طيب، نقول: الآن عملنا بالآيتين جميعًا: أربعة أشهر وعشر، ووضع الحمل.
طالب: هذا نادر.
الشيخ: المهم إذا حصل، سبحان الله! إذا لم تحصل، نفرض أنها وضعت قبل أربعة أشهر وعشر، لما مضى شهران وضعت، تنقضي العدة؟ إن نظرنا إلى آية البقرة قلنا: ما تنقضي العدة؛ لأن الله يقول: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، إن نظرنا إلى آية الطلاق قلنا: تنقضي. إذن نعمل بأيتهما؟ ما يمكن أن نعمل بهما جميعًا حتى نقول: تنتظر إلى أربعة أشهر وعشر.
طيب، مضى عليها أربعة أشهر وعشر والحمل لم ينزل؛ ما وضعته، باقٍ عليه شهران وقد مضى عليها أربعة أشهر وعشر؟
إن نظرنا إلى آية البقرة قلنا: انقضت العدة، وإن نظرنا إلى آية الطلاق قلنا: ما انقضت؛ لأنها ما وضعت، إذن فتبقى حتى تضع، ولهذا ذهب علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس إلى أنها تعتد بأطول الأجلين، وحجتهما ظاهرة؛ لأنه ما يمكن العمل بالآيتين إلا هكذا.
ولكن السنة تأبى ذلك؛ سنة الرسول عليه الصلاة والسلام تأبى ذلك، فإن سُبيعة الأسلمية مات عنها زوجها ونفست بعده بليالٍ معدودة، فأرادت أن تتزوج، فجعلت تتجمل للخُطَّاب، فمر بها أبو السنابل بن بعكك فقال: ما لكِ؟ يعني: تتجملين للخُطَّاب، لا يمكن أن تفعلي حتى يتم لك أربعة أشهر وعشر، أخذًا بأيش؟ بأطول الأجلين، هذا هو المعقول، لكن ذهبت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، شدت عليها ثيابها ومشت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وسألته، فقال: «كَذَبَ أَبُو السَّنَابِلِ»؛ يعني: أنه أخطأ، الكذب يراد به الخطأ، أخطأ، ثم أذن لها أن تتزوج .
ففي هذا الحديث الثابت في الصحيحين دليل على أن عموم آية الطلاق مقدم على عموم آية البقرة، ويكون المعتبر إذن وضع الحمل، سواء كان دون أربعة أشهر وعشر، أو فوق أربعة أشهر وعشر، وهذا هو الصحيح؛ على أنها تعتد بوضع الحمل طالت المدة أم قصرت.
وقوله تعالى: أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، وقول المؤلف: (إلى وضعِ كلِّ الحَمْلِ)، لو (...) الحمل تنتظر؟
طالب: نعم.
الشيخ: تنتظر، وسيأتينا -إن شاء الله- منتهى مدته؛ أطول مدة.
طالب: أيش جوابهم عن (...)؟
***
الشيخ: (وإنما تنقضي بما تصير به أمةٌ أُمَّ ولد) (تنقضي العدة بما) أي: بوضع ما تصير به أمةٌ أمَّ ولد، يحتاج الآن أن نراجع عاد باب العتق.
بماذا تصير الأمة أم ولد؟
إذا وضعت ما تَبَيَّن فيه خلق إنسان؛ بأن بانت مفاصله، بانت يداه ورجلاه ورأسه، بَيِّن، لا عبرة بالخطوط؛ لأن الخطوط -بإذن الله- تُشَاهَد حتى وهو علقة، لكن الكلام على التميُّز، فإذا تميز -يعني: عُرف رأسه، ورجلاه بانت، ويداه بانت- ووضعت، فحينئذٍ تنقضي العدة، فإن وضعت من لم يتبين فيه خلق الإنسان فلا عبرة بهذا الوضع، وتعتد بالحيض إن كانت مطلّقة، وبأربعة أشهر وعشر إذا كانت متوفى عنها زوجها.
إذن (بما تصير به أمة أم ولد) ما هو؟ هو الذي تَبَيَّن فيه خلق إنسان.
طالب: حتى وإن لم يعش؟
الشيخ: إي، ما هو بعائش، إذا صار (...) ما يعيش إلا بعد ستة أشهر.
(فإن لم يلحقه لصغره) (يلحقه) يلحق الزوجَ، (لصغره) كيف لصغره؟ متى يكون صغيرًا؟ اللي دون العشر. زوج جامع زوجته وهو دون العشر، قلنا: لا عبرة بهذا الجماع، ولا بهذه الخلوة؛ لأن الولد لا يلحقه، كيف ما يلحقه؟ نعم، قل: ما يمكن أبدًا أن ينزل ماءً يُخْلَق منه آدمي وهو دون العشر، أبدًا، حتى لو فُرِضَ أن له شهوة وأنزل ماءً فلا يمكن (...) ولد حتى يتم له عشر سنين.
(أو لكونه ممسوحًا)، ويش لون (لكونه ممسوحًا)؟ يعني: ما له ذَكَرٌ، فهو ما يلحقه الولد؛ يعني: سواء بأصل الخلقة أو مقطوع فهو ما يلحقه.
إذن بماذا تعتد؟ تعتد بعد الوضع بما يكون عدةً لها؛ من حِيَضٍ أو أربعة أشهر وعشر.
طالب: ما هو واضح (...)؟
الشيخ: لا، ما هو (...).
طالب: (...) تكون زانية؟
الشيخ: كيف؟ ما هو لها الولد هذا.
الطالب: (...) تكون زانية؟
الشيخ: ما علينا منها، زانية ولَّا غير زانية، المهم أنه ما هو لها؛ يعني هذا رجل تزوج وهو ممسوحٌ؛ ما له ذَكَرٌ، وطلق زوجته، ثم وضعت بعد ستة أشهر، بعد سبعة أشهر، بعد ثمانية أشهر، نقول: هذه ما تنقضي بها العدة، السبب: لأنه لا يُنْسَب له؛ لعدم إمكان وطئه، هذا السبب.
(أو ولدت لدون ستة أشهر منذ نكحها) يعني: فإنه لا يلحقه، بعد أن تزوج امرأة، ثم طلقها وهي حامل، ثم وضعت الحمل بعد أن مضى على عقد النكاح عليها خمسة أشهر وعاش الحمل؟
طالب: لا يلحقه.
طالب آخر: ليس له.
الشيخ: لا يلحقه. هل تنقضي العدة به؟ ما تنقضي؛ لأن هذا الولد لا يُنْسَب إليه، إذن بعد وضعه تعتد بثلاث حِيَضٍ.
وقول المؤلف: (ونحوه) بأن تأتي به فوق أربع سنين منذ أبانها؛ بناء على القول بأن أكثر مدة الحمل أربع سنوات، فإذا أتت به لأكثر من أربع سنوات منذ أبانها فإنها لا تنقضي به العدة، ولا يُنْسَب إلى زوجها.
مثال ذلك: هذا رجل طلَّق زوجته آخر ثلاث تطليقات وهي حامل، وبقيت على المذهب حاملًا حاملًا حاملًا، مضى أربع سنين ما وضعت، وضعت فوق أربع سنوات، من يكون الولد له؟ ليس له، إذن لا تنقضي به العدة، تنتظر حتى تحيض ثلاث حِيَضٍ.
طالب: أو استبراء في البينونة؟
الشيخ: لا.
الطالب: البينونة الكبرى.
الشيخ: طلاق، البينونة الكبرى فيها خلاف، لكن ظاهر الآية أنها عدة طلاق.
يقول المؤلف: (وعاش) قوله: (وعاش) يعود على قوله: (لدون ستة أشهر)، لدون ستة أشهر وعاش فإنها لا تنقضي به العدة؛ وذلك لأنه لا يمكن أن يولد جنين لدون ستة أشهر ويعيش؛ إذ إن أقل مدة يعيش فيها الحمل ستة أشهر.
استفدنا الآن من كلام المؤلف رحمه الله أنه يُشْتَرط في الحمل الذي تنقضي به العدة أن يكون منسوبًا شرعًا إلى من له العدة، فإن لم يُنْسَب إليه لم تنقض به.
والشرط الثاني: أن يتبين فيه خلق إنسان، فإن لم يتبين به خلق الإنسان فإنها لا تنقضي به العدة.
يقول: (لم تنقض به، وأكثر مدة الحمل أربع سنين، وأقلها ستة أشهر، وغالبها تسعة أشهر).
الحمل له أقل، وأكثر، وغالب؛ غالبه تسعة أشهر، كما هو معروف، وأقله ستة أشهر بمقتضى دلالة القرآن؛ فإن الله يقول: حَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْرًا [الأحقاف: ١٥]، ويقول: وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ [لقمان: ١٤]، فإذا أخذنا عامين للفصال بقي للحمل ستة أشهر، وهذا واضح.
أكثره أربع سنين، ما فيه دليل لا من القرآن ولا من السنة على هذا؛ ولذلك اختلف فيه العلماء، فقال بعضهم: أربع سنين، وقال بعضهم: سنتان، وقال بعضهم: ست سنوات، وقال بعضهم: سبع سنوات، وقال آخرون: لا حد لأكثره؛ لأن الكتاب -يعني القرآن- دل على أقله ولم يذكر أكثره، ولأن المعنى يقتضي ذلك، فإذا رأينا امرأة حاملًا وما زال الحمل في بطنها، ولم يجامعها أحد، ومضى أربع سنوات، نقول: الحمل الآن ما هو من زوجها؟! هذا ما يمكن نقوله، ولا يمكن أن يقال به، والمسألة مبنية يقولون: لأنه ما وُجِدَ أكثر من أربع سنين، هذا ما هو بصحيح، بل قد وُجِدَ أكثر من أربع سنين، ووجد إلى سبع سنوات، أو تسع.
طالب: ويمكن يوجد أكثر.
الشيخ: ويمكن يوجد أكثر ما ندري، فالمسألة معلقة بشيء موجود في البطن، يبقى حتى يوضع هذا الشيء الموجود، فالصواب أنه لا حد لأكثره. والله أعلم.
***
بسم الله الرحمن الرحيم.
(غالبها تسعة أشهر) غالب مدة الحمل تسعة أشهر؛ لأن هذا هو الواقع.
ما هو أقل زمن يتبين فيه خلق الإنسان؟
أقل زمن يتبين فيه خلق الإنسان واحد وثمانون يومًا، وغالب زمن يتبين فيه خلق الإنسان تسعون يومًا؛ ثلاثة أشهر، هذا الغالب، والحمل -عرفتم الآن- غالبه تسعة أشهر.
ما قولكم في رجل طلق امرأته فولدت لخمسة شهور منذ نكحها وعاش، تنقضي العدة ولَّا لا؟
طلبة: لا تنقضي العدة.
الشيخ: ليش؟
طالب: لأنه لا يُلْحَق..
الشيخ: إي؛ لأن هذا ما وصل إلى أقل مدة الحمل. إذن تبتدئ عدة طلاق من جديد بعد الوضع.
البارحة أظن أشكل عليكم كونه ممسوحًا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: الممسوح هو الذي قطع ذكره وأنثياه، هذا الممسوح، فإن قطعت أنثياه فقط فهو خَصِي، وإن قطع ذكره فقط فهو مجبوبٌ. فعندنا مجبوبٌ وخصيٌّ وممسوحٌ.
طالب: شيخ، (...) العدة بعد خمسة أشهر من الطلاق ولَّا من بيان الحمل؟
الشيخ: لا، من نكاحه.
الطالب: آخر مرة نكحها؟
الشيخ: من نكاحه؛ يعني: من عقده عليها.
الطالب: كيف؟
الشيخ: إي نعم. (...)
يقول المؤلف رحمه الله: (ويباح إلقاء النطفة قبل أربعين يومًا بدواء مباح) (يُبَاح) يعني: يحل، (إلقاء النطفة قبل أربعين يومًا) النطفة هي القطرة من المني، يُبَاح إلقاؤها منين؟ من الرحم، لكن اشترط المؤلف أن تكون قبل أربعين يومًا من ابتداء الحمل؛ وذلك لأنه «يَبْقَى بِإِذْنِ اللَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً» -كما قال النبي عليه الصلاة والسلام- «ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ» .
اشترط المؤلف شرطًا آخر: (بدواء مباح)، فأما بدواء محرم فإنه لا يجوز. فلا بد من شرطين: أن يكون قبل أربعين يومًا، وأن يكون بدواء مباح. وظاهر كلام المؤلف سواء كان ذلك لحاجة أم لم يكن.
وعُلِمَ من قوله: (قبل أربعين يومًا) أنه بعد أربعين يومًا لا يُبَاح إلقاؤه ولو لم تُنْفَخ فيه الروح، وهو كذلك على المذهب، والمسألة فيها لها ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون قبل أربعين يومًا.
الثانية: أن يكون بعدها وقبل نفخ الروح.
والثالثة: أن يكون بعد نفخ الروح.
أما بعد نفخ الروح فيه فيأتي -إن شاء الله- التفصيل فيه قريبًا.
وأما قبل أربعين يومًا ففيه خلاف بين أهل العلم؛ المشهور من المذهب الجواز أنه يجوز للمرأة أن تشرب دواء تُسقط الحمل إذا كان قبل أربعين يومًا، قالوا: لأنه الآن نطفة، ما بعد تكون إلى علقة، فلا يُعْلَم هل تفسد أو لا تفسد؟ ولأن الإنسان يجوز له أن يعزل، وهذا شبيه بالعزل.
وقال بعض العلماء: إنه لا يجوز، ما دام تيقنت الحمل فإنه لا يجوز إسقاطه ولو كان نطفة، قالوا: لأن احتمال الفساد كاحتمال الموت بعد نفخ الروح، ما دام أنه علق وصار الحيوان المنوي علق بالبيضة فاحتمال أن يفسد وارد، كما أن احتمال أن يموت بعد نفخ الروح فيه وارد أيضًا، لكن الأصل أنه باقٍ، وليس كالعزل؛ لأن العزل منعٌ وهذا رفعٌ، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: العزل منع؛ يعني: منع الماء أن يدخل في الرحم، وهذا رفع؛ يعني: رفع هذا الماء الذي وصل إلى الرحم وعلق وابتدأ تكوين إنسان، فبينهما فرق. وعلى هذا القول يكون حرامًا ما يجوز إلقاؤه. والفرق بينه وبين العزل واضح، ما فيه شك أن الفرق واضح.
ولكنه يأتي الحال الثانية إذا كان علقة، هل يجوز إلقاؤه أم لا؟
المذهب لا يجوز إلقاؤه؛ لأن العلقة دم، والدم مادة الحياة، فالآن انتقل وتحوَّل وتغير من الماء الذي لا قيمة له إلى دم هو ابتداء خلق الإنسان، وهو مادة الروح؛ ولذلك إذا نزف دم الإنسان فإنه يبقى أو يموت؟ يموت، قالوا: فإذا وصل إلى هذه المرحلة فإنه لا يجوز إلقاؤه.
وقال بعض العلماء: بل يجوز إلقاؤه؛ لأنه دم، والدم لا قيمة له؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ، والله حرم علينا أكل الميتة ولحم الخنزير، فإذن يكون لا قيمة له، فيجوز إلقاؤه، وليس آدميًّا محترمًا حتى نقول: إنه لا يجوز.
أما بعد نفخ الروح فيه فإنه لا يجوز إلقاؤه، ولكن إلقاؤه بعد نفخ الروح فيه له أحوال: تارة يُلْقَى في حالٍ يعيش فيها؛ مثل إذا تمت التاسع -مثلًا- المرأة وحصل عليها صعوبة في الوضع، يجوز إلقاؤه ولَّا لا؟ يجوز إلقاؤه بشرط أن نأمن السلامة؛ يعني: ألا يكون في ذلك خطر على حياته ولا على حياة أمه، فإن كان في ذلك خطر فهو حرام.
الثانية: أن يُلْقَى قبل أوان نزوله؛ مثل أن يُلْقَى وله خمسة شهور، ستة شهور، قبل أوان النزول، فهذا يحرم؛ لأن الغالب أنه لا يسلم، اللهم إلا فيما لو ماتت الأم وهو حي، ورُجِيَ بقاؤه لو أُخرج، فهذا ربما يقال بالجواز.
لو قال قائل: الآن الحمل قد نُفِخَت فيه الروح وتحرك، لكن أمه لو بقي لكان خطرًا عليها؛ تموت، وإذا ماتت سيموت، فهل ننزله الآن ولَّا ما ننزله؟
طالب: ننزله.
الشيخ: أنتم فاهمون المسألة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هذا جنين في بطن أمه قد نُفِخَت فيه الروح، وقالوا: إن بقي حتى يخرج فإنها تموت الأم، وإن أخرجناه هي تسلم، هل نخرجه؟
طالب: نعم نخرجه.
الشيخ: هه.
الطالب: ننظر (...).
الشيخ: طيب. الآن نضرب مثلًا: هذا رجل ميت من الجوع وعنده طفل مملوء لحمًا وشحمًا، صغير، لحمه لين، وهذا الرجل ميت من الجوع، يقول: إذا ما أكلت الطفل هذا مِتُّ، ويش نقول؟
طالب: نقول: مت.
الشيخ: لا، الطفل صغير، ولحمه رقيق.
طالب: (...) حياته بموت (...).
الشيخ: إي نعم، نقول: هذا لا يجوز، لا يجوز أن نخرجه من بطن أمه ونحن نعرف أنه بيموت.
فإذا قال قائل: إن أبقيتموه مات هو وأمه، فخسرتم نفسين؟
نقول: لكن هذا ليس بفعلنا، إذا أبقيناه وماتت أمه ومات هو هذا ليس بفعلنا، هذا بفعل الله عز وجل، أما إذا نزَّلنا نحن الطفل ومات بفعلنا فنحن الذين قتلناه. ثم نقول: ربما تموت الأم ويكون -مثلًا- عندنا أجهزة نشق بطنها بسرعة ونخرج الولد ويسلم، وفي الحالة الأولى ربما نظن أنه لو بقي ماتت، ويكون مع المعالجة والمداراة والحمية تسلم الأم، ومعها الولد يمكن يسلم، المهم أنه ما هو على كل حال تموت الأم.
فبهذا نعرف أن الشرع كله خير، وأن الإنسان لو استحسن شيئًا قد يفوته أشياء، وإلا في بادئ الأمر يقول: كوننا نقتل نفسًا ولا نقتل نفسين أحسن، نقول: أبدًا، هذا فرق بين اللي من فعلنا واللي من فعل الله.
وعلى هذا فإذا نُفِخَت فيه الروح فإنه لا يجوز إخراجه على وجه لا نأمن سلامته ويكون عليه خطر فيه.
إذا قال قائل: إذا كان بين النطفة ونفخ الروح، هو الآن -مثلًا- علقة أو مضغة لكن ما نُفِخَت فيه الروح، واضطررنا إلى تنزيله، بحيث إنه لو بقي في بطن أمه لخشي عليها الهلاك، ننزِّلُه ولَّا لا؟ في هذه الحال ننزله؛ لأنه إلى الآن ما نُفِخَت فيه الروح، والأم خطر عليها؛ يعني قال الأطباء: إنه تسعين في المئة يمكن تموت، نقول: هذا لا بأس به؛ لأن ما في ذلك قتل نفس، ولهذا الجنين في هذه المرحلة لو أنه نزل من بطن أمه لا يُغَسَّل ولا يُكَفَّن ولا يُصَلى عليه، يُحْفَر له في أي مكان ويدفن؛ لأنه إلى الآن لم يكن إنسانًا، ولا يبعث يوم القيامة؛ لأنه ما صار إنسانًا، وتأمل هذا في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ [الحج: ٥].
فقوله: نُخْرِجُكُمْ طِفْلًاهذا بعد الأطوار السابقة، وفي الآية الأخرى يقول: ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَبعد ذكر العلقة والمضغة، فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ [المؤمنون: ١٤]، شوف خَلْقًا آخَرَ، من حيث الصورة والجسم ما تغير، لكن من حيث إنه صار إنسانًا يحس ويدرك جعله الله تعالى خلقًا آخر، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: ١٤].
الخلاصة الآن نقول: الذي يترجح لنا في هذه المسألة أنه لا يُلْقَى حتى ولو قبل الأربعين، إلا إذا كان لحاجة قبل الأربعين، أو لضرورة فيما بين الأربعين إلى نفخ الروح، وأما بعد نفخ الروح فلا يُخْرَج أبدًا.
طالب: متى الغالب في نفخ الروح؟
الشيخ: نفخ الروح ما هو غالب، يقين؛ أربعة أشهر، إذا مضى أربعة أشهر نُفِخَت فيه الروح.
***
ثم قال: (فصل: الثَّانِيةُ) يعني: من المعتدات، (المتوفي عنها زوجها) أو (المتوفى)؟
طلبة: (المتوفى).
الشيخ: (المتوفى)؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ويش الفرق بين المُتَوفِّي والمُتَوَفَّى؟ اسم فاعل واسم مفعول، نعم، والصواب اسم المفعول؛ لأن الله تعالى يقول: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر: ٤٢]، فالإنسان مُتَوَفى. ويجوز لكنه لغة ضعيفة جدًّا أن نجعلها لاسم الفاعل: مُتَوَفٍّ؛ يعني: متوفٍّ أجله ورزقه؛ يعني قد استوفاه واستكمله، لكن الأول هو الأصح.
(المتوفى عنها زوجها بلا حمل منه) احتراز من أيش (بلا حمل)؟ من الحامل.
طيب، والحامل؟ تقدم أن عدتها بوضع الحمل.
(بلا حمل منه قبل الدخول أو بعده) وقبل الخلوة أيضًا؟
طالب: وقبل الخلوة.
الشيخ: نعم، وقبل الخلوة.
وهل يُشْتَرط أن تكون ممن يُوطأ مثلها وهو ممن يطأ مثله؟
طالب: لا، لم يشترط.
طالب آخر: ما اشترطناه.
الشيخ: ما اشترطناه، ففي عدة الوفاة ما يُشْتَرط إلا شرط واحد فقط؛ وهو أن يكون النكاح غير باطل، ولا يُشترط سوى ذلك، فلا يُشترط وطءٌ ولا خلوةٌ ولا كِبَرٌ ولا عقلٌ، ولا شيء؛ ولهذا نقول: قبل الدخول وبعده، وقبل الخلوة وبعدها، وفي حال الصغر وفي حال الكبر.
طيب، لو عُقِد له على طفلة لها سنتان ومات عنها، تعتد؟
طالب: نعم.
الشيخ: وتحاد؟
الطالب: نعم.
الشيخ: نجنبها الزينة والطيب، ونخليها في البيت ما تطلع إلا لحاجة.
طالب: تهرب.
الشيخ: لا، نحطلها لعابيب حتى تقعد في البيت.
المهم أنه لا يُشترط الكبر؛ يعني: البلوغ ما هو بشرط، والعقل ما هو بشرط، وكونه يمكن وطؤها ولَّا يجوز وطؤها ويمكن أن يولد له ليس بشرط، مطلقًا، والدليل على ذلك عموم الآية: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا [البقرة: ٢٣٤]، ما قيَّد الله فيها شيئًا، مجرد كونها زوجة؛ ولهذا ترث منه ويرث منها.
طالب: (...)؟
الشيخ: إي نعم، (...) على الغالب.
طالب: إذا عقد لها ولها سنتان هل تعتبر زوجة؟
الشيخ: إي.
الطالب: تعتبر زوجة؟
الشيخ: نعم.
الطالب: ويجوز يعني..؟
الشيخ: يجوز بشروط تقدمت لنا في النكاح.
يقول: (للحرة أربعةُ أشهرٍ)، عندي أنا: (وعشرة) بالتاء.
طالب: وعشرة أيام بلياليها.
الشيخ: عندكم سدا؟
طالب: (أربعة أشهر وعشرة).
الشيخ: وعشرة أيام بلياليها، هذا بالشرح.
طالب: وعشرًا.
الشيخ: عندي بالتاء على أن التمييز مُذَكَّرٌ، (أربعة أشهر وعشرة)، لكن تقدم لنا أن ثلاثة إلى عشرة تُؤنث مع المذكر وتُذكَّر مع المؤنث إذا ذُكِرَ المُمَيَّز، أما إذا لم يُذكر فيجوز الوجهان، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة: ٢٣٤] ما هي عشر ليالٍ كما قاله كثير من الناس، ولكن عَشْرًاعشرة أيام؛ لأن (أشهر) للزمان النهاري، فكذلك عشرة أيام، لكنها لم تؤنث؛ لأنه لا يجب تأنيث العدد مع تذكير المعدود إلا إذا ذُكِرَ؛ إذا كان مذكورًا.
المهم للحرة أربعة أشهر وعشرة أيام، الدليل الآية: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة: ٢٣٤].
ما هي الحكمة في أنها أربعة أشهر وعشر، الحكمة لماذا؟ الحكمة في ذلك -والله أعلم- أنها حمايةٌ لحق الزوج الأول، ولذلك لما عظم حق الرسول عليه الصلاة والسلام صارت نساؤه حرامًا على الأمة في كل الحياة؛ لعظم حقه، أما غيره فيُكْتَفى بأربعة أشهر وعشرة أيام.
طيب، لماذا كانت أربعة وعشرة؟
الأربعة ثلث الحول والعشرة ثلث الشهر، وقد جاء في الحديث: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» ، وكانت النساء في الجاهلية يبقين في العدة سنةً في أكره بيت؛ يحطون لها خباء صغيرًا في بيتهم، وتقعد به بالليل والنهار، ولا تغسل ولا تنظف ولا شيء أبدًا، يعطونها (...) من وراء الستار، وتبقى سنة كاملة يمر عليها الصيف والشتاء، فإذا خرجت جابوا لها عصفورًا ولَّا دجاجة ولَّا شي وخلوها تتمحش به، إذا تمحشت به ومات فهذه ممتازة؛ من كراهتها ورائحتها، ثم ماذا تفعل؟ تطلع من هذا الخباء المنتن الخبيث تأخذ لها بعرة من الأرض، تعرفون البعرة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وترمي بها، كذا، كأنها تقول بلسان الحال: كل اللي مر عليَّ ما يسوى (...) البعرة، هذه سنة كاملة، لكن الإسلام -والحمد لله- جاء بهذه المدة الوجيزة؛ أربعة أشهر وعشرة أيام، ثم مع ذلك هل منعها من التنظف؟ لا، تتنظف كما شاءت، وتلبس ما شاءت، غير ألَّا تتبرج بزينة -كما سيأتي- ولا تتطيب.
إذن أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء حاضت أم لم تحض، حتى لو كانت ممن تحيض وحاضت ثلاث حِيَضٍ ما علينا منها، تحيض ثلاثة وأربعة ما علينا منها، ولو كانت ممن لا يحيض في الشهرين إلا مرة ولم تحض إلا مرتين، تنتهي عدتها ولَّا لا؟ تنتهي بأربعة أشهر وعشرة أيام.
طالب: (...) بعد أربعين يومًا؟
الشيخ: إي، ذكر فتح الباري كلامًا طويلًا عليها، راجعه.
(...) طيب، (وللأمة نصفها) يعني: شهران وخمسة أيام.
فإن قال قائل: حق الزوج لا فرق فيه بين الأَمَة وبين الحرة، وأنتم تقولون: إن أربعة أشهر وعشرة أيام من أجل حماية حق الزوج، فأي فرق بين الأمة والحرة؟! ثم إن الآية عامة: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة: ٢٣٤]؟
قلنا: هذا تعليل صحيح، فعندنا الآن لو قال قائل: ليش تجعلونها على النصف وعندنا عموم الآية وعموم المعنى؛ عموم الآية هذه امرأة متوفًّى عنها زوجها، وعموم المعنى؟ ما هو عموم المعنى؟ أن حماية حق الزوج لا فرق بين أن تكون المتوفى عنها أمة أو حرة.
فالجواب على ذلك أن الصحابة أجمعوا على أن المطلَّقة عدتها نصف الحرة، على ما نقل عنهم، فهذه مقيسة عليها، بل إن بعضهم حكى الإجماع على أن المتوفى عنها إذا كانت أمةً تعتد بشهرين وخمسة أيام.
والحقيقة أن الآية لو تمسك أحدٌ بعمومها وبعموم المعنى لكان له وجه، وهو أرجح، إلا إذا منع من ذلك إجماع، ولكن الإجماع لم يمنع منه، فإنه قد نُقِلَ عن الأصم وعن الحسن أنهما كانا يريان ذلك.
فأقول: إن القول بأنه لا فرق بين الحرة والأمة هو القول الصواب ما لم يمنع منه إجماع، فإن منع منه إجماع فالحجة به.
طالب: شيخ، في الآية: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا [البقرة: ٢٣٤]، قلنا: إن الأمة ما تعتبر زوجة؟
الشيخ: لا، إذا كانت زوجة، ما هو بالأمة التي وطئها سيدها، ذاك تسمى سُرِّيَّة، مثلًا زوجة أمة، أنا مزوجها واحدًا، وهي لي ملكي، مات عنها هذا الرجل، صار ترك زوجةً. ما هو بواضح؟
الطالب: جزاك الله خيرًا.
الشيخ: يقول المؤلف: (فإن مات زوجُ رجعيةٍ في عدة طلاق سقطت، وابتدأت عدةَ وفاةٍ منذ مات وإن مات من أبانها) إلى آخره.
هذه المسألة التي بدأها المؤلف: إذا مات الإنسان وزوجته في عدة فلا تخلو من ثلاث حالات: إما أن تكون رجعية، أو بائنًا لا ترث، أو بائنًا ترث.
كم دولي؟ ثلاث. اسمع للرجعية يقول: (إن مات زوج رجعية في عدة طلاق سقطت، وابتدأت عدة وفاة منذ مات) مثال ذلك: رجل طلق زوجته طلاقًا رجعيًّا، حاضت مرتين وبقيت عليها الحيضة الثالثة ومات، تبتدئ عدة وفاة من جديد؛ منذ مات تعتد أربعة أشهر وعشرة أيام، وهي ما بقي عليها الآن إلا كم على عدة الطلاق؟ حيضة واحدة، لكن الآن نقول: تستأنف عدة وفاة أربعة أشهر وعشرة أيام.
الدليل قوله تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَفي المطلقات، وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا [البقرة: ٢٢٨]، وجه الدلالة من الآية أن الله سمى المُطَلِّق بعلًا؛ أي زوجًا، فإذا ضممت هذه الآية إلى قوله: وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا [البقرة: ٢٣٤] صارت الرجعيةُ زوجةً متروكةً بعد الوفاة، فيلزمها عدة الوفاة.
طالب: شيخ، بالنسبة لما حكي في الإجماع بالنسبة للطلاق أو بالنسبة للمتوفى عنها زوجها؟
الشيخ: كلهم، أما المتوفى عنها زوجها فثابت الخلاف فيه.
الطالب: ظاهر كلام الشارح أن هناك قياسًا؟
الشيخ: إي نعم، قياس، لكن حكى غيره الإجماع على ذلك إلا خلاف الأصم والحسن.
طيب، هذه واحدة.
ثانيًا: البائن التي لا ترث، واستمع إليها في كلام المؤلف؛ يقول المؤلف: (وإن مات في عدة من أبانها في الصحة لم تنتقل) إذا مات في عدة المبانة التي لا ترث فإنها لا تنتقل، لماذا؟ لأنها أجنبية منه، ما يملك ردها، البينونة لها طرق كثيرة كما سبق؛ منها أن تكون هذه الطلقة آخر ثلاث تطليقات، إذا كانت الطلقة هذه آخر ثلاث تطليقات، لما مضى حيضتان مات، تستأنف العدة؟
طالب: لا، تكمل العدة.
الشيخ: تكمل العدة، يبقى عليها حيضة واحدة؛ وذلك لأنها ليست زوجة، ولا علاقة بينها وبين زوجها بأي شيء من علائق النكاح؛ فلهذا لا تنتقل.
ومثلها من طلقها على عِوَض؛ رجل طلق زوجته على عوض واعتدت بحيضتين، ثم مات قبل الثالثة، ماذا تصنع؟ تستمر؛ يعني: تكمل الحيضة وتنتهي، لماذا؟ لأنها ليست زوجة، وليس بينها وبين زوجها شيء من أحكام النكاح.
طالب: ويش هو العوض؟
الشيخ: قروش؛ يعني (...) الجهاز وطلقني، إي نعم.
يقول: (وتعتد من أبانها في مرض موته الأطولَ من عدة وفاة وطلاق، ما لم تكن أَمَةً، أو ذِمِّيةً، أو جاءت البَيْنُونَةُ منها فَلِطَلاَقٍ لا غيرَ).
شوف (تعتد من أبانها في مرض موته) لكن بشروط كما سيأتي، (من أبانها في مرض موته) إذا أبانها في مرض موته فهو مُتَّهم بقصد حرمانها، ثم مات وهي في العدة، هل ترث ولَّا ما ترث؟ ترث؛ لأنه مُتَّهم، وفي العدة تعتد الأطول من عدة وفاة أو طلاق، عدة الوفاة متى تبدأ؟ من وفاته، وعدة الطلاق تكميل، إذن أيهما الأطول؟
طلبة: عدة الوفاة.
الشيخ: عدة الوفاة؟
طالب: يمكن (...).
الشيخ: إي، ما نقدر نقول: الوفاة، يمكن ما تحيض إلا بعد شهرين مرة، أنا سألتني امرأة تقول: إنه (...) الحيض أربعة أشهر، لكن يجيئها الحيض شهرًا كاملًا، سبحان الله، هذه عجائب! ما تحيض لكن يجيئها الحيض كأنه -والله أعلم- يجتمع في شهر واحد، سبحان الله العظيم!
أقول: تعتد الأطول من عدة وفاة وطلاق؛ ولهذا المؤلف قال: (الأطولَ من عِدَّةِ وفاةٍ وطلاقٍ).
نعيد المثال مرة ثانية للإيضاح: رجل طلَّق زوجته في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها، في أثناء العدة مات، لنفرض أنه مضى حيضتان ومات، ويش نقول؟ تعتد الأطول من عدة الوفاة والطلاق، فإن كانت عدة الوفاة أطول اعتدت بها، وإن كانت عدة الطلاق أطول اعتدت بها.
طالب: الدليل يا شيخ؟
الشيخ: ما فيه دليل، فيه التعليل، التعليل يقولون: لأنها زوجة وليست زوجة؛ فباعتبار أنها ترث زوجة، وباعتبار أنها ليست رجعية -انقطعت العلاقة بينها وبين زوجها- ليست بزوجة، فنأخذ بالأحوط ونقول: تعتد بالأطول؛ لأنها إن كانت زوجة اعتدت عدة وفاة لا غير، وإن كانت غير زوجة أكملت عدة الطلاق لا غير، فإذا كان فيها شائبة من هذه ومن هذه فإننا نقول بماذا؟ تعتد بالأطول؛ لأنه هو الأحوط.
المثال: رجل طلَّق زوجته في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها، لما حاضت مرتين مات، نقول: الآن نشوف أيهما أطول؟ تقول: واللهِ هي تحيض بالشهر مرة، كم بقي عليها باعتبار الحيض؟ شهر، وباعتبار الموت أربعة أشهر وعشرة، نقول: إذن ابتدئي العدة من جديد أربعة أشهر وعشرة أيام، والتزمي فيها الإحداد، عدة وفاة.
فإن قالت: إنها الآن هو أبانها وهي الآن ترضع، وباقٍ على الحيض سنتان ويجيء، أيهما الأطول؛ عدة الطلاق ولَّا عدة الوفاة؟
طلبة: عدة الطلاق.
الشيخ: انتبهوا له؛ هذا رجل مطلق امرأته وهي ترضع، الحيض عادة ما يأتي المرضع، وهي لازم تنتظر حتى يأتيها الحيض، وتحيض ثلاث مرات، الآن الأطول بلا شك (...) أو نقول: لا إحداد عليها؛ لأن الإحداد تبع للعدة، والآن العدة هي عدة طلاق وليست عدة وفاة؟ هذه محل نظر، والظاهر أن الإحداد من توابع العدة، فإذا ألزمناها بعدة الطلاق فلا إحداد، وإذا ألزمناها بعدة الوفاة فعليها الإحداد.
كلام المؤلف يقول: (ما لم تكن أَمَةً، أو ذمية) ليش استثنى الأمة والذمية؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا؛ لأن الأمة لا ترث، فلو طلَّقها في مرض موته المخوف يُتَّهم بقصد حرمانها ولَّا لا؟ لا، ليش؟ لأنها غير وارثة.
(أو ذمية) وهو مسلم ما ترث؛ لاختلاف الدين.
(أو جاءت البينونة منها) لا ترث؛ لأنه غير مُتَّهم، ما دامت البينونة منها فهو غير مُتَّهم.
وعلى هذا فنقول: إذا مات في عدة الرجعية فلها ثلاث حالات:
إذا مات في عدة منه فإن كانت رجعية انتقلت إلى عدة الوفاة.
وإن كانت بائنًا لا ترث أكملت عدة الطلاق.
وإن كانت بائنًا ترث اعتدت الأطول من عدة وفاة وطلاق.
(...) الطلاق؛ لأنه لا علاقة بينه وبينها، بدليل أنه لا يرث منها لو ماتت، وأنها بائنة من الآن؛ لا يجوز أن يخلو بها، ولا أن يسافر بها، ولا أن تكشف له وجهها ولا شيء، وإنما ورَّثناها منه معاملةً له بنقيض قصده، فهنا العلة ليست من قِبَلِ الزوجية، ولكن من قِبَلِ معاملة الإنسان بنقيض قصده، وهذا القول -كما ترى- قوي جدًّا؛ لأنه ما الذي يخرجه عن العموم؟ هذه مطلقة بائن لا علاقة بينها وبين زوجها، ولكننا ورثناها منه معاملةً له بنقيض قصده، ومسألة الإرث غير مسألة العدة، صحيح أن الإرث هنا قد نقول: نجعله في حكم الزوجات، ولكننا نقول: لا، ما هو في حكم الزوجات؛ لأنها لم ترث منه لأنها معتدة منه، ولكن معاملة له بنقيض قصده، ولذلك لو تمت العدة ومات بعد انتهاء العدة ترث ولَّا لا؟
طالب: ما ترث.
الشيخ: ترث منه ما دام متهمًا بقصد حرمانها، فدل ذلك على أنه ليست العلة العدة، ولا علاقة للعدة في باب الميراث، وهذا القول هو الأرجح، عندما تتأمله تجد أنه أرجح من القول الذي مشى عليه المؤلف، وهي أنها تعتد الأطول؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان.
طالب: حتى ولو تزوج؟ (...)
الشيخ: (ما لم تكن أَمَةً) يعني: ما لم تكن الْمُبَانة في مرض الموت المخوف أمة فلا تنتقل؛ يعني: ما تعتد بالأطول، السبب لأنها لا ترث.
يتصور أن تكون أَمَةٌ وهي زوجة رشيد؟
طالب: نعم.
الشيخ: يتصور أَمَة وهي (...).
(جاءت البَيْنُونَةُ منها) (أو ذمية) يعني: من أهل الكتاب فهذه لا ترث منه، فلا تنتقل؛ تبقى على عدتها، وهذا يمكن؟
طالب: يمكن.
الشيخ: يمكن، يمكن يتزوج المسلم نصرانية أو يهودية.
(أو من جاءت البَيْنُونَةُ منها فَلِطَلاَقٍ لا غير) (من جاءت البينونة منها) مثل أن علق طلاقها على فعل لها منه بدٌّ؛ مثل أن يقول: إن خرجت من البيت فأنت طالق، يريد الطلاق، فخرجت في مرض موته المخوف، فهنا ترث ولَّا لا؟ ما ترث، وعلى هذا فلا تنتقل بالعدة، تبقى على عدة الطلاق؛ لأن البينونة جاءت منها.
طالب: ما نقول: إنه في هذه الصورة التي ذكرت أنه أراد أن تكون في العنت؟
الشيخ: أبدًا الإنسان هي زوجته له أن يحبسها عن الخروج؛ ولهذا قلنا: لها منه بدٌّ، أما ما لا بد لها منه؛ مثل أن يقول: إن ذهبت إلى الحمام فأنت طالق، وذهبت في مرض موته المخوف، ما تقدر، هذا شيء لا بد لها منه، فهي في هذه الحال تطلق ولكن ترث، إي نعم، وتعتد الأطول من عدة وفاة أو طلاق.
قال: (وإن طلق بعض نسائه مبهمة أو مُعَيَّنة ثم نَسِيها).
طالب: (أُنْسِيها).
الشيخ: يجوز (أُنْسِيها) و(نَسِيها)، يقول: (ثم نَسِيها، ثم مات قبلَ قُرعةٍ اعتدَّ كلٌّ منهنَّ سوى حاملٍ الأطولَ منهما).
قول المؤلف: (وإن طلَّق) هذا كلام مطلق، ولكن يجب أن يقيد؛ يعني: وإن طلق طلاقًا بائنًا، لماذا؟ لأنه لو طلق طلاقًا رجعيًّا لكان حتى المطلقة تنتقل إلى عدة الوفاة، فلا فرق بين المبهمة أو المعينة، فيتعين أن يُقَيَّد هذا الإطلاق بأن يقال: وإن طلَّق بعض نسائه طلاقًا دائمًا.
(مبهمة) ويش مثال الإبهام؟ مثل أن يقول: إحداكما طالق، مبهم، أيهنَّ؟ ما ندري. أو قال: هند طالق، وكان اسمهما هندًا، ما يدري، مبهمة.
(أو معينة) بأن قال: هند طالق وله زوجة أخرى اسمها زينب، هذه معينة، لكن نسي، ما يدري الآن؛ التبس عليه الأمر.
يقول المؤلف: (ثم مات قبل قرعةٍ) أفادنا المؤلف أنه في مثل هذه الصورة تُسْتَعمل القرعة، وقد سبق لنا في باب الشك في الطلاق أنها تُسْتَعمل القرعة بينهما، فمن وقعت عليها القرعة فهي طالق، فهنا نستعمل القرعة، لكن هذا الرجل مات قبل أن يُقْرَع بينهما.
يقول: (اعتدَّ كل منهن) أي: من نسائه، (الأطولَ منهما) من أيش؟ من عدة الوفاة وعدة الطلاق، لماذا؟ لأن كل واحدة منهن يحتمل أن تكون هي المطلقة، والأخرى غير مطلقة.
طيب، اللي غير مطلقة تعتد عدة وفاة، والمطلقة تعتد عدة طلاق، هنا ما ندري أيتهما؟ هل هي هند ولَّا زينب ولَّا عائشة؟ ما ندري، ما نخرج من التبعة بيقين إلا إذا ألزمنا كل واحدة منهن الأطولَ من عدة وفاة وطلاق.
ما نحتاج إلى قيد آخر؟ يقول: من طلق بعض نسائه وهو في حال صحته، يحتاج ولَّا لا؟ بناء على القاعدة اللي سبقت إذا طلق طلاقًا بائنًا في مرض موته، ويش قلنا؟ إذا مات تعتد الأطول، الآن إذا كان الطلاق بائنًا وهو في مرض موته المخوف، ومات عنهن كلهن، التي لم تطلَّق ويش يلزمها؟ عدة وفاة، والتي طُلِّقت يلزمها الأطول.
فإذن نقول: كل منهن يلزمه الأطول سواء في مرض الموت أو في حال الصحة، لازم أن تعتد الأطول؛ وذلك لأن المبانة في حال المرض تعتد الأطول، واللي ما أبينت ويش تعتد؟ عدة وفاة ولو كانت أقصر. إذن فلا حاجة أن نقيده فنقول: في حال الصحة، ولكنا نقيده بالقيد السابق؛ وهو أن يكون الطلاق بائنًا.
وقول المؤلف: (سوى حامل) لماذا استثنى الحامل؟
طالب: لأن (...).
الشيخ: إي؛ لأن عدتها بوضع الحمل، سواء كانت مبانة أو للوفاة، فعدتها بوضع الحمل، ما فيه أطول وأقصر، هذا السبب في استثناء الحامل.
وخلاصة المسألة هذه أن من طلَّق واحدةً من نسائه مبهمة أو معينة ثم أُنْسِيها، فلا يخلو من حالين: إما أن يكون الطلاق رجعيًّا أو بائنًا؛ فإن كان رجعيًّا انتقل الجميع إلى عدة الوفاة؛ لأن الرجعية في حكم الزوجة، وإن كان بائنًا اعتد الجميعُ الأطولَ من عدة وفاة وطلاق.
طالب: إلا الحامل.
الشيخ: الحامل؛ لأنه ما فيه أطول، السبب أنه استثنى الحامل..، استثناء الحامل لا وجه له في الواقع، لماذا؟ لأن الحامل.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، الحامل ما فيه أطول وأقصر، عدة الطلاق وضع الحمل، وعدة الوفاة وضع الحمل، إي نعم.
(...) (الأطول منهما. الثالثة: الحائل).
(الحائل) يعني: اللي غير حامل، إذا كانت الوفاة فما عدتها؟ أربعة أشهر وعشر؛ ولهذا عدة الوفاة هي أسهل شيء، عدة الوفاة للمتوفى عنها حالان: حامل أو حائل؛ الحامل بوضع الحمل، والحائل أربعة أشهر وعشر، لكن المفارقة في الحياة هي اللي فيها تفاصيل.
(الحائل ذات الأقراء المفارَقة في الحياة) ثلاثة شروط:
(الحائل) احترازًا من الحامل.
(ذات الأقراء) احترازًا ممن ليست ذات أقراء.
والثالث: (المُفارَقة في الحياة) احترازًا من المفارَقة بالموت، فقد سبق الكلام عليها.
شروط ثلاثة، هذه عدتها يقول: قرءان أو ثلاثة قروء.
يقول المؤلف رحمه الله -ترى أنا تارك الجملة بالعناية- يقول: (المفارَقة في الحياة) فرقة الحياة ما هي؟ طلاق أو فسخ، لكن الفسخ يتنوع، ذكرنا لكم أن ابن القيم ذكر في بدائع الفوائد أن الفرقة عشرون نوعًا.
يقول: (المفارقة في الحياة، فعدتها ثلاثة قروء كاملة، وإلا قرءان)، ما هو الدليل على أن عدتها ثلاثة قروء؟ الدليل قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨]، الآية واضحة صريحة ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ.
أما كونها (...) (قَرْءان) فإنه وردت فيها أحاديث مرفوعة مجموعها يقضي بأنها حسنة، وورد فيها آثار عن الصحابة صحيحة على أن عدتها حيضتان؛ فيكون عموم الآية مخصَصًا بهذه الآثار الواردة المرفوعة والموقوفة، فيكون للأَمَةِ قَرءان بفتح القاف؛ لأن قُروء جمع (قَرء) بالفتح، تثنية (قَرء): قَرءان.
لماذا لا نقول: قرء ونصف؛ تنصيص؟ لأن الحيض ما يتبعض؛ فلهذا جبروه وقالوا: إن عدتها حيضتان.
ما هي الأقراء؟
الأقراء اختلف فيها أهل العلم اختلافًا كثيرًا، ولكن القول الصواب في ذلك أنها هي الحِيَض، كما قال المؤلف؛ أن الأقراء هي الحيض، وهذا هو قول عشرة من الصحابة، منهم الخلفاء الأربعة، وإذا جاء الخلفاء الأربعة فهم لا قول لأحد سواهم، إلا إذا كان الكتاب والسنة معه، فالخلفاء الأربعة -أبو بكر وعمر وعثمان وعلي- كلهم يقولون بهذا القول، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وابن عباس، جماعة كثيرون، كلهم يقولون بهذا القول: إنها هي الحيض، وهذا هو ظاهر القرآن والسنة؛ لقوله تعالى: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨]، وقال تعالى: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١]، وابن عمر طلَّق في الحيض، فغضب الرسول عليه الصلاة والسلام وأمر بأن تطلق طاهرًا ، وهذا دليل على أن القَرء هو الحيض؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل طلاق ابن عمر طلاقًا لغير العدة، ولو كانت الأقراء هي الأطهار لكان طلاقه طلاقًا للعدة؛ لأنه الآن يستقبل الطهر إذا طلقها في حال الحيض، ولكنه إذا جعلنا الأقراء هي الحِيَض فهو ما يستقبل الأقراء إلا إذا طلق في حال الطهر، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام ورد عنه في المستحاضة أنها تجلس أيام أقرائها ، ومعلوم أنه لا يريد أيام طهرها، وإنما يريد أيام حيضها، والنبي عليه الصلاة والسلام لا شك أن تفسيره هو الحجة؛ لأنه يفسر كلام الله عز وجل، وهو أيضًا إمام أهل اللغة، أفصح العرب من؟ محمد عليه الصلاة والسلام، فهو إن فسر ذلك بمقتضى التفسير الشرعي للقرآن فهو تفسير شرعي، وتفسيره عليه الصلاة والسلام أعلى أنواع تفاسير المخلوقين، وإن فسره بمقتضى اللغة العربية فهو أفصح مَن نطق بالعربية.
وعلى هذا فنقول: الصواب أن الأقراء هي الحِيَض، وعلى هذا فيكون معنى قوله تعالى: ثَلاَثَةَ قُرُوءٍأي: ثلاث حِيَض.
والمؤلف قال: (ثلاثة قروء كاملة)، فعلى هذا لو طلَّق في أثناء الحيضة -وقلنا بوقوع الطلاق- فإن البقية هذه لا تُحْتَسب؛ لأنك لو حسبتها وقلت: بعدها حيضتان صارت الأقراء ناقصة؛ صارت حيضتان ونصفًا، وإن أخذت نصف الرابعة بعَّضت الحيض، والحيضُ لا يتبعض. وعلى هذا فإذا طلَّق في أثناء الحيضة فإن بقية هذه الحيضة لا يُحسب، بناء على القول بأن طلاق الحائض يقع، وقد سبق لنا أن القول الصحيح أن طلاق الحائض لا يقع، لكن بناء على ذلك يكون لا يُحْسَب هذا، ونستفيد عدم حسبانه من قول المؤلف: (ثلاثة قروء كاملة).
(قروء كاملة) ويش؟ بالنصب ولَّا بالجر؟
طالب: بالجر.
طالب آخر: بالنصب.
طالب آخر: معطوف.
الشيخ: لا، نذهب (...) (قروءٍ كاملةً) نعت لـ(ثلاثة) ولَّا (كاملةٍ) نعت لـ(قروءٍ)؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح الجميع؟
الطالب: لا، الثاني؛ بالنصب، ثلاثة كاملة.
طالب آخر: نعت لـ(قروء).
الشيخ: الظاهر يصح الوجهان، هذه يصح فيها الوجهان، لكن الأقرب عندي أنها صفة لـ(ثلاثة)؛ يعني: لا بد أن تكون الثلاثة كاملة، فهي أقرب ولكن يجوز الوجهان، لكن لو تقول: أطعم عشرةَ مساكين محتاجين، مثلها الظاهر، نعم مثلها.
في هذه الحال نقول: يجوز لك فيها الوجهان؛ النصب أو الجر.
طالب: (...)؟
الشيخ: لِعِدَّتِهِنَّ [الطلاق: ١]، في قُبل عدتهن.
الطالب: لا، الحديث، أقصد الحديث.
الشيخ: إلا الحديث، الحديث تفسير للآية؛ لأن الرسول فسر (...) قال: «فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» ، فلو كانت الحيض هي الأطهار لكان ابن عمر مستقبلًا للعدة، لكنه لما كانت القروء هي الحيض صار إذا طلق في أثناء الحيضة ما استقبل العدة، إي نعم.
ثم قال المؤلف: (الرَّابِعَةُ: مَنْ فَارَقَها حَيًّا وَلَمْ تَحِضْ لِصِغَرٍ أَوْ إِيَاسٍ)..
طالب: تركت يا شيخ.
الشيخ: ويش هي؟
الطالب: (...).
الشيخ: هي الحِيَض.
الطالب: (حرة أو مبعضة).
الشيخ: لا، هذه ما هي عندي، (فعِدَّتُها إن كانت) (...) ما تركتها عمدًا؛ أنا تركت عمدًا الحيض؛ لأني متكلم عنها وحدها.
(حرة أو مبعضة ثلاثة أقراء) حرة أو مبعضة تكون ثلاثة أقراء. ويش معنى (مبعضة)؟ يعني: بعضها حرٌّ وبعضها رقيقٌ، هذا معنى مُبَعَّضة، ويمكن أن يكون ذلك؟ يمكن أن يكون ذلك؛ مثل: لو أعتقها أحدُ الشركاء وهو معسرٌ، هي امرأة مشتركة أعتقها أحد الشركاء وهو معسر، فإنه لا يعتق منها إلا ما أعتقه هو، والباقي يكون رقيقًا.
لو تزوجت هذه الأمة، ومعلوم شوفوا الأمة المشتركة ما يجوز لأسيادها أن يطؤوها، لكن يجوز أن يزوجوها. ليش ما يصح أن يطؤوها؟ لأن كل واحد ما يملكها، إنما يملك بعضها، إذن ما فيه طريق أن تنال حظها من الاستمتاع إلا بالزواج، فإذا زوجوها وطلقها زوجها فهي الآن مبعضة. كيف تعتد؟ نقول: عدتها كالحرة، والتعليل لأن الحيض لا يتبعض.
***
يقول المؤلف: (والرابعة: من فارقها حيًّا ولم تحض لصغر أو إياس) يعني: من فارقها مَنْ؟ زوجها، (حيًّا) يعني: بخلاف من فارقها ميتًا، وقد سبق.
(ولم تحض لصغر أو إياس)، (لم تحض لصغر) هذا صحيح التعبير؛ لأن (لم) حرف نفي وجزم وقلب، لكن (لم تحض لإياس)، الأَولى أن يقال: لا تحيض؛ لأنها قد حاضت ووقفت، لكن المؤلف كأنه من باب التغليب عبَّر بهذه العبارة.
(لم تحض لصغر أو إياس) اللام في قوله: (لصغرٍ) للتعليل؛ يعني: لم تحض لأنها صغيرة، أو لا تحيض لأنها كبيرة آيسة.
طيب، الصغيرة على المذهب لا حيض قبل تمام تسع سنين، فلو حاضت ولها ثمان سنين ونصف فهذا ليس بحيض، حتى لو هي تحيض حيضًا مطردًا كل شهر وبمدة معينة محدودة، لكن ما تم لها تسع سنين، فهو على المذهب ليس بحيض؛ لأنه لا حيض قبل تسع سنين.
فلو أن رجلًا تزوج امرأة لها ثمان سنوات وفارقها وهي تحيض هذا الحيض، لكن ما تمت التسع؟
طالب: تعتد ثلاثة أشهر.
الشيخ: تعتد ثلاثة أشهر؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي.
طالب: (...) تحيض.
الشيخ: تحيض، إي يمكن، إحنا فرضناها تحيض، لكن على المذهب يقولون: لا تحيض، فهذا الحيض ليس معتبرًا، كم تعتد؟
طلبة: ثلاثة أشهر.
الشيخ: متفقون على هذا؟
طلبة: على المذهب.
الشيخ: على المذهب إي، نبغي على قواعد المذهب.
طالب: العدة (...).
الشيخ: حياة، طلاق. (...)
في الأول أنا قلت لكم: الباب الأول اللي فيه شروط العدة هذا أساس، لا تجب عدة من مفارقة حياة إلا إذا كان الزوج يطأ مثلُه، والزوجة يُوطأ مثلها، وقلنا: إن الزوج الذي يطأ مثلُه كم؟
طالب: عشر سنوات.
الشيخ: والمرأة تسع، فهذا الرجل اللي فارقها وهي ثمان سنوات وتحيض، عليها عدة؟ ما عليها عدة على المذهب.
طالب: وإن حملت (...)؟
الشيخ: المهم دعونا، نبغي على المذهب، على المذهب ما لها عدة، لكن على القول الراجح أن هذه المسألة منوطة بالوجود، وهو الصحيح، يمكن إذا وُجِد الحيض المطرد ولها ثمان سنوات وطُلقت فإنها تعتد بثلاثة قروء؛ لعموم قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ [البقرة: ٢٢٨].
وقوله: (أو إياس) (إياس) مصدر: أَيِسَ يَيْأَسُ إِياسًا، مأخوذ من قوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق: ٤]، فقوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِبماذا يكون اليأس؛ أبالزمن أم بالحال؟ المذهب أنه بالزمن، فلا حيض بعد خمسين سنة، فإذا بلغت المرأة خمسين سنة فقد أيستْ، ولو كان الحيض يأتيها، ولو كان مطردًا؛ لأنه لا حيض بعد خمسين سنة.
فهذه امرأة طلقها زوجها ولها خمسون سنة، وهي تحيض حيضًا مطردًا؛ تحيض كل شهرين مرة منذ بلغت إلى اليوم، كم عدتها على المذهب؟ ثلاثة أشهر، ما هي ثلاثة قروء؛ لأن اليأس عندهم مقيد بزمن؛ وهو تمام خمسين سنة، فإذا طُلِّقَت المرأة ولها خمسون سنة فإنها آيسة تعتد بثلاثة أشهر؛ لقوله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ [الطلاق: ٤].
والقول الثاني أن اليأس منوط بالحال لا بالزمن، وأن ذلك يختلف باختلاف النساء، فمن النساء من تبقى إلى ستين سنة وإلى سبعين سنة وهي تحيض حيضًا مطردًا، فهل هذه آيسة؟ ما هي آيسة، وهذا هو الصواب؛ لأن اليأس في اللغة العربية ضد الرجاء، فمتى صارت المرأة في حال لا ترجو وجود الحيض؛ إما لكبر في السن، أو ضعف في البنية، أو لأي سبب من الأسباب، فإنها تكون آيسة ولا نقيدها بالسن؛ لأن الله تعالى ما قيدها بالسن.
شوف الفرق بين العلماء؛ يعني الآن النكاح الفاسد يصير صوره كثيرة بناء على هذا، أو لا؟ يعني -مثلًا- امرأة لها خمسون سنة وتحيض في الشهرين مرة، على المذهب إذا تم لها ثلاثة شهور لو ما حاضت إلا مرة يعقد عليها ولَّا لا؟ يعقد عليها، وعلى القول الصحيح الراجح لا يعقد عليها حتى يتم لها ثلاث حيض.
إذن من لا تحيض لصغرٍ أو إياس عدتها ثلاثة أشهر.
(وأمةٌ شهرانِ، ومبعَّضَةٌ بالحسابِ).
طالب: (شهرين).
الشيخ: (شهران) عندي.
الطالب: (وأمة شهرين).
الشيخ: لا، عندي (شهران) يصح.
طالب: معمول (تَعْتَد).
الشيخ: أنا عندي..
الطالب: (تعتد).
الشيخ: (...) وعدة أمة شهران، وهذا دليل على أن الماتن (...) شهران، ويجوز، المسألة بسيطة، وإن شئتم فكونوا ممن يلزم المثنى الألف مطلقًا وتستريحون.
الآن (الأمة شهران) كيف شهران؟ يقولون: لأن الله جعل للحرة ثلاثة قروء، وجعل لمن لا تحيض ثلاثة أشهر، ومعنى هذا أن لكل حيضة شهرًا، وهذا هو الغالب، وللأمة حيضتان، يكون لها عند اليأس أو الصِّغَر شهران.
لكن قال: (مبعَّضةٌ بالحساب)، مع أنه في باب الحيض؛ التي تعتد بالحيض المبعضة كالحرة ثلاثة قروء، وهذا فيه شيء من التناقض؛ لأنك إذا قلت: الأمة شهران؛ لأن الأشهر مبنية على الحيض، فقل: المبعضة ثلاثة أشهر؛ لأن الأشهر مبنية على الحيض، وقد حكمنا بأن المبعضة تعتد بثلاث حيض، والله أعلم. يقول المؤلف: (وأمة شهران ومبعضة بالحساب ويُجْبَر الكسر).
المبعضة بالحساب، ونحن عرفنا الآن أن الأمة عدتها شهران، فنزيد من الشهر الثالث بقدر ما فيها من الحرية، هذا معنى قوله: (ومبعضة الحساب) أنه يزاد من الشهر الثالث بقدر ما فيها من الحرية، فإذا قدَّرنا أن نصفها حر صارت عدتها؟
طالب: ثلاثة أشهر..
الشيخ: لا، شهرين ونصفًا؛ لأن المؤلف يقول: (مبعضة بالحساب).
يقول: (يُجْبَر الكسر) إذا قدرنا أن ربعها حرٌّ؟
طالب: سبعة أيام ونصف.
الشيخ: سبعة أيام ونصف، لكن يقول: (يُجْبَر الكسر) فتكون ثمانية أيام، هذا معنى قوله: (ومبعضة بالحساب ويُجْبَر الكسر)، وكيف الحساب؟ عرفتم القاعدة فيه، ما هي؟ أن نزيد من الشهر الثالث بقدر ما فيها من الحرية، لماذا قلنا: من الشهر الثالث؟ لأنه عندنا شهرين عدة الأمة، فيكون ما زاد على الشهرين فإنه يُنْظَر لمقدار نسبة ما في هذه المبعضة من الحرية، وتأخذ من هذا الشهر الثالث بقدر ما فيها من الحرية، إلا أنه إذا كان ربعها؛ وهو سبعة أيام ونصف، نجبر الكسر ونقول: ثمانية أيام.
هذه المسألة تؤيد قول من يقول: إن عدة الأمة بالأشهر شهرٌ ونصفٌ؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إن عدة الأمة بالأشهر إذا كانت لا تحيض لصغرٍ أو إياس ما هو شهران، يقول: عدتها شهر ونصف.
ووجه ذلك أن الحيض لا يتبعض، وأما الأيام فتتبعض؛ ولذلك قلتم في المبعضة: إن عدتها من الشهر الثالث بالحساب بقدر ما فيها من الحرية، وهذا القول وجيه جدًّا. لكن الأحوط -بلا شك- ما مشى عليه المؤلف؛ أن عدة الأمة شهران.
ولهذا قال بعض أهل العلم: إن عدة المبعضة ثلاثة أشهر، وتعليله لأن الأشهر بدل عن القروء، والمبعضة قلنا: إن عدتها ثلاثة قروء، فإذا كانت الأشهر بدلًا لزم أن تكون الأشهر كم؟ ثلاثة أشهر.
(الخامسة: من ارتفع حيضها) هي من ذوات الحيض، ولكنه ارتفع حيضها، وهذه تنقسم إلى قسمين، وربما يتبين لنا من أثناء البحث أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أولًا: من ارتفع حيضها ولم تدرِ سببه.
والثاني: من ارتفع حيضها وعلمت سببه.
أما من ارتفع حيضها ولم تدرِ سببه، يقول: (فعدتها سنة؛ تسعة أشهر للحمل، وثلاثة للعدة) يعني: امرأة من ذوات الحيض، عمرها ثلاثون سنة، ما بلغت سن الإياس، ارتفع حيضها، فطلقها زوجها وهي في هذه الحال، كم تعتد؟ سنة؛ لأن ذلك هو الذي روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقضى به بين الصحابة ولم يُنْكَر عليه ، فعلى هذا يكون الاعتماد على قضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه. هذا من حيث الاستدلال بالأثر.
أما بالنظر: فتسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة، تسعة أشهر للحمل؛ لأن ذلك غالب الحمل، وثلاثة أشهر للعدة؛ لأن عدة الآيسة والتي لم تحض ثلاثة أشهر، فتعتد اثني عشر شهرًا من فراق زوجها لها.
ولاحظوا أن الحكم الآن فيمن فورقت في الحياة، أما المفارقة في الوفاة فقد علمنا فيما سبق أنها ما لها إلا حالان فقط: حامل فعدتها بوضع الحمل، غير حامل فعدتها أربعة أشهر وعشر؛ يعني هي أسهل شيء، لكن كلامنا الآن فيمن فورقت في الحياة وارتفع حيضها ولم تدر ما رفعه، فتعتد كم؟ سنة كاملة، لماذا؟ أو ما هو الدليل؟ نقول: الدليل ما ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ حيث قضى بذلك في محضر الصحابة ولم يُنْكَر. وأما التعليل فتسعة أشهر -كما قال المؤلف للحمل- وثلاثة للعدة.
لماذا قلنا: تسعة أشهر للحمل مع أن الحمل يمكن يتبين في شهرين أو ثلاثة؟
نقول: بناء على الغالب؛ أن غالبه تسعة أشهر.
قال المؤلف: (وتنقص الأمة شهرًا) لأن عدتها بالأشهر شهران، فيكون لها تسعة أشهر للحمل، وشهران للعدة. لماذا لا نقول: إنها في الحمل نصف الحرة؟ لأن الحمل أمر طبيعي لا يختلف فيه النساء؛ الأحرار والإماء، كلهن غالب الحمل عندهن تسعة أشهر.
(وتنقص الأمة شهرًا) طيب، المبعضة؟
طالب: (...).
الشيخ: (...) عشر شهرًا بقدر ما فيها من الحرية، ويُجْبَر الكسر على حسب ما مضى.
طيب، لنفرض أن المرأة فعلت ذلك واعتدت بسنة، ثم بعد تمام السنة جاءها الحيض، هل تعود إلى الحيض؟ الجواب: لا؛ لأنها انتهت العدة، أما لو عاد الحيض قبل تمام السنة فإنها تنتقل إليه ابتداء من جديد، فتعتد بثلاث حيض. صارت هذه المرأة التي ارتفع حيضها تعتد بسنة، كما قال المؤلف، ثم إن عاد الحيض قبل تمام السنة اعتدت به، وإن تمت السنة لم تلتفت إليه ولو عاد إليها، لماذا؟ لأن العدة انتهت وبانت من زوجها.
طالب: (...) ما يكفي أن نقول: (...)؟
الشيخ: لا، ما تكفي؛ لأنها ما يحكم بأنها غير ذات حيض إلا إذا انتهت التسع.
قال: (وعدة من بلغت ولم تحض ثلاثة أشهر) عدة من بلغت ولم تحض ثلاثة أشهر؛ لعموم قوله تعالى: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق: ٤] فهو عام، حتى لو فُرِضَ أن هذه امرأة لها ثلاثون سنة، ولا جاءها الحيض، تعتد بثلاثة أشهر؛ لعموم: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ.
طيب، وإن قُدِّر أن لها ثماني سنوات وفارقها زوجها؟
طالب: لا عدة عليها.
الشيخ: إي، لا عدة عليها؛ لأنها ليست ممن يُوطأ مثلها.
الثانية: (والمستحاضة الناسية) المستحاضة الناسية أيضًا عدتها ثلاثة أشهر.
من هي المستحاضة؟ المستحاضة هي التي أطبق عليها الدم، أو كان لا ينقطع عنها إلا يسيرًا، هذه المستحاضة. ولهذا لم يُقَل: حاضت، بل قيل: استحاضت؛ لأن السين والتاء للمبالغة والزيادة، فهذا الحيض الذي هو سيلان الدم زاد عليها؛ ولهذا سميناها استحاضة؛ لكثرة الدم وطول مدته.
والاستحاضة مرض من الأمراض، لكنه يعتاد النساءَ كثيرًا، وهو كما قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «عِرْقٌ» ، «وَرَكْضَةُ شَيْطَانٍ» ، «عِرْقٌ» قال العلماء: إنه عرق ينبثق من أدنى الرحم، ما هو من أقصاه، الحيض من قاع الرحم وهذا من أدنى الرحم، وركضة من الشيطان؛ لأجل أن يفسد على المرأة عبادتها ويوقعها في شك وحيرة، وهذا أمر ما نعلمه إلا من طريق الوحي.
هذه الاستحاضةُ تأتي المرأةَ فلا تخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أن تكون معتادةً، فتجلس عادتَها ثم تغتسل وتصلِّي وتفعل كما يفعل الطاهرات.
الثانية: ألَّا يكون لها عادةٌ أو تنسى عادتَها، فترجع إلى التمييز. كيف التمييز؟
يُنْظَر إلى الدم، دم الحيض له علاماتٌ ثلاثٌ ذَكَرها العلماءُ، وذَكَر بعضُ الأطباء علامةً رابعةً؛ العلامات الثلاث هي: السوادُ، والثَّخانةُ أو الثُّخُونةُ، والثالثة: الإنتانُ؛ الرائحة الكريهة. دم الحيض أسود منتِن ثخين، ودم الاستحاضة أحمر رقيق لا رائحة له، فالتمييز بيِّنٌ، فإذا كانت عادتها غير مطردة، نسيتها مثلًا، أو جاءها الاستحاضة من ابتداء الأمر، فإنها تعمل بماذا؟
طالب: بالعادة.
الشيخ: بالتمييز، بالعادة! هي ما عندها عادة، كيف العادة؟! بالتمييز.
وقال بعض العلماء: تقدم التمييز على العادة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ومذهب الشافعي؛ أن التمييز مقدم على العادة، لو هي تعلم العادة وعندها تمييز تأخذ بالتمييز، وقال: إنه ليس من المستبعد أنه لما جاءها الحيض تغيرت العادة، والتمييز إن طابق العادة فأمره ظاهر، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كيف؟
طالب: الأحاديث.
الشيخ: تجتمع العادة والتمييز ما فيه إشكال، لكن إن خالف العادة؛ بأن كانت عادتها من أول الشهر، لكن ما رأت التمييز إلا في نصف الشهر، حينئذٍ يتعارضان، فهل نقدم التمييز أو نقدم العادة؟ فيه خلاف؛ فمن العلماء من قال: نقدم العادة، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو ظاهر الحديث؛ أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمرها أن تجلس قدر ما كانت حيضتها تحبسها، ولأنه أضبط وأسلم للمرأة من الاضطراب؛ لأن التمييز يمكن يجيء في الشهر هذا في أوله، وفي الشهر الثاني في وسطه، وفي الشهر الثالث في آخره، وربما يتغير عليها، فإذا قلنا: ارتبطي بالعادة صار ذلك أيسر لها وأسهل. وهذا ترجيحه واضح.
وترجيح من يقول: بأنه يُرجع إلى التمييز أيضًا قوي؛ وجهه قوي؛ لأنه يقول: ما دام عندنا تمييز، هذا دم ثخين أسود منتن وذاك دم أحمر رقيق لا رائحة له، كيف نقول: هذا استحاضة، والأول..





