وهذا ما مشى عليه المؤلف، والصحيح أنه إذا أصابها ليلًا فهو آثم، ولكنه لا ينقطع التتابع؛ وذلك لأن استئناف الشهرين هل يرتفع به إثم الإصابة أو مفسدتها؟ لا، إذن فيقال لمن أصابها في أثناء الشهرين ليلًا، يقال له: إنك أخطأت وأثمت، فعليك أن تتوب، ولكن الشهرين لا ينقطع التتابع فيهما، وهذا مذهب الشافعي، واختيار ابن المنذر، وقوَّاه صاحب المغني، وهو الصحيح، لكنه يأثم.
طيب، لو كان ناسيًا، لو أصابها ناسيًا في الليل، ينقطع ولَّا لا؟
طالب: ما ينقطع.
الشيخ: على المذهب ينقطع؛ لأنه أطلق: (إن أصاب) مطلقًا.
طيب، لو أصابها في سفر مباح؟ ينقطع.
المهم إذا أصاب المُظاهَرَ منها ولو في زمن يباح له الفطر -كالليل، والسفر المبيح للفطر، أو ناسيًا- فإنه ينقطع التتابع. والصحيح أنه إذا أصابها ليلًا لا ينقطع لكن يأثم، وإن أصابها ناسيًا لا ينقطع ولا يأثم أيضًا؛ لا ينقطع لأنه لم يفطر، ولا يأثم لأنه كان ناسيًا.
طالب: (...)، يعني إذا أصاب..؟
الشيخ: أبدًا، ما يصيب المظاهَرَ منها أبدًا حتى تتم شهرين، إذا أصابها -حتى في الفطر الذي يجب أو في الفطر المباح- فإنه ينقطع.
طالب: لو قال: هذا خالف شرطًا في هذه العبادة بالنسبة لصيامه؟
الشيخ: لا، ما يشترط (...).
الطالب: صيام شهرين متتابعين من قَبْلِ التماس.
الشيخ: إي، يعني معناه أنه يجب أن يكون قبل التماس، الآن لو صام الشهرين؛ لو أعادها من جديد هل يُسَن قبل التماس؟
الطالب: لا.
الشيخ: لأنه حصل تماس الآن، لو فُرِضَ أنه ابتدأها من جديد ما صار فائدة.
طالب: ما زال.
الشيخ: ما زال، ما يرتفع (...).
إذا أصاب المُظاهَرَ منها في وقت لا يجب فيه الصوم؛ إما لكونها أيام عيد، أو أيام تشريق، أو كان مسافرًا، أو في الليل، فإنه يكون آثمًا، ولا ينقطع التتابع؛ لأنه ما هو صائم، وإن أصابها صائمًا في الكفارة فإنه ينقطع التتابع، لا لأنه أصابها قبل أن يصوم، ولكن لأنه أفطر في أثناء الشهرين، والله عز وجل اشترط أن يكونا شهرين.
وبناء على ذلك لو أصابها ناسيًا في أيام الصوم فإن الصحيح -فيما نرى- أن الصوم لا يبطل ولو بالجماع ناسيًا، وإذا لم يبطل الصوم صار التتابع مستمرًّا ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: صار التتابع مستمرًّا.
أما لو أصابها وهو صائم بدون عذر فإنه ينقطع التتابع، لماذا؟ لأنه أفطر.
طالب: شيخ، لا ينطبق (...) المتعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه، لما شدد..؟
الشيخ: ما يخالف، هو محروم منه الآن، حتى لو استمر نحرمه من الجماع.
الطالب: لكن تمتع به في النصف..؟
الشيخ: ما يخالف، تمتع به في النصف، لكن هذا الجماع اللي معاقب بحرمانه نقول: الآن ما هو معنى ذلك أنه لما قلنا: استمر أنه معناه يجوز لك أن تجامع، نحرمه، أو نقول: لما انتهكت الحرمة أنه يجوز لك أن تجامع، حتى على القول بأنه يجب الاستئناف يقولون: لو أنه جامع وجب الاستئناف أيضًا، مع أنه لما انتهك الحرمة عاقبناه باستئناف الصوم ومع ذلك ما يجوز أنه يجامع حتى يُكَفِّر.
المظاهِرُ إذا أصاب غيرها؛ يقول المؤلف: (وإن أصاب غيرها ليلًا لم ينقطع)، كيف أصاب غيرها؟
طلبة: زوجةً أخرى.
الشيخ: إي، زوجة أخرى ولَّا مملوكة، أصاب غيرها فإنه لا ينقطع التتابع إذا كان ليلًا، فإن كان نهارًا فإنه ينقطع؛ لأنه أفطر، وإذا أفطر انقطع التتابع، والصحيح أنه إذا أصاب غيرها جاهلًا أو ناسيًا في النهار فإنه لا ينقطع، بناء على أنه لا يفطر بذلك، مع أنه عندي هنا بالشرح يقول: إن أصاب غيرها ليلًا أو ناسيًا، فجعلوه هنا لا يقطع التتابع، والمراد أننا لا نُفَطِّره، وقد سبق لنا أن المذهب في باب الصوم في رمضان أن الفطر بالجماع يثبت ولو كان ناسيًا.
طيب، لو جامع الزوجة في أثناء الإطعام؟
طالب: يجوز.
طالب آخر: ينطبق على الخلاف الذي ذكرناه.
الشيخ: ينطبق على الخلاف ولَّا لا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: لأنه سبق لنا أن العلماء اختلفوا في الإطعام؛ هل يجوز الوطء قبله أو لا يجوز؟ وبَيَّنا الخلاف فيه، لكن إذا قلنا بأنه لا يجوز الوطء قبل الإطعام، ثم لما أطعم ثلاثين مسكينًا جامع زوجته، هل يستأنف الإطعام كما يستأنف الصوم أو لا؟
طلبة: (...).
طالب: ما يجوز.
الشيخ: لكن المذهب أنه ما يُشْتَرط، يعني أنه لا ينقطع التتابع فيما إذا جامع في أثناء الإطعام؛ بناء على ما أشار إليه أحدهم أنه ما فيه التتابع، ما يشترط فيه التتابع، ولهذا لو أطعمهم جميعًا يجزئ ولَّا لا؟ يجزئ.
طالب: قبل التماس ما يجوز (...)؟
الشيخ: إي، نعم، هم يقولون: إن الإطعام ما فيه ذكر، وهذا مما يؤيد القول الثاني، الإطعام ما فيه ذكر أن يكون قبل التماس.
***
(...) و(فِعَال) من المصادر المزدوجة، يعني التي لا تكون إلا بين شيئين غالبًا، مثل القتال؛ (قتال) قَاتَلَ يُقَاتِلُ قِتَالًا، من جانبين ولَّا لا؟ من جانبين، جَاهَدَ يُجَاهِدُ جِهَادًا أيضًا من جانبين، اللعان أيضًا من جانبين، لعان؛ يعني: حصول التلاعن بين شخصين.
فإذا طبَّقنا هذه اللفظة على حقيقة اللعان وجدنا أن اللعان ليس لعنًا من الجانبين، لكنه لعن من جانب الزوج وغضب من جانب الزوجة؛ إذ إن الزوج يقول في الخامسة: (وأن لعنة الله عليه) والزوجة تقول: (وأن غضب الله عليها)، فما هو الجواب؟
الجواب: أن هذا من باب التغليب؛ أي: تغليب أحد الوصفين على الآخر.
والتغليب في اللغة العربية موجود بكثرة؛ مثل: العُمَرَانِ يعني: أبا بكر وعمر، ومثل: القَمَرَان؛ يعني: الشمس والقمر.
فعلى هذا نقول: اللعان مشتق من اللعنِ، وهو بالنسبة للزوجة على سبيل التغليب.
وما هو اللعن؟
اللعن في اللغة الطرد والإبعاد، فإذا كان من الله، فقلت يعني: لعنك الله -مثلًا- فمعناه: طردك وأبعدك عن رحمته، وإذا قيل: لعنتُ الشيء؛ فإن كان المراد: دعوتُ عليه باللعنة، فهو المعنى الأول، وإن كان لعنته؛ يعني: طردته وأبعدته عني، فهذا يكون معناه الطرد والإبعاد من اللاعن نفسه.
فإذا قال لك قائل: ما هو اللعن؟
نقول: إذا وقع من الله فهو الطرد والإبعاد عن رحمته، وإذا دعا به إنسانٌ على شخص، فمعناه أنه يسأل الله أن يطرده ويبعده من رحمته، وإذا وقع من شخص لشخص على سبيل أن هذا الشخص نفسه لعنه وليس المراد دعا عليه باللعن، فالمراد أنه طرده وأبعده عنه، بحيث لا يكون صاحبًا له، ولا رفيقًا له، وما أشبه ذلك.
لكن ما المراد باللعان هنا؟
نقول: هي شهادات مؤكدَّات بأيمان من الجانبين. ما هما الجانبان؟ الزوج والزوجة، مقرونة بلعنٍ من الزوج وغضبٍ من الزوجة.
طيب، شهادات كم عددها؟ أربعة، والخامسة أن لعنة الله عليه، أو في الزوجة: أن غضب الله عليها. هذا هو اللعان.
ما سببه؟
سببه أن يقذف الرجل زوجته بالزنا -والعياذ بالله- سواء قذفها بمعيَّن أم بغير معيَّن؛ مثل يقول: يا زانية، أو يقول: زنى بك فلان. هذا سببه؛ سبب اللعان.
والأصل أن من قذف شخصًا بالزنا أن يقال له: أقم البينة، وإلا جلدناك ثمانين جلدة؛ لأن الأعراض محترمة، فإذا قال شخص لآخر: أنت زانٍ، أو يا زانٍ، أو ما أشبه ذلك، قلنا: أقم البينة وإلا ثمانون جلدة في ظهرك، قال: أنا شايفه بعيني يزني، ويش نقول؟ نقول: إن لم تأتِ بالشهداء فأنت كاذب عند الله؛ ولهذا قال الله تعالى: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور: ١٣]، عِنْدَ اللَّهِ، ما قال: في حقيقة الأمر، لكن عند الله في حكمه وشرعه أنه كاذب، وإن كان صادقًا في نفس الواقع.
طيب، جاؤوا ثلاثة يشهدون على شخص بأنه زانٍ، ويش نقول؟ نقول: إما أن تأتوا بالبينة، وإلا حددناكم.
وعلى هذا فنقول: اللعان لماذا خرج عن هذا الأصل؟ وهو أن الرجل إذا قذف زوجته قلنا: لا يخلو من ثلاث حالات: إما أن تُقِر هي، أو يقيم أربعة شهود، أو يلاعِن. اللي غير الزوج ويش نقول؟ نقول: إما أن يُقر المقذوف، وإما أن تأتي بأربعة شهود، أما الزوج فنزيد؛ فيُزَاد على ذلك أن يقال: أو تلاعن.
سعد بن عبادة لما نزلت الآية: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [النور: ١٣]، قال: يا رسول الله، أجده على امرأتي، وأذهب أجيب أربعة شهود! واللهِ لأضربنه بالسيف غير مصفَّح، ويش معنى (غير مصفَّح)؟ بحد السيف، ما هو بجنبه، بحده، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ! وَاللَّهِ إِنِّي لَأَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى» ، فنزلت آيات اللعان.
طالب: هل (...) الإقرار على كلام سعد بن معاذ؟
الشيخ: هذه مسألة نشوفها.
فنزلت الآيات، والحكمة في خروج الزوج عن القاعدة أن الزوج ما يمكن يقول هذا إلا وهو متأكد، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟
طالب: لأنه يداري عنها.
الشيخ: لأنه تدنيس لفراشه، الرجل ما يمكن أن يقول: إن زوجته تزني -والعياذ بالله- وهو مجرد اعتداء، فهو قريب من أنه صادق؛ لأنه ما يمكن يدنس فراشه بهذا الفعل القبيح؛ فلهذا شرع في حقه اللعان.
أما ما سأل عنه الأخ فهو هل النبي صلى الله عليه وسلم أقر سعدًا أو أنه أنكر عليه؟ تأملوها ونحن نجيب (...) إن شاء الله. (...)
(أن يكون بين زوجين). (يشترط لصحته) أي: لصحة إجراء اللعان، (أن يكون بين زوجين) يعني: بين زوج وزوجته، سواء كان ذلك قبل الدخول أو بعد الدخول، فإن كان بين أجنبيين فلا لعان، ففيه إما حد القذف على القاذف، وإما حد الزنا على المقذوف إذا ثبت ذلك، ولا لعانٌ. يُشترط أن يكون بين زوجين.
ويُشترط أيضًا أن يكون باللغة العربية، هذا الشرط الثاني: أن يكون باللغة العربية، ولكن إذا كان يحسن العربية، فلو كان رجلٌ يحسن لغتين -العربية وغيرها- وأراد أن يلاعن بغير العربية، قلنا: لا يصح، لا بد أن يكون باللغة العربية؛ لأنه يتضمن ألفاظًا نصَّ عليها الكتاب؛ القرآن، فلا بد أن يكون بتلك الألفاظ؛ ولهذا قال: (من عرف العربية لم يصح لعانه بغيرها). لماذا، وهو لفظ ليس من الألفاظ المتعبَّد بها؟
نقول: هو لفظ ورد به النص، وهو الآن قادر عليه، فلا يخالفه إلى غيره، وقد تكون الترجمة لا تؤدي المعنى المطلوب على وجه التمام، وهذه ألفاظ خطيرة جدًّا؛ لأن فيها رفع حدٍّ وإثبات حدٍّ.
يقول: (وإن جهلها فبلغته)، أيش معنى (إن جهلها)؟ إن جهل العربية، (فبلغته) التي يعرف.
فإن كان يعرف لغتين غير العربية، فهل نقول: لا بد أن يكون بلغته؛ لأنها الأصل، أو نقول: لأنه لما تعذرت اللغة العربية يجوز بكل لغة؟
الظاهر الثاني، وأن الإنسان لا يُلْزَم بلغته إذا كان لا يعرف اللغة العربية، وأن قول المؤلف: (فإن جهلها فبلغته) بناء على الأغلب أن الإنسان إنما ينطق بلغة واحدة؛ إما بالعربية وإما بغيرها، ولأنه إذا لم يعرف العربية لم يتمكن من الإتيان بها، فصارت بقية اللغات بالنسبة إليه على حد سواء.
طالب: لماذا (...)؟
الشيخ: ما يلزم؛ ولهذا يقول: (إنْ جهلها فبلغته، ولا يلزم) عندكم (ولم يلزمه تعلمها)؟
طالب: لا.
الشيخ: طيب.
الشرط الثالث من شروط اللعان أن يقذف زوجته بالزنا؛ ولهذا قال: (فإذا قذف امرأته بالزنا) هذا الشرط الثالث: أن يكون القذف بصريح الزنا؛، بأن يقول: زَنَتْ، أو زَنَيْتِ، أو ما أشبه ذلك، فإن قال: أَتَيْتِ شبهةً، أو قَبَّلك فلان، أو استمتع بك في غير الوطء، فهل يثبت اللعان أو لا؟ لا يثبت؛ لأن هذه لا يثبت بها حد القذف، فلا يثبت بها اللعان. هذا الشرط الثالث، يقول: قذفها بالزنا، (فإذا قذفَ امرأتَه بالزِّنى فله إسقاطُ الحَدِّ باللِّعانِ).
فيه شروط تأتي إن شاء الله، هذه ثلاثة شروط، وتأتي بقية الشروط.
إذا حصل هذا الأمر وقذف الرجل امرأته بالزنا، فلا يخلو إما أن تصدقه، أو تكذبه؛ فإن صدَّقته فعليها حد الزنا؛ إن كانت بكرًا تُجْلَد مئة جلدة وتغرَّب عامًا، وإن كانت ثيبًا فإنها تُرْجَم، هذا إذا صدقته.
طالب: كيف تكون بكرًا -يا شيخ- زوجته؟
الشيخ: إي، يعقد عليها ولم يدخل عليها، ما يمكن هذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يعني ما يشترط (...)؟
الشيخ: لا، ما هو بشرط.
طيب، هذا إذا صدقته، إذا كذبته؛ فإما أن يكون له بينة أو لا، فإن كان له بينة فلا حد عليه؛ لقوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [النور: ٤]، فعُلِمَ من قوله: ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَأنهم لو أتوا بأربعة شهداء لم يُجْلَدوا، فإذا أتى الزوج بأربعة شهود يشهدون على ما قال فإنه يُقَام الحد على المرأة، ولا يجب عليه شيء، ها دول حالان. (...)
إذا لم يأت ببينة وجب عليه حد القذف؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» ، لا بد يجيب بينة، وإلا يُجْلَد ثمانين جلدة إن كانت الزوجة محصنة، ولهذا قول المؤلف: (فله إسقاط الحد) فيه تسامح، والصواب أن يقال: فله إسقاط الحد أو التعزير؛ لأنها إن كانت محصنة فعليه حد القذف، وإن كانت غير محصنة فعليه التعزير؛ يُعَزَّر بما دون الحد. (فله إسقاط الحد باللعان)..
طالب: الإحصان هنا؟
الشيخ: الإحصان هنا أن تكون حُرَّة، وأن تكون عفيفة عن الزنا، وأن تكون عاقلة.
الطالب: ولو كانت (...)؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: أو ليست عفيفة..
الشيخ: ما هي عفيفة، إذا زنت ما هي عفيفة إلا إذا ظهرت توبتها.
الطالب: لا، لكن لو هي تعرف الرجال وتكلم الرجال (...).
الشيخ: المهم العفيفة يعني اللي معروف عفتها عن الزنا، إي نعم.
يقول: (فله إسقاط الحد باللعان) الباء هنا يحتمل أن تكون للسببية؛ أي: بسبب اللعان، وأن تكون للتعدية؛ يعني يسقطه بكذا.
واللعان -كما سبق تعريفه- هي الشهادات المؤكدات بأيمان المقرونة بلعن أو غضب.
ما هو الدليل على ثبوت هذا الحكم الثالث؛ لأن الحكمين السابقين ثابتان للزوج ولغيره، ما هما الحكمان السابقان؟
إقرار المرأة، أو البينة، أو حد القذف إذا لم يكن بينة ولا إقرار، لكن في الزوج أمر رابع وهو اللعان، الدليل قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ [النور: ٦]، أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِالحكمة فيها واضحة أنها أربع مرات؛ لأنها مقابل أربعة شهود، فتكون أربع شهادات، وقوله: بِاللَّهِأفادت الآية الكريمة أن هذه الشهادة مقرونة بقسم؛ لأنه يقول: أشهد بالله، كأنما قال: أشهد مقسِمًا بالله؛ ولهذا سمَّاها الله تعالى شهادة، وسمَّاها النبي صلى الله عليه وسلم أيمانًا في قوله: «لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» . وعلى هذا فنقول: هذه الشهادة شهادة متضمنة للقسم، فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِإلى آخره.
وقوله: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ، وأيش نعرب أَنْفُسُهُمْ؟
طالب: بدل.
الشيخ: بدل منين؟ بدلًا من شُهَدَاءُ، لماذا؟
طالب: استثناء غير عامل، استثناء ملغي.
الشيخ: تام منفي. طيب، وين خبر يَكُنْ؟
طالب: لَهُمْ.
الشيخ: ويصلح أن تكون تامة؛ يعني: ولم يوجد لهم شهداء، وبعضهم قال: إن إِلاَّ أَنْفُسُهُمْهذه، إِلاَّصفة بمعنى: غير أنفسهم، كقوله تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُأي: غير الله، لَفَسَدَتَا [الأنبياء: ٢٢]، وقالوا: إن (إلا) تأتي بمعنى (غير) لكن ينقل إعرابها إلى ما بعدها، فهنا تكون أَنْفُسُهُمْصفة لـشُهَدَاءُ، يعني: إِلاَّصفة لـشُهَدَاءُ، لكن نقل إعرابها إلى ما بعدها فظهر عليه، وهذا الخلاف في الإعراب ما يترتب عليه خلاف في الحكم.
يقول المؤلف: (فيقول الزوج قبلها أربع مرات: أشهد بالله) ما ذكر المؤلف.
تقدم ثلاثة شروط: أن يكون بين زوجين، وأن يكون باللغة العربية للقاذف، وأن يقذفها بالزنا، يُشْتَرط أيضًا تكليف الزوجين؛ أن يكون بين زوجين مُكَلَّفين، تكليفه؛ يعني بالغًا عاقلًا.
فيه أيضًا شروط يقول: (فيقول قبلها) يعني: من الشروط أن يبدأ الزوج قبل المرأة؛ ولهذا قال: (فيقول قبلها)، كم دولي؟ خمسة شروط.
السادس: ألَّا تنقص الشهادة عن العدد الذي ذكره الله عز وجل وهو أربع مرات؛ ولهذا قال: (فيقول قبلها أربع مرات: أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه، ويشير إليها) إن كانت حاضرة، (ومع غيبتها يُسَمِّيها وينسبها).
شوف، (أشهد بالله لقد) اللام هذه في جواب القسم، وهذا يدل على أن هذه الشهادة مُضَمَّنة معنى القسم، يقول: أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه إن كانت حاضرة، وإن كانت ما هي بحاضرة يقول: زوجتي فلانة بنت فلان، وينسبها بما تتميز به، ولكن ليس معنى كلامه أن حضور الزوجة وعدم حضورها على حد سواء، بل لا بد أن تحضر حتى يكون اللعان بينها وبين زوجها متواليًا؛ لأن الصورة التي وقعت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام على هذه الصفة.
طالب: الدليل على البلوغ؟
الشيخ: الدليل على البلوغ؛ لأن الشهادة ما تُقْبَل من غير المكلف ولا تُعْتَبر.
طالب: (...)؟
الشيخ: الدليل على ذلك أن الصبيان ما عندهم (...) والثقة والأمانة.
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، (...) حتى يبلغوا ونشوف ونجري اللعان بينهم.
(فيقول قبلها أربع مرات: أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه، ويشير إليها، ومع غيبتها يسميها وينسبها، ويقول: في الخامسة: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين).
إذن لا بد من خمسة؛ أشهد بالله خمس مرات، وفي الخامسة يضيف إليها: (أن لعنة الله عليه)، ولكن الضمير هنا ضمير غيبة، إلا أن الزوج يجعله ضمير متكلم؛ يعني يقول: أن لعنة الله عليَّ، ما يقول: عليه، لكن هذا من باب التأدب في اللفظ أن يُعَبَّر بضمير الغَيبة؛ لئلا يضيف الإنسان المتكلم اللعنة إلى نفسه.
وقوله: (أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين) (إن كان من الكاذبين) شرط، فهذا الدعاء على نفسه باللعنة علَّقه بشرط أن يكون من الكاذبين.
وفُهِمَ من هذا، أو هذه الصيغ التي ذكرها الله في القرآن يدل على أن مثل هذا في حكم اليمين؛ يعني لو قال الإنسان -مثلًا- يبغي يؤكد شيئًا، قال: لعنة الله عليه إن كان كاذبًا، في خبر من الأخبار، يُعْتبر هذا في حكم اليمين؛ لأن الله سماه شهادات، وَالْخَامِسَةُ [النور: ٧]، والنبي عليه الصلاة والسلام سماه أيمانًا.
(ثم تقولُ هي أربعَ مراتٍ) (ثم) يعني: بعد أن ينتهي الزوج، (تقول أربع مرات: أشهد بالله لقد كذب فيما رماني به من الزنى).
طالب: (علي).
الشيخ: ما بها (علي)، اشطبوا عليها.
(لقد كذب فيما رماني بي من الزنا، ثم تقول في الخامسةِ: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين).
طيب، شوف كلام المؤلف، الزوج يقول لا بد: أشهد بالله لقد زنت، لو قال: أشهد بالله أن زوجتي هذه زانية، يصح؟ على المذهب لا يصح، وقال بعض أهل العلم: إنه يصح؛ لأن الله ما ذكر ذلك في القرآن: فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، ولم يذكر الله تعالى زنت ولا أنها زانية، فإذا أتى بما يدل على ذلك -سواء بلفظ: زنت، أو زانية، المهم أنه صريح بالزنا، سواء كان فعلية أو اسمية- فإنه يصح، وهذا هو الصحيح.
كذلك أيضًا قولها هي: (أشهدُ باللهِ لقد كذبَ فيما رَمانِي به من الزِّنا) ليس في القرآن ما يدل على ذلك، لو قالت: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين، فقط، يصح ولَّا ما يصح؟ يصح، على القول الراجح، أما المذهب لا بد أن تصرح بأنه كاذب فيما رماها به من الزنا، قالوا: إنما اشترطنا ذلك؛ لئلا تؤول، فتقول: أشهد بالله إنه كاذب؛ يعني: في شيء آخر غير هذه المسألة، فلا بد أن تقول: فيما رماني به من الزنا؛ لئلا تتأول.
ولكن يجاب عن ذلك فيقال: إن التأويل في مقام الخصومة لا ينفع؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ» ، فلا عبرة للتأويل.
وبناء على ذلك لو اقتصرت على اللفظ الوارد في الآية: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين لكفى، وهذا الذي اختاره ابن القيم رحمه الله؛ لأنه ما دام ما فيه القرآن ليش نلزمهم ونقول: إذا لم يكن هكذا لازم إعادة اللعان، أو إذا لم يكن هذا لا يترتب عليه حكم اللعان؟! لأن هذا -أي كلام المؤلف- إذا اختل شرط فإن اللعان لا يمكن أن يُجرى بينهما، ولا يثبت له حكم.
وقوله: (ثم تقول في الخامسة: وأن غضب الله عليها إن كان من الصادقين) (غضب)، أيهما أشد الغضبُ أو اللعنُ؟ الغضب أشد، وإنما ألزمت بما هو أشد؛ لأن زوجها أقرب إلى الصدق منها، صح ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: هذه واحدة، وألزمت بالغضب أيضًا؛ لأنها عالمة بحقيقة الأمر، الزوجة عالمة بحقيقة الأمر أنها زانية -مثلًا- فإذا أنكرت ما تعلم استحقت الغضب؛ لأن إنكار الحق مع علمه موجِب للغضب؛ ولهذا كان اليهود مغضوبًا عليهم؛ لأنهم علموا الحق وجحدوه، هذه لما كان ذنبها مشبهًا لذنب اليهود صار في حقها الغضب دون اللعن، أما هو فكان في حقه اللعنة؛ لأنه بفعله هذا يوجب.. أو تهمته هذه توجب إبعاد الناس عن هذه المرأة وتركهم إياها ولعنهم لها، فكان من المناسب أن يكون له اللعن، وفي هذا دليل على الحكمة العظيمة في هذه الشريعة.
طالب: أيهما أشد اللعن أو الغضب؟
الشيخ: الغضب أشد؛ لأن الغضب لعن مع غضب؛ يعني: طرد مع غضب، وهو أشد.
طالب: (...)؟
الشيخ: يُتَّبَع ما جاء به الشرع، يقال: إنها هي إذا دفعت عن نفسها ولم يثبت بينة، القرينة ما تثبت هذا، إذا لم يثبت ببينة أنها زنت فإنه يُجْرى اللعان على ما هو عليه.
الطالب: (...)؟
الشيخ: ما لها أثر في الأحكام الشرعية أبدًا.
طالب: ما يلزم من الطرد الغضب؟
الشيخ: لا، ما يلزم منه الغضب؛ لأنه قد يُطْرد بدون أن يغضب الله عليه، فالغضب أشد، الآن افرض أنك -مثلًا- طردت أحد أولادك لكنك ما نهرته أو حمرت عليه العين -كما يقولون- عند طرده، أو أغلظت له القول، لكن إذا طُرِد مع غضب وشدة عليه صار أشد.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا.
إذن لا بد في صيغة اللعان لا بد أن تكون على هذه الصيغة التي ذكرها المؤلف، وأن يبدأ الزوج بها قبل الزوجة، وأن يختص كل منهما باللفظ المخصَّص له؛ الزوج باللعن، والزوجة بالغضب.
وهل هذا الأمر وقع في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؟
وقع في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، وقع في هلال بن أمية، قذف زوجته بشريك بن سَحْمَاء، وجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يشكو إليه، وقال له: «الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ»، فأنزل الله تعالى الآيات في هذا، وأجرى النبي صلى الله عليه وسلم بينهما اللعان .
ووقعت بعد ذلك قصة أخرى مع عويمر العجلاني وزوجته، فأجرى النبي صلى الله عليه وسلم بينهما اللعان .
ووصف النبي صلى الله عليه وسلم الولد الذي حملت به المرأة بأنه إن جاء على الوصف كذا فهو لهلال، وإن جاءت به على الوصف الفلاني فهو لشَرِيكٍ، وأتت به على النعت المكروه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» .
فالحاصل أن هذا الأمر قد يرد -نسأل الله العافية- قد يقع في أي عصر من العصور؛ يعني: ليس أمرًا غريبًا، ولكن الشأن كله في أن الزوج هل يجب عليه إذا اتهم زوجته أن يُلاعِن أو لا يجب، أو يجب عليه الفراق، أو ماذا يفعل؟
طالب: الأولى أنه يجب عليه الفراق.
الشيخ: إي.
طيب، هذه المسألة يقول العلماء: إن حملت من هذا الرجل الفاجر وجب عليه أن يُلاعِن؛ من أجل نفي الولد، وإن لم تحمل فإنه لا يجب عليه اللعان، وله أن يستر عليها، ثم إن كان قادرًا على حفظها وحمايتها فليُبْقها عنده، وإلا فليطلقها؛ لئلا يكون ديوثًا يُقِر أهله بالفاحشة.
طالب: الأفضل أن يستر عليها.
الشيخ: واللهِ الظاهر أن الأفضل الستر، خصوصًا إذا ظهر منها أنها ستتوب، إي نعم.
طالب: شيخ، إذا تلاعن الأجنبي ماذا (...)؟
الشيخ: يعزر الزوج يعني؟
الطالب: لا، الأجنبي (...).
الشيخ: لا، هذا (...) إي نعم؛ لأنه ربما يقول: ليش تقذفني؟ وهذه المسألة مختلف فيها أيضًا: هل إن اللعان يُسْقِط الحد عن المرأة وعن المقذوف بها، أو نقول: سقط عن المرأة وذاك يطالب بحقه؛ المقذوف؟ هذه مشكلة.
طالب: القول (...)؟
الشيخ: بيجيئنا -إن شاء الله- الكلام عليه، الصحيح أنه يصح؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام سكت عن قضية شريك بن سحماء، ولو كان له حق لبينه النبي عليه الصلاة والسلام ليطالب به.
***
يقول: (فإن بدأت باللِّعان قبله) لم يصح اللعان؛ السبب لأنه خلاف القرآن لفظًا ومعنًى، أما خلافه لفظًا فلأن الله قال: فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [النور: ٦]، وأما خلافه معنًى فلقوله: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ [النور: ٨]، والعذاب ما يَثبت إلا بعد أن يُلاعِن الزوج، وإذا كان لا يثبت إلا بعد اللعان لزم من ذلك أن يسبقه؛ أن يسبق لعانُ الزوج لعانَ المرأة، فإذا بدأت قبله فإنه لا يصح، لا بد أنه هو الذي يبدأ.
والعذاب المذكور في الآية وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ [النور: ٨]، ما هو العذاب؟
طالب: الحد.
الشيخ: بعض العلماء يقول: إنه الحد.
وبعض العلماء يقول: إنه الحبس، وأنها إذا شَهد عليها الزوج ولم تُقِر فإنها تُحْبَس حتى تلاعِن أو تقِر.
والصواب خلاف ذلك، الصواب أن العذاب المذكور في الآية هو الحد؛ لأن شهادة الرجل أو لعان الرجل يعتبر كإقامة البينة، ولهذا قال: فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ. إن بدأت قبله لم يصح
(أو نقص أحدهما شيئًا من الألفاظ الخمسة) لم يصح،كأننا نسينا الشروط. الشروط (...) نعم، هذه ستة شروط.
طالب: (...).
الشيخ: ألَّا تنقص عن العدد، إذن.
طالب: داخل فيها.
الشيخ: أو داخلة في الصيغة؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، ما يخالف نكتبها توضيح.
طالب: (...).
الشيخ: ألَّا تنقص عن أربعة، نشوف الآن إن أكثر من عشرة أو إحدى عشر.
طالب: ألَّا يغير ما (...).
الشيخ: طيب، ما وصلناه إلى الآن.
يقول: (أو نَقَصَ أحدُهما شيئًا من الألفاظِ الخمسةِ)، هذا نجعله في الشرط ولَّا داخل في أن يكون في الصيغ المعروفة؟
طالب: داخل يا شيخ.
الشيخ: داخل، طيب، أحسنت
الثاني قال: (أو لم يحضرهما حاكمٌ أو نائبُه) هذا سبعة؛ يعني إذن لا بد من حضور الحاكم أو نائبه، الحاكم يعني القاضي، (أو نائبه) من ينيبه في ذلك؛ وذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لما أخبره هلال بما جرى من امرأته أمره أن يحضرها، فتلاعنا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن هذا كالشهادة في الأحكام، والشهادة ما تُقبل إلا بحضور الشهود عند الحاكم أو نائبه، فلو تلاعن الزوج وزوجته تلاعنا عند حضرة من الناس، قالوا: والله ما إحنا رايحين للقاضي، ما إحنا برايحين للمحكمة، نحب أننا نتلاعن بحضور جماعة -مثلًا- من أهل الزوج ومن أهل الزوجة وفعلوا ذلك، ينفع ولَّا لا؟
طلبة: ما ينفع.
الشيخ: ما ينفع، لا بد من حضور الحاكم أو نائبه.
طالب: الحاكم العام؟
الشيخ: الحاكم القاضي.
الطالب: (...).
الشيخ: السلطان؟
الطالب: إي.
الشيخ: إي، من باب أولى؛ لأن الحاكم الشرعي نائب عن الحاكم العام.
كذلك أيضًا يقول: (أو أبدل لفظة أَشْهَدُ بِأُقْسِمُ).
طالب: (أو أبدل أحدهما).
الشيخ: (أو أبدل أحدهما لفظة أَشْهَدُ بِأُقْسِمُ) ما صح، لماذا؟ لأن الله سماه شهادة؛ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ، فإذا قال: أحلف بالله صارت يمينًا فقط.
طيب، لو لم يقل: بالله، لو قال: أشهد أن زوجتي زنت، أو قالت هي: أشهد أنه كاذب، ما يصح؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: نعم.
إذن هذه ثمانية، ألَّا يُبْدِل شيئًا من الألفاظ بغيره ولو كان مرادفًا له.
(أو أبدل بأقسم أو أحلف، أو أبدل لفظة اللعنة بالإبعاد) الزوج بدل ما يقول: لعنة الله عليَّ، قال: وأنَّ طَرْدَ الله إياه وإبعاده عن رحمته عليَّ، أيش تقولون؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ما هي اللعنة هي الطرد والإبعاد؟
طالب: لأنها تحتمل أنها نافية.
الشيخ: لكن لا بد أن يكون باللفظ الوارد؛ ولهذا قلنا: لا بد أن يكون بالعربية للقادر عليها، ولو كان يجوز إبدال لفظ بلفظ لجازت بالعربية وغيرها.
طالب: هذه تسعة.
الشيخ: طيب، أو الزوجة أبدلت الغضب بالسخط يجوز؟
طالب: لم يصح.
الشيخ: ما يصح، هذه عشرة.
كذلك يُشْترط التوالي بين الكلمات، التوالي بين الجمل.
***
(...) رحمه الله تعالى: (وإن قذف زوجته الصغيرة أو المجنونة عُزِّرَ، ولا لعان).
(إن قذف)، القذف تقدَّم أنه هو الرمي بالزنا أو اللواط، لكن بالنسبة للمرأة ما يُتَصور اللواط، يتصور أيش؟ الزنا. فإذن (قذف زوجته) أي: رماها بالزنا.
(الصغيرة) هي التي دون التسع؛ يعني: التي لا يُوطأ مثلها، وليس المراد بالصغيرة من دون البلوغ؛ لأن من دون البلوغ قد توطأ ويُتَصور منها الزنا، فالمراد بالصغيرة هنا من دون التسع، كما ذكره في الإقناع وغيره.
(أو المجنونة) ولو كبيرة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ولو كبيرة؛ وذلك لأن الصغيرة التي لا يُوطأ مثلها لا يلحقها العار كما يلحق التي يوطأ مثلها، والمجنونة كذلك لا يلحقها العار كما يلحق العاقلة؛ فلهذا لا يجب عليه حد القذف، يقول المؤلف: (عُزِّر ولا لعان) والتعزير في اللغة يطلق على عدة معانٍ؛ منها النصرة، كما في قوله تعالى: لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ [الفتح: ٩]، ومنها التأديب، وهو المراد هنا، فمعنى (عُزِّر) يعني: أُدِّب.
والتعزير على المشهور من المذهب لا يُتجاوز به عشر جلدات؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» ، فعلى هذا يكون التعزير من العشر فأقل.
والصحيح أن التعزير -كما يدل عليه اسمه- ما يحصل به التأديب، سواء كان عشر جلدات أو خمس عشرة جلدة أو عشرين جلدة أو أكثر، إلا أن التعزير إذا كان في مكان له حد فإنه لا يُبْلَغ به الحد، فالتعزير على قذف الصغيرة والمجنونة لا يمكن أن يصل إلى ثمانين جلدة، لماذا؟ لأن حد القذف في الكبيرة العاقلة المحصنة ثمانون، فلا يمكن أن يبلغ التعزير إلى غاية الحد، وهذا القول هو الراجح؛ أن التعزير ما يحصل به التأديب ولو زاد على عشر جلدات، إلا أنه إذا كان جنسه فيه حدٌّ فإنه لا يُبْلغ به الحد؛ لئلا نلحق ما دون الذي يوجِب الحد بالذي يوجب الحد.
وقول المؤلف: (ولا لعان) يعني: لا تلاعن بين الزوج والزوجة فيما إذا كانت صغيرة دون التسع، أو كانت مجنونة؛ لأنه لا يصح اللعان منها، وقد سبق أنه يُشْتَرط في اللعان أن يكون الزوجان مكلَّفين، بالغين، عاقلين.
فإن قذف صغيرة فوق التسع؛ يعني: بلغت تسعًا فأكثر لكن لم تبلغ، فإنهم يقولون رحمهم الله: يُرْجأ الأمر إلى أن تبلغ ثم تطالب بحقها؛ فإما أن تقر، أو تنكر ويقيم عليها البينة، أو يلاعن، ولعانُها في هذه الحال لا يصح؛ لعدم التكليف، وإهدار حقها من اللعان وهي يمكن أن تُوطأ ويبنى بها أيضًا لا يمكن، فقالوا: إذا قذف من دون البلوغ وقد بلغت تسعًا فإنه يُوقَف الأمر حتى تبلغ (...).
ثم قال: (ومن شرطه) من شرط أيش؟ من شرط اللعان، وكلمة (مِن) للتبعيض، فيدل على أن هناك شروطًا أخَر، وهو كذلك.
من شرط اللعان (قذفها) أي: الزوجة، فهنا مصدرٌ مضاف إلى مفعولِه، وما هو الفاعل؟ الزوج؛ يعني: قذفُ الزوجِ إياها، هذا الأصل.
(قَذْفُها بالزنا لفظًا؛ كزنَيْتِ، أو يا زانية، أو رأيتك تزنين في قُبُلٍ أو دُبُرٍ) لا بد أن يُصرِّح بالنطق في قذفها بالزنا؛ مثل أن يقول: زَنَيْتِ، أو: رأيتك تزنين، أو: يا زانيةُ، أو ما أشبه ذلك من ألفاظ القذف، لا بد من هذا.
فإن أشار إشارة دون أن يتلفظ؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: فإنه لا لعان؛ لأنه يقول: من شرطه (قذفها بالزنا لفظًا) لا بد أن يلفظ به.
فيقول المؤلف: (فإن قال: وُطِئْتِ بشبهة) فهذا ليس بقذف، (وُطِئْتِ بشبهة) ما هو قذف؛ لأن هذا لا يلحقها به عار، وهذه يمكن أن توطأ بشبهة؟ نعم، يمكن أن توطأ بشبهة؛ بأن تكون في محل رجل فيطؤها يظنها زوجته.
(أو مكرهةً) يعني: وُطِئْتِ مكرَهةً، فليس هذا بقذف؛ لأنه لا يلحقها العار، وإذا لم يكن ذلك قذفًا فإنه لا لعان بينهما، ولا حد عليه في هذه الحال.
(أو) وُطِئْتِ (نائمةً)، وُطِئْتِ نائمة أيضًا هذا ليس بقذف؛ لأن النائم لا يلحقه إثمٌ ولا لومٌ، وفعل النائم لا يُنْسَب إليه، والدليل قوله تعالى في أصحاب الكهف: وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ [الكهف: ١٨] هم يتقلبون، لكن نسب الفعل إلى الله؛ لأنهم لا يحسون به، وهم ليسوا مكلفين في هذه الحال، وكذلك ما أشرت إليه من الحديث: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ»، ومنهم: «النَّائِمُ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» .
طالب: لكن يلحقها العار؟
الشيخ: لا، ما يلحقها العار.
كذلك إذا (قال: لم تَزْنِ، ولكن ليس هذا الولد مني) هو قال: ما زنت، ولا أتهمها بالزنا، لكن هذا ليس مني. نعم، يمكن أن تكون وُطِئَت بشبهة، لكن هو تحرَّز بقوله: لم تَزْنِ، وتحرَّز أن يقول: إنها وُطِئَت بشبهة؛ لأنه ما يدري هل وُطِئَت بشبهة أو زنت، لكنه ما أراد أن يرميها بالزنا ولا أن يُثْبِتَ أنها وُطِئَت بشبهة، ولكن قال: ليس هذا الولد مني، فإنه لا لعان بينهما، ويكون الولد لمن؟ يكون الولد له حكمًا، ولا يمكن أن ينتفي منه.
طيب، فإن تيقن أنه ليس منه، وقال: ليس هذا الولد مني؛ لأنني غائب عنها ومستبرئها ومتيقن أنه ما هو مني، نقول: هو منك غصبًا، ليش؟ لا بد، إذا أراد أن ينتفي منه ماذا يقول؟ يقول: لازم يقذفها بالزنا ثم يلاعن، هذا المذهب، لا بد أن يقذفها بالزنا ثم يلاعن، لكن هذا القول ضعيف جدًّا، ضعيف حتى أكثر الأصحاب لا يختارونه.
والصواب أنه يصح أن يُلَاعِن لنفي الولد، فيقول: لم تزن ولا أتهمها بالزنا، لكن هذا الولد ليس مني، تلاعن عليه؟ قال: نعم، أُلَاعن على هذا؛ ألاعن على أن الولد ليس مني. أفهمتم الآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هذا القول هو الراجح، بل المتعين؛ لأن مثل هذه المسألة قد يُبْتَلى بها الإنسان، وإلحاقنا الولد بهذا الرجل وهو يقول: ليس مني، معناه: سينسب إليه، ومعنى ذلك أن أبناءه يكونون إخوة، ويجري التوارث بينه بينه وبين أولاده وبين هذا الرجل، والمسألة يتفرع عليها أحكام كثيرة، وهذا الرجل متيقنٌ أنه ليس منه. كيف نقول: لا بد أن تقول الزور، ثم تلاعن؟! ويش هو الزور؟ أن يقذفها بالزنا، يقول: ما أنا بقاذفها بالزنا، ولا أستطيع أني أخفي ذمتي وألطخ عرضها، ولكن هذا الولد ليس منه.
ولهذا هذا القول مَنْ تصوَّره وتصوَّر نتائجه عرف أنه قول ضعيف جدًّا، بل باطل، وأن الصواب الذي اختاره أكثر الأصحاب، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وجماعة من المحققين؛ أنه يجوز اللعان لنفي الولد، وهو الذي تشهد العقول بصحته.
ولكن هاهنا مسألتان:
المسألة الأولى: إذا قلنا بصحة اللعان لنفي الولد، هل يجوز أن ينفيه قبل أن يُولَد أو لا ينفيه حتى يُولَد؟ هذه واحدة.
ثانيًا: هل يُشْترط أن تلاعن الزوجة فيما إذا كان اللعان لنفي الولد، أو يُكْتَفى بلعان الزوج؟ هاتان مسألتان، وفيهما أيضًا خلاف.
أما المسألة الأولى: فالمذهب لا يصح نفي الولد إلا بعد وضعه، ينتظر حتى يُوضَع، ليش؟ قالوا: لأنه يحتمل أن يكون ريحًا وأنه ليس بحمل، فلا يَرِدَ عليه نفي حتى يُوضَع؛ لأنه هو الحال التي نتيقن فيها أنه ولد.
والقول الثاني في المسألة: إنه يصح الانتفاء من الولد قبل وضعه، وهذا هو الصواب؛ لدلالة السنة عليه، ولأنه هو مقتضى القياس.
أما السنة؛ فإن الولد الذي جاءت به امرأة هلال بَيَّن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه إن جاءت به على وجه كذا فهو لفلان، وعلى الوجه كذا فهو لهلال، فدلَّ هذا على أنه يمكن أن يُنْفى قبل الوضع، وعلى هذا فنقول: إن الصواب جواز الانتفاء منه قبل الوضع.
وإذا قدرنا أنه ليس بولد، فماذا يضيرنا؟ ويش يكون إذا لم يكن ولدًا؟ إذا لم يكن ولدًا صار أحسن وأطيب، أو إذا كان ولدًا ثم مات قبل أن يُوضع فليس يتغير الحكم.
أما المسألة الثانية وهي أنه هل يُكْتَفى بلعان الزوج وحده؟
فيقال: الصحيح أنه يُكْتَفى بذلك؛ لأن الله قال في اللعان: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ [النور: ٨]، وفي هذه الحال التي لاعن الزوج من أجل نفي الولد، هل عليها عذاب؟ ما عليها عذاب، لماذا؟ لأنه ما قذفها بالزنا حتى يكون عليها العذاب، فالذي لا بد فيه من اللعان بين الزوجين إذا كان قد قذفها بالزنا لأجل أن تبرئ نفسها، وأما رجل يقول: ما زنت، لكن هذا الولد ليس مني، فالصواب أنه لا بأس به؛ أنه يثبت انتفاء الولد بماذا؟ بمجرد لعان الزوج، فيقول: أشهد بالله أن الولد الذي في بطنها إن كانت حاملًا، أو هذا الولد بعد وضعه ليس مني، يقول ذلك أربع مرات، وفي الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي، هذا مجرد تهمة، ما صرح بأنه ليس منه.
الطالب: (...).
الشيخ: بس تردد فيه وشَكَّ، الرجل ما قال: هذا الولد ليس مني، إنما هو تردد لأجل اختلاف اللون.
الطالب: إذا لاعن فيه لنفي الولد ولاعن فيه؟
الشيخ: ما تلاعن فيه. (...)
وجعل استلحاق هلال للولد قبل أن يُوضَع؛ ولهذا قال: إن أتت به على كذا، وإن أتت به على كذا، ثم لما أتت به قال: «إِنَّهُ لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ» يعني: لأقمت الحد عليها.
الطالب: يعني: بارتفاع بطنها علم بالحمل؟
الشيخ: لا، علامات الحمل عاد معروفة عند النساء، منها -مثلًا- انقطاع..
الطالب: قبل أن يُعْلَم بالحمل؟
الشيخ: قبل أن يعلم، لا، قبل أن يوضع.
الطالب: (...) الحمل؛ أي: ظهر.
الشيخ: ما فيه شك أنه قد وُجِدَ؛ لأنه ما حصل زنا ثانٍ، والولد جاء على النعت المكروه؛ جاء مشابهًا للمتهم.
الطالب: قصد الرسول بعدما ظهر الحمل أو بعد القصة مباشرة؟
الشيخ: (...) قال: إن القذف حصل بعدما حصل الفعل مباشرة أو بعدما تبين الحمل؟ ما عندي علم بهذا.
طالب: إذا كانت (...) تشهد أن الطفل ما هو من الرجل هذا؟
الشيخ: (...) أنه ما هو لازم تتفق؛ ولهذا أحيانًا يحتاج إلى دم لهذا الشخص الذي نزف دمه، يبحثون في عائلته كلها ما يجدون له مشابهًا، يحتاجون أن يأخذوا من دم آخر.
الطالب: (...)؟
الشيخ: لا، ما هو على كل حال، ثم هذه قرينة، ما هي بينة، قرينة وليست بينة.
طالب: وعلى حسب النظرية (...) -يا شيخ- يمكن أن يتخيل نظري، بس فيه ممكن أن النظرية تكون خطأ، يعني هذه قرينة فقط ما يمكن أن نجزم بها.
الشيخ: قرينة، ولا يلزم بها؛ لأنني أسمع.. يعني ثبت عندي أنه أحيانًا يكون الرجل محتاجًا إلى دم يجدون كل اللي حوله ما يجدون إلا هو مثيلًا، وفيه نوع من الدم يسمونه ما له نظير إلا نادر جدًّا قد يكون في هذا الشخص، قد يكون كل فصائل قبيلته ما هي من هذا النوع. (...)
قد توطأ بشبهة -سلمك الله- يمكن توطأ بشبهة، يجي واحد -مثلًا- غصبًا أو مكرهة أو نائمة، ما هو على كل حال.
طالب: إذا -مثلًا- تركها نفساء؟
الشيخ: (...) فالولد له، وإن نفاه فينتفي، لكن العلماء قالوا في مثل هذه الحال: يجب أن يلاعن لنفي في الولد؛ لأنه يقينًا ليس منه، ولا يحل له أن يلحق بنسبه من ليس منه.
طالب: أقول: الآن فيه وسائل، يعني الآن يتعين القول.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: يعني فيه وسائل الآن (...).
الشيخ: نعم، يتعين القول بصحة الانتفاء بدون رميها بالزنا؟
الطالب: إي.
الشيخ: إي، ما فيه شك، حتى لو لم يكن فيه وسائل يعني واضح.
طالب: لو ادعت أنه (...)؟
الشيخ: ما يقبل قولها عليه.
طالب: (...) حين أجزنا اللعان (...)؟
الشيخ: إي نعم، أجزنا ذلك لأنه من باب التأكيد؛ إذ إن الشرع جاء باللعان في مقام القذف بالزنا، أولًا -مثلما ذكر الله عز وجل- أنه من أجل إقامة الحد على المرأة؛ ولهذا قال: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ [النور: ٨]، والثاني أيضًا من جهة الأولاد؛ لأن الأولاد لهم شأن، فنحن نقول هنا: لا نعطيها الحكم الشرعي التام فنقول: تلاعن المرأة ويلاعن الرجل، ولا نسلبه بعض الحكم، فيتبعض الحكم ونقول: يلاعن الزوج ولا تلاعن المرأة.
ولو قيل في مثل هذه الحال: إنه يجوز أن نحكم بتبرؤ الزوج باليمين، إن كان به قول فهو وجيه، لكن الذي عليه أهل العلم أنه لا بد من اللعان.
(...) المرأة لو مكنت أحدًا أن يطأها في الدبر فهي زانية؟
طالب: ما مر علينا.
الشيخ: ويش هو؟
الطالب: (...).
***
الشيخ: يقول المؤلف: (أو قال: لم تَزْنِ ولكن ليس هذا الولدُ مني، فشهدت امرأةٌ ثقةٌ أنه وُلِدَ على فراشِه لَحِقَهُ نسبُه).
الماتن رحمه الله أدخل مسألة في مسألة هنا؛ فإن قوله: (فشهدت امرأة ثقة أنه وُلِدَ على فراشه) هذه الصورة فيما إذا قاله بعد إبانتها؛ أي: بعد أن أبانها ولدت، فقال: هذا ليس مني؛ الولد، ادعى بعد الإبانة، فشهدت امرأة ثقة بأنه وُلِدَ على فراشه. متى ولدته على فراشه؟ قبل أن يبينها؛ ولهذا فرضها في المقنع اللي هو أصل هذا الكتاب، وكذلك في الإقناع والمنتهى فرضوها فيما إذا كان أبانها، فأتت بولد فقال: ليس هذا الولد مني، فجاءت امرأة ثقة قالت: أشهد أن هذا الولد وُلِد على فراشه؛ يعني: ولدته على فراش النوم اللي ينامون عليه بالليل؟
طالب: لا، (...).
الشيخ: لا، المعنى: ولدته على فراشه وهي في حباله، ما هو على فراش النوم، حتى لو ولدته في المستشفى وهي في حباله تكون ولدته على فراشه ولَّا لا؟ إي نعم.
وقوله: (امرأة ثقة) هذا ما مشى عليه المؤلف، وهي جادة المذهب في أن الأشياء التي لا يطلع عليها غالبًا إلا النساء يكفي فيها شهادة امرأة واحدة، والولادة الغالب أنه ما يطَّلع عليها إلا النساء، فيكفي فيها شهادة امرأة واحدة.
وأصل هذا قصة المرأة التي شهدت أنها أرضعت الرجل وزوجته، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يفارقها وقال له: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟!» ، أخذ الفقهاء من ذلك أن كل شيء لا يطلع عليه إلا النساء غالبًا فإنه يُكْتَفى فيه بشهادة امرأة ثقة.
طالب: ويش معنى -يا شيخ- «وَقَدْ قِيلَ»؟
الشيخ: (...) لأن النبي عليه الصلاة والسلام اعتبر شهادة هذه المرأة وهي واحدة.
ولكن في النفس من هذا بعض الشيء؛ لأن طرد هذه المسألة في كل شيء قد يكون فيه نظر، فنقول: ما ورد به الشرع بالاكتفاء بامرأة واحدة -كالرضاع- يُكْتَفى فيه بامرأة واحدة، ولأن غير الرضاع لا يقاس عليه؛ إذ إن الرضاع يُحْتَاط فيه أكثر، بخلاف غيره من الأمور، وإذا كانت الأمور التي لا يطلع عليها إلا الرجال لا بد فيها من شاهدين رجلين أو رجل وامرأتين، فكيف بالأمور التي لا يطلع عليها إلا النساء؟! ولهذا القول الثاني في هذه المسألة: أنه لا يُقْبَل إلا شهادة امرأتين؛ أنه وُلِد على فراشه، فإذا شهدا أنه وُلِد على فراشه لحقه نسبه، ولو كان قد قال: إن هذا الولد ليس مني؛ وذلك لأن المذهب لا لعان على نفي الولد حتى يقذفها بالزنا، فإذا قذفها ثبت اللعان، والله أعلم.
(...) تكذبه الزوجة، من شرط إجراء اللعان أن تكذبه الزوجة؛ أي تقول: إنه كاذب، فلو أقرت بما رماها به أقرت فإنه لا لعان، والسبب أنها أقرت، فإذا أقرت أقيم عليها الحد؛ إن كانت محصنة رُجِمَت حتى تموت، وإن كانت غير محصنة فإنها تُجْلَد مئة جلدة وتُغَرَّب عامًا.
الدليل على أنه من شرطه أن تكذبه الزوجة قوله تعالى: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ [النور: ٨]، وهي إذا صدَّقته وأقرت بالزنا ما يُدْرَأ عنها العذاب؛ لأنها يثبت عليها الحد بإقرارها.
قال: (وإذا تم)، الضمير في قوله: (تَمَّ) يعود على اللعان، إذا تم اللعان بالشهادات الخمس السابقة، ثبت على ذلك أو تفرع عنه عدة أمور:
أولًا: (سقط عنه الحد والتعزير)، عندكم (الحد والتعزير) كذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، سقط عن الزوج الحد والتعزير، والواو هنا بمعنى (أو)؛ يعني: أو التعزير، فالحدُّ إن كانت الزوجة محصنة، والتعزير إن كانت غير محصنة، فإذا كانت الزوجة عاقلة عفيفة فإنه يثبت عليه حد القذف؛ لقوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً [النور: ٤]، فإذا كانت حرة عاقلة عفيفة فإنه إذا قذفها يثبت عليها الحد ثمانون جلدة، وإن لم تكن محصنةً وجب عليه التعزير؛ بأن يعزره الإمام بما يردعه عن هذا العمل، حتى لو كان زوجها؟ لو كان زوجها، نعم. هذا واحد يسقط عنه الحد.
ثانيًا: (وثبتت الفُرقةُ بينهما) هذا الأمر الثاني مما يترتب على اللعان؛ أن الفرقة تثبت بينهما، فيُفَرَّق بينهما.
وقول المؤلف: (ثبتت الفرقة) ظاهره أنها لا تحتاج إلى تفريق الحاكم؛ يعني ما يحتاج أن الحاكم يقول: فرقت بينكما، بل بمجرد اللعان تثبت الفرقة بين الزوج والزوجة، وهو كذلك.
قال -الثالث-: (بتحريم مؤبد) هذا الأمر الثالث مما يترتب عليه؛ على اللعان، أنها تحرم عليه تحريمًا مؤبدًا، لا تحل له أبدًا؛ لا بعد زوج ولا بدون زوج؛ وذلك
أولًا: لأن هذا هو مقتضى الأدلة السابقة التي ذكرناها من قبل؛، أن الرسول فرق بينهما وحرَّمها عليه.
ثانيًا: أن الدليل النظري أننا نقول: كيف يمكن أن يلتئم شخصان، أحدهما يقول: إن الآخر زانٍ، والثاني يقول: إن الآخر قاذف وكاذب؟! فلا التئام بينهما.
وفي هذه الحال -في حال التحريم المؤبد- هل يكون مَحْرَمًا لها؟ لا. لماذا مع أن التحريم مؤبد؟ لأن سبب التحريم هذا ليس من الأسباب المباحة؛ لأن الأسباب المباحة التي يثبت بها التحريم المؤبد تُثْبِتُ المحرميةَ، وهي كم؟ ثلاثة: النسب، والمصاهرة، والرضاع.
وأما تحريم الملاعنة على الملاعن فهو تحريم مؤبد لكنه ليس بأسباب مباحة؛ ولهذا لا يكون مَحْرَمًا لها.
طيب، هل يكون محرمًا لبناتها؟
طالب: (...).
الشيخ: إذا كان (...) بناته.
طالب: (...).
الشيخ: لا، إذا (...)، يكون محرمًا لبناتها إذا كان قد دخل بها؛ لأنهن ربائب.
ويكون محرمًا لأمهاتها؟ نعم، ولو لم يدخل بها؛ لأن أمهات الزوجة يَحْرُمْن على الزوج بمجرد العقد ويَكُنَّ محارم له.
طالب: وينظر إليها؟
الشيخ: من؟
الطالب: الزوج بعد اللعان.
الشيخ: أبدًا، ما يكون محرمًا لها، كيف ينظر إليها؟!
الطالب: لا، ما يكون محرمًا، بس ينظر.
الشيخ: ولا ينظر؛ لأن النظر ما يجوز إلا للمحارم فقط، لا ينظر إليها، ولا يسافر بها، ولا يخلو بها، هي امرأة أجنبية كالمرأة التي في السوق.
الحكم الرابع مما يترتب على اللعان: انتفاء الولد، ولكن هل يُشْتَرط أن ينفيه أو لا؟
اختلف أهل العلم في ذلك؛ فقيل: إن نفاه ثبت انتفاؤه، وإن لم يَنْفِهِ فالولد له، واستدل هؤلاء بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» ، وهذا وُلِدَ على فراشه فيكون له.
وقال بعض العلماء: بل ينتفي الولد بمجرد اللعان وإن لم يَنْفِه، ويكون انتفاء الولد هنا تبعًا للعان، كما أنه لا يُحَد حدَّ القذف لمن رماها به بل يسقط حده تبعًا، فكذلك الولد ينتفي تبعًا.
وهذا القول هو الصحيح، ولهذا الذين لاعنوا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لم تُلحق أولادهم بهم؛ ما ألحق النبي عليه الصلاة والسلام الأولاد بهم، بل صار الأولاد يُدْعَون لأمهاتهم لا لآبائهم.
فصارت الأحكام المترتبة على اللعان أربعة، الأول؟
(...) بالحد أو التعزير عنه؛ لأن شهادته بمنزلة البينة، وهذا من جهة التعليل، لأن الحقيقة ما ذكرنا الأدلة أو العلة.
الدليل على سقوط الحد عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحد هلال بن أمية ولا عويمر العجلاني، ما حَدَّهُمَا، وسقوط الحد أو التعزير حتى عن الرجل الذي قُذِفَت به. هذا حكم.
الحكم الثاني؟
طالب: أن تكذبه الزوجة.
الشيخ: أن تكذبه الزوجة، متأكد؟
الطالب: التحريم المؤبد.
الشيخ: التحريم المؤبد بينهما؟
الطالب: إي.
الشيخ: زين، الدليل؟
الطالب: الدليل قوله تعالى: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ [النور: ٨]. (...)
الشيخ: إي نعم، طيب، والتعليل؟
طالب: (...) والثاني منذ القذف.
الشيخ: نعم، صح.
الحكم الثالث؟
طالب: (...).
الشيخ: يفرق بينكما وهو المذهب، إي نعم.
الحكم الرابع؟
طالب: أن ينسب الولد.
الشيخ: يعني: أن يُنْسب الولد إلى أبيه؟
الطالب: نعم.
الشيخ: نعم، صح؟
طالب: (...) خطأ.
الشيخ: كيف؟
طالب: (...) الولد لأمه.
طالب آخر: انتفاء الولد.
الشيخ: انتفاء الولد، إي، انتفاء الولد عن أبيه ويكون لأمه.
طيب، في هذه الحال إذا أُلْحِقَ بأمه فقط، فكيف ترثه أمه؛ هل ترثه ميراث أم، أو ميراث أم وأب، ويكون لها الفرض والباقي تعصيبًا، أو يكون لها الفرض والباقي لأقرب عصبتها؟
فيه خلاف بين العلماء؛ فمن العلماء من يقول: إنها ترثه ميراث أُمٍّ، والباقي إذا لم يكن له عصبة الولد هذا، الباقي؟
طالب: (...).
الشيخ: يكون لعصبتها هي؛ أقربهم إليها عصبًا يكون له. وانتبه لأني قلت: إذا لم يكن له عصبة، هل يُتَصور أن هذا الولد المنفي ما دام انتفى من جهة أبيه، هل يتصور أن يكون له عصبة؟
طالب: لا.
طالب آخر: (...) عصبة أمه؟
الشيخ: لا، غير عصبة أمه. ما يتصور؟ لا، يُتَصور.
طالب: له إخوة.
الشيخ: أولاده -بارك الله فيك- أولاده، يمكن أن يتزوج ويكون له أولاد فيكونون عصبة له.
والصحيح أن الأم ترثه إرث أمٍّ وعاصبٍ؛ لحديث: «تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقُهَا وَلَقِيطُهَا وَوَلَدُهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيْهِ» ، وهذا الحديث وإن كان فيه ضعف لكن يؤيده المعنى؛ لأن عصبتها لا يدلون إلا بها، فكيف يكون المدلي أقوى من المدلى به؟! وعلى هذا فإذا مات هذا الولد المنفي وليس له عصبة، فنقول: لأمه الثلث فرضًا والباقي تعصيبًا، وعلى القول الثاني -وهو المذهب- أنها لا ترثه إلا ميراث أُمٍّ يكون لها الثلث فرضًا، والباقي لأولى رجلٍ ذَكَرٍ من عصبتها، فإذا كان لها أب وإخوة فالميراث للأب؛ أب الأم، وإذا كان لها جَدٌّ وإخوة فالصحيح أن الميراث للجد، والقول الذين يورثون الإخوة مع الجد يكون على حسب قولهم، لكن الصحيح أن الجد بمنزلة الأب فيحجب الإخوة مطلقًا.
طالب: (...).
طالب آخر: (...).
الشيخ: ابن مريم ينسب إلى أمه مريم؛ لأنه ما له أب، فينسب إلى أمه، هذا أيضًا ينسب إلى أمه، فلما نُسِبَ إلى أمه صارت أمه بمنزلة الذكر؛ ولهذا قال الله تعالى: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى [الأنعام: ٨٤، ٨٥]، من ذريته مع أنه ولد بنت، وأولاد البنات على القول الراجح لا يدخلون في الذرية، لكن إنما دخل عيسى في ذرية إبراهيم؛ لعدم وجود أب له، فهو ابن مريم.
طالب: والأم (...).
***
الشيخ: ثم قال: (فَصْلٌ فيما يلحق من النسب).
وهذا الفصل من أهم الفصول في هذا الباب، وذلك أن الأصل فيما وُلِدَ على فراش الإنسان أنه ولده، والشبه التي تعترض الإنسان في هذا الأمر يجب أن يلغيها وألَّا يلقي لها بالًا؛ لأن الشرع يحتاط للنسب احتياطًا بالغًا؛ لأن عدم إلحاقه بأحد معناه أنه يضيع نسبه ويبقى مُعَيَّرًا ممقوتًا بين الناس، ويحصل له من العُقَد النفسية والآلام ما لا يخفى؛ فلهذا كان حرص الشارع كبيرًا على إلحاق النسب.
قال المؤلف: (من ولدت زوجته بمن أمكن أنه منه لحقهُ) هذه قاعدة عامة: (من ولدت زوجته)، ومعلوم أنه لا تكون زوجة إلا بعقد صحيح.
(من أمكن أنه منه لحقه) شوف: (من أمكن أنه منه) فإنه يلحقه ويكون ولدًا له، والدليل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» .
وعُلِمَ من قوله: (من ولدت زوجتُه) أنه لو ولدت أنثى غير زوجته؛ مثل امرأة زنى بها -والعياذ بالله- فولدت ولدًا منه يلحقه، ولَّا لا؟
طالب: ما يلزم.
الشيخ: ولدت ولدًا منه يقينًا، هل يلحقه أم لا؟
طلبة: ما يلحقه.
الشيخ: إي نعم، واضح (من ولدت زوجته) فلا يلحقه؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، العاهر: الزاني.
طيب، إذا استلحقه ولم يدعه أحد، قال: أنا أبيه، ولدي وينسب إليَّ، يلحقه ولَّا لا؟ لا يلحقه؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ».
طالب: الحجر؟
الشيخ: الحجر، تعرف الحجر الحصاة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، يعني معناه ما له شيء، إذا ادعاه خذ حصاة وحطها بفمه.
إذن حتى لو قال الزاني: أنا أب الولد هذا، انسبوه إليَّ، ما ينتسب إليه، حتى لو تزوج المزني بها فيما بعد، كما يجري عند بعض الناس إذا زنى بامرأة وحملت منه، قالوا: نبغي نستر عليها، نخليه يتزوجها، ويستلحق الولد، وتكون زوجته، ويكون الولد ولده، ويكون في هذا ستر على الجميع وفك مشاكل؛ لا تعير الأم، ولا يعير الولد.
المهم أن كلام المؤلف واضح أنه ما يمكن أن يلحق به إلا إذا كان من زوجته، أما إذا كان من امرأة أجنبية فإنه لا يُلْحَق به ولو استلحقه.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه إذا استلحقه ولم يَدَّعِهِ أحدٌ فإنه يلحق به؛ حفظًا لنسب هذا الطفل، لئلا يضيع نسبه، ولئلا يُعَيَّر، ويش ذنبه المسكين؟! فإذا استلحقه الزاني وقال: أنا أريده لحقه، وإذا كان الإنسان في باب الإقرار مشاركًا بالميراث -كما مر علينا- إذا أقر بأن هذا وارثه أو أنه ابنه ولو ما عُلِم؛ إنسان مجهول قال: هذا ابني، فإنه سبق لنا أنه يُلحق به، كل ذلك حفظًا للأنساب، فهذا الرجل الذي استلحق هذا الولد بدون أن يدعيه أحد يكون له، وهو مذهب إسحاق بن راهويه، واختاره بعض السلف أيضًا؛ ذهب إليه بعض السلف؛ أن الزاني إذا استحلق الولد الذي خلق من مائه فإنه يلحقه. قالوا: وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» جملة واحدة، جملتان متلازمتان، «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» فيما إذا كان عندنا فراش وعاهر، فلو زنى رجل بمزوَّجة، وقال: الولد لي، نقول: لا، ويدل لذلك سبب الحديث؛ فإن سبب الحديث هو أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ادعى أن غلامًا كان عهد به إليه عتبةُ؛ لأن عتبة فجر بوليدة لزمعةَ، زمعة أبو؟
طالب: زوج النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: أبو سودة بنت زمعة، فاختصم فيه سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة، أما سعد فقال: يا رسول الله، إن هذا ابن أخي عتبة عهد به إليَّ؛ يعني وصاني عليه، وأما عبد بن زمعة فقال: يا رسول الله، هذا أخي، وُلِدَ على فراش أبي، كيف يكون ولدًا لعتبة؟ فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله، انظر إلى شبه الولد، لما نظر إلى شبهه وجد أنه يشبه عتبة، رأى شبهًا بينًا بعتبة، ولكنه عليه الصلاة والسلام قال: «الْوَلَدُ لَكَ يَا عَبْدُ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، لكن قال لسودة: «وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ» .
طالب: ويش هو العاهر؟
الشيخ: العاهر: الزاني.
قال: «احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ»، فأمر سودة بأن تحتجب منه وهو أخوها، حكم بأنه أخوها وقال: احتجبي منه، لماذا؟
قال بعض العلماء: إن هذا من باب الاحتياط؛ لأنه وُجِدَ عندنا أصل وظاهر، ويش هو الأصل؟ الفراش، والظاهر الشَّبَه البَيِّن بعُتبةَ، فلما اجتمع عندنا أصل وظاهر صار الاحتياط أن نحكم بالأصل وبالظاهر ونحتاط؛ نعمل بهذا وبهذا.
وقال بعض العلماء: إن هذا من باب إعمال الدليلين، وإن هذا ليس حكمًا احتياطيًّا، بل هو حكم واجب، وفرقٌ بين الحكم الاحتياطي ما هو واجب، كل ما قيل: هذا احتياط ما هو بواجب، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الحكم الاحتياطي لا يدل على الوجوب.
لكن القول الثاني أن هذا حكم أصلي أُعمِل فيه السببان؛ وهما الأصل والظاهر، فيكون هذا الحكم ليس احتياطيًّا، لكنه يُعَكِّر على هذا أن هذا..





