الطلاق (الشرح الأول) - 8
عدد الزيارات 1100

عناصر المادة :
باب الشك في الطلاق
باب الرجعة

تُقطع يدُه، كما سيأتي إن شاء الله بعد.
طالب: حديث: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ» (...)؟
الشيخ: المظلوم؟
الطالب: إي نعم، أن يتأول أمام الظالم، كيف (...)؟
الشيخ: إي، هذا قصدك في الخصومة، الحديث ما هو (...)، في باب الخصومة إذا حلفت لخصمك الذي يطلبك، وعرفت أن تؤول فإن اليمين على ما ينوي هو، ما هو بعلى ما تنوي أنت، وهذا معناه حكمه عند الله، وأما في الظاهر فالحاكم ما له أن يحكم إلا بما ظهر له.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما ذكره هنا.
طالب: فيه دليل على أن التأويل بالحلف (...)؟
الشيخ: إي نعم، فيه مستند، قصة أيوب؛ لأن فيه شيئًا من التأويل: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ [ص: ٤٤]، هو حلف أنه يضرب امرأته مئة سوط، والضغث اللي فيه مئة شمراخ ما يعد مئة سوط، لكن لفظه محتمل له، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى عموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ، وكذلك حديث ركانة لو صح: «وَاللَّهِ مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً»؟ فقال: والله ما أردتُ إلا واحدة . المهم أن الأدلة كثيرة.
طالب: وقصة إبراهيم مع الظالِم ما تدخل؟
الشيخ: وكذلك قصة إبراهيم مع الظالم فإن فيها تأويلًا.

باب الشك في الطلاق
00:01:52

ثم قال: (باب الشك في الطلاق) يعني في وقوعه، وهل أوقعه؟ وهل وُجِد شرطه؟ فالشك في الطلاق يتضمن ثلاثة أمور: هل أوقعه، أو لا؟ هل وقع أو لا؟ هل وُجد شرطه أم لم يُوجد؟ كل ذلك شك في الطلاق، والشك في الطلاق لا عِبرة به؛ لأن الأصل بقاء النكاح، ودليل ذلك حديث عبد الله بن زيد في الرجل يُخيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» ، فالأصل بقاء طهارته إلا بدليل؛ هذا من السنة.
وأيضًا من النظر أن الأصل بقاء ما كان على ما كان، حتى يثبت ذلك؛ ولهذا قال الله عز وجل: فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ [النساء: ٦]؛ لأنك لو لم تُشهد للزمك المال؛ لأن الأصل بقاؤه وعدم دفعه، والله أعلم.
طالب: (...).
الشيخ: في وجود لفظه، أو عدده، أو شرطه، الشك يعني التردد في وجوده، أو وقوعه، أو عدده؛ هذا الشك؛ يشك بوجوده أو وقوعه، مثل أن يكون معلقًا على شرط فيشك في وجود الشرط، (أو عدده) بأن يشك هل طلق واحدة أو ثلاثًا؟
وهنا قاعدة أثبتها النبي عليه الصلاة والسلام فيمن شكا إليه، أنه يُخيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَنْصَرِفْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» ، فنهاه أن ينصرف إلا بيقين؛ لأنه كان بالأول مُتيقنًا للطهارة شاكًّا في الحدث، والشك لا يزيل اليقين؛ اليقين لا يُزال إلا بيقين؛ هذا هو الأصل في هذا الباب، الأصل في هذا الباب هذا الحديث الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَنْصَرِفْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا».
هذا الدليل، أما التعليل في هذا الباب؛ فإن الأصل بقاء ما كان على ما كان، الأصل عدم التغير، وأن الأمور باقية على ما هي عليه. هذه قاعدة.
أيضًا قاعدة أخرى ينبني عليها هذا الباب؛ وهي أن اليقين لا يُزال إلا بيقين.
فعندنا الآن أصل من السنة وقاعدتان فقهيتان، وهما:
الأصل بقاء ما كان على ما كان، فما دام النكاح كان موجودًا فالأصل بقاؤه.
والثاني: أن اليقين لا يُزال إلا بيقين.
بناءً على هذا يقول المؤلف: (من شَكَّ في طلاق لم يلزمه) شك في طلاق فإنه لا يلزمه.
كيف شك فيه؟ يعني قال: والله إني ما أدري طلقت زوجتي ولَّا ما طلقتها؟ يلزمه الطلاق؟ لا، الدليل: الحديث والتعليل بالقاعدتين الفقهيتين: أن الأصل عدم الطلاق، وأن النكاح المتيقَّن باقٍ على اليقين، فلا يُزال بالشك.
وهذا -نسأل الله السلامة- يبتلى به بعض الناس فيحصل عنده وسواس في طلاق زوجته، حتى إن بعض الناس -اللهم عافِنا- يقول: إني قلت: إن فتحت الكتاب فزوجتي طالق، ثم إذا فتحه قال: لا، أخاف إني قلت: إن لم أفتحه فزوجتي طالق!! كلما حصل أدنى شيء قال: إني قد علَّقت طلاق زوجتي على هذا الشيء، فيحصل عنده من التردد والخوف ما يُكدِّر عليه حياته الزوجية، وهذا لا شك أنه بلوى، لكن دواؤها الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم وكثرة قراءة: (قل أعوذ برب الفلق)، و(قل أعوذ برب الناس).
(أو شك في شرطه) شك في شرط الطلاق، هل وقع أو لم يقع؟ ما هو شك هل شرط أم لم يشترط، لو تيقَّن أنه طلَّق، لكن شك هل شرط أم لم يشترط فالأصل عدم الشرط وتطلق، لكن شك في شرطه؛ أي في شرطه الذي يقع فيه؛ ولهذا قلنا فيما سبق: الشك في الطلاق يتضمن الشك في وجوده أو وقوعه أو عدده.
شك في وقوع الشرط هل وقع أم لا؟ فإن الأصل عدم الطلاق، مثل لو علَّق طلاق زوجته على شيء، ثم شك هل وُجد هذا الشيء أم لم يوجد؟ فالنكاح بحاله ولا يقع الطلاق، قال مثلًا: إن جاء فلان فزوجتي طالق، ثم شك هل جاء أم لم يأتِ؟ لم تطلق؛ لأن الأصل عدم الطلاق، نبني على الحديث والأصل السابق.
كذلك (شك في عدده) قال: أنا مُطلِّق الآن متيقن، لكن ما أدري طلقة أو طلقتين أو ثلاثًا؟ ماذا يكون؟ واحدة، ولهذا قال المؤلف: (لم يلزمه وإن شك في عدده فطلقة).
يقول عندي بالشرح: قال الموفق: من هو الموفق؟ اسم رجل ولَّا وصف؟
طالب: وصف.
الشيخ: لا، اسم رجل، يعني ما هو الموفق كل من وفقه الله، الموفق ابن قدامة.
طالب: هو اسمه؟
الشيخ: اسمه نعم، لقبه: الموفق عبد الله بن أحمد بن قدامة، صاحب المغني.
يقول عندي بالشرح: (قال الموفق: الورع التزام الطلاق). إذا شك في الطلاق، أو شك في شرطه، فالورع التزام الطلاق.
والصواب أن الورع عدم التزام الطلاق
؛ لأنك إذا تورَّعت بالتزامه أحللتها لغيرك، فأوقعته في بلاء، فالورع عدم التزام الطلاق، وأن الطلاق ما يقع؛ هذا هو الأصل، وليست المسألة شيئًا هينًا يتعلق بنفسك فقط، أيضًا إذا قلت: الورع التزام الطلاق، فمعنى ذلك أنك سوف تحرم زوجته من النفقة ومن الميراث إذا مت، ومن أشياء كثيرة من حقوقها؛ فالورع إذن عدم التزام الطلاق.
(وتُباح له) يعني من شك هل طلق مرة أو مرتين أو ثلاثًا؛ فهو مرة، وتُباح له.
طالب: (...) آخر نقطة؟
الشيخ: عدد الطلاق، إن شك هل قال: أنتِ طالق ثلاثًا، أو قال: أنتِ طالق وبس.
الطالب: (...) في المجلس الواحد؟
الشيخ: هم يرون أن طلاق الثلاث ثلاث، المذهب أن طلاق الثلاث ثلاث في مجلس أو مجالس، في لفظ أو ألفاظ، طلاق الثلاث ثلاث.
(وإن شك في عدده فطلقة وتُباح له).
طالب: كيف تُباح له؟ يعود على أيش (تُباح له
الشيخ: تُباح للزوج؛ لأنه لو كان الطلاق ثلاثًا لم تُبح له.
الطالب: إلا إن كانت هذه الأخيرة.
الشيخ: إلا الأخيرة، تُباح له في مسألة إذا شك في عدده، فطلقة وتُباح له.
يقول: (فإذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق) (إذا قال لامرأتيه) زوجتيه: (إحداكما طالق)، (إحداكما) أيتهما؟
طالب: أن ينوي.
الشيخ: ما ندري (إحداكما) مبهمة.
(إذا قال: إحداكما طالِق طلقت المنوية) إن كان قد نوى زينب فهي زينب، وإن نوى فاطمة فهي فاطمة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ، واللفظ الذي أصدره صالح لهذه النية، اللفظ (إحداكما) صالح؛ لأن ينوي به زينب أو فاطمة، فتطلق المنوية.
فإن قال: ليس لي نية؟ ما عندي نية، أو: لا أدري مَنْ نويت؟
يقول: (وإلا من قَرَعت)، والأحسن (من قُرِعت)؛ لأنها ما هي بغالبة، هي مغلوبة.
(وإلا من قُرعت) أي: وقعت القُرعة عليها لا لها. كيف (من قُرعت)؟ يعني نقرع بينهما.
وكيف الإقراع؟ نقول: فاطمة طالق، زينب طالق، فاطمة طالق، زينب طالق، اللي نقف عليه هو؟!
طالب: لا.
طالب آخر: (...).
الشيخ: ويش لون (...)؟
الطالب: يعني نجيب مثلًا حصاتين، ونقول: هذه طالق، وهذه لا، فنقول: أمسكي أنتِ، إذا مسكت (طالق) فهي طالق، وإذا مسكت (غير طالق) فهي غير طالق.
الشيخ: طيب، وإن ادعت، قالت: أنتم (...)؟
طالب: نكتب ورقة.
الشيخ: نعم، الحصى يمكن يقع فيه اشتباه، ولكن أحسن شيء يُكتب الاسم، أو يُكتب واحدة طالق الورقة وواحدة ما فيها طالق، ولا ما فيها كتابة، وتُعطى واحدة منهما، يعني قال: خُذِي. فاللي تأخذ اللي فيها الطلاق تطلق، والثانية لا تطلق.
طالب: وإن كان أخذها غيرها؟
الشيخ: كيف غيرها؟
الطالب: مثلًا أن يفرغ في حضرتهما ويقول: أنا آخذها عنهما، وأقول: هذه لزينب وهذه لفاطمة؟
الشيخ: إن وكَّلناه لا بأس. طيب، هل القرعة حُكم شرعي؟
نعم، القرعة حُكم شرعي ثبتت في القرآن في موضعين، وثبتت في السنة في ستة مواضع، والقرعة ثابتة في تمييز كل حقين متساويين، كل حقين متساويين لا تمييز بينهما فطريق التمييز هو القرعة.
في القرآن وردت في موضعين؛ الموضوع الأول؟
طالب: فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ [الصافات: ١٤١].
الشيخ: اللي هو؟
الطالب: يونس.
الشيخ: يونس، فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ [الصافات: ١٤١].
والموضع الثاني: وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [آل عمران: ٤٤].
أما في السُّنَّة فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أقرع، ذكروا في ستة وقائع وحوادث، منها: أن رجلًا أعتق ستة أعبُد، فجزأهم النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثة أجزاء، وأقرع بينهم ليُخرج الثلث فقط .
ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها .
أما دلالة النظر على أن القرعة حكم شرعي؛ فلأنه لا طريق لنا إلى التمييز بين متساويين إلا بهذا، وأنكر بعض من أهل العلم القرعة، وقال: إن القرعة من الميسر، وأنها مثل الاستقسام بالأزلام، ولكن هذا القول مردود لمخالفته النص، ولبطلانه بذاته؛ أما مخالفته للنص فقد عرفتم ما جاء في الكتاب والسنة من إثبات القُرعة، وأما بطلانه بذاته فإن هذا ليس من الميسر؛ لأننا لا نُقرع إلا بين شيئين متساويين، والميسر ليسا متساويين.
نعم، لو قلنا: أنتما رجلان بينكما هذا الحق مشتركًا ومناصفة، ولكن نبغي نجعل ثلثين وثلثًا ونُقرع بينكما، يجوز ولَّا ما يجوز؟ هذا ما يجوز؛ لأنه ميسر، إن وقعت على صاحب الثلث غُلِب، وإن وقعت على صاحب الثلثين غَلَب. أما شيئان متساويان فأين الميسر فيهما؟! وأما الاستقسام بالأزلام فليس كذلك، ما هناك حقان متساويان يُراد التمييز بينهما، بل هما إرادتان من هذا المستقسم، ويعمل بهذه الأقداح لينظر ماذا يُقسم له من هذه الإرادة، فبينهما فرق.
وعلى هذا فالصواب أن القرعة ثابتة في كل حقين متساويين لا يمكن التمييز بينهما إلا بهذا.
(وإلا من قرعت). (كمن طلق إحداهما بائنًا ونسيها) يعني وكذلك من (طلق إحداهما بائنًا)، أي: طلاقًا بائنًا، (ونسيها)، فإنه يُقرع بينهما، فمن قُرِعت وقع عليها الطلاق.
كيف طلاقًا بائنًا؟ طلق إحداهما طلاقًا بائنًا ونسيها، يعني فيه واحدة باقٍ له من طلاقها طلقة واحدة، فطلَّق إحداهما، طلق، عيَّن، قال: فلانة طالق، لكن نسي هل طلق التي ما طلقها من قبل، أو طلَّق التي لم يبقَ لها إلا طلقة؟ إن كان الطلاق واقعًا على التي لم يُطلقها من قبل فالأمر سهل، ماذا يصنع لو أرادها؟ يراجع، وانتهت القضية، وإن كان الطلاق واقعًا على من كانت هذه آخر طلاقها، فإنها تبين ولا تحل له، فهو الآن متردد، يقول: أنا مطلق واحدة منهما، ولكني نسيت؟ فنقول في هذه الحال: أقْرِع بينهما، فمن خرجت عليها القرعة فهي المطلقة وتحل لك الباقية، هذا هو المذهب.
ولكن جمهور أهل العلم يرون أنه لا تدخل القرعة في هذا
؛ لأنه الآن اشتبه عليه امرأتان إحداهما حلال والأخرى حرام، وإذا كان كذلك فالواجب الاجتناب؛ اجتناب الجميع حتى يتبين الأمر، فإن لم يتبين ماذا نعمل؟ يُطلِّق واحدة، ثم تطلق المرأتان جميعًا، واحدة بائن، والأخرى رجعية، وهذا الأخير هو الذي اختاره الموفق في المغني ونصره، وقال: إنه قول جمهور أهل العلم، وأنه لا يعلم قائلًا بما قاله المؤلف من الصحابة، وأن الذي ورد عن الصحابة وردت فيه القرعة في باب الميراث، وليس في باب الحل؛ بمعنى أن الإنسان لو طلَّق إحدى زوجاته طلاقًا بائنًا ونسيها، ثم مات، فإنه يُقرع بينهما من أجل الإرث، لا من أجل الحل، قال: والقرعة تدخل في المال، ولكن لا تدخل في الفروج.
ولكن لا شك أن ما قاله المؤلف أقرب إلى الصواب، من حيث إنه أيسر على المكلَّف؛ لأن كوننا نقول: اجتنب المرأتين مشكل، والطلاق إنما هو وقع على واحدة. ثم إذا اجتنب المرأتين، وقلنا: لا تحل لك المرأتان، واحدة؛ لأنها بائن، والثانية؛ لأنها مطلقة، فسيترتب على ذلك شيء آخر، وهو؟
طالب: تبين بينونة صغرى.
الشيخ: تبين وتحل للأزواج، وهو إلى الآن ما طلق. وإن ألزمناه بأن يطلق الثانية قد نضره، ونقول: طلِّق الثانية حتى تقطع الشك، وفي هذا ضرر عليه. فالصواب ما قاله المؤلف: أنه يُقرع بينهما، فمن خرجت عليها القرعة فهي الطالق، وتبقى المرأة الثانية زوجة له.
طالب: ولا مانع فيه (...).
الشيخ: (وإن تبين أن المطلقة غير التي قُرعت رُدَّت إليه، ما لم تتزوج أو تكن القرعة بحاكم).
(إن تبين أن المطلقة غير التي قُرعت)، يعني إن أقرعنا بين فاطمة وزينب، ووقعت القرعة على زينب، وقلنا: يلَّا مع السلامة، (تبين أن المطلقة غير التي قُرعت) أن المطلقة مَنْ؟ فاطمة، فإنها ترد إليه، من هي؟ الأولى زينب، ترد إليه؛ لأنه تبين أنها ليست هي المطلقة، والقرعة إنما هي لحل مشكل ما لنا منه مخرج، فإذا تبين لنا منه مخرج رجعنا إلى ما تبين، إلا في حالين: إذا تزوجت التي قرعت، أو كانت القرعة بحكم حاكم.
لماذا؟ لأنها إذا تزوجت فإن إقراره بأنها هي المطلقة يكون فيه إبطال لحق الزوج الجديد؛ يعني هو عقب ما تزوجت وأقرعنا وتزوجت المقروعة، قال: أنا الآن ذكرت أن المقروعة هي التي لم يقع عليها الطلاق، وأن التي عندي الآن هي التي أنا طلقت. وهذا يمكن ولا لا؟ يمكن. نقول: الآن ما نقبل منك هذا الشيء، لماذا يا جماعة؟ ماذا نجيبه؟ لأنك الآن تُريد أن تبطل حق الزوج الجديد، وإبطالك لحق الزوج الجديد ما يمكن نقبله.
وعُلم من التعليل أن الزوج الثاني لو صدَّقه، وقال: نعم، أنا أثق بهذا الرجل، وأن التي وقع عليها الطلاق هي التي عنده، وأن هذه لم يقع عليها الطلاق، فهل ينفسخ النكاح؟ الجواب: نعم؛ لأن الزوج الثاني بتصديقه للزوج الأول يستلزم إقراره ببطلان النكاح، ولَّا لا؟
المثال مرة ثانية: فاطمة وزينب طلَّق إحداهما ونسيها، وأقرعنا بينهما، فوقعت القُرعة على زينب وقلنا: امشي، أنتِ مُطَّلقة، فاطمة عند الزوج، ثم إن زينب تزوجت رجلًا آخر بعد انقضاء عدتها، وبعد ذلك تذكَّر زوجها أن المطلقة هي التي عنده، وهي فاطمة، وأن هذه لم تُطلق، وإن كانت القرعة وقعت عليها، فنقول له: كلامك مقبول ولَّا لا؟ كلامك غير مقبول الآن؛ لأن كلامك يستلزم بطلان حق الزوج الثاني، وأنت غير مقبول على غيرك.
أقول: عُلِم من هذا التعليل أن الزوج الثاني لو صدَّقه وقال: نعم، أنا أثق من هذا الرجل وأن المطلقة هي فاطمة لا زينب، فمقتضى هذا التعليل أن النكاح يبطل. لماذا؟ لأن إقراره بصدق الزوج يستلزم إبطال نكاحه. هذا معنى قوله: (ما لم تتزوج).
(أو تكن القُرعة بحاكم)، من الحاكم؟ القاضي، فإن كان الحاكم هو الذي تولَّى القرعة فإنه لو رجع وقال: والله أنا فطنت أن الزوجة المقروعة ليست المطلَّقة، قلنا له: لا نقبل قولك، لماذا؟ لأنهم يقولون: إن حُكم الحاكم يرفع الخلاف، ويُلزم بالقضية، وعلى هذا فلا يُقبل قوله؛ لأنه نفذ الحكم، ولهذا لو رجع الشهود بعد حكم الحاكِم لم ينقضِ الحكم، لو شهد رجلان لشخص بأن هذا المال المدَّعى به له، فحكم به القاضي، ثم بعد الحكم رجعا وقالا: والله إنما كذبنا في شهادتنا، أو غلطنا، أو توهمنا؛ فإن الحاكم لا ينقض الحكم، ولكن يلزمهما الضمان لمن شهدوا عليه.
طالب: طيب في حالة ما إذا لم يقبل حكمًا وقال: إني تبينت أن الزوجة التي عنده هي التي وقع عليها الطلاق، والأخرى لم يقع عليها، ورفض، ما نوقع الطلاق على التي عنده؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني إذا قال: تبينت..
الشيخ: لا، ما نوقعه.
الطالب: كيف؟ هو تبين له من وقع عليها.
الشيخ: إي نعم، لكن تبين أنها لم تطلق إلا في مسألة حكم الحاكم فقط، حكم الحاكم يرفع الخلاف مثل ما قلنا، ويقال: أنت الآن لما حكم عليك الحاكم تكون اللي عندك مطلقة، وهذه غير مطلقة، أما في المسألة الأولى فما دمنا علَّلنا بإبطال حق الزوج، فحق الزوج إذا رجعت هذه الزوجة لك ما يبطل.
الطالب: يعني إن فصل الحاكم فإن كانت الزوجة التي عنده لم يبقَ لها إلا طلقة تبين منه على هذا الحكم؟
الشيخ: نعم، إذا فصل الحاكم.
الطالب: هو إذن فقد هذه وتلك.
الشيخ: إي نعم، إذا كان بحاكم نعم.
طالب: ولكن لو غيره، يعني جاء عند الحاكم وقال: أنا سمعته، وقال: ما هو بس كلامه، غيره، قال عنده شهود (...).
الشيخ: إي نعم، لا بأس، إذا ثبت ببينة أن الحكم خلاف ذلك فهو ينقض، حتى في الزواج، لو جاءنا ناس وقالوا: نحن نشهد أن الرجل طلق فلانة، هو نسي لما جاء يفرق بينهما نسي، لكن جاءنا جماعة يشهدون، قالوا: نشهد أنا سامعيه أنه قد طلق فلانة التي لم تقع عليها القرعة، فحينئذٍ يُلغى كل شيء؛ لأن القرعة ما هي بحكم، القرعة تمييز بس لحل المشكل.
طالب: وكذا الشهود الذين (...) لو شهد غير هم عليهم، مثل القضية التي في المثل الأول، أنه لو شهدوا على إنسان بغير حق، وبعدين رجعا للحاكم وقالوا: ما نقبل منه، لكن من غيره نقبل (...) مثلًا الشهود جاؤوا، وشهدوا أن هذا له حق على هذا.
الشيخ: غير مسألة الزوجية؟
الطالب: إي، اللي ضربته مثلًا لهذا (...).
الشيخ: شهدوا مثلًا بأن هذا المسجِّل لرشيد، ثم بعد ما حكم به القاضي له رجعوا وقالوا: والله إحنا غلطنا أو كذبنا والمسجل لعيسى.
الطالب: إي، قلنا: هذا ما يقبل منهما، من الشهود ما يقبل منهما.
الشيخ: إي، لكن يلزمهما الضمان لك.
الطالب: يلزمهما الضمان، لكن شهدوا لعيسى.
الشيخ: يبقى هذا المسجل لرشيد ويعطونه قيمته.
الطالب: لكن جاء شاهدان غيرهما (...).
الشيخ: ويش قالوا؟
الطالب: قالوا: هذا المسجل (...).
الشيخ: إي، ما تُقبل شهادتهم. هذا إذا تعارض، هذه ستأتينا إن شاء الله فيما إذا تعارضت البينتان، يعني مثلًا أنت جبت شهود يشهدون أنه لك، ورشيد المدعي جاب شهودًا يشهود أنه له، المذهب يكون لرشيد، وأنت بينك روح.
وفيه قول ثان: أن البينتين تتعارضان، ويُقضى لمن هو بيده، لك أنت، يكون لك أنت بيمينك، تحلف أنه لك؛ لأنه لما أتى ببينة وأنت أتتيت ببينة تقابلت البينتان وصار كأنه لم يكن بينة.
طالب: يبقى على أصله؟
الشيخ: إي، وهذا هو الصحيح، أما المذهب فإنه يُقضى للمدعي ببينته وتُلغى بينة المدعى عليه.
طالب: لو حكم الحاكم، ووجدنا بينة بعد حُكم الحاكم بالقرعة؟
الشيخ: قضية عيسى ولا بقضية الزوجتين؟
الطالب: قضية الزوجتين.
الشيخ: نعم.
الطالب: أقرع بينهما قرعته وجاءنا (...).
الشيخ: وجاءنا بينة، يُنقض حكم الحاكم. (...)

***

باب الرجعة
00:31:53

(ولو كرهت) لو كرهت الرجعة فإنها تثبت؛ لعموم قوله تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [البقرة: ٢٢٨]، ولم يشترط الله تعالى رضا الزوجة.
فإن قال قائل: ألستم تشترطون في عقد النكاح رضا الزوجة؟ فالجواب؟
طالب: نعم.
الشيخ: الجواب: بلى، ما هو نعم، ولكن ذلك ابتداء عقد، وأما هذا فهو إعادة مُطلَّقة، فهو استدامة نكاح، وليس ابتداء عقد. والاستدامة أقوى من الابتداء، وهذه قاعدة فقهية ينبغي لطالب العلم أن يفهمها: أن الاستدامة أقوى من الابتداء؛ ولهذا إذا تطيَّب الإنسان قبل إحرامه، ثم بقي الطيب عليه بعد الإحرام يجوز، طيب ولو تطيب بعد الإحرام لا يجوز؛ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء.
كذلك لو الإنسان أراد أن يعقد وهو مُحرم على امرأة؛ حرم، ولو راجع امرأته المطلَّقة وهو محرم يجوز؛ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء.
فنقول إذن: قول المؤلف: (ولو كرهت) مع أنه اشترط الرضا في عقد النكاح؛ لأن هذا استدامة، وهو أقوى من الابتداء، ولهذا ما يُشترط فيه ولي، ولا يُشترط فيه شهود.
أما صيغة المراجعة فقال: (بلفظ: راجعت امرأتي).
أفادنا المؤلف رحمه الله بقوله: (بلفظ) أن الرجعة لا تحصل بالنية، فلو نوى أنه مراجع زوجته بدون لفظ فإنه لا يكون رجوعًا، بل لا بد من أن يلفظ فيقول: (راجعت امرأتي ونحوه).
عندي أنا (ونحوه) بالفتح، (بلفظ: راجعت امرأتي ونحوِه) يعني ونحو هذا اللفظ، ولا وجه للنصب.
طيب، ويش في معنى (نحوه)؟ مثل أن يقول: رددتها، أمسكتها، ابتغيتها، وما أشبه ذلك مما يدل على المراجعة.
شوف الآن المراجعة تصح بكل لفظ دل عليها، والنكاح ما يصح على المذهب إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج، أو قول الرجل لمملوكته: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك، لكن هنا يقولون: تصح الرجعة بكل لفظ يدل عليها. والصواب في هذا وفي غيره: أن العقود تنعقد بكل لفظ دل عليها حتى النكاح، فلو قال الرجل: ملكتك بنتي، فقال: قبلت، صح العقد.
(لا نكحتها ونحوه) يعني لا بلفظ (نكحتها ونحوه)، لماذا؟ يقولون: لأن النكاح صريح في العقد، فإذا قال: نكحتها، نقول: ما انفرطت منك حتى تنكحها، هي الآن في عصمتك؛ لأن الله سمَّاك بعلًا لها: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ [البقرة: ٢٢٨]، فإذا قلت للمرأة الرجعية: أشهدكم أني نكحت زوجتي، ما تكون رجعة، كذلك لو قلت: أشهدكم أني تزوجت زوجتي فلانة التي أنا طلقتها، يصح ولَّا لا؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: ما يصح؛ لأن هذا ابتداء عقد جديد، وهي إلى الآن في عصمتك، والعقد الجديد لا يكون إلا في امرأة أجنبية.
وقال بعض أهل العلم: يصح بلفظ: نكحتها ونحوه، إذا عُلم المراد، وأن مراده المراجعة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ، وهذا القول قوي جدًّا؛ لأن العبرة في الألفاظ بمعانيها.
ثم قال المؤلف: (ويُسنُّ الإشهاد على الرجعة).
ويسن الإشهاد على الرجعة؛ يعني إذا أراد الإنسان أن يراجع زوجته المطلقة فإنه يُسن أن يُشهِد على ذلك، وظاهر كلام المؤلف مطلقًا، سواء واجهها بالمراجعة، أم لم يواجهها، فإنه يُشهِد؛ لقوله تعالى: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: ٢].
وقيل: إن الإشهاد واجب؛ لأن الله أمر به في قوله تعالى: وَأَشْهِدُوا، فيجب أن يُشهِد.
ويحتمل أن يُقال: في هذا تفصيل، إن راجعها بحضرتها فلا حاجة للإشهاد، وإن راجعها في غيبتها وجب الإشهاد؛ لأنه إذا راجعها في غيبتها ولم يُشهد ربما تُنكِر وتقول: أبدًا ما راجعتني، يعني يُعلِّمها يخبرها بالمراجعة بعد انتهاء العدة، ثم تقول: إنك لم تُراجع. وحينئذٍ يقع الإشكال؛ لأنه ليست المسألة إذا قالت: إنك لم تراجع أنها تحرمه من المراجعة، المشكلة أنها تحل لغيره، وهي ما زالت في عصمته، فالصواب أن نقول: إنه إذا راجع بدون أن نواجهها بالمراجعة فإن الإشهاد واجب، والعلة في ذلك: لأنه قد لا يُخبرها إلا بعد انتهاء العدة وتُنكر المراجعة، فيحصل في هذا إشكال فيكون في ذلك تفصيل.
طالب: ظاهر الأمر الوجوب؟
الشيخ: ظاهر الأمر الوجوب، لكنه إذا حصل المقصود من الإشهاد حتى لا يحصل الخلاف. طيب، تحصل المراجعة أيضًا بوطئها، يعني المراجعة لها صيغتان:
الصيغة الأولى قوية بأن يقول: راجعت، الصيغة الثانية فِعلية: بأن يجامعها، فإذا جامعها حصلت الرجعة، وظاهر كلام المؤلف أن الرجعة تحصل بالمجامعة سواء نوى بها الرجعة أو لم ينوِ، يعني مثلًا رجل مطلق امرأته طلاقًا رجعيًّا، فدخل عليها يومًا من الأيام فجامعها، يقول الفقهاء رحمهم الله: إنه إذا جامعها عادت إلى عصمته، ولو لم ينوِ المراجعة، وتعليلهم يقولون: لأنه استباح منها ما لا يُباح إلا للزوج، فإذا استباح منها ما لا يباح إلا لزوج فمعنى ذلك أنه راجعها (...)
واجب لقوله تعالى: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: ٢].
ثم قال: (وهي زوجة)، (وهي) أي: الرجعية. (زوجة) يعني في حكم الزوجات، الدليل قوله تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ [البقرة: ٢٢٨]، وَبُعُولَتُهُنَّفسماه الله تعالى بعلًا، والبعْل الزوج كما قال الله تعالى عن امرأة إبراهيم: أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا [هود: ٧٢]. فقوله: وَبُعُولَتُهُنَّأي: أزواجهن، فسمَّاه الله تعالى بعْلًا مع أنه مُطلِّق؛ إذن فهي زوجة.
قد يقول قائل: سمَّاه الله تعالى بعلًا باعتبار ما كان، كقوله تعالى: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ [النساء: ٢]، واليتيم لا يُعطى مالَه إلا إذا بلغ، وإذا بلغ زال اليُتم، فسماه الله تعالى باعتبار ما كان.
نقول: هذا خلاف الظاهر وخلاف الأصل، وما كان خلاف الظاهر فإنه لا يُصار إليه إلا بدليل، ويدل لذلك أيضًا -أنه بعل، أي زوج حقيقي- قوله تعالى: لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يُخْرَجْنَ [الطلاق: ١]، فأمر بإبقاء المطلقة عند الزوج، ونسب بيت زوجها إليها، ولو كانت تبين منه وتنفصل وينفصل منها، ما كان بيت زوجها بيتًا لها، إذن هي زوجة.
يجوز أن تكشف له؟ يجوز نعم. يجوز أن ينفرد بها؟ يجوز.
يجوز أن تتطيب له، وأن تمازحه وتضحك إليه، ويجوز أن يسافر بها؟ نعم، كل ما يجوز للزوجة مع الزوج يجوز لها مع زوجها إلا في مسائل قليلة منها، قال المؤلف: (لكن لا قسْم لها) ما لها قسم، يعني لو كان له زوجات أُخر فليس لهذه المطلقة الرجعية ليس لها حق القسم، ما تطالبه بليلة ويوم كزوجاته الأخر؛ لأنها انفصلت منه.
ولهذا قال المؤلف: (لكن لا قسم لها) طيب، هل عليها أيضًا ما على الزوجات من طاعة زوجها فيما يقتضيه العرف؟ نعم، لو قال لها مثلًا: اكنسي البيت، تلزمها طاعته مثل زوجاته الأُخر. لو قال: غسلي ثوبي يلزمها؟ نعم، يلزمها كالزوجات الأخر، ولهذا قال: (لها وعليها حكم الزوجات)، كل الأحكام اللي على الزوجات أو للزوجات فهو ثابت لهذه المطلَّقة الرجعية، إلا أنها ليس لها قسم؛ لأنه طلقها.
أيضًا تُفارق غيرها في مسائل أخرى، منها: أنه يلزمها لزوم المسْكَن، يجب عليها لزوم المسكن كالمتوفَّى عنها، ما تخرج إلا للضرورة في الليل أو الحاجة في النهار، يعني أنها في لزوم المسكن كالمتوفَّى عنها، الزوجات الأُخَر، هل يجب عليهن لزوم المسكن؟ لا، تخرج المرأة لأهلها، لزيارة قريبها، لزيارة صديقتها، وما أشبه ذلك، لكن الرجعية ما تخرج، تبقى في بيت زوجها كما تبقى المتوفَّى عنها.
إذن فهي في لزوم المسكن أشد من الزوجات المعتدات، مع العلم بأنه عندنا الآن في عرفنا من يوم تطلق تروح لأهلها، هذا حرام ما يجوز. الدليل قوله تعالى: لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يُخْرَجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [الطلاق: ١]، وعلى هذا فتفارق الزوجات أيضًا في لزوم المسكن، ما تخرج لا ليلًا ولا نهارًا من بيتها حتى تنتهي العدة.
طالب: حتى بإذنه يا شيخ؟
الشيخ: ولو بإذنه، ما تخرُج حتى تنتهي العدة، إلا إذا كان هناك حاجة في النهار، أو ضرورة في الليل، هذا هو المذهب.
والقول الثاني: أنه لا يلزمها لزوم المسكن، بل هي كالزوجات الأُخر؛ لأن الله تعالى سماه بعلًا أي زوجًا، فهي إذن زوجة، والزوجة كغيرها، ما دامت زوجة الآن فهي كغيرها من الزوجات، تخرج من البيت ليلًا ونهارًا، ولا تلزمه السكنى.
فأما ما استدلوا به من قوله تعالى: وَلَا يُخْرَجْنَ، فالمراد: لا يخرجن خروج مفارقة، ليس المراد خروجًا لأي سبب، وهذا القول هو الصحيح
، لكن نحن نريد أن نُبيِّن المذهب: أنها تفارق الزوجات في غير ما ذكروا هنا (...).
المسألة الثالثة مما تُفارق به الزوجات أنه سيأتينا -إن شاء الله تعالى- في الحضانة أن المرأة إذا تزوجت سقطت حضانتها لأولادها، تسقط حضانتها لأولادها.
يعني مثلًا إنسان مطلق زوجته وله منها أولاد، من أحق الناس بحضانتهم؟ الأم حتى يبلغوا سبع سنين. لكن إذا تزوجت سقطت حضانتها ورجعوا إلى أبيهم إلا أنها إذا طُلِّقت ولو طلاقًا رجعيًّا فإن الأولاد يعودون إليها، وبهذا فارقت الزوجات، هي الآن زوجة باعتبار زوجها الذي طلقها الأخير، لكنها تأخذ أولادها من زوجها الأول، مع أنها تُعتبر في حُكم الزوجة بالنسبة للزوج الثاني. إذن صارت تفارق الزوجات ولَّا لا؟ تفارق الزوجات، هذه ثلاث مسائل.
المسألة الرابعة مما تُفارق به الزوجات: أنه لو أن أحدًا من الناس وقَّف وقْفًا، وقال: وقْف على أولادي، ومن تزوَّجت من النساء فلا حق لها، فتزوجت إحدى البنات، يسقط حقها من الوقف، فإذا طُلِّقت ولو رجعيًّا فإنه يعود حقها في الوقف، ففارقت الزوجات وهي رجعية.
هذه الفروق كلها على المذهب، مع أن كلام المؤلف هنا يقتضي أنها لا تُفارق الزوجات إلا في القسْم، وإنما قلت: إنه يقتضيه؛ لأن المعروف عند أهل العلم أن الاستثناء معيار العموم؛ يعني أنك إذا استثنيت شيئًا دل ذلك على أن الحكم عام فيما عدا المستثنى، فلما قال: (لكن لا قسم لها) نقول: بقية الأحكام توافق الزوجات، مع أنها تخالف الزوجات في الأحكام الثلاثة الزائدة على ما قال المؤلف. وهذه قد لا تجدها في مكان واحد من كلام الفقهاء، لكننا أخذناها بالتتبع من كلامهم.
طالب: قوله تعالى: فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ [البقرة: ٢٣٢]، يعني ما يعارض الآية (...) أزواج، كيف؟
الشيخ: إي، الأزواج (...) الأولين، سماهم أزواجًا؛ لأنهم أزواج في الأول.
الطالب: طيب، والبعولة: وَبُعُولَتُهُنَّ؟
الشيخ: هذا وجه الدليل؛ لأن قوله: فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَفإنهم (...) الآن، فتبين أن المراد بالأزواج باعتبار المذهب (...) بمثل هذا.
الطالب: إذا استدللنا بأن الله قال: وَبُعُولَتُهُنَّ، استدللنا بـوَبُعُولَتُهُنَّأنهم يعتبرون الأزواج، وهذه أزواج؟
الشيخ: إي نعم، صح، ما في الآية ما يدل على خلاف ذلك، لكن هذه الآية التي قلت الآن فيها ما يدل على خلاف ذلك، وهو قوله: أَنْ يَنْكِحْنَ [البقرة: ٢٣٢]، فدل هذا على أنها قد بانت من زوجها، وأن الآن سيكون نكاح جديد.

طالب: إذا قلنا (...)؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني مثلًا إذا طلقها طلاقًا رجعيًّا وعليه الآن حضانة أولاده، فكيف شرعًا الأولاد (...)؟
الشيخ: لا، طلَّقها وبانت منه، هي إذا كانت رجعية إلى الآن فالأولاد بينهم جميعًا، هي في بيت الزوج.
الطالب: هم ليسوا أولادًا لها من هذا الزوج الآخر، (...)، فكيف يعني إذا لم يأذن (...)؟
الشيخ: في هذه الحال إذا منع الزوج يُنظر هذا الأمر، هل منعه هنا يسقط حقها أو ما يسقطه، إنما حقها راجع فيما لو فرضنا أن الزوج توفي في أثناء العدة مثلًا.
طالب: وما فيه قول ثان يا شيخ؟
الشيخ: ويش هو؟
الطالب: في الحضانة، أنه ما (...).
الشيخ: بيجينا إن شاء الله تعالى الكلام عليه في باب الحضانة.

طالب: إذا كان العرف أن المرأة تخرج رجعية، فهل يخبرها بالطلاق أو (...) بالطلاق ولا يخبرها، وإذا أخبرها تقول..
الشيخ: لا، الواجب أن يُخبرها ويُشهِد، وهي إذا تعدَّت الحدود وعصت له يمنعها، يعني لو قالت: (...) له أن يمنعها ويلزمها بالبقاء.
طالب: يقول هذا يا شيخ.
طالب آخر: يمكن يكون هذا أشد عليها، بقاؤها مع نسائه الباقيات أشد عليها كما (...).
الشيخ: على كل حال يُبلِّغها بالطلاق، ويُلزمها بالبقاء؛ لأن الحق له.
طالب: نقول: الرجعة عرفها عندنا الآن لو يطلقها يقعد عنها (...).
الشيخ: على كل حال، العُرف هذا خلاف الشرع، ما نحكم بالعرف على الشرع؛ نحكم بالشرع على العرف، ونلزمها أن تبقى، وإذا جاء أهلها وطالبوا الزوج إذا شاء أن يطالب يطالب ويطردهم.

 

***

يقول المؤلف: (وتحصل الرجعة أيضًا بوطئها).
إذن، كل ما سبق أن الرجعة تحصل باللفظ، بالصيغة، وهذا حصول بالفعل، تحصل الرجعة أيضًا بوطئها؛ لأن وطأها دليل على إرجاعه لها، فإذا جامعها حصلت الرجعة.
وظاهر كلام المؤلف أن الرجعة تحصل بجماعها، سواء نوى بذلك الرجعة أم لم ينوِ؛ لأنه ما اشترط، ما قال: تحصل الرجعة بوطئها إذا نوى، فدل ذلك على أن الرجعة تحصل بوطئها سواء نوى به الرجعة أم لم ينوِ به الرجعة.
وهذا هو المشهور من المذهب، قالوا: لأن هذا الفعل فِعل لا يُباح إلا مع زوجة، فكأنه لما استباحه راجعها، فيكون أقوى من اللفظ.
والقول الثاني: أنها لا تحصل الرجعة بالوطء إلا بنية المراجعة؛ لأن مجرد الوطء قد يستبيحه الإنسان في امرأة أجنبية مثل الزنا، فهذا الرجل ربما يكون قد ثارت عليه شهوته، أو أنه رآها متجمِّلة، وعجز أن يملك نفسه فجامَعها، وهو ما نوى الرجعة، ولا أرادها، ولا عنده نية أن يرجع إليها، فعلى هذا القول الثاني أن الوطْء لا تحصل به الرجعة إلا بنية الرجعة، وهذا هو الصحيح، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأن الوطء قد يكون عن رغبة في إرجاعها فيكون نية إرجاع، وقد يكون لمجرد قضاء الوطر والشهوة؛ فلا يدل على الإرجاع.
وقيل: إنه لا تحصل الرجعة بالوطء ولو بنية الرجوع، بل لا بد من اللفظ، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن عموم قوله تعالى: فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق: ٢] عام، فكل ما يدل على الإمساك فإنه يحصل به الإمساك.
قد يقول قائل: إن الله قال: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: ٢] والإشهاد ما يمكن على الجِماع؟
فيقال: بل يمكن أن يقول لاثنين: إنه جامعها بنية المراجعة، فيكون ذلك إشهادًا على الإمساك، فالصواب أن الرجعة لا تحصل بمجرد الوطء إلا إذا كان من نيته أنه ردها، وأنه استباحها على أنها زوجة، فإذا كان كذلك فهذه مراجعة، لكن على هذا القول: لو أنه راجعها بغير نية الرجوع، وأتت بولد من هذا الجماع، فهل يكون ولدًا له؟
الجواب: نعم، يكون ولدًا له؛ لأن هذا الوطء وطء شبهة؛ لأنها زوجته إلى الآن، ما بعد خرجت من عدتها، ولا يُحدُّ عليه حد الزنا، وإنما يُعزَّر عليه تعزيرًا؛ هذا إذا قلنا بأن الرجعة لا تحصل بالوطء المجرد.
قال: (ولا تصح مُعلَّقة بشرط).
(لا تصح) الضمير يعود أيش؟ على الرجعة، الكلام الآن في الرجعة.
(لا تصح معلقة بشرط)، مثل أن يقول: إذا جاء الشهر الفلاني فقد راجعتك، أو يقول: إذا حِضتِ الحيضة الثانية فقد راجعتُكِ، هذا لا يصح، لماذا؟ يقولون: لأن هذا لا يدل على الرغبة الأكيدة برجوعه، ولأنه رجوع يشترط تنجيزه، فلا يصح مُعلَّقًا.
ولكن هذا التعليل -كما ترون- عليل، فكوننا نقول في التعليل: إنه إرجاع يُشترط تنجيزه، هذا تعليل للحكم بالحكم فلا يُقبل، هذا مثل لو قلت: يحرم كذا وكذا؛ لأنه يحرم، هل تكون هذه علة؟!
طلبة: لا.
الشيخ: لو قلت: يجب على الإنسان أن يصلي مع الجماعة، الدليل: لأنه يجب أن يصلي مع الجماعة! هذا دليل؟! لا. فإذا قلنا: إن الرجعة إرجاع يشترط فيه التنجيز فلا يصح مُعلَّقًا بشرط، قلنا: هذا تعليل بالحكم فلا يقبل.
أما قوله: إنه لا يدل على الرغبة، فهذا أيضًا فيه نظر، قد يعلقها الإنسان على شرط؛ لأنه يريد أن يتمهَّل، مثل أن يقول لها -وهو غرض صحيح- إن لم ترجع زوجتي عليَّ، ومتى طلق زوجته الأخيرة؛ لأن زوجته أم عياله زعلت، لما تزوج تعرفون الغيرة في النساء: هذا رجل تزوج يومًا امرأة بكرًا شابة، طقت أم عياله وزعلت وهجَّت، الرجل الآن مشكل (...) علشان هذا الزواج، فطلق هذه المرأة، فقال لها: إن لم ترجع أم عيالي في خلال الحيضتين الأوليين، أو قبل أن تحيضي الحيضة الثالثة إن لم ترجع فأنا مراجع إياك.
ويش تقولون؟ هذا غرض ولَّا غير غرض؟ غرض صحيح مقصود، فإذا كان هناك غرض صحيح مقصود فإن الأصل في غير العبادات الحِل، حتى يقوم دليل على المنع، ولهذا فيه قول لبعض أهل العلم؛ أنها تصح الرجعة معلقة بشرط، وهذا القول أصح؛ لأن الأصل في العادات في كل شيء الحِل، ولهذا قال الناظم:
وَالْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ حِلٌّ وَامْنَعِ عِبَـــــــادَةً إِلَّا بِــــــإِذْنِ الشَّـــــارِعِ

فهذا نقول: الأصل فيه الحل إلا إذا دل الدليل على المنع.
طيب، فيه مسألة: لو قال: كلما راجعتُكِ فقد طلقتكِ، فراجعها، يقع الطلاق ولَّا لا؟
طالب: لا، ما يقع.
الشيخ: قال: كلما راجعتُك فقد طلقتُك.
طالب: خلاص، ما فيه مراجعة؛ لأنه ما يجوز.
الشيخ: المهم هل على المذهب، ما هو قصد الإصلاح كما سبق، على المذهب يصح، كلما راجعتكِ فقد طلقتكِ يصح؛ لأن هذا تعليق للطلاق، وتعليق الطلاق يجوز ولَّا لا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: يجوز كما سبق، لكن قال: إذا طلقتكِ فقد راجعتُك، فهذا ما يصح؛ لأن الرجعة لا يصح تعليقها.

***


قال المؤلف: (فإذا طهرت من الحيضة الثالثة، ولم تغتسل، فله رجعتها).
هذه المسألة يجب أن ننتبه لها: امرأة طُلِّقت وهي تحيض، كم عدتها؟
طالب: ثلاث حيضات.
الشيخ: ثلاث حيضات..