذا لفظ الحديث، فيجب عليه رده، ومؤونة الرد على الغاصب.
المثال الثاني، قال: (وإن غَرِمَ أضعافه)، يعني: لو غصب شعيرًا فخلطه في بُرٍّ، عشرة آصُع من الشعير غصبها وخلطها في عشرة آصُع من البُرّ، فطالب المالِك، قال: أعطني شعيري، قال: أنا خلطته بالبُرّ، لو بقيت أخلصه من البُرّ أكل عليّ أضعاف القيمة، ماذا نقول؟
طالب: يلزم.
الشيخ: يلزم، نقول: هات أناسًا يُلَقِّطُون الشعير من البُرّ، ولو كان قيمة البُرّ والشعير خمسين ريال، واللي يجيؤون يميِّزُونه بخمس مئة ريال، لازم، ولهذا قال: (وإن غَرِم أضعافه).
وقوله: (بزيادته) يعني: لو زاد المغصوب فإن الزيادة لمالكه، سواء كانت متصلة أم منفصلة؛ لعموم قول المؤلف: (بزيادته) المتصلة والمنفصلة.
مثال المتصلة: إنسان غصب شاةً صغيرة، ثم قام عليها بالإرضاع والإعلاف وشبَّت، نمت، هل يرجع الغاصب على مالك الشاة بما زاد من قيمتها؟ لا، الزيادة لمن؟
الطلبة: للمالك.
الشيخ: للمالك، غصب هذه الشاة وولدت عنده وأنتجت، وصار يبيع من ألبانها وألبان نتاجها، فلمن هذه الزيادة؟
الطلبة: لمالكها.
الشيخ: لمالكها.
فقول المؤلف رحمه الله: (بزيادته) يشمل الزيادة المتصلة؛ وهي التي لا يمكن انفكاكها كالسِّمَن، وتعلُّم الصنعة، وما أشبه ذلك، والمنفصلة كالولد واللبن وما أشبه ذلك.
غصب عبدًا، غلامًا صغيرًا، فعَلَّمَه الكتابة، وعلَّمَه علومًا عظيمة، فازدادت قيمته عشرة أضعاف، هل يرجع على مالك الغلام بالتعليم؟ لا؛ لأنه غاصب.
دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» ، أيّ عرق ظالم فليس له حق. لو تلف، عليه ضمان؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، عليه ضمانه، بقيمته الأصلية أو بزيادته؟ عليه الضمان بزيادته؛ لأن زيادة المغصوب تحدث على ملك المالك، فيجب عليه إذا أتلفه أن يَضْمَنَه بزيادته.
ثم قال المؤلف: (وإن بنى في الأرض أو غَرَسَ).
(إن بنى) أي: الغاصب.
(في الأرض) أي: المغصوبة.
(أو غرس) أي: في الأرض المغصوبة.
(لزمه القلع وأرشُ نقصِها وتسويتها والأجرة)، هذا مع الإثم، يلزمه أشياء:
أولًا: القلع، وهذا إذا طالَبه صاحب الأرض، وقال: اقلع الذي غرست في أرضي، يلزمه.
أو بنى فيها، وقال له: اهدم البناء، فإنه يلزمه أن يهدم البناء، وهذا مقبول إذا كان لصاحب الأرض غَرَض في تخليتها من الغِرَاس والبناء.
لكن إذا كان يريد أن يبني عليها، فهل نُلْزِم الغاصب بالقلع؟ لو قال الغاصب: أنا لا أريدها، الشجر لك، والبناء لك، ولا تكلفني أن آتي بالمعاول وآتي بالرجال يقلعون الشجر ويهدمون البناء.
نقول: إن كان يفوت بذلك غَرَض صاحب الأرض بأن يقول صاحب الأرض: أنا أريد أن أغرسها نخلًا، وهي الآن مغروسة برتقالًا، أو قال: أنا أريد أن أغرسها من النوع المعيَّن من النخل دون النوع الموجود فيها، فهنا له الحق بأن يُلزم أيش؟
طالب: الغاصب.
الشيخ: الغاصب بقلع الغَرْس.
كذلك في البناء، لو قال: أنا أريد أن أبنيها فيلّا، لكنها ليس على هذا الوجه، هذا البناء لا يطيب لي، إما من حيث رداءة البناء، أو من حيث تصنيف البناء مثلًا، فهل له الحق أن يُجْبِرَه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، لكن إذا علمنا أنه ليس له غرض إلا الْمُضارَّة، وأن صاحب الأرض يريد أن يبنيها على (...) هذه، أو يريد أن يغرسها بهذا النوع من الشجر، لكن يريد أن يُضَارّ بالغاصب، يكلفه، فهنا نمنعه ونقول: ليس لك أن تُجْبِرَ الغاصب على إزالة البناء أو الغِرَاس.
الدليل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» ، وهذا لا شك إنه ضَرّ صاحبه وأضَرّ به أيضًا، هذا واحد.
دليل آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إضاعة المال ، وهذا فيه إضاعة مال على مَن؟
طلبة: على الغاصب.
طلبة آخرون: عليهما.
الشيخ: عليهما جميعًا، على الغاصب واضح، وعلى المالك؛ لأنه الآن يريد أن ينشئ هذا البناء من جديد، وكان البناء أو الغِرَاس موجودًا، فقد أضاع المال، وسيخسر المرة الثانية بإنشائه، فصار كلام المؤلف ليس على إطلاقه، بماذا نقيِّده؟ بما إذا لم يتبين أن المقصود به المضارَّة، فإن تبين ذلك فإنه يُمنَع، «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».
بقينا قول (أرشُ نقصها)، أرش نقص الأرض، هل تنقص الأرض بالبناء عليها؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، ربما تنقص، يكون مثلًا أخذ من تربتها وهي صلبة، أو ما أشبه ذلك.
وأما في الغَرْس واضح أنها تنقص؛ لأن الأرض يسمونها الفلاحون إذا لم تُغْرَس يسمونها أرضًا بكرًا، وإن ماتت الأرض وصارت غير جيدة، فهنا فيها نقص، فيلزمه أرش نقصها، وكيف ذلك؟
نقول: نقدر الأرض مغروسة وغير مغروسة، يعني أن نقدرها بكرًا أو مغروسة قد نُزِع غرسها، فالفرق بين القيمتين هو أيش؟
طالب: الأَرْش.
الشيخ: هو أَرْش النقص، فيُلْزَم الغاصب بأرش النقص.
الثالث: قال: (وتسويتها)، تسوية الأرض، تعرفون أن الأرض بعد أن يُهْدَم البناء الذي عليها لا بد أن يكون فيها حُفَر، ولا بد أن يكون لبقية الأنقاض الجذور أساسات الحيطان، نقول: نُلْزِم الغاصب بأيش؟ بأن يسوي الأرض ويردها على ما كانت عليه.
الرابع: قال: الأجرة، أجرة الأرض مدة استيلاء الغاصب عليها، فإذا قَدَّرْنَا أنه استولى عليها لمدة أربع سنوات ألزمناه بأجرتها لمدة أربع سنوات.
لكن هل نُلْزِمه بأجرتها مسكونةً ومعمورةً، أو بأجرتها بيضاء ليس فيها عمران؟
ما دمنا قلنا: إن الزيادة تكون لصاحب الملك فإنها تُقَوَّم على أنها مسكونة، الآن هي جعلها عمارات تُسْكَن، فله الأجرة.
ويحتمل أن يُقال: الأجرة هذه حصلت ببناء الغاصب وبأرض المالك، فتُجْعَل الأجرة بينهما نصفين؛ لأنّا الآن سنعطي المالك أكثر من أجرة الأرض، لاحظوا يا جماعة، سنعطي المالك أكثر من أجرة الأرض، أجرة الأرض بيضاء يمكن أن تكون عشرة آلاف في السنة، تكون مستودعات، تكون مواقف، لكن إذا كانت مبنية مئة ألف في السنة.
لكن من أين حصلنا مئة ألف في السنة؟ من بناء الغاصب، ومن أرض المالك.
فهنا لو قال قائل بأن لكل من الغاصب والمالك قسطَه من الأجرة، لكان جيدًا.
قال المؤلف: (ولو غَصَبَ جارِحًا، أو عبدًا، أو فرسًا، فحصَّل بذلك صيدًا فلمالكه).
(إذا غَصَبَ جارحًا)، الجارح يُطْلَق على الكاسب، مثل كلب الصيد، طير الصيد، هذا يُسَمَّى جارحًا، قال الله تعالى: وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ [المائدة: ٤]، فهذا إنسان غصب كلب صيدٍ وصاد به، لمن الصيد؟
طلبة: للمالك.
الشيخ: للمالك؛ لأن الكلب لمالكه، ولم يكن من الغاصب إلا أنه أَشْلَاهُ بالصيد فصاد، فيكون الصيد للمالك، كذلك أيضًا عبدًا، غصب عبدًا وقال للعبد: يلَّا روح صِدْ لنا طيورًا ..





