كتاب النكاح (الشرح الثاني) - 7
عدد الزيارات 1613

عناصر المادة :
باب نكاح الكفار

هذا من العيوب، والباب اللي سبق: باب الشروط والعيوب في النكاح. والعيوب جمع (عيب)، والعيب هل هو محدود أو معدود؟ عند الفقهاء أنه معدود، العيوب معدودة. والصحيح أن العيب محدود؛ وهو كل ما يمنع الاستمتاع أو كماله فهو عيب؛ لأن من أعظم مقصود النكاح الاستمتاع، قال الله تعالى: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [النساء: ٢٤].
مما يمنع الاستمتاع ما ذكره بقوله: (ومن وجدت زوجها مجبوبًا) أي مقطوعًا ذكره.
تزوج امرأة فوجدت المرأة هذا الزوج مجبوبًا ليس له ذكر، إما بأصل الخِلقة وإما لسببٍ حادث، فلها الخيار. إذا قال هذا الزوج المجبوب: أنا أُنفق عليكِ نفقة أحسن من نفقة الملوك، في الأكل، والشرب، وآتي لكِ بخادم وسيارة وقصر، كل ما تريدين. قالت: لا، لا أريد، اتقِ الله. يكفيكِ مني مثلًا الاستمتاع الآخر، بالتقبيل والضم وما أشبه ذلك، ودعينا من هذا، هل لها الخيار؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: كل شيء تام في حقها.
طلبة: لا، بس ناقص.
الشيخ: لكن الحق الأتم ما تم، فلها الخيار، لها أن تختار.
طيب، هل يُؤجَّل؟ إذا لم ينتظر سنة؟
طلبة: لا، ما ينتظر.
الشيخ: إن كان يُرجى نباته أُجِّلت وإلا فلا، ومعلوم أن العضو إذا قطع أي عضو من الإنسان ما يرجع. إذن لها الفسخ في الحال.
(أو بقي له ما لا يطأ به)، يعني ليس مجبوبًا نهائيًّا، لكن بقي جزء ضعيف من الذكر لا يقدر أن يطأ به؛ فلها الخيار، لها الفسخ في الحال.
إذا لم تجده مجبوبًا، لكن وجدت ذكره قصيرًا جدًّا، لا يستطيع الجماع به، فهل لها الخيار؟ نعم، لها الخيار؛ لأن هذا كالمجبوب تمامًا، لكن قد يقول الزوج: هذا من الله، ما هو بيدي، هل لها الخيار أو لا؟ انتبهوا يا جماعة؟
طالب: إذا كانت تستمتع به..
الشيخ: قلت لك: لا يستطيع، بقي ذَكَره قصير جدًّا لا يستطيع أن يُجامع.
طلبة: لها الخيار.
الشيخ: لها الخيار؟ نعم، إذا قال: هذا من الله، نقول: نعم، هذا من الله، لكن هذا من المصائب التي أصابك الله بها، فعليك أن تصبر، أو ييسر الله لك امرأة لا تريد هذا الشيء، وإنما تريد الاستمتاع، وأن تكون عند رجلٍ يحضنها وما أشبه ذلك.
كذلك أيضًا (فلها الفسخ) (وإن ثبتت عُنته) هذا القسم الأول في الواقع عدم القدرة على الوطء قد يكون من أجل الآلة -آلة الوطء، وهي الذَّكَر- إما لجبِّه أو قطعه، حتى يبقى ما لا يحصل به الجماع، أو لصغره، بحيث لا يُجامِع.
القسم الثاني: مرض في العضو مع بقاء العضو كاملًا، وهو ما يسمى بالعُنَّة، والعُنَّة عدم القدرة على الوطء، انتبه، ولهذا قال: (إن ثبتت عُنَّته بإقراره، أو ببينة على إقراره أُجِّل).
يعني إذا وجدته عِنِّينًا، إذا وجدت الزوجة زوجها عِنِّينًا، والعِنِّين هو الذي لا يقدر على الوطء، وبماذا نعلم أنه لا يقدر؟ نعلم أنه لا يقدر بأن يقر هو بنفسه أنه غير قادر على الجماع، فحينئذٍ نأخذ بإقراره؛ لأنه لا عُذر لمن أقر.
(أو ببينة على إقراره) الآن الزوجة تحاكم وتقول: إنه عِنِّين، وهو يقول إنه ليس بعِنِّين، فقالت: عندي بينة أنه قد أقر بذلك، فأتت برجلين يشهدان بأن فلان بن فلان أقر عندهما بأنه لا يستطيع الجماع، فهنا ثبتت عنته بماذا؟ ببينة على إقراره، والأول إن ثبت بإقراره بمعنى ثبت عند الحاكم، أنه لا يستطيع الجماع، فماذا نصنع؟
الجواب في هذا أن يقال: إن علمنا عدم عوده، أي عدم عوده القدرة على الجماع، فلا حاجة أن نؤجل، نقول: الفسخ من الآن، إذا علمنا أنه لا يمكن أن تعود قدرته على الجماع، فلا حاجة من التأجيل، نقول: لها الخيار من الآن، كيف نعلم؟
نعلم بالفحص عليه، فحص الأطباء عليه وقالوا: إن سبب انتشار ذَكَره -أي قيامه- مفقود بالكلية، ولا يمكن أن يعود، لا بدواء ولا بجراحة؛ يعني عملية.
فحينئذٍ نقول: لا يُؤجل، لها الخيار من الآن، أما إذا قيل: يمكن أن يعود فهو يُؤجَّل سنة، ولهذا قال: (أُجِّل سنة منذ تحاكمه) من يؤجله؟
الطلبة: الحاكم.
الشيخ: الحاكم، فيقول مثلًا إذا ثبتت العنة، يقول: لك سنة. هلالية أو فصلية؟
طلبة: هلالية.
الشيخ: أنا عندنا صبي، إذا قلت مثلًا: هل تحب الخبز أو الرز؟ قال: الرز، فإذا قلت: هل تحب الرز أو الخبز؟ قال: الخبز. فالحكم لأيش؟
طالب: للأول.
الشيخ: لا، للأخير. فالأخ لما قلت له هذا، أنا قلت في هذه الحال: هل هي هلالية أو فصلية؟
الطلبة: هلالية.
الشيخ: الدليل على ذلك قول الله تبارك وتعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ [البقرة: ١٨٩] فيُؤجَّل سنة هلالية.
فإذا قال قائل: هل هناك فرق بين الهلالية وبين الفصلية؟
قلنا: نعم، الفصلية أطول؛ لأن الفصلية متعلقة بالبروج، والبروج اثنا عشر برجًا، وأيامها أطول من أيام اثني عشر شهرًا، واضح؟ فالمهم أننا نؤجله سنة هلالية، والدليل على أنها هلالية ما ذكرته لكم.
فيقال له: الآن اليوم الثامن عشر من شهر صفر عام ستة عشر وأربع مئة وألف، لك سنة إلى ثمانية عشر من شهر صفر عام سبعة عشر وأربع مئة وألف.
إن قدرت على الوطء في هذه المدة فلست بعنين، وإن بقيت عاجزًا فأنت عنين، ولهذا قال: (أُجِّل سنة منذ تحاكمه فإن وطئ فيها) فذلك المطلوب، وزال عنه وصف العنة.
(وإلا) يعني وإلا يطأ (وإلا فلها الفسخ).
إذا قال قائل: لماذا يؤجل بسنة؟
قلنا: هذا الذي ورد عن الصحابة، أنه يُؤجَّل بسنة، ولأنه قد يكون ضعفُه عن الجماع بسبب الفصل، يعني فصل السنة، فمثلًا بعض الناس تضعف شهوته في أيام الصيف، وتنشط في أيام الشتاء، وبعض الناس بالعكس، وبعض الناس تضعف في الخريف وتقوى في الربيع، وبعض الناس بالعكس، فإذا مرت عليه الفصول الأربعة، ولم يستطع علمنا أن هذا لعلةٍ غير الزمن وغير الوقت؛ فلها الفسخ.
إذا علمنا بوصف الطب أنه لن يستطيع الجماع، نؤجل ولَّا لا؟
الطلبة: لا نؤجل.
الشيخ: لا نؤجل؛ لأنه لا فائدة من التأجيل، إذ إن المراد بالتأجيل امتحان قدرته، وهنا لا حاجة.
يقول: (فإن وطئ فيها وإلا فلها الفسخ وإن اعترفت أنه وطئها فليس بعنين) يعني لو اعترفت المرأة بأنه وطئها، ثم عجز بعد ذلك.
يعني هي قالت: إنه في ليلة العُرس جامع جماعًا طبيعيًّا، ثم بعد ذلك خلاص مات، صار لا يستطيع الجماع ولي معه سنة الآن، تقول المرأة، ولم يجامِع، فهو عِنِّين فأنا أطلب الفسْخ، هل لنا أن نجيبها؟
لا، لماذا؟ لأنها أقرت بأنه جامعها، وإذا جامعها مرة فليس بعِنين، وهذا بناءً على أن العنة لا تطرأ على الإنسان، يعني لا يمكن أن يكون الإنسان عنينًا بعد أن كان قويًّا على الجماع.
ولكن الصحيح أن العنة قد تحدث؛ لأن الإنسان مُعرَّض لفقد قواه كلها أو بعض قواه، أليس الإنسان السميع يمكن أن يلحقه الصمم؟ ويش تقولون؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: بلى، يمكن سميع يلحقه الصمم، بصير يلحقه العمى، قوي الجسم يلحقه الضعف، أيضًا قوي الشهوة فيلحقه الضعف.
فالصواب أن العُنَّة قد تحدث، وحينئذٍ إذا ثبتت عُنَّته بعد أن كان قويًّا على الجماع فإننا نؤجله سنة منذ تحاكمه ما لم نعلم أنه لن تعود قوته للجماع، فحينئذٍ لها الفسخ
. مثل أن يصاب بحادث تتلف معه الأعضاء التي تُغذِّي الذكر حتى يقوم؛ ففي هذه الحال لنا أن نحكم لها بالفسخ من الآن.
(ولو قالت في وقت: رضيت به عِنِّينًا سقط خيارها أبدًا)
هذه امرأة أول ما تزوجت زوجها أحبته، وكان يكرمها لئلا تطالبه بحق الاستمتاع، فسُئلت عن الزوج، قالت: والله الزوج رجل طيب، لكنه عِنين لا يستطيع الجماع، فقيل لها: اطلبي الفسخ، قالت: لا، الرجل طيب ودَيِّن وحبيب، وأنا رضيت به ولو كان عنينًا، ثم بعد ذلك ساءت العشرة بينها وبينه، فطالبت بالفسخ، قالت: الرجل عِنِّين، هل تُمكَّن من الفسخ؟
طلبة: لا.
الشيخ: يقول المؤلف: لا تُمكَّن؛ لأنها رضيت به عِنِّينًا فسقط حقها، وحق الفسْخ لها، فإذا أسقطته سقط، وهذا واضح؛ لأن الإنسان إذا كان الحق له فأسقطه سقط.
هل لها أن تطلب الطلاق؟ نعم، لها أن تطلب الطلاق، ويخالعها الزوج، فيقول مثلًا: أعطني مالي وأطلقكِ؛ لأن هذا أمرٌ يفوتها كثيرًا من الغرض.
ولعلكم تذكرون قصة المرأة التي طلقها زوجها ثلاثًا، فتزوجها رجل يقال له: عبد الرحمن بن الزَّبِير، ولكنه لا يستطيع الجِماع، فجاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت: إن زوجي فلانًا طلقني فبت طلاقي، وإني تزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، وأخذت ثوبها وقالت: مثل هدبة الثوب، فتعجَّب الصحابة منها، كيف تقول هذا عند الرسول عليه الصلاة والسلام؟ فقال لها: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟». رفاعة القرظي؛ لأنه زوجها الأول «لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» . ولم يُمكِّنها النبي صلى الله عليه وسلم من الرجوع إلى الزوج الأول، لماذا؟ لأن زوجها لم يجامعها.
ولهذا اشترط العلماء في حِلِّ المطلقة ثلاثًا لزوجها الأول أن يُجامعها الثاني بانتشار؛ أي بقيام ذَكَرِه حتى يذوق عسيلتها وتذوق عسيلته.

***

نبدأ بالفصل الثالث، قال: (فصلٌ)
هذا الفصل الذي انتهينا منه عيب يختص بمن؟ بالزوج.
العيوب الثانية في الفصل الثالث.
يقول: (فصل: والرَّتق، والقرَن، والعفَل، والفتَق، واستطلاق بول ونجو، وقروح سيالة في فرج، وباسور، وناصور، وخصاء، وسَلٍّ، ووجاء، وكون أحدهما خنثى واضحًا، وجنون ولو ساعة، وبَرَص، وجذام، يثبت لكل واحد منهما الفسخ، ولو حدث بعد العقد أو كان بالآخر عيب مثله).
هذا في العيوب، فالعيوب ذكرت لكم قبل قليل: هل هي محدودة أو معدودة؟
فيها قولان للعلماء: قول: بأنها معدودة، هذه العيوب معدودة، ما عداها ليس بعيب.
وقول آخر: يقول: إنها محدودة، فما هي على هذا القول؟
كل ما يُنفِّر أحد الزوجين عن الآخر ويمنع كمال الاستماع به. طيب، مثلًا اللي قرأنا الآن قرأناه عليكم، هل فيها ذِكر العمى؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما فيها؛ ذِكر الصَّمم؟
طلبة: ما فيها.
الشيخ: ما فيها؛ ذِكر الزمانة؟ يعني يكون الرجل أو المرأة محرولًا، ما يمشي، أيش؟ مذكور ولَّا لا؟ لا، ليس مذكورًا. نأخذ أدنى واحد منها، أيش أقل واحد منها؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا، يمكن الباسور، قد يكون من أسهلها، الباسور -البواسير- يعني الحمد لله سهلة، يسوي الإنسان عملية كأنما يخرج شوكة من رجله، وتنتهي.
وجد مثلًا بزوجته باسورًا، فقال: هذا عيب، لي الفسخ، قالوا: يمكن الآن نعالجه في المستشفى بيومين وتمشي، قال: لا، أبدًا، أنا أريد الفسخ وآخذ المهر كاملًا.
أما الآخر فدخل على زوجته، فوجدها عمياء صماء، يُكلِّمها: يا فلانة، أقصى ما يكون من النطق، تقول: ها، نعم، يريها الأشياء الجميلة، يقول: شوفي هذه، تقول: ما، وتقربها لعينها ما تشوف شيئًا، هل له الفسخ؟
طلبة: ليس له الفسخ.
الشيخ: ليس له الفسخ، هذه الزوجة الآن تكون عالةً عليه ولَّا متعةً له؟
الطلبة: عالة عليه.
الشيخ: تكون عالة عليه، ولا فيها دواء. شوف بينما الباسور ولو كان خفيفًا يعتبر عيبًا.
وبهذا نعرف أنه لا يمكن أن نجعل العيوب معدودة أبدًا، نقول: محدودة، أي إنسان يعلم علم اليقين أن رجلًا لو أُدخل على امرأة فوجدها عمياء صماء، كل يعرف أن هذا غلط، وهذا غرر وغش للزوج وخداع، وكذلك هي لو دخلها عليها، ووجدت الرجل أحدب، أعمى، أصم، يمشي على العصا، معتقدة أن الرجل شاب، وأنه قوي ونشيط، هل هذا عيب ولَّا غير عيب؟
طلبة: عيب.
الشيخ: غش ولَّا غير غش؟
طلبة: غش.
الشيخ: والله غش، ما أشك أن هذا غش، ونقول: ليس لها الخيار؟! سبحان الله، ولو كان به باسور يمكن يعالج بيوم واحد في المستشفى؟ قالوا: هذا عيب.
فالحاصل إن شاء الله يأتي الكلام على التفصيل في الدرس القادم، لكن هذا يُبيِّن لنا أن العلماء رحمهم الله مهما بلغوا من العلم، فإنه لن يكون علمهم تامًّا ولن يكونوا معصومين.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الرجل إذا ثبتت عُنته، وأراد أن يأخذ المهر الذي أنفقه على الزوجة من المهر و..؟
الشيخ: المال؟
الطالب: إي نعم، مهر و..؟
الشيخ: أبدًا، ما له ولا قرش، أبدًا المرأة تفسخه، ولا له شيء، لكن سيأتينا إن شاء الله، هل الفسخ بالعيوب يحتاج إلى القاضي؟ أو لمن له الحق أن يفسخ بدون شيء؟
طالب: (...)؟
الشيخ: لا، الأصل السلامة، أما قول بعض الناس، يعني الحقيقة الذين نسميهم متزمتين متنطعين، نقول: لا بد أن يُفحص على الزوج والزوجة، هل يصح يتزوجون أو لا؟
نقول: ما هو صحيح، ما هو الزوج والزوجة نحن نشوف نختبره هل فيه مرض ولَّا لا، الأصل أيش؟
طالب: السلامة.
الشيخ: الأصل السلامة.
طالب: أحسن الله إليك، هل يعتبر (...) عيبًا؟
الشيخ: بيجينا إن شاء الله يأتينا.
طالب: شيخ، قلنا: إذا كان الزوج ذكره صغير جدًّا فلها الفسخ، وإذا كان العكس؟!
الشيخ: الله يعينها عليه، يقول: لو كان ذكره صغيرًا جدًّا فلها الفسخ؟ إذا كان العكس؟ فنقول: الله يعينها عليه!
الطالب: ليس لها الفسخ.
الشيخ: نقول: الله يعينها عليه.
طالب: الآن يا شيخ فيه في الطب تركيب أعضاء صناعية، فكيف المجبوب لو ركَّب عضوًا صناعيًّا؟
الشيخ: ما ينفع يا أخي، لا تفكر، ما ينفع غير الطبيعي. مشكلة إذا صار (...) يقول: أروح أركِّب؟!
يلَّا، ما فيه أسئلة؟
طالب: (...)؟
الشيخ: صحيح، قلنا: الأصل السلامة، لكن لو ظهرت بوادر تدل على هذا المرض المعدي، فالأصل لا تتزوجه.
الطالب: (...)؟
الشيخ: إذا حدث هذا المرض المعدي فلها الفسخ.
طالب: بالنسبة لحديث المرأة لتي تزوجت عبد الرحمن بن الزبير، الآن مثلًا هو يعني ما استطاع الجماع، يعني لو رجل ما استطاع الجماع وطلقها، يحل لها أن ترجع للزوج الأول؟
الشيخ: لا، لا تحل؛ لأن الرسول قال: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» ، وهذا هو السر في أن الله تعالى قال: حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة: ٢٣٠]. ولم يقل: حتى تنكح رجلًا.
الطالب: (...).
الشيخ: كيف؟
الطالب: (...)؟
الشيخ: يعني إذا فسخت لعدم قُدرته على الجماع، لا بد تتزوج آخر ويجامعها (...).

***

طالب: وباسور، وناصور، وخصاء، وسَلٍّ، ووجاء، وكون أحدهما خنثى واضحًا، وجنون ولو ساعة، وبَرَص، وجذام، يثبت لكل واحد منهما الفسخ، ولو حدث بعد العقد أو كان بالآخر عيب مثله، ومن رضي بالعيب أو وجدت منه دلالته مع علمه فلا خيار له، ولا يتم فسخ أحدهما إلا بحاكم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن العيوب في النكاح مختلَفٌ فيها، هل هي معدودة أو محدودة؟
والصواب أنها محدودة، وأن حدها كل ما يُنفِّر أحد الزوجين عن الآخر ولا تحصل به. أما المذهب فإنها معدودة، وما عداها فليس بعيب ولو كان أعظم منها تنفيرًا
.
وسبق لنا في الفصل الأول ما يختص بالرجل، وهو ألَّا يستطيع الجِماع سواء كان ذلك بأصل الخِلقة أو حدث بعد ذلك فإنه من العيوب.
ثم ذكر في هذا الفصل العيوب المشتركة والخاصة أيضًا فقال: (والرَّتق، والقرن، والعفل، والفتق، واستطلاق بول ونجو) إلى آخره.
(الرتق، والقرن، والعفل، والفتق) كلها عيوب مختصة بالفرج؛ فرج الأنثى.
(فالرتق) معناه أن يكون الفرج لا يسلكه الذَّكر، مسدود، لا يمكن أن يسلكه الذكر، وهذا لا شك أنه عيب؛ لأنه يُفوِّت الاستمتاع.
كذلك (القرن) أن يكون الفرْج، يمكن سلوك الذَّكَر فيه لكنه مُقترِن مخرج البول مخرج المني.
(العفل) أن ينبت فيه شيء زائد.
أما (الفتق) فهو انفتاح ما بين مخرجي البول والمني. المهم أن كلها عيوب مختصة بفرج المرأة، فيكون من العيوب المختصة بالمرأة.
(استطلاق بول ونجو) هذا عام مشترك؛ يعني أن الزوجة بها سلس البول، أو الزوج به سلس البول، هذا لا شك أنه عيب، من يستمتع بامرأة فيها سلس البول، أو المرأة تستمتع برجل فيه سلس البول دائمًا؟
(النجو) يعني الغائط، وهل مثلها الريح؟ الجواب: نعم؛ لأن الريح تبعث رائحة كريهة.
(وقروح سيَّالة في فرج) هذا خاص ولَّا مشترك؟ خاص، الفرج فرج الأنثى.
(قروحٌ سيَّالة) وظاهر كلام المؤلف أنه إذا كان فيه جروح لكن ليست سيَّالة؛ فليس بعيب.
والصواب -بلا شك- أنه عيب
؛ لأن الجروح السيالة هي التي تفرز مادة عفنة، وغير السيالة التي لا تفرز لكنها جرح منجرح، يكون فيه دم، يكون فيه مادة، لكن ما تسيل.
والصواب أن هذا عيب بلا شك؛ لأن النفس تتقزز من جماعها وفي فرجها قروح.
(وباسورٌ وناصور) مشترك ولَّا خاص؟
طالب: مشترَك.
الشيخ: (الباسور والناصور) يقول الشارح: إنهما داءان في المقعدة، وهما معروفان، فهما عرقان ينفتحان، فيخرج الدم من الإنسان باستمرار، وهذا لا شك أنه عيب؛ لأنه يُنفِّر كل واحدٍ عن الآخر.
(وخِصَى) خاص ولَّا عام؟
طلبة: خاص.
الشيخ: خاص بمن؟
الطلبة: بالرجل.
الشيخ: بالرجل. (وسَل)؟
طالب: عام.
طالب آخر: مشترك.
الشيخ: هذا خاص.
(سَل) يعني سل للخصيتين، ما هو السِّل المعروف. السِّل المعروف لا شك أنه مرض يكون في الرجل والمرأة، لكن مع ذلك ليس بعيب.
طالب: عندنا بكسر السين.
الشيخ: لا، الصواب بالفتح (سَل) يعني سلًّا للخصيتين. طيب لماذا كان سل الخصيتين وخِصائهما عيبًا؟ لأنه يبطل الشهوة إما بالكلية، وإما يضعفها جدًّا، ثم إنه أيضًا يمنع من النسل؛ لأن النسل إنما يكون بالمني، والمني لا يطبخه إلا الخصيتان، وإذا فُقِد الخصيتان فلا نسل، بل ولا جِماع كامل.
ما الفرق بين الخصاء والسل؟ الخصاء أن تُقطع الخصيتان مع الجلد، والسل يُفتح الجلد وتُسل الخصيتان، ويبقى الجلد كما هو، هذا هو الفرق.
(ووِجاء) الوجاء بمعنى الرض؛ يعني تُرَضُّ الخصيتان، فهذا أيضًا عيب.
(وكون أحدهما خنثى واضحًا) هذا عيب أيضًا، يكون الرجل خنثى واضحًا، له ذَكَر يُجامِع به كما يجامع الذَّكَر، لكن له فرج أنثى سواء كانت فوق آلة الذكر ولا تحتها، هل المرأة تتلذذ برجل يجامعها وله فرج؟ أبدًا ما تتلذذ.
ولو كان خنثى واضحًا، واضح أنه أنثى، في هذه الحال كيف يجامع الإنسان أنثى لها آلة ذكر؟ وممكن عند الجماع ينتشر هذا الذكر، ومشكلة.
على كل حال كون أحدهما خنثى واضح لا شك أنه عيب، ومن أكبر العيوب.
وكون أحدهما خنثى مشكلًا؟ النكاح لا يصح، ولهذا لم يقل: خنثى وسكت، بل قال: (خنثى واضحًا)؛ لأن الخنثى المشكل لا يصح نكاحه، لا باعتباره أنثى، ولا باعتباره ذكرًا.
(وجنون ولو ساعة) إذا كان أحدهما يُجَنُّ ولو مرة واحدة في السنة؛ فهذا عيب نسأل الله العافية.
(وبرص وجذام) البرص داء معروف، وهو عبارة عن خلاف لون الجلد إلى بياض، هذا عيب.
وظاهر كلام المؤلف لا فرق بين أن يكون كثيرًا أو قليلًا، يعني لا فرق بأن يكون الإنسان كله -والعياذ بالله- انقلب إلى برص، أو قليلًا متوزعًا في الجسم ظاهرًا، أو قليلًا متوزعًا في الجسم باطنًا، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وجه ذلك، أنه أطلق، قال: (برص)، ولم يقل: برص يعم، ولم يقل: البرص ظاهر، أطلق، وعلى هذا فلو يكون بين كتفيه بُقعة من البرص كعين الجرادة، تعرفون عين الجرادة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: فهو عيب ولَّا غير عيب؟ هذا عيب، لها أن تفسخ. وكذلك بالعكس لو كان في المرأة فله أن يفسخ.
(وجُذام) الجذام مرضٌ معروف والعياذ بالله، إذا أصاب الإنسان مات؛ لأنه يسعى، إذا أصاب أحد الأعضاء، أجارنا الله وإياكم من الشر؛ فإنه يسعى حتى يقضي على الإنسان، الجذام لا شك أنه عيب، بل إنه يجب الفسْخ إذا علمنا أن أحدهما أصابه جذام وجب الفسخ؛ لأن الجذام معدٍ واضحة عدواه، حتى إن العلماء قالوا: يجب على السلطان أن يعزل الجذمى في مكان واحد لئلا يختلطوا بالناس فينتشر هذا الداء.
وظاهر كلام المؤلف أنه وإن أمكن دواء الجذام؛ لأنه إذا أمكن فإما أن يُمكن بقطع العضو، كاليد مثلًا لو أصاب اليد، إذا قُطِعت يده فهذا لا شك أنه عيْب، وإما أن يكون بالأدوية، فالأدوية الغالب أنها لا تنجح فيه.
قال: (يثبت لكل واحد منهما الفسخ) إلى آخره، (منهما) الضمير يعود على الزوجين، فلو وجد الإنسان في زوجته قرنًا فله الفسخ. ولو وجدت أن زوجها خصي، فلها الفسخ.
قال المؤلف: (ولو حدث بعد العقد) وهذه إشارة خلاف؛ لأن من العلماء من يقول: إذا حدث هذا بعد العقد وهو لا يتعدى ضرره فليس لها الفسخ، إذا حدث وهو لا يتعدى ضرره فليس لها أن تفسخ، مثل: استطلاق البول؛ يعني لو أن الزوج أصابه سلس البول، فليس لزوجته الفسخ على القول الصحيح؛ لأن هذا شيء حدث.
وكذلك لو حدث به برص وقال الأطباء: إنه لا يُعدي، فليس لها الفسخ؛ لأنه لم يضرها.
وقال: (أو كان بالآخر عيب مِثلُه) فله الفسْخ.
يعني لو قالت الزوجة: إن زوجي أبرص، فيه برص، فأنا أريد الفسْخ، وكانت هي أيضًا بَرْصاء، فلها الحق أن تفسخ، فإذا طالبت بالفسخ، وقال: لمَ؟ قالت: لأن فيك برصًا. قال: وأنتِ فيكِ برص، يقول هكذا ولَّا لا؟ نعم، يقول هكذا، لكنها تقول: إن الإنسان ينفر من عيب غيره، ولا ينفر من عيب نفسه، صحيح هذا ولَّا غير صحيح؟ صحيح، الإنسان ينفر من عيب غيره ولا ينفر من عيب نفسه.
ولذلك تجد الإنسان يستنجي، ويمس النجو بيده، لكن لو قيل له: مس نجو فلان؟ ما يستطيع، أبدًا، بينما هو بكل سهولة يغسل النجوى من دبره ويمس الخارج، ولا يرى في هذا بأسًا، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: طيب، شيء آخر، الإنسان يتمخط، ولا يرى ذلك عيبًا في نفسه، لكن لو تمخط إنسانٌ أمامه تقززت نفسه، صحيح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذن إذا قال: أنتِ برصاء، تقول: نعم، هي برصاء، لكن الإنسان ينفر من عيب غيره، ولا ينفر من عيب نفسه، لكن عاد يبقى إذا كان قد علم بأنها برصاء فليس له خيار، وإن لم يعلم فله الخيار، وحينئذٍ يرجع على من غرَّه أو يسقط المهر في هذه الحال؟
هو غارٌّ ومغرور أيضًا، هنا لا يرجع، كيف يرجع؟ لأن هي أيضًا تقول: أنا أريد الفسخ، وإذا أردت الفسخ فلي المهر كاملًا.
وقد نقول: إنه يرجع على من غرَّه، لكن من غرَّه لا يرجع عليها؛ لأنها هي أيضًا مغرورة. ولعل هذا أوجه، وسنحرره إن شاء الله تعالى فيما بعد.

طالب: مسألة سبقت ما وضحت لديَّ.
الشيخ: وهي؟
الطالب: قلنا: إن المرأة تطلب الخيار شهرًا مثلًا، تقول: لي الخيار شهرًا بعد الزواج.
الشيخ: هذه الشروط في النكاح.
الطالب: نعم، فهل نقول في خلال هذا الشهر: إذا انتهى الشهر، وقالت في نهاية الشهر: قررت الفسْخ.

الشيخ: بعد انتهاء الشهر لا تملك هذا.
الطالب: قبل نهاية الشهر.
الشيخ: لها ذلك.

الطالب: وكيف يكون المهر خاصة أنه قد يكون دخل عليها؟
الشيخ: هو ينبغي إذا اشترط الخيار ألا يستمتع بها، كما قلنا فيما لو باع بعيرًا، واشترط الخيار ما يستعملها؛ تبقى حتى يتبين هذا أو هذا.
فنقول: الآن ما دام لها الخيار لا (...)، فإن كان قد دخل بها، فالخيار بأن تقول: أنا أريد فسخ النكاح، وتفسخ النكاح.

الطالب: يُسمى طلاقًا؟
الشيخ: لا، يُسمى فسخًا.

طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ما الفرق بين الخنثى الواضح والخنثى المشكل؟ كيف يعني يصح (...)؟
الشيخ: الفرق بينهما أن الواضح هو أن تظهر فيه خصائص الرجال، أو خصائص النساء، فمثلًا إذا كان يبول من ذَكَرِه، ولا يبول من الفرج؛ يعني له فرج وله ذَكَر، لكنه يبول من الذكر ولا يبول من الفرج، هذا واضح أنه ذَكَر، وإذا كان يبول من الفرج دون الذكر، فواضح أنه أنثى.
أما المشكل فأن يبول منهما جميعًا، هذا ما ندري، ما مدام يبول منهما جميعًا لا نعلم هل هو ذكر ولَّا أنثى، فإن تزوجه ذكر، قلنا: لعله يكون ذكرًا فيكون جماعه لِواطًا، وإن تزوجه أنثى، قلنا: لعله يكون أنثى، فيكون نكاحه مساحقة، واضح يا جماعة؟ ما فيه إشكال.

طالب: إذا كان الرجل له خصية واحدة، والمرأة..
الشيخ: لا، ليس لها الفسخ؛ لأن الإنسان قد يجامع جماعًا تامًّا بالخصية الواحدة.

طالب: (...) قليل: لها الفسخ، ولو كان (...)؟
الشيخ: على كل حال في الحقيقة يختلف، هذا لو كان النقطة كما مثلنا نحن بأنها نقطة كعين الجرادة بين الكتفين، هذا خفي جدًّا، ولا يقتضي التنفير، لكن لو كانت هذه بالوجه أثَّرت.
إنما نحن نقول: الفقهاء يقولون مطلقًا: حتى وإن لم يحصل فيه تنفير، ونحن مثلنا بذلك؛ لأنه سيأتينا إن شاء الله أن هناك عيوبًا لا يرون الفسخ بها مع أنها أولى.
يعني لو أن إنسانًا دخل على زوجته فوجدها عمياء، بكماء، صماء، زمنى، مُقوَّسة، مُشوَّهة الوجه؛ لا تعدل فراشها أيضًا، يقول: هذه ما هي عيب، هذا ليس بعيب، إذا كانت هذه ليست بعيوب، فما في الدنيا عيب أبدًا، ونقطة من البرص بين الكتفين يعتبرونها عيبًا.
الشريعة ما تأتي بمثل هذا إطلاقًا، يدخل على المرأة بهذه الصفة، ويقول: سلامٌ عليكم، وهي لا تستطيع أن تقول: ويش تقول؟ كيف هذا! نسأل الله العافية. (...).

***

طالب: قال: ومن رضي بالعيب، أو وجدت منه دلالته مع علمه فلا خيار له، ولا يتم فسخ أحدهما إلا بحاكم، فإن كان قبل الدخول فلا مهر، وبعده لها المسمى، ويرجع به على الغار إن وجد، والصغيرة والمجنونة والأمة لا تُزوَّج واحدة منهن بمعيب، فإن رضيت الكبيرة مجبوبًا أو عِنينًا لم تمنع، بل من مجنون ومجذوم وأبرص، ومتى علمت العيب أو حدث به لم يجبرها وليها على الفسخ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
سبق لنا أن العيوب -عيوب النكاح- انقسم فيها العلماء إلى قسمين:
منهم من قال: إنها معدودة، ومنهم من قال: إنها محدودة.
فما هو القول الراجح من القولين؟
طالب: محدودة.
الشيخ: كيف محدودة يا شيخ؟!
الطالب: الأفضل أنها معدودة.
الشيخ: معدودة، هذا القول الراجح. لكن هناك سهامٌ أخرى موجهة لك.
طالب: الصحيح أنها محدودة، وليست معدودة.
الشيخ: أي الرجلين توافقون؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: هي في الواقع محدودة، وضابطها كل ما ينفر أحدهما عن الآخر، ويمنع كمال الاستمتاع به. هذا الضابط.
والقول بأنها معدودة؛ يعني قول ضعيف لا شك،
وما جاء عن السلف في مثل هذه الأشياء يقاس عليه ما هو مثله، أو أولى منه. أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: طيب، حكم الفسخ إذا وُجد هذه العيوب؟
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن رضي بالعيب، أو وجدت منه دلالته مع علمه؛ فلا خيار له) من رضي بالعيب فلا خيار له بعد ذلك؛ لأنه أسقط حقه من الفسخ. مثال هذا: امرأة وجدت زوجها عِنِّينًا لا يتمكن من الجِماع، فقالت: رضيت به، ثم بعد ذلك رجعت، فهل لها أن ترجع؟ لا.
وجدت زوجها فيه برص فرضيت به، ثم عادت لتطالب بالفسخ، فلا يمكن أن تفسخ، وهلم جرًّا.
ووجه ذلك؛ أي وجه كونها إذا رضيت فلا خيار لها: أن الحق لها وأسقطته.
وقوله: (أو وجدت منه دلالته مع علمه) (وجدت منه دلالته) أي دلالة الرضا.
(مع علمه) أي بالعيب. الضميران مختلفان، (وجدت منه دلالته) الضمير يعود على الرضا (مع علمه) أي بالعيب؛ أي: يعلم العيب. مثاله: امرأة مكَّنت نفسها من زوجها، تمكينها من زوجها وهو معيب دليل على الرضا، واضح؟
لكن إذا كانت لا تعلم فإن حقها من الفسْخ لا يسقط، وإن كانت لا تعلم فإن حقها من الفسخ يسقط؛ لأن تمكين زوجها من الاستمتاع بها مع علمها بالعيب دليل على رضاها بذلك، فلا يكون الفسخ بعد هذا.
فإن مكنته من نفسها وهي لم تعلم، فما الحكم؟ لها الخيار إذا علمت؛ لأن تمكينها صادر عن غير علم.
(ولا يتم فسْخ أحدهما إلا بحاكم) لم يقل: ولا يتم فسخها، ولم يقل: لا يتم فسخه، بل قال: (أحدهما)؛ لأن العيب قد يكون في الزوج دون الزوجة، أو في الزوجة دون الزوج.
(إلا بحاكم) إذا سمعتم كلمة حاكم في كلام الفقهاء فالمراد به القاضي؛ لقول الله تعالى: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ [ص: ٢٦].
فإذا وجَدَت المرأة في زوجها عيبًا، فقالت: أريد الفسخ، ثم أشهَدَت رجلين، قالت: إني قد فسخت النكاح، فإنه لا يتم الفسخ، لماذا؟ لأنه ليس بحكم حاكم، حتى تذهب إلى القاضي، وتطلب منه أن يفسخ النكاح، وإلا فلا.
إذا قال قائل: لماذا يفتقر هذا الأمر إلى فسْخ الحاكم، مع أن هذا حقٌّ لها؟
أرأيتم لو وجد بالسلعة التي اشتراها عيبًا، هل يفسخ، أو يذهب إلى الحاكم ويقول: افسخ؟
الأول: يَفسخ. فلماذا لا يكون هذا مثله؟
قلنا: هذا لأنه عقد نكاح، فيُحتاط له أكثر؛ ولأنه ربما يأتي قاضٍ يرى أن هذا العيب الذي من أجله فسخت ليس عيبًا، فيحكم ببقاء النكاح، فإذا ذهب إلى الحاكم وفسخ العقد صار هذا حكمًا وحُكم الحاكم لا يُنقض؛ ولأن ذلك أحوط في الواقع، أحوط لئلا يقع النزاع.
قد يقول الزوج: هذا ليس بعيب، وتقول هي: إنه عيب، وما أشبه ذلك.
إذا تم الفسخ، فهل عليها عدة، وهل لها مهر، أو ماذا؟
نقول: أما مسألة العدة فإن كان بعد الخلوة، أو الدخول يعني الجماع، فإن عليها العدة، وإن كان قبل ذلك فلا عدة عليها؛ لأن كل فراق يكون بين الزوجين قبل الدخول والخلوة فإنه لا عدة فيه.
يقول رحمه الله: (فإن كان قبل الدخول فلا مهر) هذه مسألة المهر أيضًا إذا كان قبل الدخول يعني والخلوة فلا مهر؛ لأن العيب إن كان فيها، فهي المتسببة له، وإن كان في الزوج، فهي التي اختارت الفسخ؛ فليس لها مهر.
نقول: إذا كان قبل الدخول والخلوة فلا مهر، لماذا؟ لأن العيب إن كان في الزوج فهي التي فسخته -فسخت العقد- وإن كان فيها فهي السبب؛ إذا كان العيب فيها، فإنها لا تستحق شيئًا، وهذا واضح؛ لأنها هي السبب في الفسخ، فإذا كانت هي السبب في الفسخ فليس لها شيء، مثال ذلك: عقد على امرأة، وبعد أن عقد عليها ثبت عنده أنها رتقاء، لا يمكن مجامعتها، ففسخ النكاح، هل لها مهر؟ لا؛ لأنها هي السبب.
عقَد على امرأة، ولم يدخل عليها، ثم تبين أن الرجل عِنِّين لا يستطيع الجماع، ففسخت هي قبل الدخول والخلوة، يقول المؤلف: ليس لها المهر، ليش؟ لأنها هي التي فسخت، كيف تفسخ هي ثم نقول: لها نصف المهر؟
أفهمتم الآن ولَّا لا؟ ولَّا لأن القول ضعيف ما أنتم فاهمون؟
نقول: إذا كان الفسْخ قبل الدخول والخلوة فليس لها مهر، لا نصفه ولا كله، لماذا؟ إن كان العيب فيها فهي السبب، الزوج معذور، ثم قد تكون قد غرَّته أيضًا، فلا نمكن الغار من الخديعة والعِوَض، وإن كان العيب في الزوج، وقالت: أنا ما أبغيه، لا أريد زوجًا معيبًا، يقول: لأنها هي التي فارقت؛ فالفُرقة من قِبلِها.
لكن القول الراجح المتعين أنه إذا كان العيب في الزوج فعليه نصف المهر؛ لأنه هو السبب في الفسخ، ومعلوم أنه إذا طلَّق قبل الدخول فلها نصف المهر؛ لقوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ
[البقرة: ٢٣٧].
الخلاصة إذا كان الفسخ قبل الدخول والخلوة فلا مهر للزوجة على كلام المؤلف سواء كان العيب فيها أو في الزوج. والصحيح أنه إذا كان العيب في الزوج فلها نصف المهر؛ لأنه الذي غرها.
(وبعده لها المسمى) بعده أيش؟ بعد الدخول، (لها) أي للزوجة (المسمى) هذا صفة لموصوف محذوف والتقدير: المهر المسمى، لها المهر المسمى قل أو كثر.
مثال ذلك: رجل تزوج بامرأة ودخل عليها، وبعد الدخول تبين أن فيه عيبًا -هو- ففسخت النكاح، فهل لها المهر؟
طلبة: (...).
الشيخ: لا إله إلا الله، بعد الدخول، نعم، لها المهر كاملًا بما استحل من فرْجها، فتُعطى المهر كاملًا وتفسخ النكاح. هذا واحد.
وإن وجدت فيها فلها المهر أيضًا، لماذا؟ لأن المهر استقر بالدخول، فلها المهر كاملًا، فإذا كان هذا الرجل -يا جماعة- قد أمهرها مئة ألف ريال، وتبين أن فيها عيبًا، ولا تمكنه الإقامة معها، ففسخ العقد معها من أجل هذا العيب، فهل يسترد مئة ألف ريال؟ أو هو لها؟
طلبة: هو لها.
الشيخ: هو لها، يقول المؤلف: (ويرجع به) أي بهذا المهر (على الغار إن وُجِد) يرجع به من؟
طلبة: الزوج.
الشيخ: الزوج، على من غرَّه إن وُجِد، فمن الذي غره؟ الذي غره الولي؛ لأنه هو الذي عقد.
لكن المؤلف يقول: (إن وُجِد) فإذا قال الولي: أنا ما علمت بالعيب، ولا غررت ولا خدعت. ننظر، هل الزوجة قد غرته؟ إن كانت قد غرته رجع عليها به؛ لأن قول المؤلف: (على الغار) يشمل الزوجة والولي، فإذا قالت: أنا ما علمت بالعيب إطلاقًا، فهل يرجع بالزوج على أحد؟
طلبة: لا يرجع.
الشيخ: إي نعم، لا يرجع وهو حقيقة، هذا هو الصواب،
لا يرجع على أحد، لكن قد تقولون: كيف لا تعلم والعيب فيها؟ نعم، يمكن، قد تكون نقطة من البرص بين كتفيها، هذا يمكن ألَّا تعلم ولَّا لا يمكن؟
الطلبة: يمكن.
الشيخ: يمكن ألا تعلم، يعني الإنسان حتى لو اغتسل مثلًا وخلع ثوبه ما يستطيع ينظر الذي بين كتفيه، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: إذن هي لا تعلم، تقول: والله ما علمت بهذا الشيء، والمغتسل يغتسل وحده أيضًا، ما هو عند أحد حتى نقول: إذا لم تشاهده أنت، شاهده مَنْ حولك، فهذا يمكن أن يوجد.
وخلاصة الكلام الآن: إذا كان الفسخ قبل الدخول والخلوة فلا مهر، سواءٌ كان العيب في الزوج أو في الزوجة. والصحيح أنه إذا كان العيب في الزوج فلها نصف المهر.
إذا كان بعد الدخول والخلوة فلها المهر كاملًا، ويرجع به الزوج على من غرَّه إن وُجِد، فإن كانت الزوجة قد أخبرت الولي بالعيب لكن الولي قال: ما راح أشترط على الزوج، ولعل الله يشفيها مثلًا من هذ المرض، أو ما أشبه ذلك، فالغار من؟ الولي، وإن كانت الزوجة لم تُخبر الولي فالغار الزوجة.
وإن كانت الزوجة لم تعلم بالعيب فلا غرور، وعلى هذا فلا يرجع بالمهر على أحد.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، قلنا: إذا كان العيب من الزوج، إذا كان الفسخ منها والعيب من الزوج فإنه عليه نصف المهر قبل الدخول والخلوة.
الشيخ: كيف؟
الطالب: إذا كان الفسخ منها لعيب في الزوج قبل الدخول والخلوة فيفترض نصف المهر.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: واستدللنا بالآية، لو قيل لنا يا شيخ: الآية دليل علينا لا لنا؛ لأن الله عز وجل قال: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ [البقرة: ٢٣٧] الفاعل هو الزوج، فهنا الطلاق من الزوج.
الشيخ: الفسخ.
الطالب: الفسخ، مصلحته له فلا مهر.
الشيخ: إي، لكنه غرها، فيكون كالمطلِّق.
الطالب: هذا من باب التأديب؟
الشيخ: باب التأديب، وباب الواقع؛ لأنه لما كان هو السبب صار كأنه هو الفاعل، السبب أن فيه عيبًا مكتومًا.
الطالب: هي الآن لم تخسر بل هي الرابحة.
الشيخ: لا، أبدًا، هي اللي خسرت؛ لأن بعض الناس إذا عُقد على المرأة صارت ما هي مرغوبة.
طالب: ذكرنا أن العيوب الصحيح فيها أنها محدودة، فإن اختلف الزوج والزوجة، الزوج يقول: إنه عيب والزوجة تقول: لا، هذا إشكال؟
الشيخ: يرجع إلى أهل الخبرة، وإلا بعض الناس نعم مثلما قلت ربما مثلًا يكون أنفه مثلًا ليس مستقيمًا مفرطحًا نقول: هذا عيب، أنا لو دريت أن أنفه على هذه الصفة ما خطبته وهو ليس بعيب، المهم يرجع لأهل الخبرة.
طالب: شيخ، ما المراد بالدخول؟ هل هو الخلوة أو؟
الشيخ: الدخول هو الجماع.
طالب: بارك الله فيك، يا شيخ بالنسبة لمسألة الزوج طلع مريض الزوج عِنِّين امرأة تزوجت رجلًا..
الشيخ: تبين أنه عِنِّين، طيب.
الطالب: (...) الزوجة يكون لها النصف.
الشيخ: الفسخ.
الطالب: (...).
الشيخ: لمن؟
الطالب: (...).
الشيخ: إذن فالفراق قبل الدخول ما فيه إلا النصف.
الطالب: (...)؟
الشيخ: أبدًا. وفسخت قبل الدخول؟
طالب: إذا فسخت قبل الدخول فلها النصف على القول الصحيح (...).
الشيخ: أحسنت، سمعتم الجواب؟ إذا وجدت في زوجها عيبًا وهو في الظاهر قبل الدخول فعلى كلام المؤلف ليس لها المهر، وعلى القول الراجح: لها نصف المهر؛ لأن الفسخ بسببها، وإذا علمت بعد الدخول؟
طالب: إذا علمت بعد الدخول فإنه يلزم المهر كاملًا لما استحل من فرجها.
الشيخ: نعم، والزوج له حقه؟
الطالب: ويعود الزوج على من غرَّه بموجب.
الشيخ: طيب، صح، إذا كان بعد الدخول فإن لها المهر كاملًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» . في غير هذه المسألة، ويرجع الزوج به على من غرَّه.
طيب فإن لم يوجد غرر؟
طالب: إذا لم يوجد غارٌّ يرجع إلى وليها.
الشيخ: لا الولي ما يدري وهي أيضًا لم تعلم.
الطالب: يرجع للزوجة.
الشيخ: الزوجة ما علمت، يعني هي ما غرَّت الزوج، وقد مثلنا بهذا، وسنطلب منك المثال، يعني ما فيه معلوم؟
طالب: لا يرجع.
الشيخ: لا إله إلا الله، مئة ألف سلَّم في المهر، تروح عليه على هكذا؟ أيش تقولون يا جماعة؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؟ نعم، صحيح؛ لأنه ما فيه أحد غرَّه، والله عز وجل قد يُقدِّر الخسران على شخص بأي سبب من الأسباب.
طيب هل يمكن أن تكون صورة ليس فيها غرور؟ نعم.
طالب: قد يكون يعني برص صغير بين كتفيها ولا تعلم.
الشيخ: لكن هذا المثال اللي ذكرنا، طيب، ممكن يكون في الظهر أيضًا، أحد منكم يستطيع أن ينظر إلى ظهره؟
طالب: لا.
الشيخ: أبدًا، إلا بمرايا، والإنسان ما هو راح يفتش، طيب هذه صورة ما فيها غرور؛ فلا يرجع الزوج على أحد، طيب بارك الله فيكم.
طالب: شيخ، قلنا بقول المؤلف: (لو كان في الآخر عيب مثله) قلنا: سنحررها إن شاء الله فيما بعد.
الشيخ: إي، لو هو الفسخ ثابت، لكن الكلام على المهر، ولا الفسخ له ذلك لكن الكلام على المهر، فأما على المذهب، المسألة واضحة، إذا فسخ قبل الدخول فإنه ليس لها مهر سواء فيها عيب أو ما فيها، وإذا كان بعد الدخول فلها المهر بما استحل من فرجها، والظاهر أن هذا ينبني على ما ذكرنا سواء كان في الآخر عيب مثله أم لا.
طيب يقول رحمه الله: (والصغيرة، والمجنونة، والأمة لا تُزوَّج واحدة منهن بمعِيب). الصغيرة لا تُزوَّج بمعيب، ولو علم الولي بذلك؛ لأن هذا من خيانة الأمانة، فإذا علِم الأب مثلًا أن هذا الخاطب فيه عيب وهو أنه لا يقدر على الجماع فإنه لا يُزوِّج الصغيرة ولو كانت بنته، لماذا؟ لأن هذا من باب خيانة الأمانة.
وكذلك الصغيرة (والمجنونة) لا تُزوَّج بمعيب، وظاهر كلام المؤلف ولو كان ذلك لمصلحتها، مثل أن يُزوِّجها رجلًا لا يستطيع الجماع فظاهر كلام المؤلف أنها لا تزوج.
وفي هذا نظر، بل يقال: إن المجنونة إذا كان من مصلحتها أن تزوج هذا المعيب فلنزوجها؛ لأن المجنونة كما تعلمون لا يرغبها كل الناس، لكن يأتيها إنسان مثلًا فيه عيب ويقول: أنا أستمتع بها وأصبر على جنونها، فهل من المصلحة ألَّا تُزَوَّج؟
طلبة: تُزَوَّج.
الشيخ: من المصلحة أن تزوج، وعلى هذا فيكون في إطلاق المؤلف بما يتعلق بالمجنونة نظر، ويقال: إن المجنونة تُزوَّج بالمعيب إذا كان العيب لا يتعدى إلى نسلها، أو إلى ضرر فيها؛ فالذي يتعدى إلى النسل مثل البرص والذي يتعدى إلى ضررها هي.
أقول: المجنونة تزوج معيبًا بشرط ألَّا يكون عليها في ذلك ضرر، وألَّا يتعدى عيبه إلى نسلها.
طيب هل تزوج بأجذم؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، يعني مجذوم؛ لأن هذا يتعدى إلى نفسه، لا، مو إلى نفسه، إلى نفسها هي ضرر، عليها ضرر؛ إذ إن الجذام مرض مُعْدٍ.
وهل تُزَوَّج بأبرص؟ لا؛ لأن هذا يتعدى إلى النسل، الغالب من البرص يكون وراثة.
فعلى هذا نقول: المجنونة ليست على ما قال المؤلف أنها لا تُزَوَّج بمعيب، بل نقول: إذا اقتضت المصلحة أن تُزَوَّج بمعيب فإنها تُزَوَّج بشرط أن لا يتعدى ضرر العيب إليها أو إلى نسلها، مثال المتعدِّي إليها: الجذام، والمتعدي إلى نسلها: البرص.
وكذلك يقول: (الأمة) لا تُزَوَّج بمعيب، وإن كان السيد يقول: هذه أمتي أنا أُزوِّجها من شئت، نقول: لا يا أخي، هذه أمانة فلا تزوجها بمعيب.
وظاهر كلامه ولو كانت كبيرة ولو رضِيت بعيب لا يتعدى ضرره، وهذا فيه نظر، بل إذا كانت كبيرة ورضِيت بمعيب لا يتعدى ضرر عيبه إليها.
فالصواب أن ذلك جائز؛
لأنه قد يكون عنده مثلًا أَمَة لا يريدها ولا يشتهيها ولكنها شابة تطلب النكاح، فإذا تقدم إلى خطبتها أحد من الناس وفيه عيب لا يتعدى ضرره، فما المانع من أن نُزوجها؛ لأنها بالغة عاقلة رشيدة ترضى بهذا العيب؟ فتبين الآن أن الأمة فيها أيضًا تفصيل كما أن المجنونة فيها تفصيل على القول الراجح.
فإن رضيت الكبيرة ويش نقول؟
الكبيرة العاقلة الحرة؛ لأنه سبق أن الصغيرة والأمة لا تزج بمعيب مطلقًا، فإن رضيت الكبيرة العاقلة الحرة مجبوبًا أو عِنِّينًا لم تمنع، لماذا؟ لأن الحق في الجماع لها، فإذا رضيت بالمجبوب الذي لا يستطيع الجماع فلها ذلك ولا نمنعها.
فإذا قال أبوها مثلًا: أنا أريد أن يكون لكِ أبناء وبنات. قالت: ما عليك مني، أنا أريد هذا الزوج إما لعلمه، أو ماله، أو خلقه، أو غير ذلك، هو لا يستطيع الجماع، لكن تقول: ما أريد الجماع، أنا أريد أن أتصل بهذا الشخص الذي أنا أرضاه فهل يمنعها أو لا؟ لا يمنعها، لماذا؟ لأن الحق في الجماع لها، فإذا رضيت بزوج لا يُجامِع فلها ذلك.
وقوله: (مجبوبًا أو عِنِّينًا) الفرق بينهما أن المجبوب لا ذَكَرَ له، مقطوع، ومثله إذا كان ذكرُه صغيرًا لا يتوصل به إلى الجماع؛ وأما العِنِّين فهو الذي له ذكر لكنه لا يستطيع الجماع.
(بل من مجنون ومجذوم وأبرص) يعني تُمنع الكبيرة من هؤلاء الثلاثة، المجنون ليش؟
طلبة: لأنه يضر.
الشيخ: نعم، لأنه ربما يقتلها، مجنون، فإذا قالت: أنا أريد هذا المجنون، امرأة أيش تبغي عند المجنون؟ قالت: أريده، هل لأبيها أن يمنعها من ذلك؟ نعم، يمنعها لما في ذلك من الضرر عليها، وربما ضرر على أولادها فيما بعد أيضًا لو جاءت منه بأولاد.
المجذوم كذلك له أن يمنعها لو قالت: إنها ترضى بالمجذوم الذي فيه مرض الجذام فقال وليها: لا، فله ذلك، لماذا؟ لأن الجذام مرض مُعْدٍ، وهي إذا رضيت بهذا المجذوم فهي سفيهة والله عز وجل يقول: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ [النساء: ٥]. فإذا كان السفهاء لا يعطون أموالهم فكذلك لا يعطون نفوسهم.
الأبرص؟ كذلك تُمنع، لو قالت الكبيرة العاقلة الحرة إنها تريد الأبرص، تقول: ما عليكم مني؟ قلنا: لا؛ لأن هذا ينتشر إلى النسل، وهذا ضرر، فصارت الكبيرة العاقلة الحرة إن رضيت معيبًا لا يتعدى عيبه إليها ولا إلى نسلها فإنها لا تُمنَع، وإن كان يتعدى إليها كالجذام، أو إلى نسلها كالبرص، وكذلك المجنون؛ لأنه يتعدى إليها فإنها تمنع.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ومتى علمت العيب، أو حدث به) يعني بعد العقد (لم يجبرها وليها على الفسخ).
شوف الولي يمنع من عقد النكاح، ولا يمنع من استدامته؛ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء، وهذه قاعدة فقهية معروفة: الاستدامة أقوى من الابتداء، وقد دل على هذه القاعدة ثبوت بقاء الطيب بعد الإحرام إذا تطيب قبل الإحرام ومنع ابتداء الطيب بعد الإحرام.
الرجل المحرِم لو أراد أن يتطيَّب بعد إحرامه، أيُمنع أو لا؟
طلبة: يُمنع.
الشيخ: اللهم اهدنا فيمن هديت.
رجل محرم أراد أن يتطيب بعد الإحرام، بعدما قال: لبيك عمرة، أو لبيك حجًّا، فقال: أنا أجد رائحة كريهة فأُريد أن أتطيب؟ يُمنع. رجل آخر تطيب قبل عقد الإحرام، وبقي الطيب بعد إحرامه، نقول: يجب أن تزيل الطيب؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء.
هنا نقول: المرأة إذا تزوجت برجُل عاقل، ثم جُنَّ، أصابه جنون، نسأل الله العافية، هل يجبرها وليها على الفسخ؟ لا.
امرأة أرادت أن تتزوج مجنونًا هل يمنعها؟ نعم، لماذا قلنا في الأول: لا، والثاني قلنا: يمنع؟ لأن الأول استدامة نكاح، والثاني ابتداء نكاح، والاستدامة أقوى من الابتداء، وهذا واضح، وتشهد له السنة في مسألة طيب المحرِم.

طالب: بارك الله فيكم، لو غاب ولي المرأة الأقرب، ثم زوجها ولي الثاني لها، ثم أتى فوجده مجنون (...)، فهل له أن يطلقها منه؟
الشيخ: لا، لكن الولي الأبعد زوَّجها على وجه شرعي ولَّا غير شرعي؟
الطالب: (...).
الشيخ: طيب، إذن النكاح صحيح الآن وهي راضية المرأة، ولَّا غير راضية؟
الطالب: راضية.
الشيخ: خلاص، النكاح صحيح.

طالب: المجذوم من هو؟
الشيخ: المجذوم هو الذي أُصيب بمرض الجذام.
الجذام هذا مرض معدٍ، تقرُّح في الأعضاء، وأكثر ما يقع في الأعضاء الدقيقة مثل الإبط، والثندؤتين، وما أشبه ذلك، مرض تتقرح الأعضاء منه، ويدب على بقية الجسد حتى يطلع على اللسان، وهو سريع السريان وسريع الانتشار؛ ولهذا قال العلماء: يجب على السلطان أو من ينوب منابه أن يعزل الجذماء في مكان خاص لئلا يتعدى جذامهم إلى الأصحاء، وهذا ما يُعرف عندنا في الوقت الحاضر بالحجْر الصحي. عرفت الآن ولَّا لا؟ فمن هو المجذوم؟
الطالب: الذي أصابه الجذام.
الشيخ: كيف تجيبني بما أنكرت عليَّ بالأول؟! طيب مرض الجذام ما هو؟
الطالب: (...) ينتشر بسرعة (...).
الشيخ: نعم، أحسنت.

طالب: كيف نقول في هذا الأمر من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ».
الشيخ: الذي قال: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ» هو الذي قال: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» .
فعلى هذا لا بد من أن نجمع بينهما. الجمع بينهما قال العلماء: إن المراد بالعدوى المنفية هي العدوى التي كان يعتقدها أهل الجاهلية بمعنى أنه لا بد أن ينتقل المرض إلى الصحيح، وهذا ليس كذلك.
وأما فر من المجذوم فهذا أمر بتوقي أسباب المرض، ولما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ» . أورد عليه الأعرابي إيرادًا حقيقيًّا، فأجاب عنه الرسول عليه الصلاة والسلام بجواب مقنع، قال: يا رسول الله، كيف لا عدوى، والجمل الأجرب يأتي إلى الإبل في الصحراء كأنها الرمل يعني من حُسنها ونقائها، ثم تجرب؛ وهذا صحيح ولَّا غير صحيح؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: طيب كيف نقول: لا عدوى؟ قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟» . يعني من الذي أتى بالجرب له؟ معروف من هو؟ الله عز وجل؛ فالذي ينقل العدوى إلى الصحيح الله عز وجل، وإذا شاء لم ينقلها.

طالب: شيخ، ذكرنا المجنون، الآن في العصر الحاضر يعني بعض التحليلات يحللها يكون فيه إنسان عنده إذا غضب أقل غضب تغيَّر، ويمكن أن يفعل أي شيء، فهل نقول: هذا يلحق بالمجنون إلحاقًا بالضرر الذي يلحق بالمرأة إذا غضب؟
الشيخ: لا، هذا لا يلحق بالمجنون ليش؟ لأن الغضب له سبب وقد لا يُوجد السبب، والمجنون -نسأل الله العافية- جنونه ثابت بسبب ولغير سبب.
الطالب: لكن يخرج عن قوله إذا غضب.
الشيخ: كثير من الناس يخرج عن قوله، لا سيما في الوقت الحاضر، الناس لا يصبرون، كان الناس عندهم بالأول صبر وتحمل على الأمور المخالفة لأهواهم، أما الآن لا يصبرون، مجرد أن يحصل أدنى مخالفة تجده يغضب غضبًا شديدًا، لو تعطيه الزوجة الشاهي لكنه مُرٌّ شوي، على طول أنتِ بالطلاق الثلاثة، نسأل الله العافية، هذا شيء مجرب يعني نسمع عنه من كثرة من يستفتينا بهذا السبب، نقول: ليش أنت؟ يقول: والله حصل بيني وبينها نزاع، وجيت من الدوام متعب، قلت سوِّي لي شاهي، وجابت لي شاهي مُرّ. هذا موجود؛ فالغضب الآن لا تستنكر، الغضب -نسأل الله العافية- كثر في الناس؛ لأنه ما عندهم تحمُّل ولا صبر (...).

***

طالب: ويُقرُّون على فاسده إذا اعتقدوا صحته في شرعهم ولم يرتفعوا إلينا، فإن أتونا قبل عقده عقدناه على حكمنا، وإن أتونا بعده أو أسلم الزوجان والمرأة تُباح إذا أُقِرَّا، وإن كانت ممن لا تجوز ابتداء نكاحها فرق بينهما. وإن وَطِئ حربي حربية فأسلما وقد اعتقداه نكاحًا أُقِرَّا وإلا فُسِخ ومتى كان المهر صحيحًا أخذته، وإن كان فاسدًا وقبضته استقر وإن لم تقبضه ولم يُسمَّ فُرِض لها مهر المثل.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. سبق لنا في باب العيوب أن من النساء من يُمنع من التزوج بالمعيب؛ يعني لا يُزوجن بمعيب مطلقًا، فمن هي؟
طالب: على ما ذهب عليه المؤلف الصغيرة والأمة والمجنونة.
الشيخ: صح، ومن النساء من تُمنع من التزوج بمن هو معيب بعيب مخصوص؟
طالب: وهي الكبيرة إذا كان عيبه لا يتعدى لها ولا إلى ذريتها.
الشيخ: تُمنع؟
الطالب: لا، ما تمنع.
الشيخ: أنا أسألك: ومن تمنع؟
الطالب: تُمنع إذا كان يتعدى إليها أو إلى ذريتها.
الشيخ: مثل؟
الطالب: مثل الجذام والبرص.
الشيخ: نعم، صح، لكن لو رضِيت بذلك ووليها تركها؟
طالب: (...).
الشيخ: يعني يُلزم بأن يمنعها.
الطالب: يُلزم.
الشيخ: توافقون على هذا؟
طالب: (...).
الشيخ: المسألة هي هذه الكبيرة، تزوجت بمعيب، هل يملك وليها أن يمنعها؟ الكبيرة مطلقًا؟ يمنعها من كل معيب؟
الطالب: إذا كان يلحقها ضرر.
الشيخ: مثل؟
الطالب: الجذام.
الشيخ: وغير والجنون؟
الطالب: إذا كان غالبًا يتعدى.
الشيخ: طبعًا الجنون غالبًا يتعدي، والثالث؟
الطالب: البرص.
الشيخ: إذن ما هي العيوب التي إذا رضيتها الكبيرة أُقرت على ذلك؟
الطالب: أن كان مجبوبًا أو عِنِّينًا.
الشيخ: لأن الجماع حق لها، فإذا رضيت بإسقاطه فلها ذلك.
طيب إذا وُجد العيب بعد العقد وهو مما يتعدى، فهل يُجبرها على الفسخ؟
طالب: لا يجبرها.
الشيخ: لا يجبرها، كذا؟
الطالب: إن شاءت فسخت بنفسها.
الشيخ: امرأة تزوجت إنسانًا سليمًا، وبعد ذلك حصل به برص، هل يجبرها وليها على أن تفسخ؟
الطالب: لها الفسخ ولها البقاء.
الشيخ: أنا أسألك: لا ولَّا نعم؟ التعليل بعدين.
الطالب: لا.
الشيخ: لا يجبرها، لماذا؟
الطالب: (...).
الشيخ: والاستدامة أقوى من الابتداء هو يمنعها ابتداءً لكن إذا حصل هذا الشيء بعد العقد فإنه لا يجبرها لكن هل لها أن تفسخ هي؟ السؤال لك.
طالب: نعم.
الشيخ: لها ذلك؛ لأن العيب إذا حدث بعد العقد فلمن له الحق أن يفسخ كما سبق.
باب نكاح الكفار
01:26:54

أما نكاح الكفار فاستمع إليه، يقول: (حُكمه كنِكاح المسلمين) حكم نكاح الكفار كنكاح المسلمين في الصحة وما يترتب عليها.
فإذا تزوج الكافر امرأةً صارت زوجته يحل له جماعها وأولادها منه أولاد شرعيون، وتحرم عليه أمها، ويحرم عليه ابنتها إذا كان قد دخل بها، وكذلك هي يحرم عليه أبوه وجده وابنه وإن نزل.
المهم أن نكاح الكفار في الصحة وما يترتب على النكاح كنكاح المسلمين؛ ولهذا أطلق المؤلف فقال: حكمه كنكاح المسلمين ولم يستثنِ شيئًا.
دليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يُسلم الرجل ومعه أهله، ولا يسأله، لا يقول: كيف عقدته؟ بل يُبقيه على ما هو عليه، ويُجري عليه أحكام النكاح الصحيح، هذا دليل.
التعليل أنه لا يمكن العمل إلا بهذا؛ لأننا لو عملنا بغير ذلك لحصل بهذا نفور عن الإسلام وفوضى عظيمة في الأنساب وغير الأنساب؛ لهذا كان حُكم نكاح الكفار كنِكاح المسلمين في كل ما يترتب عليه من صحة أو فساد أو مهر أو مصاهرة أو غير ذلك.
لكن يقول المؤلف: (ويُقَرُّون على فاسده) بشرطين: (إذا اعتقدوا صحته في شرعهم ولم يرتفعوا إلينا) يقرون على فاسده بهذين الشرطين: (إذا اعتقدوا صحته في شرعهم وإذا ولم يرتفعوا إلينا).
فلو تزوج مجوسي ابنته، نسأل الله العافية، ولم يرتفع إلينا هل نُفرِّق بينهما؟
طلبة: لا.
الشيخ: تُزوج بنته يا جماعة؛ أنه يعتقد صحة هذا، المجوس يعتقدون صحة نكاح المحارم، فإذا تزوج ابنته ولم يرتفع إلينا نتركه، لا نفرق بينهما، لماذا؟ لأنهم يعتقدون صحته، ولو تزوج يهودي بنته وهو تحت ذمتنا هل نفرق؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ليش؟ لأنهم لا يعتقدون صحته؛ إذ إن نكاح المحارم عند اليهود والنصارى كنكاح المحارم عند المسلمين، نفرق بينهما؛ لأنه تحت رعايتنا، ويلزمنا أن نؤاخذه بحكم دينه.
إذن هل يُقر الكافر على نكاح فاسد؟
الجواب: نعم، بشرطين: أن يعتقد صحته.
والثاني: ألا يرتفع إلينا.
طيب فإن أتونا قبل عقده؛ يعني ترافعوا عندنا قبل عقده عقدناه على حكمنا نعم؛ لأن الله يقول: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ [المائدة: ٤٢] وهو الشرع.
فإذا جاؤونا عند عقدهم، وجاءنا مجوسي يقول: اعقدوا لي على بنتي..