فيكون هنا قد تولى طرفي العقد، أما بالولاية فيمكن هذا فيما سبق، لو زوَّج الأب
ابنه الصغير، وله بنت أخ هو وليها، فهنا يتولى طرفي العقد بالولاية.
هذا إنسان
له ابن صغير ما بعد بلغ، مراهق يريد يُزوِّجه، وله بنت أخ هو وليها؛ هو عمهما فهو
وليها، يجوز أن يزوجها ابنه إذا رضيت طبعًا؛ لا بد من رضاها، وحينئذٍ يكون تولى
طرفي العقد بالولاية ولَّا بالوكالة؟
طلبة:
بالولاية.
الشيخ: بالوِلاية، نعم، تولَّاه بالولاية،
إذن تولي طرفي العقد يكون بالوكالة، ويكون بالوِلاية، ويكون بالولاية والأصالة.
بالولاية والأصالة مثل أيش؟ لو تزوج هو ابنة عمه وهو وليها، صار الآن زوَّج
نفسَه، ما زوَّج غيره، زوَّج نفسه مَوْلِيته وهي بنت عمه.
طالب: من دون البلوغ ما يصح أن يتزوج؟
الشيخ: يصح، لكن لو زوَّجه أبوه صح.
طيب إذن على ها الحال
نقول: إن تولي طرفي العقد يكون بوجوه ثلاثة، شو؟
بالوكالة، والولاية، وبالولاية
والأصالة.
طالب: (...) أبناء العم؟
الشيخ: لا.
الطالب: أبناء العم إذا
صار يريد يتزوجها ما يُوكل له واحدًا ويقول له: زوجني؟
الشيخ: لا، ما هو بشرط، ولا ينبغي له، لكن لو كان لها اثنان
أبناء عم فحينئذٍ يجوز هو يعقد لنفسه، ويجوز أن يعقد له ابن العم الثاني، ويكون ابن
العم الثاني بالولاية، ما هو بالوكالة، بالولاية لا بالوكالة، أما..
طالب: تقصد (...)؟
الشيخ:
وهو؟
الطالب: بالوكالة والأصالة؟
الشيخ: إي، ها هي.
الطالب: (...) حيث
تولى بالوكالة، تولى طرفي العقد بالأصالة من دون ولاية (...).
الشيخ: وبالوكالة والأصالة، يعني يوكله شخص في أن يعقد الزواج
لنفسه على بنته، على بنت الشخص الموكِّل.
طالب: لو لها
ولي اثنان مثلًا من أبناء العم، مَن يتولى يعني زواجها؟
الشيخ: إذا ما تشاحوا فالمسألة بسيطة، وإما أن يتولى العقد
الأفضل، الأفضل في دينه وخُلُقه هو اللي يتولى، فإن كانوا سواء أو متقاربين فالأسن،
فإن كانوا في السن سواء فلا بد من قرعة، وإن تنازل أحدهما للآخر فلا حرج، هو
أحسن.
طالب: في هذه المسألة قول آخر؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: هل يصح تزويج
الأبعد مع وجود الأقرب؟
الشيخ: ما يصح، لكن قلنا: إن
الأبعد هنا بمعنى البعيد، أو على تقدير (مِنْ).
طالب:
لو زوجها اثنان متساويان، وليان متكافئان لرجلين مختلفين.
الشيخ: فإنه إذا زوجها وليان فالأسبق هو الأصح، فإن وقعا معًا،
وهذا يمكن متعذر، لكن فرضًا أنهما وقعا فإن النكاح لا يصح، ويُعاد النكاح من جديد،
فإن جُهل الأسبق، فماذا نصنع؟
الطالب: (...) العدد.
الشيخ: لا، إن كان جهلنا الأسبق فأحدهما صحيح
يقينًا.
طالب: قرعة.
الشيخ:
لا، ما يفعل القرعة، يجب على كل منهما أن يُطلِّق أو يُفسَخ النكاح، إما أن يُفسَخ
أو يطلق؛ لأنه ما يمكن أن نصحح أحدهما دون الآخر، والقرعة في إباحة البُضع ما
تُتصور.
طالب: صلاة الجمعة في البلد؟
الشيخ: ويش لون؟
طالب: بالنسة للولي،
عنده بنات صاروا مثلًا حوالي الثلاثين، وهو (...) على الزواج والخطاب كثيرون، وإذا
قيل: لم لا ترغب في تزويج بناتك؟ قال: بناتي يتشردن (...). ويش يفعلن؟
الشيخ: يُزوِّج غيره، يدوِّر على واحد ثانٍ ويزوجها.
طالب: إذا طلق أحدهما وأحدهما ولي العقد، مرة ثانية؟
الشيخ: ما يفعل؟
الطالب: تُحسب طلقة
ولَّا ما تحسب؟
الشيخ: ما أدري، ترجع إلى الأهل؛ لأنه
في الحقيقة ما.. اعتبارها طلقة إذا صح النكاح، إحنا ما ندري أيهما الأصح.
طالب: إذا كانت في بلاد غير إسلامية (...)؟
الشيخ: إي، وهي مسلمة؟
الطالب:
(...).
الشيخ: ولا فيه حاكم؟
الطالب: (...).
الشيخ: فهذه ينتظر
حتى يصل إلى البلاد الإسلامية ويزوجها الحاكم.
طالب:
يزوجها الحاكم؟
الشيخ: يزوجها الحاكم إي.
طالب: (...).
الشيخ: ما يمكن؛ لأنه
من لا يصح أن يعقد ما يصح أن يوكل.
طالب: (...) الدول
الغربية (...)؟
الشيخ: إي، الدول الغربية إن كانت كافرة
فزوجها وليها، وإن كانت مسلمة قبل العقد ما يزوجها إلا مسلم، في مثل هذه الحال ممكن
يتصل بإحدى السفارات، مثلًا إذا كان من السعودية يتصل بالسفارة السعودية، وتتصل
بأحد القضاة أو بوزارة العدل توكله.
وقد يقال: إن السفير يكفي، مثلما قال
الفقهاء: إن إذا كانت في مكان ما فيه حاكم ولا ولي زوجه ذو سلطان في مكانه اللي
يعتبر مثل شيخ القبيلة، وما أشبه ذلك يزوجه، السفارة مثل هذا، أو أنك تتصل بالدولة
وتوكله.
طالب: فيه مسلمون كثيرون عندهم.
الشيخ: وين؟
الطالب: يعني
فيه.
الشيخ: إي، بس ما هم من الأولياء.
***
يقول: (فصل: الرابع: الشهادة) (الرابع: الشهادة) يعني أن يشهد على عقد النكاح شاهدان، دليل ذلك قوله تعالى: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق: ٢].فأمر الله تعالى بالإشهاد على الرجعة، والرجعة إعادة نكاح سابق، فإذا كان مأمورًا بالإشهاد على الرجعة، فالإشهاد على العقد ابتداءً من باب أولى؛ لأن المراجَعة زوجته، وهذه أجنبية منه، فإذا أُمِر بالإشهاد على الرجعة فالإشهاد على عقد النكاح من باب أولى، ولحديث: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» ، لكن هذا الحديث ضعيف لا تقوم به الحجة؛ ولهذا اختلف العلماء في اشتراط الشهادة في النكاح، فقال بعضهم: إنها شرط في عقد النكاح، وأنه لا يصح النكاح إلا بشهادة، ودليلهم الآية والحديث.
وقال بعض العلماء: إن الإشهاد ليس بشرط؛ لأن عقد النكاح كغيرِه من العقود لا يُشترط فيه الإشهاد، عقد يستبيح به الإنسان الاستمتاع بهذه الزوجة فلم يشترط فيه الإشهاد، كعقد البيع، أو عقد الشراء على المملوكة الذي يستبيح به التسرِّي، ومع ذلك لا يجب الإشهاد.
قالوا: وأما الإشهاد على الرجعة فإنما أُمِر به لئلا يحصل نزاع بين الزوج والزوجة، فيدَّعي مثلًا أنه راجعها، وتُنكر أن يكون راجعها، فيحصل بذلك نزاع بينهما، وبالتالي ربما نقضي بعدم الرجوع ونبيحها لزوج آخر، وهو قد راجع فيكون في هذا مفسدة، أما النكاح ابتداءً فليس فيه نزاع وليس محلًّا للنزاع.
وقال بعض العلماء: إنه يشترط إما الإشهاد، وإما الإعلان، ويش معنى الإعلان؟ الإظهار والتبيين، وأنه إذا وُجِد الإعلان كفى؛ لأنه أبلغ في اشتهار النكاح، وأبلغ في الأمن من اشتباهه بالزنا؛ لأن عدم الإشهاد أيضًا فيه محظور -نسيت أن أنبه عليه- وهو أنه قد يزني بامرأة، فإذا حملت منه ادعى أنه قد تزوجها، وليس الأمر كذلك، فاشتراط الإشهاد لهذا السبب، لكن إذا وُجِد الإعلان انتفى هذا المحظور ولَّا لا؟
طلبة: ينتفي.
الشيخ: ينتفي من باب أولى أشد من الإشهاد، انتفاء هذا المحظور بالإعلان أبلغ من انتفائه بالإشهاد، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، على أنه يُشترط إما الإشهاد وإما الإعلان، بل قال رحمه الله: إن وجود الإشهاد بدون إعلان في صحة النكاح فيه نظر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بإعلان النكاح، فقال: «أَعْلِنُوا النِّكَاحَ» ، ولأن نكاح السر يُخشى منه المفسدة حتى ولو بالشهود؛ لأنه يستطيع الواحد يزني -والعياذ بالله- بامرأة، ثم يقول: تزوجتها، ثم يأتي بشاهدي زور ويشهدان.
فهذه الأقول ثلاثة الآن التي تحضرنا الآن: إما أنه شرط، أو ليس بشرط، أو يشترط هو أو الإعلان.
طالب: هل يجب الإشهاد على العقد يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما يجب الإشهاد على العقد.
الطالب: والقول الراجح؟
الشيخ: القول الراجح، اللهم على سبيل (...) فقط، والمذهب هو الصحيح.
الطالب: وظاهر الآية؟
الشيخ: ظاهر الآية، الأمر ظاهره الوجوب، لكن كثيرًا من الأشياء اللي حصلت من المراجعات في عهد الصحابة خالية من هذا، (...).
طالب: إذا ما ادعت زوجة أنه طلق، وهو يقول: لا، ما طلق. فما الحكم؟
الشيخ: القول قول الزوج.
الطالب: الزوج؟!
الشيخ: الأصل بقاء النكاح.
الطالب: يعني ما يُؤخذ بقولها؟
الشيخ: أبدًا إلا بشهود؛ لأنه بنقبل قول كل امرأة تقول: زوجي طلقني، لأن كل امرأة تزعل على زوجها تقول: طلقني.
الطالب: لأن هذا حق له، ادعت أن زوجها طلقها، وهو يقول: ما هو صحيح، وبعدين هو طلقها..
الشيخ: خلاص، يبقى طلقها بكيفه، لكن بس مجرد أنها تقول: طلقني، ما نقبل قولها.
طالب: ما يطلب منه (...)؟
الشيخ: ما يُحلَّف، على المذهب، لا يحلف؛ لأنه ما (...).
طالب: ذكرنا الحديث أنه «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِشَاهِدَيْ عَدْلٍ» (...) عن جابر وعن عمران (...) وعن عائشة.
الشيخ: موقوفًا ولَّا مرفوعًا؟
الطالب: مرفوعًا.
الشيخ: (...) بس ما يصح إليهم، الكلام ما يتصل إلى هؤلاء.
طالب: (...) صحيح (...).
الشيخ: والله رأي شيخ الاسلام قوي؛ أنه إذا وجد الإعلان كفى عن الشهادة.
الطالب: وهل تكفي الشهادة عن الإعلان؟
الشيخ: والله في الشهادة مع الإسرار نظر، (...) كثيرًا، ولكن بعد حجة على القول بأنه يبطل النكاح فيه نظر؛ لأن هذا سوف يشتهر إذا دخل عليها، وأخذها إلى بيته اشتهر.
طالب: شيخ، بماذا يحصل الإعلان؟
الشيخ: بما عدَّه الناس إعلانًا، عندنا الآن بالبواري والإضاءة؛ إضاءة المحلات، وبالدف، وكان بالأول -كما تعرفون- يمشون الناس جماعات للزواج ومعهم (...) وسرج.
الطالب: (...).
الشيخ: (...) ما يدري عنه الناس، (...) الوليمة الكبيرة الصحيح يحصل بها، لكن خمسة وستة جرت العادة بأنه يحصل الولائم على هذا الشكل بدون نكاح.
طالب: ما ندري وين المتزوج؟
الشيخ: لا، اتبعهم تدري.
العجيب أنه قبل سنة أو سنتين يعني بعض الناس (...) يسوون عقودًا وهمية، يجتمع خمسة، ستة، عشرة، (...) السيارات، ثم يمشون مع الرفاق (...)، ثم يبدأ الناس يقولون: ما أكثر الزواج الليلة.
طالب: فاضيين؟
الشيخ: إي، فاضيين.
طالب: شيخ، بعض المحاكم (...).
الشيخ: يكون عبئًا على هذا الشخص.
الطالب: الأولاد يعني؟
الشيخ: الأولاد شرعيون؛ لأن كل أولاد يأتون بجماع مشتبه فيه، كلهم شرعيون؛ لأن الشارع يتشوف (...) وبأدنى شبهة (...).
أن هذا مما تدعو الحاجة إلى بيانه وإعلانه، والصحابة ما يمكن يتركون هذا الأمر لو كان شرطًا، ما يبينونه فيكون أمرًا مشهورًا مستفيضًا؛ لأن النكاح كلنا يعقد النكاح، أليس كذلك؟ لو كان هذا من الأمور المشترطة لكان جاء به الكتاب أو السنة على وجه بيِّن واضح.
الآن فهمنا الدليل، يقول: الدليل أولًا عدم الدليل، فمن قال: إنه يشترط، فليأتِ بالدليل.
وثانيًا: الدليل، هذا من الأمور العامة التي اعتاد الناس إليها وإلى بيانها، والناس مما تعم به البلوى هذا عندهم، ولو كان أمرًا مشترطًا لكان بيانه واضحًا مشهورًا مستفيضًا.
نحتاج الآن إلى الإجابة عن أدلة القائلين باشتراطه؟
طالب: الأدلة أولًا: الآية، نقول: الآية الرابعة وليست الثانية، فالراجح قد (...). وأما الحديث فإنه ضعيف لا تقوم به الحجة، وأما النظر فإننا نقول بأن الإعلان أبلغ من الإشهاد.
الشيخ: صحيح، وهنا ما ينفي وجود الإشهاد مطلقًا؛ لأنه يقول: لا بد من أن يثبت ببينة؛ إما الإعلان وإما الإشهاد لكن الإشهاد ليس بشرط.
ومن العجب أن الشيخ الألباني وفَّقه الله ذكر أن هذا الحديث صحيح، ذكر أن حديث: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» أنه صحيح مرفوعًا، ثم أتى بأدلة كلها ضعيفة، كل الأدلة والشواهد والرجال ضعيفة، وعلى قاعدة المحدثين لو فرضنا أن هذه الأدلة ضعيفة ضعفًا ينجبر بعضها ببعض، فتكون على قاعدة المحدثين؟
طالب: حديث حسن.
الشيخ: حسنًا لغيره، (...) تصل إلى درجة الحسن لغيره، في بعض الطرق من هو متروك، مُكذَّب، وما أشبه ذلك، مثل هذا ما يُستشهد به.
وإحنا نبهنا على هذا لأجل أن نعرف أن لكل جواد كبوة، والشيخ الألباني -وفَّقه الله- لا نشك أنه عالم، وأنه يندر مثله في هذا الزمان، لكن ليس معنى أن العالم أنه يكون معصومًا من كل شيء، فالإنسان لا شك أنه بشر يخطئ ويصيب وينسى، ولا أحد معصوم إلا مَنْ عصم الله عز وجل.
المهم إذن بعد النظر في هذا، يتبين لنا أن الإشهاد ليس بشرط، لكنه ينبغي الإشهاد يعني يتأكد، لا سيما في بلاد كبلادنا يحكمون بأن الإشهاد شرط؛ لأن هذه المسألة لو يحصل خلاف، وتُرفع إلى المحاكم حكموا بفساد النكاح، وحينئذٍ نقع في مشاكل، فكل مسألة في مسائل النكاح يحتاط فيها الإنسان، لا سيما على موافقة الحكام في بلده وفي زمنه فإنه أمر متأكد.
طالب: الأثر الذي ورد عن عمر.
الشيخ: الأثر هو قال: هذا نكاح سر، ولا أدري عن صحته الحقيقة.
الطالب: يكون رجل وامرأة؟
الشيخ: لكن قال: هذا نكاح سر. فهذا ظاهر الحديث ما فيه اعلان.
الطالب: (...) لو تقدم لرجمته.
الشيخ: لرجمته، إي، لكن هو قال: إنه نكاح سر. الحديث، الأثر اللي عندكم قال: هذا نكاح سر، وظاهر الأثر أنه ما أُعْلِن، والكلام على إذا حصل إعلان بدون إشهاد. ثم الأثر ما أدري بعد عن صحته، ما راجعته الحقيقة، ينظر بعد في صحته وسنده؛ لأنكم تعرفون الفقهاء رحمهم الله من هذه الناحية، يذكرون الآثار المروية ويقولون: روي عن عمر، وروي عن ابن عباس، وروي عن كذا، وليسوا يحررون في صحة الأسانيد.
طالب: أحد العلماء حكم على حديث بالوضع، وحكم بعض العلماء أنه صحيح.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: حديث من الأحاديث.
الشيخ: إي، كثير.
الطالب: «اسْتَعِينُوا عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكُمْ بِالْكِتْمَانِ» .
الشيخ: إي، ما فيه شك، لكن الرجوع للحق حق، وهذا أمر يقع، ومن أغرب ما يكون أننا رأينا من يقول: أجمع العلماء على عدم قبول شهادة العبد. وآخرون قالوا: أجمع العلماء على قبول شهادة العبد. هذا أعظم ما يكون، فالمهم أن الإنسان يتكلم بحسب علمه والله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
طالب: كتب الشارح هنا: إِذَا زَوَّجَ وَلِيَّانِ فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا رواية.
الشيخ: إي، يمكن رواية، على المذهب: لا. ما يُقرع بينهما، إذا جُهل السابق.
الطالب: إذا جُهل السابق.
الشيخ: هذه رواية ثانية لكن المذهب خلافه، المذهب أنه يُفسخ النكاح، وهذا أولى.
طالب: (...).
الشيخ: مَن؟ (...) القرعة؛ لأن مسائل الفروج ما تُستباح بمثل هذا، والمسألة بسيطة.
طالب: يقرع (...).
الشيخ: إي، معناها بيأخذ بالاحتياط بهذا وبهذا، مع أنه ذكر رحمه الله أنه إذا طلق أحدهما ما يُحتسب عليه في هذا الطلاق، في مسألة إذا جُهِل، ويفسخ الحاكم أو يُطلِّق أحدهما، وقال: هذا الطلاق لا يُعتد به عليه؛ لأنه لا يُعلَم أن نكاحه هو الصحيح، فلا يؤاخذ بهذا الطلاق.
طالب: غير صحيح يا شيخ الكلام، أنه ما تعتد الطلقة هذه؟
الشيخ: والله ما هو ببعيد؛ لأن ما هو من نكاح متيقن، ليست من النكاح المتيقن، ما دام أنه زوجها وليان ما ندري أيهما الأول فقلنا: طلق. طلقا، أيهما اللي صحيح؟ يمكن هذا ويمكن هذا، إذن ما نحسبها عليهما، الأصل عدم الاعتداد.
طالب: بالنسبة لها إذا أرادت أن تتزوج؟
الشيخ: إي، لا بد من العدة، ولكن بس العدة إن كان قبل الدخول ما فيه عدة، إن كان بعد الدخول فالظاهر ما يحصل اشتباه (...).
طالب: الراجح؟
الشيخ: الراجح عدم اشتراط الشهود، إذا وُجِد الإعلان اكتفينا به، لكن بعد انتبهوا.
(الرابع: الشهادة فلا يصح إلا بشاهدين) يعني رجلين، فامرأتان ورجل لا تُقبل شهادتهما، ورجل وامرأة من باب أوْلى، وامرأتان من باب أولى، وأربع نساء كذلك، لا بد من شاهدين رجلين.
الثاني: (عدْلين) وهنا اكتفوا بالعدالة الظاهرة، عدلين ولو ظاهرًا، وهذا أضفه إلى ما سبق من العدالة الظاهرة في الولي، فصار الولي في النكاح والشهادة على النكاح يُكتفى فيهما بالعدالة الظاهرة، وكذلك ذكروا في باب الأذان أنه يُكتفى فيه بالعدالة الظاهرة.
ثانيًا: يقول: (بشاهدين عدلين ذكرين) هذا من باب التأكيد، وإلا فـ(شاهدين عدلين) معروف أنهما من الرجال.
(ذكرين مكلفين) كلما قلنا: مكلفين، فالمعنى بالغان عاقلان؛ لأن المكلف الذي هو أهل للتكليف هو البالغ العاقل.
(مُكلَّفين سميعين) يعني يسمعان بآذانهما، فإن كانا أصمين لم تُقبل شهادتهما؛ لأنهما لا يسمعان، الولي لو قال: زوجتك بنتي. وذاك قَبِل، وهما لا يسمعان، فوجودهما كالعدم.
وظاهر كلام المؤلف: ولو كانا بصيرين يقرآن، وكُتب العقد كتابة، لو أخذ ورقة الولي وقال: زوجتك بنتي، وقرآها، ثم أعطياها إلى الزوج وقال تحتها: قَبِلْتُ النكاح، فظاهر كلام المؤلف أن ذلك لا يصح.
والصحيح أنه يصح؛ لأن الشهادة تحصل بذلك، الشهادة الآن واليقين يحصل بذلك، فوصول العلم إلى هذين الأصمَّين صار عن طريق البصر، والمقصود وصول العلم، سواء عن طريق السمع أو عن طريق البصر، المهم أن المؤلف اشترط أن يكونا سميعين، ويش معنى سميعين؟ أي يسمعان الصوت بآذانهما، وعلة ذلك؛ لأن الأصم لا يسمع العقد، فلا يسمع الإيجاب ولا القبول.
وترى المراد بالسميعين: ولو كانا ثقيلي السمع، بحيث إنهما لا يسمعان إلا برفع صوت، ما يهم، المهم أن يكون لهما سمع ولو كان قليلًا.
قلنا: ظاهر كلام المؤلف ما دام اشترط أن يكونا سميعين أنهما لو كانا بصيرين يقرآن وكُتب الإيجاب كتابة من الولي والقبول كتابةً من الزوج، وهما يُشاهدان ذلك فظاهر كلام المؤلف عدم الصحة، والصحيح أنه يصح؛ لأن المقصود بالشهادة وصول العِلم إلى مَنْ؟ إلى الشاهد، كما قال الله تعالى: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [الزخرف: ٨٦]. فإذا وصل العلم إلى الشاهد كفى.
أيضًا لا بد أن يكونا (ناطِقين): ما هو كل إنسان حيوان ناطق؟! ما مر علينا في علم المنطق أن كل إنسان فهو حيوان ناطق؟ إذن كيف نقول: ناطِقين؟! المراد ناطقان بالفعل، أما قول أهل الكلام: الإنسان حيوان ناطق. فالمراد ناطق بالفعل أو بالقوة.
(ناطِقين) احترازًا من الأخرسين، فلا تُقبل شهادتهما، وصحيح كلام المؤلف أو ظاهره: ولو كانا سميعين بصيرين؛ لأنهما لا يستطيعان أداء الشهادة.
وظاهر كلامه: ولو كانا يُحسِنان الكتابة عند أداء الشهادة، وهذا فيه نظر، والصواب فيه مثل ما قلنا: أنهما إذا كانا يمكن أن يُعبرا عما شهدا به كتابةً أو إشارةً معلومة، فإن الصحيح أن شهادتهما تصح؛ لأن المقصود من كونهما يشترطان السمع، شوف المؤلف: (سميعين) لأجل التحمل، و(ناطقين) لأجل الأداء.
المقصود من اشتراط النطق هو أن نتوصل إلى الأداء الصحيح، فإذا كان هذا هو المقصود فمتى توصلنا إلى أداء صحيح ولو عن طريق الكتابة فإن ذلك كافٍ، وكم من إنسان أخرس عنده من العلم بأحوال الناس ما ليس عند الناطق، لكن يؤدي بطريق الكتابة أو الإشارة. إذن اشتراط السمع والنطق صار فيه تفصيل على القول الراجح.
يشترط أيضًا خلوهما من الموانع، بألا يكونا من أصول أو فروع الزوج، أو الزوجة، أو الولي. ألا يكونا -أي الشاهدان- من أصول الزوج أو الزوجة أو الولي، أو فروعهما.
فعلى هذا إذا زوَّج الأب ابنته، وكان الشاهدان أخويها أخوي البنت فالنكاح؟
طالب: غير صحيح.
الشيخ: النكاح لا يصح، لماذا؟
طالب: لأنهما فروع للولي.
الشيخ: لأنهما فروع للولي.
وكذلك لو زوَّج الإنسان ابنته وله أبٌ حاضر، أبوه حاضر وابنه حاضر، وشهد أبوه وابنه على العقد؛ لم تصح الشهادة؛ فلا يصح النكاح.
وكذلك أيضًا لو كان أبو الزوج حاضرًا، وكان أحدَ الشاهدين، فإن الشهادة لا تصح، فلا يصح العقد.
لو زوَّج أحد الإخوة، وشهد أخوان، يصح العقد؟
طلبة: نعم، صح العقد.
الشيخ: يصح العقد، طيب قلنا توًّا: ما يصح شهادة الأخ على عقْد نكاح أخته؛ لأنه فرع الولي.
فعليه لو سألَنا سائل: هل تصح شهادة الأخ على نكاح أخته؟
نقول: فيه التفصيل؛ إن زوَّج الأبُ ما صحَّ؛ لأنه من فروع الولي، وإن زوج أخوه صح؛ لأنه ليس أصلًا للولي ولا فرعًا له، ولا للمرأة ولا للزوج.
طالب: هو أخو الزوج يعني؟
الشيخ: أخو الزوجة، أما أخو الزوج فلا يضر، الزوج ما يضر مطلقًا. هذا هو المذهب.
والقول الثاني في المسألة: أن ذلك يصح؛ أنه يصح أن يكون الشاهدان أو أحدهما من الأصول أو من الفروع، وهذا القول هو الصحيح بلا شك؛ لأن شهادة الأصول والفروع ممنوعة حيث كانت شهادةً للإنسان، حيث كانت شهادة له، أما حيث تكون شهادة عليه وله فلا تُمنع.
ثم إننا نقول أيضًا: المذهب يجوِّزون أن يكون الشاهدانِ، أو أحدهما عدوًّا للزوج أو الزوجة، وشهادة العدو على عدوه غير مقبولة؛ متهم فيها، فنقول: هذا النكاح هل هو للإنسان، ولَّا على الإنسان؟
طالب: له وعليه.
الشيخ: له وعليه، فإذا قبِلتم شهادة العدو على الإنسان فاقبلوا شهادة القريب؛ لأنه للإنسان، فهو لم يتمحض له ولم يتمحض عليه؛ ولهذا لما لم يتمحض عليه قَبِلوا فيه شهادة العدو، وكان يلزمهم على ذلك أن يقبلوا شهادة القريب؛ لأنه لم يتمحض له.
نقول: النكاح في الحقيقة ليس حقًّا للزوج أو الزوجة، ولا حقًّا عليه، هو له وعليه؛ لأنه يُوجِب حقوقًا للعاقد وحقوقًا عليه، له وعليه، فأنتم قبِلتم شهادة العدو في هذا العقد؛ لأنه لم يتمحض عليه، إذن فاقبلوا شهادة القريب؛ لأنه لم يتمحض له، وهذا هو القياس.
فالصواب إذن أنه يصح العقد، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختارها كثير من الأصحاب، وهذه المسألة قلَّ من يتفطن لها من العوام، قد يعقدون وأبو الزوج موجود، ويعتبرونه أحد الشهود، وهذا على المذهب ما يصح، ولكن الصحيح أنه جائز.
طالب: (...) يدل على أنه لا يجوز.
الشيخ: يحتمل أن القانون أسقطه؛ لأنه لا يرى اشتراطه.
طالب: (...) شهادة الفروع أو الأصول خشية من يمكن يكون (...).
الشيخ: إي، ما يخالف، حتى العدو أيضًا.
الطالب: على أساس أن يكون القريب الولي هو نفسه (...).
الشيخ: إي، ما يخالف.
الطالب: عدم قبول شهادتهم لهذا السبب.
الشيخ: نحن نقول: هذا ما دام ما هو بحق له متمحض، قد يكون حقًّا عليه، وفي بعض الأحيان حق عليه أكثر، كإيجاب النفقة، وإيجاب المهر، وإيجاب العدة على المرأة وما أشبه ذلك.
طالب: الدليل على عدم جواز شهادة (...) على العموم.
الشيخ: تأتي في الشهادة إن شاء الله تعالى.
انتبهوا للمسألة الأخيرة هذه:
قال: (وليست الكفاءة -وهي دين ومنصب، وهو النسب والحرية- شرطًا في صحته)
(الكفاءة) من الكُفء، وهو المِثْل في اللغة العربية، والمراد بها هنا أن يكون الزوج أهلًا لأن يُزَوَّج.
يقول المؤلف: (ليست الكفاءة وهي دين ومنصب) شرطًا في الصحة، ولاحظوا الدين ويش هو؟
(الدين) يقول عندي بالشرح: (أداء الفرائض واجتناب النواهي)، هذا ما هو شرط أن يكون الزوج مؤديًا لجميع الفرائض، مجتنبًا لجميع النواهي، إذن فيصح تزويج الفاسق، أو لا؟ يصح أن يُزوَّج الفاسق.
ولو اشترطنا في التزويج أن يكون الإنسان عدلًا ما زوَّجنا أحدًا، ما يتزوج ولا عُشر الناس، فاشتراط العدالة في الزواج ليست بشرط، ما هي شرط في صحته.
كذلك أيضًا يقول: (ومنصب وهو النسب)، النسب: يعني أن يكون الإنسان نسيبًا، أي: له أصلٌ في العرب، من قبائل العرب، احترازًا من الذي ليس له أصل، من الموالي، اللي ما له أصل في أنساب العرب، هذا ما له نسب، من ينتسب إليه؟
طلبة: إلى آدم.
الشيخ: إلى آدم، ما ينتسب إلى العرب، فيسمون عندنا عند العامة يسمونهم: خضيري، وأحيانًا يسمونهم: العبيد. يقول: عبد حُر، فهم عبيد باعتبار ما كانوا؛ لأنهم كانوا موالي وأُعتِقوا، كانوا موالي حين الفتوحات الإسلامية وأُعتِقوا، فيه أحد يسميه: خضيري. والظاهر أن هذه التسمية مأخوذة من كونهم في الأصل يأتون ألوانهم تميل إلى السواد، هذا الظاهر والله أعلم، أما حر عبد فهذا واضح السبب.
طالب: (...).
الشيخ: إي، وبعضهم يسمونهم: الصفافيري.
يقول: النسب ليس شرطًا في صحة النكاح، وعلى هذا فيجوز أن نُزوِّج امرأة قبيلية من إنسان خضيري غير قبيلي، ما فيه مانع. كذا ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: كذلك (الحرية) ما هي شرط في صحته، ليست شرطًا في صحته، فيجوز أن نُزوِّج الحرة عبدًا مملوكًا، ما فيه مانع، المانع العكس، ما نزوج الحر عبدة إلا بشروط ستأتي إن شاء الله، أما أن نزوج الحرة عبدًا فهذا جائز، وليس من شرط صحة النكاح أن يكون الزوج حرًّا.
كم دولا من وصف؟ الدِّين، والنسب، والحرية، فيه بعد وصفان آخران ذكرهما بالشرح نتكلم عليهما:
(صناعة غير زَرِيَّة)، يعني غير مُزْرِية بالشخص، أيضًا هذا من الكفاءة؛ ألا تكون صناعته مزرية؛ يعني ممقوتة عند الناس، مثل: الكسَّاح، الكساح ما هو؟ منظف الكُنُف؛ الحمامات ينظفها، هذا يسمى كساحًا. زبَّال: يكنس الزبالة ويحملها، كنَّاس، هذا ما هو كفء لامرأة مصونة محترمة أهلها تجار أغنياء، لو زوَّجناها إنسانًا كسَّاحًا ينظف الكنف يصح العقد ولَّا ما يصح؟
طالب: يصح العقد.
الشيخ: يصح، ما هو شرط.
كذلك (يَسار بحسب ما يجب لها) (يسار) يعني غنى، ما هو شرط أن يكون الزوج غنيًّا، يُزَوَّج ولو هو فقير؟ نعم، يُزَوج ولو هو فقير، وهي غنية ما تأكل إلا الحلوى، ولحم الطيور، والرز الجيد، وهكذا، وهذا الرجل فقير -على يقول العوام-: يطرد عشاه غداه، يتغدى يومًا ويتعشى يومًا، يُزوَّج ولَّا ما يزوج؟
طلبة: يُزوَّج.
الشيخ: يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز، يقول المؤلف: ليست الكفاءة شرطًا في صحة العقد، المعنى: يصح العقد بدون الكفاءة، فيصح أن نعقد النكاح لامراة ذات عدل على زوج فاسق، حُرَّة على عبد، قبيلية على خضيري، بنت بزَّاز على كسَّاح، بنت البزَّاز، من هو البزاز؟
طالب: قماش.
الشيخ: اللي بيعلبس أعلى أنواع القماش. طيب بنت غني جدًّا على فقير مُعدِم، يجوز هذا وليس شرطًا في الصحة، لماذا نص المؤلف قال: ليست شرطًا في صحته؟ أليس عدم إدخال هذه الشروط دليلًا على أنه ليس بشرط؟
طالب: بلى. (...)
الشيخ: عُدِمت الصحة، ما ينعقد النكاح، لا زوجنا بنت بزاز بكساح، فالنكاح؟
طلبة: باطل.
الشيخ: باطل، فاسد، الأحسن نعبر بفاسد؛ لأنهم يرون أن النكاح المختلف فيه يسمى فاسدًا، فهو فاسد.
هذه الرواية في الحقيقة لا شك أنه من أضعف ما يكون من الروايات، ولكن لها وجهة نظر في مسألة الدين، الدين في بعض فروع الدين: خُلوّ المرء أو الزوج من هذا المانع شرْط في صحة النكاح، مثل الزاني، الزاني مؤمن ولَّا كافر؟
طلبة: مؤمن.
الشيخ: مؤمن، لكن الصحيح أنه لا يجوز أن يُزوج بعفيفة؛ لقوله تعالى: الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً [النور: ٣]. فالزاني ما يجوز نزوجه بعفيفة حتى يتوب؛ لأن هذا يتعلق بالفروج، وهو قدح عظيم للزوج، وكما أننا لا نزوج الزانية حتى تتوب، فلا نزوج الزاني حتى يتوب، وسيأتي في كلام المؤلف.
هذا إذا قلنا: ليس شرطًا في صحته، فهل هو شرط للزومه؟ نشوف.
قال: (فلو زوَّج الأبُ عفيفةً بفاجر): مَن الفاجر هنا؟
طالب: الزاني.
الشيخ: الزاني؛ لأنه مُقابَل بعفيفة، لو زوج الأب عفيفة بفاجر فالنكاح -على رأي المؤلف- صحيح؛ لأن ما هي بشرط للصحة، الكفاءة ليست شرطًا للصحة، النكاح صحيح.
والصواب في هذه المسألة بالذات أن النكاح فاسد؛ لأن الله يقول: الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً [النور: ٣]، ومعنى ذلك أن العفيفة ما يجوز أن تتزوج بالزاني، وهو كذلك.
(أو عربية بعجمي)، زوَّج عربية بعجمي، المراد بالعجمي هنا من ليس بعربي ولو كان ينطق بالعربية، فالمعتبر هنا بالعروبة والعُجمة المعتبر النسب لا اللسان، قد يكون عربيًّا وهو لا يعرف إلا اللغة الأعجمية، الكلام هنا المراد بالعروبة النسب، (لو زوَّج عربية) أي عربية الأصل والنسب، بقطع النظر عن اللسان.
(بعجمي) والمراد بالعجمي هنا من ليس بعربي، فيشمل عجم الفرس كإيران وما ضاهاها، ويشمل عجم الغربيين كالإنجليز والفرنسيين، وكذلك الأمريكان والروس، كلهم عجم، كل من سوى العرب فهو أعجمي.
هذا رجل من العرب قبيلي، زوَّج إنسانًا غير قبيلي، يصح النكاح؟
طالب: نعم يصح.
الشيخ: يصح؛ لأنه ليس شرطًا في صحته، لكن (لمن لم يرضَ من المرأة أو الأولياء الفسْخ)، المرأة معلوم يشترط رضاها كما سبق، إذا ما رضيت ما تدخل في الزواج، لكن الأولياء ولو بعدوا لهم الفسخ؛ يعني واحد قبيلي زوج ابنته خضيرية برضاها، والرجل صاحب دين وتقوى وخلق ومال، ومن أحسن الناس، فجاء ابن عم بعيد، وقال: أنا ما أرضى. له يفسخ؟
طالب: نعم، يفسخ.
الشيخ: نعم، له أن يفسخ على المذهب، حتى مَن حدث بعد، هذه امرأة هي قبيلية تزوجها خضيري، وبقيت معه خمسين سنة، وجابت منه أولادًا، فوُلد لأحد أبناء عمها البعيدين ولد، من يوم وُلد قال: أتزوجون هذه بنت عمنا، أتزوجونها الخضيري؟ قال: أنا ما أقبل، افسخوا النكاح. يُفسَخ النكاح؟ إي نعم، يُفسخ النكاح ولو لها أولاد وبيت، وفسد البيت وكل شيء علشانها، ابن العم اللي يمكن حاسد، ولا قصده، ما يهمه شرف النسب! لكنه حاسدها. يُفسخ.
وظاهر كلام المؤلف: حتى أولاده، أولاده هيفسخون؟
طالب: لأنهم أولياء.
الشيخ: لأنهم أولياء، فالظاهر من كلام الفقهاء أنه حتى أولادها لهم الفسخ، يقولون: نبغي نفسخ أمنا من أبينا؛ لأن أبانا خضيري وأمنا قبيلية.
طالب: فيكونون خضيرية!
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف حتى هؤلاء؛ لأن كونهم أولياء، (...). ولكن يمكن أن نجيبهم بمثل ما قال غانم، نقول: كيف أنتم تفسخون عشان أبوكم خضيري؟ أنتم خضيرية أيضًا؟! فيقولون: نعم، نحن خضيرية، لكن نسب أمنا ممكن يضيع، نسب الأم لا نريد أن يضيع، نبغي نفسخ النكاح.
نشوف في مسألة الدين الآن، أهم شيء الدين؛ في مسألة الدين قلنا: إن مسألة العفة والفجور الصحيح أن ذلك شرط للصحة، وعلى هذا لا يصح العقد، إذا زوَّج الإنسان ابنته برجل مشهور -والعياذ بالله- بالزنا أو مشهور باللواط، فإن العقد لا يصح.
الدين اللي غير هذا مثل إنسان يشرب الخمر أو يحلق اللحية، أو ما أشبه ذلك، هذا نقص في الدين وخلل، هل لبقية الأولياء أن يفسخوا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، المذهب لهم أن يفسخوا، وهذه المسألة لو فُتح فيها الباب حصل في ذلك شر كثير، يجي إنسان يزوج هذا الرجل ويحلق لحيته، ويجي ابن عم بعيد ويقول: أطالب بفسخ النكاح؛ لأن هذا الرجل ما عنده دين. على المذهب يفسخ النكاح.
كذلك أيضًا لو كان يشرب الدخان، أو كان يتعامل بالربا، أو ما أشبه ذلك فله الفسْخ، هذا في الحقيقة في كلام الفقهاء نظر في هذه المسألة، لكن هنا شيء قد يكون كلامهم لهم حظ من النظر، فيما لو كان الخلل بشرب خمر، فإن شرب الخمر في الحقيقة لا يقتصر ضرره على الشارب، يتعدى إلى زوجته وإلى أهله، أحيانًا يدخل على زوجته بالسكين ليقتلها.
وأحيانًا -والعياذ بالله- يقولون: إنهم يأتون إليهم عُراة، يأتي إليها عريانًا (...)، وأحيانًا يطلب أن يزني ببناته كما هو مشهور، يطلب، لولا أن النساء يغلقن على البنات ويسكرن البيبان كان هذا يطالبون بالزنا بها، هذا في الحقيقة لو قيل بالمذهب في هذه المسألة لكان له وجه، إذا عُرِف أن هذا الزوج يشرب الخمر فللبعيد من الأولياء أن يطالِب بفسخ النكاح.
وهذه مسألة تغيب عن كثير من القضاة؛ ولهذا يسألون عنها كثيرًا فيما إذا كان الزوج حدثَ منه شُرْبُ الخمر، هل يُفسخ العقد ولَّا ما يُفسخ؟ منهم من توقف في الأمر، ومنهم من قال: ما يفسخ؛ لأن العدالة ليست شرطًا في بقاء النكاح ولا ابتدائه.
ولكن الحقيقة أننا إذا رجعنا إلى كلامهم هنا، وجدنا أن المذهب: يجوز الفسخ لفقد الدِّين، كما أن ظاهر حديث زوجة ثابت بن قيس أن خلل الدين يبُيح للمرأة طلب الفسخ؛ لأنها قالت: يا رسول الله، هذا ثابت، لا أعيب عليه في خلق ولا دِين ولكن أكره الكفر في الإسلام . فظاهر قولها هذا: أنها لو عابته بخلق ودين لكان لها حق طلب الفسخ، وهذا هو الصحيح عندنا، وهو المذهب الموافق للمذهب في هذا الباب. (...)
وزوجناها (...) تُصَدَّق ولَا لا؟
طالب: تصدق.
طالب آخر: قبل الدخول.
الشيخ: قالوا: إن كان إنكارها قبل الدخول صُدِّقت؛ لأن الأصل عدم الإذن والرضا، فنقول: هاتوا الشهود أنها أذنت وإلا فلا نكاح.
إن كان بعد الدخول فهي ما تُقبل، ويش السبب؟ لأنها أذِنت فعله، ولو أننا قبلنا هذا لكان كل امرأة يدخل عليها زوجها ولا يجوز له، الظاهر أنها ما أذنت أن يكون زوجها. ونفتح بابًا عظيمًا على الناس، قد تقول هي: أنا ما دريت أنه لا بد من إذني. تقول دخلت عليه: والله أنا ما علمت أنه لا بد من الإذن. فهل نقبل قولها ولَّا نرفض هذا؟ وهذه أيضًا قد تقع، ما تقولون في هذه المسألة؟
طلبة: (...).
الشيخ: ما ندري إحنا الآن، هو يقول: إنه أذن ها الولي. وهي تقول: ما أذن، ولا هناك شهود يفصلون.
طالب: القرينة تدل على.. والدخول.
طالب آخر: (...) ما يقبل.
الشيخ: ما يقبل؟
الطالب: إي.
الشيخ: عندنا في بلادنا ما هو منتشر خصوصًا بالبادية، البادية عندهم أن الأب يُزوِّج بنته رضيت ولَّا ما رضيت، وكذلك الحاضرة من قبل أيضًا.
طالب: ماشيين على المذهب.
الشيخ: دعنا من ماشيين على المذهب! إحنا مذهبنا مذهب النبي صلى الله عليه وسلم.
الطالب: أقول: البادية ماشيين على المذهب.
الشيخ: إي، البادية ماشيين على باديتهم! البادية ماشيين على اللي اتحط في البادية!
هذه المسألة والله تحتاج إلى تأمل، إذا كانت ممن يجهل ذلك فقد نقبل قولها، ونقول: إذا كان أنها ما تبغي الزوج، وأنها ما علمت أن لها الحق في المنع فلا نكاح.
وقد نقول: إننا لا نقبل قولها إلا بشهادة، بحيث إنك تقول: والله أنا زوجني أبوي، وأنا ما دريت، وغصب عليَّ إلى الدخول، وتقول ها الكلام، فيه ناس يشهدون مثلًا على هذا الكلام، فهذا معناه أنه فيه بينة أنها ما رضيت إلى أن دُخل عليها.
طالب: ممكن يشهد واحد شهادة زور أنها ما درت؟
الشيخ: مسألة شهادة الزور لا بد من أن يكون عدلًا يحتاج إلى تزكية، حتى إذا زُكي عاد ما..
الطالب: (...) كثيرًا.
الشيخ: ما نقدر، إنما إذا صار ظاهره العدالة، أو يُشترط العدالة ظاهرة وباطنة بينة.
طالب: (...) شروط..
الشيخ: أربعة.
الخلاصة أن الشروط أربعة: تعيين الزوجين، ورضاهما، والولي، والشهادة على المذهب، أو على رأي شيخ الإسلام: الإعلان.
الطالب: والكفاءة ما تُشترط؟
الشيخ: الكفاءة في الصحيح أنها ليست بشرط، لكن مسألة الزنا قد نجعله في الموانع، هم جعلوا الزنا في الموانع، لكن اعتبروه في جانب المرأة ولم يعتبروه في جانب الرجل. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليه.
طالب: (...) المرض (...).
الشيخ: بيجينا إن شاء الله هذا في العيوب.
قال: (باب المحرمات في النكاح)
التحريم أسألكم الآن، هل هو وارد أم مورود عليه؟
طالب: وارد.
الشيخ: وارد، التحريم وارد لا مورود عليه، إذن فالأصل الحل، الأصل في النساء الحل؛ لأن الله لما عدد المحرمات قال: {وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: ٢٤].
طالب: أُحِلَّ.
الشيخ: قراءة سبعية. أُحِلَّنظرًا إلى قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ [النساء: ٢٣]. {وَأَحَلَّ} نظرًا إلى قوله: {كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء: ٢٤].
المهم أن قوله سبحانه وتعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْأو {وَأَحَلَّ} معناه أن الأصل الحل في النساء حتى نعلم أن هذه المرأة ما تحل، إذن فالتحريم وارد.
المحرمات في النكاح ينقسمن أولًا إلى قسمين: محرمات إلى الأبد، ومحرمات إلى أمد، فهمتم؟ محرمات إلى الأبد دائمًا وأبدًا، ومحرمات إلى أمد.
القسم الأول: المحرم إلى الأبد أنواع: محرم بالنسب، ومحرم بالرضاع، ومحرم بالمصاهرة، ومحرم باللعان، ومحرم بالاحترام. خمسة أنواع.
المحرم إلى الأبد خمسة أنواع، وهو القسم الأول: محرم بالنسب، وبالرضاع، وبالمصاهرة، وباللعان، وبالاحترام.
نبدأ بالخفيف: الاحترام مَن؟
طالب: زوجات الرسول.
الشيخ: زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذا بالنسبة إلينا انتهى وقته لكنه محرم على الأبد: وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا [الأحزاب: ٥٣]، إلى يوم القيامة، وهن المحرمات إلى الأبد.
الملاعنة: ستأتي في كلام المؤلف، ونؤجلها إلى أن يأتي كلام المؤلف.
المحرمات بالنسب سبعة أشياء، ذكرها الله في قوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ [النساء: ٢٣]: سبعة.
فقوله تعالى: أُمَّهَاتُكُمْتشمل الأم وإن علت من جهة الأم أو من جهة الأب؛ يعني (وإن علت) ما هو معناها ارتفعت على السطح، علت: يعني صارت جدة، أُم جدة، أُم جد، وهكذا. أو ما يشمل؟
طلبة: يشمل.
الشيخ: ولاحظوا أن أوسع الشمولات في هذا الباب هو باب النكاح؛ لأنه بأدنى سبب يحصل التحريم.
الأم في باب الميراث، هل هي الأم وإن علت؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن الجدة المسبوقة بذَكَرٍ قبله أُم ما ترث. طيب هذه واحدة أُمَّهَاتُكُمْ.
وَبَنَاتُكُمْيشمل البنت وإن نزلت، مثل بنت الابن وبنت البنت وهكذا. وظاهر قوله تعالى: وَبَنَاتُكُمْيشمل بنت الإنسان من الزنا، وهذه مسألة فيها خلاف، ونريد من ثلاثة منكم أن يحققوا هذه المسألة:
محمد البراق يحقق أنها حرام، ومحمد إسماعيل يحقق أنها حلال، ووليد يحقق أنها حرام على أبيها حلال لإخوتها. (...).
من الأم التي ولدته مباشرة، والجدة وإن علت، هذا الدليل.
وقوله: (كل جدة وإن علت): يشمل الجدة من قِبَل الأب، والجدة من قِبَل الأم. وبهذا نعرف أن التحريم في النكاح أشد سريانًا من الإرث؛ لأن الإرث لا ترث الجدة أم أبي الأم، وأما هذا فتحرم.
كذلك يحرم البنت؛ لقوله تعالى: وَبَنَاتُكُمْ، وهذه تشمل يقول: (بنت الابن وبنتاهما)، بنت مَنْ؟ بنت البنت، وبنت بنت الابن، يعني وإن نزلوا، وهذا داخل في عموم قوله: وَبَنَاتُكُمْ. هذا الدليل من حيث الأثر.
أما الدليل من حيث النظر فلأن الأم وإن علت أنت بضعة منها، يعني أنت بضعها، والبنت وإن نزلت هي بضعة منك، فلا ينبغي أن يستحل أحد من كان بضعة منه، أو من كان هو بضعة منه. هذا هو الحكمة في التحريم.
ولذلك الرضاع لماذا تحرم المرضعة؟ لأن هذا الطفل نشأ من لبنها، شوف لما تغذى بس باللبن صار حرامًا أو انتفى التحليل، فكيف بمن هو جزء؟
وقال: ويحرم أيضًا، قال: (من حلال وحرام): البنت وبنت الابن والأم وإن علت (من حلال وحرام)، يعني سواء كانت البنت من حلال، وهي البنت التي نشأت عن وطء بعقد صحيح، أو عن وطء بشبهة، هذه من حلال، ويش لون وطء بعقد صحيح؟ يعني رجل عقد على امرأة عقد نكاح صحيح فأتت منه ببنت، هذه البنت من حلال ولَّا حرام؟
طلبة: حلال.
الشيخ: من حلال. كذلك أيضًا من نشأت بوطء شُبهة، فإنها تكون بنتًا من حلال، حلال باعتقاد الواطئ، حرام بحسب ما في نفس الأمر، وإن شئنا قلنا: هذه مرتبة بين الحلال والحرام. وعلى هذا فتكون البنت إما من حلال خالص، أو من حرام خالص، أو من حلال بحسب ظن المكلف حرام بحسب الواقع.
البنت التي نشأت بعقد نكاح صحيح، هذه من حلال خالص ما فيه شبهة، وحرام خالص بنت الزنا.
إذا زنى رجل بامرأة، أو جامعها جماعًا في حكم الزنا، مثل أن يعقد عليها عقدًا باطلًا ويجامعها وهو يعلم أنه باطل، فهذا وإن كان بعقد فالعقد هنا صورة وليس بحقيقة، مثل أن يتزوج امرأة معتدة من غيره وهو يعلم أن ذلك حرام، ثم يجامعها وتأتي منه ببنت، ويش حكم هذه البنت؟
طالب: بنت زنا.
الشيخ: هذه بنت زنا، مثل بنت الزنا تمام؛ لأن هذا العقد وجوده كعدمه، هذه البنت بنت الزنا أو ما في حكمه هذه من حرام خالص، وحرام عليه ولَّا لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: نعم، حرام عليه، ما يتزوجها، مع أنها لا تُنسب إليه شرعًا، ما يُقال: بنت فلان، ولا يرثها ولا ترثه، لماذا؟ لأن قوة التحريم في النكاح لها نفوذ أكثر من الإرث والنسب؛ ولهذا بنتك من الرضاع حرام عليك مع أنها لا تُنسب اليك، ولا ترثها ولا ترث منك. التحريم في النكاح له قوة ونفوذ.
القسم الثالث: قلنا: المشتبِه، اللي ما هو حلال خالص ولا حرام خالص، وهو ما كان حرامًا في نفس الأمر حلالًا بحسب ظنِّ المكلَّف، مثل: تزوج امرأة معتدة يظن أن ذلك لا بأس به، وجامعها، وأتت منه ببنت، هذه البنت جاءت بأيش؟
طالب: بوطء شُبهة.
الشيخ: بوطء شُبهة، تكون بنتًا له تُنسب إليه، وترثه ويرثها، ويحرم عليه نكاحها، وهذا واضح.
كذلك إنسان جاء فوجد امرأة نائمة في فراشه، وكان مثلًا مشتاقًا إلى الجماع بدون أن يتأمل جامعها على طول، يظن أنها زوجته، هذا أيضًا يعتبر أيش؟
طالب: وطء شُبهة.
الشيخ: وطء شُبهة، حلال في ظن المكلَّف، حرام في نفس الواقع أو في نفس الأمر؛ فلأنه كان يراه حلالًا صارت البنت المخلوقة من هذا الماء بنتًا له ترثه ويرثها، وتحرم عليه في العقد.
طالب: وتُنسب إليه؟
الشيخ: تُنسب إليه نعم.
الطالب: ولو كانت من أخته؟
الشيخ: ولو كانت أخته، يعني لو جامع أمه مثلًا، يحسبها زوجته، فأتت ببنت؛ فهي بنته.
طالب: ما تكون بنته وأخته؟!
الشيخ: تكون بنته وأخته، لكن أخته من أمه ما ترث، ما ترث بالأخوة من الأم؛ لأنها بنت، فتحجب نفسها بنفسها.
إذن (من حلال وحرام)، قلنا: إن وطء الشبهة ليس حلالًا محضًا ولا حرامًا محضًا، وإذا كان الحرام المحض يُحَرِّم فالشبهة من باب أولى.
(وإن سفلت، وكل أخت)، ما قال المؤلف: كل بنت. قال: (والبنت) (والأم)، وهنا قال: (كل أخت)، لماذا؟ لأن الأخت تكون شقيقة ولأب ولأم؛ فلهذا قال: (كل أخت) هي حرام على الإنسان سواء كانت شقيقة، أو لأب، أو لأم.
(وكل أخت وبنتُها وبنتُ ابنتها)، طيب وبنت ابنه؟
كل أخت وبنتها، وبنت ابنتها، وبنت ابنها، وإن نزلت فهي حرام عليه، لماذا؟ لأن الأخت حرام واضح، وبنت الأخت حرام أيضًا، وبنت الأخت حرام ولَّا لا؟
طالب: بلى.
الشيخ: حتى في نص الآية حرام: وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ. وإن سفلت.
(وبنت كل أخ وبنتها): (وبنت كل أخ) شقيق أو لأب أو لأم.
(وبنت كل أخ وبنتها وبنت ابنه): ابن الأخ، (وبنتها)، إذن الإخوة، ومن تفرع عنهم كلهم حرام، الأخوات ومن تفرع عنهم، وبنات الإخوة ومن تفرع عنهم، كلهم حرام؛ لأنك إما أن تكون عمًّا وإما أن تكون خالًا.
قال المؤلف: (وكل عمة وخالة وإن علتا): يعني (كل عمة) ليش قال: (كل)؟ يشمل العمة الشقيقة التي هي أخت أبيك من أمه وأبيه، والعمة من أب، وهي أخت أبيك من أبيه، والعمة من الأم وهي أخت أبيك من أمه، فكل عمة، وكل خالة أيضًا وهي أخت أمك إن كانت شقيقة من أمها وأبيها، وإن كانت من أبيها، وإن كانت من أمها، كل خالة.
(وإن علتا)، ويش لون هذا الكلام؟ الخالة تعلو؟!
طلبة: نعم، الخالة تعلو.
الشيخ: تكون مَن؟ تكون خالة أبيك، أو عمة أبيك، أو خالة أمك، أو عمة أمك، أو خالة جدك، أو خالة جدتك، أو عمة جدك، أو عمة جدتك وهكذا، إلى ما لا ناهية له، (وإن علتا)؛ لأنك لا تخلو إما أن تكون أنت ابن أخ من أبناء الإخوة وإما من أبناء الأخوات.
فكل عمة وكل خالة وإن علتا فهي حرام، عمة أبيك عمة لك ولَّا لا؟ خالة أبيك خالة لك، وهكذا عمة جدك وعمة جدتك، وخالة جدك وخالة جدتك، كلهن حرام؛ لدخول ذلك في قوله: عَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ؛ ولهذا عمة الأب هي عمة لك، حتى أنت تسميها عمة، وخالة أبيك تسميها خالة.
(وإن علتا) انتهى المحرمات بالنسب، وهن سبع: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ [النساء: ٢٣]. واختصرها بعض العلماء بقوله: الأصول وإن علوا، والفروع وإن نزلوا، وفروع الأب الأدنى وإن نزلوا، وفروع الأب الأعلى لصلبهم خاصة، فجعلوها أربعة أنواع: الأصول وإن علوا، والفروع وإن نزلوا، وفروع الأصل الأدنى وإن نزلوا، وفروع الأصل الأعلى لصلبهم خاصة. واضح؟ هو أفصل من الآية لكنه ما هو بأوضح من الآية، أفصل من الآية.
فالفروع وإن نزلوا يدخل فيها البنات وبنات الأدنى وإن نزلوا.
والأصول: الأمهات والجدات وإن علوا.
وفروع الأصل الأدنى وإن نزلوا: من هم فروع الأصل الأدنى؟ الإخوة وإن نزلوا، هذا فروع الأصل الأدنى؛ لأن الأصل الأدنى أمك وأبوك.
وفروع الأصل الأعلى لصلبهم خاصة، منهم العمات والخالات لصلبهم خاصة؛ ولهذا بنت العمة تجوز ولَّا لا؟ وبنت العم تجوز وهكذا؛ لأنه يقول: فروع الأصل الأعلى لصُلبهم خاصة فقط، فانحصرت المحرمات بالنَّسب في أربعة أنواع: أصول، فروع، فروع الأصل الأدنى وإن نزلوا، فروع الأصل الأعلى لصلبهم خاصة فقط.
قال المؤلف: (والملاعَنة على الملاعِن): الملاعَنة بالفتح: التي لاعنها زوجها، (على الملاعِن) اللي هو الزوج.
طالب: بالكسر ما يصلح؟
الشيخ: الملاعِنة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لا، هو الملاعِن؛ لأنه يقول: لعنها الزوج.
فـ(الملاعَنة على الملاعِن) الذي لاعنها.
وفي الحقيقة أن كلمة (لاعَن) على وزن (فاعَل) تكون للمشتركَيْنِ في الغالب، فإن كان قد لا تكون للمشتركين مثل: (سافر) ما فيه اشتراك. لكن (قاتَلَ) فيه اشتراك، (لاعَنَ) فيه اشتراك من الجانبين، فهي يصلح أن تجعلها بالفتح في الموضعين، أو بالكسر في الموضعين، أو تخالف، لكن المخالفة أولى؛ لأن اللعن حقيقة يصدر من الزوج.
فـ(الملاعَنة على الملاعِن) ويش هي الملاعنة؟ يعني امرأة مثلًا واجهها إنسان قال: الله يلعنك. قالت: الله يلعنك أنت؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ما هو بهذا.
(الملاعَنة على الملاعِن) معناه أن الرجل إذا رأى زوجته تزني والعياذ بالله، فإن له الحق أن يقذفها بالزنا فيقول: إن زوجتي زنت. في هذه الحال يقال له: إما أن تأتي ببينة أربعة شهود، وإما أن تعترف المرأة بذلك، وفي هاتين الحالين لا يحتاج للعان، ما يحتاج لعانًا؛ السبب: لأن البنية قامت بالشهود أو بالإقرار.
وإما أن نقيم عليك الحد ثمانين جلدة؛ لأنك قذفتها.
طالب: الزوج ما يُجلد؟
الشيخ: كلا، بلى. وإما أن نقيم عليك الحد ثمانين جلدة.
وإما أن تُلاعن؛ لأن الرسول قال له: «الْبَيِّنَة أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» . فنقول له الآن: ما دام ما فيه بينة ولا إقرار نبغي نجلدك ثمانين جلدة إلا إن كنت بتلاعن. فإذا قال: أنا أختار اللعان. هنا قلنا للمرأة أو الرجل: تلاعنا. فيقول هو: أشهد بالله لقد زنت زوجتي هذه. أربع مرات.
ويقول في الخامسة: وأن لعنة الله عليه لكن يأتي بالضمير بالياء، قلنا: يعني بالغائب لئلا يسند إلى المتكلم، وإلا الأصل أنه يقول: عليَّ. يقول: وأن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
فإذا قال ذلك أربع مرات، والخامسة قال هذا الكلام ثبت عليها حد الزنا؛ الحد إما رجم وإما جلد وتغريب، إلا أنها لها أن تسقط الحد باللعان، هي ترد عليه؛ ولهذا قال الله عز وجل: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ [النور: ٨]، فتشهد أربع مرات أنه كاذب فيما رماني به من الزنا، وتقول في الخامسة: أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ [النور: ٩].
وإنما كان اللعن في حقه، والغضب في حقها والغضب أفظع وأعظم؛ لأنه هو أقرب من الصدق منها؛ إذ إنه لا يمكن لأحد أن يُدنِّس فراشه بهذه الفاحشة إلا وهو صادق، أما هي فربما تريد دفْع السوء عنها؛ سوء السمعة وعن أهلها فلا تبالي، كما وقع ذلك فيما وقع في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، أنها قالت: لن أفضح قومي سائر اليوم . ووافقت على هذا الأمر العظيم نسأل الله العافية؛ أن غضب الله..
إذا تلاعنوا هذا اللعان ويش اللي يحصل؟ تحصل الفُرقة بينهما بدون فسخ وبدون طلاق، تكون الفرقة تلقائيًّا، وتحرم عليه تحريمًا مؤبدًا لا تحل له إلى يوم القيامة؛ لأنه ليس من الحكمة أن تحل امرأة شهد عليها زوجها بالزنا وهي كذَّبته أمام الناس، هذا من أعظم ما يكون من الفراق؛ ولهذا كان الحكمة ألا يجتمعا أبدًا، هذه الملاعنة والملاعن.
فإذا قال قائل: لماذا لم يكن قذْف الزوجة كقذف الأجنبية؟ فما هو الجواب؟
نقول: إن الجواب ما أشرنا إليه قبل قليل، وهو أن الرجل لا يمكن أن يُقدم على رمي زوجه بالزنا إلا وهو صادق، فلهذا خُفِّف عنه.
وتعرفون قصة سعد بن عبادة رضي الله عنه حينما نزل قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور: ٤]. فقال رضي الله عنه: أدع لكع بن لكع على أهلي، والله لأضربنه بالسيف غير مصفح . ويش معنى غير مصفح؟ يعني أضربه بحده، ما هو بصفيحته، لا، أضربه بحده. فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟! وَاللَّهِ إنِّي لَأَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي» . ثم أنزل الله الآية اللي بعدها بحكم رمي الزوج زوجته بالزنا، فكان في ذلك فرج، وكان سعد بن عبادة رضي الله عنه من أشد الناس غيرة على أهله، حتى إنه إذا طلق زوجةً من نسائه ما يتزوجها أحد بعده من شدة غيرته .
وهو رضي الله عنه تعرفون أنه سيد كبرى القبيلتين من الأنصار وهي الخزرج. هذا الملاعنة على الملاعِن، تحرم تحريمًا مؤبدًا.
طالب: حول الفرقة أو (...) إن عفا عنها زوجها؟
الشيخ: العلماء يقولون: إنه إذا كان في طهر لم يجامعها فيه فإنه يجب عليه أن يقذفها لئلا تلد ولدًا يُنسب إليه وهو ليس له، وأما ما سوى ذلك فينظر إلى الأصلح، إن كانت امرأة من هالنساء اللي يُخشى عليها فعل الفاحشة، لا يصلح لها ولا تصلح له، فالأولى أن يفعل أو يُطلِّق ويتركها، حسب الحال.
طالب: قوله: (وكل أخت) فذكر أنه يجوز زواج الأخ من أخته إذا كانت أخته من الزنا؟
الشيخ: هذه خليها عندك، ما نعطيك عنها جوابًا.
الطالب: المؤلف ما.. بالنسبة إلى..
الشيخ: ما نعطيك عنها جوابًا كلام المؤلف ولَّا، كيف؟
طالب: إذا انتفى (...) لاعن امرأته وانتفى، (...) فبنت المرأة زوجته تحرم عليه وقد لاعنها؟ وهي قد قطعًا قد تكون بنتًا لغيره؟
الشيخ: إي، لا، إذا انتفى منها ما تحرم عليه، أجنبية منه، لكنها بنت زوجته القديمة فتحرم عليه من جهة الصهر، هي أجنبية منه من حيث النسب، لكن من حيث الصهر تكون بنت زوجته وإن كان قد دخل بأمها تحرم عليه.
الطالب: (...).
الشيخ: من جهة؟
الطالب: من جهة أنه يقتله قد يُقتَل بما قتل؟
الشيخ: لا، هذا جائز أن تقتله.
الطالب: بس قد يدعي أولياؤه..
الشيخ: دعنا من الدعوة عليه والملابسات وغيره، إنما فيما بينك وبين الله لو وجدت رجلًا، والعياذ بالله على أهلك، نسأل الله أن يعصمنا وإياكم لكان لك أن تقتله، فيما بينك وبين الله.
الطالب: لكن تُدان، تُقتَل؟
الشيخ: أما مسألة أنك تدان قد يكون هذا يُنظَر في الموضوع. الصحيح في هذه المسألة ما اختاره شيخ الإسلام أنه يُنظَر للقرائن.
الطالب: شبهة واردة؟
الشيخ: أي شبهة؟
الطالب: قد يكون عدوًّا له وأدخله بيته.
الشيخ: ويش اللي غصبه على..؟
الطالب: يريد يُدخِله بيته ويقتله، فيدعي..
الشيخ: لا، إحنا الكلام على مَن وجد رجلًا على امرأته، فقلته وهو عليها، هو ما متحرك هو، يبغي بيقول مثلًا لامرأته: لا تتحركي، خلي الحكومة أو الدولة تأتي وتشاهده عليكِ.
لكن إذا قتله في غير هذه المسألة، مثل إنسان دخل على شخص وصال عليه، أراد يقتله أو أراد أهله، ودافع عن نفسه وقتله.
الطالب: زوجته لا تطيعه، ولو قال: (...) قتله (...).
الشيخ: لا، ما هي على كل حال تقوم، قد تخشى على زوجها وتقعد (...).
المهم ما علينا من الملابسات، الكلام على أنه فيما بينه وبين الله يجوز أن يقتله، وربما يقتله ولا يعلم بذلك أحد ويأخذه يدفنه ولا يدرَى عنه، يصلي عليه، ويغسله ويكفنه، ولا يدرى عنه.
الطالب: مسألة (...)؟
الشيخ: إنما مسألة.. غير هذه لو دخل رجل شخص دخل إلى بيتك متلصصًا أو يريد أهلك وتبغي تدفعه بالتي هي أحسن وأبى..





