مثل كالمشركين بعد صلح الحديبية؛ المشركون بعد صلح الحديبية
معاهدون.
المستأمِن هو الذي طلب الأمان لدخول دار الإسلام لحاجة ثم يرجع إلى
بلده. هذا مستأمِن، وأكثرُ الطلاب يقرؤونه: مستأمَن، وهو غلط؛ لأنه هو الذي طلب
الأمان، لسنا نحن الذين طلبنا الأمان منه حتى نقول: مستأمَن، بل هو الذي طلب الأمان
فنقول: هو مستأمِن.
أما الحربي فمعروف هو الذي ليس بيننا وبينه عهد ولا ذمة ولا
أمان.
المؤلف رحمه الله يقول: (إذا دعاه ذِميٌّ كُرهت الإجابةُ) طيب
مستأمن؟ كذلك من باب أولى. معاهَد من باب أولى.
والصواب أن الإجابة غير مكروهة؛ إجابة الذمي ليست
مكروهة؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
أجاب دعوة الذمي ، فكيف نقول في فعلٍ
فعله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إنه مكروه؟ هذا غير ممكن.
ثم قال
المؤلف: (ومَنْ صومُه واجبٌ دعا وانصرفَ).
طالب: بعض الولائم وليمة العرس يكون فيها بعض الفرق
اللي معهم دفوف وطبول، وأحيانًا يكون المتزوج -يعني صاحب الوليمة- لا يصلي، لكن
تأتي من أجل أبيه أو أخيه ولهم مكانة عندك ومن أهل الخير (...)، فما هو حكم إجابة
الدعوة؟
الشيخ: أما إن دعاك الأب فأجب بالشروط المذكورة، وأما إن دعاك الابن فلا
تجبه الذي لا يصلي؛ لأنه لا كرامة له.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم،
إذا لم يكن هناك مصلحة في إجابة الذمي إنما (...)؟
الشيخ: فلا بأس.
الطالب: (...)
الكراهة؟
الشيخ: لا، ما هو
بأس (...)، فلا بأس بالإجابة.
الطالب: شيخ، بارك الله فيك، ألم يقل النبي صلى الله عليه
وسلم: «لَا، إِلَّا أَلَّا تَجِدُوا غَيْرَهَا» (...)؟
الشيخ: إي، أحسنت. لا، هذا فيما إذا
أخذ أوانيهم.
الطالب: هذا أشد؟
الشيخ: لا، ما هو أشد، هذا أوانيهم عندهم نأكل طعامهم.
الطالب: يا شيخ، ما يستثني هذا يستلزم..؟
الشيخ: لأنا إذا أخذنا أوانيهم صار هناك تقارب وتداخل؛ هم يأخذون
منا ونحن نأخذ منهم.
الطالب: يا شيخ، الناس يتعارفون
على أن الأكل أشد من هذا، ولذلك يقولون: بيننا وبينكم عيش وملح، وما أشبه
ذلك.
الشيخ: لا، هذه عادة بدوية.
الطالب: والله -يا شيخ- هذا الحاصل.
الشيخ: إي، حاصل عند البدو.
طالب: شيخ -بارك الله فيك-
دعوة الْجَفَلِي؟
الشيخ: الْجَفَلَى.
الطالب: الجفلى بالنسبة للعامة هل تُسَن أو تباح؟
الشيخ: والله هذه ينظر إلى أحوال
الناس؛ إن كان الناس محتاجين فلا بأس بها، وهي دليل على الكرم، وإن لم يكونوا
محتاجين فلا ينبغي. ومسألة المباح أنه إذا كان يُخْشَى أن يكون ضرر على سمعة المجيب
أو يُخْشَى أن الداعي يترفع ويتبجح بها عند الناس: أتاني فلان وأتاني فلان، فنعم
تمنع؛ لأن المباح إذا ترتب عليه مفسدة
مُنِع.
طالب: حد المنكر هل في الشخص أم في
الجماعة؟
الشيخ: حد
المنكر بالشرع.
الطالب: لا، الذي (...)
المدعو.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: هل (...) في شخص أو..؟
الشيخ: شخص أو جماعة، يعني -مثلًا-
لو عرف أن هذا الرجل سيدعو الناس وعنده ناس يشربون الدخان وما هم تاركينه، هذا
منكر، أو أنها (...) عنده -مثلًا- مزامير، موسيقى، وما أشبه
ذلك.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك يا شيخ- أحيانًا يكون
-مثلًا- بعض الزملاء ينسى أن يدعو إخوانه، نسيانًا، وفي يوم الزواج يقول -مثلًا- من
دُعِي: هيا بنا إلى الوليمة، فيقول: إنه لم يدعني، مع أننا نعلم أنه لو تذكره لما
(...)، وقد يعتب عليه أنه لم يحضر، ففي هذه الحال ما هو الأفضل -يا شيخ- أن
يحضر؟
الشيخ: الأفضل أن يحضر، ما دام يعرف أن صاحبه سيكون مسرورًا بحضوره
فالأفضل أن يحضر.
طالب: شيخ -حفظكم الله- جرى عادة عند بعض الناس أن اللي يدعوك يريدك أن
تحضر وتجيب عَنِيَّة.
الشيخ: هاه؟
الطالب: عَنِيَّة، يعني تدفع..
الشيخ: إي، لا هذه ما هي موجودة عند
(...)، يعني يقول: بعض الناس إذا دعاك يعني معناه تعالَ وهات معك
شاة.
الطالب: (...) أو أي شيء.
الشيخ: أو كيس رز.
الطالب: لو ما تحضر بس أهم شيء الْعَنِيَّة، فهل تجب
الدعوة هنا أو لا؟
الشيخ: لا، ما تجب، قال الله عز وجل: وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر: ٦، ٧]، يعني: التسيار على
أخيك إذا عرفت أنه يُسَر بهذا من أفضل الأشياء، ما هو النبي صلى الله عليه وسلم
سيَّر على أحد الأنصار هو وأبو بكر وعمر ؟
وشهدت مع شيخنا
رحمه الله عبد الرحمن أنه سَيَّر على جارٍ لنا بدون عزيم، فرح فرحًا عظيمًا جدًّا
جدًّا، أنا لا أنساه وأنا ما فرحت مثله، لكنه لا أنساه؛ من فرحه. فإذا علمت أن
صاحبك يُسَر فأدخل السرور على أخيك، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه،
ربما إذا أدخلت السرور على أخيك أن الله يشرح صدرك ويعطيك سرورًا، فالله تعالى في
عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، والله في حاجة الإنسان ما كان الإنسان في حاجة
أخيه.
***
ومَنْ صومُه واجبٌ دعا وانصرفَ، والمتنفِّل يفطر إن جَبَر، ولا يجبُ الأكلُ، وإباحتُه متوقفة على صريحِ إذنٍ أو قرينةٍ.
وإن عَلِمَ أن ثَمَّ منكَرًا يقدر على تغييرِه حضرَ وغيَّرَهُ، وإلا أَبى، وإن حَضرَ ثم علم به أزالَه، فإن دام لعجْزِه عنه انصرفَ، وإن علمَ به ولم يَرَه ولم يسمعْه خُيِّر.
وكُرِه النثارُ والتقاطُه، ومن أخذَه أو وقع في حجرهِ فله.
ويسنُّ إعلانُ النكاحِ، والدُّفُّ فيه للنساء.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما حكم وليمة العرس؟
طالب: سُنة.
الشيخ: سُنة. الدليل؟
الطالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» .
الشيخ: قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعبد الرحمن بن عوف: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ».
طيب، في حق الزوج أو الزوجة؟
طالب: في حق الزوج.
الشيخ: في حق الزوج.
الطالب: نعم.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: أولًا هذا الحديث؛ لأن النبي..
الشيخ: هذا الحديث؟
الطالب: نعم.
الشيخ: نعم.
الطالب: ثم إنه المستفيد، وهو الطالب.
الشيخ: الزوج؟
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب. الآن بدأ الناس يجعلونها على الزوج والزوجة، وهذا لا بأس به.
حكم الإجابة لوليمة العرس؟
طالب: واجبة.
الشيخ: مطلقًا أو بشروط؟
الطالب: (...) بشروط.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: أن تكون بأول وليمة.
الشيخ: أن تكون في أول وليمة؛ أول يوم.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هذا شرط.
الثاني؟
طالب: أن يكون معينًا.
الشيخ: ويش معنى معينًا؟
الطالب: يعني أن يدعوه.
الشيخ: بعينه.
الطالب: أن يعينه بعينه.
الشيخ: أن يدعوه بعينه؛ مثل أن يقول: يا فلان، احضر إلى وليمتي.
الثالث؟
طالب: أن يكون الداعي مسلمًا.
الشيخ: أن يكون الداعي مسلمًا.
الرابع؟
طالب: أن يحرم هجره.
الشيخ: أن يكون ممن يحرم هجره، طيب.
الخامس؟
طالب: ألَّا يكون في المكان منكر.
الشيخ: ألَّا يكون في المكان منكر، طيب.
طالب: أن تكون بصدق.
الشيخ: كيف بصدق؟
الطالب: أي لا يكون محرجًا منه؛ مثل أن يعطي بطاقات لأحد الإخوان ويكون حاضرًا، ثم يعطيه خجلًا وحياء.
الشيخ: إي، يعني أن تكون الدعوة حقيقية، لا خجلًا وحياء.
الطالب: نعم.
الشيخ: طيب. إذا لم يعيِّنه وقال: أيها الناس احضروا؟
طالب: فالمسألة فيها تفصيل، هذه تسمى عند العرب بدعوة الجفلى، فإذا قال أحدهم وكان ذلك الرجل من أعيان الناس ومن وجهائهم ففي هذه الحالة تكره الإجابة.
الشيخ: نعم.
الطالب: وأما إذا كان من عوام الناس فإنه بالخيار..
الشيخ: فلا بأس، إن شاء أجاب، وإن شاء لم يجب. إذا كان من أعيان الناس وشرفائهم فإنه لا يليق به أن يجيب في مثل هذه الحال، وإن كان من عوام الناس فلا بأس.
هل يُشترط أن يكون المدعوُّ مفطرًا أو لا؟
طالب: لا، ليس بشرط.
الشيخ: ليس من شرطه؛ يعني الوجوب بالشروط هذه سواء كان صائمًا؟
الطالب: أو مفطرًا.
الشيخ: أو مفطرًا، طيب.
إذا كان صائمًا فماذا يصنع؟ بينه المؤلف؛ قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن صومه واجب دعا وانصرف) يعني: من حضر الوليمة وهو صائم صومًا واجبًا فإنه يدعو وينصرف، ولا يجوز له أن يفسد صومه بالأكل؛ وذلك لأن القاعدة الشرعية أن من شرع في واجب وجب عليه إتمامه، ومن شرع في نفل لم يجب عليه إتمامه إلا الحج والعمرة، وكذلك الجهاد على قول بعض أهل العلم. فإذا كان صومه واجبًا حرم عليه أن يفسده.
هل نقول: الأفضل لمن صومه واجب أن يجيب ولا يأكل أو أن يعتذر؟
هذه ترجع إلى قرائن الأحوال؛ قد يكون من الأفضل أن يحضر، كما لو قُدِّر أنه من أقارب الداعي ولو تغيب لخاض الناس بالباطل فيما بينه وبين قريبه، وقد يكون من عامة الناس الذين لا يفقدون، فهذه ربما يقال: إن الأفضل أن يعتذر، وإذا عذره الداعي فلا حرج عليه.
إذا حضر يقول المؤلف: (دعا وانصرف) هذا ما رآه المؤلف أنه يحضر ويدعو ويقول: بارك الله لكما وعليكما، أو كلامًا مناسبًا، ثم ينصرف. ولكن خيرًا من ذلك ألَّا يفعل، بمعنى أن يتقدم مع الناس ويجلس على المائدة ولا يأكل، وهذا يقع كثيرًا، فيجلس على المائدة، ويُقَدِّم -مثلًا- صحن الطعام أو يقطع اللحم أو ما أشبه ذلك، ويشتغل بأشياء لا يعرف الناس أنه لا يريد الأكل. هذا أولى مما قاله المؤلف رحمه الله؛ وهو أن يحضر ويباشر على الناس حتى لا يُدْرَى أصائم هو أم لا، وهذا أجبر لخاطر الداعي وأبعد عن الرياء، وأبعد عن أن يتهم بالرياء أيضًا؛ لأنه قد لا يكون مرائيًا لكن يُتَّهم.
قال: (والمتنفِّل يُفطر إن جَبَر) يعني: إن جبر قلب صاحبه، (المتنفل):يعني الصائم نفلًا يحضر.
وهل الأولى أن يفطر أو لا؟ بَيَّن المؤلف رحمه الله الحكم بأن في ذلك تفصيلًا؛ إن جَبَر قلب داعيه فإنه يفطر، وإلا فليمسك؛ وذلك لأن أصل الدعوة لأي شيء؟ هل لأجل أن يزور البيت وينصرف، ولَّا لأجل أن يزور البيت ويأكل وينصرف؟ الثاني بلا شك، ولذلك لو قدرنا أن الناس حضروا وقُدمت المائدة وقيل: تفضلوا، قالوا: والله إحنا ما يجب علينا الحضور، في أمان الله، وخلوا المائدة، ماذا تكون المسألة؟ المسألة كبيرة، فإذا كان كذلك قلنا للمتنفل: إذا كان أكلك يجبر قلب صاحبك فأفطر، والحمد لله، وأنت أفطرت لمصلحة راجحة أفضل من إتمام الصوم، والصوم إذا كان غير مقيد بهذا اليوم فاقضه، أما إذا كان مقيدًا بهذا اليوم كصوم الاثنين -مثلًا- فإنها سنة فات محلها، ويرجى أن يثاب ثواب من أتمه؛ حيث إنه قطعه لمصلحة. (المتنفِّل يُفطر إن جَبَر).
قال: (ولا يجبُ الأكلُ) يعني: لا يجب على من دعي إلى وليمة أن يأكل، سواء كان ممن يتفطن له أو لا، وسواء كان ذلك من جميع الحاضرين أو من بعضهم، فالأكل غير واجب.
ولكن هذا القول فيه نظر ظاهر، وقد جاءت السنة بالندب إلى الأكل، فإن أخانا تكلف لنا وخسر وتعب هو وأهل البيت، ثم نقول: لا يجب الأكل! هذا قول ضعيف. فالصواب أن الأكل واجب، إلا على من صومه واجب كما سبق، أو من يتضرر بالأكل؛ لأن بعض الناس قد يكون مريضًا بمرض يحتاج إلى حمية، لا يستطيع أن يأكل، فهنا نقول: لا يجب.
ولنا أن نقول: إن الأكل فرض كفاية؛ يعني لا أنه فرض عين، فرض كفاية إذا قام به من يكفي فالباقي لا يجب عليهم الأكل، بل يحضرون على المائدة ولا يجب عليهم أن يأكلوا. أما أن نقول: لا يجب الأكل على الجميع، فهذا فيه نظر.
فالصواب أن أدنى ما يقال: إن الأكل فرض كفاية، إذا قام به من يكفي ويجبر قلب الداعي فهو في حق الباقين سُنة.
قال: (وإباحتُه متوقفة على صريحِ إذنٍ أو قرينةٍ) (إباحته) أي: إباحة الأكل، (متوقفة على صريحِ إذنٍ أو قرينةٍ) يعني بمعنى أنه لا يجوز أن نأكل من المائدة إلا إذا أذن لنا رب المائدة إذنًا صريحًا وقال: كلوا، أو قال كلمة تدل على هذا؛ مثل: تفضلوا، ولهذا لما جاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام بقرى الضيف قربه إليهم وقال: أَلَا تَأْكُلُونَ [الذاريات: ٢٧]، عرض عليهم الأكل. فكذلك لو قُدِّر أن المائدة مدت وتمت، فلا يحل لأحد أن يقوم ليأكل إلا بإذن؛ بأن يقول: كلوا، أو تفضلوا، أو حياكم الله، أو ما أشبه ذلك من الكلمات الدالة على الإذن.
(أو قرينة) يعني: قرينة حالية عرفية يُعْرف بها أنه إذا قُدِّم الأكل يعني الإذن في أكله، مثل ما يوجد في.. يُقَدَّم للناس -مثلًا- إذا حضروا، يقدم لهم صحون فيها التمر تُجْعَل أمام الناس هكذا، معنى تقديمها له أيش؟
طلبة: إذن في الأكل.
الشيخ: الإذن في الأكل، فهذه قرينة تدل على أنه أراد أن نأكل، لا أراد أن ننظر لما قدمه فقط. قدم حلوى مثلًا، كل ثلاثة حط عندهم إناء فيه حلوى، ويش المعنى؟ يعني كلوا، ليس المعنى أنه يقول: انظروا إلى الحلوى، إذا كان تحتاجون اشتروا من السوق، لا، أراد أن يأكلوا منها.
فصار إباحة الإذن متوقفة على أيش؟ على أن يأذن الداعي إذنًا صريحًا، أو تدل القرينة العرفية على أنه آذِنٌ.
مثل ذلك دخول البيت الآن؛ دعاك إنسان إلى بيته، وأتيت ووجدت الباب مغلقًا لكنه ليس إغلاقًا تامًّا يمكن أن تفتحه، فهل نقول: افتح الباب وادخل، أو لا تدخل إلا بإذن؟
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ لا تدخل إلا بإذن. لكن لو وجدته مفتوحًا، هل تدخل أو لا تدخل؟ لك أن تدخل؛ لأنه ما فتح الباب إلا ليدخل المدعوون، ولأنه قد يكون بعيدًا؛ يكون البيت -مثلًا- له رحبة كبيرة ويكون محل الجلوس بعيدًا، فيفتح الباب، ومن جاء دخل، لكن الباب الداخلي ينبغي أن تستأذن إن لم يجب؛ لأنه قد يكون صاحب البيت على حال لا يحب أن تراها من تقديم الطعام أو ترتيب الطعام، أو ما أشبه. (على صريحِ إذنٍ أو قرينةٍ).
ثم قال المؤلف: (وإن عَلِمَ أن ثَمَّ منكَرًا يقدر على تغييرِه حضرَ وغيَّرَهُ) (إن علم) الضمير يعود على المدعو.
(أن ثَمَّ) (ثَمَّ) أي: هناك، لكنها يشار بها للبعيد، بخلاف (هنا)، (هنا) للقريب، (هناك) للبعيد، (ثَمَّ) للبعيد. بعض الناس اللي يقرؤون (ثَم) الظرفية يقولون: (ثُم)، تجده يقول: ومن ثُمَّ يصح كذا وكذا. هذا غلط، هذا لحن فظيع؛ لأن (ثُم) أيش هي؟ حرف عطف، تقول: جاء زيد ثُم عمرو، لكن (ثَمَّ) بالفتح ظرف مكان، قال الله عز وجل: وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا [الإنسان: ٢٠].
(إن عَلِمَ أن ثَمَّ منكَرًا) أي: هناك؛ أي: في مكان الدعوة. (منكرًا ففيه التفصيل).
والمنكر كل ما نهى الشرع عنه على وجه التحريم فهو منكر. فإذا علم أن في الدعوة منكرًا؛ كالتصوير مثلًا، أو شرب الخمر والعياذ بالله، أو شرب الشيشة، أتعرفون الشيشة؟
طالب: نعم.
الشيخ: معروفة عندك؟ ما هي الشيشة؟
الطالب: أظن هي نوع من المخدرات.
الشيخ: نوع من المخدرات؟! لا، ما هو يخدر.
الطالب: (...) اليمني.
الشيخ: لا، هذا كالقات. على كل حال معروفة، هي يعني..
طالب: أخت الدخان.
الشيخ: إي أخته، لكن بس نشوف عندنا، ما هي بالأخت الشقيقة!
الطالب: ثم يضع فيها (...).
الشيخ: أظنه.. إي نعم.
طالب: (...) وَلَي.
الشيخ: ماء ويحط فيه جمر ويحط عليه شيء..
طالب: الجراك.
الشيخ: الجراك. المهم هي معروفة، وتطلق الشيشة عرفًا على محطة البنزين، أليس كذلك؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، على كل حال المراد بالشيشة التي تشرب نيابة عن الدخان.
طيب، أو كذلك علم أن هناك طبولًا تُضرب؛ لأن الطبول لا يجوز أن تضرب في العرس، الذي يجوز هو الدُّف.
على كل حال أنواع المنكرات كثيرة، ومن ذلك الاختلاط بين الرجال والنساء.
إذا علم أن ثم منكرًا نظرنا؛ إن كان يقدر على تغيير لسلطته أو قيمته الاجتماعية أو ما أشبه ذلك، لسلطته مثل؟
طالب: الأمير.
الشيخ: قيمته الاجتماعية كالشريف والوجيه عند الناس والعالم المحترم، وما أشبه ذلك، فإنه يجب أن يحضر إذا كان يقدر على تغييرِه.
ونزيد على كلام المؤلف: (أو تقليله)، (على تغييره أو تقليله)؛ وذلك لأنه يجب على الإنسان أن ينكر المنكر إذا علم أنه إذا أنكر قلَّ، فهنا يجب أن يحضر.
وموجب الحضور شيئان؛ الأول: الدعوة، والثاني: النهي عن المنكر. فيجب عليه الحضور لوجهين؛ الأول: إجابة الدعوة، والثاني: إزالة المنكر أو تقليل المنكر، ولهذا قال: (حضر)، (حضر) نقول: وجوبًا ولَّا جوازًا؟
طالب: وجوبًا.
الشيخ: وجوبًا، (وغَيَّره) وجوبًا.
(حضر وغَيَّره، وإلا أبى) يعني: وإلا يقدر على تغييره أبى فلا يحضر، حتى لو كان كارهًا بقلبه لا يحضر؛ لأنه لو صدق أنه كاره في قلبه ما جلس ولا حضر؛ إذ إن الجوارح تابعة للقلب، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» .
ولقول الله تعالى فيمن حضر المعصية: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [النساء: ١٤٠]، إِنَّكُمْ إِذًايعني: إن قعدتم، مِثْلُهُمْ.
قد يقول قائل: إن هذا في الذين يفعلون الكفر أو الاستهزاء دون المعاصي، ربما يجيء إنسان معاند يقول: أنتم تقولون إن حاضر المعاصي كفاعل المعصية غير مُسَلَّم؛ لأن الآية الكريمة نزلت في الكفر والاستهزاء، وكلاهما ردة؟
فنقول في الجواب على هذا: إذا كان الإنسان يُحْكَم له بحكم الكفر أو الردة إذا حضر، فالحكم له بالفسق أشد ولَّا أهون؟
طالب: أهون.
الشيخ: أهون، فيكون مشاركًا لهم في إثمهم، فلا يجوز الحضور.
لو قال قائل: إذا لم أحضر ترتب على هذا قطيعة رحم، كما لو كان صاحب الوليمة من أقاربه وعنده منكر ودعاه، فإذا لم يُجِبْ غضب عليه وتقطعت الصلة بينهما؟
فالجواب: ولو أدى ذلك إلى قطيعة الرحم؛ لأن الله تعالى قال في الوالدين وهما أقرب الأرحام، قال: إِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا [لقمان: ١٥]، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، فلا يحل.
وربما يكون امتناعه عن الحضور لوليمة قريبه المشتملة على المحرم، ربما يكون ذلك سببًا لهدايته، فيعتب على نفسه ويوبخ نفسه، ويقول: إنه بفعل هذه المعصية اكتسب هجران قريبه فيرتدع، وكثيرًا ما يقع هذا، كثيرًا ما يقع مثل ذلك إذا هجر الإنسان قريبه أو صاحبه سابقًا فإنه يراجع نفسه ويتأمل، وربما يرجع عما كان عليه من المعصية. المهم أنه لا يجوز الحضور ولو أدى ذلك إلى قطيعة الرحم.
ومن القاطع إذا قطعت الرحم؛ الداعي أو الممتنع؟
طلبة: الداعي.
الشيخ: الداعي هو اللي قاطع.
(وإلا أَبى، وإن حَضرَ ثم علم به أزالَه، وإن دام لعجْزِه انصرفَ) إذا حضر الوليمة وهو لا يعلم أن فيها منكرًا حين حضر، ثم علم بأن ثَمة منكر؛ لما دخل ووجد الناس على حال غير مرضية وجب عليه إزالته؛ يعني أن ينهى عنه ويغيره، فإن زال فهذا المطلوب، وإن لم يزل؟
طالب: انصرف.
الشيخ: وجب عليه الانصراف، ولهذا قال: (إن دام لعجْزِه عنه انصرفَ) ولا يحل البقاء.
فإن قال قائل: لو بقي مدة يسيرة وهو يعالج هؤلاء ويناصحهم، فهل يجوز أو يجب أن ينصرف من حين أن يرى المنكر؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، نقول: إذا كانت المسألة فيها احتمال أن المنكر يرتفع فليبق وليناصح؛ فلعلهم يرجعون، ولا شك أن هذا خير من كونه إذا رأى المنكر انصرف في الحال؛ لأن الثاني هذا لا يغني شيئًا. يقول: (لعجْزِه عنه انصرفَ).
(وإن علمَ به ولم يَرَه ولم يسمعْه خُيِّر) (خُيِّر) بأيش؟ بين البقاء والانصراف.
(علم به) يعني بأن كان المكان واسعًا، وفي جانب منه منكر لكنه لا يراه ولا يسمعه، فيخير بين أن يبقى أو ينصرف. ولكن هذا التخيير ليس تخيير تَشَهٍّ ولكنه تخيير مصلحة؛ لأن المقصود بذلك مصلحة الغير، وكل ما كان المقصود به مصلحة الغير فالتغيير فيه للمصلحة لا للتشهي، بمعنى أننا لا نقول: أنت مخير تخييرًا تشهيًا؛ إن شئت اجلس، وإن شئت لا تجلس. لا، نقول: يجب أن تنظر للمصلحة؛ فإن كان من المصلحة أن ينصرف وجب أن ينصرف وإن لم يره ولم يسمعه.
كيف تكون المصلحة؟ تكون المصلحة إذا علم أهل البيت أن الرجل انصرف للمنكر ربما يقلعون عنه، وإن رأى أن من المصلحة أن يبقى لأنه لا يترتب على انصرافه فائدة وبقاؤه أفيد وأبعد أن يقع في الخواطر شيء، فهنا نقول: البقاء أفضل؛ لأن هذا المنكر الذي لا يراه ولا يسمعه كالمنكرات الأخرى التي في الأسواق والبيوت ليس عليه منها شيء. فإذن المراد بالتخيير هنا أيش؟
طلبة: تخيير مصلحة.
الشيخ: تخيير مصلحة، لا تخيير تشهٍّ، بمعنى أنك انظر أيهما أولى أن تبقى أو تنصرف. فهذا التفصيل من أحسن ما ذكره المؤلف رحمه الله.
فلنرجع إلى هذا، إذا علم أن في مكان الدعوة منكرًا لا يقدر على تغييره، فهل يجيب؟
الطلبة: لا يجيب.
الشيخ: لا يجيب.
إذا علم أن في محل الدعوة منكرًا يقدر على تغييره وجبت الإجابة.
إذا لم يعلم إلا بعد وصوله يغيره، فإن لم يمكن انصرف.
إذا علم به لكن لا في مكان الدعوة بل في مكان آخر ولم يره ولم يسمع فإنه يُخَيَّر تخيير مصلحة.
هذا حاصل كلام المؤلف رحمه الله.
قال رحمه الله تعالى: (وكره النِّثارُ والتقاطُه) النثار يستعمله بعض الناس في مثل هذه المناسبة، ومعناه أن الإنسان يرمي بالدراهم أو يرمي بالطعام أو ما أشبه ذلك على الحاضرين، هذا مكروه، إن كان من النعم فهو مكروه من جهتين؛ من جهة أصل النثار، ومن جهة أن فيه امتهانًا للنعمة، كما لو أخذ تمرًا ورمى به، أو أخذ خبزًا ورمى به، أو ما أشبه ذلك، هذا مكروه.
لكن إذا كان فلوسًا؟ إن كان فلوسًا من فلوسنا الآن -وهي الورق- فهذا إن لم نقل.. يعني: لا بد أن نقول بالكراهة أو بالتحريم؛ لأنه إذا نثرها أيش؟ تدافع الناس عليها ومزقوها، كما شاهدنا هذا في الكتب؛ نوزعها -مثلًا- على الحُجَّاج، تجد إذا مددت الكتاب، إذا مددت بدون رمي الكتابَ، كل واحد أخذ ورقة وراح.
كيف عن الدراهم؟ الدراهم لو قيل بالتحريم في مسألة الدراهم لكان له وجه؛ لأنه عرضة أيش؟ لإتلاف المال وإضاعة المال، وقد نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن إضاعة المال .
التقاطه أيضًا مكروه، لماذا؟ قالوا رحمهم الله: لأن فيه نوع دناءة، لا سيما إذا كان الرجل من الكبار. ولنفرض أنهم نثروا قرصان كليجة، تعرفونها أظن؟ معروفة عندك؟
من اللي يعرفها؟ قرصان كليجة تعرفها؟
طالب: إي نعم، بريال يا شيخ!
الشيخ: البيع والشراء بالمسجد ما يجوز.
على كل حال هو نوع من القرصان الجامدة اليابسة، يعني مثلًا لو نثروا قرصان كليجة، لا شك أنه من الدناءة أن الإنسان يركض ويأخذ القرص، من الدناءة، لا سيما إذا كان من الشرفاء والوجهاء، فلذلك يُكره التقاطه. أما عامة الناس فلا، ما يكره لهم الالتقاط، هذا شيء جاء الله به، ليش ما أتقدم وآخذه؟
يقول: (النثارُ والتقاطُه، ومن أخذَه أو وقع في حجرهِ فله) من أخذ من هذا المنثور فهو له؛ لأن الذي نثره ماذا يريد؟ يريد التمليك.
طيب، من وقع في حجره؛ إنسان جالس معم الجالسين فيسر الله له من هذا النثار شيئًا وقع في حجره، له؟
طالب: نعم.
الشيخ: لنفرض أن أحدًا جاء بسرعة وأخذه بعد أن وقع في حجره، أيش؟ يجوز ولَّا ما يجوز؟
الطلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز. طيب، لنفرض أن أحدًا جاء بسرعة، فلما رآه أهوى التقمه، وهو لو تركه لوقع في حجر الرجل، لأيهما؟
طالب: للاقط.
الشيخ: إي نعم، للاقط؛ لأن المؤلف يقول: (أو وقع في حجره)، ما قال: أو أهوى إلى حجره، قال: (وقع في حجره فله).
طيب، لو أنه حين وقع في حجره نفضه، فلمن؟
طالب: لمن أخذه.
الشيخ: لمن أخذه؛ لأن نفضه إياه يعني عدم قبوله، والهبة لا تلزم إلا بالقبول والقبض، تمام.
لا ندري عن يحيى هل النثار موجود عندهم؟
طالب: لا يا شيخ.
الشيخ: يحيى التشادي.
الطالب: إي، ما شفته.
الشيخ: ما هو موجود؟
طالب: موجود يا شيخ.
طالب آخر: موجود للأطفال يا شيخ.
الشيخ: لا، خلونا نشوف.. السؤال موجه ليحيى، غير موجود؟
طالب: أنا ما شفته.
الشيخ: في البلاد؟
الطالب: إي في البلاد.
الشيخ: طيب، وعبد الرحمن بن جمعة؟
طالب: شيخ، موجود بكثرة في الانتخابات.
الشيخ: انتخابات؟! كيف؟
الطالب: في الانتخابات الناس المنتخَبين هادولي يوزعون فلوسًا من فوق السيارة هكذا للحاضرين.
الشيخ: سبحان الله!
الطالب: (...).
الشيخ: طيب، ومن اللي يقول عند الصبيان؟
طالب: عند (...) يا شيخ، يجينا واحد يثني على شخص، يعني يثني عليه يقول: أبوك يفعل هكذا، وجدك يفعل كذا، هذا (...) ويتشجع ويرمي، ويأخذه الأطفال.
الشيخ: الأطفال؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي، يعني معناه الأطفال يجتمعون ويرقصون ويغنون لهذا الرجل؟
الطالب: لا يا شيخ.
الشيخ: هاه؟
الطالب: يأتي الشخص يغني لهذا الشخص، وهذا يتفاخر ويتشجع على هذا الشيء، ويأخذ الفلوس ويرمي بدون ما يشعر، يرمي لهذا ويرمي لهذا، ويأخذ الأطفال، واللي يأخذ.
الشيخ: هذه كانت عندنا عادة قديمة، كلما دخل شهر محرم صار النثار، يجمعون من التمر اليابس وقرصان كليجة والبقل، الأقط، وما أشبه ذلك، ثم ينثرونه مع فوق من على السطح على الصبيان، الصبيان يغنون ويرقصون، يقولون في غناهم:
| عَمَارُه باقي باقي | طول النخل والساقي |
ثم يأتيهم النثار، من الناس من تسقط على رأسه ولكن (...) للثاني، ومن الناس من يلقفها، ومن الناس من يأخذها من الأرض، لكن -الحمد لله- الآن هذه انقطعت، وإلا كانوا يقيمون أعيادًا، يعني أنا أذكر من واحد محرم إلى عشرة محرم، كل ليلة، يجيئون عند البيوت ويبدأ الصبيان يرقصون ويغنون بهذه الأغنية أو غيرها والناس ينثرون عليهم.
فعلى كل حال، فهمنا أن النثار مكروه، وأن التقاطه مكروه، لكننا قيدنا هذا بمن يكون التقاطه مخالفًا للمروءة، وأما الناس العاديون فلا.
ثم قال: (ويسن إعلان النكاح)..
طالب: شيخ -بارك الله فيك- إذا حضر ثم قلَّ المنكر، هل يبقى وجوب الحضور لازمًا عليه؟
الشيخ: إي نعم، نعم يبقى عليه؛ لأنه مر علينا في النهي عن المنكر أنه على أربع درجات.
الطالب: لكن يا شيخ -مثلًا- لو فرضنا أن هناك منكرات متعددة؛ كتصوير -مثلًا- وشيشة -مثلًا- وغيرها أو غير ذلك، فمثلًا بقي التصوير، هل يبقى جالسًا؟
الشيخ: إي نعم، ما دام أنه إذا بقي امتنعت المنكرات الأخرى.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- إذا كان فيه منكرات ولم تزل لكن يرجو حصول خير، كأن يُدعى -مثلًا- إلى أن يتكلم في هذا المحفل، والمنكرات الموجودة يقولون: لن نزيلها، يعني أناس آخرون، والذين دعوه إلى الكلام يقولون: تكلم، لعل الله يذهب المنكر، لا يزول المنكر الآن لكنه يرجو خيرًا؟
الشيخ: واللهِ ما أرى هذا، ما دام أن المنكر أمام عينيه وهو يتكلم، حتى كلامه والمنكر بين يديه ما هو مناسب.
الطالب: يتكلم في المنكر.
الشيخ: هاه؟
الطالب: يتكلم؛ يرغب في الخير، يحذر من الشر، لعله يزول بعد الكلام؟
الشيخ: هذا شيء، شيء أن شخصًا يتكلم لمعالجة هذا المنكر ويقول: إن خف أو زال، وإلا انصرفت، وإنسان يقول: لا، أنا أقارن بين مفسدة المنكر وبين مصلحة الدعوة. فبينهما فرق.
الطالب: لكن يا شيخ، لو -مثلًا- بدأ في الكلام في المنكر اشمأزت النفوس وقاموا؟
الشيخ: ما يخالف، يبدأ بشيء مناسب وترغيب، ثم يدخل في موضوع المنكر.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- في هذه الأيام ما يكاد قصر أفراح يخلو من منكرات؛ بالنسبة للرجال الدخان، وبالنسبة للنساء اللبس الذي يخالف الشرع، فما يحل للإنسان؟
الشيخ: على القاعدة.
الطالب: ما يكاد يحضر فرحًا..
الشيخ: على القاعدة، هو الغالب أنه لا يرى ولا يسمع؛ لباس النساء لا يراه، وكذلك ضربهم بالدف في الغالب أنه ما يسمع، هذا الغالب.
الطالب: حضور المرأة (...)؟
الشيخ: لا، ما تحضر المرأة إلا من قدرت على التغيير.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- في بعض الأماكن يقسمون؛ يعني وليمة للرجال ووليمة للأعراس ليس في نفس اليوم، ولكن الرجل يعرف أن -مثلًا- في يوم النساء تكون منكرات ويكون مُشَهَّرًا بها أنها ستكون منكرات، فهل عليه أن يحضر أو..؟
الشيخ: لكنه ما حضر؟
الطالب: ما يحضرها.
الشيخ: اليوم مختلف، هذه مثلًا يوم السبت وهذه يوم الأحد، ما عليه، يحضر.
طالب: أحسن الله إليك، إنسان ربما يكون في منطقة يُدعى إلى وليمة وفي المكان منكر لا يستطيع تغييره، لكنه يخشى أنه إذا لم يُجب الدعوة ألَّا تقبل دعوته؟
الشيخ: إذا دعا؟
الطالب: إي نعم، فيما بعد يعني ما تقبل دعوته، هل..؟
الشيخ: ما يهم، حتى لو كان كذلك لا يحضر.
طالب: شيخ -أحسن الله إليكم- استقبال الكبراء في بعض المناطق يأتي معه منكرات؛ يعني من اللي يضرب مثل الدف من جهتين وكذا والأغاني والاختلاط، والذي من الوجهاء ومن المعروفين فلا بد أن يحضر في هذا المحفل، وإذا خالف ألصق فيه التهم وكذا، شيخ هل يحضر هذا خوفًا من مضرة أو كذا؟
الشيخ: هذا ينظر للمصلحة؛ لأن هذا يتعلق بالغير، قد يكون حضوره مما يؤدي إلى أن يتكلم مع هذا الأمير القادم ويقول: هذا لا يجوز، وأبطله ويبطله.
طالب: بارك الله فيك، من بعض الوجوه هناك عادة بدأت تنتشر الآن في بعض بلاد المسلمين عند ما يسمى زفاف العروسين، فعند خروجهما ينثر عليهما الرز، وهذا تقليد واضح يا شيخ؟
الشيخ: يابس ولَّا (...)؟
الطالب: يابس، وهذه عادة معروفة عند الكفار ومشهورة؟
الشيخ: كم ينثرون من كيس؟
الطالب: يعني حوالي كيس صغير؛ ثلاثة كيلو أو أربعة.
الشيخ: إي، هذا ما يجوز، ما دام أن هذا النثار من خصائص الكفار فهو تشبه بهم.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- قلنا: إن كان يترتب على حضور الوليمة التي بها المنكر قطع الصلة بين الأرحام فإنه لا يحضر.
الشيخ: نعم.
الطالب: لكن -يا شيخ، بارك الله فيكم- إن كان المنكر بعد العشاء مثلًا.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فهل يجب عليه أن يحضر قبل العشاء؟
الشيخ: إي، لا بأس، إذا كان المنكر في زمن آخر، يعني بمعنى أنهم سيفعلون المنكر بعد أن يتعشى الناس وينصرفوا فليحضر؛ لأنه حينئذ لا يراه ولا يسمعه.
طالب: (...) مثلًا إنسان ينزل عليه ضيوف وهو صائم نفلًا (...)، ما الأفضل له أنه يفطر معهم ولَّا..؟
الشيخ: إي نعم، يفطر معهم، ما يستطيع أنه يقعد ويقدم لهم ويقرب لهم، ويكفي.
الطالب: (...)؟
الطالب: أحيانًا وأحيانًا؛ لأن بعض الناس يختلفون..
الشيخ: على كل حال إذا عُدَّ هذا من إكرامهم؛ من إكرام الضيوف، فأنت تعلم أن إكرام الضيف واجب؛ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» ، فيكون جلوسه معهم وإفطاره خيرًا من إمضاء الصوم.
الطالب: لأن الإنسان يحب أن (...)؛ يعني هم وإياه ما يستأنسون إلا مع بعضهم؛ يعني (...).
الشيخ: القاعدة واضحة؛ إذا عُدَّ هذا من إكرامهم فأفطر.
الطالب: جزاك الله خيرًا.
طالب آخر: حفظك الله، ينتشر في الأزمنة الأخير التصوير في الأعراس بالفيديو وغيره، فإذا كان الإنسان يكره أن يصور، لا سيما وهي تنتقل ويتناقلها الناس هذه، ويكون فيها صورُه، وهو يكره هذا الأمر، فهل له ألَّا يجيب؟
الشيخ: إي نعم، هذا محرم، يعني تصوير الأعراس بالفيديو محرم لا إشكال فيه؛ لأنه فيه ضرر عظيم. النساء كاشفات؟
الطالب: لا، للرجال.
الشيخ: إي، للرجال؟
الطالب: للرجال.
الشيخ: إي، ما فيها شيء، ما أرى فيها شيئًا.
الطالب: لكن إذا كان الإنسان يكره أن يظهر في الصورة ويتناقل الناس هذا الأمر.
الشيخ: إي.
الطالب: فهل له ألَّا يجب؟
الشيخ: إذا تعينت الإجابة يجب أن يجيب، إلا إذا كان يرى أن هذا حرام فلا يجيب.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، الآن في صالات الأفراح.
الشيخ: أيش؟
الطالب: في قصور الأفراح فيه صالات؛ صالة يكون فيها المنكر، وصالة أخرى لا يكون فيها المنكر، لكن عندما يدخل يرى المنكر هذا؟
الشيخ: عندما يدخل أيش؟
الطالب: إلى القصر يرى المنكر في الصالة التي فيها منكر، وهو يريد أن يذهب إلى الصالة التي ليس فيها منكر.
الشيخ: يعني مارًّا فقط؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما يضر هذا.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، قول المصنف: (وإلا أبى)، هل يفهم منه أنه إذا كان ثم منكر أنه يقول لصاحب المنكر: إن عندكم منكرًا ما أحضر، أو أنه يتصرف ويقول: إنه مشغول أو..؟
الشيخ: والله هذه أيضًا ينظر للمصلحة؛ إذا كان من المصلحة أن يبين له يقول: أنا ما أحضر؛ لأن عندكم منكرًا ولم أستطع أن أغيره، يقول له هذا، ربما إذا قال له هذا الكلام ربما يغيره.
طالب: إذا كان في الدعوة منكر كالغيبة وشرب الدخان، ولكن حضر يريد أن ينهى عن منكر أعظم منه؛ كتهاونهم في الصلاة وتركهم للصلاة بالكلية، هل يحضر؟
الشيخ: لا، ما يحضر؛ لأن هذه موعظة لا تذكرة، موعظة خارجة عن نطاق المكان.
طالب: شيخ، أسأل الله أن يعفو عنك، بعض صالات الأفراح في بعض الدول يكون فيها صور الرئيس -رئيس الدولة- ونائبه، داخل كل صالة صورة كبيرة جدًّا على الحائط، فيعني يجد الإنسان حرجًا في إجابة الدعوة مع أن صاحب الوليمة اللي وضعها في هذا المكان لا يجد متسعًا إلا في هذه الصالة، والأمر الثاني أنه ما يستطيع أن.. هو بنفسه ما يستطيع..؟
الشيخ: يعني أن صور الرؤساء هؤلاء موجودة بالقصر نفسه؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي، طيب، هو الواجب عليه أنه من حين ما يتفق مع صاحب القصر للتأجير أن يقول: أزل هذه الصور.
الطالب: أكثرها تبع الدولة؟
الشيخ: ما يخالف، ولو كانت تبع الدولة.
الطالب: ما ترفع هذه يا شيخ؟
الشيخ: ما يرفعها؟
الطالب: لا.
الشيخ: ندور غيرها، نضرب خيمة في البر ويجيئون الناس، والحمد لله.
***
قال المصنف رحمه الله تعالى في كتاب النكاح في باب وليمة العرس: ويسنُّ إعلانُ النكاحِ، والدُّفُّ فيه للنساء.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف رحمه الله تعالى في آخر باب الوليمة: (ويُسَن إعلان النكاح).
إعلانه؛ أي: إظهاره، مأخوذ من العلانية التي هي ضد السر، فيسن إعلانه؛ لما في ذلك من إظهار هذه الفضيلة وهي النكاح، فإن النكاح من سنن المرسلين، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن نفسه: إنه يتزوج النساء ، وقال الله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً [الرعد: ٣٨]، وما كان كذلك فإنه ينبغي إعلانه.
وأيضًا إعلانه فصلٌ ما بين السفاح والنكاح؛ لأن السفاح -والعياذ بالله- وهو الزنا إنما يفعله من يفعله سرًّا، وأما النكاح فيسن إعلانه والجهر به. هذه تعليلات.
وأما الحديث فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ» ، فأمر بإعلانه.
وقول المؤلف: (يسن) هذا هو المشهور من المذهب. وقيل: إنه يجب إعلان النكاح؛ لأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم به.
وهنا ثلاثة أشياء: إعلان، وإسرار، وتواصٍ بكتمانه.
أما الإعلان فهذا هو المشروع. وأما الإسرار بدون تواصٍ بكتمانه فهذا خلاف المشروع، وعلى من يرى أن الإعلان واجب -على قوله- يكون إسراره معصية يأثم الإنسان عليها. وأما التواصي بكتمانه بأن يقول الزوج أو الزوجة أو وليها: لا يدري أحد بذلك، هذا سر بيننا، لا تخبروا أحدًا؛ فهذا لا شك أنه إثم، بل إن بعض أهل العلم قال: إنه يبطل بذلك النكاح؛ لأنه خلاف النكاح الصحيح.
فإذا قال قائل: إذا كان في إسراره فائدة ولم يتواصَ الناس بكتمانه ولكن أسروه، فهل هذا جائز؟
نقول: ينبني على اختلاف القولين؛ إن قلنا: إن الإعلان واجب فإنه لا يجوز إسراره، وإن قلنا: إنه ليس بواجب جاز إسراره إذا كان في ذلك مصلحة. والمصلحة قد تكون مثل أن يخشى الإنسان على نفسه إذا كان معه زوجة أخرى إذا أعلنه أن تتبدد العائلة وتتفكك الأسرة، فقال: أسره حتى يبدو علنًا؛ فهذا لا بأس به، على القول بأن الإعلان أيش؟ سنة.
قال: (والدَّف) أو (والدُّف) كلاهما جائز؛ (الدَّفُّ) على أنه مصدر، وعلى هذا فيكون معطوفًا على (إعلانُ) أي: ويسن الدَّفُّ، والدَّف هو الضرب بالدف.
وأما على الضم (الدُّف) فهو على تقدير مضاف؛ أي: وضربُ الدُّفِّ. والدُّف نوع من المعازف، وهو عبارة عن طار يكون في أحد وجهيه جلد له رنين إذا ضُرِبَ به، ويستعمل عند الفرح بقدوم الغائب والختان ونزول البيت، وما أشبه ذلك، وكذلك أيام الأعياد. هذا الدُّف -كما قلت لكم- نوع من المعازف، لكن جاءت السنة بإباحته في موضعه.
هناك آلات عزف أخرى؛ كالطبول والمزامير والطنابير والرباب، وما أشبهها، هذه لا تجوز بأي حال من الأحوال؛ لحديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَيَكُونَنَّ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَى وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ» . الحرى يعني: الفرج، والمراد الزنا. والخمر كل ما أسكر. والحرير نوع معروف مما يُلْبَس، لكنه لا يحرم على النساء؛ لدعاء الحاجة إلى لبسه بالنسبة للنساء.
والرابع: المعازف، استحلالها نوعان؛ إما اعتقاد أنها حلال، وإما فعلها فعل المستحل مع اعتقاد أنها حرام، وكلا الأمرين موجود الآن؛ فمن الناس الآن من يرى حل المعازف؛ إما عن اجتهاد وتأويل، وإما مجرد هوى، فيقول: الناس مختلفون في هذه المعازف وأنا أرى أنها حلال، بدون أي اجتهاد.
فالاستحلال إذن نوعان: استحلال يعني أن اعتقاد أنها حلال فيفعلها الإنسان كما يلبس ثوبه، والثاني: فعلها فعل المستحل مع اعتقاد أنها حرام، وكلا الأمرين واقع.
أما الأول فوقع فيه علماء أجلاء، وضعفوا حديث أبي مالك الأشعري بأن البخاري رحمه الله رواه معلقًا، والمعلق نوع من أنواع الضعيف، وقالوا: إن المعازف حلال، وممن قال بذلك ابن حزم رحمه الله الظاهري المعروف.
ولكن هذا القول ضعيف، وتعليل الحديث بالانقطاع أيضًا ضعيف؛ لأن البخاري رحمه الله رواه جازمًا به، وما رواه البخاري معلقًا مجزومًا به فهو صحيح عنده، ثم إن الحديث قد رُوِي موصولًا من طرق أخرى، ثم إن له شواهد كثيرة في الوعيد على من يفعلون أو يستمعون إلى المعازف، فالحديث لا شك في صحته، لكنه رجل مجتهد، والمجتهد قد يخطئ وقد يصيب.
فيه أناس ليسوا أهل اجتهاد ولا أهل علم ولكن يحكمون الهوى، يقولون: المسألة فيها خلاف، وما دامت المسألة خلافية فأمرها هين، فيعتقدون حله بناء على الخلاف، وما ذاك إلا لهوى في أنفسهم، وكما قال الأول:
| وَلَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ جَاءَ مُعْتَبَرَا | إِلَّا خِلَافًا لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ |
وهذا لا حظ له من النظر، ومن أراد استقصاء هذه المسألة بأدلتها فعليه بمراجعة كتاب إغاثة اللهفان لابن القيم رحمه الله؛ فقد أجاد في ذلك وأفاد.
إذا كانت المعازف حرامًا فإنه لا يحل منها إلا ما خصه الدليل، وبالقيود التي جاءت به، وانتبهوا لهذه القاعدة: إذا جاءنا نص عام ثم ورد تخصيصه فإنه يتقيد -أي التخصيص- بالصورة التي ورد بها النص فقط.
مثلًا: ورد إباحة الدف في موضعه، هل يمكن أن يقول قائل: إذن جميع آلات العزف تباح في مثل هذه المناسبات قياسًا على الدف؟
فالجواب: لا يصح؛ لأن التخصيص إذا ورد يجب أن يكون في الصورة المعينة التي ورد بها التخصيص، ولا يمكن أن تقاس بقية المعازف على الدف؛ لأنها أشد تأثيرًا من الدف؛ وذلك لأصواتها ورناتها، والنفوس تطرب بها أكثر مما تطرب بالدف.
إذن (يسنُّ إعلانُ النكاحِ والدَّفُّ فيه)، ولكن لمن؟
يقول المؤلف: (للنساء)، وهذا القيد ذكره الموفق رحمه الله، لكن ظاهر كلام الإمام أحمد وكلام الأصحاب الآخرين أن الحكم سواء بالنسبة للرجال والنساء، وأن الدَّف في العرس للرجال والنساء على حد سواء؛ لأن الحديث عام: «أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالْغِرْبَالِ» يعني: الدُّف.
والذين قالوا بتخصيصه بالنساء وكرهوه للرجال يقولون: لأن ضرب الرجال بالدف تشبه بالنساء؛ لأن ضرب الدف من خصائص النساء، وهذا يعني أن المسألة راجعة للعرف، فإذا كان العرف أنه لا يضرب بالدف إلا النساء فحينئذٍ نقول: إما أن يكره أو يحرم تشبه الرجال بهن، وإذا جرت العادة بأنه يضرب بالدف من قبل الرجال والنساء فلا كراهة؛ لأن المقصود الإعلان، وإعلان النكاح بدَّف الرجال أبلغ من إعلانه بدَّف النساء؛ لأن النساء إذا دففن فإنما يدففن في موضع مغلق حتى لا تظهر أصواتهن، والرجال يدفون في موضع واضح بارز، فهو أبلغ في الإعلان. وهذا ظاهر نص الإمام أحمد رحمه الله وكلام الأصحاب، حتى المنتهى الذي هو عمدة المتأخرين في مذهب الإمام أحمد ظاهره العموم؛ أنه لا فرق بين الرجال والنساء في مسألة الدَّف.
ولكن لو ترتب على هذا مفسدة، فهل نمنعه لأنه دَف أو نمنعه للمفسدة؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ للمفسدة، وهكذا جميع المباحات إذا ترتب عليها مفسدة مُنِعَت، لا لذاتها ولكن لما يترتب عليها.
طيب، الدَّف في العرس واضح، جاءت به السنة.
كذلك أيضًا عند قدوم الغائب جاءت السنة بإباحته؛ فقد أتت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقالت له: إني نذرت إن ردك الله سالمًا أن أضرب بالدف بين يديك، فقال: «أَوْفِي بِنَذْرِكِ» ، ولو كان هذا معصية لمنعها من الوفاء بالنذر؛ لأنه لا وفاء لنذر في معصية الله.
ولكن هل يشترط في الغائب أن يكون له جاهٌ وشرف ومكانة؛ كأمير ووزير، وما أشبه ذلك؟
الظاهر نعم، بناء على القاعدة التي ذكرناها قبل قليل؛ وهي أن ما خرج عن عموم وجب أن يتقيد بما قُيِّد به من حيث النوع والوصف والزمن والمكان وكل شيء؛ لأن الأصل العموم، فالظاهر أنه لا يجوز إلا لمن له شأن في البلد.
فإذا قال: إذا كان الرجل ليس له شأن في البلد لكن له شأن في قبيلته، مثلما يكون في البادية مثلًا، فهل يضرب بالدف لقدومه؟
الجواب: نعم، يضرب بالدف لقدومه؛ لأنه فرح.
كذلك أيضًا في أيام العيد يجوز الدَّف للرجال والنساء على حد سواء؛ وذلك لأنه فرح عام، كل يفرح به، وهو يوم سرور، والدَّف لا شك أنه يدخل السرور على الإنسان ويفرح به ويسر به.
كذلك أيضًا ذكر الفقهاء رحمهم الله أنه في الختان يجوز الدَّف، لكنه عندنا هنا لا يهتم به، الختان لا يهتم به، يختن الإنسان في المستشفى؛ الطفل ولا يهتم به. فيما سبق أدركنا شيئًا منه في يوم الختان يكون فرح واجتماع الجيران والأقارب، فبناء على هذا نقول: لا بأس أن يضربوا بالدف، كما صرح بذلك الفقهاء رحمهم الله.
هل نطرد هذا في كل مناسبة فرح؟
الظاهر أننا لا نطرده إلا في فرح يكون عامًّا؛ كالأعياد وقدوم الغائب الذي له شأن في البلد، وما أشبه ذلك، وإلا فيقتصر على ما ورد.
ثم قال المؤلف: (باب عشرة النساء)..
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، بالنسبة للمعازف يا شيخ، تؤخذ من عادات الناس -يا شيخ- أنها آلات فسوق ولا يرضى بها أهل الطاعة، الناس أهل الصلاح ما توجد عندهم، وهذا إن وجد هذا -يا شيخ- يجب أن (...) يا شيخ؟
الشيخ: والله على كل حال مراعاة شعور الناس أمر مهم، مراعاة الشعور أمر مهم، فإذا كنا -مثلًا- في حي لا يحبون هذا ولا يرضون به فلنتركه، لكن إذا كنا في حي يرغبون هذا الشيء فلا نضيِّق عليهم ما وسَّع الله، أما على القول بالوجوب فلا بد من إعلانه، وعلى القول بالاستحباب يرجع للمصلحة.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- بالنسبة للقاعدة؛ إذا جاء نص عام ثم ورد تخصيصه فإنه يحمل على الصورة التي ورد بها، قد يقال: إن الصورة التي وردت في ضرب الدف أنها للجواري في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وما ضرب به الرجال، فكيف..؟
الشيخ: الجواب على هذا أنه ما جرت به العادة، في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ما جرت العادة أن الرجال يضربون بالدف، ولهذا من كرهه للرجال من العلماء قالوا: يكره للتشبه بالنساء فقط.
طالب: حياك الله يا شيخ، أيام العيد الآن -يا شيخ- يوم الفطر والأضحى، ووردت السنة أن يوم الجمعة يوم عيد كذلك ، وورد كذلك أن أيام التشريق أيام عيد، فبعض الناس يقول: ليس يوم العيد يوم الفطر فقط الأول، إنما أيام العيد ثلاثة؛ الأول والثاني والثالث؟
الشيخ: هذا توسع، وإلا معروف أن الجمعة عيد الأسبوع، ولا يقيم الناس له ما يقيمونه لعيد الفطر وعيد الأضحى.
الطالب: بس أيام الفطر -يا شيخ- هم يقولون: هي ثلاثة أيام؟
الشيخ: لا، هذا توسع، والفقهاء رحمهم الله قالوا: إن الضرب بالدف يكون ليلة البناء -يعني ليلة الدخول- ويوم عقد الإملاك؛ يعني -مثلًا- لو عقدنا للرجل اليوم هذا يُضرب بالدف، كل هذا يقولون: لأن هذه أيام فرح وسرور، والشارع جعل للنفوس حظًّا من السرور بالمناسبة والفرح كما جعل لها حظًّا بالنسبة للأحزان، الإنسان يجوز أن يحدَّ على الميت كم؟ ثلاثة أيام، مع أنه لا يجوز الإحداد إلا للمرأة المتوفى عنها.
طالب: (...) الإعلان والدف كيف الفرق بينهما؟
الشيخ: بين أيش؟
الطالب: الدف والإعلان؟
الشيخ: الدف والإعلان؟
الطالب: نعم.
الشيخ: كالفرق بين زيد وعمرو، تعرف الفرق بينهما؟
الطالب: لا.
الشيخ: سبحان الله! من الذي جنبك، على يمينك؟ اسأله إن كان ما تعرف اسمه.
الطالب: ما أعرف.
الشيخ: قل له من أنت؟
طالب: بدر.
الشيخ: بدر، هل أنت بدر؟
طالب: لا.
الشيخ: خلاص. الإعلان أنه يعلن -مثلًا- بين الناس: فلان تزوج أو بيتزوج، أو ما أشبه ذلك، والدَّف الضرب بالدف.
الطالب: أقول: إن بعض الناس يعني عادتهم أن الدف يدخل في الإعلان (...)؟
الشيخ: هو ما فيه شك الدَّف إعلان وزيادة، معلوم إذا سمع الناس ضرب الدف عرفوا.
***
الشيخ: أي الروض؟
الطالب: الروض المربع.
الشيخ: إي. طيب، أعد.
الطالب: قال المصنف رحمه الله في كتاب الروض المربع بعد شرحه لباب الوليمة في كتاب النكاح: تتمة في جمل من آداب الأكل والشرب: تسن التسمية جهرًا على أكل وشرب، والحمد إذا فرغ، وأكله مما يليه بيمينه.
الشيخ: أولًا يجب علينا أن نعلم نعمة الله علينا في الأكل والشرب؛ أولًا في تيسيره وتسهيله حتى وصل إلينا، وقد أشار الله تعالى إلى هذه النعم في سورة الواقعة، فقال عز وجل: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ [الواقعة: ٦٣، ٦٤]، بعد أن ذكر المادة التي خلق منها الإنسان ذكر المواد التي يقوم بها الإنسان، فقال: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ، الجواب: بل أنت يا ربنا.
لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ [الواقعة: ٦٥] يعني: لو نشاء لنبت الزرع ونما واستتم ثم جعله الله حطامًا بما يرسل عليه من العواصف أو القواصف، وهذا أشد في الحسرة من كونه لا ينبت، يعني أن الله لم يقل: لو نشاء لم ينبت، قال: لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًاوهذا أشد؛ لأن تعلق النفس به بعد أن نما واستتم أشد من تعلقها وهو بذر.
فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ [الواقعة: ٦٥ - ٦٨] والطعام لا يكون إلا بماء، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ [الواقعة: ٦٩]، الجواب: بل أنت يا ربنا.
لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًاولم يقل: لو نشاء لم ننزله من المزن؛ لأن كون الماء بين يديك ولكن ما تستطيع أن تشربه لكونه أجاجًا أشد حسرة، فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ [الواقعة: ٧٠].
أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ [الواقعة: ٧١] ويصلح بها الطعام، أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ [الواقعة: ٧٢]، الجواب: الله عز وجل.
اذكر هذه النعم قبل أن تذكر نعمة الله عليك بالأكل والشرب، ثم اذكر نعمة الله عليك بأنك تسيغ الأكل ويسهل عليك وتتلذذ به مذاقًا، وتلذذ به مقرًّا في المعدة، وتلذذ به إخراجًا، نعمٌ عظيمة.
ألم يكن في الناس من لا يستطيع أن يسيغ اللقمة أو التمرة؟ بلى، احمد الله. كذلك أيضًا من الناس من لا يتنعم بقرار الطعام في المعدة. ومن الناس من لا يتنعم بإخراج هذا الأكل الذي عدمت فائدته بعد أن تفرقت الفائدة في الجسد. إذن اذكر هذا. إننا في الحقيقة -ونسأل الله أن يغفر لنا ويعفو عنا- إننا نأكل كما تأكل الأنعام، أكثر ما نأكل تشهيًا فقط دون أن نذكر هذه النعم التي ليست بأيدينا وليست من صنعنا، اللهم ذكرنا ما نسينا وعلمنا ما جهلنا.
الطلبة: آمين.
الشيخ: هذا الأكل الذي تدعو إليه الطبيعة جعل الله سبحانه وتعالى للموفقين منه عبادات عند البدء به، وعند الانتهاء منه، وفي أثنائه، عبادات، فأولًا اذكر أنك تأكل امتثالًا لأمر الله؛ لأن الله أمرك: كُلُوا وَاشْرَبُوا [البقرة: ٦٠]، تأكل لتحفظ صحتك وعافيتك، وأنت مأمور بهذا، حتى في العبادة إذا كنت مريضًا وخفت من الماء ماذا تصنع؟ تيمم؛ حفاظًا على الصحة ووقاية للبدن من المرض. اذكر هذا.
كذلك اذكر أنك تأكل لتقوى على طاعة الله، ولا سيما في السحور؛ حيث قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةٌ» . فيكون الآن أكلك الذي تدعو إليه النفس والفطرة يكون أيش؟ عبادة من أجلِّ العبادات.
ثم هناك عبادات مشروعة؛ منها التسمية: التسمية عند الأكل، والتسمية عند الشرب، يقول المؤلف رحمه الله: إنها تسن جهرًا، وهذا قول كثير من العلماء إن لم يكن أكثرهم.
والصواب أن التسمية واجبة عند الأكل والشرب، وأن الإنسان يأثم بها -أي بتركها- لأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك؛ حيث قال لعمر بن أبي سلمة: «يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهِ» مع أنه صغير، ولأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر أن الإنسان إذا لم يسم فإن الشيطان يشاركه في طعامه وشرابه، وأتت جارية والنبي صلى الله عليه وسلم جالس يأكل تدفع دفعًا حتى قعدت ومدت يدها لتأكل ولكنها لم تسم، فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم بيدها وأمرها أن تسمي، وأخبر أن يد الشيطان ويد الجارية في يده صلى الله عليه وسلم ، وهذا يدل على أن الشيطان يتحين الفرص أن يحضر من لم يحضر أول الأكل فيأكل بلا تسمية. فالصواب أن التسمية واجبة.
وأما قوله: (جهرًا) فهذا من أجل التعليم إذا كان معه أحد، ومن أجل إعلان هذا الذكر الذي يطرد به الشيطان إذا لم يكن معه أحد، فيقول: باسم الله.
وهل يزيد على ذلك؛ يقول: بسم الله الرحمن الرحيم؟
الجواب: إن اقتصر على قول: (باسم الله) فحسن، وإن زاد (الرحمن الرحيم) فحسن أيضًا. قال شيخ الإسلام رحمه الله: إذا زاد (الرحمن الرحيم) فحسن؛ لأن هذا تكملة البسملة، ففي القرآن الكريم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [الفاتحة: ١].
لكنه قال رحمه الله: وأما زيادتها عند الذبح -أي: الرحمن الرحيم- فقد ذكر بعض أهل العلم أنها غير مناسبة؛ لأنك الآن ستفعل ما لولا أن الله أحله لك ما كان لك أن تفعله؛ وهو ذبح الحيوان، فلا يناسب ذكر هذين الاسمين عند أيش؟ عند الذبح.
وأما ما قاله بعض الإخوان: إنه يكره أن تقول: الرحمن الرحيم، فعجب من هذا! كيف يتجرأ فيحكم بما ليس له به علم؟! والذي يقول: (الرحمن الرحيم) ما زاد إلا خيرًا؛ لأن من رحمة الله أن الله أيش؟ يسر لك هذا الأكل، فهي لا تنافي الحال ولا تنافي الشرع؛ لم يرد النهي، ولا يحل لإنسان أن يقول عن شيء: إنه يكره إلا بدليل؛ لأن الكراهة حكم شرعي تحتاج إلى دليل، أو إلى تعليل صحيح يشهد له النص.
طيب إذا كان الإنسان لا يحسن البسملة باللغة العربية ويحسنها بلسانه، فهل يسمي بلسانه أو لا؟
الجواب: نعم، يسمي بلسانه.
وإذا كان أخرس لا ينطق أبدًا فبالإشارة، وإذا كان معه أناس وأكلوا جميعًا، بدؤوا بالأكل جميعًا، هل تكفي تسمية الواحد أو لا بد أن يسمي كل إنسان بنفسه؟
الجواب: إن جاؤوا مرتبين بحيث يأتي الإنسان ولم يسمع تسمية الأول فلا بد أن يسمي، كما جاء في الحديث في قصة الجارية. وأما إذا كانوا بدؤوا جميعًا فالظاهر أن التسمية تكفي من واحد، لا سيما إذا نوى أنه سمى عن نفسه وعمن معه، ومع ذلك فالذي أختار أن يُسَمِّي كل إنسان بنفسه وإن بدؤوا جميعًا.
طالب: والحمد إذا فرغ.
الشيخ: نعم، يسن الحمد إذا فرغ، فإذا فرغ قال: الحمد لله؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ؛ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا» ، ولا شك أن هذا من باب الشكر لله عز وجل على نعمه أن يَسَّر لك هذا الطعام، فاحمد الله على ذلك.
ولكن هل نقول: إذا فرغ من جميع الأكل أو من كل أكلة ومن كل شربة؟
الظاهر الثاني؛ لأن الأكلات وإن تتابعت فهي أكلة واحدة، فإذا فرغ من أكل المرة فليحمد الله. واضح الكلام هذا ولَّا غير واضح؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب، إنسان -مثلًا- يأكل، أمامه رز يأكل، هل نقول: كلما أكلت لقمة قل: الحمد لله، أو السنة أن تحمد الله إذا فرغت نهائيًّا؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني. كذلك أيضًا واحد يأكل تمرًا، كلما أكل تمرة نقول: احمد الله؟ لا، ما دامت أكلة واحدة سم عند أولها واحمد عند آخرها.
طالب: وأكله مما يليه بيمينه بثلاث أصابع.
الشيخ: (وأكله مما يليه) هذا إذا كان معه أحد، فإن من الأدب أن يأكل مما يليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعمر بن أبي سلمة وهو ربيبه: «كُلْ مِمَّا يَلِيكَ» . ولأن هذا من المروءة والأدب. لكن إذا كان وحده فله أن يأكل من أي جانب ولكن لا يأكل من أعلى الصحفة؛ لأن البركة تنزل في أعلاها، يأكل من الجوانب لا حرج.
استثنى العلماء رحمهم الله إذا كان الأكل أنواعًا فلا بأس أن يأخذ مما لا يليه، وقد جاءت بذلك السنة ، كما لو كان على الطعام لحمٌ، اللحم لا يليه؛ في الوسط، فله أن يتناول منه.
وكذلك لو فُرِضَ أن المائدة فيها أنواع من الإدام وفيه نوع يلي صاحبه ولا يليه، فله أن يتناول منه، لكن هنا يحسن أن يستأذن؛ لأنه من كمال الأدب.
وقوله: (بيمينه) يعني: يسن أكله بيمينه؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعمر بن أبي سلمة: «كُلْ بِيَمِينِكَ».
وهذا الذي ذكره رحمه الله هو المشهور من المذهب؛ أن الأكل باليمين أفضل من الأكل باليسار، والقول الراجح في هذه المسألة أن الأكل باليمين واجب، ودليل هذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الأكل بالشمال وقال: «لَا يَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبْ بِشِمَالِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» ، وقد نُهِينا عن اتباع خطوات الشيطان.
والعجب أن بعض السفهاء منا -معشر المسلمين- يرون أن الأكل بالشمال تقدمًا؛ أي يتقدمون به تقدمًا، وأن هذا فعل ذوي المراتب العليا. فلا أدري عن هؤلاء الذين يقلدون الكفار الذين يصنعون القنابل والطيارات بأكلهم بالشمال. نقول: هل تصنعون طائرة؟ الجواب؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، أبدًا، ولا محرك طائرة، ومع ذلك يقتدون بهم بالآداب، ويرون هذا هو التقدم، ولكن هذا من إملاء الشيطان لا شك، ما دام الشيطان يأكل بشماله فإنه يحب من بني آدم أن يتابعوه على هذا.
فالصواب أن الأكل بالشمال حرام إلا لعذر، وأكل رجل بشماله عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فنهاه وقال: «كُلْ بِيَمينِكَ»، قال: لا أستطيع؛ يعني لا يستطيع نفسيًّا؛ لأنه ما منعه إلا الكبر والعياذ بالله، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا اسْتَطَعْتَ»، فما رفع الرجل يمينه إلى فمه أبدًا ؛ لأن الله أجاب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه بحق، وهذا نوع من التعزير غريب؛ أن يعزر الإنسان بأن يُدْعَى عليه بما يشبه معصيته؛ لأن التعزير التأديب بأي نوع كان.
إذن القول الراجح أيش؟ أنه يحرم الأكل بالشمال والشرب بالشمال، ويجب أن يأكل باليمين ويشرب باليمين.
فإن قال قائل: إذا كان الإنسان يأكل طعامًا وأراد أن يشرب، إذا أخذ باليمين تلوث الإناء بالطعام، وهذا ربما يُكَرِّه غيره أن يشرب به، أو يوجب أن النساء يغسلن هذا الإناء..





