الطلاق (الشرح الأول) - 1
عدد الزيارات 1561

عناصر المادة :
مدخل

الشيخ: .. لو طلقها أو تزوجها بعد، وهي أيضًا إذا بانت منه فقد انقطعت علائقها منه، وإن كانت في بينونة كبرى فعلى هذا يقولون: لا تعود الصفة إذا حصلت البينونة، وكل هذا فيما إذا وُجِدت الصفة في حال البينونة.
انتهينا الآن من الكلام على الرجل عَلَّق طلاق امرأته بصفة، ويش بعد؟
(ثم أبانَها فوُجِدَت) الصفة حال البينونة، (ثم تزوجها فوُجِدَت) الصفة أيضًا بعد النكاح، فالمذهب أن الصفة تعود، وإذا وُجِدت الصفة بعد النكاح طلقت، ولا فرق بين البينونة الكبرى والصغرى.
وذهب جمهور أهل العلم أنه إذا كانت البينونة الكبرى فإن الصفة لا تعود، وأنها إذا كلَّمت زيدًا بعده -بعد النكاح الثاني- لا تطلق.
وذهب بعض العلماء أيضًا إلى أبعد من ذلك، فقالوا: إذا أبانها فوُجِدَت الصفة ثم تزوجها من جديد فإن الصفة لا تعود ولو كان بغير الطلاق الثلاث.
فصار عندنا الآن ثلاثة أقوال على ثلاثة أحوال: المذهب أن الصفة تعود مطلقًا، القول الثاني أنها لا تعود مطلقًا، القول الثالث -رأي الجمهور-: لا تعود إن بانت بالثلاث، وتعود إن بانت بغير الثلاث.
كل هذا فيما إذا وُجِدَت الصفة في حال البينونة، لكن إذا لم توجَد، يعني قال: إن كلمتِ زيدًا فأنت طالق، ثم طَلَّقَها وبانت منه، ثم تزوجها قبل أن تكلم زيدًا، ثم كلمت زيدًا بعد التزويج، تطلق ولَّا ما تطلق؟
طالب: على المذهب تطلق.
الشيخ: أنتم فاهمون الحين؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هذه على المذهب وغير المذهب تطلق؛ لأن يمينه لم تنحل، وسبب أنها لم تنحل لأن الصفة لم توجَد، فتطلق بكل حال.
لكن ذكر شيخ الإسلام رحمه الله قولًا في المسألة: أنها لا تطلق؛ لأن الظاهر أنه أراد وقوع الصفة في النكاح الأول اللي عَلَّق عليه.
ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على هذا. (...)

مدخل
00:03:33

طالب: (...).
الشيخ: كلام، فالطلاق إذن اسم مصدر (طَلَّق)، واسم المصدر يوافق المصدر في المعنى، لكن يخالفه في الحروف، وهو مأخوذ من التخلية والإطلاق الذي هو ضد القيد، وذلك لأن النكاح عقد وقيد، فإذا فُورِقَت المرأة انطلق ذلك القيد.
ولهذا نقول: إن تعريفه في الاصطلاح: هو حَلُّ قَيْدِ النكاح أو بعضه.
إن كان بائنًا فهو حَلٌّ لقيد النكاح كله، وإن كان رجعيًّا فهو حل لبعضه، ولهذا إذا طلَّق مرة نقص، بقي له طلقتان، وإذا طلق ثنتين بقي له واحدة.
فهو إذن حَلُّ قَيْدِ النكاح أو بعضه، يعني: أو حَلُّ بعض النكاح أو بعض قيده.
وإذا تأملت وجدت أن الزوج هو الذي بيده الأمر، وأن المرأة عنده كالناقة المعقولة؛ ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن نتقي الله في النساء، وقال: «إِنَّهُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ» ، والعاني هو الأسير.
وبه يظهر ما فضَّل الله به الرجل على المرأة، ونعرف أن الذين ينادون بتسوية الرجل والمرأة قد ضادُّوا الله تعالى في حكمه الكوني والشرعي؛ لأن المرأة لا تساوي الرجل، لا من حيث الخِلْقة، ولا من حيث الخُلُق، ولا من حيث العقل، ولا تساويه بأي حال من الأحوال.
لكن أولئك قوم -والعياذ بالله- تشبَّعوا بما عند أعداء المسلمين من تقديس المرأة وتسييدها، حتى إنهم يقدِّمونها على الرجال حينما تُذْكَر مع الرجل، فصار هؤلاء الجهَّال والسفهاء التابعون لكل ناعق صاروا يقلدونهم، ويرون أنهم إنما صنعوا الطائرات والمراكب والدبابات والأسلحة الفتاكة لأنهم ساووا المرأة بالرجل، فظنوا أن انحطاطهم في الأخلاق هو الذي أرقاهم إلى هذا، وأنَّ تأخرنا نحن بسبب أننا تمسَّكنا بهذا الدين الذي يزعم بعض الملاحدة أنه أفيون الشعوب -والعياذ بالله-، يعني مخدِّر الشعوب.
والحقيقة أن الذي أخَّرنا ليس هو الإسلام، ولكن تخلفنا عن الإسلام، وتعطيلنا لتوجيهات الإسلام، وإلا فالرب عز وجل يقول: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: ٦٠].
ولما كانت الأمة الإسلامية من قبل متمسكة بالإسلام صار لها من الظهور والعظمة ما صار أولئك يقلدونها، حتى إنهم يقولون: إن هارون الرشيد لما أهدى إلى شارلمان ملك فرنسا ساعة، وشُغِّلت عنده نفَر وهرب، وقال: إن هذا سحر من العرب! شوفت كيف؟!
الآن انقلبت المسألة: صار آلاتهم اللي يوجِّهونها لنا الآن نقول: هذه سحر! كله بسبب تخلفنا.
ففي الواقع لو أننا أنزلنا القرآن في قلوبنا منزلة الشيء المحبوب المرغوب، وفي أعمالنا منزلة المنهاج الذي نسير عليه، ما غلبتنا قوة في الأرض من كل ناحية، لكن بالتخلف حصل ما حصل.
فالمهم يا إخواننا إن الواجب علينا نحن طلبة العلم أن نكرِّس جهودنا ضد هذا السيل الجارف الذي نسمعه الآن ينادَى به أحيانًا بتسوية المرأة بالرجل، الذي حقيقته هدم أخلاق المرأة، وفساد الأسرة، وانطلاق المرأة في الشوارع متبرجة متبهِّيَة بأحسن جمال -والعياذ بالله- وثياب، حتى تتفكك الأسرة.
وشَرُّ هذا ليس هذا موضع بسطه، إنما نحن طلبة العلم نعرف أن لطالب العلم مقامًا عند العامة، فإذا بدأ يتكلم في كل مناسبة، ما أقول: في كل مجلس، في كل مناسبة ضد هذه المبادئ الخبيثة صار في هذا خير كثير، ودرء مفاسد كثيرة.
طالب: (...).
الشيخ: حقيقة الأمر أنه إهانة، لكن هم يدَّعُون أنهم قدسوها، ولكنهم يخدعونها بهذا الشيء، ويخدعون أنفسهم أيضًا.
الطلاق إذن عرفنا أنه اصطلاحًا: حل قيد النكاح أو بعض. وعرفنا من كلمة (طلاق) الصادر من الزوج أن المرأة عند الرجل بمنزلة الناقة المعقولة، وقد شبهها الرسول عليه الصلاة والسلام بأنها كالأسير ، وهذا يدل على فضل الرجل عليها.
واعلم أن الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح؛ لأننا نقول: حَلُّ قَيْدِ النكاح، فقبل النكاح لا طلاق، فلو قال رجل لامرأة: إن تزوجتُك فأنت طالق، فتزوجها، تطلق؟ ما تطلق.
رجل قالت له زوجته: سمعت أنك تريد أن تتزوج، وهذا لا يرضيني، وضَيَّقَت عليه، فقال لها: ترضين أني أقول: إن تزوجت امرأة فهي طالق؟ قالت: يكفي، رضيت، وما تزوج إلى الآن.
طالب: أرضاها.
الشيخ: أرضاها، ولكنه بالخيار، لو تزوَّج لم تطلق؛ لأنه قبل النكاح.
أما أحكام الطلاق فإنه تتعلق فيه الأحكام الخمسة، تجري فيه الأحكام الخمسة: يكون واجبًا، وحرامًا، وسنَّة، ومكروهًا، ومباحًا، وما هو الأصل؟ الأصل الكراهة، الدليل؟
الدليل: قوله تعالى في الذين يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [البقرة: ٢٢٦]، ويش معنى يُؤْلُونَ؟ يحلف أنه ما يطؤها، قال: فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٢٦، ٢٢٧]، شوف في الطلاق قال: سَمِيعٌ عَلِيمٌ، وهذا فيه شيء من التهديد، لكن في الفيئة قال: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فدل هذا على أن الطلاق غير محبوب إلى الله عزّ وجل، وأن الأصل الكراهة، وهو كذلك.
وأما حديث: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللهِ الطَّلَاقُ» ، فهو ضعيف ولا يصح معنًى، حتى في المعنى ما يصح، لكن قوله تعالى: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌيُغْنِي عنه.
قال المؤلف: (يُبَاحُ لِلْحَاجَةِ)، حاجة من؟ حاجة الزوج، إذا احتاج فإنه يباح له، مثل ألَّا يستطيع الصبر على امرأته، مع أن الله سبحانه وتعالى أشار إلى أن الصبر أولى، فقال: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء: ١٩]، لكن أحيانًا لا يتمكن الإنسان من البقاء مع هذه الزوجة، فإذا احتاج فإنه يباح له أن يُطلِّق، ويش الدليل؟
الدليل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١]، ما قال: يا أيها النبي لا تطلقوا النساء. وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا [الأحزاب: ٤٩]، فإذا احتاج الإنسان إليه فقد أباحه الله عز وجل، وهذا من حكمة الله عز وجل.
وقد كان أعداء المسلمين يطعنون على المسلمين في جواز الطلاق؛ لأنهم ما وُدُّهم أن المرأة (...) أو تحزن، يقولون: خليها تكسر البيت على رأسك ولا تطلقها، مع أن هذا العيب حقيقة الأمر أنه عيب عليهن، لماذا؟ لأننا نعلم علم اليقين أن الرجل إذا أمسكها على هون وهو لا يريدها ولا يحبها، ماذا يحصل لها من التعاسة؟ شيء لا يطاق، لكن إذا طلقها يرزقها الله، وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ [النساء: ١٣٠]، فكان ما جاء به الإسلام هو الحكمة، والرحمة أيضًا، هو الحكمة والرحمة، وإلا فإلزام الإنسان بمعاشرة مَن لا يحب من أصعب الأمور، حتى قال المتنبي:

وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى عَــــــــــدُوًّا لَهُ مَـــا مِـــــنْ صَـــــــدَاقَتِهِ بُدُّ

صحيح، هذه من نكد الدنيا؛ أنك تشوف عدوًّا لك لكن لازم تصادقه، تبلاك البلاوي إلا تصادق هذا العدو.
إذن (يُبَاح للحاجة)، شوف: يُبَاح للحاجة، هذه واحدة، والمراد حاجة مَن؟ الزوج.
اللام في قوله (للحاجة) يحتمل أن تكون للتعليل، ويحتمل أن تكون للتوقيت، يعني معناه: يحتمل أن يكون المعنى: يُبَاح الطلاق إذا احتاج إليه للحاجة إليه، ويحتمل أن يكون المعنى: يباح وقت الحاجة، فتكون للتوقيت.
ثانيًا: (ويُكْرَهُ لِعَدَمِهَا)، عدم أيش؟ عدم الحاجة، يعني مع استقامة الحال يُكرَه، وقد ذكرنا أن الإشارة في قوله تعالى: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة: ٢٢٧]؛ بأن هذا فيه الإيماء والتنبيه على أن الطلاق مكروه عند الله، هذا دليل أثري.
الدليل النظري: أن الطلاق يترتب عليه تشتُّت الأسرة، لا سيما إذا جاء منه أولاد، ويترتب عليه ضياع المرأة، وربما يترتب عليه ضياع الرجل أيضًا، قد لا يجد زوجة، ثم إنه إذا عُلِمَ الإنسان بأنه مِطْلَاق لا يزوجه الناس، فَلِعلل كثيرة نقول: إنه يُكْرَه.
(وَيُسْتَحَبُّ لِلضَّرَرِ)، ضرر مَن؟ ضرر المرأة، إذا رأى أنها متضرِّرة وأنها تعبانة، فإنه يُسْتَحَبّ أن يطلِّقها ولو كان راغبًا فيها، مثل: لو فُرِض أن المرأة لما تزوجها أصابها مرض نفسي، كما يقع كثيرًا -نسأل الله العافية- مرض نفسي وضجرت وتعبت، ولا استقامت الحال مع زوجها، وهو يحبها، نقول: هنا يُسْتَحَبّ أن تطلقها؛ لما في ذلك من الإحسان إليها؛ لأن في هذا إحسانًا إليها بإزالة الضرر عنها.
أما ما يفعله بعض الجبابرة -والعياذ بالله- يقول: أنا ما أطلق حتى ترد عليَّ ما أمهرتها أو أكثر، فهذا -والعياذ بالله- ظلم، إذا رآها متضرِّرة فالذي ينبغي إذا رأى أنها متضرِّرة أن يُطْلِق سراحها.
وهل نقول في هذه الحال: ينبغي أن يشاورها، أو ما حاجة؟
طلبة: ينبغي.
الشيخ: أن نقول: ينبغي له أن يقول لها: أنت مثلًا كما ترين، تشاهدين أنك أُصِبْتِ بهذا الأمر، فإن رغبت أن أطلقك فلا حرج؟ في هذه الحال أنا أتردد هل يُسْتَحَبّ أن يشاورها أو لا يستحب؟ السبب لأنها ربما يكون عندها رغبة في الزوج، وتقول: لا، أرغب أني أبقى، وبقاؤها يكون ضررًا عليها وهدمًا لصحتها، فإذا قلنا: إنه يجعل المسألة من جهته هو على أنه معالِج وطبيب، إذا رأى أن المصلحة -مصلحتها هي- تقتضي أن يطلِّقها طلَّقَها.
نعم لو استضاقت منه لقلة ذات اليد، مثلًا إنسان فقير، وهي مثلًا من بيت أغنياء، وشاف أن المرأة متضجِّرة من فقره، فهنا نقول: يُسْتَحَبّ أن يشاورها، مثلما أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام في قوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: ٢٨، ٢٩]، أول مَن بدأ بها عائشة رضي الله عنها، وهي أصغرهن، وخاف صلى الله عليه وسلم أنها لصغرها تريد الحياة الدنيا، فقال: «مَا عَلَيْكِ أَلَّا تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ فِي هَذَا»، يعني معناه: شاوري أبويك في هذا الأمر، قالت: يا رسول الله، أفي هذا أشاور -أستأمر- أبوي؟! إني أريد الله والدار الآخرة ، رضي الله عنها.
فالمهم، إذا كان السبب هو قلة ذات يد الرجل، أو سوء عشرته مثلًا، أو ما أشبه ذلك؛ لأن بعض الناس يكون أحمق ضيِّق النفس، فهذه نرى أنه يشاورها، وأما إذا كان ذلك لسبب فيها هي فأرى أن يُنَزِّل نفسه في هذه الحال منزلة الطبيب المعالِج، وينظر ما تقتضيه المصلحة.
طالب: إذا كرهته لدِينِه، وكان يريد أن يطلق (...)؟
الشيخ: لا أبدًا، هذه خليها تبقى، يحطها (...)، إذا كرهته لدينه يعني لاستقامته، ما هو لسوء دينه فإنه لا يخيرها أبدًا، بل يبقيها عنده حتى لعل الله يهديها بعدُ.
(ويستحب للضرر، ويجب للإيلاء)، يجب للإيلاء.
طالب: قلتم: يبقيها، كيف يبقيها وهي تفوِّت واجبًا؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني كونها تستنكر عليه تقواه هذا يُعْتَبَر منكرًا كبيرًا، كيف يبقيها؟
الشيخ: نعم، أَبْقِها لعل الله يهديها.
الطالب: لعلها لا تصلي أو كذا.
الشيخ: لا لا، اللي ما تصلي ما تبقى زوجة.
الطالب: أو متبرِّجة أو نحو ذلك.
الشيخ: ما يخالف، هي إذا بقيت عندي لا شك أنه أهون مما إذا راحت لأهلها، يقينًا.
الطالب: يعني إن كانت على معصية غير مكفِّرة فهو يبقيها؟
الشيخ: إي نعم، يبقيها، هذا إذا كان يمكن العلاج لها؛ لأنه ربما بعدُ بعض الناس، الناس يختلفون، بعض الناس يكون رجلًا، يعني ثيابه ثياب رجل، ولكنه.. أو صورته صورة رجل لكن معناه مع امرأة، تغلبه هي، أخشى أنها هي بعد تفسد دينَه، فالمسألة ترجع عاد إلى قوة الرجل وصلابته.
(وَيَجِبُ لِلإِيلاَءِ)، أيش معنى الإيلاء قبل؟ الإيلاء مصدر (آلَى يُؤْلِي)، بمعنى: حَلَف يَحْلِف، وهو أن يحلف الرجل على تَرْك وَطْء زوجته أكثر من أربعة أشهر، بأن يقول: والله لا أجامعك، إما لمدة سنة أو يُطْلِق، فهنا حدد الله سبحانه وتعالى أربعة أشهر، إذا تمَّت الأربعة وجب عليه واحد من أمرين: إما الرجوع، ويكفِّر كفارة يمين، وإما الطلاق، يجب، وإذا لم يفعل أُلْزِم، أو طَلَّقَ عليه الحاكم.
كذلك يجب عليه أن يُطَلِّق إذا اختلَّت عفة المرأة ولم يمكنه الإصلاح، فإنه يجب عليه أن يُطَلِّق في هذه الحال، لو كانت المرأة -والعياذ بالله- تفعل الفاحشة وهو لا يستطيع أن يمنعها، فإنه يجب عليه أن يطلِّق، فإن لم يفعل صار دَيُّوثًا.
وكذلك أيضًا يقول المؤلف: (ويحرُم للبدعة)، يعني: إذا كان في طلاق بدعة، وهذا من التعبير الغريب (...).
لكنهم جعلوها بدعة لمخالفة الشرع.
طلاق البدعة يكون في الكَمِّيَّة والوقت، يعني: إما أن يكون بدعة لوقوعه في وقت محرَّم، أو بدعة لكونه بعدَدٍ محرَّم، البدعة في الوقت مثل أن يطلِّقها وهي حائض، فإن هذا بدعة وحرام، أو في طُهْر جامَعَها فيه وهي من ذوات الحيض، فإن كانت ممن لا يحيض فلا بأس أن يطلقها، مثل صغيرة ولّا عجوز كبيرة، ولم يتبين حملها أيضًا، نزيد فيه هذا: في طهر جامعها فيه وهي من ذوات الحيض ولم يتبين حملها، فإن تبين حملُها جاز طلاقها ولو كان قد جامعها في الطهر.
وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذا، لكنه نتعرض له هنا لنبين البدعة.
فصار بدعة، أولًا: البدعة إما في الوقت وإما في العدد؛ البدعة في الوقت تنحصر في شيئين: أن يطلقها في الحيض، أو في طهر جامعها فيه وهي من ذوات الحيض ولم يتبين حملها.
البدعة في العدد: أن يطلقها أكثر من واحدة، مثل أن يطلقها ثنتين، فيقول: أنت طالق طلقتين، أو يقول: أنت طالق ثلاثًا، هذه من البدع؛ لأن السنة أن يطلقها واحدة.
طالب: إذا عَلَّق الطلاق، مثل: طهر جامعها فيه أو بالحيض، قال: إذا طهرت أو إذا تَبَيَّن حملك فأنت طالق، يجوز؟
الشيخ: لا بأس.
الطالب: ويفارقها ..
الشيخ: لا، ما يفارقها، هي امرأته حتى تطلُق.
طالب: حكم الطلاق في وقت النفاس؟
الشيخ: ظاهر كلام أهل العلم أنه مثله؛ لأنهم قالوا في باب النفاس: إنه كالحيض فيما يَحِلّ ويَحْرُم ويجب ويسقط، إلا ما استثنوا؛ ثلاث مسائل أو أربع مسائل، وليس منها الطلاق، وعندي أنه يصح أن يطلقها في النفاس؛ لأن النفاس ما يُحْسَب من العدة، بخلاف الحيض، فهو إذا طلقها تَشْرَع من الآن في عدتها، أما الحيض فإنها لا تشرع في عدتها من الآن؛ هذا هو الفرق بينهما.
والمسألة ما هي إجماعية، وإلا لو أن الإجماع ثبت بأن الطلاق في حال النفاس حرام ما وسعنا أن نخرج منه.
الطالب: الراجح يا شيخ؟
الشيخ: هذا هو الراجح؛ أنه إذا طلَّقها في النفاس وقع الطلاق.
طالب: قلنا: إنه يجب أن يطلقها إذا كانت زوجته لا ترتدع عن معصيتها.
الشيخ: عن الزنا خاصة بس.
الطالب: بس الزنا؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني غيرها؟
الشيخ: لا، غيره لا، غيره ما يجب، لكنه ما يشاركها في المعصية.
طالب: شيخ، (...) هو بدعة؟
الشيخ: لا لا، المذهب أنه بدعة، أكثر أهل العلم يقولون: إنه بدعة؛ لأنهم ما استثنوا من الحيض من أحكام النفاس إلا مسائل أربعة ما هي منها هذه.

***

قال المؤلف: (ويحرُم للبدعةِ، ويصح)، صارت الأحكام خمسة الآن؟
طالب: (...).
الشيخ: يجيئنا إن شاء الله بعدين.
خمسة: (يُباح للحاجةِ، ويُكرَه لعدمِها، ويُستحَبُّ للضرَّرِ، ويجبُ للإيلاء، ويحرمُ للبدعةِ)، وذكرنا أيضًا أنه يجب فيما إذا اختلَّت عفة الزوجة ولم يتمكن من إصلاحها.
طالب: (...).
الشيخ: يجيئنا إن شاء الله تعالى، يمكن يجيء في الطلاق؛ لأن هذا ما يدل على أنها تفعل الفاحشة.
قال المؤلف: (ويصح من زوجٍ مكلَّفٍ ومميِّزٍ يَعقلُه).
يصح الطلاق بهذه الشروط: (من زوج)، فغير الزوج لا يصح منه الطلاق، إلا أن يقوم مقام الزوج بوكالة فلا بأس، إنما ما يصح من غير الزوج، يعني إذن نقول: (من زوج) أو مَن يقوم مقامه، فلو طلَّق امرأة قبل أن يتزوجها يصح؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لو قال لامرأة واجهها قال: أنت طالق، وبعدين تزوجها؟
طلبة: ما يقع.
الشيخ: ما يقع، وكذلك لو قال: إن تزوجتُك فأنت طالق، ما يقع؛ لأن الله يقول في القرآن: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ [الأحزاب: ٤٩]، ولأنه لا يتصور طلاق بلا عقد؛ لأن هذا اسمه طلاق، طلاق منين وهو ما تزوج؟ يمكن هذا ولّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يمكن، فمعنى الطلاق لا يمكن أن يثبت إلا بنكاح، الدليل؛ من الآية: ثُمَّ، و(ثم) للترتيب، ومن المعنى أيضًا؛ لأنه كيف يكون طلاقًا بلا عقد؟! هذا لا يتصور، فإذن لا بد أن يكون زوجة.
فإذا قال قائل: المعروف في مذهب الإمام أحمد أنه إذا قال لعبدٍ: إن مَلَكْتُك فأنت حُرّ، ثم ملكه، المعروف عند الإمام أحمد وإلَّا فيه خلاف أن العبد يَعتُق.
طالب: أو يُعتَق؟
الشيخ: يَعتُق، ما هو يُعْتَق.
إذا قال: إن ملكتُك أو إذا ملكتُك فأنت حر ثم ملكه، يقول: إنه يَعتُق، بخلاف: إن تزوجتك فأنت طالق.
قالوا: إن الفرق بينهما، أن شراء العبد يراد للعتق، لكن زواج المرأة يراد للطلاق؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، فالشراء يراد للعتق، فيكون مقصودًا شرعيًّا، ولهذا مَن وجب عليه إعتاق رقبة، وعنده دراهم ولا عنده رقبة، ما هو الطريق إلى إعتاقها؟ يشتريها.
إذن فالشراء يراد للعتق، فصح تعليق العتق عليه؛ لأنه مقصود شرعًا، لكن النكاح لا يراد للطلاق، ومن ثَمَّ، أظن مَرّ علينا نكاح المحلِّل أيش حكمه؟ هو باطل أيضًا؛ لأن المحلِّل لا يريدها للاستمتاع بها، للطلاق، فلهذا هو الفرق بينهما، وهو فرق وجيه واضح.
طالب: ما فيها التعليل الثاني يا شيخ أن الطلاق مكروه، والعتق مستحب؟
الشيخ: لا؛ لأننا لو قلنا: لأن الطلاق مكروه، لكان الطلاق بعد النكاح إذا كان في حال الكراهة ما يقع، ما هو بالعلة الكراهة، لو علَّلنا بالكراهة لكان لا فرق بين التي زُوِّجَت والتي ما زُوِّجَت، لكن العلة أن الطلاق لا يراد بالنكاح، بخلاف العتق فيراد بالشراء.
(يصح من زوجٍ)؛ هذا واحد، (مكلَّفٍ)، مَن المكلَّف؟ البالغ العاقل، فخرج بالبالغ الصغيرُ، وخرج بالعاقل المجنونُ، لكن الصغير قال: (ومُمَيِّز يعقلُه).
طالب: كبير مجنون.
الشيخ: إي، (ومميِّز يعقلُه)، لما كان خارجًا بقوله: (مكلَّف) دخل الآن، فصار الصغيرُ المميِّز اللي يعقل الطلاق يصح طلاقه.
مَن هو المميِّز؟ المميِّز سبق أن المذهب أنه محدود بالسِّن، والقول الثاني: أنه محدود بالحال؛ محدود بالسن كم؟ سبع سنوات، محدود بالحال بأن يقال: إن المميِّز هو الذي يفهم الخطاب ويرد الجواب؛ هذا المميِّز.
لكن اشترط أيضًا المؤلف في المميِّز أن يعقله، وينبغي أن نجعل (يعقله) عائدة على كل الأوصاف، على (مكلَّف) وعلى (مميِّز)؛ لأن مَن لا يعقل معنى الطلاق لا يقع منه الطلاق ولو كان مكلَّفًا، لو فرضنا رجلًا أعجميًّا ما يعرف معنى الطلاق، فتكلم به باللسان العربي وهو لا يعقله، يقع طلاقه؟ ما يقع طلاقه؛ لأنه ما يعقل معناه.
الصبي أيضًا المميِّز قال لزوجته: أنت طالق، قلنا: تدري ويش معنى (أنت طالق)؟ قال: هذه ويش معناها؟ وأيش معناه؟ قال: يعني أنها ما رُبِطَت!! ويش صار الآن؟ صار يعقل الطلاق ولّا ما يعقله؟ صار لا يعقله، إذن لا يقع طلاقه.
لكن لو سألناه قلنا: أتعرف الطلاق؟ قال: نعم، الطلاق معناه أنه حصلت المفارقة بيني وبينها، وأصبحت غير زوجة لي، صار الآن يعقله فيقع طلاقه.
اشتراط أن يكون يعقله؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ، ومَن لا يعقل الشيء لا ينويه.
اشتراط أن يكون من زوج بَيَّنَّا قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ [الأحزاب: ٤٩].
رجل حدثنا أناس أنه تكلَّم على زوجته في بيته، وطار النزاع بينهما، وظهرت أصواتهما للجيران، فقال الزوج: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، وكانت امرأةُ جاره تسمع، فجاءته وقالت: يا أبا فلان، كيف تطلق أم عيالك؟ قال: وأنت طالق معها!! ويش رأيكم في هذا، يقع ولّا ما يقع؟
طلبة: ما يقع.
الشيخ: ما يقع الطلاق، معلوم، لماذا؟ لأنه لا يملكه.
طالب: الكلام على طلاق زوجته؟
الشيخ: زوجته وقع الطلاق، لكن هي بس غَيْرَةً منها بنت الحلال تقول: ليش أنك تطلق؟ وهو مع الغضب قال: وأنت بعد طالق معها؟
طالب: يمكن نقول: إن الطلاق ما يقع؛ لأنه لو عقل ما قال لها: أنت طالق؟
الشيخ: لا، لكن، هو سيأتينا إن شاء الله، الغضبان بيجيئنا الحكم فيه.
طالب: شيخ، هل المميِّز لا يدخل فيه الغضبان؟
الشيخ: بيجيئنا إن شاء الله، لا ما يدخل، المميِّز قصدهم بالسن.

***

(ومميِّزٍ يَعقله)، ثم قال المؤلف: (وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ مَعْذُورًا).
كلمة (مكلَّف) قلنا تعني أنه بالغ عاقل. إذا زال عقله؟
زوال العقل في الحقيقة له أقسام كثيرة، وصور كثيرة؛ منها: أن يزول عقله بالنوم، نام إنسان وسمعناه يقول لزوجته: أنت طالق، أو يقول: فلانة بنت فلان زوجتي طالق، وهو نائم، تطلق؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟
طلبة: ما يعقل.
الشيخ: ما هو عاقل، «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ ..»، ومنهم: «النَّائِمُ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ».
كذلك أيضًا إنسان أُغْمِيَ عليه -نسأل الله العافية- بمرض، وطلَّق زوجته في حال الإغماء؟ ما يقع.
إنسان بُنِّجَ للدواء، وفي حال البنج بدأ يُطَلِّق زوجته، يقع الطلاق؟ لا؛ لأنه معذور.
إنسان خَرف، شايب، وصل إلى التخريف (...)، وصار كل النهار ما همه إلا يقول لزوجته: قومي أنت طالق، وكلما جابت له الشاهي ولّا القهوة قال: قومي أنت طالق، لكنه مخرِّف؟ لا يقع الطلاق، ليش؟ زال عقله معذورًا، معذور هذا، كِبَر، فصار كل مَن زال عقله معذورًا فإن طلاقه لا يقع.
رجل شرب الخمر جاهلًا أنه خمر، فسَكِر، فطلَّق؟ لا يقع طلاقه؛ لأنه معذور.
رجل أُكْرِه على شرب الخمر فشربه، فسَكِرَ فطلَّق، فكذلك لا يقع طلاقه؛ لأنه معذور.
فالحاصل أنه إذا زال العقل بعذر شرعي، أو بعذر عادي كالنوم، أو بعذر طارئ كالمرض فإنه لا يقع طلاقه.
قال المؤلف: (وَعَكْسُهُ الآثِمُ) يعني: يقع طلاقه ولّا لا؟
طلبة: (...).
الشيخ: فمن زال عقله غير معذور فإنه يقع طلاقه؛ لأنه لا عذر له.
مثاله: السكران باختياره، إنسان -والعياذ بالله- شرب وسَكِر فإنه يقع طلاقه؛ لأنه ليس بمعذور، فالسَّكَر محرَّم بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، فهو غير معذور في زوال عقله فيقع طلاقه، هذا هو المشهور من المذهب، وعلتهم أو تعليلهم أنه غير معذور.
وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم مَن قال: إن السكران غير المعذور يقع طلاقه، وهذا هو المذهب، وعلَّلُوا بذلك بأنه ليس بمعذور فيه، فيكون كالصاحي، وبأن هذا أنكى له، أزيد في عقوبته، وربما لا يردعه عن شرب الخمر إلا الخوف من هذا الأمر، فيكون في ذلك مصلحة الردع.
وقال بعض أهل العلم: إن السكران لا يقع طلاقه؛ لأنه إذا أَثِم عُوقِب على إثمه، لكن إذا تكلَّم بدون عقل فكيف نُلزِمه بمقتضى كلامه وهو لا يعقله؟! هذا يخالف قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ، فإن هذا السكران حينما تكلم وقال: زوجتي طالق، نوى ولَّا ما نوى؟
طلبة: ما نوى.
الشيخ: أبدًا، ما يدري ويش يقول، فهذا لا يقع طلاقه، وكونه آثمًا له عقوبة، العقوبة الخاصة، وهي التعزير بالجلد، أما التعزير باعتبار كلامه مع عدم عقله فهذا زيادة، فلا نُعَزِّره، وهذا هو الذي صح به الأثر عن عثمان رضي الله عنه ، وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقضي على السكران بالتأديب والإلزام بالطلاق إذا طَلَّق، فلما ذُكِر له الأثر عن عثمان رجع، فصار يؤدبه ولا يوقع الطلاق.
وهذا القول أصح، وهو الذي رجع إليه الإمام أحمد رحمه الله، كان الإمام أحمد يقول بطلاق السكران حتى تَبَيَّنَه، يعني حتى تأمله وتَبَيَّن له أنه لا يقع، وقال: إني إذا قلت: يقع، أتيت خصلتين؛ حرَّمتها عليه وأحللتها لغيره، وإذا قلت: لا يقع، فإنما أتيت خصلة واحدة، وهي أنني أحللتها له، فعلى هذا يكون مذهب الإمام أحمد شخصيًّا أنه لا يقع، أما مذهبه الاصطلاحي فإنه يقع.
لكن ما رأيكم الآن؟ هو لا شك أن هذا أصح دليلًا وأظهر، كما قاله صاحب الإنصاف، ولا شك أنه أظهر في الدليل، لكن هل يجوز للإنسان أن يُلْزِم به السكران لعله يرتدع؟!
نقول: إذا لم يتضمن ضررًا على الزوجة؛ لأنه أحيانًا يكون ضررًا على الزوجة إذا ألزمناه بالطلاق، تكون الزوجة ذات أولاد منه، ثم يقع الإشكال في المستقبل، ثم إننا لا نأمن أيضًا ولا نجزم أن يكون في ذلك إصلاح له، ربما أنه رجل لا يهتم، ما يهمه أن تبقى زوجته أو ما تبقى، فالظاهر لي أنه لا ينبغي الإفتاء بوقوع الطلاق ما دام أن الأصح من حيث النظر عدم الوقوع، اللهم إلا فيما لو كانت الزوجة هي التي تطلب هذا، تطلب الفراق، وأن بقاءها معه متعِب، فهنا لو أننا أخذنا بهذا القول من باب التأديب وردع الناس فإنه لا بأس به، كما كان ذلك من سياسة عمر رضي الله عنه، عمر إذا لم يرتدع الناس عن الشيء ألزمهم بمقتضاه، مثلما ألزمهم بالطلاق الثلاث، كان الناس الطلاق الثلاث واحدة، لكن لما بدؤوا ما يهتمون بهذا الشيء ويطلقون ثلاثًا، قال: فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.
طالب: يقول: روي عن علي وابن عباس وابن عمر ، يعني أنه يمضي طلاق ..
الشيخ: إي، ولو رُوِيَ عنهم، يحتاج إلى النظر في صحته عنهم، ثم لو صح عنهم فلا عبرة به.
الطالب: كيف نقول: عن عثمان، ولّا عثمان يرفع إلى الرسول؟
الشيخ: لا، نظره هو.
الطالب: وهذا (...)؟
الشيخ: إن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ورسوله.
طالب: شيخ، (...)
الشيخ: .. في البقاء وأحسن إليها بالفراق، فهذا من الإحسان المندوب إليه.
بقينا بالمباح للحاجة؛ لأن الذين طلَّقوا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ما كان ينهاهم عن هذا، وهم يطلِّقون بلا شك للحاجة، ولو كان حرامًا لمنعهم الرسول، ولو كان مكروهًا لاستفصل منهم. ثم إننا عندنا قاعدة فقهية معروفة عند أهل العلم، وهي: أن المكروه يزول عند الحاجة.
ثم قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١]، أيضًا يدل على الإباحة.
شروط الطلاق، أظن أننا ذكرناها؛ أن يكون؟
طالب: أن يصح عن الزوج.
الشيخ: أن يصح ولّا أن يكون؟
الطالب: أن يكون من زوج.
الشيخ: نعم، هذا واحد، يعني سبق النكاح، أن يكون بعد نكاح.
الطالب: أن يكون بعد نكاح.
الشيخ: الدليل؟