وهو اختيار شيخنا عبد الرحمن السعدي رحمه الله، والأول هو المذهب الذي يقولون:
إن الرضعة هي الْتقام الثدي، فإذا أطلقه فهي رضعة (...)، هذا هو المشهور من المذهب،
على كل حال إذا سلكنا الأصل، وهو أن الأصل أيش؟
طالب:
عدم التأثير.
الشيخ: عدم التأثير، قلنا: ما يمكن أن
نحكم بتأويل شيء إلا حيث علمنا أن الشروط موجودة فيه. هذان شرطان.
الشرط الثالث:
أن يكون الرضاع في زمنه -أو بعبارة أصرح- أن يكون الإرضاع في زمنه؛ أي: في زمن
الرضاع، الحقيقة الباب هذا ما هو ببحث لهذا، لكن لا بد لنا أننا نستوعبه.
الشرط
الثالث: أن يكون الإرضاع في زمن الرضاع.
فما هو زمن الرضاع؟
أيضًا موضع خلاف
بين العلماء، ولذلك الحقيقة في مسألة الرضاع كل امرأة تشاركك في رضاع وتعقد عليها
النكاح يسمى عند أهل العلم فاسدًا، يُسَمَّى فاسدًا؛ لأنه موضع خلاف، لكن إن اعتقدت
صحته فهو صحيح عندك؛ يعني بعض الطلبة لو قيل له: مثِّل لنا بنكاح فاسد يمكن يعجز،
لكن يجيء إلى باب الرضاع يلقى ما شاء الله (...).
النكاح الباطل واضح؛ يعني فيه
معتدات وغيرها كثير، لكن النكاح الفاسد قد يُعْوِز طالب العلم، ولكننا نقول: ادخل
في باب الرضاع وتجد -ما شاء الله- هَيْلًا بلا كيلٍ، الفاسد الذي فيه خلاف بين
العلماء، والباطل اللي أجمعوا على بطلانه، إي نعم.
أقول: في زمن الرضاع، فما زمن
الرضاع؟ قيل: الحولان، وقيل: الفطام.
أما من قال بالحولين فاحتج بقوله تعالى:
وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [البقرة: ٢٣٣]،
قالوا: فقال الله: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِفجعل الله -سبحانه وتعالى- الحولين كليهما زمنًا
للرضاع؛ فمتى رضع الطفل في هذا الوقت فالرضاع مؤثر، وإن رضع بعد الحولين فالرضاع
غير مؤثر.
وقال بعض أهل العلم: المعتبر الفطام زمن الرضاع هو زمن الرضاع على
اسمه، مادام يتغذى باللبن فهو على زمن الرضاع، فإذا صار يتغذى بالطعام فقد انتفى
زمن الرضاع، واستدلوا بحديث: «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا فَتَقَ
الْأَمْعَاءَ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» ، واستدلوا أيضًا بالمعنى؛
فالمعنى هو أن الحكمة من تأثير الرضاع هو أن الجسم ينمو عليه؛ ولذلك رضاع الكبير ما
يؤثر؛ لأن الجسم لا ينمو عليه، فإذا كان كذلك فهو بعد الفطام لا يؤثر فيه، وأما قبل
فيؤثر.
ويظهر الفرق بين القولين فيما لو فُطِمَ طفلٌ قبل السنتين، وصار يأكل
الخبز والتمر والبسكوت (...)، هذا إذا أرضعناه؛ على القول بأن المعتبر الحولين
مؤثر، وعلى القول بأن المعتبر الفطام لا يؤثر؛ لأنه كإرضاع الكبير.
والعكس
بالعكس؛ لو أن طفلًا صار قليل النمو، وصار ما يأكل، وتم له سنتان وهو إلى الآن وهو
يتغذى باللبن وأرضعناه؛ على القول بأن المعتبر الحولان لا يؤثر هذا الرضاع، وعلى
القول بأن المعتبر الفطام يؤثر، وهذا في المعنى أقوى من معتبر الفطام.
وفي
الحقيقة أن الإنسان يستبعد أن يكون الطفل الذي لا يُفطم قبل الحولين لا يؤثر فيه
الرضاع، هذا بعيد، يعني حتى خارج عن الآية، أما الذي يفطم قبل الحولين ثم يرضع بعد
الفطام فهذا محل نظر؛ هل يؤثر أو ما يؤثر؟ ولكن الخلاف -كما عرفتم- واضح
فيه.
وقال ابن حزم وأتباعه أهل الظاهر، ابن حزم من أهل الظاهر ما هو بإمامهم،
قال: إن رضاع الكبير يؤثر ولا عبرة بالحولين، والأحاديث الواردة فيه ضعيفة، والآية
ما تدل على أنه لا يؤثر رضاع بعد ذلك، وآية النساء أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [النساء: ٢٣] مطلقة،
وعندنا أيضًا دليل من السنة: كان أبو حذيفة له مولى أعتقه، فكان يدخل على أهله، فشق
عليهم ذلك، فشكوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال لامرأته: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» ، ولم يعلل النبي عليه
الصلاة والسلام ما قال: لأنك في حاجة لذلك، والعبرة
بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فعندنا إطلاق في القرآن ونص في السنة
(...).
ما جواب الذين يقولون: لا بد من العشر؟
طالب:
(...).
الشيخ: لا، هذا دليله، لكن ما جوابهم على الذين
قالوا: إن مطلق الرضاع محرم؟ إحنا ذكرنا فيما سبق إذا وجد خلاف بين العلماء يحتاج
المخالف إلى أمرين؛ وهما: إثبات قوله، والرد على مخالفه، فهم أثبتوا قولهم بحديث
عائشة، يحتاجون الآن إلى الرد على مخالفيهم. الجواب على الذي قال بأنه لا يشترط
العدد مطلقًا.
طالب: أن الأدلة التي استدلوا بها مطلقة
حديث عائشة مقيد..
الشيخ: ما تقول: كلها مطلقة (...)
اللي قالوا بعدم العدد.
الطالب: بعدم العدد مطلق على
شيء مقيد، فيحمل المقيد على..
الشيخ: أو
العكس.
الطالب: المطلق على المقيد.
الشيخ: يحمل المطلق على المقيد، زين، كما أنه بالنسبة للحديث:
«يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ» يجاب
عنه بأنه لا دليل فيه أصلًا، وجهه أن قوله: (الرضاع) (أل) فيه للعهد الذهني؛ لأن
الرضاع المعروف شرعًا وهو الذي تمت فيه الشروط.
طالب:
(...)؟
الشيخ: إي نعم، طيب الذين قالوا
بالثلاث؟
طالب: (...).
الشيخ: يقول: ما تحرم المصة ولا المصتين ولا (...).
الطالب: إي نعم، (...).
الشيخ: لأنه
منطوق وذاك مفهوم، فمن قال بالخمس فقد قال بأن الثلاث لا تحرم، ومن منع القول
بالزيادة فقد ألغى أحاديث عائشة؛ الخمسة.
فيه شرط ثالث للرضاع؟
طالب: يشترط زمن للرضاع.
الشيخ: نعم،
يشترط أن يكون في زمن للرضاع. وما هو زمنه؟
الطالب:
الحولان.
الشيخ: على رأي كثير من أهل العلم،
أو؟
الطالب: الفطام.
الشيخ:
أو الفطام على رأي بعض أهل العلم.
فإن كان في غير هذا الزمن؟
طالب: لا يؤثر.
الشيخ: فلا يؤثر،
تمام. هذا الشرط فيه خلاف؟
طلبة: ما ذكرناه.
الشيخ: ما ذكرناه!
طالب: أربعة أقوال
صاروا.
الشيخ: لا، صار أولًا يشترط أن يكون مقدرًا
بزمن، والزمن إما الحولان أو قبل الفطام، يعتبر هذا واحدًا، لكن بس اختلفوا في
الزمن المقدر أو أنه غير مقيد بزمن مطلقًا، وأن المرأة لو ترضع واحدًا أكبر منها
صارت أمًّا له.
والثالث: أنه إن احتيج إليه لم يتقيد بزمن، وإلا فلا.
الآن
نحتاج أن نناقش هذه الأقوال الثلاث، فما هو دليل القائلين بأنه غير مقيد بزمن
مطلقًا؟
طالب: حديث..
الشيخ: أولًا من القرآن؛ لأن القرآن بحث في هذا..، تكلم الله عز
وجل في هذا الأمر.
الطالب: لأنه ما قيَّد، قال: أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [النساء: ٢٣].
الشيخ: طيب، أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ، زين، أطلق.
الطالب:
إي نعم. الثاني من السنة قال: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي
عَلَيْهِ» .
الشيخ: حديث سالم مولى أبي حذيفة، كان مولى لهم، كان بالأول
عندهم عبد، وكان يتردد عليهم وألفوه وألفهم، فلما عتقوه صار مشقة عليه وعليهم
الدخول، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لامرأته: «أَرْضِعِيهِ
تَحْرُمِي عَلَيْهِ» وهو كبير.
طالب: لبن
الذكر، فعلًا الطفل إذا بلغ الحلم (...) لو داس على (...).
الشيخ: صحيح؟
الطالب: مجربة، الطفل
بمجرد ما يبلغ الحلم لو داس على الثدي (...).
الشيخ:
عجيب!
الطالب: يعني وإحنا صغار حصل معانا..
الشيخ: أخذت هذا من مين؟
الطالب:
(...) يبلغ الحلم الثدي بتاعه (...).
الشيخ:
(...).
طالب: علم النفس نفس الكلام هذا على أساس أنه
يحصل فيه أمراض.
الشيخ: إي، بس (...) دائمًا
يعني؟
طالب: الطفل -بقول لسيادتك- لما يبلغ الحلم تبص
تلاقي الصدر بتاعه كبر وحجَّر ولو داس عليه ينزل لبن.
الشيخ: عجيب! إذن معناه كلام علماء صحيح؛ يعني: ما صار فرضًا،
صار أمرًا واقعًا.
الطالب: دا عن تجارب، أنا نفسي وإحنا
كنا صغيرين ينزل لبن..
الشيخ: سبحان الله! خلاص هذا عين
اليقين وعلم اليقين، أحسنت، بارك الله فيك، هذا حقيقة جزاك الله خيرًا، هذه فائدة،
هذه نطلبها من زمان، كنا نقرأ على شيخنا عبد الرحمن السعدي رحمه الله يقول: هذه من
المسائل الفردية اللي ما يمكن تقع.
طالب:
(...).
الشيخ: اسأل به خبيرًا.
طالب: يعني هذه شهادة (...) نفسي شخصيًا لما بلغنا (...)
لبن.
الشيخ: زين خلاص انتهينا، طيب الآن صار كلام
العلماء رحمهم الله: يشترط أن يكون من آدمية صار مفهومه؛ يعني: هذا الاحتراز يخرج
به لبن البهيمة ولبن الرجل، الحمد لله.
قلنا: يشترط أن يكون في زمن الرضاع، هذا
هو المشهور عند أهل العلم، لكنهم اختلفوا في هذا الزمن؛ فمنهم من يرى أنه الحولان،
ومنهم من يرى أنه الفطام، وشرحت هذا يا إخواني، شرحنا هذا، وعرفنا دليل كلٍّ
منهما.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يُشترط له زمن، وممن ذهب إلى هذا أهل الظاهر
وقالوا: إنه لا يُشترط له زمن، وأن الرضاع مؤثر مطلقًا، واستدلوا بالإطلاق والعموم؛
الإطلاق في القرآن، والعموم في السنة.
في القرآن: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [النساء: ٢٣].
وفي السنة: «يَحْرُمُ
مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ،
وحملوا (أل) على العموم وقالوا: كل رضاع فهو محرم.
واستدلوا أيضًا بنوع من النظر
فقالوا: إن هذا اللبن وإن كان الذي ارتضعه كبيرًا فإنه فسوف يغذي البدن، صحيح أنه
البدن ليس في ضرورة إليه، ولكن لا بد أن يتغذى به؛ لأن كل ما دخل إلى المعدة حصل به
تغذية. هذا قول.
القول الثاني: إنه للحاجة، ندعه بعد..
هذا القول هذه أدلته.
وأدلة القائلين بالزمن تقدم لنا أدلتهم، فما جوابهم عن هذا القول؟
ما جواب
القائلين المحددين للرضاع بزمن عن هذا القول المطلق؟
الجواب أن نقول: أما إطلاق
القرآن الكريم فإنه مقيد بالسنة، وسبق لنا الدليل: «لَا
رَضَاعَ إِلَّا مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ» «وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» .
وكذلك ما ثبت في
الصحيحين أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لأزواجه: «انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ؛ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ
الْمَجَاعَةِ» ، ومن
فُطِمَ فإن مجاعته لا تسد بالرضاع تسد بالطعام؛ بالأكل والشرب.
وقول الرسول عليه
الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ» (إنما) أداة
حصر، و(الرضاعة) (أل) فيها للعهد الذهني؛ وهي الرضاعة المعتبرة شرعًا، هذه ما تكون
إلا من المجاعة التي بها يزول جوع الطفل.
واستدلوا أيضًا بالنظر؛ بأن الجسم لا
ينمو حقيقة إلا على هذا اللبن قبل الفطام، فكان هذا هو المعتبر، وهذا اختيار شيخ
الإسلام ابن تيمية، والتقييد بالحولين اختيار أصحاب المذهب، المشهور من المذهب أن
المعتبر الحولان، فمتى رضع بعدهما ولو لم يُفطم فلا أثر للرضاع، ومتى رضع قبلهما
ولو فُطم فالرضاع معتبر، أجابوا عن إطلاق القرآن.
أما عموم السنة في قوله: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ» فنازعوا
أن تكون (أل) هنا للعموم، وقالوا: إن (أل) هنا للعهد، والمراد «مِنَ الرَّضَاعِ» أي: الرضاع المحرِّم؛ وذلك لأن نصوص الشرع
تحمل على أي شيء؟ على المعهود الشرعي، أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ [البقرة: ٢٧٥] البيع هنا، هي تحمل (أل) هنا على العموم ولَّا
تحمل على العهد؟ على العهد، ما تعم كل بيع، البيوع المحرمة غير داخلة في هذه الآية؛
كبيع أهل الجاهلية المتضمنة للغرر، فإذن نقول: (أل) الواردة في قوله: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ» المراد
به العهد الذهني، فيعود الرضاع هنا إلى المعنى المعتبر شرعًا؛ وهو الرضاع
المحرِّم.
ذكرنا أيضًا لهم دليل ثالث نسيته، استدلوا أيضًا بحديث سالم مولى أبي
حذيفة فقالوا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ» ، فهذا دليل على أن رضاع
الكبير مؤثر.
وذهب شيخ الإسلام رحمه الله إلى التفصيل في ذلك؛ وقال: إن دعت
الحاجة إلى المحرمية في رضاع الكبير فإنه يعتبر، وإلا فلا يعتبر، واستدل بقصة سالم
مولى أبي حذيفة؛ فإنه رجل كبير بالغ، ولكن الرسول قال لها: «أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ»، وهذا لا شك أنه
لحاجة.
فإذا قال: هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن يجب أن نعلم
أن خصوص السبب ينقسم إلى قسمين:
قسم يكون خصوص السبب فيه مجرد الشخصية فقط؛ يعني
أن هذا الشخص هو سبب الحكم، فهنا لا شك أنه لا عبرة بخصوصه، إذا كان السبب تخصيصًا
بالشخصية فإنه لا شك أنه لا عبرة به، حطوا بالكم لهذه القاعدة.
فمثلًا أوس بن
الصامت هو سبب نزول آيات الظهار، فهل نقول: إن حكم الظهار يختص به؟ لا، ما يختص به
بالإجماع؛ لأنه سبب شخصي، وكما قلنا فيما سبق: إن الأحكام الشرعية لا يمكن أن
تُعَلَّق بالأشخاص لمجرد أنه فلان بن فلان.
والثاني: أن يكون سبب الحكم سببًا
معنويًّا فهذا يجب أن يُخصص العموم بما يشبه ذلك السبب، إذا كان السبب الذي من أجله
جاء العموم سببًا معنويًّا فإنه يجب أن يُخصص به العموم.
مثال ذلك: قوله صلى
الله عليه وسلم: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي
السَّفَرِ» ما
تقولون في هذا اللفظ؟ عام ولَّا لا؟
طلبة:
عام.
الشيخ: الصيام عام، «لَيْسَ
مِنَ الْبِرِّ»، لكن نعرف أن السبب هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى
زحامًا ورجلًا قد ظُلِّل عليه، وكأنه وصل إلى حال بالغة من المشقة، فقال: «مَا هَذَا؟» تعجب من كون الناس يزدحمون على هذا الرجل
وينظرون إليه، قالوا: صائم، فقال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ
الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»، ما المراد بهذا العموم؟ الصيام الذي يصل إلى مثل
هذه الحال، أما صيام لا يؤثر فإنه لا يمكن أن نقول: ليس من البر وقد صام النبي عليه
الصلاة والسلام في السفر، وصام أصحابه أيضًا معه، ومع ذلك ما قال: لا تصوموا فإنه
ليس ببر.
طيب، إذا خصصنا الحديث: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ
الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» في مثل هذه الحال، هل قلنا بعموم اللفظ؟
طلبة: بعموم اللفظ.
الشيخ: إِلَّا
قلنا بعموم اللفظ، لكن قلنا بعموم اللفظ مشروطًا بأن يكون الحكم في مثل حال الرجل
هذا؛ ولذلك ما قلنا بخصوص السبب؛ وهو الرجل، ما قلنا هذا الحكم خاص بالرجل نفسه، ما
قلنا، كل واحد يجيه من المشقة مثلما جاء هذا الرجل فإن الصيام في حقه ليس من
البر.
إذن العبرة بعموم
اللفظ لا بخصوص السبب ما هو على إطلاقه، يجب أن نقول: إن السبب نوعان: سبب
شخصي، فهنا لا يختص الحكم به، وسبب معنوي فهذا يُخَصُّ العموم بما يشبه تلك الحال
التي ورد من أجلها.
طيب، نأتي إلى قصة سالم مولى أبي حذيفة، شيخ الإسلام رحمه
الله قال: إن النصوص الدالة على التقييد بالزمن مخصوصة في قصة سالم، وأنه إذا وجد
رجل يحتاج إلى الدخول في هذا البيت فإنه لا حرج أن ربة البيت ترضعه، فيكون
مَحْرَمًا لها، وقال: إن قصة سالم صريحة في هذا.
أما مسألة كيف يرضع؟ فهذا شيء
آخر؛ إما أن نقول: أن يرضع من ثديها، وهنا الحاجة دعت لذلك، كما يجوز النظر للعورة
وهي عند الحاجة، أو يقال: أنها -مثلًا- تحلب له ويرضع، هذه المسألة يقول شيخ
الإسلام: إنها مخصصة للعمومات.
الجمهور لا يرون هذا الرأي، ويش يرون؟ أنه لا بد
من التحديد بزمن، لا بد أن يحدد بزمن، فما جوابهم عن حديث سالم مولى أبي
حذيفة؟
الحقيقة أن حديث سالم هو اللي مشكل، أما إطلاق أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [النساء: ٢٣]،
وإطلاق «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ» وما
أشبهه، فلا فيه إشكال؛ لأنه عرفنا المقيد، لكن قصة سالم مولى أبي حذيفة هي المشكل،
فهل نقول بها أو لا؟
ذكرنا أن شيخ الإسلام يقول بها، الجمهور لا يقولون بها،
يحتاجون الآن إلى الإجابة عنها، وإلا لألزموا بالقول بها.
يقولون: الجواب عنها؛
إما أن هذا خاص بسالم مولى أبي حذيفة؛ خاص به شخصيًّا، فلا يتعداه إلى غيره. هذا
جواب.
جواب آخر: أن هذا الحكم منسوخ.
دعوة الخصوصية تحتاج إلى دليل، أليس
كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ:
إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام إذا ورد الحكم موجه إليه وهو الذي ثبتت له
الخصوصيات يحتاج إلى دليل على التخصيص، فما بالك بغيره؟
ويقول الجمهور: نحن لا
نسلم أن حكمًا من أحكام الشريعة العامة العادلة يختص بواحد لشخصه، هذه يجب أن
نعرفها وكررناها مرات، الشريعة عامة ولَّا لا؟
الطلبة:
نعم.
الشيخ: عادلة؟
الطلبة:
نعم.
الشيخ: طيب، ما يمكن تخصص هذا الشخص لأنه فلان بن
فلان، أبدًا، إلا لمعنى إذا وجد في غيره ثبت الحكم لهذا الآخر، فيقولون: نحن لا
نسلم التخصيصات الشخصية لأحد سوى الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم إن الرسول أيضًا
ثبتت له الخصوصيات، لماذا؟ لأنه تميز بمعنى لا يشركه فيه غيره؛ ولهذا حتى خصوصيات
الرسول صلى الله عليه وسلم لا شك أنها ثبتت لكونه رسول الله صلى الله عليه وسلم
الذي لا يوجد له نظير من الرسل، وهو مبعوث إلى عامة الأمم؛
الناس.
إذن نرجع إلى القول بأن سالم مولى أبي حذيفة الحكم خاص به
فنقول: لإبطال هذا القول وجهان، ما هما؟ أقول لكم: الجمهور أجابوا عن حديث سالم
نعيده من جديد:
الجمهور أجابوا عن حديث سالم بأنه؛ إما مخصوص أو منسوخ، نقول:
كلا الإجابتين غير صحيح، دعوى أنه مخصوص مسلمة ولَّا لا؟ غير مسلمة؛ لأننا لا نسلم
الخصوصيات الشخصية لغير الرسول عليه الصلاة والسلام.
سالم مولى أبي حذيفة ويش
اللي يخليه يخصص بحكم شرعي من أحكام الشريعة العامة العادلة؟! فلا نسلم التخصيص.
هذه واحدة.
ثانيًا: لو سلمنا ذلك جدلًا فأين الدليل على التخصيص؟ إذن بطل هذا
الوجه.
الوجه الثاني في الإجابة عن حديثه أنه منسوخ، وتعرفون أن
شروط النسخ؛ يعني من أهم شروطه
شرطان:
أولًا: تعذر الجمع بين الدليلين.
وثانيًا: العلم بتأخر الناسخ.
وهنا الجمع ممكن ولَّا غير ممكن؟
طلبة: ممكن.
الشيخ: نعم، على رأي الشيخ ممكن؛ بأن يحمل عليه سالم على الحاجة،
وما عداه على غير الحاجة.
ثانيًا: العلم بتأخر الناسخ، من يقول: إن الحديث «إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ» بعد
حديث سالم مولى أبي حذيفة؟
طالب: ما قال أحد.
الشيخ: إن قال أحد وجاب دليلًا، فيمكن نقول، مع أنه يمكن الجمع
فلا نسخ.
الحقيقة أن حديث سالم من أشكل الأحاديث، لكن أنا عندي -والله أعلم- أن
حديث: أرأيت الحمو؟ قال: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» ،
عندي ممكن أن يُستدل به على النسخ أو ما يمكن؟
طلبة:
نعم.
طالب: في ظاهره ممكن.
الشيخ: طيب، نشوف الآن، الرسول عليه الصلاة والسلام لما قال:
«لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ» ،
ونهى عن الخلو بالمرأة، قالوا: أرأيت الحمو، مين هو الحمو؟ قريب الزوج كأخيه وعمه
وابن أخيه وما أشبه ذلك يدخل على امرأته، قال: «الْحَمْوُ
الْمَوْتُ» ،
وهذا فيه حاجة للدخول ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فيه حاجة عامة، ما هي خاصة فيه مولى، ما أكثر الأزواج
الذين لهم إخوة، ولهم أعمام، ولهم أبناء إخوة، وما أشبه ذلك.
فحينئذٍ نقول: إن
الظاهر -والله أعلم- أن حديث سالم مولى أبي حذيفة منسوخ بهذا الحكم، وأنه لو كانت
الحاجة مجيزة لرضاع الكبير لأرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذا، هذا -والله
أعلم- أقرب شيء عندي.
ثم إننا نقول: ما دمنا في إمكان الاحتياط -وهو ألَّا
ترضعه- فإنه أولى من عدم الإرضاع، والمسألة عندي ما نضجت النضوج الكبير، إنما يترجح عندي -والله أعلم، وهو أحوط- أن
رضاع الكبير لا يؤثر مطلقًا؛ لا لحاجة، ولا لغير حاجة، ونقول: الأسلم
والأولى والأتقى أن يبتعد، ومن تبين له أنه مؤثر عند الحاجة فسيحل مشكلات كثيرة عن
الناس، ويش لونه؟ في الحمو، يكون أخو الزوج اللي ما في البيت إلا أخوه وزوجته وهو
معهم ساكن، إذا أراد الخلاص من الخلوة ويش يعمل؟
طالب:
ترضعه.
الشيخ: ترضعه زوجة أخيه ويكون ابنًا لها، وينتهي
الإشكال.
طالب: الحمو هذا يمكن يموت الزوج ويأخذها أو
يطلقها، أو يمكن الأولاد.. تصير مشكلة؟
الشيخ: إذا صارت
أُمًّا لهم (...).
الطالب: إي صحيح، أقول: يعني هذا ما
هو مثل المولى، المولى..
الشيخ: المولى يمكن يأخذ زوجة
سيده بعده.
الطالب: وبعدين هذا.. الأولاد يصير مثل
(...)؟
الشيخ: إذا صارت (...) أخوه له أولاد، فأولاده
يكونون محارمًا له، سواء ما صار أخوه اللي من الرضاع ولَّا لا، لكن عيال
العيال..
الطالب: إي، عياله.
الشيخ: إي، ما يخالف، يصير إخوته من الرضاع ما فيه شيء.
طالب: (...) رجل له زوجتان وأحدهما.. فأرضعت الأخرى..؟
الشيخ: لا، حاجة الرجل إلى الدخول والمخالطة، ما هي بحاجة أنها
تفرق بينها وبين زوجها؛ لأن أولًا: هذا محرم، لا تسأل المرأة طلاق أختها .
الطالب: وأبو الزوج؟
الشيخ:
(...).
وهذا الذي قاله المؤلف: (يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب) هو لفظ
حديث في الصحيحين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَحْرُمُ
بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ» ،
والباء فيهما للسببية؛ أي: الذي يحرم بسبب النسب يحرم نظيره بسبب الرضاع، وقد ذكرنا
أنها كم؟
طلبة: سبع.
الشيخ:
سبع، المحرمات من النسب سبع، كما في القرآن، فيكون نظيره من الرضاع محرمًا
سبعًا.
قال المؤلف: (إلا أم أخته وأخت ابنه) فإن أم أخته من النسب حرام
عليه، وأم أخته من الرضاع ليست حرام عليه؛ لأن أم أخته من النسب؛ إما أمه، وإما
زوجة أبيه، فإن كانت أمه فهي حرام عليه بالنسب، وإن كانت زوجة أبيه فهي حرام عليه
بالمصاهرة، لكن بالرضاع لا، أم أخته من الرضاع ليس بينه وبينها علاقة؛ لأنها إن
كانت قد أرضعته فهي أمه، ولا يقال: أم أخته، يقال: أمه، وإن كانت لم ترضعه فليست
زوجة أبيه، أليس كذلك؟ يقول العلماء الذين استثنوا هذا يقولون: لأن أم أخته من
النسب إذا كانت زوجة أبيه فإنما تحرم بالمصاهرة، أم أخته من النسب إذا كانت زوجة
أبيه فإنما تحرم بأيش؟
طلبة: بالمصاهرة.
الشيخ: بالمصاهرة، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ» ،
وأم أختك من النسب إذا لم تكن أمك فهي حرام عليك بالمصاهرة فلا تدخل في
الحديث.
وأكثر أهل العلم لم يستثنوا ذلك، ما استثنوا شيئًا، أبقوا الحديث على
عمومه وقالوا: إن أم أختك من الرضاع؛ يعني: المرأة التي أرضعت أختك وليست زوجة أبيك
أنه ليس بينك وبينها علاقة، فلا يتوجه الاستثناء، والاستثناء في الحقيقةِ نوع
استدراك على لفظ الشارع، والشارع لفظه مُحْكَم ما يحتاج إلى استدراك؛ لأنك لو سألك
سائل: أم أختك من النسب إذا لم تكن أمك فهي زوجة أبيك، والرسول يقول: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ» فهي
أصلًا لم تدخل حتى تحتاج استثناء، ما دخلت أصلًا، واللي ما دخل ما يستثنى، ليش أنه
يستثنى وهو من الأصل ما دخل في اللفظ؟ فلا وجه للاستثناء.
وفي هذا الذي قاله
المؤلف دليل على أن الرضاع لا يؤثر في تحريم المصاهرة، وسيأتي -إن شاء الله تعالى-
في الكلام على المحرمات بالمصاهرة، وأن القول
الراجح في هذه المسألة أن الرضاع لا يؤثر في المصاهرة.
الأمر الثاني
من الاستثناء قال: (وأخت ابنه) أخت ابنه ما تحرم عليه من الرضاع، وهي تحرم
عليه، أخت ابنه تحرم عليه في النسب ولَّا لا؟
طلبة:
تحرم عليه.
الشيخ: تحرم عليه بالنسب؛ لأن أخت ابنه إن
كانت من زوجته منه فهي بنته، وإن كانت من زوج آخر فهي ربيبته، أليس كذلك؟ هذا
بالنسب، هذا إذا كانت بالنسب، فأخت ابنك بالنسب؛ إما ابنتك، وإما ربيبتك؛ أي: بنت
زوجتك، فهي حرام عليك بالنسب، أخت ابنك من النسب حرام عليك، سواء كانت منك، أو من
زوج قبلك، أو من زوج بعدك أيضًا.
أخت ابنك من الرضاع لا تحرم عليك؛ يعني: ابنك
رضع من امرأة لها بنت، يجوز أن تتزوج بالبنت أنت يا أبا الرضيع؟ نعم يجوز أن تتزوج
بالبنت؛ لأنه ما بينك وبينها علاقة، ولأنها نظير ما يحرم بالمصاهرة؛ لأن أخت ابنك
من الرضاع؛ إن كانت هي رضعت من زوجتك فهي بنتك من الرضاع، ما يقال: أخت ابنك من
الرضاع، يقال: بنتك من الرضاع، وإن كان ابنك رضع من أمها فلا علاقة بينك وبينها،
وهي نظير من يحرم بالمصاهرة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ» .
طالب: وجه الاستثناء؟
الشيخ: وجه
الاستثناء ظاهر؛ لأن أخت ابنك من النسب حرام عليك بكل حال؛ لأنها إما بنتك، أو
ربيبتك، أخت ابنك من الرضاع ما تحرم عليك؛ لأنها إن كانت من امرأتك -رضعت هي من
امرأتك- فهي بنتك، ولا يقال: أخت ابنك، وإن كان ابنك هو الذي رضع من أمها فلا علاقة
بينك وبينها؛ لأنها ما هي من زوجتك حتى نقول: ربيبة، من امرأة أجنبية.
ووجه ذلك
أن أخت ابنك من النسب إنما تحرم عليك بكل حال؛ لأنها إما من طريق النسب، وإما من
طريق المصاهرة، والرضاع لا تؤثر فيه المصاهرة، وهذا أيضًا نقول فيه ما قلنا بالأول:
إنه لا وجه لاستثنائه؛ لأنه غير داخل في لفظ الحديث من الأصل، والذي يستثنى ما كان
داخلًا فيُخرَج، أما ما لم يكن داخلًا فالذي دخل يكون ويش عليكم منه؟ أنا واقف عند
الباب، ما دخلت حتى تطلعوني؟ فلا وجه لاستثنائه.
ثم إن في الاستثناء قلنا: نوع
استدراك على لفظ الشارع، والشارع اللفظ فيه محكم متقنٌ.
طالب: الاستثناء قلنا: ليس داخلًا في حديث الرسول صلى الله عليه
وسلم..
الشيخ: إي، لكن ويش اللي استثنينا أولا؟ «يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ» ،
إلا؟
الطالب: إلا أخت الابن من (...).
الشيخ: إلا أخت ابنه، ويش بعد؟ وأُم؟ ويش قلنا؟
طالب: أم أخته وأخت ابنه.
الشيخ: إلا
أم أخته وأخت ابنه، وجه الاستثناء على كلام المؤلف أنه بالنسب؛ أن أم أختك من النسب
(...).
ربيبتك، لكن في الرضاع الأمر بالعكس؛ أم أختك من الرضاع قد لا تكون زوجة
أبيك، أم الأجنبية ما لها دخل، فلا تحرم عليك، وكذلك نقول في أخت ابنه..
طالب: الاستثناء -يا شيخ- قوله: أم أخته ولا قال: أم
أخيه؟
الشيخ: إي؛ لأن أخاه ما بينه وبينهم تناكح، فيه
حد بيتزوج أخاه؟!
الطالب: لا، الأم.
الشيخ: ويش لون؟
الطالب: قال: أم
أخته ولا قال: أم أخيه؛ يعني هي الأم هذه المرضعة؟
الشيخ: أم أختك الآن تحرم عليك بالنسب؛ لأنها إما أمك، وإلا زوجة
أبيك، سدا ولَّا لا؟ طيب أم أخيك..
الطالب: إي نعم، مثل
أم أختك.
الشيخ: زين، هذا نفس الشيء.
الطالب: لا، أقول: مثل..
الشيخ: نعم
مثله.
قال المؤلف: (ويحرم بالعقد ما يحرم) إلى آخره، اللي مضى عندنا الآن
كم؟ من المحرمات إلى الأبد؟ صنفان؛ النسب واللعان.
يقول: (ويحرم بالعقد زوجة
أبيه وكل جد، وزوجة ابنه وإن نزل) (يحرم بالعقد) أي عقد؟ عقد الزوجية، بدليل
قوله: (زوجة أبيه)، وقوله: (بالعقد) للسببية الباء، والمراد بالعقد
هو العقد الصحيح، يحرم به زوجة أبيه وإن علا، فكل امرأة تزوجها أبوك ولو طلقها فهي
حرام عليك إلى الأبد، وكل امرأة تزوجها جدك من قبل الأب أو من قبل الأم فهي حرام
عليك إلى الأبد.
الدليل قوله تعالى: وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء: ٢٢]، فلو تزوجها فهو أعظم من الزنا،
لو تزوجها لكان أعظم من الزنا؛ لأن الله قال في الزنا: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء: ٣٢]، وأما هذا فقال: إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء: ٢٢]، فنكاح ذوات المحارم أعظم -والعياذ بالله- من الزنا؛
ولهذا ذهب كثير من أهل العلم إلى أن من زنا بأحدٍ من محارمه ولو لم يكن محصنًا فإنه
يجب قتله، وفي هذا حديث في السنن ،
ويأتي -إن شاء الله- الكلام عليه.
طيب، إذن يحرم زوجة أبيه، ويش قلنا؟ وإن علا
من قبل الأب أو من قبل الأم، الدليل وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء: ٢٢]، وبمجرد العقد يثبت
النكاح، ولم يشترط الله سبحانه وتعالى لا دخولًا ولا غيره، بمجرد العقد الصحيح يثبت
هذا الحكم.
ثانيًا: (وزوجة ابنه وإن نزل) لقوله تعالى: وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ [النساء: ٢٣]، هذا الدليل.
طالب: والزوجة
(...)؟
الشيخ: قلنا: وإن علا، داخلة في الأب..
الطالب: على المذهب؟
الشيخ: نعم،
قلنا: في مسألة..
الطالب: ما استدلوا به؟
الشيخ: نعم، ما استدلوا به؛ لأننا قلنا في باب النكاح: النكاح
يؤثر فيه أدنى سبب؛ ولذلك أثر فيه الرضاع، ولم يؤثر الرضاع في الإرث ولا في النفقات
ولا في غيره، النكاح ليس كغيره أدنى سبب يؤثر فيه، وإلا كان استدللنا بها عليه،
كانوا استدلوا بها عليه، لكن هم يجيبون لأن مسألة النكاح ما تقاس عليها مسائل
الفرائض؛ لأن أدنى سبب يؤثر فيه.
(زوجة ابنه وإن نزل) يعني: ابنه وابن
ابنه وابن بنته وإن نزل، فكل من ينتسب إليك بأبوة من جهة الأب أو من جهة الأم فإن
زوجته حرام عليك. ما هو الدليل؟ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ [النساء: ٢٣]. هذا اثنان.
عبَّر عن ذلك
بعض أهل العلم بقوله: يحرم بالعقد على الزوجة -نطاق محصور- أصول الزوج
وفروعه.
كذلك يقول: (وزوجة ابنه وإن نزل دون بناتهن وأمهاتهن) ويش معنى
(دون بناتهن وأمهاتهن)؟ يعني: دون بنات زوجة أبيه، ودون بنات زوجة ابنه،
ودون أمهاتهن، الحقيقة أن هذا الاستثناء لو ما جابه المؤلف كان أوضح، لكن لا بد أن
نشرحه.
(دون بناتهن) اللي تكلم عليه المؤلف زوجة الأب وإن علا، وزوجة
الابن وإن نزل، زوجة الأب وإن علا حرام على من؟ على الابن وإن نزل، وزوجة الابن وإن
نزل حرام على الأب وإن علا، تبادل.
(دون بناتهن) فابنة زوجة أبيك حلال
لك.
طالب: ابنة زوجة أبيك؟
الشيخ: إي، ابنة زوجة أبيك حلال لك.
الطالب: من رجل آخر.
الشيخ: طبعًا من
رجل آخر، لو كانت من أبيك صارت أختك.
طالب:
ربيبة.
الشيخ: ما هي ربيبة لك، ربيبة لأبيك.
طالب: (...)؟
الشيخ: (...) بنت زوجة
أبيك حلال لك، فيجوز للرجل أن يتزوج امرأة وابنه بنتها.
وكذلك أيضًا زوجة الابن
يجوز للأب أن يتزوج بنتها من غير ابنه؛ لأن بنتها من ابنه يكون هو جدها، لكن يتزوج
بنت زوجة ابنه من غير الابن، يصح ولَّا لا؟
طالب:
نعم.
طالب آخر: يصح.
الشيخ:
فعلى هذا يجوز أن يتزوج الرجل بنتًا ويتزوج أبوه بنتها.
طالب: (...)؟
الشيخ: ما وصلنا
للأمهات، بنتها.
قال المؤلف: (وأمهاتهن) عكس المسألة هذه، فيجوز للإنسان
أن يتزوج أم زوجة أبيه، إلا أن تكون زوجة أبيه أمه، هو ما يجوز أن يتزوج أمها؛
لأنها تكون جدته، إذن يجوز أن يتزوج أم زوجة أبيه.
وكذلك يجوز للرجل أن يتزوج أم
زوجة ابنه أو ما يجوز؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز.
طالب: (...) أم زوجة
ابنه.
الشيخ: يجوز، أم زوجة ابنه، إي نعم؛ ولهذا
قال: (دون بناتهن وأمهاتهن)، والسبب في ذلك -يا إخواننا- أن التحريم يختص
بالزوجين دون فروعهم وأصولهم؛ يعني بمعنى: أن الزوجة فقط يحرم عليها أصل زوجها
وفرعه، والزوج نفسه يحرم عليه أصل زوجته وفرعها، أضبطوا القاعدة دي، ولا حاجة إلى
الاستثناء اللي يمكن يشكل عليكم.
طالب: (...)؟
الشيخ: الزوج وحده يحرم عليه أصول زوجته وفروعها؛ يعني: أمهاتها
وإن علون، وبناتها وإن نزلن، والزوج نفسه يحرم عليه أصول زوجته وفروعها؛ يعني:
أمهات زوجته وإن علون، وبناتها وإن نزلن.
يقول المؤلف: (وتحرم أيضًا أم زوجته
وجداتها بالعقد) ويش معنى (بالعقد)؟ أي: بمجرد العقد مثل لو (...)، يحرم
على الزوج أم زوجته وجداتها بالعقد، الدليل..
طالب:
حتى ولو لم يدخل عليها يا شيخ؟
الشيخ: نعم ولم يدخل
عليها، الدليل قوله تعالى في معرض المحرمات: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [النساء: ٢٣]، أُمَّهَاتُيدخل بها
الجدات وإن علون.
طالب: ويدخلها البنات؟
الشيخ: يا أخي هي البنت تصير الأم، اصبر يا أخي.
أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْفيحرم بالعقد، يحرم على من؟ على الزوج
فقط دون أصوله وفروعه يحرم عليه أمهات زوجته وإن علون، ويش نسمي أمهات الزوجة أصول
ولَّا فروع؟
الطلبة: أصول.
الشيخ: أصول، اضبطوا الثلاثة الآن، عندنا يحرم بالعقد على الزوجة
أصول زوجها وفروعه بالعقد، وعلى الزوج أصول الزوجة، الثلاث ها دولي بمجرد
العقد.
(...) في باب المصاهرة: يحرم بمجرد العقد على الزوج نفسه أصول زوجته
وفروعها.
طالب: أصول الزوجة؟
الشيخ: إي نعم، أصول الزوجة فقط وفروعها على هذا الزوج، ويحرم
كذلك بالعقد على الزوجة أصول الزوج..
طلبة:
وفروعه.
الشيخ: لا، قلناها..
طلبة: لا.
الشيخ: ويحرم على الزوج
فقط أصول الزوجة بالعقد.
طالب: دون الفروع.
الشيخ: الفروع فيها تفصيل يجيء، صار اللي يحرم بالعقد ثلاثة:
أصول الزوجة وفروعها على من؟
طلبة: على الزوج.
الشيخ: على الزوج، وأصول.. عكسنا -الله يهديكم- يحرم بالعقد على
الزوجة أصول الزوج وفروعه، تمام، هذا محكم مضبوط، اكتبوه ما فيه شيء. وكذلك يحرم
بالعقد على الزوج أصول الزوجة، كم دوله؟
طلبة:
ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، هؤلاء يثبت فيهم التحريم بالعقد،
مين بقي معنا؟
طالب: فروع الزوجة.
الشيخ: باقي معنا فروع الزوجة، فروع الزوجة ما يحرمون على زوجها
إلا بالدخول، ما يكفي العقد وحده، لا بد من الدخول وهو الجماع؛ ولهذا قال
المؤلف: (ويحرم عليه أم زوجته وجداتها بالعقد وبنتها وبنات أولادها بالدخول)
(بنتها) ويش بنتها من فروعها؟
طالب: نعم.
الشيخ: (وبنات أولادها) فرع، وقوله: (بنات أولادها)
يشمل بنات الأبناء وبنات البنات؛ لأن (الأولاد) إذا أُطْلِقت شملت البنين
والبنات، إذن هذا هو الذي وحده ينفرد عن الثلاثة، ويش ينفرد به؟ بأنه لا بد من
الدخول وهو الجماع، اللي هو فروع أيش؟ فروع الزوجة على من؟ على الزوج لا بد فيه من
الدخول.
الدليل قوله تعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء: ٢٣]
رَبَائِبُكُمُمن هن الربائب؟ بنات الزوجة وإن نزلن،
لكن لاحظوا الآية الكريمة مشروطة، نحن اشترطنا شرطًا واحدًا؛ وهو الدخول، والله
تعالى في القرآن اشترط شرطين: أحدهما في الربائب، والثاني في الزوجات، الربائب
اشترط فيهن: اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ، رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ، والنساء الزوجات
اشترط: اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ، فجعل الله تعالى
شرطين؛ شرطًا في الربائب، وشرطًا في النساء الزوجات، ونحن ما ذكرنا إلا شرطًا
واحدًا في؟
طلبة: الزوجات.
الشيخ: الزوجات، إذن فالدليل أخص من المدلول، ومعلوم أنه لا يجوز
الاستدلال بالأخص على الأعم؛ لأن المدلول تابع للدليل، فإذا كان الدليل خاصًّا وجب
أن يكون المدلول خاصًّا، فنحتاج حينئذٍ إلى الإجابة عن الآية الكريمة.
طيب، ما
هو الجواب؟
أجاب بعض أهل العلم بأن هذا الشرط شرطٌ مقيِّدٌ وأنه لا بد من
الشرطين: أن تكون الربيبة بالحجر، وأن تكون الزوجة مدخولًا بها، وهؤلاء لا يمكننا
أن نقول لهم شيئًا، ويش السبب؟ لأنهم تمسكوا بظاهر القرآن، فـاللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْمثل اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ؛ الكل منهما صفة لموصوفه، هؤلاء ما نطالبهم بالإجابة عن
الآية.
إذن عند هؤلاء لو لم تكن الربيبة في حجرك حَلَّت لك؛ مثل أن تكون بنت
الزوجة عند أبيها السابق، فهو على قول هؤلاء تحل لك؛ لأن الله اشترط شرطًا، ولأنها
إذا كانت في حجرك فهو المناسب ألَّا تحل لك؛ لأنها أصبحت مثل بنتك بالرعاية
والولاية، فهي بنت زوجتك، وهي في حجرك، وإذا لم تكن في حجرك فهي كالأجنبية
منك.
وقال جمهور أهل العلم: إن ذلك ليس بشرط؛ يعني: لا يُشترط أن تكون الربيبة
في الحجر.
هؤلاء يحتاجون إلى الإجابة عن الآية الكريمة؛ لأن كل أحد يخالف ظاهر
القرآن لا بد أن يأتي بدليل، وإلا رُدَّ قوله، أجابوا عن الآية الكريمة بأن هذا
القيد؛ إما للإشارة إلى الحكمة والعلة؛ وهي أن ربيبتك كالتي في حجرك من بناتك وليست
مقصودة.
وأجاب آخرون بأن ذلك مبني على الغالب؛ أن الإنسان إذا تزوج امرأة لها
بنت أن بنتها تكون مع أمها.
وفي كلا الجوابين عندي نظر وقلق، أما إذا قلنا بأن
العلة الإشارة إلى الحكمة، نقول إذن فلنتبع الحكمة، ولَّا لا؟ إن وجدت، وإلا فانتفى
الحكم.
وأما القائلون بأن هذا مبني على الأغلب ففيه نظر أيضًا؛ لأنه من المعروف
أن المرأة إذا تزوجت سقط حقها منين؟
طلبة: من
الحضانة.
الشيخ: من الحضانة، وحينئذٍ تكون البنت مع
أبيها، فالغالب ألَّا تكون مع أمها، يندر أن تكون امرأة مات عنها زوجها ولها بنات،
ثم تزوجها رجل وصار بناتها عنده كبناته، هذا وإن كان واقع لكنه نادر بالنسبة للواقع
الكثير.
لكن عندي أن هذا الشرط غير مقصود؛ بدليل آخر الآية اشترط الله تعالى
شرطين: رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ، ثم أتى بمفهوم شرط واحد فقط؛
وهو قوله: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [النساء: ٢٣]، مما يدل على أن مفهوم الشرط الأول غير
معتبر، ولو كان معتبرًا لبينه الله عز وجل، ولقال: فإن لم يكنَّ في حجوركم أو لم
تكونوا دخلتم بأمهاتهن فلا جناح عليكم، فلما لم يقل ذلك عُلِم أن هذا الشرط ليس
قيدًا.
وهذا القول هو قول جمهور أهل العلم، وهو الراجح؛ أنه لا يُشترط في الربيبة -أي: في تحريمها على زوج
أمها- لا يُشترط أن تكون في حجره، ولو كانت من زوج سابق أو من زوج لاحق، هذا هو
الصحيح.
وعلى هذا فتكون القاعدة عندنا في تحريم المصاهرة، القاعدة
كما يلي: أولًا: يحرم على الزوجة أيش؟
طلبة: أصول
زوجها.
الشيخ: أصول زوجها وفروعه، سدا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: طيب، أصولها هل
يحرمون على أصول الزوج؟
طالب: لا.
طالب آخر: إي نعم.
الشيخ: أقول: أصول
زوجها هل يحرمون على أصولها؟
طالب: لا.
الشيخ: طيب..
طالب: عليها
هي.
الشيخ: لا، هذا قلناه، طيب فروعها هل يحرمون على
فروع زوجها؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يحرمون؟ بنت زوجتك يجوز ولدك يتزوجها؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: زين، إذن يحرم
على الزوجة وحدها -حط تحتها خط- أصول زوجها وفروعه، ويحرم على الزوج فقط أصول
زوجته، هذا يضاف إلى ما سبق أنه يحرم بمجرد العقد، ويحرم عليها أيضًا فروعه -اللي
هم عياله، بناته وبنات عياله وما أشبه ذلك- ويش به؟ بشرط الدخول.
طالب: (...)؟
الشيخ: إلا يحرم عليه،
قلنا: يحرم على الزوج أصول الزوجة بالعقد، وهذا يضاف إلى ما سبق؛ أنه بمجرد العقد،
ويحرم عليه أيضًا فروعها، لكن بشرط الدخول؛ وهو الجماع.
لو تزوج امرأة وعقد
عليها ودخل عليها وجلس عندها مدة طويلة ولكنه ما جامعها، ثم طلقها ولها بنت، يجوز
يتزوج البنت؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأنه لم يجامعها ولا بد من الجماع، فهذا هو الذي
يحرم، ويقول العلماء: هذا يحرم بالمصاهرة، هذا من المحرمات بالمصاهرة.
طالب: الدخول عليها (...)؟
الشيخ:
لا، ما يعمم، هذا كمسألة العدة، كمسألة المهر أن مجرد الخلوة..
الطالب: (...).
الشيخ: لا، ما ورد في
مسألة المهر إلا مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة: ٢٣٦]،
ذكر بلفظ المس، فألحق به الصحابة الخلوة، على أن المسألة فيها خلاف مثل المهر، إنما
هذه لا بد من الجماع.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء: ٢٣] ما قال: عليهن، ففرق بين هذا وهذا.
طالب:
ولو فعل معها -يا شيخ- مقدمات الجماع؟
الشيخ: ولو فعل
ما تحرم منه، لا بد من الجماع.
بقينا في مسألة، المؤلف يقول رحمه الله:
(وبنتها)..
طالب: (...)؟
الشيخ: وهو؟
الطالب: (...).
الشيخ: إي نعم، ويش مثل؟
الطالب:
(...).
الشيخ: لا، ما أستحضر شيئًا في هذا، والسلف
مختلفون في هذا الأمر.
فيه مسألة: لو أن رجلًا زنا بامرأة، ما هو عقد، زنا
بامرأة، فهل يحرم عليه أصلها وفرعها؟ وهل يحرم عليها أصله وفرعه؟
طلبة: ما يحرم.
الشيخ: لماذا؟
طالب: ليس زوج.
الشيخ:
لأنه ما يدخل في الآية، الله قال: أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ [النساء: ٢٣]،
وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ [النساء: ٢٢]
مَا نَكَحَ، وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ [النساء: ٢٣]، والزانية ما تدخل في هذا، هل الزانية -المزني
بها يعني قصدي- من حلائل الأبناء؟ يعني: لو زنا ابن شخص بامرأة، هل نقول: هذه
المرأة من حلائله؟
طالب: لا، ليس من حلائله.
الشيخ: طيب، وهل نقول: إن أمها -أم هذه المزني بها- من أمهات
نسائك؟
طالب: لا.
الشيخ:
إذن فتكون حلالًا؛ لدخولها في قوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء: ٢٤]، وفي قراءة: {وَأَحَلَّ
لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ}، فتكون داخلة في الحلال، ومع ذلك فالمذهب
عندنا -مذهب الحنابلة- أن الزنا كالنكاح، فإذا زنا بامرأة حرم عليه أصولها وفروعها،
وحرم عليها أصوله وفروعه تحريمًا مؤبدًا.
وهذا من غرائب العلم؛ أن يُجعل السفاح
كالنكاح، هذا من أغرب ما يكون، وهو من أضعف الأقوال.
وأضعف منه أيضًا من قال: إن
الرجل إذا لاط بشخص -والعياذ بالله- فهو كالمرأة المعقود عليها عقدًا شرعيًّا؛
فيحرم على هذا اللائط فروع الملوط به وأصوله، ويحرم على الملوط به فروع اللائط
وأصوله، هذا أبعد وأبعد من القول الأول؛ وذلك لأن اللواط لا يحل الفرج فيه بأي حال
من الأحوال؛ لا بعقد ولا بغير عقد، الزنا يحل الفرج فيه بأيش؟ بالعقد، فرج امرأة
يمكن تعقد على امرأة ويحل لك، لكن اللواط -والعياذ بالله- ما.. هذا أيضًا أغرب من
الأول، وأبعد عن الصواب من الأول.
والصواب
أنه لا أثر في تحريم المصاهرة لغير عقد صحيح؛ أنه لا أثر بالمصاهرة لغير عقد
صحيح؛ وذلك لأن العقود إذا أُطْلِقت في الشرع حملت على أيش؟ على
الصحيح.
ومن الغرائب أنهم يقولون في الظهار: لو ظاهر الإنسان من امرأة يثبت
الظهار ولَّا لا؟ امرأة أجنبية ما هي بزوجته؟
طلبة:
(...).
الشيخ: مع أن قوله: الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ [المجادلة: ٢] مثل مِنْ نِسَائِكُمُ [النساء: ٢٣] في هذا، وكذلك في
الإيلاء لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ [البقرة: ٢٢٦] قالوا: ما يثبت إلا مع زوجة، فكيف نقول في هذه المسألة؟
فالصواب في هذه المسألة -يا إخواننا- أن كل ما
كان طريقه محرمًا فإنه لا أثر له في التحريم بالمصاهرة.
طالب: (...) العقد بشبهة (...)؟
الشيخ: لا، العقد بشبهة؛ لأنه يعطى حكم الصحيح، العقد بشبهة؛ لأن
العاقد يعتقد أنه صحيح.
الطالب: كان خطأً؟
الشيخ: خطأ؟
الطالب: (...) بشبهة
خطأ، العقد.
الشيخ: إي نعم، الشبهة قد تكون شبهة عقد أو
شبهة اعتقاد، وأظن المسألة جماعية، وإلا لو لم تكن إجماعًا لكان في النفس شيء في
شبهة الاعتقاد، إذا وطء امرأة يظنها زوجته فإن تحريم أصولها وفروعها عليه في النفس
منه شيء، فإذا لم يكن إجماع فالأصل الحل. أما إذا عقد عليها عقدًا فاسدًا بشبهة
فهذا له حكم الصحيح.
هذه مسألة تتفرع على مسألة المصاهرة ويش هي؟ اللي ذكرنا
الآن، هل الزنا كالنكاح تثبت به المصاهرة؟ وهل اللواط كذلك؟ وقلنا: إنه ليس كذلك،
وإن إلحاق هذا بهذا من أبطل القياس ومن غرائب العلم.
البحث الثاني في مسألة
المصاهرة: هل تثبت المصاهرة بالرضاع ولَّا ما تثبت؟ بمعنى هل يحرم على الزوجة آباء
زوجها من الرضاع وأبناؤه من الرضاع أو لا؟
هذه المسألة جمهور أهل العلم -ومنهم
الأئمة الأربعة- على أنه يثبت التحريم، فيقولون: إنه يحرم على الزوجة أبو زوجها من
الرضاع وابن زوجها من الرضاع، ترى هي اللي مرضعته ولَّا غيرها؟
طالب: لا.
الشيخ: أسألكم هي اللي
مرضعته ولَّا غيرها؟
طلبة: غيرها.
الشيخ: لأنها لو كانت هي المرضعة صارت أمه، واضح. لكن هذا رجل له
زوجتان، أرضعت إحداهما بنتًا، والثانية لم ترضعها، فهي بنته ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: زين، هذه البنت من
الرضاع هل يؤثر الرضاع في مسألة المصاهرة؟ قلت لكم: إن جمهور أهل العلم يرون أنه
مؤثر، وأن أصل زوجها من الرضاع -يعني أبا زوجها من الرضاع- حرام عليها؛ مثل أبي
زوجها من النسب، وكذلك أم زوجته من الرضاع حرام عليه كأم زوجتها من النسب، قلت: هذا
رأي من؟
طلبة: الجمهور.
الشيخ: جمهور أهل العلم، ومنهم الأئمة الأربعة.
ما
دليلهم؟
استدلوا بعموم قوله تعالى: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [النساء: ٢٣]، والمرضعة تسمى أمًّا؟
طالب: نعم.
الشيخ: تسمى أمًّا. هذا
دليل.
وقال: وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء: ٢٢]، والأب من الرضاع يسمى أبًا، وكذلك حَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ [النساء: ٢٣]، لكن في حَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُفيه شيء يمنع، لكن أجابوا
عنه.
واستدلوا أيضًا -وهو العمدة في دليلهم، لو كان متجهًا- بقوله عليه الصلاة
والسلام: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ
النَّسَبِ» ،
فقالوا: كما أن أبا الزوج من النسب حرام على الزوجة فيكون أباه من الرضاع حرام
عليها، وكما أن أم الزوجة من النسب حرام على الزوج فأمها من الرضاع أيضًا حرام. هذا
دليلهم.
أما شيخ الإسلام رحمه الله فقال: نعم، أنا أستدل بهذا الحديث عليكم
«يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ
النَّسَبِ»، فأنا أسألكم: ما سبب التحريم في أم الزوجة على الزوج؟
طلبة: المصاهرة.
الشيخ: ويش سبب؟
نسب، ما بينه وبينه نسب، صحيح بينه وبينه الأنثى نسب، لكن ما هي علاقة التحريم بين
الأنثى وأبيها حتى نقول: نشوف ويش العلاقة؟ علاقة التحريم بين أم الزوجة وزوجها،
والعلاقة بينهما ليست النسب، فما هي العلاقة أو سبب التحريم؟ هو المصاهرة، فالحديث
يدل بمنطوقه على أنه يحرم بالرضاع ما يحرم بالنسب، ويدل بمفهومه على أنه لا يحرم
بالرضاع ما يحرم بغير النسب.
ثم إن استدلالكم بعموم قوله تعالى: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [النساء: ٢٣] استدلال غير صحيح من
الآية نفسها، لو كانت الأم عند الإطلاق تشمل الأم من الرضاع والأم من النسب لم يكن
لقوله: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْلم
يكن لها فائدة؛ لأن أُمَّهَاتُكُمْسبقت في أول الآية
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ، فلو كانت الأم
عند الإطلاق يدخل فيها الأم من الرضاع ما كُرِّر، ما قيل: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ، وكذلك الأخت من
النسب، الأخت عند الإطلاق ما يدخل فيها الأخت من الرضاع، وإلا لما قال: وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فلا دليل لكم.
وأما
استدلالكم بقوله: وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ [النساء: ٢٢] فإن من المعلوم أن الأب من الرضاع لا يدخل في مطلق
الأب أبدًا، هو يدخل في مطلق الأب؟ ما يسمى أبًا إلا بقيد، أب من الرضاع، فلا يدخل
في مطلق الأب.
وكذلك نقول: أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْما يدخل فيها الأم من الرضاع؛ لأنا عرفنا أن كلمة (الأم) ما يدخل فيها عند الإطلاق
الأم من الرضاع.
وأما قوله: رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ(من) للتبعيض، ومعلوم أن البنت من الرضاع ما
هي من المرأة، منين؟ من أُمٍّ أخرى، لكن هذه أرضعته.
وأما قوله: وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ [النساء: ٢٣] فإنها قد تكون حجة
عليهم؛ لأن الله قال: وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ [النساء: ٢٣] هذا القيد وين روحوه؟ قالوا: هذا القيد
احترازًا من ابن التبني؛ يعني: لا من أبنائكم الذين تبنيتموهم، فيقال: إنه لا يمكن
أن يحترز الله في القرآن عن ابن باطل شرعًا؛ لأن الابن الباطل شرعًا داخل حتى يحتاج
إلى قيد يخرجه؟ غير داخل، فابن التبني ليس شرعيًّا من الأصل؛ ولهذا استدل الله عز
وجل على بطلانه بأمر حسي معقول؛ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب: ٤] صح؟ أو لا؟ ما فيه واحد له
قلبان؟ الناس إذا صار الواحد (...) يقولون: هذا له قلبان.
طالب: مبالغ.
الشيخ: مبالغ،
طيب.
وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ [الأحزاب: ٤] صح ولَّا لا؟ هل الإنسان إذا قال
لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي، يصير ظهرها كظهر أمه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْمَا جَعَلَ(ما) نافية، و(جعل) فعل ماضٍ؛ يعني: ما جعلهم
أبناء شرعًا، فإذن لم يقرر الله عز وجل البنوة المدَّعاة في الجاهلية، من الأصل ما
قررها، فإذا لم تكن مقررة من الأصل صارت غير داخلة من الأصل، فلا حاجة إلى إخراجها
في قوله: مِنْ أَصْلَابِكُمْ [النساء: ٢٣].
وعلى هذا
فالآية تدل على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الذي نراه ونرجحه؛ أنه لا دخل للرضاع في المصاهرة؛
وذلك لأن لدينا عمومًا من القرآن، ما يمكن أن نخرم هذا العموم إلا بدليل بيِّن
يخرمه، ما هو الدليل؟ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء: ٢٤]، و(ما) هذه اسم موصول تفيد العموم، أي إنسان يقول:
هذه المرأة حرام، نقول: جيب دليلًا، أو لا؟ نعم، مثلما قال النبي عليه الصلاة
والسلام لما سئل: ما يلبس المحرم قال: لا يلبس كذا ولا كذا ولا كذا ولا كذا ،
فأي واحد يقول: هذا حرام على المحرم، نقول له: جيب دليلًا، بل الآية أصرح من حديث
المحرم؛ لأن فيها أصل التصريح: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء: ٢٤].
فعلى هذا يكون القول الراجح ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ من أن
الرجل يجوز أن يتزوج أم زوجته من الرضاع، لكن بعد أن يفارق الزوجة بموت أو طلاق، ما
يجمع بينهما؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ» ،
وهنا المحرَّم الجمع ما هو بالمرأة، المحرَّم الجمع، فإذا حرم الجمع بالنسب حرم
بالرضاع.
ولهذا شيخ الإسلام رحمه الله في هذه المسألة لم يصب في أنه يجوز الجمع
بين الأختين من الرضاع، هذا رأيه ليس بصواب.
كنت بالأول أذهب إلى طريق احتياطي
فأقول: المرأة حلال، أم الزوجة من الرضاعة حلال، لكن تحتجب عنه، هذا ما فيه تناقض؟
حلال وتحتجب، تناقض؛ لأن الحلال ما..
طلبة:
(...).
الشيخ: طيب نشوف الآن.
كنت أذهب إلى هذا
فأقول: إنها حلال للزوج إذا فارق بنتها من الرضاع، لكن تحتجب عنه، وهذا من باب
الاحتياط، وأستدل لذلك بحديث ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام..
طالب: كيف هي حلال وتحتجب عنه؟
الشيخ: إي، حلال وتحتجب، أو لا؟
طالب: حلال يتزوجها؟
الشيخ: إي،
وتحتجب عنه، حلال أن يتزوجها وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء: ٢٤].
طالب: حلال لازم
التناقض وتحتجب عنه؟!
الشيخ: نقول: هذه أم زوجتك من
الرضاع، نقول: إنها حرام عليك، هذا قول الجمهور، إذا كانت حرامًا لا تحتجب، ولَّا
لا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ:
ولكني أقول: حلال، على رأي شيخ الإسلام، وتحتجب، على رأي الجمهور، حلال، على رأي
الشيخ، وتحتجب، ما هو على رأي الجمهور..
طلبة:
العكس.
الشيخ: العكس، سبحان الله العظيم! شيخ
الإسلام يقول: إن أم زوجتك من الرضاعة حلال لك، فتحتجب عنك ولَّا لا؟
طالب: لا تحتجب.
طالب آخر:
تحتجب.
الشيخ: إلا، إذا قلنا: إنها حلال لك فإنها تحتجب
عنك، لكن رأي الجمهور يقولون: حرام عليك ولا تحتجب، أنا أقول: كنت أقول: إنها حرام
عليك، هذا الصواب صح، إنها حرام عليك وتحتجب، هذا فيه تناقض ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: الآن فيه تناقض،
بارك الله فيكم، الإنسان ينسى.
كنت أرى الاحتياط، ويقولون العوام: إن اللبن ما
تظهر الزبد إلا بخض، كنت أقول: إن أم الزوجة حرام؛ تبعًا للجمهور، وتحتجب عنك؛
تبعًا لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ وذلك لأننا إذا قلنا: إنها حرام عليك -على رأي
الجمهور- تحتجب ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما تحتجب، وإذا قلنا: إنها حلال -على رأي الشيخ- تحتجب،
لكني كنت أعمل بالدليلين، وأقول: هذه مسألة مشكوك فيها، وإذا شُكَّ في الأمر فإنه
يُسلك فيه طريق الاحتياط فنأخذ بالاحتياط بما قاله الجمهور من تحريم نكاحها، ونأخذ
بالاحتياط بما قاله شيخ الإسلام من وجوب الحجاب.
ما هو استناده؟ إذا
قال قائل: هذان حكمان متناقضان؟





