الطلاق (الشرح الأول) - 11
عدد الزيارات 1601

عناصر المادة :
كتاب الظهار
كفارة الظهار

 

كتاب الظهار
00:06:43

.. إلا أن الكفارة لا تجب، لا تثبت في الذمة إلا بالوطء، فلو أنه عزم على استحلالها ولكنه طلَّقها أو ماتت أو مات هو فلا كفارة.
طالب: شيخ، ذكرت أنه يمكنه أن يطلِّق به.
الشيخ: نعم.
الطالب: ويش معنى (...)؟
الشيخ: .. لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، وسكت ولم يطلِّقها، فإنه يكون قد عاد.
الطالب: كيف عاد؟
الشيخ: عاد فلزمته الكفارة، عاد إلى زوجته.
الطالب: (...).
الشيخ: .. الظهار يمكنه أن يطلِّق فلا يطلِّق، فأما لو قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ثم قال فورًا: أنت طالق، فإنه (...).
.. عائدًا، لم يكن عائدًا؛ لأنه طلقها، هذا معنى الكلام.
المهم أن القول الراجح في هذه المسألة أن العَوْد هو أيش؟ العزم على الوطء، ولكن لا تجب الكفارة إلا بالوطء، يعني ما تثبت في الذمة إلا بالوطء. (...)
يقول رحمه الله: (وَيَلْزَم إخراجُها قَبْلَه عند العزم عليه).
(إخراجها) أيش؟ الكفارة، (قَبْلَه): قبل الوطء، (عند العزم عليه): إذا عزم على الوطء قلنا: الآن لا يمكن أن تطأ حتى تُكَفِّر، والمذهب: حتى يُكَفِّر بالعتق والصيام، والإطعام (...)، بالعتق إن وَجَد، بالصيام إن لم يَجِد، بالإطعام إن لم يستطع الصيام.
ثم قال: (وتلزمه كفارةٌ واحدة بتكريره قبل التكفير من زوجة واحدة).
يعني: إذا تكرَّر الظِّهار فهل تتكرر الكفارة أو لا؟ يعني إذا قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ثم أعاد فقال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ثم قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، كرَّر، فهل تتعدد الكفارة، أو يلزمه كفارة واحدة؟
فيه التفصيل: إن كفَّر عن الأول كفَّر عن الثاني، وإن لم يكفِّر عن الأول أجزأته كفارة واحدة.
نقول: إن لم يُكَفِّر عن الأول كَفَتْه كفارة واحدة، وإلا تعدَّدت الكفارة، أما إذا كفَّر عن الأول ثم أعاد الظهار فواضح أن الكفارة تتعدد؛ لأن هذا الظِّهار غير الأول، ثم إنه صادَفه وذمته قد برئت من الظهار الأول. (...)
وأما إذا لم يكفِّر عن الأول فلأن المظاهَر منها واحدة، فالْمَحَلّ واحد، كما لو حلف أيمانًا على شيء واحد، مثل أن يقول: والله لا أدخل دار فلان، ثم قال مرة ثانية: والله لا أدخل دار فلان، ثم ثالثة: والله لا أدخل دار فلان، ثم دخلها، كم يجب عليه من كفارة؟
طالب: واحدة.
الشيخ: لأن المحلوف عليه واحد، فكذلك هنا المظاهَر منها واحدة، فلا يلزمه إلا كفارة واحدة.
يقول: (وَلِظِهَاره من نسائه بكلمة واحدة)، يعني: كذلك لا يلزمه إلا كفارة واحدة، مثل أن يقول لزوجاته الأربع: أَنْتُنَّ عليَّ كظهر أمي، كم له من كفارة؟ واحدة، لماذا؟ لأن الظهار واحد، وبهذا نعرف أنه إذا كان الظهار واحدًا أو المظاهَر منها واحدة فالكفارة واحدة.
قال: (وإن ظاهَر منهنَّ بكلمات فكفَّارات).
(إن ظاهر منهن)، ممن؟ من زوجاته.
(بكلمات فكفَّارات)، يعني: على عددهن، بأن قال للأولى: أنتِ عليَّ كظهر أمي، وللثانية: أنتِ عليَّ كظهر أمي، وللثالثة: أنتِ عليَّ كظهر أمي، وللرابعة: أنتِ عليَّ كظهر أمي، كم يلزمه؟ أربع كفارات؛ لتعدد الظِّهَار والمظاهَر منها.
لو لم يكفِّر عن الأولى كم يلزمه؟
طالب: أربع.
طالب آخر: ولو لم ..
الشيخ: ولو لم يكفِّر؛ وذلك لأن المحل متعدد، والصيغة أيضًا متعددة.
وقال بعض الأصحاب: إنه يلزمه كفارة واحدة، بناء على أن الكفَّارات تتداخل، وأن الأيمان إذا تكرَّرت ومُوجَبُها واحد لزمه كفارة واحدة، وهذا هو قياس المذهب في الأيمان؛ لأن المذهب إذا تعددت الأيمان ولكن الكفَّارة واحدة فعليه كفارة واحدة.
فعلى المذهب لو قال: هذا عليَّ حرام، تحريم غير الزوجة يمين على المذهب، وقال: والله لا أدخل بيت فلان، وقال: والله لألبسنَّ هذا الثوب، وقال: لله علَيَّ نذرٌ أن ألبس العمامة، كم دُولِي؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة أيمان مختلفة حتى في الصيغة، إذا حنث في كل هذه الأيمان ولم يكفِّر يلزمه على المذهب كفارة واحدة؛ لأنهم يقولون: إذا كان الموجَبُ واحدًا فلا عبرة بتعدد السبب، وقاسوا ذلك على رجل أكل لحم إبل، وَبالَ وتغوَّطَ، وخرجت منه ريحٌ، ونام، كم دولي؟ خمسة موجبات للوضوء، كم يلزمه من وضوء؟
طلبة: وضوء واحد.
الشيخ: واحد؟ لا، وضوء للحم الإبل، ووضوء للبول، ووضوء للغائط، ووضوء للنوم، ووضوء للريح! صح؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، فيقولون: ما دام الموجَب -بالفتح- واحدًا فلا عبرة بتعدد السبب.
وبناء على هذه القاعدة على المذهب يكون مَن ظاهَرَ من زوجاته بكلمات كم يلزمه؟
طلبة: كفارة واحدة.
الشيخ: إذا لم يكفِّر كفارة واحدة، ولكن هم في هذه المسألة خالفوا القاعدة، وقالوا: إنه إذا ظاهَر من نسائه بكلمات لزمه بعددهن؛ لكل واحدة كفارة. (...)

***

كفارة الظهار
00:14:24

قال المؤلف: (فَصْلٌ. وكَفَّارَتُهُ) أي: كفارة الظِّهَار، (عِتْقُ رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابِعَيْنِ، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا).
هذا الكلام يدل على أن الكفارة على الترتيب ولّا على التخيير؟
طلبة: على الترتيب.
الشيخ: على الترتيب؛ أولًا: عتق رقبة، وسيأتي إن شاء الله شروطه.
ثانيًا: إن لم يجد ثمنًا يشتري به الرقبة، أو إن لم يجد رقبة وعنده ثمن؟ كلا الأمرين، ولهذا قال الله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ [المجادلة: ٤]، فيشمل مَن لم يجد الرقبة، كما لو كان رجل عنده ملايين الدراهم، لكن ما وجد في السوق رقبةً تباع، أو وجد رقبة لكن ليس عنده مال يشتري به هذه الرقبة، فإنه ينتقل من ذلك إلى الصيام؛ صيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع -يعني ما يقدر؛ لمرض فيه أو لأي سبب من الأسباب، ما يقدر- فإنه يطعم ستين مسكينًا، وكأن هذا -والله أعلم- عن كل يوم مسكين؛ لأن الغالب أن الشهرين يَتِمَّان، أو يقال: لأن هذا هو غاية التمام في الشهور، فلما جاء البدل وهو الإطعام صار ستين مسكينًا.
وقوله: مِسْكِينًا [المجادلة: ٤] هنا يشمل الفقير ولّا لا؟ يشمل الفقير.
متى يعتبر الوجوب أو الاستطاعة؟
يعتبر عند وجوب أيش؟ عند وجوب الكفارة، فلو فُرِضَ أنه عند الوجوب لا يجد رقبة، فشرع في الصوم، ثم وجد في أثناء الصوم هل يلزمه الانتقال؟ لا يلزمه، وكذلك لو فُرِضَ أنه كان عند زمن الوجوب لا يستطيع الصوم، فأطعم ستين مسكينًا أو لم يُطْعِم، فإنه في هذه الحال لو قدر بعد ذلك على الصوم لا يلزمه الانتقال؛ لأن العبرة بالقدرة وعدم القدرة هو وقت الوجوب. (...)
لم يجزئه الصوم، ولو أيسر مُعْسِر لم يلزمه عتق، العبرة بالوجوب.

***

يقول: (ولا تلزم الرقبة إلَّا لِمَن ملَكها، أو أمكنه ذلك بثمنِ مثلِها، فاضلًا عن كفايته دائمًا، وكفايةِ مَن يَمُونه، وعما يحتاجه من مَسْكَنٍ وخادمٍ ومركوبٍ، وعَرَضِ بِذْلَةٍ وثيابِ تجمُّلٍ، ومالٍ يقوم كسبُهُ بمَؤونته، وكتبِ علمٍ ووفاءِ دَيْن).
الحمد لله، الأمر مُيَسَّر.
(ما تلزم الرقبة إلا لمن ملَكها)، ويش معنى (ملَكها)؟ يعني كانت عنده الآن حاضرة، مالكها، أي: تحت ملكه.
(أو أَمْكَنَه ذلك بثمنِ مثلِها)، (أمكنه ذلك) أي: أمكنه ملكها، ما عنده عبدٌ لكن عنده دراهم يمكنه أن يشتري به رقبة، لكن اشترط المؤلف: (بثمنِ مثلِها)، فلو لم يجد رقبة إلا بأكثر من ثمنِ مثلِها لم تلزمه.
مثل رجل عنده مئة مليون ريال، وعليه ظهار، ووجد رقبة، فقالوا له: بعشرة آلاف ريال، وثمنُ مثلِها تسعة آلاف ريال، تلزمه ولّا لا؟
طلبة: لا تلزمه.
الشيخ: ولم لا تلزمه؟ لأنها أكثر من ثمن مثلها.
قال: أنا عندي مئة مليون ريال –الحمد لله، غني– ويش نقول؟ ما تلزمه، لكن لو اشتراها بعشرة آلاف ريال وكفَّر بها تجزئه، فالكلام على اللزوم، وأظن مَن عنده مئة مليون ريال يبغي يشتري الرقبة بعشرة آلاف ريال ولا يصوم، أو لا؟
طالب: ممكن يبخل.
الشيخ: هذا هو الغالب، وإلَّا نعم، الكلام ويش على؟ على أنه بثمن مثلها، لكن الصحيح أن ظاهر قوله: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ [المجادلة: ٤]، أنه متى صار واجدًا على وجه لا يضره فإنه يجب عليه أن يعتق؛ لأنه ما اشترط إلا عدم الوجود فقط، فلو فُرِضَ أن هذه تساوي خمسة آلاف ريال، وقيل: بعشرة، وهو واجد، فظاهر الآية وجوب ذلك عليه.
يقول المؤلف: (فاضلًا عن كفايته دائمًا).
(فاضلًا عن كفايته) صح، أما إذا كانت الدراهم اللي عنده يحتاجها لكفايته، حتى ولو كان لزواجه مثلًا فإنه لا تلزمه الرقبة، ولكن المؤلف يقول: (كفايته دائمًا)، كلمة (دائمًا) هل يمكن انضباطها؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش ما يمكن؟ لأننا ما ندري، يمكن يطول عمره ويحتاج إلى دراهم كثيرة، ويمكن يقصر عمره ويكون هذا اللي عنده زائدًا، ولّا لا؟ فهذا لو كان عنده مثلًا مالٌ كثير ما يستطيع أن يقول: هذا يكفيني دائمًا، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ولو كان عنده أقل ما يستطيع يقول: هذا لا يكفيني دائمًا، والسبب في ذلك لأن الأعمار بيد الله عزّ وجل، ولأن الأوقات تختلف، يمكن يُقَدِّر الإنسان أن نفقته لهذا العام خمسون ألف ريال، ثم تختلف الأسعار وترتفع فتكفيه الخمسون ولّا لا؟ ما تكفيه، ويمكن يُقَدِّر أن نفقته مئة ألف ريال أو خمسون ألف ريال وترخص الأسعار ويكفيه عشرون ألف ريال، فهذا أمر لا يمكن انضباطه، وما لا يمكن انضباطه فإن إلزام الناس به عسير.
إذن يحتاج أن نؤول كلمة (دائمًا) بأن نقول: معنى كلمة (دائمًا) أنه عنده مثلًا صنعة، عنده مَغَلٌّ، وما أشبه ذلك، يكفيه، عنده مثلًا ملك يُغِلُّ عليه كل سنة عشرة آلاف ريال تكفيه، فهذا نقول: عنده ما يكفيه دائمًا، أما أن نقول: إن المراد مَؤُونته دائمًا نقود، النقود لا يمكن انضباطها أبدًا، فنقول: أنت الآن ما دام أن عندك مالًا يمكنك أن تشتري به رقبة فاشترِ، إذا قال: والله أنا اللي عندي هذا (...) يكفيني خمسين سنة، ويش نقول؟ نقول: ويش يدريك تبقى الخمسين؟! قال: بعض الفقهاء يقولون: يكفيه دائمًا، لو أقعد ألف سنة أو أكثر من ذلك لازم يكفيني دائمًا. فنقول: الفقهاء -رحمهم الله- إنما أرادوا بذلك شيئًا له دخل مستمر يكفيه.
قال: (وكفاية مَن يَمُونه)، ويش معنى (يَمُونه)؟ أي: يقوم بنفقته.
نشوف اللي يقوم بنفقتهم؛ زوجة، وأولاد، وأقارب تلزمه نفقتهم، فمؤونة هؤلاء تقدَّم على العتق الواجب عليه، بل هو لم يجب عليه في الواقع.
(وعما يحتاجه من مَسْكَن)، لو كان هذا الرجل عنده مَسْكَن يحتاجه، وقال: أنا لو بعت هذا الْمَسْكَن واستأجرت أمكنني أن أعتق رقبة، فماذا نقول له؟ لا يجب عليه أن يبيعه؛ لأنه يحتاجه.
كذلك من (خادم)، كيف خادم؟ الخادم مرادهم الخادم المملوك؛ لأن الخادم الحر ليس بملكك، فهذا رجل عنده خادم مملوك يحتاج إليه، هل نقول: أعتِقْه أو بعه واشتر رقبة؟ الجواب: لا؛ لأن هذا تتعلق به حاجته، وتعلُّق حاجته به سابق على ظِهَاره، فيقدَّم أيش؟ الحاجة السابقة، ولهذا قال: (وخادم)، ولكن عندي بالشرح يقول: (صَالِحَيْنِ لمثله إذا كان مثله يُخدَم)، فقيَّدها بقيدَيْنِ؛ أولًا: أنهما صالحان لمثله، فلو كان المسكن يعني مسكنًا كبيرًا أكثر من مثله، فإنه يبيعه ويشتري ما يكون صالحًا لمثله، ويشتري بالفاضل رقبة، والله أعلم. (...)
هذا واحد، واحد فقط، شرط واحد؛ أن يكون قادرًا عليها، والقدرة يقول المؤلف: (بأن يكون عنده ثمنها فاضلًا عن كفايته وكفاية مَن يَمُونُه، وعما يحتاجه من مسكن وخادم ومركوب وعَرَضِ البِذْلةٍ وثيابِ تجمُّلٍ).
(عَرَض البذلة) يعني المتاع الذي يُبْتَذَل، مثل ثياب العادة، ومثل سيارة العادة، والمسكن -المسكن تقدم والمركوب-، ومنها عرض البذلة التي يحتاجها وتتكرر حاجته إليها كالثياب، وكذلك الأواني في البيت، وما أشبهها.
(وثيابِ تجمُّلٍ)، حتى ثياب التجمل ما نقول للإنسان: بِعْ ثيابك التي تتجمل بها واشترِ عبدًا تعتقه، ما نقول هذا.
وكذلك: (ومالٍ يقُوم كسبُه بمؤونته)، أيضًا لا بد يكون فاضلًا عن مالٍ يقوم كسبه بمَؤُونته، كيف؟ هذا رجل عنده مئة ألف، لو اشترى بأربعين ألفًا أمكنه ذلك، عنده مئة ألف، لكن مئة الألف كَسْبُها لا يكفيه هو وعائلته، يعني يتجر بها والكسب اللي يأخذه منها لا يكفيه، لو أنه اشترى منها عبدًا نقص الربح، فتنقص الكفاية؛ المؤونة، هل نقول: يلزمك أن تشتري عبدًا بأربعين ألفًا ولو نقصت كفايتك؟ الجواب: لا؛ ولهذا يقول المؤلف: (ومالٌ يقوم كسبه بِمَؤُونته)، فلا بد أن يكون فاضلًا عن مال يقوم كسبه بمؤونته، يعني مثلًا (...).
كذلك: (كتبِ عِلْمٍ)، لكن بشرط أنه يحتاج إليها، كتب العلم التي يحتاج إليها، مثل إنسان يحتاج إلى كتب علم في الفقه، في الحديث، في التفسير، في التوحيد، في النحو، المهم أن يحتاج إليها، أما ما لا يحتاج إليه كما لو كان عنده كتب علم من نوع لا يتعلَّمه، مثلًا عنده كتب علم حساب، ولَا عنده نية يتعلم الحساب ولا شيء من هذا، عنده كتب علم جيولوجيا لكن ما عنده نية أن يتعلم هذا العلم، ماذا يكون؟ يبيعها، كذلك عنده نسختان من كتاب واحد يستغني بإحداهما عن الأخرى، يبيعها؟ نعم؛ لأنه ليس في حاجة إليها.
طالب: (...).
الشيخ: نعم (وكُتب عِلْم) يحتاج إليها.
يقول: (ووفاءِ دَيْن)، هذا (...) أهم شيء، هذا إنسان عنده مئة ألف، لكن عليه ثمانون ألفًا، ماذا يكون؟ يسدد الدَّيْن أولًا، فإذا بقي شيء بعد الدَّيْن وهو ما يحتاجه لما ذُكِر قبلُ اشترى به، وإلا فلا، ووفاء الدَّيْن أهم شيء، حتى إن الإنسان يجوز أن يُعْطَى من الزكاة لوفاء دَيْنه.
ثم قال: (ولا يجزئ في الكفَّارات كلها إلا رقبة مؤمنة).
(ولا يجزئ في الكفارات كلها)، قد يقول قائل: إن ظاهر المؤلف أن كل الكفارات فيها رقبة، وليس كذلك، وإنما مراده: (ولا يجزئ في الكفارات) التي تُحَرَّر فيها الرقبة، ولنُحْصِها الآن: كفَّارة الظِّهار، وكفارة القتل، وكفارة اليمين، وكفارة الوطء في رمضان، فيه شيء آخر؟
طالب: كفارة اليمين.
الشيخ: ذكرناها. كفارة لبس المخيط في الإحرام؟
طالب: ما فيها.
الشيخ: ما فيها. كفارة الجماع في الإحرام؟
طالب: (...).
الشيخ: ما فيها، لو قال: بدل ما أذبح شاة بأعتق عبدًا؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز، نعم.
يقول: (لا يجزئُ في الكفاراتِ كلِّها إلا رقبة مؤمنة).
(رقبة) يعني: دون رأس ودون ظهر ودون قدم! هذا من باب إطلاق الجزء على الكل، ولا يمكن إطلاق جزء على كل إلا أن هذا الجزء شرط في وجوده، هذه قاعدة مهمة، يعني ما يمكن تقول: أعتق أصبعًا؛ لأنه قد يزول الأصبع و(...) باقية، وأما الرقبة، لو زالت الرقبة يموت؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، ولهذا إذا عَبَّرَ الله تعالى عن الصلاة بالركوع والسجود دل على أن الركوع والسجود واجبات فيها.
الآن (رقبة مؤمنة)، المراد بالإيمان هنا مطلَق الإيمان، لا الإيمان المطلَق، وأظن بينهما فرقًا؛ الإيمان المطلق الكامل، كالذي في قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال: ٢]، وأما مطلَق الإيمان فإنه يشمل مَن آمن وإن لم يكن على هذا الوصف، كثير من الناس الآن مؤمنون وهم على هذا الوصف؟ هل إذا ذُكِرَ الله عَزَّ وجلَّ وَجِلَت قلوبهم؟ وإذا تُلِيَت عليهم آياته زادتهم إيمانًا؟ ما قيمة المؤمنون هكذا، المراد هنا مطلق الإيمان، فيشمل الفاسق؟ نعم يشمل الفاسق؛ لأن المراد مطلق الإيمان لا الإيمان المطلق.
(رقبة مؤمنة) نشوف الآن الدليل على أنه لا بد من الإيمان في جميع الكفارات، كفارة القتل الإيمان فيها صريح منصوص عليه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء: ٩٢]، هذه كفارة القتل، كفارة اليمين: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ [المائدة: ٨٩]، ما ذُكِرَ، كفارة الظِّهار: وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا [المجادلة: ٣]، ما ذُكر، هذا الذي في القرآن (...).
كفارة الوطء في رمضان ثبتت بالسنة، قال النبي عليه الصلاة والسلام للرجل: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً؟»، قال: لا ، ولا قال: مؤمنة، فإذا كانت أربعة نصوص ليس فيها التقييد بالإيمان، ونصّ واحد فيه التقييد بالإيمان، وهذا النص الواحد يفترق عن البقية بأنه أعظم منها من وجه، وإن كان أخفّ منها من وجه، التي فيها التقييد بالإيمان ما هي؟ كفارة القتل، وهي أعظم من الموجِبات الأخرى؛ أعظم من الظهار، أعظم من الجماع في نهار رمضان، وأعظم من الحنث في اليمين من وجه، وأخف منه من وجه؛ لأنها خطأ وهذه عمد.
على كل حال هذه المسألة المؤلف رحمه الله -كما فهمتم- يشترط الإيمان في كل الكفارات، كل الكفارات لا بد فيها من الإيمان.
ودليله يقول: لأن الله اشترط الإيمان في كفارة القتل، فَقِيسَ الباقي عليها، بالقياس؛ لأن الموجَبَ واحد؛ وهو عتق الرقبة، ولأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن عليَّ رقبة، وإني أريد أن أعتق هذه، فقال لها: «أَيْنَ اللهُ؟»، قالت: في السماء، قال: «مَنْ أَنَا؟»، قالت: أنت رسول الله، قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» ، ولم يستفصِل الرسول عليه الصلاة والسلام ما هذه الرقبة التي عليه، فدل هذا على أن الإيمان شرط في جميع الرقاب الواجبة؛ لأنه قال: إن عَلَيَّ رقبة، في جميع الرقاب الواجبة، ودليله عدم الاستفصال.
ثم نقول أيضًا من جهة النظر: إذا أعتق الرقبة وهي كافرة فإننا لا نأمن أن يلحق بالكفار؛ لأنه كافر، إذا كان مملوكًا ما يقدر (...)، لكن إذا أُعْتِق لحق الكفار لأنه تحرَّر، ما لأحد عليه قول، فإذا كان كذلك، يعني يُخْشَى من هذه المفسدة فإنه لا يُعتَق الكافر، بل يبقى، وهذا القول -كما ترون- رجحانه قوي.
أما الذين قالوا: إن الله تعالى أطلق في موضعين، وقيَّد في الثالث، والرسول عليه الصلاة والسلام أطلق في الموضع الرابع، فكلامُهم جيِّد لا يلامون عليه أبدًا، ومن ثَمَّ اختلف العلماء في غير كفارة القتل هل يُشْتَرَط الإيمان أو لا يُشْتَرَط؟ والراجح الاشتراط؛ لقوة دليله وتعليله، ولأنه أحوط وأبرأ للذمة، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: وقوله: (إلا رقبة مؤمنة سليمة من عيبٍ يضرُّ بالعمل ضررًا بَيِّنًا).
(سليمة من عيب)، الإيمان فهمنا دليل اشتراط.
(سليمة من عيب يضر بالعمل ضررًا بيِّنًا)، العيوب -على حسب ما قال المؤلف- تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم لا يضر بالعمل أبدًا، وقسم آخر يضر بالعمل لكن ضررًا خفيفًا، والقسم الثالث: يضر بالعمل ضررًا بيِّنًا.
فأما القسمان الأولان: الضرر الذي لا يضر بالعمل إطلاقًا، أو يضر به ضررًا خفيفًا، فإنهما لا يمنعان من إجزاء الرقبة، وأما ما يضر بالعمل ضررًا بيِّنًا فإنه لا تجزئ فيه الرقبة.
مثاله: يقول: (كالعمى)، عبدٌ أعمى وعلَيّ كفارة، مؤمن، ما يتعدى المسجد، وعليَّ أنا كفارة، هل أعتقه؟ في الكفارة لا، لماذا؟ قالوا: لأن المقصود من العتق هو أن يملك الإنسان نفْعَه وكَسْبَه، وهذا إذا أُعْتِق صار عالة على غيره؛ لأنه قبل أن يتحرر من الذي ينفق عليه؟ سيده ويُلْزَم بذلك، أما الآن فإنه يبقى عالة، هو ما هو بعبد، حتى هو نفسه إذا أُعْتِقَ يجد نفسه في فراغ، من الذي ينفق عليه؟ فلهذا لا يجزئ.
وقال بعض أهل الظاهر: إنه يجزئ؛ لأن الله عز وجلَّ ما ذكر في القرآن إلا الإيمان فقط، وهذا وإن كان لا يستطيع العمل لكنه يتحرر من سيده، ويجد نفسه الآن حُرًّا طليقًا يذهب حيث شاء، ويرجع حيث شاء، فهو يستفيد من هذا العتق، ولكن جمهور العلماء، حتى إن بعضهم حكاه إجماعًا، يقول: لا بد أن يكون سليمًا مما يضر بالعمل ضررًا بيِّنًا.
يقول: (كالعمى)، العَوَر؟
طالب: لا، ما يضر.
الشيخ: أبدًا؟ لا بيِّنًا ولا خفيفًا؟
طلبة: خفيفًا.
الشيخ: كيف خفيفًا؟ أنا أطالبكم.
طالب: لا يضر؛ لأنه قد يكون (...).
الشيخ: قد يكون، قد تكون (...) مرة واحدة.
طالب: (...).
الشيخ: (...) الأعور، لماذا؟ قال: قياسًا على العوراء في الأضحية، لماذا نقول بهذا القياس؟ (...) فإنه يغلب، لكن في الحقيقة إن سَلَّمْنَا أنه يضر بالعمل فإنه يضر ضررًا خفيفًا، لا أنه يفسد العمل.
(والشللُ ليدٍ أو رِجْل)، الشلل ليد أو رجل واضح أنه يضر بالعمل.
كذلك (أَقْطَعُهُمَا) أقطع اليد أو الرِّجْل، وهذا ظاهر.
قال: (أو أقطع الأصبع الوسطى أو السبابة أو الإبهام)، يعني الإبهام والوسطى وما بينهما، لو قال: أقطع واحدًا منهم فإنه يضر بالعمل ضررًا بيِّنًا، لا سيما إذا كانت اليد اليمنى، أو لا؟ يضر، إن كان كاتبًا يمكن ما يعرف يكتب، إن كان خياطًا ما يعرف يخيط.
طالب: وعند الحمل.
الشيخ: وعند الحمل كذلك، ولكن لا شك أنه إذا قال: أقطع الوسطى فقط (...)، لكننا نقول: يضر.
(أو الأنملة من الإبهام) كم في الإبهام من أنملة؟
طلبة: أنملتان.
الشيخ: ثنتان، وكم في الوسطى؟
طلبة: ثلاث.
الشيخ: الصغرى؟
طلبة: ثلاث.
الشيخ: ثلاث، الإبهام ثنتان، وشوف -سبحان الله- جعله الله يقابل الأربعة، يعني الإبهام يقابل الأربعة الأصبع، كفاءته ككفاءة الأربعة؛ ولهذا جعل الله له ثنتين لأنه أسهل؛ لأنه لو كان طويلًا يمكن ينعكف، لكن جُعِل ثنتين، وجُعِل ضخمًا شوي أيضًا ليتحمل، ولهذا الأنملة من السَّبَّابة فيها ثُلُث عُشْر الدية، والإبهام فيها نصف عُشْر الدية، نصف العُشْر؛ لأنه ما هو بثلاث.
الأنملة من السبابة، كذا ولّا لا؟
طالب: ما تضر.
الشيخ: ما تضر، الأنملة من الوسطى ما تضر.
(من السبابة) ولّا السَّبَّاب؟
طالب: السَّبَّابة والسَّبَّاب.
الشيخ: قلنا: السَّبَّابة والسَّبَّاب، لأنه يُشَار بها عند التسبيح، ويُشَار لها عند السب، كيف عند السب؟ ويش لون؟
طالب: هكذا يا شيخ.
الشيخ: تقول: والله إن شوفتك هنا مرة لأوَرِّيك، وتشير عليه، أو (...) هذا الرجل، فهي السَّبَّابة والسَّبَّاب.
(أو أقطع الخنصر والبنصر).
(الخنصر) أيهم؟ الأخير، الصغير، و(البنصر) الذي يليه.
(الخنصر والبنصر) جعل المؤلف -رحمه الله- أقطعهما، يعني كلا الاثنين يمنع من العمل، وأما أقطع واحد فلا يُمْنَع.
(أو أقطع الخنصر والبنصر من يد واحدة).
طالب: (...).
الشيخ: لا، (...)، (أو الإبهام أو الأنملة من الإبهام أو أقطع الخنصر والبنصر من يد واحدة).
ولو كان مِنْ يَدَيْن، واليمنى مقطوعة الخنصر، واليسرى مقطوعة البنصر، هذا لا شك أنه يمنع من كمال العمل، لكن ليس ضررًا بَيِّنًا، وعلى كل حال في الحقيقة القاعدة أهم من التمثيل، القاعدة إذا كانت الرقبة معيبة عيبًا يضر بالعمل ضررًا بَيِّنًا فإنها لا تجزئ.
(ولا يجزئ مريض ميؤوس منه ونحوه).
المريض الميؤوس، إيه نوع هذا المريض الميؤوس منه؟ ما تيأس من رحمة الله، كم من إنسان قُرِّبَ نعشه وكفنه فعافاه الله، لكن هنا أمراض معينة معروفة ميؤوس منها، مثل السُّلّ في زمن مضى ما يمكن يُشْفَى منه، (...)، الآن أصبح السل غير ميؤوس منه.
السرطان الآن حسب.. إلى الآن ما وجدوا له دواء، فهو الآن يعتبر من الأمراض التي إذا أصابت الإنسان فهو ميؤوس من بُرْئِه.
وكذلك (ونحوه) مثل مَن؟ كالزَّمِن مثلًا، والمشلول، كل بدنه مشلول، هذا ما يمكن يجزئ؛ لأنه ما يمكن أن يعمل العمل الذي يراد منه.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، قد يُقْبَل، ما دام صحيحًا يُقْبَل.

***

يقول المؤلف: (وَلاَ أُمُّ وَلَدٍ)، أم الولد ما تجزئ، أيش أم الولد؟ كل امرأة لها ولد، أُمُّ الولد هي التي وَلَدَت من سيدها ما تَبيَّن فيه خَلْق الإنسان، هذه أم الولد وإن لم يكن حيًّا.
حكمها حكم الرقيق، ولكنها إذا مات سيدُها عَتقت، وهل يجوز بَيْعُها؟ اختلف أهل العلم في ذلك، والمعروف في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر أنها تباع، ولكن لما رأى عمر رضي الله عنه أنه كَثُر التفريق بينها وبين أولادها منع من بيع أمهات الأولاد .
(أمُّ ولدٍ) لا تجزئ، السبب؛ يقولون: لأن سبب عتقها قد انعقد، شو به؟ بالولادة، فيقولون: الحقيقة ما هي برقيقة خالصة.
(ويجزئ المدبَّر)، يعني: الذي أعتقه سيدُه، أو (...) أصح: الذي عَلَّق سيدُه عتقَه بموته، بموت العبد؟
طالب: لا، بموت سيده.
الشيخ: بموت سيده، مثل أن يقول للعبد: إذا مِتُّ فأنت (...) حر، هذا يسمى مدبَّرًا، لماذا؟ لأن عتقه كان دبر حياة سيده، أي: بعده.
الْمُدَبَّر ليس كأم الولد، المدبَّر يجوز بيعه والملك فيه تام؛ لأنه ما يمكن يعتق، ولا انعقد فيه سبب العتق الكامل إلا بعد موت السيد، ولهذا لو باع الإنسانُ المدبَّرَ يجوز ولّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: يجوز أن يبيع المدبَّر؛ لأنه إلى الآن ما أعتق، مثل ما لو قال: هذا البيت وقف بعد موتي، فله أن يبيعه ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: له أن يبيعه؛ لأنه إلى الآن ما صار وقفًا.
طالب: (...).
الشيخ: يقول: (ويجزئُ المدَبَّرُ، وولدُ الزِّنَى).
(ولد الزنى)؟! كيف ولد الزنى؟ صورها لنا، صوّر ولد زنى رقيق، (...) محارب للكفار وهو ولد زنى، وأَسَرْنَاه (...)، يكون كذلك؟
طالب: نعم.
الشيخ: أو رجل زَنَى بأمة إنسان فإنه يكون رقيقًا لسيِّدها؛ لأنه مملوك.
رجل تزوَّج بامرأةٍ أَمَة وجابت عيالًا، تزوج زواجًا شرعًا صحيحًا، ويش حكم أولاده؟ الإرقاق تبعًا للأم، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: إذا تزوج الحرُّ أَمَةً رَقَّ نصفُه، يعني صار نصفه رقيقًا، نصفه (...)؟
طلبة: أولاده.
الشيخ: إي نعم، أولاده.
(والأحمق)، يجزئ عتق الأحمق، أيش هو الأحمق؟
الأحمق يقولون: هو الذي يرتكب الخطأ عن عمد، هذا الأحمق، يعني معناه أن عنده خَوَر وسرعة ولا هو بيتأنى في الأمور، هذا الأحمق.
(المرهون)، يجزئ إعتاق المرهون؟
طالب: نعم.
الشيخ: مرهون، يعني هذا السيد راهن عبده لشخص يطلبه بدراهم، إذا حل الدَّيْن ولم يوفِيه ويش يسوَّى بالعبد؟ يباع ويوفى دَيْنَه، فهل يجزئ هذا المرهون بإعتاقه؟
المؤلف يقول: يجزئ، ولكنه سبق لنا في باب الرهن أن عتق الراهن لا يصح؛ لأنه تعلق به حق مَن؟ حق المرتَهِن، فأنت إذا أعتقته صار حرًّا ما عاد ينتفع المرتهن به، فيكون في ذلك إسقاط لحق المرتهن، ولهذا سبق لنا في باب الرهن أن الصحيح أن عتق الراهن للمرهون لا يصح، وبناء على ذلك القول الصحيح هل يصح إعتاقه بالكفارة؟ لا يصح؛ لأنه مرهون.
(والجاني)، الجاني (...)، يصح أن يعتق الجاني؟
طالب: نعم.
الشيخ: لأن هذا عبد قاتِل شخصًا (...) أعتقته عن كفارة عليه، يجزئ ولّا لا؟
طلبة: ما يجزئ.
الشيخ: المذهب يقول: يجزئ، المؤلف يقول: يجزئ، لماذا؟ قال: لأنه ربما يُعْفَى عنه، فقَتْلُه غير متعيِّن، هذا قتل غير متعيِّن، أليس من الممكن أن يُعْفَى عنه؟ من الممكن أن يُعْفَى عنه، لكن في النفس من هذا شيء؛ لأن هذا العبد الآن تعلُّقُ النفس به ليس كتعلقها بمن ليس بِجَانٍ، كيف يقول هذا الرجل (...) شاف إنه بيقتل عبد وراح يعتقه؟! هذا ما يستقيم.
فلهذا المسألة فيها نظر هذه، فبعض العلماء يقول: إن الجاني لا يصح أن يُعْتَق بالكفارة؛ لأن الجاني بصدد أن يُقْتَل، فهو ناقص القيمة، الآن ليس (...).
(والأَمَة الحامل ولو استَثْنَى حَمْلَها).
الأَمَة الحامل تجزئ؟ حامل في الشهر التاسع وامرأة كبيرة البطن وثقيلة، تجزئ ولّا لا؟
طالب: ما تجزئ.
الشيخ: هي تعمل الآن؟
الطالب: لا.
الشيخ: فيها شيء يمنع العمل ويضر بالعمل ضررًا بَيِّنًا، لو تقول: نَظِّفِي البيت من القمامة (...) قال: أنا موسَّخ صح، يعني هذا مُوَسَّخ ومرتاح.
إذا قال قائل: خَلُّوه يعتقها وحملَها معها؟ نقول: لا، ما يلزم، لو استثنى حملها فلا حرج، فيقول: أنت حرة إلا ما في بطنك، يجوز؟
طالب: لا.
طالب آخر: يجوز.
الشيخ: مجهول يا إخواني!
طالب: ما يجوز لأنه فَرَّق بين الولد وأمه.
الشيخ: لا، دعنا من التفريق، ربما أنه ما يُفَرِّق، يعني ما لنا من هذا، ولهذا لو أعتق الأم والولد منفصل يرضع منها جاز بالاتفاق، لكن هذا أعتقها واستثنى حملها، الحمل الآن مجهول.
طالب: ما هي (...) معاوضة.
الشيخ: إي، هذه ما هي (...) معاوضة، الشيء المجهول ما يجوز في المعاوضات؛ لأن باذل العِوَض مخاطِر، ودائمًا أمره بين الغُرْم والغُنْم، أما ما ليس فيه عِوَض فيجوز ولو كان مجهولًا، مع أنه سبق لنا يا إخواني في البيع -ولا أدري هل تذكرون أم لا؟- وقلنا: الظاهر أن (...)، مر علينا أن الإنسان لو باع شيئًا واستثنى الحمل، المذهب لم يصح، لكن قلنا: إن الصحيح أنه يجوز؛ لأن الحمل معلوم، ما هو (...) بينقص عين المبيع، ليس ناقصًا عن مبيعه، العين منفصِل، فكما لو باعها وهي حائل يصح، كذلك باعها وهي حامل يستثني الحمل، وقد سبق لنا أنه يجوز أن يبيع الشيء ويستثني حملَه، وأوردنا عليكم إشكالًا، وهو أن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الْحَمْل ، فكيف تجيزون الاستثناء؟
وأجبنا عن ذلك بأن استثناء الحمل في البيع استبقاء، ما هو تجديد ملك، أنا عندما أقول: بعتك هذه البقرة وهي حامل إلا حملها، ما اشتريت الحمل مني حتى أكون قد بذلت فيه شيئًا مجهولًا (...) مجهول، وإنما هو استبقاء، وفرق بين الاستبقاء وبين تجديد المعاوضة.
المهم أن هذا -قد نستطرد لأجل تذكير ما مضى- والحاصل أنه يجوز أن يعتق الحامل بالكفارة، ويستثني حملَها، ولكني أريد منكم أن تأتوا لي بمثال يكون الحمل فيه رقيقًا؟
طالب: (...).
الشيخ: بعبد ولّا بِحُرّ؟
طالب: بعبد أو حُرّ.
الشيخ: بعبد أو حر، إذا زَوَّجَ أمته بعبد أو حر فإن الولد يكون رقيقًا لسيدها، وإذا زوَّجَها بِحُرّ واستثنى الحمل فقد تقدم أنه يجوز إذا قال: أنا أنفق عليك (...) الحمل فهو جائز.
يقول: (ولا يستثنى حملها). (...)

***

طالب: ويجب التتابع في الصوم.
الشيخ: (يجب التتابع في الصوم)، وهذا الوجوب شرط لإبراء الذمة به، فلو صام متفرِّقًا لم يجزئ؛ لقوله تعالى: فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ [المجادلة: ٤]، فاشترط الله تعالى في ذلك التتابع، وعلى هذا فلو صام متفرِّقًا لم يصح، ولو صام مستمرًّا لكن نوى في يوم من الأيام أنه عن يوم عاشوراء مثلًا، أو عن يوم عرفة، ينقطع ولّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: هذا رجل إلى اليوم الثامن من ذي الحجة قد صام ثمانية وخمسين يومًا، وفي يوم عرفة نوى أن الصوم هذا عن يوم عرفة، ماذا نقول له؟ نقول: ينقطع التتابع وتستأنف من جديد.
طالب: يستأنف ..
الشيخ: يستأنف من جديد، يبدأ الشهرين من جديد، إذا قلنا: يستأنف، ويش معناه؟ يعني: يبدأ من جديد وتلغى الأيام السابقة، إلا أنه في بعض الأحيان يُسْتَثْنَى المسائل الآتية:
أولًا: إذا تخلَّلَه رمضان فإنه يصوم رمضان؛ وذلك لأن أيام رمضان لا تصلح لغيره، فلو صام شهر شعبان ثم دخل رمضان وجب عليه أن يصوم عن أيش؟ عن رمضان، فإذا انتهى فإنه يُكمِّل من اليوم الثاني من شوال حتى يتم الشهرين، هذا واحد، فإن تخلَّله رمضان لم ينقطع التتابع، لماذا؟ لأن رمضان لا يصح صوم غيره فيه.
كذلك تخلَّله (فِطْرٌ يَجِب)، شوف رمضان صومٌ يجب، أو تخلَّله (فِطْر يجب كعيد)، يعني: كفِطر العيد، فقوله: (كعيد) على تقدير مضاف، أي: كفطرِ عيدٍ، (عيد) يشمل عيد الفطر وعيد الأضحى، إذا تخلَّله فِطْرٌ يجب مثل يوم العيد فإنه لا يقطع التتابع.
كذلك إذا تخلَّله (فطر يجب) كـ(أيام تشريق)، أيام التشريق يجب فطرُها، ولا يصح صومها إلا في حالة واحدة، وهي مَن لم يجد الْهَدْي من المتمتِّعين والقارِنين فإنه يصوم أيام التشريق، وعلى هذا فإذا أفطر أيام التشريق لم يقطع التتابع، فهذا رجل ابتدأ صيام الشهرين من أول يوم من ذي الحجة، فصام تسعة أيام، وجاء العيد وهو اليوم العاشر بيفطر يوم العيد؛ لأن فطره واجب، وبيفطر أيام التشريق، كم هي؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، هذه أربعة أيام، بعد مُضِيّ أربعة الأيام، يعني في اليوم الرابع عشر، يُكمِّل، صام تسعة من قبل، يكون صوم اليوم الرابع عشر هو اليوم العاشر، ويستمر.
وقال: (وحَيْض)، الحيض فِطْر يجب؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، فطر يجب، امرأة مثلًا عليها صيام شهرين متتابعين، يمكن المرأة يصير عليها صيام شهرين متتابعين؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: ويش لون؟
الطالب: في القتل.
الشيخ: في القتل، لكن المؤلف يرى أنه يمكن في الظهار؛ لأنه سبق لنا أن المؤلف يرى أن المرأة إذا قالت لزوجها: أنت عليَّ كظهر أبي، فليست مظاهِرة، وعليها كفارته، وسبق أن هذا القول ضعيف، وأن الصواب أنه ليس عليها إلا كفارة يمين، لكن يمكن أن يلزمها صيام شهرين متتابعين في القتل الخطأ، وفيما لو جامَعها زوجها وهي راضية في نهار رمضان وهي صائمة يمكن، المهم أن هذا فطرٌ يجب لا يضر.
كذلك (جنون)، يعني: هذا الرجل الذي شرع في الصوم جُنَّ -والعياذ بالله-، المجنون لا يصح صومه، حتى لو أمسك ما يصح صومه، لماذا؟ لعدم النية منه، وعلى هذا فلا ينقطع، جُنَّ يومين أو ثلاثة أو أسبوعًا أو أكثر ثم شفاه الله، فإنه لا يستأنف، ولكن يُكمِّل.
طالب: إذا تعمد أن يتخلله انقطاع في صيامه؟
الشيخ: كيف تعمد، أيش لونه؟
الطالب: يعني تعمد أن يتخلل صيامه شهرين انقطاع؛ لأن بعض الأشهر ما فيه انقطاع؟
الشيخ: ويش فائدته من هذا؟
الطالب: أنه يرتاح في يوم أو يومين ثلاثة في الشهرين، ما فيها شيء؟
طالب آخر: شيخ، مثل شعبان، صام شعبان وقبل رمضان ..
طالب آخر: بأن يبدأ في ذي القعدة مثلًا وينقطع أربعة أيام.
الشيخ: ما تقولون في هذا؟ السؤال يقول: رجل تعمَّد أن يؤخِّر الصوم إلى دخول شهر ذي الحجة، أو إلى –مثلًا- عشرة من ذي القعدة علشان يستريح، ما تقولون في هذا؟
طلبة: (...).
الشيخ: الظاهر أنه ما يَحِلّ، أن هذا حرام عليه ما يجوز أن يتعمد؛ لأن الله تعالى اشترط الشهرين متتابعين، فإذا تحيَّل على إسقاط هذا الشرط لم يصح.
طالب: تحيل في شيء جائز يا شيخ.
الشيخ: لا، ما يجوز إلا إذا صادف هذا، أما يتعمد فالظاهر أنه ما يجوز، فيستأنف من جديد.
طالب: لو قيل: إنه مباح (...)؟
الشيخ: ما هي مباحة، مباحة إذا تخلله بدون قصد، مثل ما لو أن رجلًا يباح له الفطر في الصوم، فلو تحيَّل من أجل أن يفطر، سافر لأجل أن يفطر، ماذا يكون؟ حرُم الفطر والسفر؛ لأن أصل التتابع واجب، فإذا تحيَّل على إسقاطه ولو بشيء أباحه الشارع فإنه حرام؛ لأن هذا المباح بدون قصد، كل الْحِيَل يريد يتحيل الإنسان بشيء مباح؛ لأنه هو لا يمكن يتحيل إلا بشيء مباح، الشيء المحرَّم ما يمكن يتحيَّل به لأنه محرَّم.
طالب: الحاج إن كان عليه هدي ويلزمه ثلاثة أيام في الحج ينقطع به أو لا؟
الشيخ: ينقطع به، لكن الحاج نقول ..
الطالب: يعني هو عليه كفارة وهو في الحج.
الشيخ: عليه كفارة وهو في الحج.
الطالب: بدأ الصوم من قبل دخول الحج يعني؟
الشيخ: ما فيه .. نقول له الآن..
الطالب: هل يصوم يوم عرفة وهو في الحج؟
الشيخ: يصوم يوم عرفة وهو في الحج.
الطالب: لو كان عليه ثلاثة أيام ..
الشيخ: لكنه لا يصوم أيام التشريق، أصلًا ما يجوز أن يصوم الكفارة في أيام التشريق، أصلًا ممنوع.
الطالب: ولا ينقطع؟
الشيخ: ما ينقطع، لا.
طالب: كيف يكون يوم عرفة وهو وقت نهي؟
الشيخ: ما هو بنهي.
الطالب: صيام عرفة بالنسبة للحاج.
الشيخ: لا، ما هو نهي؛ لأن وقت عرفة ليس مسنونًا فقط، وأما حديث النهي عنه فهو فيه ضعف كما هو معروف.
طالب: يا شيخ، إذا أفطر من أجل السفر؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: إذا أفطر من أجل السفر عندما يذهب إلى الحج؟
الشيخ: بيجينا الآن.

***

يقول المؤلف: (وجنونٍ، ومرضٍ مَخُوفٍ)، المرض الْمَخُوف الذي يُخْشَى منه الموت، وجاء به المؤلف في سياق تمثيل الفطر الواجب؛ وذلك لأن المرَض الْمَخُوف الذي يُخْشَى إذا لم يفطر مات، ماذا يكون عليه؟ الفطر؟ يكون الفطر واجبًا عليه، فقول المؤلف: (ومرضٍ مَخُوفٍ) يعني: الذي يُخْشَى منه الموت إذا لم يفطر.
وقال المؤلف: (ونحوه) يعني: نحو هذه الأشياء مما يجب فيه الفطر، كما لو أفطر لإنقاذ غريق؛ فإن الفطر لإنقاذ غريق معصوم حكمه واجب، فإذا أفطر لهذا لم ينقطع التتابع.
قال المؤلف: (أو أفطر ناسيًا أو مُكْرَهًا أو لعذر يبيح الفطر).
إذا أفطر ناسيًا فإنه لا يقطع التتابع، وفي هذا التعبير نظر ظاهر؛ لأنه بالنسيان لا فطرَ، وقد تقدم لنا في باب المفطرات أن مَن أكل أو شرب ناسيًا فليتم صومه ولا يفطر ، حتى على المذهب، إلا أن هناك شيئًا واحدًا يقولون: إنه يفطر فيه بالنسيان، وهو الجماع، فلو نسي فجامع الرجل غيرَ التي ظاهر منها فإنه على المذهب يفطر مع أنه ناسٍ.
والصحيح أنه لا فرق بين الجماع وغيره، وأن كل مَن تناول المُفطِّر ناسيًا فصومه صحيح، وبناء على هذا هل يكون قد أفطر ولّا لا؟ لا يكون قد أفطر، بل التتابع موجود، لكن هذا بناء على المذهب، حيث يرون رحمهم الله أن من أفطر بالجماع ناسيًا فإنه يفطر.
طالب: يعني يا شيخ يقصد المؤلف أنه إن نسي وهو يصوم صوم الكفارة.
الشيخ: إي، نسي أيش؟
الطالب: نسي أنه يجب عليه صيام هذه الأيام لأنها كفارة، يعني نسي.
الشيخ: ويش نسي؟
الطالب: نسي أن عليه صوم كفارة.
الشيخ: لا، هو يقول: (أفطرَ ناسيًا).
الطالب: لعله يعني (...) كفارة.
الشيخ: ويش يظن؟ يعني يظنه صيام تطوع مثلًا؟
الطالب: مثلًا.
الشيخ: هذا يصح، إذا كان ناسيًا أنه في صيام كفارة ممكن أن يُبْنَى على هذا أيضًا، يعني لا ناسيًا أنه صائم مطلَقًا، إنما حتى على أنه ناسٍ أنه صائم مطلقًا يصح ذلك على المذهب فيما إذا قلنا بماذا؟ بأن الجماع ولو كان ناسيًا يفطر به، وقد سبق أن الصحيح أنه لا يفطر به.
كذلك أيضًا مَن أفطر ناسيًا أنه في كفارة، يحسب أنه صائم صومَ تطوع، فإن الصحيح أنه لا ينقطع به التتابع
؛ لأنه معذور، وإذا كان معذورًا فإن الله لا يؤاخذ بهذا العذر.
طالب: لكن المذهب ينقطع التتابع.
الشيخ: ويش لون؟
الطالب: المذهب أنه إذا نسي أنه في كفارة وصام تطوعًا أنه ينقطع.
الشيخ: لا، إذا نسي أنه في الكفارة وأفطر، يظنه متطوعًا.
الطالب: المذهب ينقطع.
الشيخ: من أين يُؤْخَذ؟ (...)
يفطر بلا شك، ولكن يبقى النظر هل إنه يُعْذَر في هذه الحال أو لا يُعْذَر؟ إذن محلّ بحث إن شاء الله نرجع إليه.
طالب: ما يعذر بالنسيان يا شيخ؟
الشيخ: المذهب (...).
طالب: شيخ، ما نقول: إنه يحتمل يكون ظن أن الصوم انتهى، يعني تم شهرين فأفطر، يدخل في (ناسيًا).
الشيخ: على كلٍّ المثال اللي إحنا ذكرنا يكفي (...).
الطالب: وهل يفرَّق بين الناسي والجاهل (...)؟
الشيخ: إي نعم، إذا أفطر مُكْرَهًا فإنه ينقطع التتابع ولّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا ينقطع التتابع، لماذا؟ لأنه مُكْرَه، وهذا أيضًا التمثيل به على المذهب مُشْكِل؛ لأنه لا يفطر بالإكراه كما سبق، إلا أنهم يقولون: لو أَكْرَه الإنسان زوجته على الجماع في نهار رمضان وهي صائمة أفطرت ووجب عليها القضاء دون الكفارة، فهذا ربما يكون الإنسان يفطر مُكْرَهًا، يمكن يكون يُفْطِر مُكْرَهًا، لكن في مسألة الصوم هنا نقول: إنه إذا أفطر مُكْرَهًا، بأن جاء رجل وأكرهه على الفطر، أو المرأة جامعها زوجها فأكرهها فإنه لا ينقطع التتابع، ولكن الكلام على أنه أفطر مكرهًا، والصواب أنه لا فطر أصلًا، وأن التتابع مستمر.
(أو) أفطر (لعذر يبيح الفطر)، إذا أفطر لعذر يبيح الفطر، مثل: مرض لكن غير مَخُوف، أو سفر، فإنه لا ينقطع التتابع.
طالب: السفر يبيحه يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم، السفر يبيح الفطر.
الطالب: يبيحه للكفارة.
الشيخ: في رمضان، ويبيحه للكفارة أيضًا، فإذا قُدِّر أن هذا الرجل الذي شرع في صيام شهرين متتابعين، سواء في ظِهَار، أو كفارة الوطء في نهار رمضان، أو كفارة القتل، إذا سافر فأفطر لم ينقطع التتابع، لماذا؟ لأن هذا السفر مُبِيحٌ للفطر.
ولكن لو تَحَيَّل بالسفر على الإفطار قلنا له: لا يحل لك، ويلزمك الإمساك، فإن لم تفعل وجب عليك الاستئناف.
طالب: ولو كان له الخيار يا شيخ بين الكفارة وغيرها؛ لأن الكفارة شهران متتابعان إلا بشيء ..
الشيخ: ورمضان، يجب أن يكون الصوم في نفس الشهر، ويَلْزَم من كونه في نفس الشهر أن يكون متتابعًا، فإذا كان الله تعالى أباح للإنسان إذا سافر في نهار رمضان أن يفطر وهو أَوْكَد من صيام الكفارة، والتتابع فيه ظاهر؛ لأنه ما يجوز يفطر ولا يومًا من رمضان بدون عذر، فهذا أيضًا مثله، فلا ينقطع التتابع.
طالب: بس رمضان جاء فيه الرخصة للمسافر وهذا ما جاء فيه؟
الشيخ: طيب، إذا رُخِّص في رمضان أليس نقول: إن هذا من باب أولى؟
طالب: بلى.
الشيخ: هذا من باب أولى، ما دام أن رمضان وهو أَوْكَد؛ فريضة، ركن من أركان الإسلام، والتتابع فيه شرط ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ويش وجه الشرط؟ أنه لا يجوز أن يُفْطِر يومًا بدون عذر، فإذا أجاز الشارع لمن سافر في رمضان أن يفطر فهذا نقول أيضًا: يجوز لك أن تفطر وتقضي عن هذه الأيام، فإذا كان قد صام شهرًا، فسافر عشرة أيام ورجع إلى بلده، يكمل ولّا يستأنف؟ يكمل فيصوم شهرًا، ولا حرج عليه.
طالب: كيف نقول: إنه في الإكراه أنه فرَّق بين الإكراه و(...).
الشيخ: أهم شيء الضوابط، إذا أفطر الآن لصوم يجب، أو لفطر يجب، أو لفطر مباح، فإنه لا ينقطع التتابع، فإن أفطر لصوم مستحب أو صوم مباح ينقطع التتابع؟
طلبة: نعم.
الشيخ: زين، إذن في ثلاث حالات لا ينقطع: إذا أفطر لصوم يجب مثل؟
طلبة: رمضان.
الشيخ: في رمضان، أو لفطر يجب في أيام الأعياد، وأيام التشريق، والمرأة في الحيض، ومن كان مريضًا يخشى بصومه التلف، أو الضرر أيضًا على القول الراجح؛ لأنه ما يجوز أن يفعل ما فيه ضرر على نفسه، أو أفطر لسبب يبيح الفطر، فإنه لا ينقطع التتابع، مثال الأخير، قلنا: السفر والمرض الذي يشق عليه الصيام فيه ولكنه لا يضره.
يقول: (لم ينقطع التتابع)، والسبب في ذلك: لأنه أفطر لسبب يُبِيحُ الفِطر في رمضان، هذا بالنسبة للمسألة الأخيرة، أما بالنسبة للمسألتين الأُولَيَيْن، وهو وجوب الصوم ووجوب الفطر فلأن التتابع انقطع لأمر واجب عليه.
ثم انتقل المؤلف من بيان الصيام إلى بيان الإطعام، فقال: (وَيجزِئ التكفيرُ بما يجزئ في فِطْرَةٍ فقط).
وهذه هي المرتبة الثالثة في كفَّارة الظهار، وهي إطعام ستين مسكينًا.
أولًا: هل يُشْتَرَط أن يكون المساكين بهذا العدد، أو المراد إطعام طعامِ ستين مسكينًا؟ المراد الأول؛ لأنه قال: فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا [المجادلة: ٤]، فلا بد من العدد، فلو أطعم ثلاثين على يومين لم يجزئ؛ لأن الله نَصَّ على الستين، اللهم إلا ألَّا يجد أحدًا فيمكن أن نقول: كَرِّرْه على هؤلاء الثلاثين، أو على هؤلاء العشرة.
والبحث الثاني في الإطعام: مِن أي طعام يُطْعِمُهم؟
يقول المؤلف: (بما يجزئُ في فِطْرَةٍ فقط)، والذي يجزئ في الفِطْرَة ما هو؟ البُرّ والتمر والشعير والزبيب والأقط، فلو أطعمناهم من الأرز لم يجزئ ولو كان قوت البلد، ولو أطعمناهم من الذرة لم يجزئ ولو كان قوت البلد، ما يجزئ إلا الخمسة، ولو أطعمناهم من الأقط يجزئ ولو كان غير قوت لأهل البلد، حتى لو كان هذا الأقط لا يأكله إلا الصبيان، كشَرْط لهم وفَرْحَة لهم فإنه يجزئ على كلام المؤلف.
الطالب: والشعير الآن.
الشيخ: والشعير الآن غير مطعوم، لا قوتًا ولا غير قوت، فإنه يجزئ، ولكن الصحيح في هذه المسألة أنه يجزئ التكفير بما يكون طعامًا للناس، هذا الصواب
؛ لأن الله قال: فَإِطْعَامُ سِتِّينَ، فذكر الإطعام ولم يذكر من أي نوع، ما ذكر من أي نوع يكون، فيُرْجَع في ذلك إلى ما جرى به العُرْف، كما أشار إليه الناظم في قوله:

وَكُــــــلُّ مَــــا أَتَى وَلَمْ يُحَــــــــــــدَّدِ بِالشَّرْعِ كَالْحِرْزِ فَبِالْعُرْفِ احْدُدِ

اللي ما جاء فيه حد في الشرع فإنه يُرْجَع فيه إلى العُرْف، فيُطعَمون بما يطعم الناس في وقتهم، وعندنا اليوم؟
طالب: عندنا الأرز، (...) ما يُطْعَم.
الشيخ: لا، اللي يُطْعَم، الأرز الآن هو اللي أكثر الناس عليه.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: وعلى هذا فيجوز إطعامهم من الأرز.
طالب: والخبز يا شيخ؟
الشيخ: يأتي إن شاء الله.
(ولا يجزئ من البُرّ أقل من مُدٍّ، ولا من غيرِهِ أقلُّ من مُدَّيْنِ)، هذا مقدار، صار الجنس -جنس الطعام- على المذهب ما يجزئ في الفطرة، وهي خمسة.
المقدار، قال: (لا يجزئُ من البُرِّ أقلُّ من مُدٍّ)، ما هو الْمُدّ؟ الْمُدّ رُبع الصاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، وصاع النبي صلى الله عليه وسلم أقل من صاعنا الآن بالْخُمس وخُمس الْخُمس، يعني معناه أنك تضيف إلى صاع النبي صلى الله عليه وسلم تضيف ربعًا وتضيف أيضًا خُمس الربع، ويكون على مقدار الصاع الموجود هنا في القصيم، وقد حَرَّرْنَاه ووجدنا صاع النبي عليه الصلاة والسلام كم؟ ألفي جرام وأربعين جرامًا، يعني كيلوين وأربعين جرامًا، فإذا أطعم الإنسان على هذا القدر من البُرّ كفى.
أما غيره فلا بد أن يكون من مُدَّيْن، يعني نصف الصاع، ويش غير البُرّ على المذهب؟ التمر والشعير والزبيب والأقط، هذه نصف صاع والبُرّ مُدٌّ.
ما هو الدليل على هذا التفريق مع أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لكعب بن عجرة: «أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» ، فما هو الدليل على هذا التفريق؟
يقولون: إن الدليل على هذا التفريق أن معاوية رضي الله عنه حين قَدِمَ المدينة وكثُر فيها البُرُّ، قال: إني أرى أن الْمُدّ من هذا يعدل مُدَّيْنِ من التمر ، فأخذ الناس به في عهد معاوية، وصاروا يُخْرِجون في الفطرة نصف صاع، فقالوا -أي الفقهاء-: إننا نجعل الواجب من البُرّ على النصف من الواجب من غيره، مع أنهم في باب صدقة الفطر وافقوا معاوية ولّا لا؟ ما وافقوه، خالفوه، وقالوا: يجب صاع حتى من البُرّ، وهذا فيه شيء من التناقض، ولهذا الصواب أننا إذا أردنا أن نُقَدِّر فإما أن نُقَدِّر بنصف الصاع، وإما أن نُقَدِّر بما يكفي الفقير من كل الأصناف، يعني من البُرّ ومن غير البُرّ، وأما أن نفرِّق بدون دليل من الشرع فإن هذا لا ينبغي.
إذن الجنس ما يجزئ في الفطرة على المذهب، والمقدار مُدٌّ من البُرّ أو مُدَّان من غيره.
مَن الذي يُصْرَف إليه؟
قال: (ممن يجوز دفع الزكاة إليهم)، وظاهر كلام الماتن الإطلاق، وأن كل مَن جاز دفع الزكاة إليه ولو كان غنيًّا: كالمؤلفة قلوبهم، والغارم لإصلاح ذات البين، فإنها تجزئ، هذا ظاهر كلام الماتن، والصحيح أنه يقيَّد ممن يجوز دفع الزكاة إليهم لحاجتهم؛ لأن الله تعالى قال: فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، والذين تُدْفَع إليهم الزكاة هم مساكين وغير مساكين، فنقول: ممن يجوز دفع الزكاة إليهم كما قَيَّدَه الشرع، وهم: المساكين، والفقراء، والغارمون لأنفسهم، ما هو لإصلاح ذات البين.
قال المؤلف: (وإن غَدَّى المساكين أو عَشَّاهُم لم يُجْزِئه).
الغداء هو الطعام في أول النهار؛ مأخوذ من الغُدْوَة، والعَشَاء هو الطعام في آخر النهار؛ مأخوذ من العَشِيّ، فلو غَدَّاهُم؛ غدَّى ستين مسكينًا، فإنه لا يجزئه، وكذلك لو عَشَّاهُم فإنه لا يجزئه، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وهو المذهب.
ما هي العلة؟
قالوا: لأنه يُشْتَرَط تمليكهم، والغداء والعشاء ما فيه التمليك، ما فيه إلا أن يملأ بطنه ويمشي، وعلى هذا لا يجزئه.
والصحيح في هذه المسألة أنه إذا غَدَّاهُم أو عَشَّاهُم أجزأه
؛ لأن الله عزَّ وجل يقول: فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، ولم يذكر قَدْرًا، ولم يذكر جنسًا، فما يسمى إطعامًا فإنه يجزئ، وبناءً على ذلك فإذا غدَّاهم أو عشَّاهم أجزأه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح.
واعلم أن الشرع في هذا الباب ينقسم إلى ثلاثة أقسام، في باب الإطعام:
منه ما قُدِّرَ فيه المدفوع والمدفوع إليه، ومنه ما قُدِّرَ المدفوع فقط، ومنه ما قُدِّرَ المدفوع إليه فقط، ثلاثة أقسام.
فالذي قُدر فيه المدفوع والمدفوع إليه هو فدية الأذى، ويش هي فدية الأذى؟
طلبة: (...).
الشيخ: إي، حلق الرأس.
قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» ، فقَدِّر المدفوع كم؟ بنصف صاع، والمدفوع إليه بستة.
ومنه ما قُدِّر فيه المدفوع دون المدفوع إليه، مثل صدقة الفطر؛ فإنها صاع، ولا ذُكِرَ المدفوع إليه، ولهذا يجوز أن تعطي الصاع الفِطْرَة الواحدة تعطيها عشرة، ما فيه مانع.
ومنها ما قُدِّرَ فيه المدفوع إليه دون المدفوع، مثل كفارة الظِّهار، وكفارة اليمين، وكفارة الجماع في نهار رمضان، وهذا الأخير هو الذي يجزئ فيه إذا غَدَّى المساكين، أو عَشَّاهم، أو أعطاهم خبزًا أيضًا.
وكذلك أيضًا الإطعام بدلًا عن الصوم، كالكبير الذي لا يُرْجَى برؤه، فإنه يجزئ الغداء أو العشاء كما سبق. (...)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما هو الدليل؟ (...)
مبتدأ درس الليلة: (وتجب النية في التكفير من صومٍ وغيره)، يعني: يجب أن ينوي بأن هذا الشيء كفارة عن ذلك الشيء، مثلًا يعتق رقبة ينويها كفارةً عن الظِّهَار، عنده عتق رقبة عن اليمين، يعتق رقبة وينويها عن اليمين.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا بد من التعيين ولو لم يكن عليه سواها، يعني: رجل عليه كفارة عتق عن ظِهَار فقط، فأعتق هذا بنية أنه عن الواجب عليه، لكن ما عيَّن أنه عن الظِّهار، فظاهر كلام المؤلف أن هذا لا يجزئ.
ولكن الصحيح أنه يجزئ؛ لأن هذا تعيي
ن، إذا لم يكن عليه غيره فهو تعيين في الحقيقة، ولهذا اشترطوا في النكاح أن يعيِّن المرأة، وأنه لو قال: زوجتك بنتي، وله غيرها، لم يصح، وإن لم يكن له غيرها صح؛ لأنه لَمَّا لم يكن إلا واحد انصرف الشيء إليه، فإذا نوى عن كفارة وليس عليه إلا كفارة الظِّهَار هذا العتق يجزئ عنه.
وقول المؤلف: (من صومٍ وغيره)، ويش لون (من صوم وغيره)؟ ويش غير الصوم؟ العتق والإطعام، الصوم ينوي أنه صائم عن كفارة الظهار.
وهل يشترط التتابع؟ يعني أن ينوي التتابع ولّا لا؟
طلبة: نعم.
طالب آخر: (...).
الشيخ: لا، ما هو بشرط، هو ينوي كل يوم بيومه، ونية التتابع ليست بشرط، كما أنه في رمضان ينوي كل يوم بيومه، ولا يُشْتَرَط أن ينوي التتابع.
طالب: من دخول الشهر وهو قد نوى التتابع يعني.
الشيخ: بالضرورة، هذا أيضًا ما دام يعرف أن الحكم التتابع وهو من اليوم يَشْرَع فهو ناوٍ التتابع، نعم لو فُرِضَ أنه انقطع التتابع بما لا يقطعه فهو لا بد يجدد النية، مثلًا لو سافر فإذا رجع لا بد أن يجدِّد النية، وإلا فالأصل التتابع.
وهل يجب أن ينوي لكل يوم؟ نعم، يجب أن ينوي كل يوم، لكن على القول الصحيح إذا شرع فيه وقد نوى أن يستمر فالصحيح أنه ما بلازم أن ينوي لكل يوم من ليلته، وينبني على ذلك ما لو نام بعد العصر إلى أن طلعت الشمس من الغد، فإن قلنا بوجوب التعيين في الليل لم يصح صيام ذلك اليوم، وإن قلنا بأنه لا يُشْتَرَط فإنه يصح، وهذا هو الصحيح.
طالب: حتى في رمضان؟
الشيخ: حتى في رمضان.
طالب: شيخ، فعل ما (...) بالنسبة للتتابع؟
الشيخ: إلَّا، لكن قد لا ينويه من الأصل من الأول، يبدأ الشهر على أنه كفارة ظِهَار ويغيب عن ذهنه أنه متتابع.
(وإن أصاب المُظاهَرَ منها ليلًا أو نهارًا انقطع التتابع). (...)
يقول: (إن أصاب المظاهَرَ منها)، (المظاهَرَ) بالفتح، يعني (وإن أصاب) المرأةَ (المظاهَرَ منها)، يعني: التي ظاهر منها، أصابها ليلًا أو نهارًا انقطع التتابع.
مثال ذلك: هذا رجل شارِعٌ في صيام شهرين متتابعين، ولما مضى خمسة أيام جامَع الزوجة في الليل، ما هو وقت الصيام، يقول المؤلف: إنه ينقطع التتابع، وعلى هذا فيستأنف من جديد، لو صام شهرًا وثمانية وعشرين يومًا ثم جامَعَهَا؟ يستأنف، يصوم شهرين من جديد؛ لأن الله تعالى يقول: فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا [المجادلة: ٤].