الطلاق (الشرح الأول) - 2
عدد الزيارات 1451

.. يعني: أَكْرَهَه أحد، (عليه) الضمير يعود على الطلاق.
(ظلمًا) هذه مصدر في موضع الحال، أي: مظلومًا، أُكْرِهَ عليه مظلومًا، يعني معناه أن الإكراه بغير حق، هذا واحد، بأن قال له إنسان: لازم تطلق زوجك، ففعل، لكن طلَّق تبعًا لقوله، لا قاصدًا الطلاق، فإنه لا يقع الطلاق؛ لأنه لم يَنْوِه، وإنما نوى دفع الإكراه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ، وهذا ما نوى الطلاق، هذا معنى كلامه.
وقوله: (ظلمًا) احترازًا مما لو أُكْرِه عليه حقًّا، وذلك مثل المُولِي إذا تمَّت عليه أربعة أشهر وأبى أن يرجع، وأبى أن يُطلِّق، فأكرهه الحاكم عليه وطلَّق، فإن الطلاق يقع؛ لأنه بحق، وكل محرَّم يكون بحق فإنه يزول التحريم فيه؛ لأن الشيء لا يحرَّم إلا لأنه باطل، فإذا انقلب الشيء حقًّا صار غير محرَّم، فنقول مثلًا: إذا أُكْرِهَ عليه بحق فإنه لا يقع الطلاق.
كذلك لو أُكْرِه عليه لكونه لا يقوم بالنفقة الواجبة للزوجة، فقيل له: أنفِق، فكان يماطل ويأبى، فإننا نُكْرِهُه ونلزمه يُطَلِّق، فإن أبى في هذه الحال أن يُطلق، قال: كل شيء لو تودِّرُون اللحم ما يمكن أُطَلِّق، فإن القاضي يتولى التطليق عنه.
ومن هذا ما سبق لنا في باب الْخُلع، إذا كرهت المرأة البقاء مع الزوج، وقالت: أنا لا أعيب عليه في خُلُق ولا دين، لكن ما أقدر أبقى معه أبدًا، فقد سبق أنه يُكْرَه على الصحيح على المخالعة، بشرط أن يُرَدَّ إليه ما أنفَق على زوجته من المهر.
وقول المؤلف: (بإيلام له)، هذا تمثيل للإكراه، (بإيلام له) يعني معناه: هذا المُكرِه آلَمَه، بماذا؟ ضرب أو حبس، أو تقييد، قيَّده مثلًا بالرمضاء في أيام الصيف في أيام القيظ، قال: ما يمكن أطلقك، خليك بههذه الرمضاء حتى إنك تطلق، أو بمنع ما ينقذه وهو ضعيف، مثل ما ذُكر أن رجلًا في عهد عمر بن الخطاب خرج يَشْتَارُ عسلًا، يأخذه من الجبال، فنزل، فدلَّت إليه امرأته الحبل من أجل يصعد به، فلما وصل إلى المكان وجاء ليطلع، قالت: لا، ما يمكن أعطيك الحبل حتى تطلقني، (...) غير هذه، قال: أبدًا ما فيها، فطلقها، فذهب إلى عمر رضي الله عنه فقال: المرأة امرأتك ، ولم ينفذ الطلاق، بأيش استدل؟ مُكرَه، لو ما ترسل عليه الحبل ليتمسك ويطلع بقي في هذه الحفرة حتى يموت، هذا أيضًا من الإكراه.
كذلك (أو لولده): إيلامًا لولده، هو ما صار له شيء، لكن يمسكون ولده وبدؤوا يعصرونه قدامه وقالوا: ما يمكن نُطلِق الولد إلا أنك تُطلِّق، تطلق؟
طالب: نعم، يطلق لإنقاذ ولده.
الشيخ: طيب، لكن لو قال قائل: هو ما تألم الآن؟ نقول: صحيح أنه ما تألم بدنًا، لكن تألم قلبًا. هذا يمكن أشد عليه مما لو كان هذا الفعل به هو.
(أو أخْذِ مالٍ يضرُّه)، انتبهوا لكلمة (يضره)؛ لأنها تختلف بحسب الناس، واحد يمكن لو تأخذ منه مليون ريال ما يضره، وواحد لو تأخذ منه عشرة ريالات يضره، صح ولّا لا؟ الإنسان اللي عنده مئة مليون إذا أُخِذ منه مليون، يقول: الحمد لله، عندي تسعة وتسعون مليونًا، لكن يقول: عشرة ريالات، ما عنده غير عشرة، (...) الخبز غداء وعشاء وأُخِذَت العشرة، تضره ولّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: منين يأكل، فالقاعدة إذن يعود على الضرر، ولهذا المؤلف رحمه الله ما قال: أخذ عشرة دراهم، عشرين درهمًا، مئة درهم، قال: (أَخْذ مال يضره).
ومنه -مِن المال الذي يضر- لو كان عليه ثوب في أيام الشتاء يقيه من البرد، هذا الثوب يسوى درهمين، وهو رجل عنده ملايين الدراهم، وافَقَه في برِّيَّة يبغي يأخذ منه الثوب إلا أن يطلق، الثوب الآن يضره ولّا ما يضره؟ يضره، مع أنه من الناحية المالية ليس بشيء عنده، لكن الكلام على الضرر (أخذِ مالٍ يضرُّه).
(أو هَدَّده بأحدها)، ويش أحد؟ الإيلام أو أَخْذ مال يضره.
(هدَّده بأحدها قادرٌ يظن إيقاعَه به)، اشترط شرطين المؤلفُ: (قادر)، وأنه (يظن) أي الْمُكْرَه، (إيقاعه)، أي إيقاع ما هدَّدَه به فيه؛ في الرجل.
فخرج بقوله (قادر) على ما لو هَدَّدَه إنسان عاجز، واحد رجل شاب ممتلئ شبابًا وقوة، جاء شيخ كبير عاجز قال له: طلِّق امرأتك وإلا كسرت ها الشوم عليك –العصا- ويش يصير هذا؟
طالب: ما يقدر.
الشيخ: هَدَّدَه.
طالب: بس لا يقدر.
الشيخ: السبب أنه غير قادر، ما يقدر هذا، هذا لا يُعْتَبَر إكراهًا، السبب لأنه غير قادر.
لكن ما رأيكم لو كان مع هذا الشيخ الكبير، لو كان معه مسدس؟ صار قادرًا الآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كذلك أيضًا اشترط معه شرطًا ثانيًا أنه (يظن إيقاعه به)، أن المهدَّد يظن أن هذا المهدِّد يُوقِع ما هدده به، فإن كان يظن أنه لا يوقِع، هو قادر الرجل المهدِّد لكن ما يُوقِع هذا الشيء، إما لقوة الحكم، أو لأي سبب من الأسباب، المهم أنه يعلم أن الرجل مهما هدد ما يقدر يفعل شيئًا، فلا إكراه.
فهنا فعل وتهديد، الفعل المؤلف قال: أو هدد بأخذ مال يضره، أو إيلام له ولولده، والتهديد اشترط أن يكون المهدِّد قادرًا، ويش بعد؟ يظن إيقاعَه به.
قال المؤلف: (فطلَّق تبعًا)، شوف (طلَّق) مَن؟ الضمير يعود على مَن؟ المُكرَه، طلَّق (تبعًا) هذه مفعول من أجله، يعني: طَلَّق لأجل التبع لقوله، أي: متابعةً لقوله لا قصدًا للطلاق، فحينئذٍ يكون قصده بالطلاق أيش؟ تبعًا، يعني دفع الإكراه فقط، ما نوى الطلاق، فإنه لا يقع الطلاق؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ، ولأن الاختيار في جميع العقود والفسوخ شرط، قال الله تعالى: إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء: ٢٩]، فلا بد في جميع العقود والفسوخ أن تكون صادرة عن رضًا واختيار، إلا أن يكون الإكراه بحق.
وعُلِم من كلام المؤلف من قوله: (تبعًا لقوله) أنه لو طلَّق بقصد إيقاع الطلاق فإنه يقع الطلاق، وهذه المسألة مسألة كبيرة عظيمة لا تختص بمسألة الطلاق، تأتي حتى في مسألة الإكراه على الكفر، قال الله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل: ١٠٦].
هل يُشْتَرَط في الإكراه أن يكون قصد المُكرَه متابعة المُكرِه، بمعنى أنه لا يقصد إلا دفع الإكراه؟ أو نقول: إن الإكراه مُوجِب لرفع الحرج عن المُكرَه ولو نوى، ما دام قلبه لم يطمئن؛ لأن المُكرَه في تلك الحال يكون مُلْجَأً مُغْلَقًا عليه؟
أولًا: إن كان عاميًّا هو ما يتصور الفرق بين أن يقصد دفع الإكراه، أو يقصد إيقاع الطلاق، ما عنده فرق، يقول: هذا ألزمني أني أطلّق وطلقت، هكذا، لو تسأل العامي، قال: هذا والله ألزم أن أطلق وطلقت، ما يقول: أنا ألزمني أطلق فطلقت تبعًا لقوله لا قصدًا للطلاق.
ثانيًا: إذا كان طالب علم يفرِّق بين دفع الإكراه وبين إرادة ما أُكْرِه عليه، فإن الإنسان بشر، ومقام المضايقات أمر لا يعلمه إلا مَن وقع فيه، والإنسان ما دام في سعة يجد نفسه مسيطرًا، أو يُحس من نفسه أنه مسيطر على كل الأمور، لكن إذا وقع في الشدة زال عنه التفكير.
ولهذا ذهب بعض أهل العلم -وقولهم أقرب إلى الصواب- إلى أنه بالإكراه يزول الحكم مطلقًا، ما لم يطمئن إلى الشيء، وهذا بعيد؛ لأن الإنسان إذا لم يقصد الشيء ما هو راح حين، ما يقصده إلا عند الإكراه، يكون يقصده من قبل.
فها هنا ثلاث حالات: ألَّا يقصده مطلقًا، وإنما قصد دفع الإكراه، أن يقصده من أجل الإكراه، أن يطمئن به فيكون فاعلًا له؛ أُكْرِهَ عليه أم لا.
ففي الأخيرة يقع الشيء ويُحْكَم له بالاختيار قولًا واحدًا، وفي الأولى لا يقع قولًا واحدًا، وفي الثالثة قولان، والراجح أنه لا يقع، والله أعلم
. (...)
(مُخْتَلَف فيه).
الطلاق أو بالأصح النكاح ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم مُتَّفَق على صحته، وقسم مُتَّفَق على بطلانه، وقسم مُخْتَلَف فيه.
الْمُتَّفَق على صحته يقع فيه الطلاق ولا إشكال فيه وبإجماع المسلمين.
والْمُتَّفَق على بطلانه لا يقع فيه الطلاق؛ لأنه باطل، والطلاق فرع عن النكاح، فإذا بطل النكاح بطل الطلاق، مثل: لو تَزَوَّج أخته من الرضاع غير عالِم بذلك، فهذا النكاح باطل؛ لإجماع المسلمين على بطلانه، ما يقع الطلاق فيه، وكذلك لو تزوجها وهي مُعْتَدَّة -تزوج امرأة وهي مُعْتَدَّة- فإنه لا يقع الطلاق فيه؛ لأن العلماء مجمعون على أن المعتدة لا يجوز نكاحها؛ لقوله تعالى: وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ [البقرة: ٢٣٥].
النكاح الْمُخْتَلَف فيه لا يخلو من حالين:
إما أن يرى المتزوِّج صحته، أو يرى بطلانه، فإن رأى صحته فإن الطلاق يقع ولا إشكال في ذلك.
مثال ذلك: رجل تزوج امرأة رضعت من أمه ثلاث رضعات، وهو يرى أن الرضاع المحرِّم خمس رضعات، إذن النكاح في رأيه صحيح، هذا يقع فيه الطلاق بلا شك؛ لأنه مبني على صحة النكاح، والنكاح عنده صحيح.
وكذلك لو تزوج امرأة بدون شهود، وهو يرى أن الشهادة في النكاح ليست بشرط، فالطلاق يقع ولّا لا؟
طالب: يقع.
الشيخ: يقع، الحال الثانية: أن يكون المتزوِّج لا يرى صحة النكاح، فإن الطلاق اختلف فيه أهل العلم، فقال بعضهم: إنه يقع فيه الطلاق، وقال بعضهم: إنه لا يقع، الذين قالوا: لا يقع، قالوا: لأن الطلاق فرع على النكاح، وهذا لا يرى صحة النكاح، فلا يقع الطلاق منه، وهذا تعليل جيد لا بأس به.
والذين قالوا: إنه يقع، قالوا: لأنه وإن لم يَرَ هو صحة النكاح، لكن قد يكون غيرُه يرى صحته، فإذا فارقها بدون طلاق، وأتاها إنسان يرى صحة النكاح، هل يتزوجها؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يتزوجها، إذن فهو إذا لم يطلق سوف يعطل هذه المرأة، فإذن الطلاق يصح في النكاح المختلَف فيه وإن لم يَرَ صحتَه المطلِّق.
فإذا قلتم: لماذا يقع الطلاق وهو لا يرى أن النكاح صحيح والطلاق فرع عليه؟
قلنا: من أجل ألَّا يحجزها عن غيره؛ لأنه قد يريدها من يرى أن النكاح صحيح، فإذا لم يطلقها هذا الزوج ما راح يتزوجها؛ لأنه يرى أنها لا زالت باقية في عصمته، ولهذا قال المؤلف: (ويقع الطلاق في نكاحٍ مُخْتَلَف فيه)، قال بالشرح: (ولو لم يَرَه المطلق).
والحكمة أنه يقع وإن لم يَرَه المطلِّق هو ما ذكرتُ لكم: لئلا يبقى ذلك عائقًا لها عن الزواج؛ لأنه قد يرى صحة هذا النكاح إنسان آخر ولا يتزوجها، يعتقد أنها لا زالت في عصمته.
طالب: إذا كان هو يرى أن النكاح غير صحيح وأن الطلاق لا يقع بناء عليه، لا بد أن يكون فيه فصل في المسألة؟
الشيخ: إي، فراق.
الطالب: يبقى لا يحجزها عن غيره.
الشيخ: لا، فراق أيش هو بناء عليه؟ بناء على عدم صحة النكاح.
الطالب: يعني إذا قلنا: إنه خلع مثلًا.
الشيخ: ما هو خلع، إذا قلنا بعدم الصحة، أي معناه: أنه ما فيه نكاح أصلًا، نفرِّق بينهما بدون أن يقول: فسخت؛ لأنه ما يمكن يقول: فسخت؛ إذ إن الفسخ فرع عن النكاح، نقول: تَبَيَّنَّا أن النكاح لم ينعقد من الأصل، ولذلك لا يرى صحته، فإذا كان كذلك فهذا الفراق مبني على اعتقاد أن هذا النكاح غير صحيح، فإذا كان الآخر يعتقد أن النكاح صحيح فالفراق لا يثبت.
انتهينا الآن، صار النكاح ينقسم إلى ثلاثة أقسام: مُتَّفَق على صحته، وعلى بطلانه، وهذان واضحان.
و(مُختلَف فيه)، فيقع فيه الطلاق كما قال المؤلف، حتى وإن كان المطلِّق لا يرى صحته، بناء على أنه ما دام موضع خلاف بين العلماء يمكن ييجي واحد يعتقد أن النكاح صحيح، وأن الفراق ما تم، وأن الزوجة ما زالت في عصمة الزوج.

***

ثم قال: (وَمِنَ الغَضْبَانِ)، يعني: ويقع الطلاق من الغضبان، معلوم؛ لأن الغضبان له قول معتبَر، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» ، ومعنى ذلك أن حكمه معتبر، وإلا لما كان للنهي محل.
ولكن الغضب ينقسم إلى ثلاثة أقسام أيضًا:
القسم الأول: أن يصل به إلى حد لا يدري ما يقول، وبعضهم يقول: ربما يصل إلى الإغماء، بعض الناس -والعياذ بالله- من شدة غضبه يُغْمَى عليه؛ فهذا لا يقع طلاقه بالاتفاق؛ لأنه لا يعقل ما يقول، قد زال عقله، لا يدري ماذا يقول، يقول: أنا طلقتها وأنا ما أدري هو أنا بالسماء ولّا بالأرض، ولّا أمامي زوجتي، أو أمي، أو جدي أو جدتي، ولا أدري ويش اللي حصل، صارت الدنيا عندي كأنها خضراء ولّا صفراء، ولا أدري ويش أقول.
نقول: هذا لا يقع طلاقه بالاتفاق؛ لأنه لا يدري ما يقول، فهو كالمغمى عليه، وربما نقول: إنه مغمى عليه.
القسم الثاني: ابتداء الغضب، لكن يعقل ما يقول، ويقدر يمنع نفسه، فهذا يقع طلاقه؛ لأنه صدر الطلاق من شخص يعقله غير مُغْلَق عليه، فيقع الطلاق، وكثيرًا ما يكون الطلاق في الغالب نتيجة للغضب، وهذا مُتَّفَق على أنه يقع الطلاق منه.
القسم الثالث: بَيْنَ بَيْنَ، إنسان يدري أنه بالأرض، ويدري أنه نطق بالطلاق، لكن مغصوبًا عليه، يعني لقوة الغضب عجز يملك نفسه؛ لأنه ليس بشديد، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لَيْسَ الشَّدِيدُ باِلصُّرَعَةِ»، يعني: الذي يصرع الناس، «وَإِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» ، هذا يدري ما يقول ويعي ما يقول، ويدري أنه يخاطب امرأته وأنه يطلقها، لكن الغضب سيطر عليه، كأنه يغصبه غصبًا أن يطلّق، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم.
فمنهم من قال: إن طلاقه يقع؛ لأن له قصدًا صحيحًا، وهو يشعر بما يقول، ويشعر بالمرأة التي أوقع عليها الطلاق، فلا عذر له.
ومنهم من قال: إنه لا طلاق عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَا طَلَاقَ وَلَا عِتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» ، وهذا لا شك أنه مُغْلَق عليه، يعني كأن أحدًا حَدَّه وعَصَرَه حتى طَلَّق، وعلى هذا فيكون الطلاق غير واقع، وهذا هو الصحيح
، وهو اختيار ابن القيم في كتاب إغاثة اللهفان، إغاثة اللهفان هذا غير الكتاب الكبير المعروف، الرسالة الصغيرة سماها إغاثة اللهفان في عدم وقوع طلاق الغضبان، وذكر له ستة وعشرين وجهًا تدل على عدم وقوعه، وتعرفون ابن القيم رحمه الله نفسُه طويل، وهذا هو الأصح، ويدل عليه الحديث الذي أشرنا إليه أن هذا مُغْلَق عليه.
ومن هذا -من الإغلاق- ما يكون من الْمُوَسْوِسِين: الْمُوَسْوِس يُغْلَق عليه، حتى إنه يطلِّق بدون قصد، حتى إن بعضهم -نسأل الله العافية- يقول: إذا فتحت الكتاب وإذا كأني أقول: امرأتي طالق، وإذا رفعت اللقمة إلى فمي (...) أقول: امرأتي طالق، وكل شيء يتبدَّى له أن امرأته طالق، فهذا لا شك أنه لا يقع طلاقه، حتى لو طَلَّق ما يقع طلاقه؛ لأن بعضهم إذا شاف الضيق العظيم قال: لأجْل أستريح بأطلق، ثم طلق -نسأل الله ألا يبلينا وإياكم شرًّا- فهذا لا يقع طلاقه؛ لأنه بلا شك مُغْلَق عليه، وهذا من أعظم ما يكون من الإغلاق، يعني بعضهم الذي يُبْتَلَى بالوسواس -سواء في عباداته أو في نكاحه- يتعب تعبًا عظيمًا، حتى إنه مثلًا إذا شك هل أحدث ولّا لا؟ قال: أجل بأحدث، علشان يتيقن، إذا شك هل نوى الدخول في الصلاة ولّا ما نوى؟ يقول: إذن أنا أقطعها حتى أنوي من جديد، ثم إن نوى ودخل بالصلاة شك ثم قطعها وقال: أبغي أنوي من جديد، وهكذا.
مثل هذا يجب أنه يُفْتَى بأن يقال: لو أنك قلت لنفسك: إنك ما نويت الصلاة فأنت ناوٍ، ولو قالت لك نفسك: إنك مُحْدِث فأنت غير مُحْدِث، حتى يزول عنه هذا الأمر؛ لأن هذا يعتبر تصرفه تصرفًا لاغيًا.
ومن ذلك الطلاق، فطلاق الموسوِس لا يعتد به؛ وذلك لأنه إما أن يكون غير واقع، كما لو كان يظن أنه طلق، وإما أن يكون واقعًا بالإغلاق والإكراه، كأن شيئًا يغصبه أن يقول فيقول، ها الحين ويش نسوي في هذه ال ..، هذه صورة الآن.
طالب: (...).
الشيخ: بعيد يعني؟
الطالب: لا، غير بعيد، (...) مسافات بعيدة.
الشيخ: مسكوك ها الحين.
الطالب: إي نعم، ليش لأنها ما (...).
الشيخ: يعني سلكها لازم (...).
طالب: ما تسقط عنه الصلاة؟
الشيخ: الصلاة؟
الطالب: ما يدري ما يقول هل نوى أو ما نوى؟
الشيخ: لا، ما تسقط؛ لأنه يدري ما يقول، بس يشك في النية، نقول: هذا الشك لا تتبعه.
الطالب: نقول: أسقطنا عنه الطلاق لأنه غير مكلَّف ..
الشيخ: لأنه مُكْرَه، الطلاق فعل محظور مُكْرَه عليه.
طالب: (...) فقط في هذا الباب.
الشيخ: ما يخالف، كله واحد، من كان موسوسًا في شيء فهو لا عبرة به.

***

ثم قال المؤلف: (وَوَكِيلُهُ كَهُوَ).
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، ضروري.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، (ووكيله) أي: وكيل الزوج في الطلاق (كهو)، كيف قال: (كهُوَ)، و(هُو) ضمير منفصل للرفع؟
طالب: لأنه مبني.
الشيخ: مبني؟! ما هو بعلة ها البناء؟
طالب: (...).
الشيخ: لا، كله واحد لكن ما هو بعد، ذكرنا أن ضمائر الرفع المنفصلة يُتجوَّز بها، فيؤكَّد بها المجرور، أو لا؟ تقدم لنا في باب البدل، تأتي في محل الجر، تُستعار لضمائر الجر في باب الجر، ويؤكَّد بها المجرور إذا كان ضميرًا متصلًا لأجل يصح أن يُعْطَف عليه، وما أشبه ذلك، تقدم لنا هذا في باب البدل، فضمائر الرفع المنفصلة يجوز أن تستعار للجر.
يقول: (ووكيله كهو) يعني أن وكيل الزوج في الطلاق يقوم مقام الزوج، فعلمنا من ذلك أنه يصح التوكيل في الطلاق، وهو كذلك؛ لأن ما جاز أن يصح التوكيل في عقده جاز أن يصح التوكيل في فسخه، ولأنه تصرُّف لا يتعلق بالشخص نفسه، يعني ما هو عمل بدني لا بد تقوم به أنت، فجاز أن بُوَكِّل فيه، فيجوز للزوج أن يوكِّل شخصًا في طلاق زوجته، فيقول له: وكَّلْتُك أن تطلق زوجتي، ولكن لا بد أن يعيِّنَها: فلانة، إذا كان له أكثر من زوجة.
إذن يُشْتَرَط أن يطلِّق في حال صَحْوِه، ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: وألَّا يكون غضبانَ غضبًا شديدًا، وألَّا يكون مُكْرَهًا عليه؛ يعني أنه يُشْتَرَط في الفرع ما يُشْتَرَط في الأصل، ولهذا قال: (ووكيله كهو)، لكن يختلف عن الزوج في أنه محدَّد.
قال: (ويُطَلِّقُ وَاحِدَةً)، ويطلق (مَتَى شَاءَ، إِلَّا أَنْ يُعَيِّنَ لَهُ وَقْتًا وَعَدَدًا).
يعني أنه يتقيد بما قيده به، فإن أطلق هو ما له إلا واحدة فقط، ما يطلق أكثر.
مثال ذلك: قال زيد لعمرو: وَكَّلْتُك في طلاق زوجتي، فذهب الوكيل وقال لها: أنت طالق ثلاثًا، تطلُق؟ ما تطلُق؛ لأنه ما قال له: طلِّق ثلاثًا، والوكالة مطلَقة، فلا يملك إلا أقل ما يقع عليه اسم الطلاق وهو واحدة.
يطلق متى شاء؟
طالب: نعم.
الشيخ: يعني اليوم وباكر وبعد بكرة وبعد شهر وبعد شهرين؟ نعم، يطلِّق متى شاء، إلا إذا قال: لا تطلقها إلا في هذا الشهر، أو: أنت وكيلي في طلاق امرأتي في هذا الشهر، فإنه لا يطلِّق إذا خرج الوقت.
لو قال: أنت وكيلي في طلاق زوجتي في عشر ذي الحجة، فطَلَّقَها في آخر ذي القعدة؟ ما يقع، والسبب أنه حدد له الوقت، أنت وكيلي في طلاق امرأتي في شهر محرَّم، فطلقها في شهر ربيع ما يقع.
الطالب: يقع من الزوج في الأصل.
الشيخ: لا، بتوكيله يعني؟
الطالب: إي.
الشيخ: لا، ما يقع.
طالب: يا شيخ يحتاج إلى تشهيد، الوكالة يشهد عليها ولا ما يشهد؟
الشيخ: ما هو بشرط، إذا قال: نعم أنا موكله، ما هو بشرط.
الطالب: فهو بينه وبينه.
الشيخ: إي نعم.
طالب: يا شيخ، سبق أن أخذنا أن الطلاق بيد الزوج، فهل هناك دليل على التوكيل؟
الشيخ: إي، هو الدليل اللي ذكرنا قبل قليل.
الطالب: تعليل.
الشيخ: إي، يكفي، كل المعاملات الأصل فيها الحِلّ، ولهذا ما يُطَالَب الإنسان بالدليل على مسائل المعاملات؛ لأن الأصل فيها الحِلّ.
طالب: فإن صحت الوكالة؛ لأنه ما أحد يمنعه في أي بلد (...) يبلغ الزوجة أنه طلَّقها أو لا يبلغها؟
الشيخ: لا لا، يعني تقول: ما هو الداعي للتوكيل؟
الطالب: نعم.
الشيخ: الداعي للتوكيل ربما يكون إنسان سيغيب مثلًا وودُّه أن الطلاق يكون مثلًا بعد شهر أو شهرين يتأنى في الأمر.
الطالب: يكتب ورقة.
الشيخ: دعنا من كونه يكتب، ما هو معناه أنه يشترط الضرورة، ما هو بشرط، أو ربما ما يحب أنه يجابهها بالطلاق هو.
الطالب: لكن لو رجع وطلَّق.
الشيخ: مَن؟
الطالب: لو رجع في التوكيل وذاك طلَّق.
الشيخ: ما يخالف، إذا رجع فإن كان قبل أن يُطلِّق انفسخت الوكالة؛ لأن له أن يفسخها، وإن كان بعد أن أمضى فقد مضى الطلاق.
الطالب: لكن لو تزوجت؟
الشيخ: نعم.
الطالب: والآخر قال: أنا فسخت.
الشيخ: لو تزوجت وقال: إني قد فسخت توكيله، وثبت أنه قد فسخ وكالته قبل أن يطلِّق، ما يصح النكاح الثاني.
الطالب: يفسخ عنده ويقول: ترى أنا فسخت..
الشيخ: إي، يجب يبلغه.
الطالب: طيب، مثل لو صار محدَّد وقت وأنا في ديرة وهو في ديرة وبغيت أتدارك قبل هذا ولا يمضي ..
الشيخ: تفسخ وكالته يعني؟
الطالب: إي، أشهّد عليه قبل أن يقع؟
الشيخ: إي نعم، لازم تشهّد؛ لأنك لو ادعيت أنك فاسخ وكالته قبل أن يطلق ما يُقْبَل كلامك إلا بشهود.
الطالب: ولو طلق بعدما ..
الشيخ: ما يقع الطلاق، بعد الفسخ ما يقع الطلاق.
طالب: هل يلزم من عدم وجود الزوج يطلق الوكيل، ولّا يجوز أن يوكل مع وجود الزوج؟
الشيخ: يجوز أنه يوكل مع وجوده، حتى في المجلس، مثلًا افرض أنه رجل أراد أنه يكبر بحق أبيه مثلًا، وقال: وكلت أبي في طلاق امرأتي، وهو حاضر، ما فيه مانع، كما لو قال: وَكَّلْتُه أن يقبل الزواج عني، يجوز، ما فيه مانع.
طالب: ليس للوكيل أن يوكِّل؟
الشيخ: لا، ليس له أن يوكِّل، ولهذا قال: (يطلِّق) الوكيل نفسه، فليس له أن يوكِّل، (يُطلِّق واحدةً) لا اثنتين ولا ثلاثة، (ومتى شاء) يعني ولا يتقيَّد بوقت، متى ما شاء طلَّق.
طالب: إذا طلق ثلاثًا يا شيخ لماذا لا يكون، ويقع واحدة؟
الشيخ: لأنه تصرف تصرفًا غير مأذون فيه.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، الوكيل مقيَّد بما وُكِّل فيه، فهذا أصلًا يكون ما يصح.
الطالب: وإذا وكَّل له هو أيضًا أن يطلِّق.
الشيخ: مَن؟
الطالب: الوكيل.
الشيخ: إي، نعم له أن يطلق، وإذا طلق انفسخت الوكالة.
طالب: مثل يا شيخ الوكيل لو طلق في الأوقات التي ما يجوز فيها كالحائض.
الشيخ: إي بيجينا هذا، المذهب أنه يقع.
طالب: (...)؟
الشيخ: بيجينا مسألة العدد، المهم أن الوكيل يملك ما يملكه الزوج، ولهذا قال: (ووكيله كهو).
(...) للقاعدة، لا تفلَّت عليكم بالمسائل هذه الفردية، الآن عرفنا أن الطلاق يجوز التوكيل فيه، وأن الوكيل يكون كالزوج، إلا أنه يتحدد بالعدد، ما يزيد على واحدة، فإن زاد على واحدة بطل الطلاق؛ لأنه لم يؤذَن له فيه.
في مسألة الوقت يطلق متى شاء إلا إن عَيَّنَ له وقتًا، إن عين له وقتًا فإنه يتعين به.
طالب: بالنسبة (...) ما قيده ولا..؟
الشيخ: واحدة فقط.
الطالب: طلق ثلاثًا.
الشيخ: ما يطلق ثلاثًا، إلا (...) الثلاث.
الطالب: لا (...).
الشيخ: هذا كلام المؤلف يا أخي: (يطلق واحدة)، أنا أقول لكم: كونوا طلبة علم، العامي هو اللي يجيب أفراد المسائل، لكن طالب العلم يركز على معنى الكتاب، الآن الكتاب يقول المؤلف: (ووكيله كهو) يعني: يقوم مقامه في كل شيء، ولا يطلِّق في وقت الحيض، ولا في طهر جامعها فيه، كما أن الزوج كذلك.
ثانيًا: يقول المؤلف: (يطلق واحدة)، ثنتين يطلق؟ لا، ما يملك الثنتين، ولا الثلاث؛ لأنه ما أُذن له في ذلك.
في الوقت يطلق متى شاء، إلا إن عين له وقتًا معينًا فيتقيَّد، والسبب في ذلك إذا قيل: لماذا تفرقون بين الوقت وبين العدد؟ العدد تقولون: واحدة، والوقت: متى شاء، وأرى ما تقولون: الوقت في حينه، إن طلق في حين التوكيل، وإلا فلا يطلق؟
نقول: لأن الفعل (وكلتك في طلاق) يصدق الطلاق بواحدة، فالزائد مأذون فيه ولَّا لا؟ غير مأذون فيه، ومسألة الزمن؛ لأن الفعل للزمن غير مقيَّد، طلاق، ما قال: اليوم، أو غدًا، أو بعد شهر، أو بعد سنة، هذا هو الفرق.
طالب: ما يتعلق بالنسبة للزوج عندما يوكل الوكيل بأن يطلق زوجته فإن العرف أن الزوج يريد الفرقة من زوجه، فكيف نوقعها؟
الشيخ: ما نوقعها بارك الله فيك، ما قال: طلقت زوجتي.
الطالب: المؤلف يقول: (كهو)؟
الشيخ: إي، يعني معناه أن هذا الوكيل ينزل منزلة الزوج، متى طلق طلقت، الآن الزوج قال: وكلتك، ما قال: طلقت زوجتي، وكلتك في طلاق زوجتي، فمعنى ذلك أنه ما يقع طلاقه إلا بعد أن يطلق الوكيل.
الطالب: فإذا طلق الوكيل ثلاثًا.
الشيخ: ما يطلق ثلاثًا؛ لأن المؤلف يقول: (يطلق واحدة).
الطالب: ويش لون يقول: (يطلق واحدة) ويقول بعده: (ووكيله كهو)؟
الشيخ: (كهو) في وقوع الطلاق، لكن لما كان الوكيل إنما يتصرف بالإذن ما يزيد على ما أُذِن فيه، ما هو بحرٍّ من كل وجه، ولهذا قلت لكم ..
الطالب: قلنا: لا بد أن نوقعها واحدة ..
الشيخ: قلت لكم: (كهو) إلا أنه -من أول ما بدأت أقرر- (ووكيله كهو) إلا أنه لا يطلق إلا واحدة، بخلاف الزوج.
الطالب: نقول: إن طلق ثلاثًا تقع واحدة يا شيخ؟
الشيخ: ما تقع، إذا طلق الوكيل ثلاثًا ما تقع.
طالب: قضية النكاح عن مُوَكِّل، يجوز في النكاح لأنه موكله، لكن هنا ذكر أن الوكيل يقول: أنت طالق فقط؟
الشيخ: يقول: طلقت زوجة موكلي فلان.
الطالب: لا بد أن يقول.
الشيخ: نعم لا بد أن يقول، أو يقول: أنت طالق بوكالتي عن زوجك.
طالب: شيخ، إذا كان الزوج غائبًا، ما العبرة للتقيد بالحيض حال كونها حائضًا يعني؟
الشيخ: لا بد أن تتقيد.
الطالب: يعني إذا كان الزوج حاضرًا مع الزوجة فالعلة واضحة في ألَّا يطلق أثناء الحيض، فإذا كان غائبًا ما العبرة وهو في سفر؟
الشيخ: إي نعم، ما يطلق إلا وهي طاهر.
طالب: ما يدري هو.
الشيخ: يسأل يا أخي، كما أن الزوج إذا أراد يطلق يسأل.
الطالب: يمكن تستحي المرأة إذا صار (...) ما تقول: حائض ولا شيء.
الشيخ: إذا ما علم يطلِّق، ثم إن صادف الحيض حُكم له بأنه طلاق بالحيض، وعلى المذهب أنه يقع وبيجينا إن شاء الله.

***

قال: (وامرأتُه كوكيلِه في طلاقِ نفسِها)، هذه هي الأغرب من الأول: (امرأته كوكيله).
أفادنا المؤلف أنه يجوز أن يوكِّل امرأته في طلاق نفسها؛ لأنه قال: (امرأتُه كوكيلِه في طلاقِ نفسِها)، فإذن يجوز أن يقول: وكلتكِ أن تطلقي نفسك؛ لأنها تتصرف كما يتصرف الوكيل، فلها أن تطلِّق نفسها، وكما لو قال: أمرك بيدك، وكما خَيَّر النبي عليه الصلاة والسلام نساءَه بين أن يبقين معه أو يفارقهن ، فيقول: المذهب أنه يملك أن يوكِّل زوجته في طلاق نفسها.
وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم سلفًا وخلفًا، فمنع منها أهل الظاهر وجماعة من السلف والخلف، وقالوا: ما يمكن أن يكون الطلاق بيد الزوجة بالوكالة، لماذا؟ قالوا: لأن الزوجة تختلف عن الأجنبي بأنها سريعة العاطِفة، لو يجيئها أدنى شيء من زوجها قالت: ترى أنا طلقت نفسي بالوكالة وخَلَّتْه، بخلاف وكيل الزوج، فعلى هذا لا يصح أن يوكل زوجته في طلاق نفسها؛ وذلك لأنها -كما قلت- سريعة العاطفة والتأثر، وربما لا تتروَّى في الأمور، وبناء على ذلك -على هذا الرأي- قالوا: لو علَّق طلاقها على فعلها، لو علَّق طلاقها على فعل لها لم يقع الطلاق، مثل أن يقول: إن فعلت كذا فأنت طالق، ففعلت، فإنها لا تطلق؛ لأنها ما عندها تَرَوٍّ، لو يجيؤها أدنى شيء قالت: الحمد لله أبغى أطلق، أبغي أفعل ها الفعل علشان أطلق.
وهذا صحيح على الحقيقة أن النساء ضعيفات عقل ودين، وأن كل شيء يجيء بهن، حتى إنهم بعض الأحيان (...).
ومع ذلك تملك أن توكَّل فيه، فهو مستثنى من قولهم هناك في باب الوكالة: إنه مَن له التصرف في شيء صح أن يوكِّل ويتوكل فيه، إلا في مسائل عدوها، منها هذه المسألة، أنه يجوز توكيل المرأة في الطلاق، وهي لا تملك الطلاق.
وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فذهب بعض أهل العلم، ومنهم أهل الظاهر، إلى أنه لا يصح أن توكَّل المرأة في طلاق نفسها، وعلَّلوا ذلك بأن المرأة ضعيفة التفكير سريعة التأثر، لينة العاطفة، أدنى ما يجيئها من الأمور يُخِلّ عليها، ولهذا وصفها النبي عليه الصلاة والسلام بأن الإنسان لو أحسن إليها الدهر كله ثم رأت منه إساءة واحدة «قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ خَيْرًا قَطُّ».
هذه المرأة لو يوكِّلها في طلاق نفسها ربما إذا وجدت أدنى شيء طلَّقت نفسها، فمن أجل ذلك لا يصح أن يوكلها في طلاق نفسها، وهذا وإن صح أن يوكلها في طلاق غيرها فليس كطلاق نفسها.
والمشهور من المذهب أنها كوكيله في طلاق نفسها، وقاسوا ذلك على التخيير، قالوا: كما أن للإنسان أن يُخَيِّر امرأته بين البقاء وبين فسخ النكاح فإن هذا مثله؛ لأنه جعل الأمر بيدها بواسطة الوكالة، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم خَيَّرَ نساءه ، فإذا كان الأمر كذلك فإن الطلاق يكون كالتخيير، بل قد يكون أدنى حالًا من التخيير؛ لأن الإنسان يملك أن يفسخ هذا التوكيل، وإذا فسخه لم يكن لها أن تطلق نفسها.
وعلى كل حال فحتى على القول بالجواز لا ينبغي للإنسان أن يوكل امرأته في طلاق نفسها أبدًا؛ لأنه كما عَلَّل الْمُعَلِّلُون بعلة قوية وهي؟
طالب: العاطفة.
الشيخ: نعم، أنها ضعيفة في التفكير، سريعة التأثر، لينة العاطفة، كل هذه الأسباب توجِب أن يتوقف الإنسان في توكيلها.
طالب: الأمر إليه، هي (...)؟
الشيخ: لا، الأمر إليها هي.
الطالب: (...) يخيِّرها، مثلًا: إن شئت كذا وإن شئت كذا.
الشيخ: لا، تملك، لو قالت: اخترت نفسي، طلقت.
طالب: مثل لو بتطلق نفسها ويقول: أفسخ، ما يمضيه إلا قبل الطلاق؟
الشيخ: لا، ما يفسخ الوكالة إلا قبل الطلاق، لكن له المراجعة إذا كان الطلاق مرة أو مرتين.
طالب: قوله تعالى: فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب: ٢٨]، (...)؟
الشيخ: لا لا، كيف؟ لأن التسريح معناه بعد وقوع الطلاق، كما قال الله تعالى: فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [البقرة: ٢٣١] التسريح التخلية النهائية.
الطالب: (...).
الشيخ: المهم هم يقولون -سيأتينا في التخيير-: إن لها أن تختار نفسها، فإذا قالت: اخترت نفسي انفسخ النكاح.
طالب: شيخ، إذا وَكَّلَها في أن تبتَّ نفسها متى شاءت، يجوز؟
الشيخ: إي، لها ذلك.
الطالب: يكون محرَّمًا على أنها تطلق ثلاثًا؟
الشيخ: تطلق غيرها؟
الطالب: هي.
الشيخ: تطلق نفسها.
الطالب: تطلق نفسها منه.
الشيخ: إذا قال: وكلتك في طلاق نفسك متى شئتِ، تطلق نفسها متى شاءت، لكن له أن يفسخ الوكالة ويقول: فسخت وكالتي.
الطالب: ما لها أن تطلق ثلاثًا؟
الشيخ: لا، ما تطلق ثلاثًا، مثل الوكيل: (وامرأته كوكيله في طلاق نفسها) فلا تملك إلا واحدة، إلا إذا جعل ذلك لها.
الطالب: (...)؟
الشيخ: بلى.
الطالب: كيف (...)؟
الشيخ: هم اللي جعلوه باختيارهم، حق لهم فجعلوه باختيارهم لهؤلاء؛ للوكيل أو للزوجة.
الطالب: هذا مخالف لظاهر القرآن.
الشيخ: ما هو مخالف بارك الله فيك، أليس النكاح أيضًا مضافًا إلى الأزواج؟
طالب: بلى.
الشيخ: ويجوز التوكيل فيه، أليس البيع مضافًا إلى البائع ويجوز التوكيل فيه؟ ما فيها شيء، هو معنى أنه مضاف إلى الأزواج يعني ما يملك أحد أن يطلق على الزوج، فإذا وكَّل فالأمر إليه، وليس هذا عبادة، يعني ما تقول: إن هذا عبادة تتعلق بنفس الفاعل، كالمصلي نقول: ما يمكن توكل واحدًا يصلي عنك، هذا عقد ومعاملة وفسخ مع إنسان آخر، الحق بينك وبين زوجتك.

***

ثم قال: (فَصْلٌ).
هذا الفصل ذكر فيه المؤلف أحكامًا مهمة وهي الطلاق البدعي، والطلاق الشرعي.
قال المؤلف: (إذا طلقها) الضمير يعود على الزوجة -أعني ضمير المفعول-، وضمير الفاعل على الزوج.
(إذا طلقها مرة) يعني: طلقة واحدة، بأن قال: أنت طالق طلقة واحدة، هذه واحدة، أو قال: أنت طالق وسكت، فإنه يكون مرة واحدة؛ لأنه إذا لم يقيَّد بعدد فإن المُطْلَق يصدُق بمرة واحدة؛ لأنك إذا قلت مثلًا: أكرِم زيدًا، فأكْرَمَه مرة، امتثل ولّا لا؟ امتثل، ما يحتاج يكرر، فإذا طلقها وقال: أنت طالق مرة واحدة، طلقت واحدة، وإذا قال: أنت طالق، وسكت، طلقت مرة واحدة، هذا قيد (مرة).
(في طهر لم يجامِع فيه)، (في طهر) هذا وصف ثانٍ، (لم يجامع فيه) هذا وصف ثالث.
الوصف الأول: (مرةً)، الوصف الثاني: (في طُهْرٍ)، الوصف الثالث: (لم يُجامِعْ فيه)، الوصف الرابع: (وتركها حتى تنقضي عدتها)، ويش معنى (تركها حتى تنقضي)؟ يعني: لم يلحقها بطلاق آخر.
يقول: (فهو سُنَّة)، يعني هذا الطلاق هو طلاق السنة، وهو ما جمع أربعة قيود، أعيدها: أن يكون مرة، وفي طهر، ولم يجامعها فيه، ولا يُلْحِقها بطلقة أخرى، هذا معنى قوله: (وتركها حتى تنقضي عدتها)، يعني: لم يُلْحِقْهَا بطلقة أخرى، هذا هو طلاق السُّنَّة.
فخرج بقوله: (مرة) ما لو طلقها مرتين، بأن قال: أنت طالق طلقتين، أو أنت طالق ثنتين، أو أنت طالق مرتين، أو أنت طالق أنت طالق، فهذا سُنّة ولّا لا؟ هذا ليس بسنة؛ لأنه ما طلقها مرة، طلق ثنتين.
وخرج بقوله: (في طهر) ما لو طلقها في حيض، أو في نفاس؛ فإنه ليس بطلاق سُنّة، لو طلقها وهي حائض فليس بطلاق سُنّة، أو طلقها وهي نفساء فليس طلاق سنة.
وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك، المهم أن نعرف القيود والخارج بالقيود.
وقوله: (لم يجامع فيه) خرج به ما إذا طلقها في طهر جامَعَ فيه؛ فإنه يكون طلاق بدعة، حتى ولو طال زمن الطهر، لو فُرِضَ أن هذا الرجل طهرت امرأته من النفاس وجامعها وهي ترضع، العادة أن التي ترضع لا تحيض إلا إذا فَطمت الصبي، يعني بعد سنتين تقريبًا، لو طلق خلال مدة السنتين لصار طلاق بدعة؛ لأنه في طهر جامَعَ فيه، إذن ينتظر إلى أن يأتيها الحيض وتطهر.
القيد الرابع: قال: (وتركها حتى تنقضي عدتها)، يعني معناه: لم يُلْحِقْهَا بطلقة أخرى، فإن ألحقها بطلقة أخرى فهو بدعة، كيف ألحقها بطلقة أخرى؟ يعني مثلًا قال: أنت طالق، شَرَعَت في العدة، بعد يومين أو ثلاثة أو عشرة أيام قال: أنت طالق، نقول: هذا الطلاق بدعة، وليس طلاق سنة.
ما هو الدليل على أن هذا هو طلاق السُّنّة؟
قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١]، فَسَّرَ النبي عليه الصلاة والسلام العدة بأن يطلقها طاهرًا من غير جماع، في طهر لم يُصِبْهَا فيه ، هذا طلاق العدة؛ أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، يعني في طهر لم يصبها فيه.
سيأتي إن شاء الله كلمة (في طهر) تدل على أن المرأة هذه من ذوات الحيض، أما مَن ليست من ذوات الحيض فإنه يجوز أن يطلِّقها حتى في طهر جامعها فيه؛ لأنه ما هناك طهرُ حيضٍ؛ لأن التي لا تحيض من يوم يطلقها تبدأ بالعدة، حيث إن عدتها بالأشهر.
(إذا طلَّقها مرةً في طُهْرٍ لم يُجامِعها فيه وتركَها حتى تنقضيَ عِدَّتُها فهـو سُنَّة)، يُسْتَثْنَى من قولنا: (في طهر لم يجامعها فيه) إذا كانت حاملًا، فإنه إذا كانت حاملًا وجامعها وطلقها بعد الجماع فالطلاق طلاق سُنَّة، وليس طلاق بدعة، ولهذا لو أضاف المؤلف رحمه الله إليه زيادة قيد خامس لكان أولى، فيقول: (في طهر لم يجامعها فيه، ولم يتبين حملها)؛ لأنه إذا تبين حملها جاز طلاقها، ولو كان قد جامعها في الحال؛ لأنه يكون مطلقًا للعدة، حيث إن عدة الحامل تكون بوضع الحمل.
فصارت القيود الآن خمسة: (مرة)، (في طُهْرٍ لم يُجامِعْ فيه)، ولم يتبين حملها، (وتركَها حتى تنقضيَ عِدَّتُها)، فهذا هو السنة.
إذا طلقها مرتين فأكثر فبدعة، أو في حيض أو نفاس فبدعة، أو في طهر جامعها فيه ولم يتبين حملها فبدعة، أو ألحقها بطلقة أخرى فبدعة.
عندنا كلمة سنة وبدعة قلنا: إن هذا من التعبير الغريب في باب الفقه؛ لأن عادة الفقهاء ما يقولون سنة وبدعة، يقولون: حرام أو حلال مثلًا، السنة والبدعة تُذْكَر في أي مكان؟ في العقائد، لكن هذه -رحمهم الله- صاروا يعبِّرون عنها بالسنة والبدعة، والظاهر أن هذا قديم، يعني من عهد السلف، يسمون الطلاق الموافق للمأمور يسمونه طلاق سنة، فعليه نقول: الطلاق المخالف للمأمور يكون طلاق بدعة.
قال المؤلف: (فَتَحْرُمُ الثلاثُ إِذن)، أو (وتحرُم) عندكم؟
طالب: (فتحرم).
طالب آخر: (وتحرم).
الشيخ: (وتحرم)؟
طلبة: (...).
الشيخ: إي، زين، (فتحرم الثلاث إذن)، يعني: في طهر لم يجامِع فيه؛ لأنه محرَّم، أنا عَلَّلت بالحكم، وغلط.
تحرم الثلاث إذن؛ لأن رجلًا طلَّق امرأته في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثًا، فقام الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟!»، حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله؟! ، فدل هذا على أنه مُحَرَّم لهذا الحديث، ولأنه نوع من الاستهزاء بآيات الله، كيف ذلك؟
لأن الله تعالى جعل في الطلاق فسحة للإنسان، وإذا طلَّق ثلاثًا فكأنه تعجَّل ما جعل الله فيه الفسحة، فيكون مضادًّا لحكم الله، ولأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ألزمهم بهذه الثلاث عقوبةً لهم ، والعقوبة ما تكون على فعل شيء مباح، ولقول ابن عمر حين سُئِلَ عمن طلق زوجته ثلاثًا، قال: لو اتقى الله لجعل له مخرجًا، فدل هذا على التحريم، وهذا هو القول الصحيح؛ أن إيقاع الثلاث مُحَرَّم جملة واحدة؛ لهذا الحديث، ولفعل عمر، ولأنه من اتخاذ آيات الله هزوًا، ولقول ابن عمر أيضًا.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الطلاق الثلاث ليس محرَّمًا، وأنه جائز، وهذا مذهب الشافعي؛ أن الإنسان إذا طلق ثلاثًا فليس حرامًا، وقال: إن الدليل على عدم التحريم أن عمر أمضاه، ولو كان حرامًا لم يُمْضِه؛ لأن الحرام لا يجوز إمضاؤه؛ إذ إن إمضاء الحرام من باب المضادة لله؛ لأن الله إذا حرَّم شيئًا ماذا يريد من عباده؟ يريد من عباده اجتنابه، فإذا نفذناه هل اجتنبناه ولّا وقعنا فيه؟ إذا نفَّذْنَا المحرَّم وقعنا فيه في الواقع.
وأجاب عن الحديث بضعفه؛ حديث: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟!» ، قال: إنه ضعيف.
ولكن لعل الشافعي رحمه الله ما بلغه الحديث على وجه يصح.
والصواب: أن الحديث أقل أحواله أن يكون حسنًا، وقد صحَّحه جماعة من أهل العلم، ثم إن العلل التي قلنا واضحة فيه.
وأما قوله: إنه لو كان حرامًا ما أمضاه عمر، فنقول: ما أمضاه رِضًا به، ولكن عقوبة لفاعله، ولهذا قال رضي الله عنه حين إمضائه: إن الناس قد تَعَجَّلُوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.
فإن قال قائل: إن الله قد أجاز الطلاق الثلاث في القرآن، فقال: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ [البقرة: ٢٢٩]، ثم قال: فَإِنْ طَلَّقَهَا [البقرة: ٢٣٠]، والطلقة الثالثة تَبِينُ بها، فما هو الجواب؟
الجواب: أن الطلاق الذي ذكره الله طلاق متعاقِب، ولو قلنا بأن الطلقة الثالثة ما تقع، ما صح، فـالطَّلَاقُ مَرَّتَانِيطلق ويراجع، ويطلق ويراجع، ويطلق الثالثة، وحينئذٍ لا تحل له إلا بعد زوج، وهذه الصورةُ الثالثةُ فيها مباحة بالاتفاق، ما أحد قال من العلماء: إنها حرام، بل كلهم مُجْمِعُون على أنها مباحة، ليست حرامًا.
وقول المؤلف: (فتحرُم الثلاث إذن)، ترك المؤلف مرحلة بين مرحلتين، وهما الثنتان، بيَّنَّا واحدة من السنة، والثلاث حرام، فما حكم الثنتين؟
حكم الثنتين قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنها حرام، وقال الفقهاء: إنها مكروهة وليست حرامًا، والكل منهم يقول: إنها منهي عنها، إما نهي كراهة، وإما نهي تحريم، والأقرب أنها للتحريم، وأن الثانية محرَّمة؛ لأن فيها تعجلًا للبينونة، وقد جعل الله لك فرجًا ومخرجًا، أو لا؟ ما هو تتعجل البينونة، بدل ما أنك تطلق مرة ثم مرة ثم مرة، إذا طلقت مرتين، ويش بقي عليك؟ واحدة، وما دُمْنَا اتفقنا على أن هذا طلاق بدعة فلماذا لا تكون بدعة محرَّمة؟!
فالصواب: ما ذهب إليه شيخ الإسلام أن الطلقتين حرام، ومع ذلك شيخ الإسلام يرى أنهما ما ينفذان، حرام ولا ينفذان، ما ينفذ إلا واحدة فقط، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
فقال: (فتحرم الثلاث إذن).
قال: (وإن طلَّق مَنْ دخلَ بها ..) إلى آخره.
(وإن طلق) يعني: الزوج، (مَن دخل بها)، لو قال المؤلف: مَن لزمتها عدة، لكان أعم؛ لأن المرأة تلزمها العدة إذا دخل بها أو خَلَا بها، فإذا طلَّق مَن لها عدة بدخول أو خلوة في حيض أو طهر وطِئَ فيه –يعني: ولم يستبن حملها– فبدعة.
(إن طلق مَن دخل بها)، قلت: ينبغي أن يقال: مَن عليها عدة، حتى يشمل مَن دخل بها –يعني مَن جامعها – ومَن خَلَا بها، ومَن مسها بشهوة أو قبَّلها، على حسب ما سبق لنا في باب الصداق، فإذا طلق امرأة تلزمها عدة منه في حيض، يقول المؤلف: (فبدعة يقع).
وهذه المسألة من كبار مسائل العلم؛ لما يترتب عليها من إحلال الفروج وتحريمها، وإلحاق النسب، وغير ذلك، والعلماء مختلِفُون فيها، يعني إذا طلقها في حيض، المؤلف كما ترى يقول: إنه بدعة ويقع، وهذا هو الذي عليه المذاهب الأربعة: أحمد بن حنبل، والشافعي، ومالك، وأبو حنيفة، أن طلاق الحيض يقع، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أن طلاق الحيض لا يقع، واستدل بأدلة.
نبدأ أولًا بأدلة عامة أهل العلم الذين يقولون: إن طلاق الحيض يقع، استدلوا بأن ابن عمر رضي الله عنهما طلَّق زوجته وهي حائض، فبَلَغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فتغيَّظ فيه، يعني: أصابه الغيظ منه، تغيَّط وقال لعمر: «مُرْهُ»، يعني: مُرْ عبد الله بن عمر، «فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ» .
ما وجه الدلالة من الحديث على وقوع الطلاق؟
قالوا: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»، ولو كان الطلاق لم يقع لقال: أَخْبِرْهُ أنه لم يقع، ولَمَا احتاج إلى أن يراجعها.
ويش السبب أنه ما يحتاج أن يراجعها؟ لأنه ما وقع الطلاق حتى نقول: راجِع، فإذا لم يقع الطلاق فلا رجعة.
وأيضًا قالوا: إن قوله: «فَلْيُرَاجِعْهَا»، معنى المراجعة شرعًا: إعادة المطلَّقة إلى زوجها، فالرجعة كما سيأتينا إن شاء الله: إعادة مطلَّقَةٍ غيرِ بائنٍ إلى زوجها.
فقوله: «فَلْيُرَاجِعْهَا» إذن معناه أنه حصل الطلاق، وإذا حصل الطلاق فإنه يراجع.
واستدلوا أيضًا بأنه جاء في ألفاظ الحديث: «وَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا» ، وإذا حُسِبَتْ فهو دليل على الوقوع؛ إذ لا يُحْسَبُ شيء لم يقع.
هذا هو أهم أدلتهم، وقال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الطلاق في الحيض لا يقع، واستدل لذلك بأن طلاق الحيض ليس عليه أمر الله ورسوله؛ لأن الله يقول: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١]، وقد بَيَّنَ النبي عليه الصلاة والسلام أن عدتها أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، فإذا طلقها وهي حائض هل طلقها لعدتها؟ لا، إذن فلا يكون عليه أمر الله ورسوله، وكل ما ليس عليه أمر الله ورسوله فإنه رَدٌّ وباطل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ، ونحن إذا أمضيناه خالفنا ما قال الرسول عليه الصلاة والسلام.
ثانيًا: النبي عليه الصلاة والسلام أمر ابن عمر أن يردها ثم ينظر، ثم يطلق إن شاء ، ولم يستفصل: أهذه هي الطلقة الثالثة أو الثانية أو الأولى، ولو كان الطلاق واقعًا لوجب أن يستفصل؛ لأنه إذا كان واقعًا وهي الطلقة الثالثة هل تمكن مراجعتها ولّا ما تمكن؟ ما تمكن مراجعتها، لكن قد ورد في بعض روايات مسلم أنها الطلقة الأولى، فيزول هذا الاحتمال، لكن أكثر الروايات مطلَقة.
أيضًا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»، إذا قلنا بوقوع الطلاق فهل مراجعتها ترتفع بها مفسدة الطلاق في الحيض ولّا لا؟ أسألكم الآن: إذا قلنا بأن الطلاق في الحيض يقع، وقلنا: إن قول الرسول: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» يعني بعد وقوع الطلاق، هل ترتفع المفسدة بالمراجعة أو ما ترتفع؟ ما ترتفع؛ لأننا إذا أمضيناه فقد حصل الطلاق في الحيض، فلا يرتفع بِرَدِّها. (...)
أو (في طهر جامعها فيه)، نزيد على هذا ما هو: ولم يَتَبَيَّنْ حملها، إذا طلقها في طهر جامعها فيه ولم يتبين حملها (فبدعةٌ)، أي: فهو طلاق بدعة، محرَّم ولّا غير محرَّم؟ محرَّم، فبدعة ومحرَّم.
والدليل على تحريمه قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١]، (طَلِّقُوا) فعل أمر، ولِعِدَّتِهِنَّيحتمل أن تكون اللام للتوقيت، ويحتمل أن تكون للتعليل، ولكنها للتوقيت أظهر؛ لأن العدة فرع عن الطلاق وليست سببًا له، فعليه نقول: اللام في قوله: لِعِدَّتِهِنَّللتوقيت، كقوله: أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء: ٧٨]، مع أن أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِأوضح من هذه الآية في كونها للتعليل؛ لأن الوقت في الصلاة وقت وسبب، أما هذه فإنها وقت مجرَّد، ويؤيد ذلك القراءة الأخرى لكنها ليست سبعية: {فَطَلِّقُوهُنَّ في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: ١]، أي: في استقبالها، فدل هذا على أن اللام للتوقيت، يعني للظرفية.
طالب: صحت مرفوعة هذه؟
الشيخ: إي، لكنها ليست من القراءات السبعية، ما يُقْرَأ بها.
الطالب: وإذا صحت مرفوعة ما يُقْرَأ؟
الشيخ: لا، المشهور عند أكثر أهل العلم أنه ما يُقْرَأ بها ولو صحت مرفوعة؛ لأنهم يرون ما خرج عن السبع فهو شاذّ.
إذن نقول: اللام هنا للتوقيت، فهي للظرفية.
وقوله: لِعِدَّتِهِنَّأي: المتيقَّنَة، التي تعرف أنها في عدة حمل أو حيض، وأنها ابتدأت بها من الآن، وأن عدتها بالحمل أو بالأَقْرَاء.
إذا طَلَّقَهَا أثناء الحيض ما طلَّقَها للعدة، السبب: لأن الحيضة التي يقع فيها الطلاق ما تُحْسَب، فحينئذٍ يكون ما تبتدئ العدة بالطلاق في هذه الحال، فلا يكون مُطَلِّقًا للعدة.
إذا طلقها في طهر جامعها فيه ولم يتبين حملها، فإنها لا تدري هل تكون عدتها بالأقراء، أو تكون عدتها بالحمل، فتبقى متحيِّرة، فلا يكون مطلِّقًا لعدة متيَقَّنَة؛ لأنه إذا طلَّقها في طهر جامعها فيه فإن تَبَيَّنَ حملها، أو بالأصح فإن كانت حاملًا فعدتها بوضع الحمل، وإن كانت حائلًا فعدتها ثلاثة قروء.
لكن هل هي تعلم ولّا ما تعلم؟ ما تعلم إذا كان جامعها بعد الحيض؛ لأنه ربما أنها حملت بهذا الجماع، بخلاف ما إذا طلقها في طهر لم يجامعها فيه فإنها تتيقن أن عدتها بالأقراء ولّا بالحمل؟ تتيقن أن عدتها بالأقراء، فيكون مطلِّقًا للعدة.
إذن قوله تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ، معناه: أن يطلِّقها حاملًا أو طاهرًا في طهر لم يجامعها فيه؛ لأنه لا يمكن أن تكون العدة متيقَّنَة إلا في إحدى هاتين الصورتين: إما حامل، وإما في طهر لم يجامعها فيه.
إن كانت حاملًا فعدتها بوضع الحمل، وإن كانت في طهر لم يجامعها فيه فعدتها بالأقراء، هذا دليل من القرآن.
ووجه الدلالة أنه يحرُم في حال الحيض أو الطهر الذي جامعها فيه، وجه الدلالة من الآية؟ أن الله أمر؛ فَطَلِّقُوهُنَّ، والأمر للوجوب، لا سيما وأنه أعقبه بقوله: وَأَحْصَوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ [الطلاق: ١]، وقال: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، كل هذا مما يؤكد أن الأمر للوجوب، هذا دليل من القرآن.
الدليل من السنة: أن ابن عمر طلَّق زوجته وهي حائض، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فتغيظ فيه، يعني: لحقه الغيظ بسبب ما حصل من ابن عمر، فتغيظ فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقال لعمر: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ، ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» ، فهذا من السنة دليل على التحريم.
ووجه التحريم؟
طالب: أنه طلقها وهي حائض.
الشيخ: لا، وجه التحريم؟ أن الرسول تغيَّظ، وأمر عمر أن يأمر ابن عمر بمراجعتها.
إذن إذا أراد أحد أن يطلق، هل على طول نقول: تعال نكتب طلاقك؟ لا، يجب أن نسأله، نقول: هل امرأتك حامل؟ إن قال: نعم، نكتب، نقول: طلِّق، الآن طلِّق ونكتب طلاقك ولا حرج، إن قال: إنها غير حامل، سألناه: هل هي حائض أو طاهر؟ إن قال: حائض، نقول: لا تطلِّق، انتظر حتى تطهر، ولا تأتِها، ثم طلِّق، إن قال: طاهر، ماذا نقول؟ نسأله: هل جامعها أو لم يجامعها؟ إن قال: إنه جامعها، قلنا: لا تطلِّق، انتظر حتى يتبين حملها أو تحيض، وبعد الحيض طلِّق، وإن قال: إنه لم يجامعها، قلنا: لا بأس أن تطلِّق، وظاهر وواضح أن هذا يجب التفصيل فيه.
يعني لو قال قائل: إذا جاءك إنسان يقول: اشهد أني طلقت زوجتي، أو اكتب طلاق زوجتي، لماذا نستفصل؟ لماذا لا نكتب ونحمل الأمر على أنه على الوجه الصحيح الجائز؟ نقول: لأن الناس يجهلون الأحكام، فلهذا لا بد من التفصيل، مثل ما لو قال لك قائل: مات ميت عن بنت وأخ وعم شقيق، يجب أن تستفصل عن الأخ ولّا ما يجب؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: يجب، إذا قال لك: الأخ من الأم، فالباقي بعد فرض البنت للعم، إن قال لك: إنه أخ شقيق أو لأب، فالباقي بعد فرض البنت للأخ، فالشيء الذي فيه احتمال كبير يُسْتَفْصَل عنه، حتى لا يبقى الإنسان في حرج.
طالب: إذا أَبَتْ أن تخبره الزوجة؟
الشيخ: تخبره بأيش؟
الطالب: تخبره بأنها حائض.
الشيخ: بأنها حائض أو طاهر؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ينتظر حتى يتبين.
الطالب: أبت تخبره؟
الشيخ: لا، يتبين.
وقول المؤلف: (فبدعةٌ يقع) يعني معناه: أن الطلاق يقع حتى في الحال التي يحرُم فيها، الدليل على هذا حديث ابن عمر، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لما بلغه الخبر قال: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»، والمراجعة ما تكون إلا فرعًا عن وقوع الطلاق؛ لأنه لا مراجعة مع غير الطلاق، فقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا» لا شك أنه دليل –يعني عند هؤلاء– دليل على وقوع الطلاق؛ إذ إن المراجعة فرع عنه، وحينئذٍ فيكون واقعًا.
دليل آخر من الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»، ولو كانت الطلقة غير واقعة لقال: إنه لم يَقَع، أحسن من كونه يقول له: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»؛ لأنه إذا لم يقع، سواء راجع ولّا ما راجع فالطلاق تام ولّا غير تام؟
طلبة: غير تام.
الشيخ: الطلاق غير تام، فكونه يلزمه ويقول له: روح راجِع، ما له داعٍ، يقول: أَخْبِرْه بأن طلاقه لم يقع، هذا وجه آخر.
الوجه الثالث: أنه ورد في بعض ألفاظ الحديث في صحيح البخاري: «أَنَّهَا حُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا» ، وهذا نص صريح في أنه وقع الطلاق.
وجه ذلك: لو لم يقع ما حُسِبَ من الطلاق، فحُسبانه من الطلاق دليل على الوقوع، واللفظة هذه في صحيح البخاري.
هذه ثلاثة أدلة من هذا الحديث تدل على وقوعه.
الوجه الرابع: عموم قوله تعالى: اَلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ [البقرة: ٢٢٩]، ولم يفصِّل الله عز وجل هل وقع في حيض، أو في طهر جامعها فيه، أو لا؟ فأثبت الله تعالى وقوع الطلاق، وأن العدد الذي يمكن أن يراجعها فيه كم؟ مرتان، فَإِنْ طَلَّقَهَاالثالثة فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠].
وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة: مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل، وعليه جمهور الأمة.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يقع، واستدلوا بحديث رواه أبو داود بسند صحيح؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم ردَّها على ابن عمر ولم يَرَها شيئًا ، فقالوا: ولم يَرَها شيئًا، يعني معناه: ما اعتُبِرَت شيئًا، هذا واحد.
وقالوا: الدليل على ذلك أيضًا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» ، والطلاق لغير العدة عمل ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون مردودًا، وإلا لو أننا أمضينا ما لم يكن عليه أمر الله ورسوله لكنا مُضَادِّين لله ورسوله في الحكم، الله يقول: لا تفعلوا، ونحن نقول: نفعل ونُمضي!! فيكون مضادة لحكم الله ورسوله.
وقالوا أيضًا لما أُورِد عليهم إيراد بأن الظِّهار مُنْكَر من القول وزور، هو حرام بلا شك، ومع ذلك يَمْضِي ولّا ما يمضي؟ يمضي، وتترتب عليه أحكامه، ويقال للمظاهِر: لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به، وهو مُنْكَر وزور، فهذا الحيض مثله مُنْكَر وزُور، فتترتب عليه أحكامه، ونقول للرجل: حُسِبَت عليك وأُمْضِيَت عليك.
لكنهم يجيبون عن ذلك فيقولون: إن الظهار ليس إلا مُنْكَرًا، ما يقع إلا منكرًا، كالزنا تترتب عليه أحكامه مع أنه مُنْكَر، بخلاف الطلاق فإنه يكون مُنْكَرًا ويكون مباحًا، فإذا فُعِل على وجه الإباحة فقد فُعِل على ما عليه أمر الله ورسوله، وإذا فُعِلَ على غير وجه الإباحة فقد فُعل على غير أمر الله ورسوله فينطبق عليه الحديث، ويكون الذي له حالان؛ موافَقة للشرع ومخالَفة، نقول: إن فُعِل على الوجه الموافِق فهو نافذ، وإن فُعِل على الوجه المخالِف فهو غير نافذ.
أما ما لا يوافِق الشرع إطلاقًا فإنه يُرتَّب عليه ما رَتَّبه الشرع عليه بمجرد وجوده، فانفكوا عن هذا الإيراد.
الوجه الثالث: قالوا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لابن عمر أَمَرَه بردها، قال: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»، وإذا كان هذا واقعًا، إذا قلنا بوقوعه في الحيض، فهل المراجعة ترفع مفسدته؟ ما ترتفع، بل تزيد المفسدة، كيف تزيد؟ لأنه إذا راجعها، ثم إن الرجل ما له رغبة فيها، فأراد أن يطلقها؛ صار عليه كم طلقة؟ صار عليه طلقتان، فلم ترتفع المفسدة إذا قلنا بوقوعه، لم ترتفع مفسدة الوقوع في المحرَّم، بل زادت عليه.
الوجه الرابع: أن أكثر الروايات الواردة في حديث ابن عمر ما فيها أنه لم يطلقها إلا واحدة، في بعض روايات مسلم أن الطلاق كان واحدة، يعني أول مرة، لكن أكثر الروايات على أنه مُطْلَق؛ فإن كان مُطْلَقًا ولم يقيَّد بالواحدة فظاهرٌ أنه لم يقع؛ لأنه لو كان واقعًا لاحتاج الأمر بالمراجعة إلى تفصيل حتى يُعرَف هل هذه آخر واحدة أو هي ما قبلها؟ لأنها إذا كانت آخر واحدة وقد وقعت فيمكن المراجعة ولّا ما يمكن؟ ما يمكن المراجعة.
وأنا ما تمكنت من مراجعة هذه الرواية في مسلم، وإن شاء الله تحققونها، أن هذه طلقها أول مرة.