الشيخ: (.. لِجَبٍّ كَامِلٍ أَوْ شَلَلٍ).
لا يصح الإيلاء عن العاجز عن الوطء، لكن عجزًا لا يُرْجَى زواله؛ إما لفقد الآلة، وهو معنى قوله: (لِجَبّ كامل)، ويش معنى الْجَب؟ يعني قطع الذَّكَر، مقطوع ذَكَره، هذا حلف أو ما حلف لا هو بواطئ، وكيف يتصور منه الوطء؟!
وكذلك لو كان فيه (شَلَل)، شلل في العضو فإنه لا يصح منه الإيلاء؛ وذلك لأنه لا يُرْجَى زوال عجزه أو علَّته بعجزه عن الوطء.
فالامتناع إذن هل هو عن اليمين، ولّا امتناع عن الوطء للآفة؟
طالب: للآفة.
الشيخ: للآفة؛ لأنه حتى لو قال لزوجته وهو أَجَبُّ –يعني مجبوب– قال: والله لا أجامعكِ، ويش تبغي تقول له؟ تقول: ما أنت مجامِع حلفت ولّا ما حلفت؛ لأنه ما فيه شيء، وكذلك الأشَلّ.
(فإذا قال) لزوجته: (والله لا وَطِئْتُك أبدًا).
(والله لا وطئتك) عندنا جملة قَسَمية: الواو والثاني، وين جواب القسم؟ (لا وطئتكِ)، وجواب القسم كما ترون فعل ماضٍ، فقد تقولون: كيف يقول: (والله لا وطئتك)؟ نقول: إن الفعل الماضي إذا وقع جوابًا للقسم مقرونًا بـ (لا) صار بمعنى المستقبل، فقوله: (والله لا وطئتك) كقوله: والله لا أطؤك، عرفتم؟ يقولون: الفعل الماضي إذا وقع جوابًا للقسم منفيًّا بـ (لا) صار بمعنى المستقبل، بخلاف ما لو وقع مقرونًا بـ (ما) مثل: والله ما وطئتك، فهذا يكون للماضي.
(والله لا وطئتك أبدًا، أو عَيَّن مدة تزيد على أربعة أشهر)، مثل أن يقول: والله لا وطئتك لمدة مئة وواحد وعشرين يومًا، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: المدة هذه تزيد على أربعة أشهر؟ نعم، تزيد يومًا واحدًا.
أو قال: (والله لا وطئتك حتى ينزل عيسى)، ينزل عيسى بن مريم من السماء.
المدة هذه تزيد على أربعة أشهر؟ الله أعلم، لكن هذا هو الغالب، مثلما يقول الناس: والله ما أحاكي فلانًا حتى تقوم الساعة، هذا يعتبر كالتأبيد، (حتى ينزل عيسى).
وسبق لنا بالنسبة إلى نزول عيسى أنه ينزل نزولًا حقيقيًّا إلى الأرض، وهو حي الآن؛ لأن الله تعالى يقول: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء: ١٥٨]، وأما قوله: يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ [آل عمران: ٥٥] فالمعنى: مُنِيمُك؛ وفاة النوم، كما قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ [الأنعام: ٦٠]، وقيل: معناها مُتَوَفِّيكَأي: قابضك، كما يقول القائل: توفيت دَيْنِي، أي: قبضتُه، وليست وفاة النوم، هذا هو الصحيح؛ لأن عيسى بن مريم ينزل في آخر الزمان كما جاءت به الأحاديث، وصحت به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أحد يُبْعَث على وجه البقاء حتى يموت قبل يوم القيامة، وأما من يُحْيَى آيةً من آيات الله فهذا يمكن يكون قبل يوم القيامة. (...)
(حتى يخرج الدجَّال)، (الدجَّال) صيغة مبالغة من الدجل؛ وهو الكذب والتمويه، وهذا الدجال يكون في آخر الزمان، يخرج قبل نزول عيسى عليه الصلاة والسلام، ويدعي أول ما يخرج النبوةَ، ثم يدعي الربوبية، ثم يعطيه الله عزَّ وجلَّ تمكينًا يَفتتن به من شاء اللهُ، فإنه يأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض فتنبت، فإذا تبعه أهل البادية فإنها ترجع عليهم إبلُهم أسبغ ما تكون دَرًّا، وأوفر ما تكون أسنِمة، وإذا عصوه أو كذَّبُوه أصبحوا مُمْحِلِينَ، وتبعه نَعَمُهم كأنها النحل ، هذا الدجال -والعياذ بالله- فتنته عظيمة، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام مَن سمعه أن ينأى عنه، وقال: «إِنَّ الرَّجُلَ يَأْتِيهِ فَيَحْسَبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، ثُمَّ لَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يَفْتِنَهُ، فَمَنْ سَمِعَ بِهِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ» ؛ لأن فتنته عظيمة جدًّا، لكن أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن معه جنة ونارًا، ولكن الجنة نار، جنته نار وناره ماء طيِّب عذب جَنّة، ولكنه يُمَوِّه على الناس، ولهذا سُمِّي الدجال، ويمكث في الأرض أربعين يومًا، اليوم الأول كسنة، اثني عشر شهرًا، والثاني كشهر، والثالث كأسبوع، والرابع كسائر أيامنا، ولما حدَّث النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث، قالوا: يا رسول الله، اليوم الواحد يكفينا فيه صلاة واحدة؟ قال: «لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ» ، فبيَّن الرسول أنَّا نصلي في هذا اليوم صلاة كم؟ صلاة سنة كاملة، وفي هذا إبطال لقول أهل الفلك بأن الأفلاك ما تتغير لا بانشقاق ولا بتأخُّر ولا بتقدُّم، وهذا بناء منهم على أنها أزلية، والأزلي أبدي ما يتغير، ولكنهم كذَبوا؛ فإن الأفلاك مخلوقة لله عزّ وجل، يتصرف فيها الخالق كما يشاء سبحانه وتعالى.
إذا قال: حتى يخرج الدجال، المدة تزيد على أربعة أشهر؟
طلبة: غالبًا.
الشيخ: غالبًا، نعم.
(أَوْ قال: لا وطئتك حَتَّى تَشْرَبِي الخَمْرَ).
هذا الكلام ما معناه أنه حلال، لكن لو فُرِض أن الزوج قاله، وإلا فحرام عليه أن يقول مثل هذا القول؛ لأن هذا قد يَحدُوها إلى شرب الخمر إذا اشتاقت إلى زوجها، ما دام قال: والله ما أطؤك حتى تشربي الخمر، وهذا قد يقع من بعض السفهاء، يكون هو -والعياذ بالله- مفتونًا بشرب الخمر، فيقول لزوجته: والله ما أطؤك حتى تشربي الخمر، نقول: هذا مُؤْلٍ، يؤمَر بالجماع -كما سيأتي إن شاء الله- وإلا يُفْسَخ النكاح منه.
وظاهر كلام المؤلف: مطلقًا، ولكن ينبغي أن يُحْمَل على ما إذا لم تكن نصرانية أو يهودية؛ لأنهم يعتقدون حِلَّ شرب الخمر، فهي تشربه، إذا قال: والله لا أطؤك حتى تشربي الخمر، تمتنع ولّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: (...) ثلاثة أكياس، ولا يهمها.
يقول: (أو تُسْقِطِي دَيْنَكِ)، هذا الزوج يتسلَّف من زوجته، زوجته مدرِّسة، كلما جاءت براتب قال: سَلِّفِيني إياه، اجتمع عنده يمكن ثلاثون ألفًا، أو أربعون ألفًا، فقال: والله ما أطؤك حتى تُسْقِطي دَيْنَك الذي عليّ، ويش يكون هذا؟ هذا إيلاء؛ لأنه ما له حق يُجْبِرها على أن تُسْقِط دَيْنها، وسواء كان هذا الدَّيْن له أو لغيره، حتى لو كان الدَّيْن لصاحبٍ له، وقال: والله لا أطؤك حتى تُسْقِطي الدَّيْن الذي على فلان لك، قلنا: هذا حرام، ولا يجوز وأنت مُؤْلٍ.
(أو تَهَبِي مالَكِ)، بينهما فرق؛ إسقاط الدَّيْن وهبة المال؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، بينهما فرق؛ (تهبي مالك) قال: والله ما أطؤك حتى تعطيني حُلَّتك، هذا هبة مال ولّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، أو تعطيني مثلًا حُلِيَّكِ، أو ما أشبه ذلك، فإنه يعتبر إيلاءً؛ لأنه يحرُم عليه أن يجبرها على هبة المال.
وقوله: (ونحوه)، يعني نحو ما ذُكِرَ مما يضرها، أو يحرُم عليها شرعًا، أو يمتنع عليها حِسًّا، فإذا عَلَّق وطأها بما يمتنع حِسًّا أو شرعًا، أو يشق عليها ويضرها فإنه يكون مُولِيًا بذلك، لو قال: لا أطؤك حتى تطيري من عُنَيْزَة إلى مكة، ماذا تقولون؟ هذا مستحيل، ولا تقولون: يمكن تطير بالطيارة؛ لأن الطيارة ما هي اللي طارت، لكنه طِيرَ بها، وهو يقول: حتى تطيري أنتِ.
يقول: (فهو مُولٍ)، عندي أنا: (فَمُولٍ)، ما فيها واو، وهو خبر لمبتدأ محذوف، مرفوع بضمة مقدرة على أيش؟
طلبة: على الياء المحذوفة.
الشيخ: على الياء المحذوفة، لماذا؟ لالتقاء الساكنين.
(فهو مُولٍ)، بَيَّن الآن المؤلف الْمُولِي، فما حكمه؟
قال: (فإذا مضى أربعة أشهر من يمينه ولو قِنًّا، فإن وَطِئ ولو بتغييب حشفة فقد فاء).
طالب: (في الفرج).
الشيخ: ما عندي: (في الفرج).
طلبة: في الشرح.
الشيخ: يمكن الشرح ما فيه.
طالب: (...).
الشيخ: (فإذا مضَى من يمينِه ولو قِنًّا، فإن وَطِئَ ولو بتغييبِ حَشَفةٍ فقد فاءَ، وإلا أُمِرَ بالطلاقِ).
طالب: (أمره).
الشيخ: (أمره الحاكم) هذه بالشرح.
الطالب: لا، فيها هاء عندنا.
الشيخ: لا، الهاء من الشرح.
يقول المؤلف: (إذا مضَت)، يُضرَب له أربعة أشهر ابتداءً من المطالبة، أو ابتداء من الإيلاء؟ كلام المؤلف صريح بأن الابتداء من الإيلاء لا من المطالبة، ما هو الدليل؟ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ [البقرة: ٢٢٦]، تَرَبُّصُمبتدأ، ولِلَّذِينَخبرٌ مقدم، فجعل الله التربص مقرونًا بوصف وهو الإيلاء، ومتى يثبت هذا الوصف، من اليمين ولَّا من المطالبة؟
طلبة: من اليمين.
الشيخ: من اليمين، إذن فالآية تدل على أن ابتداء المدة من اليمين؛ لأنه من حين أن يَحْلِف يَصدُق عليه أنه مُولٍ، وقد قال الله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ، فإذا آلَى في اليوم السابع والعشرين من شهر محرَّم ولم تطلبه إلا في السابع والعشرين من شهر ربيع الأول، كم مضى عليه؟ شهران، هل تبدأ المدة من سبع وعشرين ربيع الأول وتكمل أربعة أشهر، فتكون ستة أشهر من اليمين، أو تكمِّل شهرين فقط؟ تكمِّل شهرين فقط، لماذا؟ لأن هذا الرجل من سبع وعشرين من محرَّم صار مُولِيًا، وقد قال الله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
يقول: (فإن وَطِئَ ولو بتغييبِ حَشَفةٍ).
(لو بتغييبِ حَشَفةٍ)؛ لأنه يصدُق عليه أنه وَطِئ، ولهذا يجب الغسل ولّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يجب الغسل، ويثبت به الْمَهْر، ويلحق به النسب، وتترتب عليه جميع الأحكام المترتبة على إيلاج جميع الذَّكَر، فإذا كان كذلك فإنه إذا حصل الإيلاج ولو بقدر الحشفة فإنه يثبت الرجوع، ويقال: إن هذا الرجل فاء، يعني: رجع.
ولكن هل يحصل به كمال اللذة؟ أبدًا، ما يحصل به كمال اللذة، ولو أن الرجل صار لا يجامع زوجته إلا بمقدار الحشفة لقلنا: إنه لم يعاشِرها بالمعروف، وإذا كان قد جاء في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى الرجل أن ينزع قبل أن تقضي المرأة حاجتها ولا يُعْجِلها ، فكيف نقول: إن هذا الرجل قد فاء إلى المعاشرة بالمعروف، بمجرد أنه غيَّب الْحَشَفَة؟! ولهذا أشار المؤلف إلى هذا الخلاف بقوله: (ولو بتغييب حَشَفَة).
وقول المؤلف: (فقد فاء)، اختار كلمة (فقد فاء) موافقةً للقرآن: فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة: ٢٢٦].
(فقد فاء، وإلّا) يعني: وإلّا يفعل، أمره الحاكم بالطلاق، (أُمِرَ بالطلاق)، إذا لم يفعل قال له الحاكم: طلِّق، (...).





