كتاب النكاح (الشرح الأول) - 18
عدد الزيارات 1850

عناصر المادة :
باب الخلع

دار على نسائه بدون أن يُسَبِّع لهن، إذا تزوَّج بكرًا أقامَ عندها سبعًا بدون أن يجعل (...).
الدليل حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: من السُّنة إذا تزوَّج البِكرَ على الثيِّب أقامَ عندها سبعًا ثم قَسَم .
أما التعليل فلأن النفس تتعلَّق بالبكر أكثر مما تتعلَّق بالثيِّب، ولأن البكر تستوحش الزوجَ الجديدَ أكثر من الثيِّب، فمن أجْل مراعاة رغبة الرجل ومن أجل إزالة الوحشة عن المرأة صارت البكر سبعة أيام، أقول: هذا هو الدليل والحكمة.
أمَّا بالنسبة للثيِّب فلأن الثيِّب الرغبةُ فيها أقلُّ، ولأنها قد أَلِفَت الرجالَ فلا تحتاج إلى زيادة عدد الأيام لإيناسها، ولهذا جعل الشارع لها ثلاثة أيام، ولهذا قال: (وثيِّبًا ثلاثًا).
(وإنْ أحبَّتْ) يعني الثيِّب (سبعًا فَعَلَ وقَضَى مِثْلَهُنَّ للبَوَاقِي). إنْ أحبَّت أن يُكمل لها سبعة أيام فَعَل، ولكن يقضي مثلهنَّ للبواقي؛ يعني إذا أحبَّت السبع يُلغى القَسْم ويُثبت للبواقي سبعًا، وذلك لأنه لما طلبت الزيادة ألغى حقها من الإيثار، هي أُوثرت الأول بثلاثة أيام، فلمَّا طلبت الزيادةَ وأُعطِيت ما طلبت يُلغى الإيثار ويقسم للبواقي سبعًا سبعًا؛ لأن أم سلمة رضي الله عنها لما مكث عندها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيامٍ وأراد أن يقسم لنسائه قال لها: «إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ هَوَانٌ عَلَى أَهْلِكِ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي» ، فخيَّرها النبي عليه الصلاة والسلام بين أن تبقى على ثلاثة أيام وهي لها خاصة، أو أن يُسَبِّع لها وحينئذٍ يُسَبِّع للبواقي، في الغالب أن المرأة ستختار الثلاث؛ لأنه إذا اختارت الثلاثَ بعد ثلاثة أيام يرجع لها، لكن إذا اختارت السبعة يرجع لها بعد واحد وعشرين يومًا، ولَّا لا؟ اللهم إلا إن كانت متحرِّية أن العادة بتجيئها في المدة هذه، فهذه ربما أنها تختار التسبيع، وإلا فإنها غالبًا تختار الثلاث اللي هي (...).
فإذا قيل: ما الحكمة؟ لماذا لا نقول: إذا سبَّع لها يقضي لنسائه أربعًا أربعًا؟ لأن حقَّها ثلاثة أيام لها خاصة، فإذا اختارت التسبيع فإنه يُقضى للنساء الأُخريات على أربع أربع.
قلنا: لأنها لما اختارت الزيادة على النساء الأُخريات، وكانت الأُخريات في انتظار أن يأتي الزوج إليهنَّ عن قريبٍ، أُلغي الإيثار، وصار هنا نصيبها أن حسب لها سبعة أيام (...).
ثم هي في الحقيقة تُجبر على هذا ولَّا باختيارها؟ باختيارها، إذَن فلا ظُلم عليها في هذه المسألة.
طالب: البواقي الأربع تكون متتابعة ولَّا بالتفريق، إذا تم سبعٌ لها فيصير لكل واحدة أربع، فيكون لكل واحدة أربع متتابعة ولَّا تدور؟
الشيخ: أربع أربع أربع ثم يرجع للي هي الأولى.
الطالب: إي، يعني لا يأتيهن كل واحدة يومًا.
الشيخ: ما هو أربع، هو سبع، سبعة أيام، إذا سبَّع لها صار لكل واحدة سبعة أيام.
الطالب: يعني يقضي لكل واحدة سبعة متتابعة؟
الشيخ: أي (...) سبعة أيام، وسبعة..
الطالب: (...) الفترة على (...).
الشيخ: على من؟
الطالب: على (...).
الشيخ: إي ما يضر، وأيضًا بيبدأ باللي وقف عليها الدور قبل الزواج الجديد.

***

ثم قال: (فصل) هذا الفصل عقده المؤلف لنشوز المرأة، قال: (فصل: والنُّشُوزُ معصيتُها إيَّاه فيما يجب عليها).
النساء يختلفْن؛ منهن الصالحات؛ قال الله تعالى: فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّه [النساء: ٣٤]، هؤلاء في أعلى ما يكون من الْخُلُق والأدب مع الزوج، فيه نساء بالعكس ينشزْنَ.
النُّشُوز مأخوذٌ من النَّشَز؛ وهو المرتفع من الأرض، ومناسبة المعنى للمحسوس ظاهرة؛ لأن المرأة تترفَّع على زوجها وتتعلَّى عليه ولا تقوم بحقه.
يقول: (النُّشُوز) مشتق في اللغة من النَّشَز؛ وهو المكان المرتفع، ومنه ما ذكره أهل العلم في المناسك إذا علا نشزًا فإنه يُلَبِّي.
أمَّا شرعًا فيقول: (معصيتُها إيَّاه) (معصية) هذه مصدر مضاف إلى فاعله، و(إيَّاه) مفعول المصدر؛ أي: معصيتها الزوج فيما يجب عليها لا فيما لا يجب، في الذي يجب عليها من حقوقه، أمَّا ما لا يجب فإن ذلك ليس بنشوز ولو صرَّحت بمعصيته؛ فلو قال لها: أريد منكِ أن تصبحي دلَّالةً في السوق تبيعين، فقالت: لا، يلزمها ولَّا لا؟ ما يلزمها. لو قال: أريد منكِ أن تكوني خادمةً عند الناس، (...) يلزمها؟ لا يلزمها، إنما هي معصيتها إيَّاه فيما يجب عليها.
يقول المؤلف: (بألَّا تُجيبه إلى الاستمتاع) الاستمتاع الجنسي، أَبَتْ أن تُجيبه، إذا طلب منها الفراشَ أَبَتْ، أو أراد أنْ يستمتع بها بتقبيلٍ أو غيره تأبَى، هذه ناشز.
وظاهر كلامه بقوله: (بألَّا تُجيبه إلى الاستمتاع) أنها لو أَبَتْ أن تُجيبه إلى الخدمة المعروفة؛ مثل لو قال: اغسلي ثوبي، اطبخي طعامي، انفضي فراشي، فإن ذلك ليس بنشوز، وهو مبنِيٌّ على أنه لا يلزمها أن تخدم زوجها، والصحيح أنه يلزمها أن تخدم زوجها بالمعروف، ولهذا مرَّ علينا في المحرمات بالنكاح أنه يجوز نكاح الأَمَة لحاجة الخدمة، أو لا؟ فدلَّ هذا على أن من مقصود النكاح الخدمة، خدمة الزوج، وهذا هو الصحيح.
فإذَنْ: (بألَّا تُجيبه إلى الاستمتاع) أو إلى غيره مما يجب عليها الإجابة.
(أو تُجيبه متبرِّمةً) التبرُّم معناه التثاقل في الشيء، إذا دعاها إلى فراشه (...)، شيء ماله داعٍ، هذه تُجيبه وما تخالفه، ولكنها تُمِلُّه، نقول: هذا نشوز، ولَّا لا؟
كذلك أيضًا تُجيبه لكن متكَرِّهة، يظهر في وجهها الكراهة والبغض لهذا الشيء، وربما أنها تقول كلمات أيضًا تُسمِعه (...) وما أشبه ذلك، هذه في الحقيقة أجابته، لكن ما أجابته على وجهٍ يحصل به كمال الاستمتاع، حتى الزوج لا شكَّ أنه يكون في نفسه أنَفَةٌ إذا رأى منها أنها تعامله هذه المعاملة، فهذا نشوز، لكن ماذا يصنع معها؟
أرشد الله عز وجل إلى أن هذا الأمر له ثلاثة مراتب بل أربعة مراتب:
في المرتبة الأولى: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ [النساء: ٣٤] هذه واحدة، أن يَعِظها، ومعنى الوعظ أن يُذكِّرها بما يجب لها إذا أطاعتْه من ثواب الله عز وجل وبما يجب عليها من العقاب إذا خالفتْ، ويعظها أيضًا فيقول: إذا فعلْتِ هذا كان سببًا للبغضاء بيننا، وإذا كان لهم أولاد يكون سببًا لتفكُّك الأسرة، ثم إنه إذا حصل التباغض يمكن يحصل الفراق، وإذا حصل فراق يمكن لا تجدين مَن يتزوجكِ، وما أشبه ذلك من الأشياء التي تُلين قلبَها سواء كان ذلك مما يعود إلى عقاب الآخرة أو إلى بلاء الدنيا، المهم أنه يعظها بما يُلين قلبَها حتى تقوم بالواجب، فإن نفعها فذاك.
(فإنْ أَصَرَّتْ) نتحوَّل إلى المرتبة الثانية وهي: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ [النساء: ٣٤]، ولم يقُل الله تعالى: في الكلام، لأنه لا يجوز للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث، بل قال: فِي الْمَضَاجِعِ، وأطلق سبحانه وتعالى، ما قيَّدها.
والمضاجع جمع مضجع، والمراد الفِراش؛ يعني لا تنمْ معها، تهجرها سواء نمتَ في الحجرة التي هي فيها أو نمتَ في مكانٍ آخَر، المهم ألَّا تضاجعها، هذه المرتبة الثانية.
أمَّا المؤلف يقول: (هَجَرَها في المضجعِ ما شاء، وفي الكلام ثلاثةَ أيام) بدون زيادة، ويزول الهجر بالكلام، يزول بأيِّ شيء؟ بالسلام، فإذا سلَّم عليها فقد زال الهجر، فيهجرها في المضجع ما شاء حتى ترجع إلى الحق وتقوم بواجبها، أما في الكلام فلا يزيد على ثلاثة أيام، ويكفيه مثلًا أنه إذا تمَّ اليوم الثالث يجي لَمَّها ويقول: السلام عليكم، هذا يزول الهجر؛ لأنه خطاب، والخطاب يزول به الهجر.
يقول: فإن لم ينفع (فإنْ أصرَّتْ ضَرَبَها)، لكن هذا الضرب مقيَّد بكيفيته وكميته:
أمَّا كيفيته فقال: (ضربًا غيرَ مبرِّحوَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء: ٣٤] الآية مطْلقة، ما فيها (غير مبرِّح)، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن أنه غير مبرِّح؛ أي: غير شديدٍ ومؤلمٍ، بيَّن ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم في حجَّة الوداع في الخطبة: «وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ» .
يكرِّر الضرب ولَّا لا؟
نعم، يكرِّره؛ يعني إذا دعاها في الصباح (...) يضرب، في الظهر (...) يضرب، في المساء (...) يضربها، يكرِّر، ما فيه مانع؛ لأنه متى وُجِد المقتضي وجبَ المقتضى.
طالب: (...).
الشيخ: على كلِّ حالٍ هذا شيءٌ له، جعله الله تعالى له.
طالب: ما العدد يا شيخ؟
الشيخ: أمَّا العدد فإنه لا يزيد على عشر ضربات؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» ، والحديث في الصحيح، وعلى هذا في هذا الضرب يكون بهذه المثابة غيرَ مبرِّحٍ وهذا يعود إلى الكيفية، ولا زائدًا على عشرةٍ وهذا يعود إلى الكمية.
طالب: ورد في الحديث يا شيخ (...) ثلاثة أيام؟
الشيخ: يهجرها ثلاثة أيام.
الطالب: (...) إطلاق الحديث (...) في الفراش.
الشيخ: فيجوز (...)، موضوع الثلاث (...)، قد يكون هَجْرها في الكلام أشدَّ من الهجر في المضجع.
طالب: (...) عشرة أو تسعة؟
الشيخ: لا، عشرة، من عشرة فأقل.
طالب: في كل مرة يا شيخ ولا عشرة..؟
الشيخ: في كل مرة، نعم، (...)، طيب هذه ثلاث مراتب.
طالب: شيخ، أن يكون الضرب بعيدًا عن الوجه.
الشيخ: إي هذا في المكان في الموضع (...) في الوجه، ولا تبغي مَقاتل، ولا شيء تضرها.
طالب: لكن المحاكم (...) يا شيخ (...) تَعَهُّد.
الشيخ: دعنا من المحاكم، إحنا نبغي نبيِّن الحكم الشرعي، والمحاكم ما علينا منها.
فإنْ أصرَّتْ ولا نفع فيها الضرب فمِثْل هذا لا بد أن يحصل شقاق بينهما، ولهذا ذكر الله المرتبةَ الرابعةَ؛ قال: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا [النساء: ٣٤، ٣٥]، مع الضرب يمكن يحصل الشقاق، إذا حصل الشقاق رجعنا إلى المرتبة الرابعة، لكن المذهب (...)، وهي أنه يُسكِنهما الحاكم إلى جنب ثقة يُشرف عليهما، يشوف مين المخطئ، لكن هذه المرتبة لا أصل لها؛ ليست موجودة في القرآن ولا في السُّنة، ثم إن إسكانهما إلى جانب ثقة قد لا يتيسَّر ذلك، (...) الثقة، ولا نجيب الثقة يسكن عندهم، ثم إن الغالب أيضًا لا يفيد؛ لأن هذه مسائل بيتيَّة، حتى لو كان الثقة جنبهم ويش الفائدة؟ إلا إذا كان بيحصل (...) وحمل سلاحًا ولَّا شيئًا، (...) في حجرة مغلقة.
طالب: (...).
الشيخ: إي نعم، يمكن يعرف بالصوت، لكن على كلِّ حال المسألة ما هي مثمرة، فعلى هذا نقول: طالما أن هذه المرتبة ما دامت ليست في القرآن ولا في السُّنة فالله تعالى أحكمُ الحاكمين، نرجع إلى المرتبة الرابعة وهي قوله تعالى: فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا [النساء: ٣٥].
ابْعَثُواالخطاب يحتمل أنه لوُلاة الأمور؛ لأنهم هم اللي يوَجَّه إليهم الأمر: وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء: ٥٨]، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ [البقرة: ١٧٨]، الخطاب دائمًا موجَّه بلفظ الجمع لوُلاة الأمور؛ لأنهم هم الذين يديرون الأمَّة، فيحتمل أن يكون قوله: ابْعَثُواعائدًا إلى الحاكم، ويحتمل أن يكون عائدًا إلى أقاربهما، لكن هذا قد يُبعده قولُه: حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا [النساء: ٣٥]؛ إذ لو كان الخطاب في قوله: فَابْعَثُوا حَكَمًالقال: حكَمًا منكم أو من بينكم أو ما أشبه ذلك، فيختار القاضي رجلين عندهما من العلم والثقة والمعرفة ما يؤهِّلهما للحكومة بينهما من أهلها ومن أهله، واختير أن يكون من أهلهما لأنهما أعرَفُ بشؤونهما وأرفَق بهما من الأجنبي، ولذلك أمر الله تعالى أن يكونا من أهله وأهلها.
مثلًا أبو الزوجة يصلح؟
طلبة: يصلح.
الشيخ: وأبو الزوج يصلح؟
طلبة: يصلح.
الشيخ: طيب، أخو الزوجة وأخو الزوج، وكذلك عمَّاهما وما أشبه ذلك من الأقارب، وهذان الرجلان الْمُقامان من قِبَل الحاكم حكَمان كما قال الله تعالى: حَكَمًا، وليسا وكيلين خلافًا للمشهور من المذهب، المشهور أنهما وكيلان؛ فيوكِّل الزوج إذا اختير الرجل، يوكِّل الزوجُ صاحبَه وهي توكِّل صاحبَها، ولا يتصرَّفان إلا بإذن الزوج والزوجة؛ لأنهما وكيلان، وفي الحقيقة أننا إذا قلنا بأنهما وكيلان خالفْنا ظاهر القرآن، القرآنُ يقول: حَكَمًا، والحكَم ليس وكيلًا، ثم إذا قُلنا: وكيلان، صِرنا ندور في حلقةٍ مفرغةٍ؛ لأن كُلًّا من الزوج والزوجة يريد أن يكون كلامُه هو النافذ التام فلا نستفيد، فالصواب ما دلَّت عليه الآية الكريمة أنهما حكمانِ ولا يحتاجان إلى توكيل، يَدْرُسان الوضع، وينظران مَن المخطئُ، ويكون الحق على مَن أخطأ.
وقد نظر الله سبحانه وتعالى إلى النيَّة الطيبة في هذه الحال فقال: إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا [النساء: ٣٥]، إذا أرادا الإصلاح سواء الزوجان أو الحكَمان فإن الله تعالى يوفِّق بينهما ويهديهما لما فيه الخير إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا، هذان الحكمان إذا رَأَيَا أن المصلحة في التفريق فرَّقا وفَسَخَا النكاح، يفسخانه بينهما (...)، إنْ رَأَيَا أن التفريق بعِوَض يكون على أحدهما فلهما ذلك، يُلزمانه، سواء ألزما الزوج أمْ ألزما الزوجة، وإن رَأَيَا أن البقاء أصلح بدراهم تسلمها الزوجة أو يسلمها الزوج فَعَلَا ذلك، المهم أنهما يفعلان ما يريانه أصلح من جمعٍ وتفريقٍ بعِوَض وبدون عِوَض، وبهذا تنحلُّ المشكلة.
بقي أمرٌ خامسٌ دلَّ عليه الحديث، دلَّت عليه السُّنة والقرآن، وهو إذا كانت المرأة تصرِّح بأنها لا تريد الزوج إطلاقًا لا بقليلٍ ولا بكثيرٍ، فهذه المسألة اختلفَ فيها أهل العلم هل يُلزَم الزوجُ بالمخالعة أو لا يُلزم، وسيأتينا إن شاء الله في باب الخلع في الباب الذي يلي هذا، كلام المؤلف الآن فيما إذا خاف الزوج نشوزَ امرأته.
فما الحكم إذا خافت هي نشوزه؟ لأنه أحيانًا يكون النشوز من الزوج؛ يُعرِض عنها، ولا يُلَبِّي طلبها الواجب عليه، أو يُلبِّيه لكنْ بتكَرُّهٍ وتثاقلٍ وما أشبه ذلك.
نقول: الله بيَّن هذا في قوله: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا} [النساء: ١٢٨]، {أَنْ يَصَّالَحَا} قراءة سبعية، واخترناها لأنها (...).
وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًانُشُوزًايعني يترفَّع عليها ويستهجنها (...) أو ما أشبه ذلك، أو يقول: أنتِ جاهلة وأنا عندي شهادة دكتوراة، وأنت ما تعرفين (...) أو ما أشبه ذلك، يُهَجِّنها.
أَوْ إِعْرَاضًايُعرِض عنها، ما يقوم بواجبها لا في الفراش ولا في غير الفراش، ولا كأنه زوج، الله عز وجل يقول: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا} أن يتصالحا هما بأنفسهما، وما ذكر الله عز وجل هنا لا وعظًا ولا ضربًا، ولا هجرًا، ولا حكمين، والحكمة في هذا ظاهرة جدًّا؛ لأن الأصل أن الرجل قوَّامٌ على المرأة، فقد يكون إعراضه من أجْل إصلاحها، (...) قد أخطأ بخلاف (...)، ولهذا هناك يعظها ويهجرها ويضربها، هي لا تعظه ولا تهجره ولا تضربه، ولكن لا بدَّ من مصالحة؛ {يَصَّالَحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا}.
وبهذه الحال إذا لم يمكن أن يتصالحا فيما بينهما فلا حرج من أن يتدخَّل الأقارب، لا على سبيل الحكم ولكن على سبيل الإصلاح، ولهذا ما ذكر الله المحاكمة، ذكر الإصلاحَ وندبَ إليه في قوله: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ، وهذه الجملة كلمتان فقط: الصُّلْحُ خَيْرٌما هي خاصة بهذه القضية، في كل شيء، وهي من بلاغة القرآن، كلُّ شيء يكون عن طريق الصلح فهو خيرٌ من المحاقَّة؛ لأن المحاقَّة مهما كان يكون في نفسه شيء على صاحبه الذي غلبه، لكن في المصالحة تطمئن النفوس وتستريح، ولكن مع ذلك أشار الله عز وجل إلى أن هذا الصلح الذي هو خير قد يوجد فيه مانعٌ وعائقٌ: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ [النساء: ١٢٨]؛ يعني عندنا أن الأناس اللي يتكلمون في نزاع بينهما تجد يحبون الصلح الذي هو خير، لكن نفسك تشح أن تقبل أن يُهضم حقك مهما كان الأمر، ولكن على كل حال اللي عنده عقل يغلب النفس.
فهذا الآن عندنا نشوز المرأة ونشوز الرجل، نشوز المرأة كم من مرتبة؟ أربع مراتب: الموعظة، والهجر، والضرب، والمحاكمة؛ بعث الحكمين. أمَّا نشوز الرجل فما ذكر الله له إلا طريقًا واحدًا وهو الصلح.
وفي قوله تعالى: فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا [النساء: ٣٤] توجيهات عظيمة من الرب عز وجل؛ يعني ما قال: إذا أطعْنَكم ورجعْنَ إلى الصواب فذكِّرونهنَّ ما مضى وتقولون: فعلتِ كذا، فعلتِ كذا، أو: أنا فعلتُ فيكِ كذا، وما أشبه ذلك مما يبعث الأمور الماضية، فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًااتركوا كلَّ ما مضى ولا يكُنْ في أذهانكم أبدًا، وهذا من الحكمة؛ لأن كون الإنسان يذكر ما مضى مِن مثْل هذه الأمور ما يزيد الأمر إلا شُقَّة وشِدَّة فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا.
طالب: (...).
الشيخ: (...) يجب على كل واحد المعاشرة بالمعروف.

***

باب الخلع
00:26:31

ثم قال المؤلف: (بابُ الْخُلْعِ).
طالب: بالنسبة للهجر؟
الشيخ: الهجر يسلم عليها (...) الهجر (...) ثلاثة أيام (...).
(الخلع) يُقال: (الْخُلع) بالضم، ويُقال: (الْخَلع) بالفتح، الْخَلع هو المصدر، والْخُلع هو المعنى.
والخلع هو فراق الزوجة بعِوَضٍ بألفاظٍ معلومةٍ، مأخوذٌ من قولهم: خلعتُ الثوب إذا (...).
وسماه الله تعالى فداءً فقال سبحانه وتعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه [البقرة: ٢٢٩]، سماه الله تعالى فداءً؛ لأن المرأة تفتدي نفسَها من زوجها، (...).
وهل له ألفاظٌ خاصةٌ، أو كلُّ فراق على عِوَض فهو خلعٌ ولو بلفظ الطلاق؟
في هذا قولان لأهل العلم؛ فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو مروي عن ابن عباس، أن كلَّ ما دخله العِوَض فليس بطلاق، فهو فداء، والعبرة بالمعنى لا باللفظ. والمشهور من المذهب أنه إذا وقع بلفظ الطلاق فهو طلاقٌ يُحسَب من العدد، وعلى الرأي الأول فسخٌ لا يُحسَب من العدد (...).
أولًا يُسأل: هل الخلع جائز أو ليس بجائز؟
نقول: لا يجوز إلا بشرط أن يخافا ألَّا يُقيما حدود الله، فإن كانت الحال صالحةً فإنه لا يجوز، لا يجوز للمرأة أن تطلب المخالعة مع كون الحال جائزةً، فقد رُوي عن النبي عليه الصلاة والسلام أن «مَنْ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» فعلى هذا نقول: الخلع مع استقامة الحال لا يجوز، أمَّا مع عدم الاستقامة فلا شكَّ أنه جائزٌ ولا سبيل إلى الطلاق (...).
قال: (مَنْ صحَّ تَبَرُّعُهُ مِن زوجةٍ وأجنبيٍّ صحَّ بَذْلُهُ لعِوَضه). أنتم تعرفون أن الخلع يترتب عليه أمران: الفراق، والمال.
الفراق ممن يكون؟ من الزوج لا غير، أمَّا بَذْل المال فيصح أن تبذله الزوجة، ويصح أن يبذله وليُّها، ويصح أن يبذله أجنبي، كل مَن صحَّ تبرُّعه صحَّ أن يبذل عِوَض الخلع.
وقوله: (مَن صحَّ تبرُّعه) ما قال: مَن صح تصرُّفه، قال: (من صحَّ تبرُّعه)، ولاحظوا أن التبرع أضيق من التصرف، ليس كلُّ مَن صحَّ تصرُّفه صحَّ تبرُّعه، التبرع أضيق؛ مثلًا المحجورُ عليه يصحُّ تصرُّفه في غير ماله (...)، ويصحُّ تبرُّعه ولَّا لا؟ ما يصح تبرُّعه. وليُّ اليتيم يصحُّ أن يتصرف بمال اليتيم ولا يصحُّ أن يتبرع، المريض مرض الموت المخوف يصح أن يتصرف في كل ماله، ولا يصح أن يتبرَّع بما زاد على الثلث، وله أمثلة كثيرة، المهم أنه يقول المؤلف هنا: (مَن صحَّ تبرُّعه).
وقوله: (مِن زوجةٍ وأجنبيٍّ صحَّ بَذْلُهُ لعِوَضه)؛ يعني صح أن يُبذل للزوج عِوَضًا ليخالع زوجته، هذا يصح من حيث الحكم الوضعي، لكن هل يجوز من حيث الحكم التكليفي الشرعي؟ لأنه سبق لنا في كتاب أصول الفقه: أن الأحكام العامة التكليفية وهي خمسة: الواجب، والجائز، والمحرَّم، والمكروه، والمندوب. والوضعية وهي: الصحيح، والفاسد، والشرط، وما أشبه ذلك، والسبب.
فهنا نقول: (مَن صحَّ تبرُّعه)، هذا حكم وضعي، المؤلف يتكلم عن صحة البَذْل فقط.
ولكن هل يجوز أن تأتي إلى شخص وتقول له: خالعْ زوجتَك وأنا أعطيك عشرة آلاف مثلًا، هل يجوز أو لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: فيه تفصيل؛ إذا كان لمصلحة الزوجة فهذا جائزٌ وإحسان؛ هذا رجلٌ مثلًا عرف أن هذا الشخص لا يصح لهذه المرأة لا دينًا ولا خُلُقا، فذهب إليه وقال: هذه عشرة آلاف ريال وطلِّق زوجتك (...)، هذا لا بأس به، وهو محسن، ويُشكَر على هذا.
وقد يكون محرَّمًا إذا لم يكن لمصلحة الزوجة؛ مثل أن يريد الإضرار بالزوجة، زوجة متعلِّقة بهذا الشخص والحال بينهما ماشٍ، فجاء إليه وأغراه بالمال ليطلِّقها إضرارًا بها والعياذ بالله، فهذا حكمه حرام بلا شك.
كذلك رجلٌ آخَر ذهب إلى الزوج وقال: خالعْ زوجتك بعشرة آلاف ريال. لأجل أن يتزوجها هو، يجوز ولَّا لا؟
هذا ما يجوز أيضًا، أنكره الإمام أحمد إنكارًا شديدًا؛ قال: كيف يصير هذا؟! يقول: طلِّق مراتك بكذا وكذا من الدراهم عشان أتزوَّجها، هذا ما فيه شك أنه منكر، ولا يصدر من أيِّ إنسان له دين.
وبهذا نعرف كذب القصة المنسوبة إلى داود عليه الصلاة والسلام أنه كان عنده تسعة وتسعون امرأة، وأنه عشق امرأةً لأحد أفراد الجند، فتحيَّل به وقال: اذهبْ قاتِل في سبيل الله علشان يُقتَل ويأخذ زوجته من بعده، (...) داود ملك وليس نبيًّا، يعني هذه القصة في الحقيقة مع الأسف الشديد إنها موجودة في كثير من التفاسير، ويفسرون بها قوله تعالى: إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ [ص: ٢٣، ٢٤]، فقالوا: المراد بالنعجة المرأة، أعتقد لو قال أحد منهم لامرأته: يا نعجة، لنشزت عليه، فالنعجة هي الشاة في اللغة العربية، والقصة حقيقية ما هي تمثيل، لكن وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ [ص: ٢٤] يعني اختبرناه بما جرى، ثم إنه عليه الصلاة والسلام عكف في محرابه مع أنه حاكمٌ بين الناس، والواجب أن الحاكم يجلس للناس يحكم بينهم، ثم إنه عليه الصلاة والسلام حَكَم لأحدهما على الآخَر قبل أن تتبين حجة الآخر، منين (...) يكلمه قال: لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِه، وهذا لا شك أنه (...)، ولهذا عرف عليه الصلاة والسلام ما وقع منه فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَاب [ص: ٢٤].

***

(...) يقال: الْخُلع، ويقال: الْخَلع، فالْخَلع مصدر خَلع يخلعُ، والْخُلع اسم لهذا الأمر، اسم للمعنى، وهو فراق الزوجة بعِوَضٍ بألفاظٍ معلومةٍ مخصوصةٍ، وهي الخلع والفِداء وما أشبهه.
فخرج بقولنا: أن يفارق زوجته بعِوَض، خرج به ما إذا فارقها بغير عوض فليس بخلع، فهو الرجل قال مثلًا لزوجته: إني فارقتُك، أو: طلقتُك، أو ما أشبه ذلك، فهذا ليس بخلع.
وخرج بقولنا بألفاظٍ مخصوصةٍ ما إذا كان الخلع بلفظ الطلاق؛ فإنه يكون طلاقًا على المذهب، وعلى القول الراجح يكون خلعًا، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
حكم الخلع سيأتي في كلام المؤلف، لكن بدأ المؤلف بعِوَضه فقال: (مَن صحَّ تبرُّعه من زوجةٍ وأجنبيٍّ صحَّ بَذْلُه لعوضه). (مَن صحَّ ... صحَّ) فعل الشرط وجوابه، أو لا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: وقوله: (تبرُّعه) أي: عطاؤه مجانًا؛ يعني: الذي يصح أن يعطي المالَ مجانًا هو الذي يصح أن يتبرَّع بعوض الخلع، يعني: ومَن لا يصح فلا يصح تبرُّعه به؛ لأن هذا -أعني الخلع- ليس له عوضٌ ماليٌّ، فهو من باب التبرع.
وقول المؤلف: (مَنْ صَحَّ تبرُّعه من زوجة) (من زوجة) بيانٌ لـ(مَن)؛ يعني: الذي يصح تبرُّعه سواء كان زوجةً أو أجنبيًّا.
وإنما قال المؤلف: (وأجنبيٍّ) لئلَّا يظنَّ الظانُّ أن قوله تعالى: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه [البقرة: ٢٢٩] أنه لا بد أن يكون العوض من الزوجة، هذا ليس بشرط؛ لأن المقصودَ الخلاصُ بدون أن تذهب على الزوج هدرًا؛ خلاصٌ بعوض.
وقوله: (مِن زوجةٍ وأجنبيٍّ صحَّ بَذْلُه لعِوَضه). (لعِوَضه) هذه ويش محلها من الإعراب؟ محلها النصب، مفعولٌ لـ(بَذْل)؛ لأن (بَذْل) مصدرٌ عاملٌ (...) الشروط.
وقوله: (لعِوَضه) أي: عوض الخلع. منطوق العبارة الآن: أن مَن صحَّ تبرُّعه صحَّ بذلُه لعوضه، ومفهومها: مَن لا يصح تبرُّعه لا يصح بذلُه لعوضه؛ فالمحجور عليه مثلًا يصح أن يبذل عوض الخلع؟ لا، ما يصح؛ لأنه لا يصح تبرُّعه.
وظاهر كلام المؤلف أنه يصح أن يأتي رجلٌ إلى زوج امرأةٍ فيقول: طلِّقْها أو اخلعْها وأعطيك عوضًا قدره كذا وكذا، أو لا؟ نعم، وهذا إذا كان بإذن الزوجة فالأمر ظاهر، وإن كان بغير إذن الزوجة فلا يخلو من حالات:
الحال الأولى: أن يقصد بذلك مصلحة الزوج؛ مثل أن تكون المرأةُ هذه سيئة الْخُلُق أو سيئة السلوك والزوجُ فقيرٌ ومرغَمٌ على أنه يبقيها لأنه ما عنده مال يتزوج، فأراد هذا الرجل أن يعطيه عوضًا ليطلِّقها ويأخذ غيرها، هذا لمصلحة مَن؟ لمصلحة الزوج، وهو بهذا العمل محسن.
الحال الثانية: أن يكون لمصلحة الزوجة نفسها؛ بأن تكون الزوجة قد أساء الزوج عِشرتها وأتعبها، ولكن ليس عندها مالٌ تبذله لتفتدي به، فيبذل العوض لفكاك هذه الزوجة من هذا الزوج، ما حكم هذه؟
طلبة: جائز.
طالب: وإن كانت تحب الزوج؟
الشيخ: إن كانت تحبه (...)، هذا جائز، بل مثل الأول، هو إحسانٌ في الحقيقة.
طالب: (...) مال (...) تفتدي به (...)، أن يهون الرجل إن جاء يتبرع له بمال عشان يخلِّصها من هذا الرجل، قد يحبها الرجل، فتلتزم هي (...) ما عندها مال تفتدي به قد تصلح الأحوال، لكن إذا أعطاها الرجل هذا المال قالت أبدا (...).
الشيخ: ما يخالف، هو أصلا الزوج (...)، إذا شاء يقول: أبدًا، لو تعطوني ملء الأرض ذهبًا ما أطلِّق.
الطالب: وإن تأبى الذهاب معه أبدًا (...) تفتدي.
الشيخ: معلوم ما فيه شك، يعنى إذا شك أنها متضرِّرة ما عندها مال مصلحة هذه، هذا خير.
الحال الثالثة: أن يكون لمصلحتهما جميعًا؛ بأن يكون هو سيِّء العِشرة وهي كذلك، فيكون هنا خِفْنا ألَّا يُقيما حدود الله فأفتدي، هذا أيضًا جائزٌ، بل إحسانٌ كما تقدم.
الحال الرابعة: أن يفعل هذا الأجنبي من أجل أن يتزوجها؛ أعجبتْه امرأة هذا الرجل، فذهب لأجْل يعمل هذا العمل يتزوجها، فما حكم هذا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: هذا حرامٌ ولا يجوز، وقد أنكره الإمام أحمد رحمه الله.
الحال الخامسة: أن يكون للإضرار بالزوجة؛ تكون مثلًا امرأة زوجها يحبها ولا يكرهها، امرأة طيبة وتحب الزوج، فأراد رجلٌ أن يضارَّ بها، فذهب إلى زوجها وقال: ويش تبغي مِن هذه المرأة، أنا بأعطيك الآن عشرة آلاف ريال وطلِّقها، ففعل، ما حكمه؟
طلبة: حرام.
الشيخ: هذا أيضًا محرَّم؛ لأنه اعتداءٌ عليها، وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا» فهذا مِثْله.
الحال السادسة: أن يكون للإضرار بالزوج، شوف، يُتصوَّر هذا ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يُتصوَّر هذا بأن يكون الزوج مع زوجته بأحسن حال، لكن الزوج طمَّاع يحب المال، (...) هذه، فترخص عنده أم العيال وبيطلقها.
طالب: (...).
الشيخ: (...) هذا للإضرار بالزوج، هذا أيضًا محرَّم. كذا؟ هذه ست حالات.
الحال السابعة: ألَّا يكون لأيِّ غرض، بس رجل وده يفرِّق بين ها الزوجين، ما قصد لا الإضرار ولا الإحسان، فالظاهر أنه محرَّم عليه؛ لأن الله تعالى ذكر أن من أعمال السَّحَرة أنهم يتعلَّمون من السحر ما يفرِّقون به بين المرء وزوجه، فلا يحل.
هذه الأحوال السبع كلها داخلةٌ تحت قول المؤلف: (وأجنبيٍّ)، فتبيَّن أن بَذْل الأجنبي للعوض كي يخالع المرأة له كم حالة؟ سبع حالات تختلف أحكامها بحسب ما تُفضي إليه.
طالب: إذا صار بين الزوج والزوجة مخاصمة أو شيء، وجاء واحد فبَذَل المالَ ليتزوجها (...)، ولكن هو نيَّته..
الشيخ: يعني نوى أمرين، واللهِ إذا نوى الأمرين (...) الأرجح، إن كان الأهم عنده الحق هو الذي حمله أكثر من أنه يتزوجها؟
الطالب: (...).
الشيخ: (...) يُغَلَّب جانب التحريم (...).
طالب: (...) فأغراها رجل (...) حرام (...).
الشيخ: (...) ومن القواعد المقررة عند أهل العلم أن مَن تعجَّل شيئًا قبل آوانه على وجهٍ محرَّمٍ عُوقب بحرمانه (...).

***

(صحَّ بَذْله لعوضه) انتهينا من الأحوال هذه.
(فإذا كَرِهتْ خُلُقَ زوجِها أو خَلْقَه) إلى آخره.
(خُلُق) بضم الخاء واللام، قال بعض العلماء في تعريف الْخُلُق: هو الصورة الباطنة التي يكون بها سلوك المرء.
و(خَلْقه) بفتح الخاء وسكون اللام هو الصورة الظاهرة؛ لأن الصورة الباطنة إذا كانت جميلةً صار حسن الأخلاق؛ يعني هي التي تدبِّره، والصورة الظاهرة اللي هي الْخَلْق.
إذا كرهت الْخُلُق أو الْخَلْق (أو نَقْص دينِه) نقص الدين الذي لا يوصل إلى الكفر؛ يعنى رأتْه يتهاون في صلاة الجماعة مثلًا، رأتْه يشرب الدخان، رأتْه يحلق اللحية، وما أشبه ذلك.
يقول: (أو نقْصَ دينِه، أو خافتْ إثْمًا بتَرْك حقِّه). نشوف نقص الدين قلنا: ما لم يصل إلى الكفر، فإنْ وصل إلى الكفر فإن الخلع هنا واجب، يجب أن تفارقه بكل ما تستطيع، ويجب على المسلمين أن ينقذوها منه، يجب على مَن عَلِم بحالها إذا كان زوجها لا يصلي أن ينقذوها منه بالمال؛ لأنها في مثل هذه الحال الغالبُ أنها لو حاكمتْه إلى القاضي فإنها لن تحصل على طائل؛ لأن القاضي سيطلب منها البيِّنة على عدم صلاته، وإقامة البيِّنة على العدم صعب جدًّا، إقامة البيِّنة على الوجود سهلٌ؛ لأنه يُشاف الإنسان، لكن على العدم صعب؛ لأنه ما أحد يقول: أنا أشهد أن فلانًا ما يصلي؛ يمكن يصلي في بيته، يمكن يصلي في مسجدٍ آخَر، يمكن يصلي في بيت صديقه، ما تقدر.
المهم أنها لن تحصل على طائل، ففي مثل هذه الحال إذا علِمْنا صِدْق المرأة وأن الزوج قد طلب لفراقها كذا من المال يجب علينا فرض كفاية أن نخلِّصها منه، لماذا؟ لأن بقاء المسلمة تحت الكافر أمرٌ محرَّم بالكتاب والسنة والإجماع، فإذا كان كذلك فإنه يجب أن نخلِّصها، ما يمكن تبقى؛ هذا الرجل الكافر يتفخَّذها ويتمتع بها، لكن نقْص الدين الذي لا يوصل إلى الكفر.
(أو خافتْ إثمًا بتَرْك حقِّه) ما كَرِهتْ منه شيئًا، لكن خافتْ إثمًا بتَرْك حقِّه، تجد نفسها ما هي منقادة له، ولا تجيبه إلى الاستمتاع إلا متبرِّمة متكرِّهة، كحالة مَن؟ وَرَدَ مثلُها في عهد الصحابة.
طلبة: امرأة ثابت.
الشيخ: امرأة ثابت؛ فإنَّ امرأة ثابتٍ جاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله، ثابت بن قيسٍ واللهِ لا أَعتِبُ عليه في خُلُقٍ ولا دينٍ، لكني أَكْره الكفر في الإسلام . يعني: ما أستطيع أن أبقى معه فأصل إلى الكفر، الكفر في الإسلام يعني كُفر حقِّ الزوج، ما هو الكفر المخرج عن الإسلام؛ لأنها قالت: الكفر في الإسلام، ما قالت: الكفر عن الإسلام، فهي إنما خافتْ نقْصَ حقِّ الزوج، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «تَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ» ، فأخيرًا قال: «تَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟»، قالت: نعم، فقال لثابت: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا»، ففعل. فهذه المرأة تقول: واللهِ الرجلُ أخلاقه طيِّبة، وخَلْقه جميل، ودينه تامٌّ، لكني ما أستطيع البقاء معه أبدًا؛ أخشى أن أضيِّع حقَّ الله فيه، هل يُباح الخلع ولَّا لا؟
طالب: يُباح.
الشيخ: نعم، لقوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [البقرة: ٢٢٩]، فإذا خافا ألَّا يُقيما حدودَ الله (أُبِيحَ الخلعُ) (أُبيح) هنا مبني للمجهول؛ أي: صار مباحًا لها؛ أي: جائزًا.
(أُبِيحَ الخلعُ، وإلَّا) يعني: وإلَّا يكنْ له سببٌ (كُرِه)، والمكروه هو الذي يُثاب تاركُه امتثالًا ولا يعاقَب فاعله، هذا المكروه، ومع ذلك يقع الخلع.
فلو أن المرأة مثلًا مستقيمة الحال مع زوجها، ولكنها لأيِّ سببٍ من الأسباب قالت: أبغي أعطيك اللي أعطيتني وخلِّني، طلِّقني، فما الحكم؟
الحكم: مكروه، والخلع يقع؛ لأنه ما هو محرَّم، مكروه، والمكروه ينفذ، هذا هو المشهور من المذهب أنَّ الخلع مع استقامة الحال مكروهٌ ولكن يقع.
وفيه قول آخَر أنَّ الخلع في حال الاستقامة محرَّم ولا يقع، وهذا هو الصحيح؛ لقوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة: ٢٢٩]؛ فإن مفهوم قوله: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَأنه إن لم يخافا ألَّا يُقيما حدود الله فعليهما جناح، وهذا يشهد لصحة الحديث وإنْ كان ضعيفًا: «مَنْ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» ، فهذا يقتضي أن يكون من كبائر الذنوب.
طالب: حديث صحيح.
الشيخ: لا، ما هو صحيح، فيه ضعف، فالحاصل أننا نقول: الآية تؤيِّد الحديث، وعلى هذا فنقول: إنه إذا كان لغير سببٍ فإن الصحيح أنه محرَّم وأنه لا يقع، نقول: إنه محرَّم للآية وللحديث، لكن ما دليلنا على أنه لا يقع؟
دليلنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
ولكن إذا قلنا: لا يقع الخلع، فهل يقع طلاقًا؟
إن كان بلفظ الخلع ولم ينوِ به الطلاقَ فإنه لا يقع الطلاق؛ لأنه ما تلفَّظ به ولا نواه، والخلع وقع غير صحيح، ويش لون الخلع بغير لفظ الطلاق؟ ويش بيقول؟
طلبة: خالعتها.
الشيخ: خالعتُها، أو فسختُها، أو فاديتُها، أو ما أشبه ذلك، فهنا لا يقع خلع ولا طلاق. وإنْ كان بلفظ الطلاق أو بنيَّة الطلاق فإنه يقع الطلاق على المذهب؛ لأنه -أي: الخلع- إذا كان بلفظ الطلاق صار طلاقًا.
وعلى القول بأنه لا يقع الخلع إلا إذا كان بلفظ الفسخ أو الفداء فإنه لا يقع الطلاق أيضًا؛ لأنه على عوضٍ لم يُسَلَّم له، تبيَّن أنه حرام، ما فيه فائدة.
طيب الحديث؛ العجيب أن المؤلف رحمه الله قال: (كُرِهَ ووَقَعَ) واستدلَّ بالحديث، ومقتضى الاستدلال أن يكون الحكم حرامًا، بل من كبائر الذنوب، وكأنه -والله أعلم- لم يصح عنده؛ أي إن الحديث ضعيفٌ عنده، وقد مرَّ علينا عن صاحب النُّكَت ابن مفلح رحمه الله، له نكت على المحرَّر قال فيه: إن الحديث إذا كان ضعيفًا وكان مفيدًا للوجوب فإنه يكون الحكم الاستحباب، هذا ما لم يكن الضعف شديدًا بحيث لا يُقبَل، وإذا كان مقتضيًا للتحريم صار للكراهة؛ لأن ضعف سنده يتبعه ضعفُ الحكم، وكونه ورد ونُسِبَ إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يوجب للإنسان شُبهة بأنه قد قاله الرسول عليه الصلاة والسلام، فنجعل الحكم بين التحريم وبين الإباحة، وكذلك نقول في ما وَرَدَ مأمورًا به في حديثٍ ليس بقويٍّ، نقول هذا.
طالب: الحكم يا شيخ (...) حكمان شرعيان، هل يمكن ان يذهب إليهما بدليل ضعيف؟
الشيخ: إي، لعِلَّة، هذه الكراهة على سبيل التورُّع والخوف.
الطالب: لكن ما يُحكَم.
الشيخ: يُحكَم؛ من اتقى الشبهات..
الطالب: لولا (...) الكراهة.
الشيخ: نعم؛ لأنه «مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» ، يعني احتمال أن يكون هذا الحديثُ صحيحًا وارد.
الطالب: (...) عن الله سبحانه وتعالى، عن رب العالمين.
الشيخ: نعم.
الطالب: يعني لا يعجبني.. أو يعني لفظ..
الشيخ: بمقتضى هذا لا يعجبني عند بعض العلماء التحريم، الكلام على أننا نقول: نظرًا إلى أنه بين بين فنجعل الحكم بين هذا وهذا.
وكذلك بالنسبة للوجوب؛ لأن الأصل عدم الإيجاب حتى يتبيَّن بدليلٍ بيِّن، لكن نقول: نظرًا إلى احتمال أن يكون صحيحًا ينبغي أن تفعل (...)، هذا ما ذكره رحمه الله في هذه القاعدة، ولعل المؤلف رحمه الله في هذا الباب لعله أخذ به.
طالب: بالنسبة لحديث ثابت بن قيس، هل لَمَّا قال له الرسول: «طَلِّقْهَا» فطلَّقَها، هل يؤخذ منه أن المخالعة طلاق؟
الشيخ: هذا سيأتينا -إن شاء الله- في الفصل الذي بعده.
يقول: (كُرِهَ ووَقَعَ. فإنْ عَضَلَها ظُلْمًا للافتداء ولم يكُنْ لِزِناها أو نُشُوزها أو تَرْكِها فرضًا...) إلى آخره.
(إن عضلها) أي: الزوج؛ أي: منعها حقَّها ولم يكن لهذه الأسباب.
(ظلمًا ولم يكن لزناها)، قوله: (ظلمًا ولم يكُنْ لِزِناها) هذا بيانٌ للواقع؛ يعني: ما يتحقق أنه ظلمٌ إلا إذا كان بغير هذه الأسباب.
(ولم يكُنْ لِزِناها أو تَرْكِها فرضًا أو نُشُوزها) فإنها إذا خالعتْ في هذه الحال لا يصح الخلع؛ لأنه قد أرغمها، وقد قال الله عز وجل: وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّه [البقرة: ٢٢٩]، بل قال تعالى: وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [النساء: ١٩]، فإذا فعل هذا بدون سبب؛ رجل -والعياذ بالله- طمَّاع، ما يخاف رب العالمين ولا يرحم الخلق، ما أحبَّ هذه الزوجة، وقال: ما يمكن مالي يروح بدون شيء، وبدأ يضيِّق عليها ويمنعها حقَّها، ويمكن يهجرها أيضًا في المضجع، ويش هو علشانه؟ علشان يضيِّق عليها من أجل أن تفتدي منه. نقول: هذا حرامٌ عليك؛ لأن الله نهى عنه؛ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [النساء: ١٩]،
قوله: (ولم يكُن لِزِناها) إذا كان لغير زِناها لكن لِسَعَتها؛ يقول مثلًا: تخرج إلى الأسواق، تخاطب الشباب، تكلمهم في الهاتف، وما أشبه ذلك، هل نقول: إن هذا من سوء الْخُلُق الذي يُبيح له أن يعضلها لتفتدي منه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، ممكن نقول: نعم، ونجعل (لِزِناها) شاملًا لزنى النطقِ والنظرِ والسمعِ والبطشِ والمشيِ، كما أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أن العين تزني، والأذن تزني، واليد تزني، والرجل تزني ، فهذا الرجل يقول: أنا ما يمكن أصبر على هذه المرأة وهي بهذه الحال، فصار يضيِّق عليها لتفتدي منه.
قد يقول قائل: إن الله يقول: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةفاحشة، وهذه الأمور ليست من الفواحش، أو لا؟ الكلام أو النظر ليس من الفواحش، لكن ممكن أن نقول: إن هذا وسيلة إلى الفواحش، ثم إن كثيرًا من الناس يكون عنده غيرة أن تخاطب امرأته الرجال أو أن تتحدث إليهم.
طالب: شيخ، بالفاء فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ [البقرة: ٢٣٢].
الشيخ: بالفاء!
الطالب: ولا تعضلوهن (...).
الشيخ: اقرأ الآية.
الطالب: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ [البقرة: ٢٣٢].
طالب: سورة النساء يا شيخ.
الطالب: إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ [البقرة: ٢٣١، ٢٣٢].
طالب: يا شيخ هذه في النساء.
الطالب: هذه في البقرة.
طلبة: (...).
الشيخ: (...).
الطالب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ [النساء: ١٩]، (...).
الشيخ: طيب، ما فيه شيء.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قوله: بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ، هل يؤخذ منه (...) إلا ما أعطاها؟
الشيخ: (...)، من باب أَوْلى، إذا نُهِي أن يعضلها ليذهب ببعض ما آتاها.
طالب: يعني عند المخالعة.
الشيخ: لا، عند المخالعة بيجينا في آية البقرة، سيأتينا إن شاء الله الكلام على كلام المؤلف فيها إن شاء الله قريبًا.
طالب: الفاحشة إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ [النساء: ١٩] يقصد بها الزنى هنا؟
الشيخ: هي الأصل؛ كما قال تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً [الإسراء: ٣٢] ويحتمل أن يكون المراد بالفاحشة ما هو أعم، وهو ما يُستفحَش حتى من الكلام، ما يُستفحَش من الكلام يمكن أن يدخل في هذا إذا كانت بذيئة اللسان، فإنَّ هذا عدَّه بعض العلماء من الفاحشة في اللسان، على كل حال إذا كان له سبب فله أن يفعل.
(أو نُشُوزِها) تقدَّم، ويش النشوز؟ معصية الزوجةِ زوجَها فيما يجب عليها، إذا صار عندها نشوزٌ وعَضَلها؛ ضيَّقَ عليها لتفتدي، فلا حرج.
(أو تَرْكِها فرضًا) مثل أيش؟
طلبة: مثل الصلاة والصيام.
الشيخ: كأنْ تترك الصلاة، ما هو حتى تصل إلى الكفر، أو تترك الصيام، أو تترك الزكاة، أو تترك أيَّ فرض.
طالب: الحجاب.
الشيخ: نعم، أو تترك الحجاب، نعم؛ واللهِ أبغي أطلع، لازم، أبغي أطلع مكشوفة الوجه، فهذا نقول: له أن يعضلها، هذا إذا لم يمكن تربيتها، أمَّا إذا كان يمكن يربِّيها وتبقى وهو يرغب بالمرأة فلا حرج، يربِّيها وتبقى.
طالب: أدنى فرض يا شيخ؟ يعني أدنى فرض شرعي، مثلًا واجب شرعي تركَتْه يجوز له أن (...)؟
الشيخ: هذا ظاهر كلام المؤلف.
الطالب: وهو وجيه؟
الشيخ: واللهِ وجيه؛ لأن التي تتهاون بالواجبات في الحقيقة يمكن تؤثِّر حتى على الأولاد.
الطالب: لكن ما تَسْلم النساء كلُّها من تَرْك الفروض الخفيفة.
الشيخ: ويش (...)؟
الطالب: كثيرة.
طالب: (...) كشف (...) ولَّا وجهها.
الشيخ: إي، هذا من أهم شيء، يعني هذا حتى يعود إلى حقِّ الزوج الخاص.
طالب: (...) ملابس (...).
الشيخ: لا، هذا من حقِّه هو.
الطالب: (...) طبخ الطعام على القول الراجح.
الشيخ: طيب دقيقة، إذا أَبَتْ أن تتمتَّع فهو نشوزها، قال: (ولم يكُنْ لِزِناها أو نُشُوزها)، لأنه إن كان هذا يتعلَّق بحق الله فهو تَرْك فرضٍ، وإن كان يتعلَّق بحق الزوج فهو نُشُوز.
الطالب: وفِعْل المحرَّم مثله.
الشيخ: فِعْل المحرَّم قد يكون دونه؛ لأن فِعْل المحرَّم قلَّ أحدٌ أن يسلم منه؛ فالمرأة مثلًا ربما تغتاب أحدًا، والغيبة من كبائر الذنوب، إذا لم تَتُبْ منها فمعناها أنها صارت فاسقة. فالمهم أنه ينبغي أن يقال: إن هذا كتمثيلٍ من المؤلف إذا كان لغير سببٍ يتعلَّق بحقِّ الله أو بحقِّ الزوج.
طالب: طيب يا شيخ إذا كانت المسألة خلافية، فرض فيه مسألة خلافية، هل يضيِّق عليها في هذه المسألة؟
الشيخ: نعم، إذا صار هو يرى أنه ما يجوز؟
طالب: وهي ترى أنه يجوز.
الشيخ: إي، الظاهر أنه له الحق؛ مثل لو (...) تشرب الدخان.
الطالب: مثل كَشْف الوجه.
الشيخ: أو مثل كَشْف الوجه، له أن يُلزمها، حتى كَشْف الوجه له أن يُلزمها وإن لم يَرَ أنه واجب؛ لأن هذا حمايةٌ لفراشه، هذا من باب حماية الفراش، حتى لو ما تعلَّق بحقِّ الله سبحانه وتعالى وأنه القرآن ما يدل على وجوبه مثلًا أو السُّنة، فهو حماية لفراشه؛ لأن المرأة إذا كشفت وجهها أمام الناس يتعلَّقون بها.
طالب: وإذا كان (...) قالت: أبغي أخرج متنقِّبه، قال: لا بد أن تكشفي الوجه؟
الشيخ: هذا إذا قال: لا بدَّ أن تكشفي الوجه فالأحسن أن تصفعه على الوجه، هذا الأحسن، أو ما يكفي بعد، هذا في الحقيقة أخشى أن يكون من الديوث والعياذ بالله؛ لأنه -الحقيقة- يُقر أسباب الفاحشة في أهله، الآن -ولا سيما عندنا والحمد لله- النساء متحفِّظات، فإذا قال: اكشفي الوجه، معناه أنه بيفسد كل الأُمَّة؛ إذْ إن هذه المرأة إذا خرجت كاشفةً لا سيما إنْ كان لها وزنٌ في صاحباتها خرجْنَ مثلها.
الطالب: يقول لها: تخالفين العُرف في ذلك.
الشيخ: أيش؟
الطالب: العرف أنه كَشْف الوجه.
الشيخ: عندهم؟
الطالب: (...).
الشيخ: العُرف المخالف للمعروف ليس بعُرف؛ لأن المسلمين عُرفهم المعروف شرعًا، فكلُّ عُرف يخالف الشرع فإنه ساقط، وإلا لكُنَّا نُقِرُّ الجاهلية على أعرافها.
طالب: شيخ، اتباع المراحل هل هو واجب إذا تركتْ فرضًا مثلًا ؟ اتباعُ المراحل التي مرَّتْ علينا في النشوز واجب على المسلم، ولَّا يعضلها حتى تفتدي؟
الشيخ: هذا على كل حال يُنظَر في المصلحة.
الطالب: على سبيل الوجوب؟
الشيخ: (...) حتى ولو في هذا، يُنظر للمصلحة، كأن الرجل يقول: أنا ما أستطيع أن أعيش مع هذه المرأة حتى لو ضربتُها أو وعظتُها أو هجرتُها ما هي مستقيمة، فله أن يعضل، وأما إذا كان يمكن فهو ينبغي على الإنسان من الأول، مع أن الآية: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ [النساء: ٣٤]، ما وقع النشوز بالفعل، عبَّر بالمخافة.
يقول المؤلف: (أو تَرْكِها فرضًا ففعلتْ، أو خالعت الصغيرة).
وهل ما يصح الخلع أذا خالعت الصغيرة؟ لأنه لا يصح تبرُّعها، المال من مالها، وهي صغيرة لها سبع سنين مثلًا، نقول: سبع سنين أو ما يصلح؟
طالب: تسع سنين.
الشيخ: نقول تسع سنين، عشر سنين، إحدى عشرة، اثنتا عشرة، ثلاث عشرة، أربع عشرة، ما بلغت إلى الآن، فإنه لا يصح تبرُّعها، فلو خالعتْ لا يصح الخلع؛ لأنها ما يصح تبرُّعها.
(والمجنونة) لو خالعت ما يصح الخلع. لكن صوِّروا لي المسألة، كيف تخالع المجنونة؟ يعني المجنونة في الحقيقة يمكن تكون المعتوهة اللي ما لها عقل؛ لأن المجنون أصعب من المعتوه؛ المجنون يكون منه اعتداء وضرب وحركات مزعجة وما أشبه ذلك، والمعتوه دون هذا، لكن على كل حال إذا كان لا عقل لها بجنونٍ أو عَتَهٍ فإنه لا يصح أن يخالعها؛ لأنه لا يجوز تصرُّفها ولا تبرُّعها.
وكذلك (السفيهة) مَن هي السفيهة؟ التي لا تحسن التصرُّف في مالها، إذا خالعتْه وبذلت عوض الخلع من مالها فإنه لا يصح؛ لأنه لا يصح تبرُّعها كما سبق.
طالب: ولا الولي يا شيخ؟
الشيخ: لا، الولي يصح.
الطالب: يعني تخالع (...)؟
الشيخ: والصغيرة، ولو (...).
الطالب: (...) الولي؟
الشيخ: إي ما يخالف، ولو بإذنه لكن من مالها.
يقول: (أو خالعت الأَمَة بغير إذْنِ سيدها). إذا خالعت الأَمَة بغير إذن سيدها ما يصح، السبب أنه ما يصح؟
طلبة: لأنه ما يصح تبرعها.
الشيخ: ولا مال لها أيضًا، ما لها مال؛ لأن مالها لسيدها.
وكيف الأَمَة؟ ويش لون الأَمَة؟ يعني رجُل قد تزوج أَمَة إنسان -تزوجها، ما هو سيد وطئها- ثم أراد أن يخالعها، وقال لها وقالت: ما يخالف. فإن ذلك لا يصح؛ لأنه لا يصح تبرُّعها ولا تصرُّفها، ولا مال لها أيضًا.
يقول: (لَمْ يصِحَّ الخلعُ، ووَقَعَ الطلاقُ رجعيًّا إن كان بلفظ الطلاق أو نيَّته).
(وقع الطلاقُ رجعيًا) لكن متى؟ إذا كان بلفظ الطلاق أو بنيَّة الطلاق، فإن كان بلفظ الخلع أو الفسخ فلا خلع ولا طلاق.
وقول المؤلف: (رجعيًّا) يعني: ما يقال: إن هذا طلاق على عِوَض؛ لأن العوض ما صح، فيكون طلاقه حينئذٍ رجعيًّا، يُستثنى من ذلك إذا كان آخِر طلقة، إذا كان هذا آخِر طلقة فإنه يقع بائنًا ما هو رجعي، مثل يكون هذا الرجل اللي خالع هذه الصغيرة مثلًا قد طلَّقها قبل ذلك مرَّتين، وخالعها الآن بلفظ الطلاق، فإن الطلاق يكون؟
طلبة: بائنًا.
الشيخ: بائنًا. بائنًا من أجل العِوَض ولَّا من أجل العدد؟
طلبة: العدد.
الشيخ: من أجل العدد؛ لأنه تم عدده، واضح؟ تمام.
(ووَقَعَ الطلاقُ رجعيًّا إن كان بلفظ الطلاق أو نيَّته).
طيب (نيَّته) ولو هو بلفظ الخلع؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، ولو كان بلفظ الخلع، إذا نوى به الطلاق فإنه يكون طلاقًا.

***

(...) عليه لمصلحتها فلا بأس، وهذا هو الصحيح.
طيب، ماذا يكون إذا لم يصح الخلع في هذه الحال؟
طالب: إذا كان بألفاظ الطلاق يُعتبر طلاقًا.
الشيخ: أو نيَّة الطلاق، إذا كان بلفظ الطلاق..
الطالب: أو نيَّته يُعتبر طلقةً واحدةً.
الشيخ: وإن كان بلفظ الخلع؟
الطالب: وإن كان بلفظ الخلع فلا اعتبار له.
الشيخ: صح؟ موافقون؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: المؤلف مشى على هذا؛ على أنه إذا لم يصح فإنه لا يقع إذا كان بلفظ الخلع، ويقع إذا كان بلفظ الطلاق أو نيَّته طلاقًا، وهذا مبنِيٌّ على أن الخلع بلفظ الطلاق طلاق.

***

ثم قال المؤلف: (فصل) مبتدأ درس اليوم.
طالب: (...) الخلع هو الطلاق؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني الطلاق الآن، هو نوى الطلاق، لكن يظن الفسخ (...).
الشيخ: بيجينا (...).
قال المؤلف رحمه الله: (والخلعُ بلفظِ صريحِ الطلاقِ أو كنايتِهِ وقصدِهِ طلاقٌ بائنٌ، وإنْ وَقَعَ بلفظ الخلع أو الفسخ...) إلى آخره.
أفادنا المؤلف رحمه الله في هذه العبارة أنَّ الخلع له صِيَغٌ؛ تارةً يقع بلفظ صريح الطلاق، وتارةً يقع بكناية الطلاق مع نيَّته، وتارةً يقع بلفظ الخلع بدون نيَّة الطلاق، وتارةً بلفظ الخلع بنيَّة الطلاق. هذه كم؟ أربع صور.
الصورة الأولى: قال (والخلعُ بلفظ صريح الطلاق) هذه واحدة.
الثانية: (أو كنايتِهِ وقصدِهِ) (قصده) يعني نيَّته، (طلاقٌ بائنٌ) (طلاقٌ) هذه خبر المبتدأ؛ خبر الخلع.
وأمَّا قوله: (بلفظ صريح) فهو جار ومجرور في موضع نصبٍ على الحال من كلمة (الخلع)، يعني: والخلعُ حالَ كونه بلفظ صريح الطلاق.
إذَن إذا وقع بلفظ صريح الطلاق أو بكناية طلاقٍ مع النيَّة فهو طلاق؛ مثال ذلك: طُلِب من الزوج أن يطلِّق زوجته بألف ريال على أنه خلع، يخالع زوجتَه بألف ريال، فقال: طلَّقتُها بألف ريال، هذا ويش نسمِّيه؟ صريح الطلاق، يكون طلاقًا لأنه بلفظ صريح الطلاق، ولفظ صريح الطلاق طلاقٌ سواء كان فيه فداء أو لم يكن.
أمَّا كنايته فمثل أن يقول: خلَّيتُها بألف ريال؛ لأن التخلية عند الفقهاء من كنايات الطلاق، أو يقول: أبرأتُها، أو يقول: حررتُها، أو ما أشبه ذلك بألف ريال، وهو ناوٍ بهذا الطلاق، فماذا يكون؟ يكون طلاقًا.
وقوله: (وقصْدِهِ) مفهومه: إنْ لم يقصد الطلاق بكناية الطلاق فماذا يكون؟ يكون خلعًا.
وقوله: (طلاقٌ بائنٌ) (بائن) البينونة بمعنى الانفصال، والطلاق البائن على نوعين: بائنٌ بينونةً كبرى وهو الطلاق الثلاث، وبائنٌ بينونةً صغرى وهو الطلاق على عِوَض.
فإذا كان الرجل قد طلَّق زوجته مرتين سابقتين ثم طلَّقها الثالثة نقول: هذا الطلاق بائنٌ بينونةً كبرى؛ يعني ما تحلُّ له إلا بعد زوج، وإذا طلَّقها على عوض صار بائنًا بينونةً صغرى، فما معنى (بائن) إذَن؟ معناه أنه لا يحلُّ له أن يراجعها ولا تحلُّ بالمراجعة، لو راجَعَها ما حلَّتْ بالمراجعة؛ ووجْه ذلك أن بَذْلها للعوض افتداء، فقد اشترتْ نفسَها، فلو مكَّنَّا الزوج من المراجعة لم يكن لهذا الفداء فائدة، لكانتْ هي ومَن لم تبذل على حدٍّ سواء، فهذه المرأة التي بذلت العوض كأنها اشترتْ نفسَها من زوجها، فإذا قلنا: للزوج أن يراجع، فلا فائدة إذَنْ من الفداء، ولهذا نقول: إنه طلاقٌ بائنٌ لا يملك الرجعة فيه.
لكن هل يملك أن يتزوجها بعقدٍ جديدٍ؟
الجواب: نعم؛ لأن البينونة ليست كبرى، البينونة الصغرى لا يملك الرجعة لكنْ يملك العقد.
طالب: (...).
الشيخ: البينونة الكبرى.
الطالب: (...).
الشيخ: لا، ما هو بشرط، لأن البينونة قسمان، المؤلف ما قسمها، المؤلف قصْده بالبينونة البينونة الصغرى، لكن قلنا تتميمًا للتقسيم بيَّنَّا أن البينونة كبرى وصغرى.
طالب: في أيِّ وقت يا شيخ؟
الشيخ: ويش اللي في أيِّ وقت؟
الطالب: البينونة الصغرى إذا راجعها؟
الشيخ: إذا عقد عليها بأيِّ وقت ولو في الحال.
وقوله: (طلاقٌ بائنٌ) اعلمْ أن الخلع ليس له بدعة؛ بمعنى أنه يجوز حتى في حال الحيض؛ لأنه ليس بطلاق، والله إنما أَمَر بالطلاق للعِدَّة مَن؟ المطلقة؛ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُن [الطلاق: ١]، والخلع ليس بطلاق ولهذا يجوز أن يخالعها ولو كان عليها الحيض، ويجوز أن يخالعها ولو كان قد جامَعَها في الحال لأنه ليس بطلاق، واضح؟
طالب: ولو بلفظه.
الشيخ: نعم، ولو بلفظه؛ وذلك لأن فيه فداءً، ولأن أصل منْع الزوجة من التطليق في حال الحيض أو في حال الطُّهر الذي جامعها فيه لأن فيه إضرارًا بها لتطويل العِدَّة عليها، فإذا هي التي رضيتْ ذلك فقد أسقطتْ حقَّها.
قال: (طلاقٌ بائنٌ، وإنْ وَقَعَ بلفظ الخلعِ أو الفسْخِ أو الفداءِ ولم يَنْوِهِ طلاقًا كان فسْخًا لا ينقص عددَ الطلاق). هاتان الصورتان الأُخريان؛ إذا وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء وما أشبهه، هو ما نوى أنه طلاق، فهو فَسْخ، فإن نواه طلاقًا فهو طلاق.
وبهذا تمت الصور الأربعة: أن يكون بلفظ الطلاق، أن يكون بكنايته وقصده، أن يكون بلفظ الخلع بدون نيَّة الطلاق، أن يكون بلفظ الخلع بنيَّة الطلاق.
إذا وقع بلفظ الخلع كان فسخًا، وفائدة قولنا: إنه فسْخٌ، أنه لا ينقص عددَ الطلاق، ما يُحسَب عليه طلقة؛ فلو كان طلَّقها قبل ذلك مرتين ثم خالعها في الثالثة وأراد أن يتزوَّجها فلا حرج؛ لأنه ما طلَّق إلا مرتين، الخلع هذا لا يُحسَب عليه، ليس محسوبًا من الطلاق؛ الدليل قوله تعالى: الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة: ٢٢٩] هذا فِداء، ثم قال بعد ذلك: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ [البقرة: ٢٣٠]، فَإِنْ طَلَّقَهَاغير اللي فيه الفداء، لو حُسِب الفداء لكان قوله: فَإِنْ طَلَّقَهَاطلقةً رابعةً، والمرأة تبين بالطلقة الثالثة بالنص والإجماع، وعلى هذا فنقول: إن الآية صريحةٌ في أن ما وقع فداءً فإنه ليس بطلاقٍ ولا يُحسب عليه.
ولكن المؤلف يقول: (إنْ وَقَعَ بلفظ الخلعِ أو الفسخِ أو الفداءِ ... كان فسخًا) يعني فإن وقع بغيرها بلفظ الطلاق فهو طلاقٌ كما سبق، وهذا الذي مشى عليه المؤلف هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو قولٌ وسطٌ بين قولين.
والقول الثاني: أنه طلاقٌ بكل حال، حتى لو وقع بلفظ الخلع أو الفسخ فهو طلاق.
والقول الثالث: أنه فسخٌ بكل حال ولو وقع بلفظ الطلاق، وهذا الأخير اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو المنصوص عن أحمد وقول قدماء أصحابه، هكذا حكى عنه شيخ الإسلام أنه فسخٌ مطلقًا ولو وقع بلفظ الطلاق.
وقال: إن الإمام أحمد نصَّ على أنه يقول بما قال ابن عباس رضي الله عنهما، وابن عباسٍ يقول: كلُّ ما جازه المالُ -يعني: كل ما دخل فيه المال- فهو خلعٌ وليس بطلاق . وعلى هذا فلا عبرة باللفظ، العبرةُ بالمعنى، فما دامت المرأة قد بذلتْ هذا فداءً لنفسها فلا فرق بين أن يكون بلفظ الطلاق أو بلفظ الخلع أو بلفظ الفسخ، وهذا القول قريبٌ من الصواب أنه يكون فسخًا بكل حال
.
لكنه ما زال يُشكل عندي قول الرسول عليه الصلاة والسلام لثابت بن قيس: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» بهذا اللفظ «طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً»، إلا أن الرواة اختلفوا في نقل هذا الحديث؛ فالحديث اللي فيه «طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» كأن البخاري يميل إلى أنه مرسلٌ وليس متصلًا، وأمَّا الأحاديث الأخرى: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَفَارِقْهَا» بهذا اللفظ، فإذا تبيَّن أن الراجح من ألفاظ الحديث: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَفَارِقْهَا» فلا شك أن الصواب قول ابن عباس ومَن تابعه، الذي هو نص الرواية عن أحمد وعليه قدماء أصحابه أنه فسخ بكل حالٍ ولو وقع بلفظ الطلاق.
أمَّا إذا صحَّت اللفظة: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا» فإنه واضحٌ أنه طلاق، ولا يمكن للإنسان أن يحيد عنه، وتُحمَل رواية: «فَارِقْهَا» على أن المراد: فارِقْها فراق طلاق.
فهِمْنا الآن كلام أهل العلم في هذه المسألة، للعلماء في هذه المسألة ثلاثة آراء:
الرأي الأول: أن الخلع طلاقٌ مطلقًا.
الرأي الثاني: أنه فسخٌ مطلقًا، وهذان الرأيان متقابلان، والقول بأنه طلاقٌ مطلقًا لا شك أنه ضعيف.
القول الثالث: أنه إن وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء فليس بطلاق، فهو خلع وليس بطلاق، وإنْ وقع بلفظ الطلاق أو نيَّته مع الكناية فإنه طلاقٌ، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
طالب: إذا تراجع؛ يعني ردَّ عليها الفداء وراجعها، هل تصح الرجعة؟
الشيخ: لا، ما تصح.
طالب: ولو رضِيتْ هي؟
الشيخ: ولو رضِيتْ، يجعل الفدية الصداق (...).
طالب: الفرق بين الفسخ والخلع؟
الشيخ: إن كان فسخًا يعني لا طلاقًا، يعني فسخًا.
الطالب: يعني الفسخ هو الخلع؟
الشيخ: هذا هو الحكم، لا، الخلع عبارة عن العقد اللي وقع بين الزوجين، والفسخ هذا نهايته وثمرته أنه فسخٌ وليس بطلاق.
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، الفسخ معناه ما لا يفسد من الطلاق ولا يُعتبر على الزوج سواء فسخه الحاكم أو غير الحاكم.
طالب: لو صح لفظ: «وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً»، هل الرسول (...) يطلقها (...) بينونة صغرى، فبماذا (...)؟
الشيخ: (...).
طالب: في آخر حديث ثابت بن قيس أن زوجته (...) وأنه ضربها فكسرها، فكيف أنه ضربها فكسرها وأنها قالت: ما أَعتِب عليه في خُلُق ولا دين؟
الشيخ: إن صحَّت اللفظة هذه فيُحمل على أنها فعلتْ ما يوجب ضربها؛ يعني هي أساءت فضربها، ولا يكون حينئذٍ يُعتَب عليه في خُلُق.
طالب: كيف يجيبون عن الآية من قالوا: إن لفظ الطلاق (...) يقع طلاقًا فقط، (...)؟
الشيخ: هذا وجه الضعف في قولهم، ولهذا (...) القول هذا، ولا أجابوا عن الآية، والآية واضحة بأنه ليس بطلاق.
لعلهم يقولون إن قوله: فَإِنْ طَلَّقَهَا.. لكن ما لهم جواب، أن الآن ما أتصور أن لهم جوابًا، حتى لو قالوا: إذا وقع بلفظ الخلع فهو لا يُحسب من الطلاق، قلنا: إن قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَايُحمل على قوله: فِيمَا افْتَدَتْ بِهِعلى أنه ليس بلفظ الطلاق، لكن هم يقولون: مطْلَق.
يقول المؤلف: (كان فَسْخًا لا ينقص عددَ الطلاق).
والخلاصة الآن أظن المسألة تتضح لكم إن شاء الله: إذا خالَعَها فإنها تبين منه بينونةً صغرى؛ بمعنى أنها لا تحلُّ له برجعةٍ، لكن له أن يعقد عليها عقدًا جديدًا بما اتفقا عليه، لو يتفقون على ريال واحد ما فيه بأس.
يقول رحمه الله: (ولا يَقَعُ بمعتدَّةٍ من خُلْعٍ طلاقٌ ولو واجَهَهَا به). المختلعة تقدَّم أنها تبين وعليها العدَّة، ولهذا قال: (ولا يَقَعُ بمعتدَّةٍ من خُلْعٍ)، فأفاد المؤلف رحمه الله أن الخلع يوجب العِدَّة لقوله: (ولا يقعُ بمعتدَّةٍ من خُلْعٍ)، وعلى هذا فيجب عليها أن تعتدَّ كما تعتدُّ المطلَّقة تمامًا؛ إن كانت تحيض فبثلاث حِيَض، إن لم تكن من ذوات الحيض فبثلاثة أشهر، إن كانت حاملًا فبوضع الحمل، المهم أنها تعتدُّ كما تعتدُّ المطلَّقة تمامًا.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن المختلعة لا تعتدُّ، وإنما تُستَبرأ، وهذا القول هو الصحيح أن ما عليها عدَّة، وإنما عليها استبراء، فإذا حاضت مرَّةً واحدةً انتهت عدَّتها؛ لأن ظاهر القرآن أن العدَّة إنما هي على المطلَّقات؛ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [البقرة: ٢٢٨]، ومعلومٌ أن البائن ليس لبعلها حقٌّ في الرجوع، فدلَّت الآية على أن التي يلزمها ثلاثة قروء إنما هي المطلَّقة، وهذا هو الذي صح عن أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه.